← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

خريطة فإذا أراد شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج أحدها وأتمر وانتهى يحسب ما يخرج له وأن خرج القدح الذي ليس فيه شيء أعاد الضرب، وهذه هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبع النبي ﷺ وأبا بكر ﵁ وقت الهجرة، ومن ذلك حديث امرئ القيس المشهور حينت أراد أن يغزو بني أسد وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله: سأقضي للذي قالوا بعزم ... ولا أبغي لذلكم قداحًا والنوع الثاني: سبعة أقداح كانت عند هبل في جوف الكعبة فيها أحكام العرب وما يدور بين الناس من النوازل في أحدها: ((العقل))، وفي آخر: ((منكم))، وفي آخر: ((من غيركم))، وفي آخر: ((ملصق))، وفي سائر الأحكام، وهي التي ضرب بها. وهذه السبعة متخذة عند كل كاهن من كهان العرب وكفاركم على نحو ما كانت في الكعبة عند هبل. والنوع الثالث: قداح الميسر وهي عشرة، سبعة منها لها حظوظ بعداد الخطوط

стр. 737

التي فيها، وثلاثة أغفال، وكانوا يضربون بها مقامرة، فكان فيها لهو البطالين، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين في كلب البرد، وكان منهم من يستقسم بها لنفسه طلب الكسب والتجارة، وقد تقدم ذكر هذه في سورة البقرة بما أغنى عن إعادتها. والاستقسام بهذه كلها هو طلب القسم والنصيب، وهو من أكل المال بالباطل، وقد حرمه الله تعالى، وكل مقامرة بحمام أو نرد أو شطرنج أو سباق أو غير ذلك من الألقاب فهي استقسام بما هو في معنى الأزلام حرام كلها. وقد اختلف في السباق بالسهام وغيرها فأجازه عطاء في السهام وفي كل شيء متأولًا حديث عائشة: ((كان رسول الله ﷺ يسابقني على قدميه فكنت أسبقه، فلا أخذت اللحم سبقني)). وقال ابن المنذر: إن كان أراد جوازه في كل شيء على غير

стр. 738

الرهان فهو سهل، وإن أراد على الرهان فلا معنى له إذ هو خلاف السنة. وأجاز مالك السباق بالسهام والخيل والإبل لا غير؛ لقوله ﵊: ((لا سبق إلا في نصل أو خف أو حاضر)). قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم ن قوة ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠] الآية، وهو أحد قولي الشافعي، وأجازه الشافعي في أحد قوليه في تلك الأشياء الثلاثة وفي البغال والحمير. وأجازه بعضهم في الخيل والإبل، ولم يجزه في غير ذلك لما وري من أنه ﵊، وقال: ((لا سبق إلا في خف أو حافر)). وقال أبو حنيفة: لا يجوز الرهان بحال لأنه قمار. وزعم قوم أن سباق الخيل والقرعة نسختها آية القمار، وهذا السباق الذي ذكرناه وإن كان من جملة الاستقسام الذي حرم الله تعالى، فما جاء عن النبي ﷺ في الخيل والإبل والبهائم يبين أن الآية لم يرد بها ذلك، فيقتصر على ما ورد عنه ﵊ في ذلك ويبقى الباقي على ما تقتضيه ألفاظ الآيات من التحريم. قال أبو الحسن: وقد استنبط بعض الناس من هذا الرد على الشافعي في الإقراع على

стр. 739

المماليك في العتق، ولم يعلم أن الذي قاله الشافعي بناه على الأخبار الصحيحة وليس مما يعترض عليه بالنهي عن الاستقسام بالأزلام، فإن العتق حكم شرعي يجوز أن يجعل الشرع فيه خروج القرعة علمًا على إثبات حكم العتق قطعًا للخصومة أو لمصلحة يراها. (٣) - وقوله تعالى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾: معناه: يئسوا أن ترتدوا عن دينكم، وهذه الآية نزلت في أثر حجة الوداع، وقيل: يوم عرفة يوم الجمعة. واختلف في اليوم المشار إليه في الآية؟ فقيل: يريد اليوم المخصوص، يوم عرفة، وقيل: أراد زمان النبي ﷺ . (٣) - وقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾: الإشارة باليوم إلى ما قدمناه، واختلف في الكمال الذي ذكره الله تعالى ما هو؟ فقيل: هو الإظهار واستيعاب معظم الفرائض، والتحليل والتحريم، قالوا: وقد نزل بعد ذلك قران كثير ونزلت آية الربا وآية الكلالة إلى غير ذلك، وإنما كمل معظم الدين وأمر الحج بأن حجوا

стр. 740

وليس معهم مشرك. وقيل: هو إكمال تام إكمال ولم ينزل على النبي ﷺ بعد ذلك تحريم ولا تحليل ولا فرض. وقال بعض من قال بهذا: ل م يعش رسول الله ﷺ بعد هذه الآية إلا إحدى وثمانين لية. وروي أن هذه الآية لما نزلت بكى عمر، فقال له رسول الله ﷺ : ((ما يبكيك))؟ فقال: أبكاني أن كنا في زيادة من ديننا، فإذا اكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، فقال النبي ﷺ : ((صدقت)). وقوله تعالى: ﴿فمن اضطر في مخمصة ... ﴾ إلى آخر الآية، وقد تقدم شرحه في سورة البقرة. (٤) - قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾: اختلف في سبب نزول هذه الآية، فقيل: إن جبريل ﵇ جاء إلى رسول الله ﷺ فوجد في البيت كلبًا فلم يدخل، فقال النبي ﷺ : ((ادخل))، فقال: أنا لا أدخل بيتًا فيه كلب، فأمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، فقتلت حتى بلغت الموالي، فجاء عاصم بن عدي، وسعد بن خيثمة، وعويمر بن ساعدة، فقالوا: يا رسول الله ماذا أحل لنا من

стр. 741

الكلاب؟ فنزلت الآية، وروي هذا أبو رافع وهو الذي كان تولى قتل الكلاب، وهذا الجواب على باب إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه، وهذا مثل جواب النبي ﷺ في لباس المحرم، وذلك أنهم سأولوا عما يحل لهم من الكلاب فأجيبوا عما يحل لهم من الطيبات ومن الكلاب. وقيل: إن زيد الخيل وعدي بن حاتم الطائيين أتيا رسول الله ﷺ ، فقالا: يا رسول الله إن لنا كلابًا تصيد البقر والضياء، فمنها ما ندرك ومنها ما يفوت، وقد حرم الله الميتة فسكت عنهما رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ الآية. وقد اختلف الفقهاء في الطيبات هنا، فذهب مالك إلى أنها الحلال مستلذًا كان أو غير مستلذ، فجوز أكل الخشاش وشبيهها. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن الطيبات المستلذ، وخشاش الأرض عندهما غير مستلذ، فهو عندهما محرم كالوزغ والخنافس ونحوهما من الصيد خاصة.

