← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

قلنا: إن المراد بالآية التشميت، أو قسناه على السلام، فإن التحية حينئذ هي العطاس مع حمد الله تعالى، فإن عريت من الحمد لم يشمت العاطس على ما تقدم في حديث أنس. وذكر بعضهم أنه إجماع من العلماء، وإن كان قد جاء في حديث البراء: أمرنا رسول الله ﷺ بتشميت العاطس، فعم مع الحمد وغير الحمد، العام إذا عارضه الخاص فيه تنازع بين العلماء هل يسلك فيه مسلك البيان أو مسلك النسخ. وقد اختلف فيما يقرن إلى العطاس وحينئذ يكون تحية أو مقيسًا على التحية، فقالت طائفة: يقول: ((الحمد لله)) على ما جاء في حديث أبي هريرة. وقالت طائفة: يقول: ((الحمد لله رب العالمين)). وقالت طائفة: ((الحمد لله على كل حال)). وذكره ابن عمر عن رسول الله ﷺ . وقال الطبري: الصواب أن العاطس مخير في هذه المحامد، وذكر عن أم سلمة أن رجلًا عطس عند النبي ﷺ فحمد الله تعالى، فقال له:

стр. 632

((يرحمك الله))، ثم عطس الثانية، فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فقال ﷺ : ((ارتفع هذا على هذا سبع عشرة درجة)). واختلفوا أيضًا في كيفية رد المشمت، فقالت طائفة: يرحمك الله، ويخصه بالدعاء على ما جاء في حديث أبي هريرة، وعلى ما جاء أيضًا من أن الله تعالى قال لآدم ﵇ حين عطس لما فرغ الله تعالى من خلقه، قال له: يرحمك الله ربك. وقالت طائفة: يعم بالتشميت العاطس وغيره. وكان الحسن يقول: الحمد لله يرحمكم الله. وقالت طائفة: يقول: يرحمنا الله وإياكم. وتشميت المشمت تحية أيضًا، فينبغي أن يكون لها رد. واختلفوا أيضًا في هذا الرد كيف يكون؟ فقالت طائفة: يقول: ((يهديكم الله ويصلح بالكم))، على حديث أبي هريرة الواقع في البخاري. وكان الشعبي يقول: يهديكم الله. وأنكرت طائفة أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. واحتارت يغفر الله لنا ولكم. وقال مالك والشافعي: إن شاء قال: يهديكم الله ويصلح بالكم، وإن شاء قال: يغفر الله

стр. 633

لكم، لا بأس بذلك. وقال الطبري: لا وجه لمن أنكر يهديكم الله ويصلح بالكم، لأن الإخبار بذلك عن النبي ﷺ أثبت من غيرها. واحتج الطحاوي لقول مالك بقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية﴾ الآية. فقال: إذا قال جوابًا لقوله: ((يرحمكم الله))، ((يغفر الله لكم)). فقد رد مثل ما حياه الله به. وإذا قال: ((يهديكم الله ويصلح بالكم))، فقد حياه بأحسن مما حياه؛ لأن المغفرة إنما هي من الذنوب، والرحمة ترك العقاب عليها. ومن جعلت له الهداية وكان مهديًا، كان بعيدًا عن الذنوب. ومن أصلح باله وهو حاله فحاله فوق حال المغفرة، فكان ذلك أولى. (٩٠) - (٩١) - قوله تعالى: ﴿إلا أن يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وما كان لمؤمن﴾: معنى جملة الآية: خذوا الكافرين واقتلولهم حيث وجدتهوهم إلا من دخل منهم في عداد من بينكم وبينهم ميثاق والتزم شهادتكم كرهط هلال بن عويمر الأسلمي، وشداد بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، أو من جاءكم وقد كره قتالكم وقتال قومه، وهذا بفضل الله ودفعه عنكم؛ إذ لو شاء لسلطه عليكم فلقاتلوكم ولم يتاركوكم، فإن

стр. 634

اعتزلوكم أي إذا وقع هذا فلم يقاتلوكم فلا سبيل لكم عليهم، وهذا كله الذي في سورة الممتحنة في قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم كم دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ [الممتحنة: ٨]، منسوخ بما في سورة براءة، قاله ابن زيد وغيره. وقال أبو الحسن: قال أبو عبيدة: ((يصلون)) يتنسبون. والانتساب يكون بالحلق وبالرحم والولاء، فجائز أن يدخل هؤلاء في عهد من انتسبوا إليه على حسب ما كان بين رسول الله ﷺ وبين قريش من المواعدة، فدخلت خزاعة في عهد النبي ﷺ ، ودخلت كنانة في عهد قريش ثم نسخت العهود ببراءة؛ فالمنسوخ ذلك العهد فمتى دعت الإمام حاجة إلى مهادنة الكفار من غير جزية يؤدونها، فكل من انتسب إلى المعاهدين على مقتضى هذه الآية صار منهم، واشتمل الأمان عليهم. ثم إنه تعالى نبه بقوله: ﴿ستجدون﴾ إلى آخر الآية (٩١) على قوم آخرين مخادعين يريدون الإقامة مع أهليهم في مواضعهم، فيقولن: نحن معكم على دينكم خديعة منهم. واختلف في المشار إليهم بذلك من العرب، فقيل: أسد وغطفان لأنها كانت بهذه الصفة. وقيل: نعيم ابن مسعود الأشجعي، كان ينقل بين النبي وبين الكفار الأخبار. وقال قوم: كانوا يجيشون من مكة إلى النبي ﷺ رياء يظهرون الإسلام ثم يرجعون إلى قريش فيكفرون، فقصهم الله تعالى وأخبر أنهم على غير صفة من تقدم.

стр. 635

- وقوله تعالى: ﴿إلى الفتنة﴾: معناه إلى الاختبار، حكي أنهم كانوا يرجعون إلى قومهم، فيقال لأحدهم: قل: ربي الخنفساء وربي العود وربي العقرب ونحوه، فيقولها. ومعنى: ﴿أركسوا فيها﴾ أرجعوا إلى ضلالة أي أهلكوا في الاختبار بما أوقعوا من الكفر، فحض تعالى بهذه الآية على قتل هؤلاء المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم إلى حال الآخرين المعتزلين الملقين السلم. (٩٢) - (٩٤) - قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطئًا﴾ إلى قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل اله فتبينوا﴾: اختلف في تأويل قوله: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا﴾، فقيل: معناه: ما كان في إذن الله وأمره لمؤمن أن يقتل مؤمنًا. وقيل: معناه: ما كان ذلك له في عهد الله تعالى. وقيل: معناه ما كان

стр. 636

له فيما سلف كما ليس له الآن. ويحتمل أن يقال: إن ((كان)) زائدة. واختلف في الاستثناء بقوله: ﴿إلا خطئًا﴾ هل هو منقطع أو متصل؟ فذهب الأكثر إلى أنه استثناء منقطع ليس من جنس الأول؛ وهو الذي تكون فيه ((إلا)) بمعنى: ((لكن))، والتقدير: لكن الخطأ قد يقع. وهذا يرد قول من لا يجيز الاستثناء المنقطع في الكلام، وبه يحتج من يجيزه. وذهب بعضهم إلى أن الاستثناء استثناء متصل، قال: وذلك بأن تقدر ((كان)) بمعنى استقر ووجد؛ كأنه قال ما وجد ولا استقر ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنًا، إلا خطئًا؛ إذ هو مغلوب فيه. وقيل: وجه اتصاله أن قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا﴾ اقتضى مأثم قاتله، لاقتضائه النهي عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿إلا خطئًا﴾ رفع المأثم عن قاتله، فإنما دخل الاستثناء على ما تضمنه اللفظ الأول من المأثم على القتل مطلقًا، فاستثنى من ذلك قتل الخطأ. وقال آخرون أيضًا: هو استثناء صحيح وجائز للمؤمن أن يقتل المؤمن خطأ في بعض الأحوال، وهو أن يرى عليه لباس المشركين والانحياز إليهم، فيظنه مشركًا، فيقتله في هذا الوقت على هذا الوجه جائز، كما فعل بأبي حذيفة بن اليمان. وتقدير الآية على هذا: ولا يجوز لمؤمن أن يقل مؤمنًا إلى إذا غلب على ظنه أنه مشرك، فعبر عن ذلك الخطأ. واختلف فيمن نزلت الآية، فقيل: في عياش بن ربيعة المخزومي حين قتل الحارث بن يزيد ابن

