Полный текст (1 576 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
سورة المائدة
هذه السورة مدنية بلا خلف، وروي أنها نزلت في منصرف النبي ﷺ من الحديبية.
وقيل: إن منها ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما نزل عام الفتح، وهو قوله: ﴿ولا يجرمنكم شنئان﴾ [المائدة: ٢].
وكل ما نزل من القرآن بعد هجرة النبي ﷺ فهو مدني، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار أو بمكة، وإنما يوسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة. وقد قال بعضهم: كل ما وجد في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فهو مدني. وروي أنه ﵊، قال: ((سورة المائدة تدعى في ملكوت السماوات والأرض المنقدة))، أي تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب وفيها من الأحكام والناسخ والمنسوخ مواضع. وقد
стр. 702
قيل: ليس فيها منسوخ، لأنها آخر سورة نزلت، والصحيح ما قدمناه.
(١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود﴾:
اختلف في تأويل العقود:
فقيل: هي العهود التي عاهد عليها بعضهم في الجاهلية من النصرة والمؤازرة، أمروا أن يوفوا بها في الإسلام، وذلك إذا لم يكن في الوفاء بها معصية.
وذكر ابن فرات بن حيان أن العجلي سأل رسول الله ﷺ عن حلف الجاهلية، فقال: ((لعلك تسأل عن حلف لخم وتيم))، قال: نعم يا نبي الله، قال: ((لا يزيده الإسلام إلا شدة)).
وقيل: هي ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء وطلاق ومناكحة ومواعدة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير، وغير ذلك من الأمور مما كان غير خارج عن الجائز في الشريعة. وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات كالحج، والصيام، والاعتكاف، والقيام، وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام.
وقيل: نزلت الآية في أهل الكتاب، وأمروا أن يوفوا بما أخذ عليهم
стр. 703
من الميثاق في تصديق النبي ﷺ . وقد كتب بها النبي ﷺ إلى أهل نجران.
وقيل: ﴿أوفوا بالعقود﴾ معناه: بما أحل الله تعالى وبما حرم وبما فرض وبما حد من جميع الأشياء، ووجه القول في هذا أن العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام: منها ما عقده الله تعالى على عبيده، ومنها ما عقده المرء على نفسه، ومنها ما عقده المرء بينه وبين غيره.
ثم هي منقسمة على خمسة أقسام: منها ما يجوز الوفاء به. ومنها لا يجوز الوفاء به، ومنها ما يخير المرء في الوفاء به، ومنها ما يكره الوفاء به، ومنها ما يستحب الوفاء به.
ولفظ العقود يقع على ذلك كله، فهل هو من قبيل المجمل الذي لا يجوز التمسك به حتى يدل دليل على المراد به، أو من قبيل العام الذي يجوز التمسك به في آحاد المسائل حتى يرد مخصص؟
فقيل: هو من قبيل المجمل؛ كقوله تعالى: ﴿وافعلوا
стр. 704
الخير﴾ [الحج: ٧٧]، لا يجوز الاحتجاج به في وجوب الوتر ونحو ذلك.
وقيل: هو عام، فيجب أن تحمل الآية على عمومها في كل ما يقع عليه اسم عقد من النذور والأيمان وغير ذلك إلا ما خصصه الشرع، فإذا قلنا بذلك فمن هذه الأشياء ما اتفق عليه، ومنها ما اختلف فيه؛ فمن ذلك النذور اتفق على لزوم الوفاء بنذر طاعة شكرًا لله إن كان كذا وكذا فلا خلاف أن هذا داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾.
واختلف في النذر المطلق الذي ليس معلقًا بصفة، وفي النذر الخارج مخرج اليمين، وفي النذر في حال اللجاج والغضب، هل يلزم أم لا؟ فعندنا أنه يلزم لعموم قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾، وهذه عقود لا شك فيها.
واختلف في المذهب إذا قال: ((لله علي أن أفعل كذا وكذا، وأن لا أفعل كذا))، لقربه من القرب، ولم يأت بلفظ النذر هل يلزم أم لا؟
стр. 705
فعندنا فيه قولان: والصحيح لزومه؛ لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾، من ذلك نذر فعل مباح. واختلف فيه:
فقال ابن حنبل: إن فعله لم يكن عليه شيء، وإن لم يفعله فعليه كفارة، وعندنا أنه لا يلزمه فعله ولا عليه في تركه كفارة؛ لأن النذر الذي يلزم الوفاء به هو الذي فيه قربة، وهذا لا قربة فيه.
واختلف في الذي ينذر في الجاهلية نذرًا مما يوجبه المسلمون لله تعالى، ثم أسلم.
فقال الشافعي: واجب عليه الوفاء بنذره ومن حجته عموم الآية كما قدمناه، وقال مالك: إنه لا يجب الوفاء به.
فقال الشافعي: واجب عليه الوفاء بنذره ومن حجته عموم الآية كما قدمناه، وقال مالك: إنه لا يجب الوفاء به.
ومن ذلك الأيمان اتفق على وجوب الوفاء باليمين التي يعقدها الإنسان على نفسه باسم من أسماء الله ، فلا خلاف أن هذا
стр. 706
داخل تحت قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾، فإن حنث فيها فكفارتها ما ذكره الله تعالى في كتابه، سيأتي الكلام عليه. واختلف في لزوم الوفاء باليمين التي يعقدها الإنسان على نفسه بطاعة من الطاعات كالعتق والمشي إلى مكة والصدقة بالمال، ونحو ذلك.
