Полный текст (1 576 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
من إبل تؤدي زكاتها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار، فإن الله تعالى لن يترك من عملك شيئًا))، ولم يوجب عليه الهجرة. فيأتي على هذا القول أن الهجرة الآين ليست بفرض على من هو ببلاد الكفار، ولكن هو مندوب إلى ذلك. والأصح ما قدمناه؛ لأن الآية وإن كانت نزلت في أهل مكة، فهي محمولة على عمومها فيهم وفي غيرهم، فاتفق على أن أهل مكة كانت الهجرة على من أسلم منهم قبل الفتح واجبة، واختلف في سواهم. فعلى قول أبي عبيد لم تكن واجبة، وعلى قول غيره من الناس كانت واجبة، والقولان جاريان إلى زماننا هذا؛ إلا أن في وقت النبي ﷺ كانت الهجرة أوجب بلا خلاف. وقد قال مالك رحمه الله تعالى: إن الآية تقتضي أن كل من كان في بلد تغير فيها السنن ينبغي أن يخرج منه.
واختلف فيمن خرج غازيًا في سبيل الله فمات قبل لقاء العدو أو إحراز مغنم، فقيل: لا سيء له وقول الجمهور. وذهب بعضهم إلى أن له سهمه من الغنيمة، واستدل قائل ذلك بهذه الآية: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ الآية [النساء: ١٠٠]، والمراغم المتحول والمهرب، قال ابن عباس وغيره. قال الجعدي:
عزيز المراغم والمهرب
وقال آخر:
إلى بلد غير داني المحل ... بعيد المراغم والمضطرب
стр. 667
وقيل: المراغم المهاجر. وقيل: لمن خرج عما يكره. وقيل: المبتغي المعيشة. وأصل: المراغم الموضع الذي يراغم فيه كل واحد من الفريقين صاحبه، أي يرغم فيه أنفه. والسعة سعة البلاد، وقيل: سعة من الضلالة إلى الهدى.
(١٠١) - (١٠٣) - قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿كتابًا موقوتًا﴾:
اختلف في هذه الآية هل هي في صلاة السفر وصلاة الخوف معًا أم في صلاة الخوف خاصة؟ على قولين: فالذين ذهبوا إلى القول الأول قالوا: الآية في قصتين، فقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ ثم ابتدأ قصة أخرى وهي ذكر صلاة الخوف وصفتها، فابتدأ بالشرط فيها، وهو قوله تعالى: ﴿إن خفتم﴾ الآية، والواو في قوله: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ زائدة. ويؤيد هذا التأويل ما روي أن قومًا من التجار أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾. ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي ﷺ فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم أل فشددوا عليهم، فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها على أثرها، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ... وإذا كنت فيهم﴾ الآية.
وقال الطبري: هذا تأويل حسن في الآية لو لم يكن فيها ((إذا))، وهذا الذي قاله الطبري صحيح إذا لم تجعل الواو زائدة. وأما إذا جعلت الواو
стр. 668
زائدة، فالكلام صحيح مع إثبات ((إذا)). وأكثر الناس على أن الآية كلها في صلاة الخوف، وقد جاء في الحديث: ((إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة المسافر)) الحديث، وإذا قلنا: إن الآية في صلاة الخوف وفي صلاة السفر فقد ثبت بنص القرآن العمل بالصلاتين معًا، وفي كلتي الصلاتين تنازع. وأما القصر في صلاة السفر فقد اختلف فيه على أربعة أقوال، أحدها: أنه لا يجوز القصر في السفر، وقد قيل: إنه مذهب عائشة رضي الله تعالى عنها. وروي عنها أيضًا أنها قالت في سفرها: أتموا صلاتكم، فقالوا: إن رسول الله ﷺ كان يصلي في السفر ركعتين، فقالت: رسول الله ﷺ كان في حرب وكان يخاف، فهل أنتم تخافون شيئًا؟ وقال عطاء: كان يتم الصلاة من الصحابة: عائشة وسعد بن أبي وقاص وأتم عثمان. وحجة من ذهب إلى هذا القول أنه تأول الآية في صلاة الخوف خاصة، ولم يصح عنده أن رسول الله ﷺ قصر الصلاة في غير خوف، وذهب إلى ما روي أن الصلاة فرضت أربعًا في السفر والحضر، فأقرت صلاة الحضر وقصرت صلاة السفر، وحملوا القصر على حال الخوف خاصة، ورأى بعض من ذهب إلى هذا: أن دليل خطاب هذه الآية يقتضي أن لا قصر مع الأمن، وأنه ناسخ لأحاديث القصر مع الأمن، وهذا ضعيف أن يقع نسخ بدليل الخطاب لما في القول الأول من الخلاف. والقول الثاني في قصر الصلاة في السفر: أن القصر فرض لا يجوز غيره، وهذا مذهب أبي حنيفة وجماعة من البغداديين: ابن بكير
стр. 669
وإسماعيل بن الجهم، وذكر ابن الجهن أن أشهب روى ذلك عن مالك، وهو قول ابن سحنون. وروي عن عمر بن عبد العزيز نحوه، وروي عن ابن عباس وعمر نحوه أيضًا، ويلزم من قال بهذا القول أن يوجب على من أتم الصلاة في السفر متعمدًا الإعادة أبدًا، صلى وحده أو في جماعة كما يقول أبو حنيفة وأصحابه. ولا يوجد ذلك لمالك ولا لأحد من أصحابه. وحجة من ذهب إلى هذا القول أيضًا أنه تأول الآية، كما تأول الأولون أنها في صلاة الخوف، وأنها لا تقتضي المنع في القصر في سفر الأمن. وصح عنده أن رسول الله ﷺ قصر في السفر من غير خوف.
وذهب إلى ما روي من أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر، أو إلى ما روي من أن الصلاة فرضت أربع ركعات في الحضر وركعتين في السفر، فثبتت صلاة السفر مع الأمن بالسنة وثبتت صلاة الخوف بالقرآن. وذهب بعض العلماء إلى أن الآية اقتضت المنع من القصر في سفر الأمن، وأن السنة نسخت الآية. وفي هذا نظر من جهة نسخ القرآن بالسنة. وإذا قلنا: إن الآية تقتضي القصر مع الخوف خاصة وصححنا القصر في السفر مع الأمن بالحديث فهو حكم زائد على ما جاء في الآية، وقد اختلف الأصوليون في الزيادة على أن النص هل ذلك نسخ أم لا، وفيه نظر. والأصح في هذه المسألة أن ذلك ليس بنسخ. فصح القول بالقصر في السفر
стр. 670
في الأمن والخوف على ما تقدم. والقول الثالث في صلاة السفر أنه سنة الأخذ به فضيلة وتركه خطيئة، وهو المعلوم من مذهب مالك وأصحابه. وحجة من ذهب إلى هذا القول أنه تأول الآية في صلاة السفر والخوف معًا، وصح عنده أن النبي ﷺ قصر الصلاة في السفر مع الأمن. وذهب إلى ما وري من أن الصلاة فرضت أربعًا أربعًا في الحضر والسفر، فأقرت صلاة الحضر وقصرت صلاة السفر. قال من ذهب إلى القول: لوما خير رسول الله ﷺ في القصر والإتمام اختار القصر ولم يكن ليختار إلا الذي هو الأفضل عنده، وقد نبه ﷺ بقوله: ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته))، فحض على قبول الصدقة والاقتداء به في ذلك من غير وجوب. والقول الرابع: أنه رخصة وتوسعة إلا أن أهل هذا القول اختلفوا في الأفضل من ذلك؛ فمنهم من رأى الإتمام أفضل، ومنهم من رأى القصر أفضل، ومنهم من ذهب إلى أ، الإتمام أفضل أن الله تعالى إنما رفع الحرج عمن قصر، ولولا أن الحرج كان متوقعًا في ذلك لم يرفعه تعالى بقوله: ﴿فليس عليكم جناح﴾، والإتمام لم يتوقع فيه حرج فلم يحتج إلى رفعه، وما لم يتوقع فيه حرج أفضل، لا
стр. 671
شك مما يتوقع فيه الحرج، فغاية القصر أن رفع الحرج خاصة وبقي الإتمام على ما كان عليه من الفضل، ولم يصح عنده أن النبي ﷺ قصر في سفر الأمن وذهب إلى ما روي أ، الصلاة فرضت أربعًا أربعًا. وحجة من ذهب إلى أن القصر أفضل أن في الآية إباحة القصر، وأن النبي ﷺ قصر وحض على التقصير، ولم يكن النبي ﷺ يحض إلا على الأفضل. وحجة من ذهب إلى التخيير ظاهر الآية، وظاهرها التخيير من غير تفضيل، وقد روي هذا القول عن مالك. وقد اختلف الذين أجازوا القصر في صلاة السفر في الضرب الذي أبيح معه القصر ما هو؟ بعدما اتفقوا على أن ثلاثة أيام فما فوقها ضرب في الأرض يجوز معه القصر، فذهب قوم إلى أنه لا يقصر في أقل من مسافة يومين، وهو قول الحسن والزهري، وروي عن مالك.