стр. 637

نبيشة؛ وذلك أنه كان يعذبه بمكة، ثم لما أسلم الحارث وجاء مهاجرًا فلقيه عياش بن ربيعة بالحرة، فظنه باقيًا على الكفر فقتله. ثم جاء فأخبر النبي ﷺ ، فشق ذلك عليه فنزلت الآية. فقال رسول الله ﷺ : ((قم فحرر))، وقيل: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، وكان يرعى غنمًا، فقتله وهو يتشهد، وساق غنمه فعنفه رسول الله ﷺ ونزلت الآية. وقيل: نزلت في أبي حذيفة بن اليمان قتل يوم أحد، وقيل غير هذا. - وقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾: في هذه الآية بيان ما على قاتل الخطأ من المؤمنين، والقتل عندنا عمدًا وخطأ. واختلف قول مالك في نوع ثالث: وهو شبه العمد، فعنه فيه روايتان، إحداهما: إثباته، وهو قول أبي حنيفة. والأخرى نفيه، ووجه هذه الرواية قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾، فذكر الخطأ المحض، ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ فذكر العمد المحض، ولم يذكر ثالثًا. والخطأ المحض الذي لم يختلف فيه أنه خطأ مثل أن يرمي شيئًا

стр. 638

فيصيب به إنسانًا فيقتله، أو يقتل المسلم في معركة العدو وهو يظنه كافرًا وما أشبهه، فهذا قتل خطأ بإجماع لا يجب فيه قصاص، وإنما تجب فيه الدية؛ كما قال تعالى لأنه لم يتعمد قتل مسلم ولا ضربه. واختلف إذا تعمد الضرب ولم يتعمد القتل، وكان ذلك على وجه اللعب، فقيل: إن ذلك من الخطأ وهو قول ابن القاسم، وروايته عن مالك. وقيل: إن ذلك عمد وهو قول مطرف وابن الماجشون وروايتهما عن مالك. وقيل: إن معنى هذا القول أن يضربه على وجه اللعب دون أن بلاعبه صاحبه، وأن معنى القول الأول: إذا لاعبه، فرجع القولان إلى قول واحد والأظهر أنه خلاف أن لا فرق بين أن يلاعبه وأن لا يلاعبه، إذا علم أنه لم يضربه إلا على وجه اللعب. الثالث: أن ذلك شبه العمد، فيه الدية مغلظة، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك. وقد قيل: إن التفرقة بين أن يلاعبه وبين أن لا يلاعبه قول رابع في المسألة، وكذلك إذا كان الضرب على وجه الأدب ممن يجوز له الأدب كالمؤدب، ففيه ثلاثة الأقوال المذكورة. والأظهر في هذا كله أنه خطأ، لأن حقيقة الخطأ في القتل عدم القصد إليه، وفي الأدب واللعب كما قدمنا عدم القصد إلى القتل. فوجب أن يكون خطأ. ولفظ الخطأ يعم ذلك كله. وقد قال تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢] الآية. وأما إن ضربه على وجه الحرج والدائرة ففيه روايتان، أحدهما:

стр. 639

أنه عمد وهو عن مالك. والثانية: شبه العمد، حكي ذلك العراقيون عن مالك. والأظهر في هذا أنه عمد؛ لأن عامد الضرب على هذا الوجه لا يبالي ما ترامت إليه ضرباته. ففي مضمن ذلك إذ القصد إلى النفس، وإن لم يتعمده، فذلك إذا عمدًا؛ لأن معنى العمد في القتل القصد إليه. والقصد إلى ما يفضي إليه قصد إليه، فهو إذًا عمد. وحكمه ما نص تعالى عليه في الآية بعد هذه. وأما قصد القتل، فهو عمد بلا خلاف، فالقتل إذا على ثلاثة أوجه، أحدها: أن لا يتعمد الضرب ولا القتل، فهو خطأ بلا خلاف. والثاني: أن يتعمد القتل، فهو عمد بلا خلاف. والثالث: أن يتعمد القتل فيفضي إلى القتل، ففي هذا اختلف الناس والقول يشبه العمد في ذلك يرده ما قدمناه وإنما هو خطأ أو عمد، وليس هذه بموضع ذكره. (٩٢) - وقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾: هذا لفظ يحتمل ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون تحرير الرقبة وتأدية الدية على غير القاتل. والثاني: أن يكون على القاتل. والثالث: أن

стр. 640

يكون أحدهما على القاتل والآخر على غيره. والأظهر من محتملاته أن يكون على القاتل، لكن النبي ﷺ أبان مراد الله تعالى في الآية، وأي وجه من وجوه محتملاتها قصد. وإن كان الأظهر من لفظها غير ذلك، فعرف أن الكفارة في مال قاتل الخطأ لا في مال غيره، وأن الدية على عاقلة القاتل. وأجمع الناس على ذلك، ولا شك أن إيجاب ذلك على العاقلة خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات. ولم يجب ذلك على العاقلة تغليظًا ولا لأن عليهم وزرًا من قلت غيرهم؛ ولكنها مواساة محضة. واعتقد أبو حنيفة أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل ديوان القاتل. وهذا بعيد، فإن نصرة الديوان غير لازمة. وإنما هي لاختيار من في الديوان، والأحسن ما عليه الجمهور في العاقلة. وقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾، يقتضي ابتداء عتقها من غير عقد حرية تقدمت فيها. ومن الناس من لم ير أنه يقضي ذلك، والأول أظهر لهذا. واختلفوا في جواز عتق المدبر في الرقاب الواجبة، فلم يجزه مالك، وأجازه الشافعي. واختلفوا أيضًا في المكاتب في الرقاب الواجبة، فلم يجزه مالك، وأجازه غيره، وفرق بين أن يكون أدى من كتابته شيئًا أم لا؟ فقالوا: إن لم يؤد شيئًا جاز عتقه. وإن أدى لم يجز عتقه. واختلف أيضًا في أم الولد، فلم يجزه الجمهور. وأجازه طاووس والنخعي والحسن، وأظهر الأقوال قزل مالك ومن تابعه؛ لأن أم الولد والمكاتب والمدبر قد ثبت لهم عقد حرية لا سبيل إلى

стр. 641

دفعه. والله تعالى إنما ألزم من عليه عتق رقبة واجبة أن يبتدئ عتقها من غير عقد حرة تقدمت فيها قبل عتقها. فقال تعالى: ﴿وتحرير رقبة﴾، ولم يقل: ((بعض رقبة)). واختلفوا أيضًا في عتق المعتق إلى أجل فلم يجزه مالك وأجازه الشافعي. والحجة لمن أجازه في الرقاب لواجبة ما قدمناه. واختلفوا أيضًا في عتق من يجب على الإنسان عتقه إذا ملكه، كالوالد والولد فلم يجزه الأكثر، وأجازه أصحاب الرأي ودليل القول الأول ما قدمناه. واختلفوا أيضًا في عتق رقبة من قال فيها: ((إن اشتريتها فهي حرة)). والأظهر المنع من ذلك وهو مذهب مالط، وحجته ما قدمناه. واختلفوا أيضًا إذا عتق عن رقبة واجبة عليه عبدًا مشتركًا بينه وبين أحد، فلم يجز مالك في المشهور عنه، وهو قول أبي حنيفة وأجازه الشافعي ومالك على ما ذكره بعضهم عنه والأوزاعي إذا كان موسرًا ولم يجوزه إذا كان معسرًا. وحجة المنع من ذلك أن أعتق نصف عبد لا عبدًا؛ لأن الشريك مخبر إن شاء قوم وإن شاء أعتق، والله تعالى إنما أمر بتحرير رقبة، وإن قوم عليه