فمنهم من لم يلزم شيئًا من ذلك باليمين، ولم ير فيه إلا كفارة يمين. ومنهم من لم يلزم شيئًا من ذلك ولا أوجب فيه كفارة يمين. ومنهم ن ألزم العتق ولا يلزم الطاعات. ومنهم من ألزم الحالف بشيء من الطاعات، الوفاء بها وهو أصل مذهب مالك، وشذت له مسائل عن هذا الأصل يجب ردها إليه. وحجتنا على هذا القول عموم الآية أي قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾، وهذه كلها عقود لا شك فيها، فيجب الوفاء بها، وهذا كله فيما لله تعالى فيه طاعة، فأما ما ليس فيه طاعة فلا يجب الوفاء به، إلا أنه اختلف في الطلاق إذا خرج مخرج اليمين هل يلزم أم لا؟ وذلك ليس مما لله فيه طاعة.
فالجمهور على أنه يلزم، وذهب بعضهم إلى أنه لا يلزم.
стр. 707
ومن حجة الجمهور عموم الآية، ومن ذلك الهبة والصدقة.
واختلف في جواز الرجوع فيها للأجنبي ما لم يقبضها، فأجازه الشافعي وأبو حنيفة مطلقًا، وأجازه بعضهم في الهبة ولم يجزه في الصدقة، وهذا أحد قولي الشافعي، ولم يجزه مالك في واحد منها، والحجة له رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعقود﴾. والعقد هو الإيجاب والقبول وهو موجود في مسألتنا، فالوفاء به واجب.
واختلف فيما وهبه الأب لابنه هل له الرجوع فيه، وإن قبضه الابن، أم لا؟ فقال مالك: له ذلك، وبه قال الشافعي على خلاف له، ولمالك في الجد وعلى خلاف لمالك في الأم والجدة.
وقال أبو حنيفة: لا رجوع للأب ولا لذي رحم محرم فيما وهبه، وأجازه الرجوع للأجنبي.
وحجة مالك ومن قال بقوله ما روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي لولده))، وهو حديث صحيح، وهو نص في مسألة الأجنبي، فالوالد
стр. 708
مخصص لعموم الآية.
ومن ذلك الشروط المشترطة في النكاح التي لا تفسده ولم يقترن بها تمليك ولا عتق ولا حظ من الصداق.
فعند مالك ﵀ أنها تلزم، وعند ابن شهاب وغيره أنها تلزم من التزمها، فمن ألزمها رآها داخلة تحت لفظ العقود، ومن لم يلزمها خصصها من ذلك باعتبار ما فيه قربة. ومن حجة ابن شهاب وغيره قوله ﵊: ((المسلمون عند شروطهم))، وقوله ﵊ ((أحق الشروط أن توفوا له ما استحللتم به الفروج)).
القول في هذه الآية أشعر أو لم يشعر وهو قول الشافعي، ومن
стр. 709
حجته الآية على هذا التأويل، وظاهر قول النبي ﷺ : ((زكاة الجنين زكاة أمه)).
ومالك يقول: إن أشعر جاز أكله إذا خرج ميتًا ولا يحتاج إلى ذكاة، وعلى هذا يتأول هذا التأويل في الآية والحديث، وأبو حنيفة لا يجيز أكله إلا أن يخرج حيًا فيذكي والحجة عليه ما قدمناه من الحديث والآية. والأحسن أن يقال: إنه أراد ببهيمة الأنعام الوحش، فأراد تعالى أن يعلمنا بأنها تحل لنا كما تحل الأنعام، ولذلك سماها بهيمة الأنعام، فتكون على هذا القول الأنعام داخلة في التحليل لأن مضمون الآية التسوية بينهما في التحليل، فمن جعل بهيمة الأنعام في الآية الجنين لم يحتج إلى إضمار الذكاة في الآية. ومن جعلها الوحش أو الماشية كما قدمنا احتاج في الآية إلى تقدير الذكاة؛ لأن أكلها لا يجوز إلا بذكاة كأنه قال: أحلت لكم ذكية بهيمة الأنعام ونحو ذلك. وهذا اللفظ مما يختلف فيه أكثر الأصوليين وهو قوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾، فمنهم من يقول: هو مجمل إذ لا يدري من هذا اللفظ ما أحل منها هل الركوب أو الأكل أو البيع أو غير ذلك، فيجب الوقف حتى
стр. 710
يتبين المراد بذلك. ومنهم من يقول: هو على العموم في جميع الأشياء إلا أن يخصص منها شيء. والحذاق منهم يزعمون أن هذا نص على أنه إنما أراد الأكل من جميع تلك الأشياء، قالوا: إلا أن هذه لا يقتضيه وضع اللفظ، وإنما يقتضيه عرف الاستعمال. واختلف في أكل الجلالة فعندنا فيه الكراهية، وحرمه ابن حنبل.
واختلف أيضًا في ألبانها وأبوالها وأعراقها على ثلاثة أقوال في المذهب: الطهارة والنجاسة والفرق بين الأبوال وبين غيرها. والحجة لمن يحرم أكل الجلالة ولا شرب ألبانها قوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمو الأنعام﴾، يريد أكلها فعم ولم يخصص جلالة من غيرها. وقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ دليل خطابه أن ما ليس من بهيمة الأنعام فلم يحل إلا دليل الخطاب في القول به اختلاف. ومن يقول به تركه في بعض الأحوال لما يقتضي ذلك عنده، وسيأتي الكلام إن شاء الله على ما يتعلق بما أشرنا إليه. وذد اختلف في لحم القرد، فكرهته طائفة. وقالت طائفة: أكله جائز، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾.
стр. 711
(١) - وقوله تعالى: ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾:
قيل: أراد ما تلى في قوله بعد هذا: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣] الآية، وقيل: أراد الدم المسفوح من المذكاة.
(١) - قوله تعالى: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾:
استثناء بعد استثناء، فاستثنى تعالى أولًا نوعًا من المأكول فلم يجزه، ثم استثنى نوعًا من المخاطبين فلم يجز لهم الصيد، وكأنه تعالى يقول إذ أحللنا لكم بهيمة الأنعام فلا تستحلوا أنتم الصيد وأنتم حرم، أي محرمون بحج أو عمرة كذا قال بعضهم، وعندي أن معناه: محرمون بحج أو عمرة أو داخلون في الحرم. ثم قال تعالى: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾، أي يحلل ما شاء ويحرم ما شاء.