وذهب قوم إلى أنه يقصر في مسيرة يوم وليلة وهو مروي أيضًا عن مالك. وذهب قوم إلى أنه يقصر في مشي اليوم التام، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر، وذهب قوم إلى أنه يقصر في أربعة برد، وهو قول مالك المشهور عنه، والشافعي وابن حنبل وابن راهويه. واختلف أصحاب مالك في قوله هذا وفي قوله باليوم والليلة هل هو قول واحد أم قولان؟
стр. 672
وروي عن مالك أنه يقصر في مسافة خمسة وأربعين ميلًا. وروي عنه في أربعين ميلًا، فعن مالك إذن خمس روايات. وروي عن ابن القاسم جواز القصر في ستة وثلاثين ميلًا. وروي عن ابن عمر أنه قصر في ثلاثين ميلًا. وروي عن أنس أنه كان يقصر في خمسة عشر ميلًا. وذهب قوم إلى أنه يقصر في المسافة التي يجب الإتيان منها إلى الجمعة. وذهب يعض أهل الظاهر إلى أنه يقصر في قليل السفر وكثيره إذا تجاوز البنيان ولو قصد إلى بستانه. وروي نحوه عن علي بن أبي طالب، واحتجوا بعموم الآية، ولم يثبت عندهم ما يخصصها. وأما غيرهم فخصصوا ذلك العموم إما بأثر أو بنظر. وقد روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ((يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربع برد)). وهذا عندنا مخصص لعموم الآية، وإن كان في مثل هذا التخصيص خلاف كثير بين الأصوليين. وإذا أثبتنا للقصر حدًا فمن أين يبتدئ بالقصر إذا سافر؟ واختلف فيه، فقيل: إذا فارق بيوت بلده ولم يحاذه عن يمينه وشماله شيء منها. وقيل: إنه يقصر إذا نوى السفر وإن كان ببلده. وقيل: إنه لا يقصر الصلاة يومه الذي سافر فيه إلى الليل وإن تم اليوم قصر، وهو قول مجاهد. وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾، والمقيم في المصر لا يكون بالنية، وإنما يكون بالفعل. والذي قال يقصر بالبلد إذا نوى السفر يتأول الآية كأنها عنده: إذا أردتم الضرب في الأرض، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿إذا قمتم
стр. 673
إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] / أي إذا أردتم القيام، وهذا التأويل لا حاجة مع صحة الظاهر إليه ولا حجة صحيحة عليه، وأما قول مجاهد فضعيف.
واختلف أيضًا إلى أين ينتهي القصر إذا رجع إلى مصره؟ فعندنا أنه يقصر حتى ينتهي إلى حيث جاز له القصر في ابتداء سفره؛ لأنه ما لم يبلغ ذلك فهو ضارب في الأرض، فإذا بلغ ذلك صار غير ضارب في الأرض، وإنما هو كالشيء بمصره. وقال ابن شعبان: وإن كان على ميل من بلده قصر ما لم يقرب جدًا. وقيل: لا حد في ذلك، وكل يتأول الآية على مذهبه. وأحسن ما تتأول عليه ما قدمناه من مذهب مالك.
واختلف في المدة التي إذا نوى المسافر إقامتها في غير بلده أتم، ولم يكن ضاربًا في الأرض من يوم وليلة إلى تسعة عشر يومًا؛ إلا أن منهم من حددها بالصلوات، ومنهم من حددها بالأيام، وربما وافق تحديدها بالأيام تحديدها بالصلوات، فيكون قولًا واحدًا. فأما تحديدها بالصلوات، فقيل: من أقام مدة عشرين صلاة أتم، وهو قول ابن الماجشون وسحنون وذكره بعضهم عن مالك. وقيل: إذا نوى إقامة خمسة عشر صلاة أتم، وإن نوى أقل قصر، وهو قول الثوري والكوفيين. وقيل: إذا نوى أكثر من عشرين صلاة أتم، وفي عشرين يقصر، وهو قول ابن حنبل، فهذه خمسة أقوال. وأما تحديدها بالأيام، فقيل: إذا نوى إقامة تسعة عشر
стр. 674
يومًا أتم، وإن نوى أقل قصر، وهو مروي عن ابن عباس. وقيل: إذا نوى إقامة سبعة عشر يومًا أتم، وهو أحد قولي الشافعي. وقيل: إ انوى إقامة حمسة عشر يومًا أتم، وأن نوى أقل قصر، وهو قول أبي حنيفة. وقيل: إذا نوى أكثر من خمسة عشر يومًا أتم، وهو قول الأوزاعي. وقيل: إن نوى إقامة عشرة أيام أتم، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس. وقيل: إن نوى إقامة سبعة عشر يومًا أتم. وهو مروي أيضًا عن ابن عباس. وقيل: إن نوى ثمانية أيام أتم. وقيل: إن نوى ثلاثة أيام أتم، وقيل: إن نوى إقامة يوم وليلة أتم، وهو قول ربيعة، وقيل: إذا نوى إقامة أربعة أتم، وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي؛ إلا أن الشافعي يقول: ليس فيها يوم الدخول ولا يوم الخروج. وقيل: إذا نوى أكثر من أربعة أيام أتم، وإن نوى أقل قصر، وهو قول ابن حنبل، فهذه اثنا عشر قولًا. وحكي عن الحسن البصري قول شاذ، وهو: أنه يقصر إلا أن يمر بمصر من الأمصار فيتم.
وحجة مالك في الأربعة الأيام أن الآية يقتضي ظاهرها أنه لا يجوز التقصير إلا مع الضرب في الأرض، فإذا لم يكن ضرب في الأرض ولو
стр. 675
مقدار وقت صلاة العصر، لكن السنة بينت أن المقيم أقل من أربعة أيام ضاربًا في الأرض، فحملت الآية على ما بينت السنة من ذلك، وذلك أنه ﷺ قال: ((يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام)). وقد ثبت أن الإقامة بمكة إذ ذاك كانت حرامًا على المهاجر، فلما استثنى ثلاثة أيام دل على أنها ليست بإقامة، وما زاد عليها إقامة، فإذا لم يكن ما دون الأربعة إقامة فهو ضرب في الأرض، وقد قال تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ الآية:
واختلفوا في السفر الذي تقصر فيه الصلاة بعد اتفاقهم على قصر الصلاة، في الواجب والمندوب إليه كالحج والجهاد وصلة الرحم، وذلك في المباح والمكروه والمحظور. فقيل: لا يجوز القصر في شيء من هذه الثلاثة، وهو قول داود ابن مسعود وقيل: إن القصر جائز فيها كلها، وهو قول أبي حنيفة، ورواه ابن زياد عن مالك. وقيل: إنه يقصر في السفر المباح خاصة دون المكروه والمحظور، وهو قول جل أهل العلم، والمشهور من مذهب مالك، وهو قول الشافعي. وحجة من عم الأسفار كلها ظاهر عموم الآية، إذا لم يخصص سفرًا من سفر.
