Полный текст (1 576 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وحده من منابت شعر الرأس إلى آخر الذقن، وعند بعضهم قال التونسي.
وليس اللحي الأسفل الوجه. وفي ((العتبية)) أن اللحي الأسفل من الوجه، يغسل في الوضوء، وخطأ من قال: إنه ليس من الوجه، وقد نقلها فضل في ((مختصر الواضحة)) عنه أيضًا، وحده في العرض من العارض إلى العارض. واختلف فيما زاد من اللحية على الزمن هل هو من الوجه أم لا؟ فوري عن مالك أنه لا يجب غسله، ووجه ذلك أن اللحية ليست بوجه ألا ترى من طالت لحيته لا يقال طال وجهه، إنما يقال: طالت لحيته، وإنما أوجب الله تعالى غسل الوجه، وما طال من اللحية فليس بوجه فلا يجب غسله. وروي عنه أيضًا أن اللحية من الوجه، فيجب أن يمر الماء عليها إلى آخرها، وهو المشهور من قوله. ووجهه أنها لما نبتت في الوجه حكم لها بحكم الوجه. وعند مالك أيضًا في تخليل اللحية روايتان. واختلف في البياض الذي بين العارض والأذن، فقيل: إنه من الوجه يجب غسله، وقيل: إنه ليس من الوجه فلا يجب غسله، وقيل: يغسله الأمرد ولا يغسله الملتحي، وقيل: إن غسله سنة من السنن
стр. 772
في الوضوء. واختلف على أربعة أقوال في المضمضة والاستنشاق، فقيل: إنهما سنتان في الوضوء والجنابة جميعًا، وهو مذهب مالك. وقيل: هما واجبتان في الطهارتين جميعًا وهو قول إسحاق وابن أبي ليلى. وقيل: الاستنشاق واجب فيهما، والمضمضة غير واجبة، وهو قول ابن حنبل.
وقيل: هما واجبتان في غسل الجنابة دو الوضوء. ودليل مالك ومن تابعه قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾. والاسم لا يطلق على الباطن. واختلف في شعر الوجه إذا كان كثيفًا أو غير كثيف هل يلزم توصيل الماء إلى البشرة أم لا؟ فمنهم من رأى توصيله إلى البشرة إذا كان الشعر كثيفًا. وإذا لم يكن كذلك وجب إيصال الماء إليها لأنه إذا كان كثيفًا خرج عن المواجهة، والوجه إنما هو مأخوذ من المواجهة، فما لم يكن مواجهًا لم يجب غسله، وإذا كان خفيفًا لا يستر البشرة دخل في المواجهة، فلزم أيضًا إيصال الماء إليه؛ لقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ وما لم يستره الشعر، فداخل في الاسم.
стр. 773
واختلف في داخل العينين هل يلزم غسله أم لا؟ فالجمهور على أن ذلك لا يلزم. وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه، والحجة للقول الأول قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، وداخل العينين ليس من الوجه.
(٦) - وقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾:
اليد عند العرب تقع على العضو ما بين المنكبين إلى آخر الأصابع، ولا خلاف أنه لا يجب غسل اليدين إلى المنكبين، فأما ما يروى في ذلك عن أبي هريرة فإنما هو استحسان منه؛ لأن ذلك من عمل الوضوء، لأن الآية ترده. وإنما اختلف هل يدخل المرفقان في الغسل أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان، فوجه نفي دخولهما قوله تعالى: ﴿المرافق﴾ و ﴿إلى﴾ تعطي الغاية، فوجب أن يوقف عندها. ومن قال بإيجاب غسلهما، قال: ﴿إلى﴾ بمعنى ((مع))، ومثله قوله تعالى: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ [آل عمران: ٥٢]، أي مع الله، و ﴿لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢]، أي مع أموالكم. وقال بعضهم: إن ((إلى)) على بابها، وتعطي الحد، ولكنه إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه وهو قول المبرد. والمرافق من جنس الذراعين، فوجب أن تدخل في الغسل مع الذراعين.