стр. 742

(٤) - وقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ الآية: تقديره على القول بأن سبب نزول الآية السؤال عما يحل من الصيد، وصيد ما علمتم من الجوارح، وتقديره على القول بأن سببها السؤال عما يحل من الكلاب، واتخاذ ما علمتم من الجوراح، ففي هذه الآية على هذا القول أن اتخاذ كلب الصيد حلال. ويجري مجرى كلب الصيد في إباحة الاتخاذ كلب الزرع، وكلب الضرع، إذ إنما أباح الله تعالى كلب الصيد لما فيه المنفعة، وهذان الآخران أيضًا فيهما من المنافع ما يعدل منفعة كلب الصيد، فجاز اتخاذهما، ولا خلاف بين الفقهاء في جواز اتخاذ هذه الكلاب لما قدمناه، ولما يعضد ذلك من الحديث مثل قوله ﵊: ((من اتخذ كلبًا إلا كلب زرع أو غنم أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراط)). واختلف هل يجوز اتخاذها لحراسة الدور قياسًا على ما أبيح من ذلك لا؟ وكذلك اختلف العلماء هل يجوز اتخاذ كلب الصيد لمن بصائد أم لا؟ وظاهر الآية أنه يجوز اتخاذها للصيد، ومن لم يكن من أهل الصيد لم يجز له اتخاذها. ودليل وخطاب الآية أن ما عدا الكلاب الثلاثة التي

стр. 743

قدمنا إذا لم يجز اتخاذها هل تترك أم تقتل؟ فروي عن مالك أنها تقتل، ومن حجته ظاهر خطاب الآية مع ما قدمنا من أن سبب نزولها قتل الكلاب. ولما جاء من أنه عليه الصلاة أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو غنم أو ماشية. وذهب قوم إلى أنها لا يقتل منها إلا الأسود البهيم؛ لقوله ﵊: ((اقتلوا كل أسود بهيم))، لما جاء عنه ﵊ من أنه شيطان، وذهب بعضهم إلى أنه لا يقتل منها شيء إلا أن يضر، وفي عطف قوله: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ على قوله: ﴿الطيبات﴾ احتمال ظاهر وهو أن المعلم من الجوارح حلال للأكل كالطيبات. قال أبو الحسن: وذلك بعيد فإن الذي يبيح لحم الكلب إن صح ذللك عن مالك لا يخص الإباحة بالمعلم، فعلى هذا في الكلام حذف، وإن كان لا بد من الحذف فالتقدير: وصيد ما علمتهم.

стр. 744

وذكر بعضهم أن الآية تدل على إباحة ما علمناه من الجوارح، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع من الصيد بها والبيع لها، والإجارة ونحو ذلك. وهذا بعيد، لأن السؤال والجواب إنما يقتضيان منفعة الصيد خاصة. ومن حجة من قال أنها الحلال أن ضد الطيب الخبيث، والخبيث حرام، فإذًا الطيب حلال، قال الله تعالى: ﴿ويحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى: ﴿كلوا من الطيبات﴾ [المؤمنون: ٥١]، يعني الحلال. قال أبو الحسن: ويبعد تفسيره بالحلال لأن التقدير بصير كأنه قال: يسألونك ماذا أحل لهم؟ قال: أحل لكم ما أحل لكم، وهذا لا يليق ببيان صاحب الشريعة، مع أن هذا الحلال إنما جاء مناقضة لليهود فيما حرم عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ [النساء: ١٦٠]. وأخذ الشافعي من هذه الآية جواز أكل الضب والثعلب، قال: لأن العرب كانت تستطيبها، وكل ما تستطيبه العرب فهو حلال وإن كان لا تشتهيه نفوس العجم. وكرههما أبو حنيفة وأجاز مالك أكل الضب، وكره ثعلب. ولهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله تعالى. (٤) - قوله تعالى: ﴿من الجوارح﴾: اختلف في الجوارح التي نعلم ويؤكل صيدها ما هي بعد اتفاقهم

стр. 745

على أن الكلب منها. فقال الجمهور: هي التي يصاد بها، وهي الكلاب والفهود والبزاة والصقور وما أشبه ذلك. وصيد هذه كلها حلال إذا علمت. وقال بعضهم: هي الكلاب خاصة، قالوا: ولا يجوز أكل صيد غير صيد الكلب، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿مكلبين﴾. وقال بعضهم: هي الكلاب خاصة ما لم تكن سودًا بهمًا، فصيد السود البهم عندهم لا يجوز، كما لا يجوز صيد غير الكلب. وجوز قوم صيد الكلب والبازي خاصة لحديث عدي بن حاتم إذ سأل رسول الله ﷺ عن البازي، فقال: ((ما أمسك عليك فكل))، فكانت الجوارح البزاة والكلاب على قول هؤلاء خاصة، والقول الأول أظهر. فأما قوله تعالى: ﴿مكلبين﴾ معناه: معلمين وأصله من التكليب وهو تعليم الكلاب الاصطياد، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل من علم شيئًا من الجوارح مكلبًا، فتكليبها تعليمها الاصطياد. وقيل: مكلبين أصحاب كلاب. واشتقاق الجوارح من الجرح وهو الكسب. وقال قوم: من الجوارح فهي على ما شيء من ذلك. وقد اختلف في تعليم الجوارح على أربعة أقوال، أحدها: قول ابن القاسم وأشهب: أن التعليم يصح بوجهين، أحدهما: أن يفهم الإشلاء والزجر. والثاني: أن يصح بوجه واحد وهو الإشلاء. والثاني: الزجر. والثالث: الإجابة عند