وهذه الآية قد تضمنت خمسة أحكام: الأول: الوفاء بالعقود، والثاني: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾، والثالث: ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾، والرابع: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾، والخامس: ما دلت عليه الآية من إباحة الصيد للحلال، وهذا من أعظم الفصاحة. وحكي أن أصحاب الكندي قالوا
стр. 712
له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل القرآن. فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أيامًا كثيرة، ثم خرج فقال: ((والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فرجت لي سورة المائدة فنظرت، فإذا هو قد أمر بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلًا عامًا، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا إلا في أجلاد)). وقال بعضهم: يؤخذ من قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾، و ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ أن الكفار محظور عليهم ذبيح الأنعام؛ لأنه تعالى إنما أباح الأنعام مجازاة عن الوفاء بالعقود، قالوا: وذبيح الأنعام إنما عرفت إباحته بشرع نبينا سيدنا محمد ﷺ . وإذا أثبت ذلك فلا يباح ذبح البهائم للكفار وإن كانوا أهل كتاب. وهذا بعيد لأنه لو لم يكن ذبح البهائم مباحًا لهم ما جاز للمسلمين أكل ذبائح أهل الكتاب. ويمكن أن يقال على هذا بأنه
стр. 713
محرم عليهم الذبح، لكنهم إذا ذبحوا أكلت ذبائحهم.
(٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾:
اختلف في الشعائر ما هي، فقيل: هي ما حرم الله تعالى، وقيل: مناسك الحج، كان المشركون يحجون ويعتمرون ويهدون وينحرون ويعظمون شعائر الله، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقال تعالى: ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾، وهو قول ابن عباس أيضًا. وقيل: هي ما حد تحريمه في الإحرام وهو قول ابن عباس أيضًا. وقيل: كان عامة العرب لا يعدون الصفا والمروة من الشعائر، وكانت قريش لا تقف بعرفات فنهوا بهذه الآية.
وقيل: شعائر الله جميع ما أمر الله تعالى به ونهى عنه.
وقيل: الشعائر ست: الصفا، والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن. وقيل: شعائر الله: الصفا، والمروة، ,الحرم، والمعنى: لا تحلوا الصيد في الحرم. وأصل الشعائر من أشعرت
стр. 714
الشيء، إذا علمته، وهي جميع شعيرة، وهي المعلم. واختلف في الشهر الحرام ما المراد به، فقيل: هو اسم مفرد يدل على الجنس من جميع الأشهر الحرم؛ فكأنه تعالى قال: ولا الأشهر الحرم، وهذا قول ابن عباس، وهي أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان. وإنما أضيف إلى مضر لأنها كانت تختص بتحريمه، وتزيل فيه السلاح، وتنزع الأسنة من الرماح. وتسميه: منصل الأسنة، ومنصل الأول، وتسميه: الأصم؛ لأنه كان لا يسمع فيه صوت سلام. وكانت العرب مجمعة على تحريم ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم. وقيل: كانت ربيعة بأسرها تجعل رجبها رمضان، وتحرمه ابتداعًا منها، وكانت قريش ومن تابعها من مضر على الحق، فأقر رسول الله ﷺ ذلك. وكانت العرب تطول عليها الحرمة، وتمنع من الغارات ثلاثة أشهر، فلذلك اتخذت النسيء، وذلك أن يحل لها مثل نعيم بن ثعلبة المحرم من هذه الشهور، ويحرم
стр. 715
صفرًا، ثم كذلك في سائر الأشهر الحرم، فنهى الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ [التوبة: ٣٧]، وجعل المحرم أول الشهور من حيث كان الحج الموسم غاية العام، ولذلك دون به عمر بن الخطاب ﵁ الدواوين، فمعنى الآية لا تحلوا هذه الأشهر بقتال ولا غارة ول تغيير، فإن ذلك استحلال لحرمتها.
وقيل: الشهر الحرام في هذه الآية رجب، وإنما خصصه الله تعالى بالذكر تشريفًا لأمره؛ لأنه مختصًا بقريش، ثم فشا في سائر مضر، يدل على هذا قول الأحوص.
وشهر بني أمية والهدايا ... إذا حبت مضرجها الدماء
وإنما نسبه إلى بني أمية لأنها من قريش، فخصص تعالى هذا الشهر تأكيدًا له، إذ لم تكن العرب مجمعة عليه. وقيل: الشهر الحرام في هذه الآية ذو القعدة، من حيث كان أولها، كذا قال بعضهم، فالمعنى في
стр. 716
هذه الآية على الأقوال كلها عن استحلال هذه الشهور بالقتال فيها والتغيير لحالها. وأما الهدي فهو ما أهدي إلى البيت من النعم، وقصدت به القربة؛ فأمر الله تعالى أن لا يستحل ولا يغار عليه. وقيل: الهدي ما يتقرب به من الأنعام ومن سائر المتمولات، على هذا اختلف فيمن نذر هديًا، فقال مالك: لا يكون إلا من النعم. وقال الشافعي: يكون من كل ما يتمول، وهو قوله القديم. والصحيح ما ذهب إليه مالك؛ لأن عرف الشرع خصص الهدي بالنعم، فقال تعالى: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]، فوجب حمل النذر على عرف الشرع، وإن كان من حيث اللغة لا يمتنع أن يقع على سائر المتمولات اسم الهدي. وقد قال ﵊ في ساعات الجمعة: ((كالمهدي بدنة)) إلى أن قال: ((كالمهدي بيضة))، فسمى البيضة هديًا.