واختلف فيمن دخل عليه وقت الصلاة وهو مقيم فلم يصلها إلى آخر وقتها ثم سافر، وقد بقي من وقتها ما يمكنه فيه أداؤها هل يقرها أم يتمها؟ فعندنا أن له أن يقصر. وقال بعض أصحاب الشافعي: ليس له قصرها، وحجتنا قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ الآية، فعم ولم يخص
стр. 676
أول الوقت من آخره، كان له قصرها، كما لو سافر أول الوقت.
واختلف إذا نسي صلاة ثم ذكرها في سفر بعد فوات وقتها هل يقصرها أم لا؟ فعندنا أنه يتم؛ لأنها لزمته في الذمة تامة عنه وكأنه ذهب في هذا إلى عموم الآية، إذا لم يخصص صلاة فائتة من غير فائتة. وأما صلاة الخوف فثابتة بقوله تعالى: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوًا مبينًا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ الآية، على التأويل الذي قدمناه فيها. وكذلك أيضًا هي ثابتة بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾ الآية على التأويل الأكثر في الآية وهو أنها نزلت في صلاة الخوف خاصة، والقول بإثباتها وبأنها لم تكن مخصوصة بالنبي ﷺ ، وهو قول الجمهور. وإن كان الخطاب في الآية له؛ لكن غيره ﷺ لاحق به في ذلك، وذهب أبو يوسف والمزني إلى أن تلك الصلاة كانت خصوصًا للنبي ﷺ ؛ لأن إمامة النبي ﷺ لا عوض منها، وإمامة غيره منها العوض، فيصلي الناس بإمامهم طائفة بعد طائفة ولا يحتاج إلى غير ذلك. وحكى ابن القصار عنهما أنهما قالا: صلاة الخوف منسوخة ولا يجوز أن تصلى بعد النبي ﷺ . والدليل على أنها منسوخة تأخيره ﷺ الصلاة يوم الخندق وإلى هدء من الليل ثم قضاها دفعة، فكذلك يفعل مع الخوف، فلو جازت صلاة الخوف لم يكن ليؤخر الصلاة عن وقتها. قال ابن القصار: وهذا قول من لا يعرف النسخ؛ لأنه
стр. 677
إنما ينسخ المتقدم بالمتأخر، وصلاة الخوف إنما نزلت سنة سبع وكان أمر الخندق سنة خمس والصحابة أعرف بالنسخ، وقد صلوا صلة الخوف، فيجب على هذا أن تكون صلاة الخوف ناسخة للتأخير. وأما تخصيصهم لها بالنبي ﷺ فضعيف، والخلاف ينبني على مسألة قد تنازعها الأصوليون وهو أنه ما ثبت في حق النبي ﷺ هل يحتاج إثباته في حق غيره إلى دليل أم لا؟ ولا شك أن المخاطب بهذه الآية هو النبي ﷺ . وإذا قلنا بإثبات جوزها عمومًا للنبي ﷺ ولأمته، فإنما هي على جهة التوسعة والرخصة، فلو صلاها الناس بإمامين كان جائزًا، ولو صلاها قوم بإمام قوم منفردين بغير إمام جاز. وإذا قلنا: إنها على جهة التوسعة فهل تفعل في السفر خاصة أو في السفر والحضر؟ في ذلك قولان، فالجمهور على أن صلاة الخوف تصلى في الحضر والسفر، وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه.
وقال بعضهم: لا صلاة خوف في حضر، وقاله في المذهب ابن الماجشون. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ الآية، فعم، ولم يخض حضرًا من سفر عل التأويلين جميعًا في الآية؛ لأن هذا ابتداء كلام مكتف بنفسه. وكان أهل القول الثاني ذهبوا إلى التأويل الأكثر في الآية، وتأولوا قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم﴾، أي إذا كنت فيهم وحالكم ما تقدم، أي وأنتم ضاربون في الأرض، فحملوا الآية على صلاة الخوف في السفر خاصة والأظهر حملها على صلاة الخوف في الحضر والسفر؛ لأنه نص أولًا على السفر ثم ابتدأ بكلام عام في السفر
стр. 678
والحضر. فإن قيل: فما فائدة الكلام الأول إذا كان الثاني يعم معناه؟ قيل: فائدته إباحة القصر في صلاة الخوف في السفر، ثم أخبر تعالى بصفة صلاة الخوف، أما في السفر خاصة على القول الواحد، وأما في السفر والحضر على قول الجمهور، وهذا كله على أن الآية كلها في صلاة الخوف خاصة. وأما على التأويل الثاني فظاهر عموم الآية في صلاة الخوف في السفر والحضر؛ لأن الكلام في صلاة السفر انتهى إلى قوله: ﴿أن تقصروا من الصلاة﴾ ثم ابتدأ كلامًا ثانيًا ليس بينه وبين الأول صلة، فقال: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ الآية، وإذا قلنا: إن الآية كلها في صلاة الخوف خاصة ففي القصر الذي رفع الله تعالى الجناح فيه ثلثة أقوال، أحدها: أنه أراد به القصر عند الخوف من طول القراءة والركوع والسجود دون أن ينقص من عدد الركعات المعلومة قبل أن تنزل صلاة الخوف. والثاني: أنه القصر في حدود الصلاة بصلاتهم إيماء إلى القبلة وإلى غير القبلة عند شدة الخوف، والتحام الحرب؛ كقوله في آية البقرة: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، وقد مر القول على هذه المسألة. والثالث: أن المراد به ما بينه بعد ذلك في الآية من تغيير صفة الصلاة أو نقص عدد ركعاتها مع صلاة الخوف بقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ الآية، إلا أنه قد اختلف في صفة صلاة الخوف المشار إليها في هذه الآية على حسب اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك عن النبي ﷺ اختلافًا ينحصر في عشرة أقوال، أحدها: أن الإمام يصلي بطائفة وطائفة وجاه العدو فيصلي بالذين معه ركعة ويثبت قائمًا فيتمون لأنفسهم ثم تأتي
стр. 679
الطائفة الأخرى وتنصرف هذه فيصلي بهم الركعة الثانية التي بقيت في صلاته ويثبت جالسًا فيتمون هم لأنفسهم ثم يسلم بهم، وهذا القول على حديث يزيد بن رومان الذي ذكره عن النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع وأخذ به مالك أولًا، وبه قال الشافعي واختاره ابن حبيب. وقال الشافعي: حديث يزيد بن رومان مسند والمصير إليه أولى من حديث القاسم لأنه موقوف، قال: وهو أشبه الأحاديث في صلاة الخوف بظاهر كتاب الله . والثاني: أن الإمام يصلي بالناس كما في القول الأول إلا أنه مع الطائفة الثانية إذا فرغ من الركعة الثانية سلم ثم يتمون لأنفسهم، لا انهم يتمون ثم يسلم بهم كما قال الأولون، وهذا القول على حديث القاسم بن محمد وهو الذي رجع إليه مالك، وبه قال ابن حنبل. والثالث: أن الإمام يصلي بإحدى الطائفتين ركعة والأخرى مواجهة العدو ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم مقبلين على العدو ثم يأتي أصحابهم الذين كانوا وجاه العدو فيصلي بهم الإمام ركعة ثم يسلم ثم يقضي هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة في حال واحد وهذا القول على حديث ابن عمر، وقد أخذ به أشهب في إحدى الروايتين عنه. والرابع: أن الإمام يصلي بطائفة ركعة ثم ينصرفون تجاه العدو وتأتي أخرى فيصلي بهم ركعة ثم يسلم وتقوم التي معه تقضي فإذا فرغوا منها صاروا تجاه العدو، ورجعت الأخرى إلى مراتبهم فصلوا لأنفسهم ركعة، وهذا القول على ما روي عن ابن مسعود وحكاه اللخمي عن أشهب، وهو قول أبي حنيفة حكاه الباجي عنه وابن عبد البر.