стр. 746

الدعاء، وهذا القول لابن القاسم أيضًا ذكره عنه ابن الماجشون. والقول الرابع: الفرق بين الطير وغيرها فيراعى من غير الطير ثلاثة أوجه: الإشلاء، والانزجار، والإجابة، يراعى في الطير وجهان: الإجابة والإشلاء. قالوا: ولا يراعى فيها الانزجار لأنه غير ممكن فهو وهو قول ربيعة وابن الماجشون وابن حبيب. (٤) - وقوله تعالى: ﴿مما علمكم الله﴾: يريد ما طبع في الكبير منا والصغير من إنسادها وتضريتها على الصيد. (٤) - وقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾: ظاهره: أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو مذهب مالك وجميع

стр. 747

أصحابه. وقال جماعة من أهل العلم: إذا أكلت من الصيد فلا يؤكل، قالوا: وإذا أكلت من الصيد فلم تمسك إلا على نفسها ولم تمسك علينا، والله تعالى إنما أباح لنا ما أمسكت علينا. وقال ناس: أنه لا يؤكل صيد الكلب إذا أكل منه، ولم يقولوا ذلك في سائر الجوارح، واحتجوا بحديث عدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا أكل الكلب فلا تأكل))، فجعل هذا الحديث كأنه مخصص للآية، وهذا الذي احتجوا به يعارضه ما جاء في حديث آخر من أنه قال: ((إذا أكل فكل)) مع ما في ذلك الحديث من أوجه تضعفه. وقال بعضهم في البازي خاصة: إذا أكل فكل ما بقي ولم ير سائر الجوارح كذلك، وهذا أضعف الأقوال. واختلف أيضًا إذا شرب من الدم هل يؤكل صيده أم لا؟ فالجمهور على أكله لما قدمناه من ظاهر عموم الآية، وكرهه قوم منهم الثوري. والذين ذهبوا إلى اعتبار ترك الأكل من صيد الجارح في الكلب يأخذ من الصيد ويمسكه على صاحبه ويؤخذ آخر فيأكل منه. ففي قول أبي حنيفة: لا يؤكل شيء من ذلك، وفي قول الثوري: يؤكل الأول ولا يؤكل الثاني الذي

стр. 748

أكل منه. ودليل من يجيز الأكل في ذلك كله عموم الآية قوله: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾، ولم يفرق. واختلفوا في قدر ما يختبر به الكلب وحينئذ يصح صيده؟ فقال أصحاب أبي حنيفة: إذا صاد الكلب فأمسك ثلاث مرات، فقد حصل منه التعلم. وقال بعضهم: إذا حصل منه ذلك مرة واحدة فهو معلم. وترك الحد في ذلك أجرى على لفظ الآية لمن ذهب مذهبهم فيها. واختلف في الرجل يرسل كلبه أو سهمه على ما رأى وينوي ما لم ير فيصيب ما لم ير هل يؤكل أم لا على قولين، أحدهما: الإجازة؛ لقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾، ولم يخصص. واختلف فيمن أغرى كلبه وقد رأى الصيد ولم يكن في يده فصاد بإغرائه هل يؤكل أم لا؟ فعن مالك فيه روايتان، والحجة للجواز قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾. واختلف إذا أدرك الصيد والكلاب تنهشه ولم تنفذ مقاتله وقدر على تخليصه أو لم يقدر فلم يذكه حتى مات هل يؤكل أم لا؟ فذهب قوم: إلى أنه لا يؤكل، وذهب قوم: إلى أنه يؤكل. وذهب مالك: إلى أنه إن قدر على تخليصه

стр. 749

وتذكيته فلم يفعل هذا حتى مات فلا يؤكل، وإن لم يقدر على تخليصه وتذكيته حتى مات أكل، ومن حجة من يجيز عموم الآية؛ إذ لم يفرق، وحجة مالك ﵀ أنه لما رأى الصيد وكان يقدر على تخليصه رآه مثل سائر الحيوان المقدور عليه الذي لا يؤكل إلا بالذكاة المعروفة. واختلف في الكلاب إذا نيبت الصيد ولم تجرحه أو صدمته أو ضربه الرجل بسيفه ولم يدمه، فقال ابن القاسم: ليس بذكي. وقال أشهب: يؤكل وهو مذكى، فأجاز ذلك أشهب؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ الآية. وهذا إمساك، وقول النبي ﷺ لعدي: ((كل ما أمسك عليك كلبك، فإن أخذه ذكاة))، والقول الأول أحسن لقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾، فالمفهوم منها ما جرح، ولأن الغالب المعتاد فيها أنها تجرح في حين الاصطياد فوجب ما تعليق الحكم بالغالب. واختلف في كلب المجوسي واليهودي والنصراني إذا كانوا قد علموه فصاد به مسلم، فكره ذلك جماعة، وكأنهم رأوا أن الآية لا تقتضي من الكلاب إلا ما علمه المسلمون؛ لأن قوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾، فالمفهوم خطاب المسلمين. وأجازه فقهاء الأمصار، ورأوا أن المراد بذلك ما علم من الكلاب سواء علمه مسلم أو غيره إذا ولي الصيد به مسلم.

стр. 750

(٤) - وقوله تعالى: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾: هذا أمر من الله تعالى على الصيد والذبح بمنزلة الصيد، وقد اختلف الناس في التسمية عليهما، فقيل: إن التسمية عند الإرسال وعند الذبح فريضة فمن تركها عمدًا أو سهوًا لم يؤكل الصيد ولا المذبوح، وهذا قول أهل الظاهر. وذهب قوم إلى أن التسمية مندوب إليها، فإن لم يسم الله تعالى عمدًا أو سهوًا عند الإرسال أو الذبح أكل الصيد والمذبوح، وهذا قول الشافعي وإلى نحو هذا ذهب أشهب. وذهب قوم إلى أنه إن تركت التسمية عمدًا لم يؤكل، وإن تركت سهوًا أكل، وهو قول مالك ومن تابعه. واختلف أصحاب مالك في قوله: إن من ترك التسمية عمدًا لم يؤكل هل ذلك على التحريم أم على الكراهة على قولين. فأما أهل الظاهر فحملوا قوله تعالى: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ أنه على الوجوب، وقالوا: إن المراد بذلك التسمية عند الإرسال. وأما الشافعي ومن تابعه فحملوا ذلك الأمر على الندب، وقال ابن القصار: والدليل على أن التسمية ليست بواجبة، قوله تعالى: فكلوا