стр. 642

شريكه فقد تبعض العتق. والله تعالى إنما أمر بتحرير رقبة، ومفهوم ذلك إعتاقها بمرة لا أن يعتق بعضها ثم بعد ذلك باقيها. ولا يجزئ عند مالك من تابعه: إعتاق رقبة في الواجبات إلا أن تكون سليمة من جميع العيوب الفاحشة والتي تنقصها مما تحتاج إليه من العناء. وأجاز داود إعتاق المعيب جملة. وأجاز الشافعي عتق الأخرس والمجنون الذي يفيق أحيانًا، وأجاز أكثرهم الأعرج. وأجاز أبو حنيفة أقط أحد اليدين والرجلين، ولم يجز مالك شيئًا من ذلك. والحجة لقوله: قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾، والإطلاق يقتضي كامله. واختلف في ولد الزنا هل يجوز في الكفارة الواجبة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى جوازه. وقال عطاء والشافعي والنخعي: لا يجوز عتقه. والحجة لجواز عتقه قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾. وهذه الآية تقتضي إعتاق رقبة لم يقدم فيها عقد حرية، سليمة البدن، وإذا كان ولد الزنا كذلك فعتقه جائز، وما روي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال فيه: ((ولد الزنا شر الثلاثة))، فللكلام عله موضع غير هذا. وقوله تعالى: ﴿مؤمنة﴾ تقييد الرقبة بمؤمنة يقتضي أنه لا يجوز عتق غير المؤمنة في كفارة قتل الخطأ، وهو إجماع. وإنما اختلفوا في العتق في كفارة اليمين وكفارة

стр. 643

الظهار هل يجوز فيهما إعتاق غير المؤمنة أم لا؟ لأن الله تعالى قد قال في تينك: ﴿فتحرير رقبة﴾ مطلقًا ولم يقيدها بمؤمنة كام فعل في كفارة القتل، فذهب قوم إلى أنه يجوز فيما عدا كفارة القتل إعتاق الرقبة غير المؤمنة؛ لأن الله تعالى أطلق فيهما ولم يقيد بالإيمان. ومنع من ذلك آخرون، ولم يجيزوا إلا عتق المؤمنة استدلالًا بقوله في كفارة القتل: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾، فقيد الرقبة بالإيمان، قالوا: فواجب حمل كفارة اليمين وكفارة الظهار على كفارة القتل؛ إذ كانتا في معناها؛ لأن الكفارة تجمع ذلك. واحتجوا على ذلك بأن الله تعالى أمر بالإشهاد، فقال: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولم يشرط العدالة. ثم قال في موضع آخر: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، و ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلم يجز من الشهداء إلا العدل، فوجب حمل المطلق على المقيد وهذا الخلاف مبني على مسألة اختلف الأصوليون فيها، وهي حمل المطلق على المقيد إذا كانا من جنس واحد. والذي اعتمد عليه الشافعي في اشتراط الإيمان في كفارة الظهار حديث الأمة الخرساء؛ لأنه لم ير حمل كفارة الظهار على كفارة القتل. واختلف الذين ذهبوا إلى أنه لا يعتق إلا مؤمنة، في عتق الكافر إذا كان ممن يجبر على الإسلام كالمجوسي الكبير أو الصغير. فقال أشهب: لا يجزيه واستظهر بحديث السوداء. واختلف في الكتابي الصغير، فقال ابن القاسم: يجزئه. وعلى قول ابن وهب وأشهب لا يجزئه. وظاهر اشتراط الإيمان حجة لمن منع. وأهل القول الأول يتأولون قوله تعالى: ﴿مؤمنة﴾ على الرقبة التي يحكم لها بحكم الإيمان.

стр. 644

(٩٢) - وقوله تعالى: ﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾: واختلف في الدية التي ذكر الله تعالى ما هي؟ فقيل: هي مائة من الإبل على أهل الإبل، وألف دينار على أهل الذهب، اثنتي عشر ألف درهم على أهل الورق. ولا تكون من غير هذه الأصناف الثلاثة، وهو مذهب مالك. وهو المشهور عن عمر بن الخطاب وقيل: مائة من الإبل على أهل الإبل، وألف دينار على أهل الذهب، وعشرة آلاف درهم على أهل الورق. وإليه ذهب أبو حنيفة، وروي عن عمر ابن الخطاب أيضًا. وقيل: هي على أهل الذهب وعلى أهل الورق وعلى أهل الإبل كما قدمنا من مذهب مالك، وألفا شاة على أهل الشاة، ومائتا بقرة على أهل البقر، ومائتا حلة على أهل الحلل، وهو قول عطاء وقتادة. وفيه حديث مرفوع وقيل: إن على الناس كلهم مائة بعير كان ما لهم ما كان، فإن لم توجد عندهم الإبل فقيمتها من الذهب والورق في وقت النازلة بلغت ما بلغت، وهذا أحد قولي الشافعي. وقوله القديم مثل قول مالك، فهذه أربعة أقوال في تفسير الدية. واختلف في المائة من الإبل، فقيل: هي مخمسة: عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون،

стр. 645

وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، هذا مذهب مالك وجميع أصحابه ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة وجميع أصحابهما، إلا أن أبا حنيفة جهل مكان ابن اللبون وابن المخاض. وذهب جماعة من السلف إلى أنها مربعة. واختلفوا في أسنانها على ستة أقوال: ذكرها ابن المنذر وغيره. وقوله تعالى: ﴿مسلمة﴾ يريد مسلمة من عاقلة القاتل إلى أهل المقتول. واختلف في مدة تسليمها، فقيل: تكون حالة عليهم. وقيل: في سنة. وقيل: يؤديها في ثلاث سنين. وقيل: في أربعة سنين. وقيل: في خمس سنين. ولفظ التسليم عام في هذه الوجوه، يقتضي الحلول لولا ما جاء من السنة في ذلك. قوله تعالى: ﴿إلى أهله﴾ يريد إلى ورثته، والزوجة من جملة الأهل، فيكون لها ميراثها في الدية. وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه لا ترث الزوجة من ذلك شيئًا. والقول الأول أصح؛ لقوله تعالى: ﴿إلى أهله﴾، وهي من الأهل بلا خلاف، يؤيد ذلك أن رسول الله ﷺ كتب إلى الضحاك بن سفيان: ((أن يورث امرأة أشيم من زوجها)). وقوله تعالى: ﴿إلا أن تصدقوا﴾، يريد أولياء القتيل. واختلف هل يجوز عفو المقتول خطأ عن الدية أم لا؟ فذهب الجمهور إلى جوازه،

стр. 646

وذهب قوم من أهل الظاهر إلى أن العفو لا يكون للقتيل ولا يكون إلا للأولياء خاصة. ومن حجتهم قوله تعالى: ﴿إلا أن يصدقوا﴾. وهذا الضمير عائد على الأولياء، فلم ير ذلك ساقطًا إلا عن إذن الأولياء، وهذا عند أهل القول الأول إنما هو إذا لم يعف القتيل أ, مات ولم يسمع منه عفو. واختلف في الرجل يقر بقتل الخطأ. فعن مالك في ذلك خمس روايات، أحدها: أنه لا شيء على المقر ولا على عاقلته. والثانية: أن على العاقلة الدية بقسامة. والثالثة: ان الدية تفض على العاقلة، وعليه فما صار عليه غرمه وما صار على العاقلة لم تغرمه. والرابعة: أن الدية في ماله، أعني بغير قسامة. والخامسة: أن الدية في ماله بقسامة، والأصح من هذه الروايات إثبات الدية في مال القاتل؛ لأنه مثبت على نفسه قتل الخطأ. وقد قال تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾، فلا بد من الدية ولم يلزمها العاقلة؛ لأن ذلك لم يثبت فلم يبق إلى أن تكون في ماله، مع أن ظاهر قوله تعالى: ﴿ودية مسلمة﴾ الآية،