стр. 680
والخامس: أن الإمام يصلي بكل طائفة ولا تقضي إحدى الطائفتين شيئًا زائدًا على ركعة، فيأتي للإمام ركعتان وللمأمومين ركعة ركعة، وهذا القول على حديث حذيفة، وروي أيضًا من طريق جابر وهو قول طاووس، وروي عن الحسن وقوم من التابعين. والسادس: أن الإمام يصلي لكل طائفة ركعتين ركعتين فتصير أربعًا، ولكل طائفة ركعتين، وهذا القول على حديث أبي بكرة، وحديث جابر الواقع في البخاري أيضًا، وكان يفتي به الحسن بن أبي الحسن فيما يذكر عنه، ويحكي عن الشافعي أنه قال به، وهو على أصله في جواز صلاة الفريضة خلف المتنفل. قال أبو داود: وكذلك صلاة المغرب يكون الإمام يصلي ست ركعات بهم ولمن خلفه ثلاث ثلاث. والسابع: أن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعة بسجدتيها ثم تنصرف فتقف بإزاء العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلي الركعة الثانية ويتشهد ويسلم وحده ثم تنصرف هذه الطائفة بإزاء العدو وتعود الطائفة الأخرى فيقضون لأنفسهم ركعة وسجدتين وحدانًا بغير قراءة، وتتشهد وتسلم، ثم تنصرف وتقف بإزاء العدو وتأتي الأخرى فتصلي كذلك، وهذا قول أبي حنيفة. والثامن: أن الإمام تقوم معه طائفة بإزاء العدو وإن كانوا مستدبرين القبلة ثم يكبر الإمام وتكبر الطائفتان جميعًا ثم يركع بمن معه خاصة، فإذا فزعوا من ركوعهم وقام الإمام بهم أتوا مصاف أصحابهم، وتجيء الأخرى فيركعون لأنفسهم ركعة والإمام قائم كما هو فإذا قاموا صلى بهم الإمام ركعة أخرى ثم
стр. 681
تقبل الطائفة المقبلة للعدو فيصلون لأنفسهم ركعة والإمام والطائفة الأولى قاعدون ثم يسلم الإمام فيسلمون جميعًا، وهذا القول على حديث أبي هريرة، وذكر أبو داود عن عائشة صفة صلاة النبي ﷺ صلاة الخوف تقرب مما روي عن أبي هريرة وتخالفها في أشياء إلا أنها صفة في ألفاظها تناقض، فلذلك لم أذكرها. والتاسع: أنه إذا كان العدو من غير جهة القبلة صلى بالناس طائفتين كما تقدم، وإن كان من جهة القبلة صلى بهم جميعًا صلاة واحدة وجعل الناس صفين فافتتح بهم الصلاة جميعًا، فإذا سجد سجد معه الصف الذي يليه، ويقف الصف الآخر يحرسونهم فإذا فرغوا من السجود وقف الإمام مع الصف الذي يليه حتى يسجد الصف الآخر ويصلي بهم الركعة الثانية مثل الأولى، فإذا سجد سجد معه الصف الذي يليه ويقف الآخرون يحرسونهم، فإذا فرغوا من السجود سجد الصف الآخر ثم يقعد الإمام ويتشهد ويسلم بهم جميعًا.
وهو قول أبي يوسف وهذا القول قريب من حديث ابن عياش الزرقي؛ لأن في حديث ابن عياش إذا كملت للطائفتين ركعة تأخر الأولون وتقدم الآخرون. والعاشر قول ابن حنبل وطائفة من أهل الحديث، وهو قول الطبري أن كل حديث روي في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز. وقال بعضهم: وحديث يزيد بن رومان أشد موافقة لظاهر
стр. 682
القرآن من حديث ابن عمر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، فجعل إقامة الصلاة لهم كلها لا بعضها. وعلى المذهب الذي صار إليه من قال بحديث ابن عمر إنما يضمن لهم الإمام بعض الصلاة لا كلها. ومعنى قوله: ﴿فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم﴾ أي إذا صلوا، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين)) أي فليركع ركعتين، ثم قال: ((ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك))، فكان دليل مفهومه أن هؤلاء قد صلوا. وقوله: ((فليصلوا معك))، مقتضاه تمام الصلاة وهم على قولهم، ولا يصلون معه إلا بعضها، وقد ذكر الطائفتين ولم يذكر عليهما قضاء؛ فدل ذلك على أن كل واحدة منهما قد انصرفت عن تمام الصلاة، وهذا المذهب أحوط للصلاة؛ لأن الصلاة تحصل مؤداة على سنتها في استقبال القبلة، وعلى مذهبهم يقع الاستدبار للقبلة ويكثر العمل في الصلاة، فكان المصير لهذا الحديث أولى. وقال بعضهم: حديث يزيد بن رومان أشد موافقة لظاهر القرآن من حديث القاسم؛ لقوله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾، وهذا يقتضي أن الصلاة في حكمه، ولا يكون ذلك إلا على حديث يزيد بن رومان. وقال بعضهم: بل حديث القاسم هو الصفة الموافقة لكتاب الله، قال تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم﴾، يعني الباقين، ﴿فإذا سجدوا﴾ يعني المصلين، ﴿فليكونوا من ورائكم﴾ يعني: الذين هم مواجهو العدو، فاشترط الله تعالى أن تكون إحدى
стр. 683
الطائفتين في غير صلاة مواجهين للعدو والثانية في الصلاة. وقوله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا﴾ يدل على أن الأولى قد صلت تمام صلاتها.
وقوله تعالى: ﴿فليصلوا معك﴾ يقتضي بقية صلاة النبي ﷺ ، وإذا اقتضى ذلك وجب إن سلم؛ لأن آخر صلاته السلام. ومن حجة مالك في اختباره لحديث القاسم بن محمد القياس على سائر الصلوات أن المأموم لا يقضي ما فاته إلا بعد سلام الإمام، وأن الإمام لا ينتظره حتى يقضي، وهي سنة مجمع عليها، وكل قول ذكرناه سوى هذين القولين فقائله يدعي أن الآية على مذهبه ويتأولها حتى يصرفها إليه. وأكثر الأحاديث على أن صلاة الخوف إنما نزلت في غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب خصفة، وفي بعض الروايات أنها نزلت في ناحية عسفان وضجنان، والعدو خيل قريش عليها خالد بن الوليد. ولم يصل النبي ﷺ صلاة الخوف إلا مرتين بذي الرقاع من أرض بني سليم، ومرة بعسفان والمشركون بضجنان، بينهم وبين القبلة. وذكر ابن عباس صلى صلاة الخوف في حضر، ولم يكن خوف في حضر إلا يوم الخندق، ولم تكن نزلت صلاة الخوف بعد. وذكر بعهضم اعتذارًا عن الحديث الذي جاء أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف بكل طائفة ركعتين؛ إنه ﷺ كان في حضر ببطن النخل، على باب المدينة، ولم يكن مسافرًا وإنما خوف، فخرج محترسًا، ولم ينقل عنه أنه ﵊ سلم من ركعتين بهم. قال ابن القصار: وكذلك نقول إذا كان الخوف في حضر أن يصلي بكل طائفتين ركعتين، ولو ثبت أنه كان في سفر وصلى بكل طائفة ركعتين لكان هذا خاصًا بالنبي ﷺ للفضيلة في
стр. 684
الصلاة خلفه. وقال بعضهم: لا يصح أنه كان في حضر في تلك الصلاة، يعني إذا صلى بكل طائفة ركعتين؛ لأن جابرًا رواه وذكر أنهم كانوا بذات الرقاع، وقد كانت صلاة الخوف نزلت، واختلف في المأمور بأخذ الأسلحة من قوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾، فقيل: الطائفة المواجهة للعدو، لأن المصلية لا تحارب. وقيل: بل الطائفة المصلية والأمر لهم على هذا القول بأخذ الأسلحة يدل على أنهم إن قوتلوا وهم كذلك جاز أن يقاتلوا من قاتلهم إذا لم يمكنهم غير ذلك؛ وإلا فأي معنى لأخذ الأسلحة إذا لم يدفعوا بها من قاتلهم، خلافًا لمن يرى أنهم قاتلوا في الصلاة قتالًا كثيرًا بطلت صلاتهم. وقال بعضهم: يجوز أن يكون الأمر للجميع؛ لأنه أهيب للعدو.
وقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم﴾ الآية: سبب نزولها أن عبد الرحمن بن عوف كان مريضًا، وقيل: جريحًا، فوضع سلاحه، فعنفه بعض الناس؛ إذ سبق الأمر من الله إليهم بأخذ السلاح، فنزلت. ورخص في وضعها لمن كان به أذى من مطر أو لمن به مرض. ويقاس على هاتين الحالتين كل عذر مانع في ذلك الوقت، خذ من هذه الآية أن من صار في طين وضاق عله الوقت فيجوز له أن يصلي بالإيماء كما يجوز له في حالة المرض إذا لم يمكنه السجود؛ لأن الله تعالى سوى بين المرض والطين.
(١٠٣) - وقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ الآية:
اختلف في الذكر المأمور به في هذه الآية فذهب الجمهور إلى أنه ذكر مأمور به في إثر صلاة الخوف على حد ما أمروا عند قضاء المناسك بذكر الله تعالى، وذهبوا إلى أن ﴿قضيتم﴾ بمعنى فعلتم. وذهب آخرون إلى معنى قوله: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ إذا تلبستم بالصلاة فلتكونوا على هذه الهيئات المذكورات بعد، من قيام أو قعود، أو على جنب بحسب
стр. 685
الضرورات المرض ونحوه. والذكر المأمور به على هذا هو الذكر في أثناء الصلوات. وقد اختلف في ترتيب صلاة المريض فأخذ ابن المواز بظاهر هذه الآية على هذا التأويل منها، فقال: إذا لم يقدر على القيام صلى قاعدًا، فإن لم يطق، فعلى جنبه الأيمن، فإن لم يطق فعلى جنيه الأيسر، فإن لم يطق فعلى الظهر. وذهب مالك إلى أنه مخير إذا لم يقدر على القيام والقعود أن يصلي على جنب أو على ظهر. وحكي عن ابن القاسم أنه يبتدئ بالظهر ثم بالجنب، وضعفه ابن حبيب. قال اللخمي: وليس بضعيف بل هو أحكم في استقبال القبلة. وقال سحنون: يصلي على جنبه الأيمن كما يجعل في قبره، فإن لم يقر فعلى ظهره.
وقوله تعالى: ﴿فإذا اطمأننتم﴾ يعني سكنت نفوسكم من الحرب، وقيل: رجعتم إلى الحضر ﴿فأقيموا الصلاة﴾ أي أقيموها تامة الركوع والسجود، وقيل: تامة أربعًا، وقوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾، قيل: منجمًا في أوقات، وقيل: فرضًا مفروضًا.
- قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾:
في هذه الآية إثبات الرأي والقياس خلافًا لمن لم يره من الناس، وقال بعضهم: يحتمل قوله: ﴿بما أراك الله﴾ الرأي والاجتهاد، وفي هذه الآية ما يدل على أنه لا يجوز أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق. وفيها دليل أن وجود السرقة بيد الإنسان لا يوجب الحكم بها عليه؛
стр. 686
لأن سبب الآية أن طعيمة بن أبيرق جحد وديعة. وقيل: سرقها وطرحها في دار يهودي ليتهم بها. وقيل: في دار مسلم، فنزلت الآية، فنفى الله تعالى الحكم على اليهود بوجود السرقة عنده، وليس هذا قبل مسألة الصاع الذي جعله يوسف ﵇ في رحل أخيه فتدبره. وفي هذه الآية أيضًا دليل على أ، الحاكم لا يكون عاميًا خلافًا لمن أجازه؛ لأن الله تعالى فوض الحكم للاجتهاد ومن لا علم عنده كيف يجتهد.
قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾ هذه الآية حجة على صحة الإجماع وبها رد كل من أثبت الإجماع على من نفاه وذكر بعض الأصوليين في الآية احتمالات كثيرة واوهن الاحتجاج بها في ذلك.
(١١٩) - قوله تعالى حكاية عن الشيطان: ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾:
﴿فليبتكن﴾ أي ليقطعن البتك القطع، وإنما ساقه الله تعالى بلفظ التكثير؛ لأنه يكون على أنحاء كثيرة، وإنما كنى عن السائمة والبحيرة ونحوهما مما كانت الجاهلية تفعله من مثل ذلك بسبب آلهتهم وبغير ذلك. وأما وشم الوجوه، فلا يجوز ذلك؛ لأنه من تغيير خلق الله تعالى.
وأما وشم الآذان للتمييز فجائز، ليس من ذلك في شيء، وقد جاءت فيه الرخصة. وقوله: ﴿فليغيرن خلق الله﴾ ورد في هذه الآية ذم التغيير
стр. 687
لخلق الله مطلقًا. ونسبه الله تعالى إلى الشيطان وهو أمر ليس على عمومه؛ لأن من التغيير لخلق الله ما هو سنة كما قال النبي ﷺ : ((خمس من الفطرة: تقليم الأظافر، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، والاختتان))، فهذا يخصص الآية بإجماع. ومن التغيير ما هو محرم باتفاق ومكروه باتفاق، فهو داخل في الآية، ومنها ما هو مختلف فيه، وذلك كله على حسب ما ذكره المفسرون للآية. وقد اختلفوا في ذلك فقيل: أراد دين الله، وذهب قائلو ذلك إلى الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم: ٣٠]، أي لدين الله، فدليل هذه الآية على هذا التأويل أي أن الإيمان مخلوق، وقال بعضهم: الإيمان غير مخلوق.
ومعنى قول من جعل خلق الله دين الله أي حكم الله، فكنى عن الحكم بالدين. وقيل: تغيير خلق الله هو أن الله ﵎ خلق الشمس والقمر والنار والحجارة وغيرها من المخلوقات ليعتبر بها وينتفع، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة. وقال بعضهم في تغيير خلق الله: الخصاء، والآية إشارة إلى خصاء البهائم والخيل وغيرها، وما يشاكله، فلذلك عندهم ممنوع. ورخص في خصاء البهائم جماعة من أهل العلم إذا قصد به المنفعة. وفي المذهب أن ذلك مكروه في الخيل مباح في سائر البهائم. وأما خصاء بني آدم فلا خلاف في منعه، وقد سئل مالك عن شراء الخصيان فكرهه مخافة أن يكون داعية إلى فعل ذلك. وقال بعضهم: الآية إشارة إلى الوشم وما جرى مجراه ومن التصنع للحسن، فمن ذلك
стр. 688
الحديث المروي: لعن رسول الله ﷺ الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات المغيرات خلق الله. وقوله علي الصلاة والسلام: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة))، وقد اختلف في الوشم والتنمص، فلم يجزه الأكثر للحديث المتقدم. والطبري من جملة من ذهب إلى هذا، وقال: إن المرأة إن خلقت لها لحية او شارب أو عنفقة فلا يجوز لها أن تحلق ذلك أو بعضه طلبًا للتجمل؛ لأن ذلك تغيير لخلق الله ولكن تفعل ما يجوز أن يفعله في لحيته. وفي المذهب أن الوشم جائز في اليد دون الوجه، وأجازه قوم، واحتجوا بقول عائشة حين سئلت عن المرأة تحفي جبينها لزوجها، فقالت: أميطي عنك الأذى ما استطعت، وبأن يد أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما كانت موشومة، فعلى هذا القول لا يدخلان تحت الآية. واختلف أيضًا في الوصل فأجازه قوم جملة من غير تفصيل، ورووا عن عائشة في ذلك حديثًا وهو أن ابن أشرع سألها، فقال: لعن رسول الله ﷺ الواصلة، فقالت: أيا سبحان اللع وما بأس بالمرأة الزعراء أن تأخذ شيئًا من صوف فتصل به شعرها وتتزين به عند زوجها، وإنما لعن رسول الله ﷺ المرأة الشابة تبغي في شيبتها حتى إذا أسنت وصلتها بالقيادة. ولم يجزه آخرون أيضًا جملة من غير تفصيل، منهم مالك؛ لعموم حديث النبي ﷺ ، ولأنهم رأوا ذلك تغييرًا فتأولوا الآية عليه. وأجاز بعضهم وصل الشعر بالصوف والخرق، ولم يجز وصل الشعر بالشعر. وحجتهم حديث معاوية إذا تناول قصة من شعر وقال: إنما هلك
стр. 689
بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم، قالوا: والخرق والصوف ليس من ذلك. وأجاز بعضهم أن يوضع الشعر على الرأس وضعًا دون وصل ولم يجز الوصل. وأما التفليج المنهي عنه في الحديث فلم أر خلافًا أنه لا يجوز للمرأة أن تفعله وأنه من تغيير خلق الله فهو داخل تحت الآية وسواء كانت الأسنان مستوية أو مختلفة في الطول فعلمت ذلك لزوج أو غيره، قاله الطبري. وملاك تفسير هذه الآية أن كل تغيير يؤدي إلى ضرر، فهو داخل تحت الآية وما لم يكن كذلك فهو مباح ويدخل تحت مسائل جمة ويطول بذكرها الكتاب، فأعرضت عنها لذلك.