стр. 751

مما أمسكن عليكم﴾، فامر بأكل ما أمسكن علينا ثم عطف على الأكل قوله: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾، والهاء في ((عليه)) ضمير الأكل لأنه أقرب مذكور، فإن قيل: الهاء من ((عليه)) عائدة على الإرسال، قيل: لو كان شرطها لذكرها قبله ولم يذكرها بعده، ولما قال: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾، وقال بعدما تقدم الأكل: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾، لم يخل أن يريد بالتسمية التسمية على الإمساك الذي حصل قد حصل، فكأنه قال: إذا أمسك علينا فحينئذ نسمي، أو يريد بالتسمية التسمية على الأكل، فبطل أن تراد التسمية بعد الإمساك علينا من غير أكل، لأنه ليس بقول لأحد، لأن الناس على قولين: إما أن تكون التسمية قبل الإرسال أو قبل الإمساك أو يكون المراد بها عند الأكل، وإنما أراد تعالى نسخ أمر الجاهلية التي كانت تذكر اسم طواغيتها على صيدها وذبائحها. ولفظ التسمية: باسم الله، والله أكبر. واختلف هل يذكر معها الصلاة على النبي ﷺ ، فكرهه مالك ومن تابعه، وأجازه آخرون. والحجة لمالك قوله تعالى: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ فخص. (٥) - قوله تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات﴾ الآية: قوله: ﴿اليوم﴾ إشارة إلى الزمن، والطيبات قد تقدم الكلام عليها.

стр. 752

(٥) - وقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾: اتفق على أن ذبائحهم داخلة تحت عموم قوله: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾، فلا خلاف في أنها حلال لنا. وأما سائر أطعمتهم مما يمكن استعمال النجاسة فيه كالخمر والخنزير، فاختلف فيه، فذهب الأكثر إلى أن ذلك من أطعمتهم داخل تحت قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ الآية وأن أكل كل ذلك جائز. وذهب ابن عباس إلى أن الطعام الذي أحل الله تعالى لنا ذبائحهم، فأما ما خيف منهم استعمال النجاسة فيه، كالخمر والخنزير وغير ذلك، فيجب اجتنابها إلا ما نشاهد منها سليمًا من ذلك، فعلى قول ابن عباس لا يجوز أكل شيء من أجبانهم ولا يجوز أكل أطعمتهم المطبوخة دعونا إليها أم لم يدعونا؛ لأن العلة التي ذكرها موجودة في هذا كله. وعلى القول الأول أكل هذا غير ممنوع لعموم الآية. وإذا قلنا: إن الطعام يتناول ذبائحهم باتفاق فهل يحمل لفظه على عمومه أم لا؟ فالأكثر على أن حمل لفظ الطعام على عمومه في كل ما ذبحوه مما حل لهم أو مما حرم الله تعالى عليهم أو حرموه على أنفسهم. وإلى نحو هذا ذهب ابن وهب وابن عبد الحكم.

стр. 753

وذهب قوم إلى أن المراد من ذبائحهم بلفظ الطعام ما حل لهم خاصة، وأما ما حرم عليهم بأي وجه كان فلا يجوز لنا وهذا هو المشهور من مذهب ابن القاسم. وذهب قوم إلى المراد بلفظ: ﴿الطعام﴾ ذبائحهم جميعًا إلا ما حرم الله تعالى عليهم خاصة لا ما حرموه على أنفسهم، وإلى نحو هذا ذهب أشهب. والحجة للقول الأول ظاهر الآية وهو العموم، والذين قالوا أنه لا يجوز لنا أكل ما لا يجوز لهم أكله اختلفوا هل ذلك على جهة المنع أو الكراهة؟ فمن قوى عنده تخصيص الآية منع، ومن تعارض عنده التأويلان جميعًا ذكره، فيأتي على هذا فيما فسد عندهم لحال الريبة ثلاثة أقوال: الجواز والكراهة والمنع. ويأتي أيضًا في الشحوم وفي أكل ما ذبحوه من كل ذي ظفر كالبعير ونحوه ثلاثة أقوال أيضًا: الكراهة، والجواز، والمنع. وهذا الخلاف كله موجود في المذهب. واختلف أيضًا فيما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم أو سموا عليه اسم المسيح هل هو داخل تحت الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ أم لا؟ فذهب أشهب إلى أن الآية متضمنة تحليله وأن أكله جائز، وكرهه مالك وتأول قوله تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥]، على ذلك. ومنع غيره في المذهب من أكله تأول قوله

стр. 754

تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥] على ذلك، فعلى هذين القولين لا تتضمن الآية تحليله، وما ذبحوه أيضًا لآلهتهم ففيه أيضًا ثلاثة أقوال: فالجمهور قالوا بالمنع، وبعضهم أجاز، وبعضهم كره، والكلام عليه كالكلام فيما تقدم. (٥) - وقوله تعالى: ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾: اختلف العلماء في الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى الصرحاء الذين أنزل الله تعالى عليهم التوراة والإنجيل، فمع هؤلاء أكل ذبائح نصارى بني تغلب من العرب وذبائح كل من هذين الدينين، وكان علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه ينهى عن ذبائح بني تغلب ويقول: أنهم لم يختصوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر. وذهب الجمهور إلى أن الذين أوتوا الكتاب في الآية: كل نصراني من بني تغلب كان أو من

стр. 755

غيرهم، وكل يهودي، وتأولوا قوله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: ٥١]، وأجازوا أكل ذبائح أجمعهم، وكان أهل القول الأول رأوا أن من دان باليهودية والنصرانية بعد نزول التوراة والإنجيل ليسوا ممن أوتوا الكتاب ورأى أهل القول الثاني أنهم ممن أوتيه، وهذا القول أظهر. وقد اختلفوا في المجوس والصابئة والسامرة هل هم ممن أوتي كتابًا أم لا؟ وعلى هذا يختلف في ذبائحهم ومناكحتهم. ودليل خطاب هذه الآية أن طعام غير أهل الكتاب غير حلال لنا ولا أعلم فيه خلافًا. (٥) - وقوله تعالى: ﴿وطعامكم حل لهم﴾: هذه الآية للمسلمين لا لأهل الكتاب؛ لأنه قد كان يجوز أن يمنعهم من أطعمتنا ولا يحلها لهم، فأباح الله تعالى بهذه الآية للمسلمين أن يبيحوا لهم أكلها. وعلى هذا يجوز للمسلم أن يضيف الكافر ويطعمه طعامه. (٥) - وقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ الآية: هذا معطوف على الطعام المحلل.