стр. 647

أن تكون الدية الخطأ على القاتل؛ إلا أن الشرع خصص من ذلك الثابت بالبينة، وبقي قتل الخطأ الثابت بغير بينة على ما كان يقتضيه اللفظ. واختلف في خطأ الإمام، فذهب مالك ومن تبعه إلى أن خطأه على عاقلته، وقال عبد الله ابن الحسن: في ماله، وقيل: في بيت المال، وقيلك لا على عاقلته لا في ماله ولا في بيت المال. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية﴾، فأوجب الدية ولم يخص إمام ولا غيره. وختلف في العبد المؤمن يقتل. فعند مالك أن على عاقلته عمدًا أو خطأ قيمته بالغة ما بلغت، وعند الشافعي في المشهور عنه أن على عاقلة العبد خطأ قيمته في ثلاث سنين، وإن كانت قيمته أكثر من الدية. وعند طائفة من أهل العلم أنه لا يبلغ فيه دية الحر، بل ينقض منها شيء. وقال الحسن: إذا قتل الحر العبد خطأ فعليه الدية والكفارة. والذي ذهب إليه من ذلك حجته، والله تعالى أعلم. عموم قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾ الآية. واختلف في القاتل هل يرث من دية المقتول شيئًا أم لا؟ فعند الجمهور أنه لا يرث، وعند قوم من أهل العلم أنه يرث. ومن حجتهم قوله تعالى: ﴿إلى أهله﴾، والقاتل من أهله فيدخل في الدية كما يدخل غيره من الأهل. ونحن نسلم أن ظاهر الآية كذلك إلا أنه خصصه من ظاهرها قوله ﵊: ((ليس لقاتل ميراث)).

стр. 648

واختلفوا في دية المرأة، فقيل: هو الذي عليه الجمهور، هي على النصف من دية الرجل؛ لقوله ﷺ : ((ودية المرأة على نصف من دية الرجل)). وقال قوم: ديتها سواء: وكأنهم رأوا المرأة داخلة تحت عموم قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾، وهذا مثل قوله ﵊: ((أيما رجل أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه))، والمرأة في معناه، وكذلك المؤمنة فيها بمعنى المؤمن. (٩٢) - وقوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾: اختلف فيها هل هي محكمة أم منسوخة؟ فظاهر قول مالك إن الآية منسوخة لأنها عنده تقتضي أن المؤمن المقتول خطأ من قوم كفار لا دية فيه لجماعة المسلمين الذين يرمونه، فرأى أنها منسوخة، وأن الدية فيه لبيت المال مع الكفارة؛ سواء كان هذا المقتول في دار الحرب منذ أسلم أو دخل دار الإسلام، ثم عاد إلى دار الحرب أو لم يعد. قال بعضهم: يريد أنها منسوخة بقوله : ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفال: ٧٥]، والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها على معنيين، فقيل: المعنى إن كان هذا المقتول خطأ رجلًا مؤمنًا قد آمن وبقي في قومه وهو كفرة عدو لكم فلا دية فيه، وفيه كفارة تحرير رقبة. وإن كان دخل في

стр. 649

دار الإسلام ثم عاد إلى دار الحرب فقتل ففيه الكفارة، والدية لبيت المال، وهو قول أبي حنيفة. وعنه في الأسير روايتان. ودليل مالك: ظاهر قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾، فعم. وقال أبو الحسن: ذكر الله تعالى تحرير الرقبة في هذه الآية في ثلاث مواضع، والدية في موضعين، ولم يذكر الدية في قوله: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن﴾، فيحتمل أن يقال: الدية تجب لبيت المال؛ لكن لم يذكرها الله تعالى كما ذكر في الموضعين الآخرين أنها لأهل المقتول، إن لم يكن له من الأهل وارث تدفع إليه. والشافعي يقول: إذا قتل مسلمًا في دار الحرب في الغارة والحرب أو في دار الإسلام إلا أنه في الحرب والغارة، فعليه الكفارة ولا دية على ظاهر الآية. وحكى عبد الوهاب عن الشافعي أن السلم إذا قتل في الحرب خطأ ففيه الكفارة ولا دية، سواء دخل دار الإسلام بعد إسلامه أم لا، أو كان أسيرًا. وقال أبو الحسن: وهذا بعيد عن قياس الأصول؛ لأن الجهل بصفة الشيء لا يسقط ضمانه إذا كان مضمونًا، ومن أجله صار صائرون إلى وجوب الضمان، وذكروا أن السكوت عن ذكر الضمان لا يسقط الضمان، فإن قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾، يتناول كل مؤمن؛ ولكنه إنما سكت عنه لأنه لا يجب فيه دية تسلم إلى أهل المقتول، فإن أهله كفار فأراد أن يبين بالسكوت ودلالة العموم. والسبب عندهم في نزولها أن جيوش رسول الله ﷺ كانت تمر بقبائل الكفار فربما قتلت من قد آمن ولم يهاجر أو من هاجر

стр. 650

ثم رجع إلى قومه فقتل في جملة الحرب على أنه كافر فنزلت الآية، وتسقط الدية عند القائلين بسقوطها بهذين الوجهين، أحدهما: مخافة أن يتقوى بها الكفار، والثاني: أن دية هذا الذي لم يهاجر بعد إسلامه كما له فلا دية فيه. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿والذين آموا ولم يهاجروا ما لكن من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ [الأنفال: ٧٢]، وإلى هذا القول في الآية يذهب ابن عباس وقتادة وغيرهما، فهذه ثلاثة أقوال في دية المسلم الذي هو من قوم كفار يقتل خطأ في دار الحرب أو في الحرب مع الكفار، ولا خلاف في وجوب الكفارة فيه. وأما قتله هناك عمدًا فحكمه حكم سائر المؤمنين في القود بقتله، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما لا قود فيه على التفصيل الذي قدمنا عنهما في الخطأ. ودليل مالك ظاهر آية العمد في العقاب وظاهر آية القصاص. (٩٢) - وقوله تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ الآية: اختلف في تأويلها على ثلاثة أقوال أيضًا، فقيل: المعنى إن كان هذا المقتول خطأ مؤمنًا من قوم معاهدين لكن فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم، وتجب فيه الكفارة بتحرير رقبة. وقرأها الحسن: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن﴾، فجعل أهل هذه المقالة المقتول مؤمنًا من قوم معاهدين كفار، وهو قول مالك، ولهذا قال: لا كفارة في قتل الذمي. واعتمد على قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾ الآية [النساء: ٩٢]، وقيل: المعنى إن كان هذا المقتول خطأ معاهدًا كافرًا من قوم معاهدين كفار، فقتلتموه خطأ فكفارته التحرير، ويجب فيه أداء الدية إلى