وقد قالت العلماء: إذا قال الرجل لو في هديًا أن عليه أن
стр. 717
يتصدق به. قال بعضهم: وتدل الآية على تحريم الأكل من الهدي ما كان، وبه قال الشافعي خلافًا لمالك في إجازته الأكل من هدي التمتع والقران خاصة. ودليل مالك قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾ [الحج: ٢٨] الخ، وقوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها﴾ [الحج: ٣٦].
واختلف في القلائد، فقيل: هي الهدي المقلد، وأن الهدي إنما يسمى هديًا إذا لم يقلد؛ فكأنه قال: ولا الهدي الذي لم يقلد ولا المقلد.
ويحتمل أن يريد بالهدي مقلد الهدي، وغير مقلده، ثم خصص المقلد منها تأكيدًا لأمره وحرمته، وقول ابن عباس محتمل لهذين القولين، وكلاهما متأول عليه. وقيل: القلائد ما كان الناس يتقلدون منه لهم. قال قتادة: كان الرجل في الجاهلية -إذا خرج يريد الحج- يقلد من السمر قلادة فلا يتعرض له أحد بسوء؛
стр. 718
إذ كانت تلك علامة إحرامه وحجه. وقال عطاء: بل كانوا إذا خرجوا من الحرم في حوائج لهم تقلدوا من شجره، ومن لحائه؛ فيدل ذلك على أنهم من أهل الحرم أو من حجاجه فيأمنون بذلك، فنهى الله تعالى عن استحلال من يحرم بشيء من ذلك. وقيل: القلائد ما تقلده الهدايا من شجر الحرم، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يستحلوا أخذها من شجر الحرم كفعل الجاهلية، والآمون البيت الحرام هم الكفار الذين كانوا يأتون البيت حجاجًا نهى الله تعالى أن يستحلوا -فيغار عليهم- بهذه الآية. واختلف في المنسوخ من هذه الآية، فقيل: كل ما فيها من نهي عن مشرك أو مراعاة حرمة له بقلادة أو نحو ذلك فهو منسوخ بآلة السيف، قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، وكذلك ما في قوله تعالى: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾ من إباحة دخول المشركين البيت، قال ابن عباس: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ [التوبة: ٢٨]، بقوله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ الآية [التوبة: ١٨]. وقال مجاهد: لم ينسخ منها إلا القلائد كان الرجل يتقلد بالشيء من لحاء العرب فلا يقرب،
стр. 719
فنسخ ذلك يريد بقوله : ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، وقال الطبري: الصحيح أن المنسوخ قوله: ﴿ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام﴾؛ : لإجماعهم على أن قتال أهل الشرك في الشهر الحرام وغيره جائز، وكذلك المشرك لو تقلد ما تقلد ولم تكن له ذمة مأمور بقتله في قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، وهذا الذي قاله فيه نظر؛ لأنه قد اختلف الناس في المائدة وبراءة آيتها نزلت قبل صاحبتها، وإذا لم يقطع بالمتأخرة منهما لم يصح النسخ.
ووجه القول في هذه الآية أن شعائر الله تعالى محارمه وحدوده، وأنه لا يصح بحال أن يستحل ما حرم الله تعالى منها.
(٢) - وقوله: ﴿ولا الشهر الحرام﴾:
لا خلاف في جواز القتال فيه وأنه صار حلالًا بعد أن كان حرامًا لكن
стр. 720
بقيت حرمة الشهر في نفسه محرمة، وكذلك حرمة الهدي والقلائد باقية إلى يوم القيامة، لكنها لا تعصم أحدًا ممن وجب عليه قتل أو حد.
(٢) - قوله تعالى: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾:
هذا اللفظ عام للمؤمن والمشرك خص منه المشرك فأبيح قتله، أو أوجب على حسب حاله, وبقي عموم اللفظ في حق المؤمن. واختلف في سبب الآية: فقال أكثرهم: إنها نزلت في حق الحطم بن هند البكري أخي بني ربيعة، وذلك أنه قال رسول الله ﷺ يومًا لأصحابه: ((يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان الشيطان))، فجاء الحطم فخلف خيله خارج المدينة ودخل على رسول الله ﷺ ، فلما عرض رسول الله ﷺ الإسلام عليه ودعاه إلى الله تعالى. قال: انظر ولعلي أسلم وأرى في أمرك غلظة ولي من أشاور وخرج، فقال النبي ﷺ : ((دخل بوجه كافر وخرج
стр. 721
بعقب غادر))، فمر بسرح من المدينة فساقه وانطلق به يقول:
قد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم ... بانوا نيامًا وابن هند لم ينم
بات يقاسيها غلام كالزلم ... خدلج الساقين خفاق القدم
ثم أقبل الحطم في عام آخر حاجًا، وساق الهدي، فأراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، وخف إليه أناس من أصحاب رسول الله ﷺ فنزلت الآية نهيًا عن الحجاج أن يقطع سبيلهم. وروي أن الآية نزلت عام الفتح، ورسول الله ﷺ بمكة إذ جاء ناس من المشركين يحجون ويعتمرون، فقال المسلمون: يا رسول الله إن هؤلاء المشركون، فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم، فنزل القرآن: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾.
(٢) - وقوله تعالى: ﴿يبتغون فضلًا من ربهم ورضوانًا﴾:
قيل: الربح، وقيل: الأجر والتجارة، وقيل: الفضل والتجارة، والرضوان الحج. واستدل بعضهم بهذه الآية على جواز دخول مكة بلا
стр. 722
إحرام إلا في الحج خاصة، وهو قول الشافعي خلافًا لمالك ﵀ في أن ذلك لا يجوز إلا للمترددين على مكة كالحطابين وأصحاب الفواكه.