стр. 756

والإحصان أصله المنع وهو في الشرع على أربعة معان: الإسلام والعفة والنكاح والحرية. فأما في هذا الموضع من القرآن فلا يكون فيه الإسلام، لأنه تعالى قد ذكر أنهن من أهل الكتاب ولا يكون فيه النكاح أيضًا؛ لأن ذات الزوج لا تحل لغيره. فأما العفة والحرية، فالآية محتملة لهما جميعًا وبحسب الاحتمال اختلف العلماء في تفسيرها: فذهب جماعة منهم إلى أن المحصنات في الآية الحرائر، ومنعوا نكاح الكتابية بدليل الخطاب. وقالت جماعة: عن العفائف في هذه الآية أمة كانت أو حرة، فيجوز نكاح الأمة الكتابية. وقد تقدم الكلام على طرف من هذا. وقد اختلف في نكاح حرائر أهل الكتاب، فمنعه قوم. وذكر عبد الوهاب في المذهب الجواز، وذكر غيره الكراهة، ودليل الجواز هذه الآية. وقد اختلف هل يجوز نكاح غير العفيفة، فأجازه أكثرهم، ومنعه بعضهم بدليل خطاب هذه الآية إذا كان الإحصان عندهم في الآية العفة. وقد اختلف أيضًا في نساء أهل الحرب هل يجوز نكاحهن؟ فأجازه قوم لعموم الآية. ومنع ابن عباس من نكاحهن. وخصص الآية بأهل الحرية. وحكى عنه أنه لم يجوز نكاح

стр. 757

الحربيات؛ لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، ولقوله تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ [المجادلة: ٢٢]، والنكاح يوجب المودة؛ لقوله تعالى: ﴿خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم: ٢١]. وكرهه مالك مخافة ضياع الولد أو تغيير دينه. وقال أبو الحسن: قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ يدل على جواز نكاح الكتابيات، وقوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١]، يمنع نكاح الكتابيات. ولما تعارضتا صار الشافعي إلى تحريم نكاح الأمة الكتابية أخذًا بعموم قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، ورأى الجمع بينهما أولى من تعطيل إحداهما، ومنع آخرون نكاح الكافرات كتابيات كن أو مجوسيات، وحملوا قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، على أن المراد به اللاتي كن كتابيات ثم أسلمن؛ كما قال تعالى: ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم﴾ [آل عمران: ١٩٩]، وهذا بعيد؛ فإنه تعالى قال: ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾، ثم قال: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ فلا يصح أن يعطف المؤمنات على المؤمنات لما في ذلك

стр. 758

من إسقاط الفائدة، والذي يحرم نكاح الكتابية يحتج بقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠]، وذلك محمول عند من خالفهم على الحربية إذا خرج زوجها مسلمًا، والحربي تخرج امرأته مسلمة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿واسألوا ما أنفقتم﴾ [الممتحنة: ١٠]. (٥) - وقوله تعالى: ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾: الأجور: المهور، وقد اختلف هل للزوج أن يدخل بامراته قبل أن يقدم لها من المهر شيئًا إذا طاوعته على ذلك أم لا؟ فانتزع جماعة من أهل العلم منهم مالك ومن تابعه من لفظ: ﴿آتيتموهن﴾ أنه لا يجوز أن يدخل إلا بعد أن يبذل من المهر ما يستحلها به. واختلفوا هل له أن يدخل بالهدية والرهن والحمالة والحوالة أم لا؟ وظاهر الآية أنه لا يجوز الدخول إلى بإتيان الأجور، وذلك كله ليس من الأجور، فلم يجز الدخول. (٥) - وقوله تعالى: ﴿محصنين﴾: معناه: متزوجين على السنة، والإحصان في هذا الموضع

стр. 759

النكاح. والمسافح: الزاني. والمخادنة: أن يكون الزانيان قد وقف كل واحد منهما نفسه على صاحبه. واختلف في هذه الآية: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾، هل هي ناسخة أم لا؟ فقال جماعة: ناسخة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ لأنه أحل لنا طعام أهل الكتاب وإن لم يذكر اسم الله عليه. وفي هذا القول نظر، كيف يصح فيه النسخ. وقال بعضهم: ليس بناسخ، بل هو استثناء من ذلك. وتسمية هذا استثناء ضعيف، وإنما ينبغي أن يسمى مخصصًا. قال أبو الحسن: والنصارى إنما يذبحون على اسم المسيح، وقد حكم الله تعالى بحل ذباحهم مطلقًا، ففي ذلك دليل على أن التسمية لا تشترط عند الذبح أصلًا، كما يقول الشافعي. وقال قوم: ليس هو بناسخ ولا استثناء، ولكن إذا لم يذكر الكتابي اسم الله على ذبيحته لم تؤكل، وهو قول علي وعائشة وابن عمر ﵃. ومالك

стр. 760

يكرهه إذا لم يسم ولا يحرمه، ويروى عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت. (٦) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبًا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فمل تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾: هذه الآية نزلت بسبب انقطاع العقد لعائشة رضي الله تعالى عنها، حينئذ قال لها أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، وكان في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق، وفيها كان هبوب الريح، وقول عبد الله بن أبي سلول: لئن ر جعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وفيها وقع حديث الإفك وآية النساء إنما

стр. 761

نزلت معها أو بعدها بيسير، ولا يختلف أن هذه الآية هي التي قالت عائشة فيها فنزلت، وهي آية الوضوء. ولكن من حيث كان الوضوء ثابتًا عندهم قبل ذلك لم تزدهم الآية فيها إلا التلاوة، وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم. ويستدل على حصول الوضوء بقول عائشة: فأقام رسول الله ﷺ بالناس وليسوا على ماء وليسوا معهم ماء، فكان الوضوء أولًا ثابتًا بالسنة، ثم وجب بالقرآن، ولا خلاف أن النبي ﷺ لم يصل قد صلاة وهو جنب ولا على غير وضوء. وروي أنه ﷺ في أول ما أوحي إليه- يريد في الصلاة- أتاه جبريل فعلمه الوضوء، وقد اختلف في أمره تعالى بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، هل هو مخصوص بمن كان على غير طهارة، أو عام لمن كان على طهارة، أو على غير طهارة؟ فذهب قوم إلى أنه مخصوص بمن كان على غير طهارة. واختلفوا بعد ذلك في تأويل الآية، فقيل: المأمورون بذلك المحدثون خاصة؛ كأنه قال تعالى إذا قمتم إلى الصلاة وقد أحدثتم، وإلى هذا ذهب الشافعي. وقيل: المأمورون بذلك القائمون من النوم. والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة وقد