стр. 651

قومه، فالمقتول على هذا القول في الآية كافر. وقيل: بل الآية عامة في المؤمن والكافر إذا كان من أهل عهد ففيهما الدية والتحرير، وإلى نحو هذا ذهب الشعبي وابن عباس أيضًا. قال الطبري: وأولى الأقوال قول من قال: إنه المعاهد من أهل العهد؛ لأن الله تعالى أبهم ذلك ولم يقل: ﴿وهو مؤمن﴾، كما قال في القتيل من المؤمنين وأهل الحرب وهو مؤمن؛ ولأجل هذا الخلاف رأى الشافعي وأبو حنيفة الكفارة في قتل الذمي. وقد اختلف في قدر دية المعاهد من أهل الذمة اليهود، والنصارى، والمجوس. فقيل في اليهودي والنصراني: ديتهما مثل نصف دية المسلم، وهو قول مالك. وقيل: ديتهما مثل ثلث دية المسلم وهو قول الشافعي. وقيل: ديتهما مثل دية الحر المسلم، وهو قول أبي حنيفة. وقيل: في المجوسي: ديته ثمانمائة درهم، وهو قول مالك، وقيل: نصف دية المسلم، وهو قول عمر بن عبد العزيز. وقيل: مثل دية الحر المسلم، وهو قول أبي حنيفة، وحجة أبي حنيفة في المجوسي والكتابي المعاهدين ظاهر قوله تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ الآية. فأول أن المراد بها الكافر، وقال: أوجب الله تعالى في قتله خطأ الدية والكفارة، كما أوجب في المؤمن، فوجب أن تكون ديتهما سواء، وهذا مما لا حجة فيه؛ لأن الله تعالى لم يذكر فيه أنه كافر. فيحتمل أن يكون المراد به أنه مؤمن. ولو صح أن المراد به الكافر لما وجب استواء الديتين لاستواء الكفارتين، لأن هذا الأمر لا مدخل للقياس فيه، وإنما يرجع فيه إلى التوقيف، وإذا رجع فيه إلى ذلك فقول مالك أصح الأقوال؛ لأن

стр. 652

النبي ﷺ قد قال: ((دية الكافر مثل دية المسلم)). وقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد﴾ الآية. اختلف في تأويلها، فقيل: المعنى فمن لم يجد العتق فصيام شهرين متتابعين يجزئ عنه، وهو قول الجمهور. وقيل: فمن لم يجد العتق والدية فصيام شهرين يجزئه، وهو قول الشافعي. وقل الطبري: وأولى القولين أن الصوم عن الرقبة خاصة؛ لأن دية الخطأ على عاقلة القاتل والكفارة على قاتل بإجماع فلا يقضي صوم صائم عما لزم غيره في ماله، والكفارة عندنا في قتل الخطأ إعتاق أو صيام ولا إطعان فيها، وإن عجز عن الإعتاق أو الصوم كانت الكفارة في ذمته خلافًا للشافعي في أحد قوليه: أنه يطعم، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾، وذلك يفيد أنه جميع ما يجب في ذلك. وعلى الصبي والمجنون المسلم إذا قتلا حرًا خطأ الكفارة لأبي حنيفة في قوله: لا كفارة عليهما؛ لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة﴾، وذلك على عمومه في بني آدم. ومن قتل عبدًا مؤمنًا خطأ فالكفارة فيه عند أصحاب مالك

стр. 653

مستحبة غير واجبة؛ لأن العبد كالمال. وقال الشافعي وأبو حنيفة: الكفارة فيه واجبة كالحر المسلم اعتمادًا على ظاهر الآية. وإذا قتل جماعة رجلًا مؤمنًا، فعلى كل واحد منهم كفارة خلافًا لمن قال: كفارة واحدة تجزئهم، ودليلنا قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾، فعم الاشتراك والانفراد. وعند مالك أنه لا كفارة في العمد، خلافًا لأحد قولي الشافعي، ودليلنا أن الله تعالى أوجب الكفارة في الخطأ فدليل خطابه أن العمد بخلاف ذلك. وقال الشافعي: إذا وجبت الكفارة فلأن تجب في العمد أولى. وهذا كما قال: إذا شرع السجود في السهو؛ فلأن يشرع في العمد أولى. وقوله تعالى: ﴿متتابعين﴾ شرط تعالى التتابع في صوم الشهرين ولا يكلف تعالى إلا على حسب الإمكان، فالحيض والمرض على هذا لا يقطعان التتابع؛ لأنهما مما لا يستطاع دفعه، فصح البناء على ما سبق من الصوم. واختلف إن سافر فمرض. وأما إذا تعمد الفطر فلا خلاف أنه ينقطع التتابع. واختلف إن أفطر ناسيًا أو مخطئًا في العدد أو جاهلًا بالحكم، فظاهر إطلاق التتابع في الآية أن الصوم لا يجزئ، وقال محمد بن عبد الحكم في المرض والنسيان: يجزئ الصوم واحتج بأن ذلك مما لا يمكن دفعه. قال بعضهم: وهذا بين؛ لقوله ﵊: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). فسوى

стр. 654

بين النسيان والاستكراه، والاستكراه لا يقطع الصوم فكذلك النسيان. وقوله تعالى بعد ذكر الخطأ: ﴿توبة من الله﴾، معناه: إنما أوجبه الله تعالى عليكم فيه إنما أوجبه ليقبل توبتكم فيما أنتم منسوبون فيه إلى التقصير. وقيل: معنى التوبة التوسعة أي توسعة من الله تعالى ورحمة؛ كما قال: ﴿فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ [البقرة: ١٨٧]، وكما قال: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين﴾ [التوبة: ١١٧]، أي وسع الله عليهم وخفف عنهم. (٩٣) - قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ الآية: هذه الآية مع قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلاهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا * إلا من تاب وآمن﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. تنازع الناس في تأويلها على حسب اختلاف مذاهبهم في قبول التوبة من القاتل وإنفاذ الوعيد عليه، فمن رأى أنه لا توبة له، وأن الوعيد لاحق به ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وزيد نب ثابت وغيرهم، وإلى هذا ذهب مالك؛ لأنه روى عنه أن إمامة القاتل لا تجوز وإن تاب. وممن روى عنه قبول توبته وأنه في المشيئة ابن عباس وأوب هريرة وزيد بن ثابت وغيرهم. والذين ذهبوا إلى المذهب الأول اختلفوا في تأويل الآيتين المتقدمتين الذكر الواردتين في قاتل

стр. 655

النفس التي حرم الله تعالى، فمنهم من ذهب إلى أن آية النساء ناسخة لآية الفرقان؛ لأن ((النساء)) مدنية و ((الفرقان)) مكية. وروي أن الفرقان نزلت قبل ((النساء)) بستة أشهر، والقول بالنسخ هنا يضعف، ومنهم من ذهب إلى أن الآيتين محكمتان وأن آية ((الفرقان)) نزلت في المشركين، وآية ((النساء)) في المؤمنين. وأكثر الذاهبين إلى هذا القول يرون الخلود المذكور في الآية غير مؤبد؛ لأنه لا يخلد في الدار إلا الكافر. وبعضهم يرى أنه مخلد في النار على ظاهر الآية، وهؤلاء الذين لا يرون قبول توبته القاتل يرون هذه الآية مخصصة عموم قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ١١٦]. وقد روي عن زيد أن هذه الآية: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ أنزلت بعد قوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ بأربعة أشهر. والذين ذهبوا المذهب الثاني في قبول التوبة كما قدمنا اختلفوا في تأويل الآيتين المذكورتين أيضًا، فمنهم من قال: إن اللينة نسحت الشديدة، يعني أن آية ((الفرقان)) نسخت آية ((النساء))، والقول بالنسخ كما قدمنا ضعيف، ومنهم من قال: هما محكمتان واردتان في الكفار. واستدل على ذلك بما فيهما من ذكر الخلود في النار الذي هو من صفة عذاب الكفار. ومنهم من قال: هما محكمتان إلا أن آية ((الفرقان)) وردت في الكفار، وآية ((النساء)) وردت في المسلمين إلا أن معناها أن ذلك جزاؤه إن جازاه الله تعالى، بدليل قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، ومنهم من قال: هما محكمتان إلا أن معنى آية ((النساء)) فيمن قتل