(١٢٥) - قوله تعالى: ﴿واتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾:
يحتج به من يرى شرع إبراهيم ﵇ لازمًا لنا اتباعه إذا لم يظهر له ناسخ في شرعنا.
(١٢٨) - وقوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما﴾ الآية:
اختلف في سبب الآية، فقيل: نزلت في النبي ﷺ وسودة بنت زمعة، وذلك إذا أسنت سودة فأراد النبي ﷺ أن يطلقها، فقالت: لا تطلقني واحبسني مع نسائك ولا تقسم لي، ففعل، فنزلت الآية، وفي المصنفات أنها وهبت نوبتها لعائشة. وقيل: إن التي فعل هذا ابتغاء رضاء رسول الله ﷺ صفية. وقيل: بل سبب الآية أن رافع بن خديج لما أنت عنده خولة بنت محمد بن مسلمة تزوج عليها شابة فآثر الشابة فلم تصبر
стр. 690
هي فطلقها طلقة ثم تراجعا فعاد فآثر الشابة فلم تصبر فطلقها أخرى، فلما بقي من العدة يسير قال لها: إن شئت راجعتك وصبرت على الإثرة، وإن شئت تركتك حتى يحل أجلك. قالت: بلى راجعني وأصبر، فراجعها فآثر الشابة فلم تصبر، فقال: إنما هي واحدة فإما أن تقري على ما ترين من الإثرة، وإلا طلقتم، فقرت فنزلت الآية. وقيل: نزلت بسبب أبي السنابل ابن بعلبك وامرأته، وهذا الآية تبيح جميع أنواع الصلح بين الرجل وامرأته، في مال أو وطئ أو غير ذلك. واختلف في المرأة إذا فعلت مثلما فعلت سودة، هل لها أن ترجع في ذلك وينتقض الصلح أم لا؟ والجمهور على أنه ينتقض بالرجوع؛ لأن ذلك الصلح فيه منافع تطرأ مع الإيحان فلم ينتجز قبضها فجاز فيه الرجوع. واختلف في بيعها اليوم ونحوه، والحجة لجوازه عموم قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا﴾، واختلف متأخرو زماننا في المولي عليها يأبى الزوج من الانفاق عليها وترغب هي في أن تنفق على نفسها وتكون معه هل يكون ذلك لها أم لا؟
على قولين. وعندي أن عموم هذه الآية حجة لمن أجازه منهم.
وقوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾، قيل: هو عام في كل شيء، وقيل: الصلح على البقاء خير من الفرقة. وقد اختلف في الصلح الواقع بالحرام والمكروه. فقيل: لا يجوز شيء منه ويفسخ، والصلح كالبيع، وهو مذهب مالك وابن القاسم. وقيل: ما وقع من الصلح بالأشياء المكروهة فجائز، وإما بالحرام البين فلا يجوز ويرد إلى أن يفوت فتكون فيه القيمة، وهو قول مطرف. وقيل: الصلح بالحرام والمكروه يكره ابتداء، فإن وقع مضى ولم يرد وعلى هذا القول لا يكون الصلح كالبيع، وإنما يكون معروفًا، وهو قول أصبغ. وحجته عموم قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾، فمل يخص حرامًا من حلال، وهذا عندي في الحرام الذي يحتمل وجهًا من الصحة. وأما
стр. 691
الحرام بالذي لا وجه له مما نص الشرع عليه، وأجمعت الأمة على تحريمه فلا ينبغي أن يمضي ولا أن يدخل تحت عموم الآية. وقد اختلف في الصلح على الإنكار، فعندنا جوازه. وعند الشافعي أنه لا يجوز، والحجة لجوازه عموم قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾، ومن له عند رجل دنانير لا يدريان كم هي؟ فهما أن يصلحا على ما شاءا نقدًا فعلى هذا يجوز أن يصالحا على المجهول بالمعلوم. وقال الشافعي: لا يجوز أن يكون المصالح عليه معلوم كالبيع، وحجة الجواز عموم قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾، ومعنى: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾، قيل هو أن يشح الرجل على المرأة بنفسه، وماله، وبيته. وقيل: الشح هنا منه ومنها.
والأظهر أن اللفظ على عمومه فيكل شح.
(١٢٩) - وقوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء لول حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾:
روي أن هذه الآية نزلت في النبي ﷺ يميله إلى عائشة، والعدل بين النساء بمفهوم هذه الآية مأمور به، وقد قال النبي ﷺ : ((م كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة شقه مائل))، وكان ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: ((اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك))، يعني القلب وإلى ذلك أشار تعالى في الآية بقوله: ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾. قال المفسرون: أي في الحب
стр. 692
والجماع، فالحب مما لا يستطاع العدل فيه. والجماع تابع له؛ لأنه عنه يكون، فأمر تعالى إن يأتي من ذلك ما يطاق ولا يؤثر من يهوى فوق القدر الذي يغلب على القلب.
﴿وإن تصلحوا وتتقوا﴾ أي في أن تميلوا، والأمر بالعدل بين النساء أمر عام جميع الأشياء المقدور عليها، فعلى الإنسان أن يعدل بينهن بالكون عندهن. وقد اختلف في الحرة والأمة الزوجة هل يسوي بينهما في القسم أو تفضل الحرة عليها، فتكون ليلتان للحرة وللأمة ليلة؟ فعن مالك في ذلك روايتان: والحجة للتسوية قوله تعالى: ﴿أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل﴾ فعم. واختلف هل للزوج أن يتجاوز اليوم في القسم فيقسم عند هذه المرأة يومان أو ثلاثة وعند الأخرى مثل ذلك أم لا؟ وذلك إذا أراد الزوج وحده ذلك، فعن مالك لا يجوز، وأجازه الشافعي، وبه قال ابن القصار. وحجة هذا القول عموم الآية؛ لأنه كيفما صنع وسوى بينهن فقد عدل بينهن وهو المأمور به. وعندنا أنه إذا تزوج بكرًا أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج ثيبًا أقام عندها ثلاثًا؛ لما جاء في السنة من ذلك ولا قضاء عليه بعد ذلك لمن عنده من النساء، ولا تحاسب هذه الجديدة بهذه الأيام. وقال أبو حنيفة: إنها تحاسب، ورأى أن العدل والمساواة واجب في الابتداء كوجوبه في الاستدامة.