стр. 774
(٦) - وقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾:
المسح أن يمر على الشيء الممسوح بشيء مبلول بالماء، واختلف في هيئة المسح كيف تكون على أربعة أقوال. فقيل: إن الماسح يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب بيده إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي منه بدأ، وهو قول الشافعي وغيرهما. وقيل: يبدأ من مؤخر الرأس، ثم يجيء بذلك إلى المقدم، ثم يرده إلى المؤخر. وقيل: يبدأ بوسط الرأس فيجيء بيديه نحو الوجه، ثم يرد فيصيب باطن الشعر، فإذا انتهى إلى وسط الرأس أمر يديه على ظاهر شعر مؤخر الرأس ثم يرد فيصيب باطنه ويقف في وسط الرأس. وقيل: يمسح من هنا وهنا على غير نظام، ولا يبدأ بمحدود حتى يعمه. وحجة هذا القول عموم الآية إذ لم يخص مسحًا من مسح. وحجة القول الأول الحديث المشهور في كيفية المسح عن رسول الله ﷺ . والسنة مبينة للقرآن، إلا أن ظاهره أنه يأتي بمسح الرأس مرتين: مرة من الأدبار ومرة من الإقبال. وقال ابن الجلاب: ما يقتضي أن تكون مسحة واحدة تجمع مسح ظاهر الشعر وباطنه، فلذلك كان الإقبال والإدبار. واختلف في رد اليدين على شعر الرأس هل هو فرض أم سنة بعد الإجماع على أن المسحة الأولى
стр. 775
فرض بالقرآن: فالجمهور على أنه سنة. وقيل: هو فرض. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، والمسح قد وقع بالمسحة الأولى فما بعد ذلك غير واجب. واختلف في قدر ما يجزئ من مسح الرأس على أحد عشر قولًا. فقيل: لا يجزئ من مسح الرأس إلا عمومه كله، واختلف هؤلاء في هيئة المسخ كما قدمنا، وهو المشهور. وقيل: يجزئ مسح ثلثيه، وهو قول محمد بن مسلمة. وقيل: يجزئ مسح الثلث لأنه كثير في أمور الشرع، وهو قول أبي الفرج، وروي عن مالك. وقيل: يجزئ المقدم، وهو قول أشهب. وأكثر من يذكر عنه الاجتزاء بمسح بعض الرأس، فإنه يرى ذلك البعض في مقدم الرأس، وذلك لأحاديث في بعضها ذكر الناصية، وفي بعضها ذكر مقدم الرأس. وقيل: يجزئ مسح ناحية من نواحي الرأس ما كانت، وهو قول إبراهيم الشعبي. وقيل: يجزئ مسح اليافوخ فقط، وقد روي ذلك عن ابن عمر. وقيل: يجزئ مسح الربع، لا يجزئ أقل منه، وهو أحد قولي أبي حنيفة وقول زفر. وقيل: يجزئ أقل ما يقع عليه اسم مسح سواء مسح بيده أو بخشبة، أو وقف تحت ميزاب حتى قطر على رأسه الماء، وبه قال الأوزاعي والنخعي والثوري، والمشهور من قول الشافعي. وقيل: يجزئ مسح ثلاث شعرات، وهو قول بعض أصحاب الشافعي. وقيل: إن مسح بثلاثة
стр. 776
أصابع جاز، وإن كان الممسوح أقل مما يمر عليه ثلاثة أصابع لم يجز، وهو قول أصحاب الرأي. وقيل: إنه يجزئ مسح شعرة واحدة، وهو قول الثوري في الرجل، والحسن بن أبي الحسن في المرأة. وأكثر أسباب الخلاف في هذه المسألة دخول ((الباء)) في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾.