стр. 656

مؤمنًا متعمدًا مستحلًا لقتله؛ لأنه إذا فعل ذلك كافر بإجماع. وكذلك كل من أحل حرامًا أو حرم حلالًا على سبيل الاعتقاد. وقيل: إن الآية نزلت في رجل أسلم بعينه ثم ارتد وقتل مؤمنًا. وقيل: نزلت في رجل من الأنصار قتل له ولي فقبل الدية، ثم وقب على قاتل وليه فقتله وارتد، قاله ابن جريج وغيره. وقال بعضهم: نزلت في شأن مقيس ابن صبابة حين قتل أخاه هشام بن صبابة رجل من الأنصار، فأخذ له رسول الله ﷺ الدية ثم بعثه مع رجل من فهر بعد ذلك في أمر فعدم إليه مقيس فقتله ورجه إلى مكة مرتدًا، وجعل ينشد: قتلت به فهرًا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع حللت به وتري وأدركت ثورتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع فقال رسول الله ﷺ : ((لا أومنه في حل ولا حرم))، وأمر بقتله رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو متعلق بأستار الكعبة.

стр. 657

(٩٤) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ إلى قوله: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ الآية: سببها أن بعض سرايا رسول الله ﷺ لقوا رجلًا له حمل ومتاع، وقيل: غنيمة، فسلم على القوم وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله فشق ذلك على رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية. واختلف المفسرون في القاتل والمقتول من هما، فقيل: القاتل أسامة بن زيد، والمقتول مرداس بن نهيك الغطفاني. وقيل: القاتل غالب الليث، والمقتول مرداس. وقيل: هو فليت، وقيل: القاتل محلم بن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط. وقيل: القاتل أبو قتادة. وقيل: القاتل أبو الدرداء. وفي الخبر أن الذي قتله لما دفن لفظته الأرض ثلاث مرات، فأمر به النبي ﷺ فألقي في غار، وقال: ((إن الأرض تقبل من هو شر منه)). وقال بعضهم: ول خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات محلم بن جثامة. وقوله تعالى: ﴿السلم﴾، معناه: الاستسلام، أي ألقى بيده لكم وأظهر دعوتكم، فعلى ما ذكرناه من تفسير هذه الآية إذا أسلم الكافر وقد

стр. 658

قدر عليه أو لم يقدر عليه فقد عصم دمه، بخلاف المحارب. ولا أذكر في ذلك خلافًا؛ إلا أن اهل العلم اختلفوا فيما يكون به مسلمًا له ما للمسلمين، فذهب قوم إلى أن من قال: ((لا إله إلا الله فقد صار بها مسلمًا)). واحتجوا بحديث أبي هريرة: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال ذلك فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله)). وخالفهم آخرون وقالوا: لا يكون مسلمًا حتى يقول: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله))، قالوا: لا حجة في حديث أبي هريرة؛ لأنه ﷺ إنما يقاتل قومًا لا يوحدون الله تعالى فكان أحدهم إذا وحد الله تعالى علم بذلك تركه لما قوتل عليه، وإن كان لا يعلم دخوله في الإسلام، واحتجوا بقوله ﵊ حين قال علي رضي الله تعالى عنه: ((على ما أقاتلهم؟ )) قال: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله))، قالوا: وقد روى الحديث الذي يحتج به الأولون: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)). وقد أباح الله تعالى قتالهم، وإن شهدوا أن لا إله إلا الله حتى يشهدوا أن محمدًا

стр. 659

رسول الله، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف فيأتي على قول الفريقين في الوثني إذا قال: لا إله إلا الله أنه مسلم على ما قدمنا، وإنما خلافهم في الكتابي، فإلقاء السلم من الوثني عندهم ((لا إله إلا الله)). وإلقاؤه من الكتابي مختلف فيه، فمنهم من يقول: لا إله إلا الله إلقاء سلم منه، ومنهم من يقول: إلقاء السلم منه: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله))، وعندي أنه سواء في الوثني والكتابي، وأن الوثني ينبغي أن لا يقبل منه إلا لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لأنه قد يقول: لا إله إلا الله، وإن كان دالًا على ترك ما هو فيه ولا يدخل به في الإسلام، بل لعله يدخل بذلك في دين اليهود والنصارى، أو لا يلزم ديننا، وإنما نعرفه باجتماع الكلمتين، فهو عندي إلقاء السلم من الوثني والكتابي. وقال أبو الحسن: مقتضى قوله تعالى: ﴿لمن ألقى إليكم السلام﴾، أن من قال: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله))، أو قال: ((إني مسلم)) يحكم له بحكم الإسلام؛ لأن قوله تعالى: ﴿لمن ألقى إليكم السلام﴾ إنما معناه: لمن استسلم فأظهر الانقياد لما دعي إليه من الإسلام، وقد قرئ ((السلام)) فهو إظهار تحية الإسلام ممن استسلم، فلا جرم. قال علماؤنا: إنما يحكم له بالإسلام إذا أظهر ما ينافي سائر اعتقاده. فإذا قال اليهودي أو النصراني أنا مسلم لم يصر مسلمًا؛ لأنهم كلهم يقولون نحن مسلمون،

стр. 660

ولو قاله المشركون حكم بإسلامهم؛ لأنهم لا يقولون نحن مسلمون، وكذلك قوله: لا إله إلا الله، لا يقوله المشركون. قال الله تعالى فيهم: ﴿إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ [الصافات: ٣٥]، واليهود والنصارى يوافقون على هذه الكلمة وإنما يخالفون في نبوة سيدنا محمد ﷺ ، فمتى أظهر مظهر الإيمان بسيدنا محمد ﷺ فهو مسلم، حتى قال قائلون من أصحابنا، وأنه هو قول: محمد رسول الله، فلا يحكم بإسلامه لإمكان أن يكون من العيسوية، حتى يقول: ((محمد رسول الله)) إلى الكافة، ولا يكون مسلمًا بذلك أيضًا لأن منهم من يقول: محمدًا رسول الله من الكافة من الناس، ولكنه لم يبعث وسيبعث. وإذا تبين ذلك فما لم يقل: أنا بريء من اليهودية والنصرانية لا يصير مسلمًا، ويحتمل أن يكون قراءة من قرأ: السلام أن يكون السلام بمعنى المسالمة والاعتزال. قال أبو الحسن: وظاهر هذه الآية مما احتج به في قبول توبة الزنديق وغيره ممن أظهر الاستسلام؛ لأن الله تعالى لم يفقر بين الزنديق وغيره ممن أظهر الاستسلام. وأما على ما قاله علماؤنا من الشروط المعتبرة في إسلام الكفار، فلا تقبل توبة الزنديق؛ لأنا لا نعرف في حقه علمًا يظهر به خلاف اعتقاده، لأن ودينه الذي يعتقده أن يدخل مع كل قوم فيما يهدونه،