وتعلق أبو حنيفة بظاهر هذه الآية في العدل وبسائر الظواهر الواردة في العدل، وهي عندنا مخصوصة بالنسبة لقوله ﷺ : ((للبكر سبع وللثيب
стр. 693
ثلاث)). واختلف هل يدخل لقضاء حاجة في يوم إحداهن على صاحبتها، فأجازه مالك في كتاب محمد. وقال أيضًا: لا يجوز إلا من عذر. وقال ابن الماجشون: لا يجوز من عذر أو من غير عذر، ولكن لا بأس أن يقف ببابها ويسلم من غير أن يدخل. وحجة من لا يجيز ذلك عموم الآية في العدل وإباحة ذلك تؤدي إلى غير العدل. واختلف إذا أغلقت صاحبة اليوم بابها دونه هل له أن يذهب إلى غيرها أم لا؟ فأجازه مالك، ولم يجزه ابن القاسم. وحجة هذا القول عموم الآية في العدل. وأما النفقة والكسوة فلا تلزم المساواة فيهما، فقد تكون إحداهما شريفة فلها أن تطالبه بما يجب لمثلها وليس له أن يلحق الدنية بها. واختلف هل له أن يتطوع لواحدة منهن بأكثر مما يجب لها من الإنفاق والكسوة، فعن مالك روايتان. واحتج في المنع من ذلك بقوله تعالى: ﴿فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾. وقال بعضهم محتجًا للجواز: المراد بالآية في الكون عندهن لا في الإنفاق عليهن، وأكد ذلك بقوله كالمعلقة، والمعلقة هي التي لا أيم ولا ذات زوج، شبهها بالشيء المعلق من الشيء.
وقوله تعالى: ﴿وإن تصلحوا وتتقوا﴾ أي تلتزموا ما يلزمكم من العدل فيما تملكون، فإن الله كان غفورًا رحيمًا لما لا تملكون متجاوزًا عنه.
وقال الطبري: معنى الآية غفورًا لما سلف منكم من الميل قبل نزول الآية.
стр. 694
(١٣٠) - وقوله تعالى: ﴿وإن يتفرقا يغن الله﴾ الآية:
يريد الزوجين المتقدم ذكرهما، يقول: إن لجا فلم يتصالحا، لكنهما تفرقا، فإن الله تعالى يغني كل واحد منهما عن صاحبه [
].
стр. 695
[
] منكرة لذلك، واختلف إن كانت هي القائمة بالشهادة فمنعها أشهب وأجازها ابن القاسم جملة من غير تفصيل، وإن شهد بطلاق غير أمه لم يجز إذا كانت أمه حية في عصمة أبيه، ويجوز إذا كانت أمه ميتة. واختلف إذا كانت أمه حية مطلقة، فمنعها ابن القاسم وأجازها أصبغ، وهذا كلع إذا كانت الأجنبية منكرة. واختلف إذا كانت هي القائمة والأم في عصمة الأب فأجازها أصبغ ومنعها سحنون بعد أن قال: هي جائزة. والكلام في هذه المسائل كالكلام في التي قبلها، فمن راعى مفهوم الآية ولم ينظر إلى التهمة أجاز الشهادة لما ذكرناه ومن راعى التهمة لم يجزها ولم ير مفهوم الآية متأولًا لها.
قوله تعالى: ﴿إن يكن غنيًا أو فقيرًا﴾ الآية، أي أن يكون مشهودًا عليه، ولو كان أصدق الناس بالشاهد غنيًا فلا يراعى غناه ولا يخاف منه، وإن يكن فقيرًا فلا يراعى إشفاقًا عليه، فإن الله تعالى أولى بالنوعين. وذكر السدي: أن الآية نزلت في النبي ﷺ اختصم إليه غني وفقير، فكان في
стр. 696
ضلع الفقير، علمًا منه أن الغني أحرى أن يظلم الفقير، فأبى الله تعالى إلا أن يقوم بالقسط بين الغني والفقير، وهذا القول في الآية يدل على أنه لا يجوز أن يكن الحاكم في ضلع الضعيف بأن ينبهه لحجته ويلقنه ما عيي عنه، والرواية عن أشهب وغيره بإباحة ذلك. وقال الطبري: إن هذه الآية نزلت بسبب نازلة طعمة بت أبيرق وقيام من قام بأمره بغير قسط.
قوله تعالى: ﴿وإن تلوا أو تعرضوا﴾، قال ابن عباس: هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيعرض القاضي عن أحدهما ويلتوي على الآخر. وقيل: هي في الشهود يلوون الشهادة بألسنتهم ويحرفونها فلا يقولن الحق فيها، أو يعرضون عن أداء الحق فيها، ولفظ الآية يعم القولين معًا.
(١٣٧) - قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا﴾ الآية:
اختلف المتأولون في هذه الآية، فقيل: نزلت في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى ﵇ والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى ﵇ والنجيل ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا بسيدنا محمد ﵊، كفرهم بموسى وعيسى تبديلهم ما جاء به، ورجح الطبري هذا القول. وقيل: الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت: ﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره﴾ [آل عمران: ٧٢]. وقيل: الآية في المنافقين، فإن منهم من كان يؤمن ثم
стр. 697
يكفر ثم يؤمن ثم يكف يردد ذلك، فنزلت الآية فيمن ازداد كفرًا بأن تم على نفاقه حتى مات. وقيل: هي في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت بالإنجيل ثم آمنت بعزير ثم كفرت بعيسى، ثم كفرت بسيدنا محمد ﷺ ثم ازدادوا كفرًا بموتهم على مفرهم بمحمد ﷺ .
وقيل: الآية في المؤمن يرتد مرات، وقد اختلف أهل العلم في الذي يرتد مرات. فقيل: تقبل توبته ثلاث مرات ثم يقتل في الرابعة ولا تقبل توبته، قاله المروزي وإسحاق وجاء نحو ذلك عن عثمان وابن عمر، وتأولوا هذه الآية على ذلك. وقال الشافعي وابن حنبل وابن القاسم: يستتاب أبدًا، ولم يتأولوا الآية ذلك التأويل. وقال أبو حنيفة: يوجع ضربًا في المرة الثالثة ويحبس حتى تظهر صحة توبته وعلاماتها؛ فإن قيل: فإذا كانت توبة الكافر مقبولة وإن كفر مرات فما الفائدة في قوله تعالى: ((فيمن آمن ثم كفر ثم آمن ثم كفر ثم ازداد كفرًا أنه لا يغفر له))؟ فالجواب أن الكافر إذا آمن غفر له كفره، ثم إن كفر بعد ذلك ومات على كفره لم يغفر له الكفر الأول وطولب بالأول والآخر، ولا يجوز أن يكون إذا آمن بعد لا يغفر له؛ لأن الله يغفر لكل من آمن بعد كفره، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ [الشورى: ٢٥].
(١٤٠) - قوله تعالى: ﴿وقد أنزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾:
استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب اجتناب أهل المعاصي وأهل الأهواء إذا ظهر ذلك منهم.
стр. 698
(١٤٨) - قوله تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾:
تقرأ هذه الآية: إلا من ظلم -بضم الظاء وفتحها- واختلف على القراءة بالضم في معناها، فقيل: المعنى: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره الجهر. ثم اختلف هؤلاء في الجهر كيف هو وما المباح منه؟ فقيل: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدعو عليه، ولكن ليقل اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بيني وبين من يريد ظلمي. وقيل: مباح لمن ظلم أن يدعو على من ظلمه وإن صبر فهو خير له. وقيل: هو أن يخبر بظلم ظالمه. وقيل: هي في الضيف ينزل بالرجل فلا يقربه فإنه يجهر له بالسوء من القول، وفي هذا نزلت الآية.
وقيل: لا بأس لمن ظلم أن ينتظر ممن ظلمه بمثل ظلمه ويجهر له بالسوء من القول. وقيل: المعنى في هذا ﴿إلا من ظلم﴾ أي إلا من أكره على أن يجهر بالسوء من القول كفرًا ونحوه، فذلك مباح. والآية في الإكراه، وهو قول قطرب. قال: ويجوز أن يكون ((إلا من ظلم)) على البدل كأنه قال: لا يحب الله إلا من ظُلم، يريد أنه يؤجره ولا يحب الظالم، والتقدير على هذا: لا يحب الله ذا الجهر بالسوء. واختلف أيضًا على القراءة بفتح الظاء في معنى الآية، فقيل: المعنى ((إلا من ظلم)) في فعل أو قول، فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن الفعل والتوبيخ والرد عليه. وقيل: المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول ثم استثنى استثناء منقطعًا، فقال: لكن من ظلم فهو يجهر بالسوء وهو ظالم في ذلك. وقد اختلف في وجوب الضيافة فأوجبها الليث بن سعد فرضًا ليلة
стр. 699
واحدة. وأجاز للعبد المأذون أن يضيف مما في يده، وذهب الشافعي وغيره: إلى أنها من مكارم الأخلاق من بادية أو حاضرة. قال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة. قال سحنون: إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحاضرة فالفندق ينزل فيه المساكين. واحتج الليث بقوله تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ لأنها نزلت في منع الضيافة، فأبيح للضيف لوم من لم يحسن ضيافته وذكر قبح فعله.