стр. 762

نمتم، وهو قول زيد بن أسلم، وهو مذهب جميع أهل المدينة، وهذا القول أولى من الأول، لأن الإحداث مذكور بعد هذا، فأغنى ذلك عن ذكره هنا. وأما النوم فلم يقع له ذكر، وليس بحدث، وإنما هو سبب للحدث على الأصح في ذلك، فحمل الكلام على زيادة فائدة أولى من حمله على التكرار بغير فائدة، فبهذا رجح جماعة من أهل العلم هذا القول. وهذا التأويل في الآية يدل على أن الوضوء واجب على من نام، وهي مسألة اختلف فيها على ثلاثة أقوال، أحدها: أن النوم حدث في نفسه ينقض الوضوء قليله وكثيره، ومن حجتهم هذا التأويل في الآية؛ لأنه تعالى أمر بالوضوء عند القيام من النوم إلى الصلاة، ولم يخص نومًا من نوم، فحملوه على ظاهره، وهو قول المزني. وذهب قوم إلى أن النوم ليس بحدث ولا بسبب للحدث، فلا يجب الوضوء على من نام إلا بيقين خروج الحدث، وهو قول أبي موسى الأشعري وغيره

стр. 763

ويشبه أن يكونوا صاروا إلى حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ دخل على ميمونة، فنام عندها حتى سعت غطيطه ثم صلى ولم يتوضأ، ويرد هذا القول الآية على قول أهل المدينة، أو على قول من رآها عامة، وقوله ﵊: ((العينان وكاء الأست، فمن نام فليتوضأ)). ويتأول حديث ابن عباس أنه خاص بالنبي ﷺ ؛ لأنه ﷺ قيل له: صليت وقد نمت؟ فقال: ((إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي)). وذهب الجمهور إلى أن النوم سبب للحدث، فمنه ما ينقض الوضوء، ومنه ما لا ينقضه. ثم اختلفوا فيما ينقض منه مما لا ينقض. واختلافهم في ذلك يرجع إلى اختلافهم في الحال التي يكون عليها النوم، هل هي مما يغلب الظن بانتقاض الوضوء أم لا؟

стр. 764

فعند الثوري وأبي حنيفة: أنه لا ينقض الوضوء إلا نوم المضطجع خاصة. واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا وضوء إلا على من نام مضطجعًا))، وهذا الحديث قد ضعفه أبو داود وغيره والشافعي في أحد قوليه، ففرق بين النوم في الصلاة وفي غير الصلاة، فلا ينقض الوضوء في الصلاة وينقض في غيره، وعندنا في المذهب تفصيل كثير. وحجة نم أوجب الوضوء في شيء من النوم عموم الآية، ولا خلاف عند القائلين المتقدمين في الآية إلى أن أمر الله تعالى بالوضوء في الآية إيجاب. والذين ذهبوا إلى أن الأمر بالوضوء عام لمن أحدث ولمن لم يحدث، ورأوا لكل من قام إلى الصلاة أن يتوضأ محدثًا كان أو غير محدث، اختلفوا في ذلك الأمر هل هو أمر إيجاب أو أمر ندب؟ فذهب جماعة إلى أنه أمر ندب، فلم يوجبوا الوضوء على من قام إلى الصلاة وهو على وضوء بغير هذه الآية. وحمل بعضهم مذهب علي بن أبي طالب على هذا، وذهب بعضهم إلى أن الأمر بالوضوء أمر إيجاب بذاته، قالوا: فيجب على كل من قام إلى الصلاة الوضوء محدثًا كان أو غير محدث، ثم اختلفوا هل ذلك محكم أو منسوخ؟ فذهب جماعة إلى أنه محكم وأوجبوا الوضوء على كل قائم إلى الصلاة، وهو قول ابن سيرين وعكرمة وعبيد بن عمير. وذكر عن ابن عمر أنه يتوضأ لكل صلاة، وحمل قوم مذهب علي بن أبي طالب على هذا.

стр. 765

وذهب جماع إلى أنه منسوخ، وأجازوا الجمع بين الصلوات بوضوء واحد، وقالوا: إن الذي نسخ الآية ما فعله النبي ﷺ يوم فتح مكة في صلاته خمس صلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: ما هذ يا رسول الله؟ قال: ((عمدًا فعلته يا عمر))، وما فعل النبي ﷺ إذ دعته المرأة من الأنصار إلى شاة مصلية ومعه أصحابه، فصلى الظهر والعصر بوضوء واحد، وهذا القول يأتي على قول من يجيز نسخ القرآن بالسنة. وقد قال بعض من ذهب إلى هذا: أنه كان ﷺ إذا أحدث لم يكلم أحدًا حتى يتوضأ وضوء الصلاة، فنسخ الله تعالى ذلك وأمر بالوضوء عند القيام إلى الصلاة خاصة، ثم نسخ ذلك ﷺ بفعله يوم فتح مكة. (٦) - وقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾: قال التونسي: فلم يذكر غسل اليدين قبل الوضوء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 766

للسائل: ((توضأ كما أمر الله تعالى))، فأحاله على ما في القرآن، فكان في هذا دليل على أن غسل اليدين ليس بواجب. وقد اختلف في تأويل حديث النبي ﷺ : ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه)). فقيل: إن ذلك على باب التنظيف لما يمكن أن يمس يده، فلو تيقن نظافة يده لم يغسلها، ذكره أشهب. وروي عن ابن القاسم: أنه يغسل يديه وإن كان بقرب مسه الماء، وكأنه رأى ذلك عبادة. وفي حديث عبد الله بن زيد غسل اليد، وهو دليل على ذلك. وقد اختلف في هذه الآية على فيها تقديم وتأخير أم لا؟ فقيل: فيها تقديم وتأخير، تقديره: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبًا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم إلى الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، وإنما قدرها هكذا من ذهب إلى هذا التأويل وهو محمد بن مسلمة من أصحاب مالك؛ لأن ظاهرها أن المرض والسفر حدث يوجب الوضوء كالمجيء من الغائط سواء، وذلك لا يصح بإجماع. وقال بعضهم: وهذا القول في الآية إنما يأتي على قول من رأى أن قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ معناه من النوم. وقيل: إن