стр. 661

فكان اليهودي إذا قال: لا إله إلا الله، وهذا تدقيق حسن. ولم يذكر الله تعالى فيما فعلت هذه السرية من قتل الرجل الذي قال: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله))، قصاصًا ولا عقلًا. فيحتمل أن يكون أسقط ذلك عمن فعله؛ لأنه متأول. وذلك حجة في إسقاط العقل على أحد الطريقتين عندنا في خطأ الإمام، ومن أذن له في شيء فأتلفه غلطًا كالأجير والخازن. وقد جاء في صاحب الغنيمة الذي قتل بعد أن قال لا إله إلا الله، وأخذت غنيمته أن رسول الله ﷺ حمل ديته إلى أهله وصرف عليهم غنيمته. - وقوله تعالى: ﴿إذا ضربتم في سبيل الله﴾: يريد إذا خرجتم للغزو فتبينوا، وقرئ فتثبتوا. وقد اختلف في الدعوة قبل القتال هل يؤمر بها أم لا؟ على ثلاثة أقوال، فقيل: يؤمر بها على الإطلاق. وقيل: لا يؤمر بها، وقيل: يؤمر بها إذا قوتل من لا يعلم ما يدعو إليه وتسقط في قتال من يعلم، وفي الآية حجة لمن يرى الدعوة في قوله تعالى: ﴿فتبينوا﴾، والتبيين وإن كان غير الدعوة، فالدعوة في مضمنه لأنه إذا بحث عنه هل هو مسلم أم لا لعله يسلم، أو هل هو طاعة أم لا؟ لعله يدخل في الطاعة ويرضى بالجزية. وتبين الشيء إنما هو معرفة حاله، ولا معنى للدعوة إلا تبين حال المدعويين على ما ثبت؟ وقال بعض

стр. 662

الناس: إن هذه المسألة مبنية على أن العقل ما خلا من سمع أو يجوز أن يكون خلا منه، وهي مسألة خلاف بين الأصوليين. واحتج من يقول: إنه ما خلا من سمع بقوله تعالى: ﴿تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير﴾ [الملك: ٨، ٩]، وبقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ومن ينكر القول بالعموم لا يسلم هذا الاستدلال وهذا البناء الذي بناه به الأصوليين بعيد؛ لأن قصارى ما فيه أنه ليس في الأرض أمة إلا وقد بلغها دعوة رسول ما، وقد يكون عند هؤلاء في الأرض قوم لم يعلموا ظهور النبي ﷺ ونبوته، ويظنون أنه طالب ملك، فتجب دعوتهم. وقد اختلف الناس فيمن قاتل ولم يؤمر بقتاله إلا بعد دعوته فقتله فهل عليه ديته أم لا؟ فمذهب مالك وأبي حنيفة أن لا دية عليه. ومذهب الشافعي: الدية عليه. والحجة لمالك أن الله تعالى قد أمر بالتبين ولا معنى للدعوة عند التبيين، ولم يوجب على من قتل دون التبيين شيئًا ولم فيه عن النبي ﷺ شيء، فوجب التوقف عن ذلك. (٩٤) - قوله تعالى: ﴿كذلك كنتم من قبل﴾: اختلف في تأويله، فقيل: المعنى كذلك كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم خائفين، فمن الله تعالى بإعزازه وإظهار دينكم. وقيل: المعنى كنتم كفارًا من قبل، فمن الله عليكم بأن أسلمتم. وقيل: المعنى كنتم كفارًا من قبل، فمن الله عليكم بأن أسلمتم. وقيل: يحتمل أن يكون الإشارة بذلك إلى القتل قبل التثبت، أي على هذه الحال كنتم في جهالة لا تتثبتون.

стр. 663

(٩٥) - قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون﴾ الآية: في الآية تفضيل المجاهدين على القاعدين، ثم قال تعالى: ﴿غير أولي الضرر﴾، وذلك لأنه لما نزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين ... والمجاهدون﴾ جاء ابن أم كلثوم حتى سمعها، فقال: يا رسول الله هل لي رخصة فإني ضرير البصر فنزلت عن ذلك: ﴿غير أولي الضرر﴾ كل من له عذر. ثم اختلف المتاولون في ﴿أولي الضرر﴾ هل يلحقون في الأجر بالمجاهدين لاستثناء الله تعالى إياهم أم لا؟ فذهب قوم إلى أن أولي الضرر القاعدين لهم أجر المجاهدين. قالوا: لأن نص الآية المفاصلة بين المجاهدين ثم استثنى من المفضولين أولي الضرر، وإذا استثناهم من المفضولين فقد ألحقهم بالفاضلين، وقد بين ذلك النبي ﷺ بقوله: ((إن بالمدينة أقوامًا ما سلكنا واديًا أو شعبًا إلا وهم معنا حبسهم العذر)). قالوا: وكذلك في سائر الأعمال من حبسه العذر من عمل أعمال البر فله أجر العمل. وقال بعضهم: لا يساوي أولو الضرر المجاهدين في الأجر وقصاراهم أن يخرجوا من العهدة اللازمة للقاعدين من غير عذر باستثناء الله تعالى لهم من القاعدين. واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾، ثم قال: ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا﴾، فقال بعضهم: فضلهم الله

стр. 664

تعالى على القاعدين أولًا بدرجة، ثم فضلهم بدرجات مبالغة وبيانًا وتأكيدًا. وقال بعضهم: الفضل بدرجة، هو على القاعدين من أهل العذر، والفضل بدرجات على القاعدين من غير عذر. واختلف فيمن أعظم أجرًا المجاهد بماله أو المجاهد على شيء يعطاه كأهل الديوان، فذهب قوم إلى أن المجاهد بماله أفضل، واحتجوا بظواهر الآية، مثل قوله تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم﴾، فخص المجاهدين بأموالهم وسكت عن المجاهدين بغير أموالهم، فدل على أن هؤلاء أفضل، وبقول النبي ﷺ وقيل: أي الناس أفضل؟ قال: ((مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله)). وقال بعضهم: أهل الديوان أعظم أجرًا من المطوعة لما يرزقون. وقد احتج بهذه الآية في فضل الغني على الفقير، وهي مسألة فيها خمسة أقوال: أحدها: أن الغني أفضل. والثاني: أن الفقير أفضل. والثالث: أن ذا الكفاف أفضل منهما. والرابع: أن الغني أفضل من الفقير وذي الكفاف والفقير أفضل من ذي الكفاف. والخامس: التوقف عن التفضيل. وحجة القول الأول من الآية ما هو ظاهرها من تفضيل المجاهدين بما على المجاهد بغير ماله، فالدرجة الزائدة من الفضل للمجاهد بماله إنما هي من جهة المال. (٩٧) - قوله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾ إلى آخر القصة: نزلت الآية في قول ابن عباس وغيره في قوم من أهل مكة كانوا قد

стр. 665

أسلموا ولم يهاجروا حتى هاجر رسول الله ﷺ ، فمنهم من فتن فافتتن، ومنهم من خرج مع الكفار يوم بدر، فقتل وأبى الله تعالى قبول عذر من اعتذر منهم؛ إذ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، ثم عذر تعالى أهل الصدق، فقال: ﴿إلا المستضعفين﴾ الآية. وقال السدي: يوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر كافرًا حتى يهاجر، إلا من لا يستطيع حيلة وهذا قول ضعيف، بل غاية من لم يهاجر وهو باق على الإسلام أن يكون عاصيه بتركه الهجرة. وتحصيل القول في الهجرة أن الله تعالى افترض بهذه الآية على من أسلم بين أظهر الكفار أن يهاجر عنهم، وهذه الهجرة باقية إلى يوم القيامة. وأما الهجرة المنقطعة التي قال النبي ﷺ فيها: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا))، فهي أن يبتدئ أحد من أهل مكة أو غير هجرة بعد الفتح، فينال بها درجة من هاجر من قبل الفتح، ويستحق أن يسمى باسمهم ويلحق بجملتهم؛ لأن فرض الهجرة ساقط، بل كان ذلك في زمن النبي ﷺ وبعد وفاته إلى هلم جرا. وذكر أبو عبيد في كتاب ((الأموال)) أن الهجرة كانت على غير أهل مكة من الرغائب ولم تكن فرضًا. يدل على ذلك قوله ﵊ للذي سأله عن الهجرة: ((إن شأنها لشديد، فهل لك