(١٧٦) - قوله تعالى: ﴿يستفتونك قل اله يفتيكم في الكلالة﴾ الآية:
قد تقدم الكلام عن الكلالة أول السورة بما يغني عن إعادته هنا، وكان أمر الكلالة عند عمر مشكلًا، ولذلك قال على المنبر ثلاثًا: ((لو بينها النبي ﷺ لكان أحب إلي من الدنيا وما فيها: الجد والكلالة والخلافة وأبواب من الربا)). ويروى أنه خطب الناس يوم جمعة، فقال: إني والله ما أدع شيئًا هو أهم إلي من أمر الكلالة. وقد سألت عنها رسول الله ﷺ فما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن في نحري، وقال: يكفيك آية السيف التي نزلت في آخر سورة النساء، فإن أعش فأقضي فيها بقضية لا يختلف فيها اثنان ممن يقرأ القرآن، فعلى قول عمر آية السيف هي هذه. وروى أبو سلمة أن النبي ﷺ : سئل عن الكلالة فقال: ((ألم تسمع الآية التي نزلت في السيف)): ﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾ [النساء: ١٢] إلى آخر الآية، فعلى هذا آية السيف في صدر السورة، وقد قال البراء بن عازب آخر آية نزلت على النبي ﷺ : ﴿يستفتونك قال الله يفتيكم
стр. 700
في الكلالة﴾، وقال كثير منهم: هي من آخر ما أنزل.
ونزلت هذه الآية بسبب جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله ﷺ وأنا مريض، فقلت: يا رسول الله كيف أقضي في مالي وكان لي تسع أخوات ولم يكن لي والد ولا ولد؟ فنزلت الآية، ونزلت بالمدينة، وقيل: في سفر كان فيه النبي ﷺ . وقوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين﴾ فيه قولان، قال الأخفش: التقدير فإن كان من ترك اثنتين، وجاء الضمير على معنى من. وقال المازني: فائدة الخبر ها هنا أنه لما قال: ((كانتا)) كان يجوز أن يكون الخبر صغيرتين أو كبيرتين، فما قال: ((اثنتين)) اشتمل على الصغير والكبير. وقد تقدم كثير من الكلام على فقه هذه الآية فأغنى عن إعادته، والله الموفق للصواب.
стр. 701
سورة المائدة
هذه السورة مدنية بلا خلف، وروي أنها نزلت في منصرف النبي ﷺ من الحديبية.
وقيل: إن منها ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما نزل عام الفتح، وهو قوله: ﴿ولا يجرمنكم شنئان﴾ [المائدة: ٢].
وكل ما نزل من القرآن بعد هجرة النبي ﷺ فهو مدني، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار أو بمكة، وإنما يوسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة. وقد قال بعضهم: كل ما وجد في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فهو مدني. وروي أنه ﵊، قال: ((سورة المائدة تدعى في ملكوت السماوات والأرض المنقدة))، أي تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب وفيها من الأحكام والناسخ والمنسوخ مواضع. وقد
стр. 702
قيل: ليس فيها منسوخ، لأنها آخر سورة نزلت، والصحيح ما قدمناه.
(١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود﴾:
اختلف في تأويل العقود:
فقيل: هي العهود التي عاهد عليها بعضهم في الجاهلية من النصرة والمؤازرة، أمروا أن يوفوا بها في الإسلام، وذلك إذا لم يكن في الوفاء بها معصية.
وذكر ابن فرات بن حيان أن العجلي سأل رسول الله ﷺ عن حلف الجاهلية، فقال: ((لعلك تسأل عن حلف لخم وتيم))، قال: نعم يا نبي الله، قال: ((لا يزيده الإسلام إلا شدة)).
وقيل: هي ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء وطلاق ومناكحة ومواعدة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير، وغير ذلك من الأمور مما كان غير خارج عن الجائز في الشريعة. وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات كالحج، والصيام، والاعتكاف، والقيام، وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام.
وقيل: نزلت الآية في أهل الكتاب، وأمروا أن يوفوا بما أخذ عليهم
стр. 703
من الميثاق في تصديق النبي ﷺ . وقد كتب بها النبي ﷺ إلى أهل نجران.
وقيل: ﴿أوفوا بالعقود﴾ معناه: بما أحل الله تعالى وبما حرم وبما فرض وبما حد من جميع الأشياء، ووجه القول في هذا أن العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام: منها ما عقده الله تعالى على عبيده، ومنها ما عقده المرء على نفسه، ومنها ما عقده المرء بينه وبين غيره.
ثم هي منقسمة على خمسة أقسام: منها ما يجوز الوفاء به. ومنها لا يجوز الوفاء به، ومنها ما يخير المرء في الوفاء به، ومنها ما يكره الوفاء به، ومنها ما يستحب الوفاء به.
ولفظ العقود يقع على ذلك كله، فهل هو من قبيل المجمل الذي لا يجوز التمسك به حتى يدل دليل على المراد به، أو من قبيل العام الذي يجوز التمسك به في آحاد المسائل حتى يرد مخصص؟
فقيل: هو من قبيل المجمل؛ كقوله تعالى: ﴿وافعلوا
стр. 704
الخير﴾ [الحج: ٧٧]، لا يجوز الاحتجاج به في وجوب الوتر ونحو ذلك.
وقيل: هو عام، فيجب أن تحمل الآية على عمومها في كل ما يقع عليه اسم عقد من النذور والأيمان وغير ذلك إلا ما خصصه الشرع، فإذا قلنا بذلك فمن هذه الأشياء ما اتفق عليه، ومنها ما اختلف فيه؛ فمن ذلك النذور اتفق على لزوم الوفاء بنذر طاعة شكرًا لله إن كان كذا وكذا فلا خلاف أن هذا داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾.
واختلف في النذر المطلق الذي ليس معلقًا بصفة، وفي النذر الخارج مخرج اليمين، وفي النذر في حال اللجاج والغضب، هل يلزم أم لا؟ فعندنا أنه يلزم لعموم قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾، وهذه عقود لا شك فيها.
واختلف في المذهب إذا قال: ((لله علي أن أفعل كذا وكذا، وأن لا أفعل كذا))، لقربه من القرب، ولم يأت بلفظ النذر هل يلزم أم لا؟
стр. 705
فعندنا فيه قولان: والصحيح لزومه؛ لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾، من ذلك نذر فعل مباح. واختلف فيه:
فقال ابن حنبل: إن فعله لم يكن عليه شيء، وإن لم يفعله فعليه كفارة، وعندنا أنه لا يلزمه فعله ولا عليه في تركه كفارة؛ لأن النذر الذي يلزم الوفاء به هو الذي فيه قربة، وهذا لا قربة فيه.
واختلف في الذي ينذر في الجاهلية نذرًا مما يوجبه المسلمون لله تعالى، ثم أسلم.
فقال الشافعي: واجب عليه الوفاء بنذره ومن حجته عموم الآية كما قدمناه، وقال مالك: إنه لا يجب الوفاء به.
فقال الشافعي: واجب عليه الوفاء بنذره ومن حجته عموم الآية كما قدمناه، وقال مالك: إنه لا يجب الوفاء به.
ومن ذلك الأيمان اتفق على وجوب الوفاء باليمين التي يعقدها الإنسان على نفسه باسم من أسماء الله ، فلا خلاف أن هذا
следующие страницы →