(٢) - وقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾:
أمره تعالى هنا بالصيد أمر إباحة بإجماع، وقد اختلف أهل الأصول، الذين يقولون: الأمر للوجوب، في الأمر إذا ورد بعد الحظر هل هو كما لو ورد ابتداء أم يؤثر فيه تقدم الحظر عليه فلا يكون إلا للإباحة؟ ومن يقول بتأثير الحظر يحتج بهذه الآية. ولا حجة في ذلك لأن ما اقترن بهذا الأمر من القرائن دل على أنه على الإباحة، وإنما كلامنا فيما لم تقترن به قرينة. ونص هذه الآية إباحة الصيد لغير المحرم. ودليل خطابها منعه للمحرم. فأما إباحته لغير المحرم فلا خلاف فيه؛ إذ اصطياده لحاجة إليه. وأما للهو فاختلف فيه، فكرهه مالك، وأباحه أحمد لعموم قوله
стр. 723
تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾. وأما اصطياد المحرم فلا أعرف خلافًا في منعه، كما دلت عليه الآية.
(٢) - وقوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا﴾:
قوله: ﴿ولا يجرمنكم﴾، وقيل: معناها لا يحملنكم، وقيل: لا يكسبنكم، وقيل: لا يحنقنكم. وقد اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب مجاهد إلى أنها محكمة، وأنها نزلت في النهي عن الطلب بدخول الجاهلية إن أراد قوم من المؤمنين ذلك، وقد قتل بذلك حليف لأبي سفيان من هذيل. وقد قال النبي ﷺ : ((لعن الله من قتل بدخل من الجاهلية))، وقيل: المعنى لا يكسبنكم شنآن قوم، أي يغضهم أن تعتدوا فيهم الحق إلى الباطل، والعدل إلى الظلم. قال ﵊: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك))، وفيه دليل على أنه يجوز مقابلة الظلم بما يجوز أن يكون عقوبة له، وقد أذن الشرع في ذلك. قيل: الآية منسوخة، والذين قالوا ذلك اختلفوا في سببها، فقال بعضهم: نزلت في عام الفتح حين أراد المؤمنون أن يستطلبوا على قريش وألفافها من القبائل المتظاهرين
стр. 724
على صد رسول الله ﷺ عام الحديبية وذلك سنة ست من الهجرة فحصلت بذلك بغضاء في قلوب المؤمنين للكفار. فقيل للمؤمنين عام الفتح وهو سنة ثمان: ﴿ولا يجرمنكم﴾ أي: لا يحملنكم على البغض من أجل أن صدوكم على أن تعتدوا عليهم. وقال بعضهم: نزلت عام الحديبية، لأنه لما صد المسلمون عن البيت مر بهم قوم من أهل نجد يريدون البيت، فقالوا: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فنزلت الآية. وقيل: إنها نزلت في رجل من ربيعة يقال له الحطم بن هند وهو المتقدم الذكر، أتى حاجًا وقد قلد، فأراد أصحاب النبي ﷺ أن يخرجوا إليه فنهوا عن ذلك، وقال بعضهم: كان اسمه ضبيعة بن شرحبيل البكري، وهذه الأقوال في سبب الآية تدل كلها على مراعاة حرمة الكفار وترك قتالهم.
قال ابن زيد: وهذا منسوخ بالجهاد، وذهب إلى أنه لما جاز قتال المشركين جاز أن يعتدي عليهم. وقد اختلف هل يجوز للرجل أن يؤجر نفسه أو داره أو ودابته أو غلامه في شيء من عمل الخمر؟ فمنعه
стр. 725
مالك ومن تابعه، وأجازه أبو حنيفة، دليلنا عليه قوله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ وهذا منه. وكذلك اختلف هل يجوز أن يبيع الرجل كرمه لمن يعصره خمرًا؟ والحجة لمن منعه ما ذكرنا، وكذلك اختلف هل يجوز بيع سكين أو سيف لمن يعلم أنه يقتل به رجلًا أم لا؟
(٣)، (٤) - قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ... ﴾ إلى قوله: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾:
هذه الأشياء التي حرمها الله تعالى على ثلاثة أقسام: منها ما حرمه لعدم الذكاة، وهي الميتة وحدها، أو الميتة والمنخنقة وأخواتها، على ما يأتي من الخلاف في ذلك.
ومنها: ما حرمه لوصم من الذكاة، وهي ما أهل به لغير الله، وما ذبح على النصب. ومنها ما حرم لعينه لا لعدم الذكاة، ولا لوصم فيها وهو الدم ولحم الخنزير، ولا بد من إفراد الكلام على كل لفظة من ألفاظ هذه الآية، فإنها تتضمن أحكامًا كثيرة.
فأما الميتة؛ فالمراد بها ما مات حتف أنفه إلا أنها على قسمين: فقسم اتفق على تحريمه بالآية، وهو كل حيوان بري له نفس سائلة مات حتف أنفه. وقسم اختلف في تحريمه على حسب الاختلاف في لفظ الآية هل
стр. 726
يحمل عليه أم لا؟ فمن ذلك ميت صيد البحر إذا لم تكن له حياة في البر فمات بغير ذكاة، فأجازه الأكثر ورآه مخصصًا من عموم الآية. ولم يجزه أبو حنيفة، وقد مضى الكلام على ذلك في سورة البقرة. ومن ذلك أيضًا ميت حيوان البر إذا لم تكن له نفس سائلة ومات من غير شيء صنع به. واختلف فيه أيضًا على قولين، وحجة من لم يحله عموم الآية، وقد مر الكلام على عظام الميتة وجلودها وشعرها في سورة البقرة.