стр. 767

الآية على تلاوتها لا تقديم فيها ولا تأخير، ومعنى قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ أي مرضى لا تقدرون على مس الماء، أو عدم من يناولكم إياه؛ لأن المرض يتعذر معه مس الماء، والوصول إليه في غالب الأحوال، فاكتفى تعالى بذكر المرض، وفهم منه المراد كما فهم من قوله تعالى: ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت﴾ [البقرة: ٦٠]، وإن معناه فضرب فانفجرت. وكذلك قوله تعالى: ﴿أو على سفر﴾ يريد غير واجدين الماء، فاقتصر على ذكر السفر وفهم المراد منه؛ لأن السفر يعدم فيه الماء في غالب الأحوال. ثم قال: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ الآية، يريد في الحضر، وقد كان قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ يعم الحضر والسفر، لكنه لما كان الغالب في الحضر وجود الماء أعاد ذكره وصرح بذلك الشرط، فقال: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾، قال بعضهم: وهذا القول إنما يأتي على القول بأن معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة وقد أحدثتم، وإلى أن الآية على تلاوتها ذهب مالك ﵀ في ((المدونة))؛ لأنه يقول فيها: إن المريض الذي لا يقدر على مس الماء يتيمم وإن كان واجدًا للماء، وإن الصحيح غير المسافر يتيمم إذا عدم الماء على التأويل

стр. 768

الذي ذكرناه، وهو قول مجاهد، قال: وذلك مما يخفى من تأويل القرآن ومن حمل الآية على التقديم والتأخير لا يجيز التيمم للمريض مع وجود الماء، وإن لم يقدر على مسه ولا الصحيح الحاضر وإن عدم الماء؛ لأنه بعيد من قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ على السفر والمرض. وقيل: في تأويل هذه الآية أن ((أو)) في قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ بمعنى الواو، قال: فتبقى الآية على ظاهرها لا يحتاج فيها إلى تقديم ولا تأخير، ولا يفتقر إليها إلى إضمار، إلا أنه لا يكون المريض الواجد للماء إذا لم يقدر على مسه، ولا الحاضر للعادم للماء، من أهل التيمم أيضًا على ذلك التأويل. وقد مر الكلام على بعض هذا في سورة النساء. وقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة، مثل قوله: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ [النحل: ٩٨]، معناه: إذا أردت قراءة القرآن، وفي تعليقه تعالى الوضوء بإرادة الصلاة دليل على أن الوضوء يراد للصلاة، وأنه شرط في صحتها، قال ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)). وفي ذلك دليل

стр. 769

واضح على افتقاره إلى النية لأنها شرط في صحة فعله لإرادة الصلاة، فإذا فعله الإنسان تبردًا أو تنظفًا فلم يفعله على الشرط الذي شرط الله تعالى وذلك يوجب أن لا يجزيه، وهذا هو المشهور في المذهب، أنه لا يجوز الوضوء والغسل إلا بنية لما قدمناه، وكذلك التيمم. وقد قيل: أن كل ذلك لا يحتاج فيه إلى نية، وهو قول الأوزاعي. وقيل: إنه لا يحتاج إلى نية في ذلك إلا التيمم وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وفي المذهب رواية مثل ذلك. ودليل مفهوم أبي حنيفة وأصحابه، وفي المذهب رواية مثل ذلك. ودليل مفهوم الآية كما ذكرناه يرد على من لم يشترط النية، ومن الدليل أيضًا على صحة المشهور من قول مالك قوله تعالى: ﴿وأما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥]، والوضوء من الدين، فيجب أن لا يجزئ بغير نية، وقال ﵊: ((إنما الأعمال بالنيات)). والوضوء عمل من الأعمال، وإنما كان التلبس بالصلاة في غالب الأحوال إنما هو بقيام

стр. 770

جاءت العبارة بقوله: ﴿إذا قمتم﴾. واختلف في التسمية على الطهارة، فقيل: هي غير واجبة، وهو قول مالك ومن تابعه. وقيل: هي واجبة لا يجزئ الوضوء إلا بها سواء نسي تركهما أو تعمده، وهو قول داود وأحمد. وقيل: هي واجبة ولكن إن نسيها أجزأ عنها الوضوء، وإن تعمد لم يجزه. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ ولم يذكر التسمية. (٦) - قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾: الغسل عند أهل اللغة أن يمر الإنسان الماء على الشيء المغسول مع إمرار شيء منه معه كاليد ونحوها، وبهذا قال مالك وأصحابه في الوضوء والغسل. وقال الشافعي: عليه إجراء الماء على أعضاء الوضوء، وليس عليه دلكهما بيده. قال: وإذا انغمس الرجل في الماء أو غمس وجهه أو يده ولم يدلك، قيل: قد غسل يده، وغسل وجهه. وقول مالك وأصحابه أظهر لما قدمناه من معنى الغسل في اللغة. وإن كان بعضهم حكى: غسلتنا السماء. والوجه مأخوذ من المواجهة،

стр. 771

وحده من منابت شعر الرأس إلى آخر الذقن، وعند بعضهم قال التونسي. وليس اللحي الأسفل الوجه. وفي ((العتبية)) أن اللحي الأسفل من الوجه، يغسل في الوضوء، وخطأ من قال: إنه ليس من الوجه، وقد نقلها فضل في ((مختصر الواضحة)) عنه أيضًا، وحده في العرض من العارض إلى العارض. واختلف فيما زاد من اللحية على الزمن هل هو من الوجه أم لا؟ فوري عن مالك أنه لا يجب غسله، ووجه ذلك أن اللحية ليست بوجه ألا ترى من طالت لحيته لا يقال طال وجهه، إنما يقال: طالت لحيته، وإنما أوجب الله تعالى غسل الوجه، وما طال من اللحية فليس بوجه فلا يجب غسله. وروي عنه أيضًا أن اللحية من الوجه، فيجب أن يمر الماء عليها إلى آخرها، وهو المشهور من قوله. ووجهه أنها لما نبتت في الوجه حكم لها بحكم الوجه. وعند مالك أيضًا في تخليل اللحية روايتان. واختلف في البياض الذي بين العارض والأذن، فقيل: إنه من الوجه يجب غسله، وقيل: إنه ليس من الوجه فلا يجب غسله، وقيل: يغسله الأمرد ولا يغسله الملتحي، وقيل: إن غسله سنة من السنن