والقول فيها عند أصحاب مالك على وجهين، أحدهما: أنها زائدة مؤكدة، فالمعنى: امسحوا رؤوسكم، فيجب المسح لجميع الرأس على نص الآية. وقال بعضهم: إن ((الباء)) على بابها للإلصاق، ليست بزائدة. والمعنى على ثبوت ((الباء)) أو سقوطها سواء، وذلك يوجب عموم المسح، وهذا الوجه أحسن لأن زيادة ((الباء)) في هذا الموضع غير معروف في كلام العرب. والذين ذهبوا إلى جواز مسح بعض الرأس، وهذا قول ضعيف عند أهل العربية، وقد رده ابن جني في ((سر الصناعة))، وبين فساده غير أنه أراد قائل هذا أن ((الباء)) بمعنى ((من))، فكأنه قال: ((امسحوا من رؤوسكم))،
стр. 777
فهذا قول ضعيف أيضًا لأنه إخراج ((للباء)) عن بابها، وإنما يجوز على مذهب بعض الكوفيين، وقد قال بعضهم: من جعل الباء للإلصاق أنها تقتضي جواز مسح بعض الرأس. وليس ذلك بصحيح، لما فيه من الخروج عن الظاهر. ولو صح أن ((الباء)) تصلح للمعنيين: التبعيض والإلصاق وأشكل الأمر لكان المشهور من فعل رسول الله ﷺ رافعًا للإشكال في الآية، لأنه مسح جميع رأسه، وقال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به))، وما وري عنه في مسح بعض رأسه شاذ، ويحتمل أن يكون لعذر، أو تجديدًا من غير حجة فيه. واتفقوا على استحسان المسح باليدين جميعًا، وأنه إن مسح بيد واحدة أجزأه. واختلف في أقل من ذلك. فقال بعضهم: لا بد في مسح ذلك من ثلاثة أصابع وإلا لم يجز المسح بأصبع أو ببعض أصبع. وحجة هؤلاء عموم الآية. واختلف في عدد المسحات: فالجمهور على أنه مرة واحدة، ولم يستحبوا غير ذلك، واستحب الشافعي ثلاثًا. وروي عن ابن سيرين أنه مسح رأسه مرتين. وقيل: يمسح الرأس ثلاثًا، وهو قول أنس وسعيد بن جبير وغيرهما. والقول الأول أصح؛ لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾. وبالمسحة الواحدة يقع المسح المأمور به،
стр. 778
ويسقط الفرض، لا سيما وقد رجح حذاق الأصوليين أن الأمر لا يقتضي التكرار. واختلف في مسح الرأس بما يفضل على اليدين من البلل دون أن يجدد له الماء: فأجازه قوم، كرهه الأكثر، وهذا أحسن؛ لأن قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ يدل على ابتداء فعل في الرأس، وإذا مسح بما فضل على اليدين فليس بابتداء فعل. وابتداء المسح إنما هو أن يغمس اليد في الماء ثم يمر على الرأس.
واختلف في الأذنين هل هما من الرأس أم لا؟ على ستة أقوال، فقيل: هما من الرأس يمسحان معه. وقيل: هما من الوجه يغسلان معه. وقيل: ظاهرهما من الوجه يغسلان معه، وباطنهما من الرأس فيمسحان معه. وقيل: إنهما عضوان ليسا من الوجه ولا من الرأس، وهو قول الشافعي وأبي ثور، ولا شيء على من تركهما على قولهما. وقيل: إنهما يغسلان مع الوجه، ويمسحان مع الرأس. وقيل: إنهما من الرأس، ولكن يجدد الماء لهما، وهو قول مالك
стр. 779
رحمه الله. وهذا هو الصحيح؛ لأنهما ليسا من الوجه؛ لأن الوجه من المواجهة. والمواجهة لا تكون بالأذنين.
واختلف عندنا في مسحهما هل هو واجب أم سنة؟
فعن مالك روايتان، فوجه الوجوب أنهما من الرأس، فوجب مسحهما لأنهما داخلتان في عمو قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾. وذكر بعض أصحاب مالك أن الخلاف في ذلك إنما هو في ظاهرهما وأما باطنهما فلا خلف في أنه سنة.