وكانت العرب تحل أكل الميتة، ولذلك نزلت فيها الآية. وأما الدم الذي حرمه الله تعالى في هذه الآية من غير تفصيل، فيقتضي جميع الدماء مسفوحها وغير مسفوحها إلا أنه قد جاء في آية الأنعام تحريم الدم مقيدًا بالمسفوح، فقال ابن شعبان: قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾. وهذا منه غلط؛ لأن الأنعام مكية والمائدة مدنية، والمكي لا ينسخ المدني باتفاق. والذي ينبغي أن يقال في الآيتين أنه يحتمل أن تكون الآية المطلقة محمولة
стр. 727
على المقيدة، وهو مذهب أكثر الأصوليين، فلا يكون محرمًا بالآية إلا المسفوح، ويحتمل أن لا يحمل عليها، فتحمل المطلقة على عمومها على قول من يقول بالعموم، فيقتضي تحريم المسفوح وغير المسفوح؟ إلا أن يخصص منها شيء بدليل آخر. ويكون تعالى قد خصص المسفوح بالذكر في آية أخرى تأكيدًا لأمره، وإلى نحو هذا يذهب من لا يرى حمل المطلق على المقيد من الأصوليين، فاتفق على أن الدم المسفوح حرام للآية المقيدة وكذلك الكثير من غير المسفوح للآية المطلقة.
واختلف في اليسير مما عدا المسفوح، فقال مالك مرة: الدم كله نجس فهو حرام. وحجة هذا القول عموم آية قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾، فلم يخص مسفوحًا من غيره. وقال أيضًا: لا تعاد الصلاة من الدم اليسير، قال : ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقال محمد بن مسلمة: المحرم المسفوح، قال: وقد جاء عن عائشة أنها قالت: ((لولا أن الله قال: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ لاتبع المسلمون ما في العروق كام اتبعه اليهود)). وقد تطبخ البرمة وفيها الصفرة، ويكون في اللحم والدم، فلا يكون على الناس غسله، قال: ولو كان قليله ككثيره لكان كبعض النجاسات تقع في الطعام فلا يؤكل. وقد اختلف في
стр. 728
الشاة إذا قطعت وظهر الدم في اللحم، فقال مالك مرة: حرام، جعل الإباحة فيه ما يظهر لأن اتباعه من العروق حرج. وقال مرة: حلال؛ لقوله سبحانه: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. واختلف في دم ما لا يحتاج إلى ذكاة وهو الحوت، فالمشهور عن مالك أنه نجس حرام، وقال أبو الحسن القابسي: ليس بنجس، وحمل قول مالك في غسله على الاستحسان فعلى ذلك يكون حلالًا. والقول الأول أحسن؛ لأن الحوت كالمذكى من حيوان البر، فلما كان الدم حرامًا مع وجود الذكاة كان حرامًا من الحوت؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والدم﴾؛ لأن الدم محرم بغير علة، فإن كان سائلًا جاريًا كما يكون في بعض الحوت كان كالمسفوح من حيوان البر، إن كان غير سائل ولا جارٍ جرى لخلاف في مثله من البري. ويختلف فيما كان في الدم مما ليس له نفس سائلة من
стр. 729
حيوان البر، فعلى القول باحتياجه إلى الذكاة يحرم ما كان من دمه قبل الذكاة، ويختلف فيما ظهر منه بعد الذكاة. وعلى القول بأنه لا يحتاج إلى ذكاة، ويكون ما كان منه في حال الحياة وبعدها سواء يختلف فيه إذا ظهر وبان من الجسم. وكانت العرب تستبيح الدم منه. قولهم: لم يحرم من قصد له، وكانوا يأكلون الدم بالقرا في الشدائد ويسمونه العلهز، ولذلك نزلت الآية في تحريم الدم. وأما الخنزير، فإنما نص عليه تعالى وإن كان شحمه وجلده مثل ذلك في التحريم؛ لأنه الغالب والأكثر والمعتاد في الأكل من الحيوان. وكانت العرب تحل أكل لحم الخنزير، فنزلت الآية لذلك أيضًا. وقد تقدم الكلام على هذا الفصل فأغنى عن إعادته هنا. وأما ما أهل به لغير الله فقد تقدم الكلام عليه أيضًا، وكانت العرب تحل أكل ذلك.
وأما المنخنقة، فهي التي تختنق بحبل ونحوه. وذكر عن قتادة: أن أهل الجاهلية كانوا يختفون الشاة وغيرها، فإذا ماتت أكلوها.
стр. 730
والموقوذة المضروبة بعصا أو نحوها، من وقذه يقذه وقذا إذا ضربه، وكانت العرب تفعل ذلك بها حتى تموت ويأكلونها.
وقال بعضهم: ليس الموقوذة إلا فيما ملك، فأما الصيد فليس فيه موقوذ. وعن مالك وغيره من الفقهاء: أن من الصيد أيضًا موقوذًا، وعلى هذا الأصل اختلفوا فيما قتل المعراض -عصا برأسه حديد ويسمى عنه العامة باللواي- بعرضه، فالجمهور على أنه لاى يؤكل. وحكي أنه يؤكل. وقال الأوزاعي: خرق أو لم يخرق، ومما يؤيد قول الجمهور حديث عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إني أرمي بالمعراض فأصيب، أفآكل؟ قال: ((إذا رميت بالمعراض وذكرت الله تعالى فأصاب فخرق فكل، وإن أصاب بعرضه فلا تأكل))، وفي رواية أخرى: ((أصاب فخرق فكل وما أصاب بعرضه فقتل، فإنه وقيذ فلا تأكل)). واختلفوا أيضًا فيما قتل بالبندقية، فالجمهور على أنه لا يؤكل، خلافًا لعمار وابن أبي
стр. 731
ليلى، وابن المسيب، في إجازة ذلك. وهذا كله يدل على أن شرط ذكاة الصيد الجراحة وإسالة الدم، ولهذا قال الشافعي في قول: إذا أخذ الكلب الصيد وقتله ضغطًا فإنه لا يحل أصلًا كما لا يحل صيد المعراض، وبه قال أصحاب مالك. وأما ما صدمه الكلب أو نطحه فمات من غير جرح، فقال ابن القاسم: لا يؤكل، وهو قول أبي حنيفة. وعند أشهب: يؤكل وهو أحد قولي الشافعي، وهذا الصيد يحتمل أن يلحق بالموقوذة، ويحتمل أن يلحق بالنطيحة وكيفما كان، فالأظهر أنه لا يؤكل.