стр. 772

في الوضوء. واختلف على أربعة أقوال في المضمضة والاستنشاق، فقيل: إنهما سنتان في الوضوء والجنابة جميعًا، وهو مذهب مالك. وقيل: هما واجبتان في الطهارتين جميعًا وهو قول إسحاق وابن أبي ليلى. وقيل: الاستنشاق واجب فيهما، والمضمضة غير واجبة، وهو قول ابن حنبل. وقيل: هما واجبتان في غسل الجنابة دو الوضوء. ودليل مالك ومن تابعه قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾. والاسم لا يطلق على الباطن. واختلف في شعر الوجه إذا كان كثيفًا أو غير كثيف هل يلزم توصيل الماء إلى البشرة أم لا؟ فمنهم من رأى توصيله إلى البشرة إذا كان الشعر كثيفًا. وإذا لم يكن كذلك وجب إيصال الماء إليها لأنه إذا كان كثيفًا خرج عن المواجهة، والوجه إنما هو مأخوذ من المواجهة، فما لم يكن مواجهًا لم يجب غسله، وإذا كان خفيفًا لا يستر البشرة دخل في المواجهة، فلزم أيضًا إيصال الماء إليه؛ لقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ وما لم يستره الشعر، فداخل في الاسم.

стр. 773

واختلف في داخل العينين هل يلزم غسله أم لا؟ فالجمهور على أن ذلك لا يلزم. وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه، والحجة للقول الأول قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، وداخل العينين ليس من الوجه. (٦) - وقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾: اليد عند العرب تقع على العضو ما بين المنكبين إلى آخر الأصابع، ولا خلاف أنه لا يجب غسل اليدين إلى المنكبين، فأما ما يروى في ذلك عن أبي هريرة فإنما هو استحسان منه؛ لأن ذلك من عمل الوضوء، لأن الآية ترده. وإنما اختلف هل يدخل المرفقان في الغسل أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان، فوجه نفي دخولهما قوله تعالى: ﴿المرافق﴾ و ﴿إلى﴾ تعطي الغاية، فوجب أن يوقف عندها. ومن قال بإيجاب غسلهما، قال: ﴿إلى﴾ بمعنى ((مع))، ومثله قوله تعالى: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ [آل عمران: ٥٢]، أي مع الله، و ﴿لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢]، أي مع أموالكم. وقال بعضهم: إن ((إلى)) على بابها، وتعطي الحد، ولكنه إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه وهو قول المبرد. والمرافق من جنس الذراعين، فوجب أن تدخل في الغسل مع الذراعين.

стр. 774

(٦) - وقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾: المسح أن يمر على الشيء الممسوح بشيء مبلول بالماء، واختلف في هيئة المسح كيف تكون على أربعة أقوال. فقيل: إن الماسح يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب بيده إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي منه بدأ، وهو قول الشافعي وغيرهما. وقيل: يبدأ من مؤخر الرأس، ثم يجيء بذلك إلى المقدم، ثم يرده إلى المؤخر. وقيل: يبدأ بوسط الرأس فيجيء بيديه نحو الوجه، ثم يرد فيصيب باطن الشعر، فإذا انتهى إلى وسط الرأس أمر يديه على ظاهر شعر مؤخر الرأس ثم يرد فيصيب باطنه ويقف في وسط الرأس. وقيل: يمسح من هنا وهنا على غير نظام، ولا يبدأ بمحدود حتى يعمه. وحجة هذا القول عموم الآية إذ لم يخص مسحًا من مسح. وحجة القول الأول الحديث المشهور في كيفية المسح عن رسول الله ﷺ . والسنة مبينة للقرآن، إلا أن ظاهره أنه يأتي بمسح الرأس مرتين: مرة من الأدبار ومرة من الإقبال. وقال ابن الجلاب: ما يقتضي أن تكون مسحة واحدة تجمع مسح ظاهر الشعر وباطنه، فلذلك كان الإقبال والإدبار. واختلف في رد اليدين على شعر الرأس هل هو فرض أم سنة بعد الإجماع على أن المسحة الأولى

стр. 775

فرض بالقرآن: فالجمهور على أنه سنة. وقيل: هو فرض. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، والمسح قد وقع بالمسحة الأولى فما بعد ذلك غير واجب. واختلف في قدر ما يجزئ من مسح الرأس على أحد عشر قولًا. فقيل: لا يجزئ من مسح الرأس إلا عمومه كله، واختلف هؤلاء في هيئة المسخ كما قدمنا، وهو المشهور. وقيل: يجزئ مسح ثلثيه، وهو قول محمد بن مسلمة. وقيل: يجزئ مسح الثلث لأنه كثير في أمور الشرع، وهو قول أبي الفرج، وروي عن مالك. وقيل: يجزئ المقدم، وهو قول أشهب. وأكثر من يذكر عنه الاجتزاء بمسح بعض الرأس، فإنه يرى ذلك البعض في مقدم الرأس، وذلك لأحاديث في بعضها ذكر الناصية، وفي بعضها ذكر مقدم الرأس. وقيل: يجزئ مسح ناحية من نواحي الرأس ما كانت، وهو قول إبراهيم الشعبي. وقيل: يجزئ مسح اليافوخ فقط، وقد روي ذلك عن ابن عمر. وقيل: يجزئ مسح الربع، لا يجزئ أقل منه، وهو أحد قولي أبي حنيفة وقول زفر. وقيل: يجزئ أقل ما يقع عليه اسم مسح سواء مسح بيده أو بخشبة، أو وقف تحت ميزاب حتى قطر على رأسه الماء، وبه قال الأوزاعي والنخعي والثوري، والمشهور من قول الشافعي. وقيل: يجزئ مسح ثلاث شعرات، وهو قول بعض أصحاب الشافعي. وقيل: إن مسح بثلاثة
следующие страницы →