стр. 666

من إبل تؤدي زكاتها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار، فإن الله تعالى لن يترك من عملك شيئًا))، ولم يوجب عليه الهجرة. فيأتي على هذا القول أن الهجرة الآين ليست بفرض على من هو ببلاد الكفار، ولكن هو مندوب إلى ذلك. والأصح ما قدمناه؛ لأن الآية وإن كانت نزلت في أهل مكة، فهي محمولة على عمومها فيهم وفي غيرهم، فاتفق على أن أهل مكة كانت الهجرة على من أسلم منهم قبل الفتح واجبة، واختلف في سواهم. فعلى قول أبي عبيد لم تكن واجبة، وعلى قول غيره من الناس كانت واجبة، والقولان جاريان إلى زماننا هذا؛ إلا أن في وقت النبي ﷺ كانت الهجرة أوجب بلا خلاف. وقد قال مالك رحمه الله تعالى: إن الآية تقتضي أن كل من كان في بلد تغير فيها السنن ينبغي أن يخرج منه. واختلف فيمن خرج غازيًا في سبيل الله فمات قبل لقاء العدو أو إحراز مغنم، فقيل: لا سيء له وقول الجمهور. وذهب بعضهم إلى أن له سهمه من الغنيمة، واستدل قائل ذلك بهذه الآية: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ الآية [النساء: ١٠٠]، والمراغم المتحول والمهرب، قال ابن عباس وغيره. قال الجعدي: عزيز المراغم والمهرب وقال آخر: إلى بلد غير داني المحل ... بعيد المراغم والمضطرب

стр. 667

وقيل: المراغم المهاجر. وقيل: لمن خرج عما يكره. وقيل: المبتغي المعيشة. وأصل: المراغم الموضع الذي يراغم فيه كل واحد من الفريقين صاحبه، أي يرغم فيه أنفه. والسعة سعة البلاد، وقيل: سعة من الضلالة إلى الهدى. (١٠١) - (١٠٣) - قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿كتابًا موقوتًا﴾: اختلف في هذه الآية هل هي في صلاة السفر وصلاة الخوف معًا أم في صلاة الخوف خاصة؟ على قولين: فالذين ذهبوا إلى القول الأول قالوا: الآية في قصتين، فقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ ثم ابتدأ قصة أخرى وهي ذكر صلاة الخوف وصفتها، فابتدأ بالشرط فيها، وهو قوله تعالى: ﴿إن خفتم﴾ الآية، والواو في قوله: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ زائدة. ويؤيد هذا التأويل ما روي أن قومًا من التجار أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾. ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي ﷺ فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم أل فشددوا عليهم، فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها على أثرها، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ... وإذا كنت فيهم﴾ الآية. وقال الطبري: هذا تأويل حسن في الآية لو لم يكن فيها ((إذا))، وهذا الذي قاله الطبري صحيح إذا لم تجعل الواو زائدة. وأما إذا جعلت الواو

стр. 668

زائدة، فالكلام صحيح مع إثبات ((إذا)). وأكثر الناس على أن الآية كلها في صلاة الخوف، وقد جاء في الحديث: ((إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة المسافر)) الحديث، وإذا قلنا: إن الآية في صلاة الخوف وفي صلاة السفر فقد ثبت بنص القرآن العمل بالصلاتين معًا، وفي كلتي الصلاتين تنازع. وأما القصر في صلاة السفر فقد اختلف فيه على أربعة أقوال، أحدها: أنه لا يجوز القصر في السفر، وقد قيل: إنه مذهب عائشة رضي الله تعالى عنها. وروي عنها أيضًا أنها قالت في سفرها: أتموا صلاتكم، فقالوا: إن رسول الله ﷺ كان يصلي في السفر ركعتين، فقالت: رسول الله ﷺ كان في حرب وكان يخاف، فهل أنتم تخافون شيئًا؟ وقال عطاء: كان يتم الصلاة من الصحابة: عائشة وسعد بن أبي وقاص وأتم عثمان. وحجة من ذهب إلى هذا القول أنه تأول الآية في صلاة الخوف خاصة، ولم يصح عنده أن رسول الله ﷺ قصر الصلاة في غير خوف، وذهب إلى ما روي أن الصلاة فرضت أربعًا في السفر والحضر، فأقرت صلاة الحضر وقصرت صلاة السفر، وحملوا القصر على حال الخوف خاصة، ورأى بعض من ذهب إلى هذا: أن دليل خطاب هذه الآية يقتضي أن لا قصر مع الأمن، وأنه ناسخ لأحاديث القصر مع الأمن، وهذا ضعيف أن يقع نسخ بدليل الخطاب لما في القول الأول من الخلاف. والقول الثاني في قصر الصلاة في السفر: أن القصر فرض لا يجوز غيره، وهذا مذهب أبي حنيفة وجماعة من البغداديين: ابن بكير

стр. 669

وإسماعيل بن الجهم، وذكر ابن الجهن أن أشهب روى ذلك عن مالك، وهو قول ابن سحنون. وروي عن عمر بن عبد العزيز نحوه، وروي عن ابن عباس وعمر نحوه أيضًا، ويلزم من قال بهذا القول أن يوجب على من أتم الصلاة في السفر متعمدًا الإعادة أبدًا، صلى وحده أو في جماعة كما يقول أبو حنيفة وأصحابه. ولا يوجد ذلك لمالك ولا لأحد من أصحابه. وحجة من ذهب إلى هذا القول أيضًا أنه تأول الآية، كما تأول الأولون أنها في صلاة الخوف، وأنها لا تقتضي المنع في القصر في سفر الأمن. وصح عنده أن رسول الله ﷺ قصر في السفر من غير خوف. وذهب إلى ما روي من أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر، أو إلى ما روي من أن الصلاة فرضت أربع ركعات في الحضر وركعتين في السفر، فثبتت صلاة السفر مع الأمن بالسنة وثبتت صلاة الخوف بالقرآن. وذهب بعض العلماء إلى أن الآية اقتضت المنع من القصر في سفر الأمن، وأن السنة نسخت الآية. وفي هذا نظر من جهة نسخ القرآن بالسنة. وإذا قلنا: إن الآية تقتضي القصر مع الخوف خاصة وصححنا القصر في السفر مع الأمن بالحديث فهو حكم زائد على ما جاء في الآية، وقد اختلف الأصوليون في الزيادة على أن النص هل ذلك نسخ أم لا، وفيه نظر. والأصح في هذه المسألة أن ذلك ليس بنسخ. فصح القول بالقصر في السفر

стр. 670

في الأمن والخوف على ما تقدم. والقول الثالث في صلاة السفر أنه سنة الأخذ به فضيلة وتركه خطيئة، وهو المعلوم من مذهب مالك وأصحابه. وحجة من ذهب إلى هذا القول أنه تأول الآية في صلاة السفر والخوف معًا، وصح عنده أن النبي ﷺ قصر الصلاة في السفر مع الأمن. وذهب إلى ما وري من أن الصلاة فرضت أربعًا أربعًا في الحضر والسفر، فأقرت صلاة الحضر وقصرت صلاة السفر. قال من ذهب إلى القول: لوما خير رسول الله ﷺ في القصر والإتمام اختار القصر ولم يكن ليختار إلا الذي هو الأفضل عنده، وقد نبه ﷺ بقوله: ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته))، فحض على قبول الصدقة والاقتداء به في ذلك من غير وجوب. والقول الرابع: أنه رخصة وتوسعة إلا أن أهل هذا القول اختلفوا في الأفضل من ذلك؛ فمنهم من رأى الإتمام أفضل، ومنهم من رأى القصر أفضل، ومنهم من ذهب إلى أ، الإتمام أفضل أن الله تعالى إنما رفع الحرج عمن قصر، ولولا أن الحرج كان متوقعًا في ذلك لم يرفعه تعالى بقوله: ﴿فليس عليكم جناح﴾، والإتمام لم يتوقع فيه حرج فلم يحتج إلى رفعه، وما لم يتوقع فيه حرج أفضل، لا
следующие страницы →