والمتردية هي التي تتردى من العلو إلى الأسفل، مفتعلة من الردى وهو الهلاك، وكانت الجاهلية تأكلها. وقد اختلف في الصيد إذا
стр. 732
جرحه السهم أو الكلب ولم ينفذ مقاتله فسقط في ماء أو من أعلى جبل، فقيل: إنه يؤكل، وقيل: إنه لا يؤكل. واختلف فيه عن مالك ﵀، فروي ابن القاسم: أنه لا يؤكل، وروى ابن وهب: أنه يؤكل. ومن حجة من لا يرى الأكل إلحاقه بالمتردية. والنطيحة الشاة التي نطحتها الأخرى أو غير ذلك، فهي فعيلة بمعنى مفعولة. وقيل: النطيحة الناطحة؛ لأن الشاتين قد تناطحا فتموتان، فهي فعيلة بمعنى فاعلة. وما أكل السبع: كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من بمعنى فاعلة. وما أكل السبع: كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان، كالأسد والنمر والثعلب والذئب والسبع على الأسد. وكانت العرب تأكل هذا أيضًا، وكانت العرب لا تعتقد الميتة إلا ما ماتت بوجع ونحوه دون سبب يعرف. فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة، فحضر الشرع الذكاة إلى صفة مخصوصة وبقيت هذه كلها ميتة. وقد اختلف المفسرون في المنخنقة وأخواتها التي ذكرناها
стр. 733
آنفًا هل المراد بها ما مات م ذلك، أو ما أشرف على الموت نفذت مقاتله أو لم تنفذ؟ على ثلاثة أقوال: فذهب جماعة إلى أن المراد بالمنخنقة وأخواتها ما مات من ذلك، قالوا: إنما ذكر الله تعالى الميتة حتف أنفها، والتي تموت بهذه الأسباب، فأخبر أن جميعها بمنزلة سواء في التحريم، وهذا قول ضعيف؛ لأن الميتة اسم عام يدخل الميتة حتف أنفها، والتي تموت بهذه، فلو كان المعنى كذلك لم يكن لذكر المنخنقة وأخواتها في الآية معنى، إلا أنه قد يقال: إنما ذكر الله تعالى هذه الأشياء مع الميتة لما قدمناه مما كانت قد يقال: إنما ذكر الله تعالى هذه الأشياء مع الميتة لما قدمناه مما كانت العرب تعتقده فيها. والاستثناء على هذا القول متصل بلا خلاف. وذهب كثير من العلماء إلى أن المراد بذلك ما أشرف على الهلاك ولم ينفذ له مقتل. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمنخنقة وأخواتها ما أشرف على الهلاك، نفذت مقاتله أم لا.
(٣) - وقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾:
مختلف فيه على هذين القولين على الاستثناء متصل أو منفصل؟ فالذين فسروا المنخنقة وأخواتها وإن صارت بما أصابها إلى حال اليأس ما لم ينفذ لها مقتل، وهو وقول ابن القاسم وروايته عن مالك. وذهبت جماعة منهم أيضًا إلى أنه استثناء منفصل. قالوا: فالتقدير: لكن ما ذكيتم
стр. 734
من غير هذه الأشياء، فلم يجيزوا ذكاة هذه الأشياء إذا صارت في حدج اليأس مما أصابها وإن لم ينفذ لها مقتل، وهو مالك في الروايتين عن أشهب عنه، وقول ابن الماجشون وابن عبد الحكم وروايته عن مالك. والذين ذهبوا إلى أن المنخنقة أخواتها ما نفدت مقاتلها كما ذكرنا اختلفوا أيضًا في الاستثناء، فذهب الأكثر إلى أنه منفصل، والتقدير: لكن ما ذكيتم من غير هذه الأشياء، فلم يجيزوا أكلها؛ لأنها بسبيل الميتة، وإن تحركت بعد ذلك فإنما هي بسبيل الذبيحة التي تتحرك بعد الذبح. وذهب قوم إلى أن الاستثناء متصل، وأن المنخنقة وأخواتها وإن نفذت مقاتلها بما أصابها فما بقيت فيها حياة بتحريك يد أو رجل، فالذكاة عاملة وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس، وقد ينسب هذا القول لابن القاسم.
стр. 735
والاستثناء في هذه الأقوال كلها إذا كان متصلًا فهو من جميع الأشياء المتقدمة، وذهب بعضهم إلى أن الاستثناء إنما هو من أكل السبع خاصة، وأحسبه يرجع إلى أقرب مذكور، وهو مذهب بعض الأصوليين.
(٣) - قوله تعالى: ﴿وما ذبح على النصب﴾:
النصب حجارة تنصب، كان منها حول الكعبة ثلاثمائة وستون حجرًا، وكل أهل الجاهلية يعظمونها ويذبحون عليها لآلهتهم ولها أيضًا، وتلطخ بالدماء، ويوضع عليها اللحوم قطعًا قطعًا ليأكل منها الناس. وكان أهل مكة يبدلون تلك الحجارة إذا رأوا أعجب منها إليهم. وهذه النصب ليست بالأصنام؛ لأن الأصنام مصورة والنصب غير مصورة. وقال بعضهم: ما ذبح على النصب وما أهل به لغير الله واحد يريد -والله تعالى أعلم- أن ما على النصب جزء منه. وقد تقدم الكلام على حكم ما ذبح على النصب -هل يؤكل أم لا- في سورة البقرة. وبسبب ما كانت العرب تفعل من الذبح على تلك النصب نزلت آية: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها﴾ [الحج: ٣٧]، وقوله: ﴿وما ذبح على النصب﴾.
(٣) - وقوله تعالى: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾:
حرم الله تعالى القسم بالسهام وهي بالأزلام، وكانت أزلام العرب ثلاثة أنواع، منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه، على أحدها: أفعل، والآخر: لا تفعل، والثالث: مهمل لا شيء عليه، فيجعلها في
стр. 736
خريطة فإذا أراد شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج أحدها وأتمر وانتهى يحسب ما يخرج له وأن خرج القدح الذي ليس فيه شيء أعاد الضرب، وهذه هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبع النبي ﷺ وأبا بكر ﵁ وقت الهجرة، ومن ذلك حديث امرئ القيس المشهور حينت أراد أن يغزو بني أسد وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله:
سأقضي للذي قالوا بعزم ... ولا أبغي لذلكم قداحًا
والنوع الثاني: سبعة أقداح كانت عند هبل في جوف الكعبة فيها أحكام العرب وما يدور بين الناس من النوازل في أحدها: ((العقل))، وفي آخر: ((منكم))، وفي آخر: ((من غيركم))، وفي آخر: ((ملصق))، وفي سائر الأحكام، وهي التي ضرب بها. وهذه السبعة متخذة عند كل كاهن من كهان العرب وكفاركم على نحو ما كانت في الكعبة عند هبل. والنوع الثالث: قداح الميسر وهي عشرة، سبعة منها لها حظوظ بعداد الخطوط
стр. 737
التي فيها، وثلاثة أغفال، وكانوا يضربون بها مقامرة، فكان فيها لهو البطالين، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين في كلب البرد، وكان منهم من يستقسم بها لنفسه طلب الكسب والتجارة، وقد تقدم ذكر هذه في سورة البقرة بما أغنى عن إعادتها. والاستقسام بهذه كلها هو طلب القسم والنصيب، وهو من أكل المال بالباطل، وقد حرمه الله تعالى، وكل مقامرة بحمام أو نرد أو شطرنج أو سباق أو غير ذلك من الألقاب فهي استقسام بما هو في معنى الأزلام حرام كلها. وقد اختلف في السباق بالسهام وغيرها فأجازه عطاء في السهام وفي كل شيء متأولًا حديث عائشة: ((كان رسول الله ﷺ يسابقني على قدميه فكنت أسبقه، فلا أخذت اللحم سبقني)).
وقال ابن المنذر: إن كان أراد جوازه في كل شيء على غير
стр. 738
الرهان فهو سهل، وإن أراد على الرهان فلا معنى له إذ هو خلاف السنة. وأجاز مالك السباق بالسهام والخيل والإبل لا غير؛ لقوله ﵊: ((لا سبق إلا في نصل أو خف أو حاضر)). قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم ن قوة ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠] الآية، وهو أحد قولي الشافعي، وأجازه الشافعي في أحد قوليه في تلك الأشياء الثلاثة وفي البغال والحمير. وأجازه بعضهم في الخيل والإبل، ولم يجزه في غير ذلك لما وري من أنه ﵊، وقال: ((لا سبق إلا في خف أو حافر)). وقال أبو حنيفة: لا يجوز الرهان بحال لأنه قمار.
وزعم قوم أن سباق الخيل والقرعة نسختها آية القمار، وهذا السباق الذي ذكرناه وإن كان من جملة الاستقسام الذي حرم الله تعالى، فما جاء عن النبي ﷺ في الخيل والإبل والبهائم يبين أن الآية لم يرد بها ذلك، فيقتصر على ما ورد عنه ﵊ في ذلك ويبقى الباقي على ما تقتضيه ألفاظ الآيات من التحريم. قال أبو الحسن: وقد استنبط بعض الناس من هذا الرد على الشافعي في الإقراع على
стр. 739
المماليك في العتق، ولم يعلم أن الذي قاله الشافعي بناه على الأخبار الصحيحة وليس مما يعترض عليه بالنهي عن الاستقسام بالأزلام، فإن العتق حكم شرعي يجوز أن يجعل الشرع فيه خروج القرعة علمًا على إثبات حكم العتق قطعًا للخصومة أو لمصلحة يراها.
(٣) - وقوله تعالى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾:
معناه: يئسوا أن ترتدوا عن دينكم، وهذه الآية نزلت في أثر حجة الوداع، وقيل: يوم عرفة يوم الجمعة.
واختلف في اليوم المشار إليه في الآية؟ فقيل: يريد اليوم المخصوص، يوم عرفة، وقيل: أراد زمان النبي ﷺ .
(٣) - وقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾:
الإشارة باليوم إلى ما قدمناه، واختلف في الكمال الذي ذكره الله تعالى ما هو؟ فقيل: هو الإظهار واستيعاب معظم الفرائض، والتحليل والتحريم، قالوا: وقد نزل بعد ذلك قران كثير ونزلت آية الربا وآية الكلالة إلى غير ذلك، وإنما كمل معظم الدين وأمر الحج بأن حجوا
стр. 740
وليس معهم مشرك. وقيل: هو إكمال تام إكمال ولم ينزل على النبي ﷺ بعد ذلك تحريم ولا تحليل ولا فرض. وقال بعض من قال بهذا: ل م يعش رسول الله ﷺ بعد هذه الآية إلا إحدى وثمانين لية. وروي أن هذه الآية لما نزلت بكى عمر، فقال له رسول الله ﷺ : ((ما يبكيك))؟ فقال: أبكاني أن كنا في زيادة من ديننا، فإذا اكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، فقال النبي ﷺ : ((صدقت)).
وقوله تعالى: ﴿فمن اضطر في مخمصة ... ﴾ إلى آخر الآية، وقد تقدم شرحه في سورة البقرة.
(٤) - قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾:
اختلف في سبب نزول هذه الآية، فقيل: إن جبريل ﵇ جاء إلى رسول الله ﷺ فوجد في البيت كلبًا فلم يدخل، فقال النبي ﷺ : ((ادخل))، فقال: أنا لا أدخل بيتًا فيه كلب، فأمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، فقتلت حتى بلغت الموالي، فجاء عاصم بن عدي، وسعد بن خيثمة، وعويمر بن ساعدة، فقالوا: يا رسول الله ماذا أحل لنا من
следующие страницы →