وقد اختلف في المسح على العمامة والخمار أو نحو ذلك مما يحول دون الرأس: فذهب مالك ومن تابعه إلى أنه لا يجوز ذلك، وأجازه داود وابن حنبل والشافعي في أحد قوليه، وجماعة من السلف سواهم، لآثار واردة في ذلك وقياسًا على الخفين. والصحيح مذهب مالك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ ومن مسح على حائل فلم يمسح على رأسه، وما جاء من الآثار عن النبي ﷺ فلعله ذلك لعذر، أو لتجديد من غير حدث فلا حجة فيها.
واختلف فيما طال من شعر الرأس للرجل والمرأة، وزاد على قدر الرأس هل على صاحبه أن يمسحه في الوضوء أم لا؟
والروايتان عن مالك، فوجه القول بأن ليس عليه مسحة أن شعر
стр. 780
الرأس ليس برأس، ولا يقال لمن طال شعر رأسه: طال رأسه، وإنما يقال: طال شعره، وإنما أوجب الله تعالى مسح شعر الرأس لا ما سوى ذلك. ووجه القول الآخر أنه لما نشأ من الرأس حكم له بحكم الرأس، ومن مسح رأس ثم حلق شعره فلا إعادة عليه خلافًا لعبد العزيز بن أبي سلمة؛ لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، وهذا قد فعل.
(٦) - وقوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾:
اختلف في قراءتها: فقرأها قوم بالنصب، وقرأها قوم بالجر، قرأها قوم في غير السبع بالرفع، ورويت أيضًا عن نافع. وبحسب هذا اختلف الصحابة ومن بعدهم. فأما القراءة بالنصب فعلى أن العامل: ((اغسلوا)) مبني للمجهول على أ، الغرض في الرجلين الغسل دون المسح. وأما القراءة بالرفع فعلى تقدير: ﴿وأرجلكم﴾ فاغسلوا، على حذف الخبر، وهذا مبني على أن الفرض الغسل وهو قول الجمهور، وهو الذي علم من فعل النبي ﷺ روي عنه ﷺ أنه رأى قومًا يتوضؤون وأعقابهم تلوح
стр. 781
فنادى بأعلى صوته: ((ويل لأعقاب من النار)). وأما القراءة بالخفض فعلى العطف على رؤوسكم.
واختلف في الذين رأوا ذلك، فمنهم من حمل الآية على ظاهرها، فرأى أن الرجلين يمسحان ولا يغسلان وأن المسح فرضهما خلافًا لقول الجمهور الذي ذكرناه. وممن روى عنه ذلك ابن عباس، قال: الوضوء مسجتنا وغسلتان. وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء، فقال: ((اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وأنه ليس شيء من آدم أقرب لخبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما))، فسمع ذلك أنس بن مالك فقال: صدق الله، وكذب الحجاج، قال تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾. وكان أنس إذا مسح رجليه بلهما، وروي أيضًا عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح والسنة الغسل. والذين ذهبوا إلى أن الوجهين ثابتان جميعًا بين
стр. 782
الآية والحديث، فمنهم من ذهب إلى الجمع بينهما، ومنهم من رأى أمرهما إلى التخيير، وإلى القول بأن الفرض المسح، ذهب عكرمة والشعبي وأبو جعفر وقتادة، وهو قول طائفة من الشيعة. وأكثر من قرأ ﴿وأرجلكم﴾ بالخفض لم يروا المسح على الرجلين، بل رأوا أن فرضها الغسل كما يأتي على قراءة النصب؛ إلا أنهم اختلفوا في تخريج هذه الآية ولم يحملوها على ظاهرها، فمنهم من قال: يحتمل أن يكون عطف بالغسل على المسح حملًا على المعنى، والمراد: الغسل كما قال:
علفتها تينًا وماء باردًا
وهذا الوجه يضعف من قبل أنه يحتاج فيه إلى إضمار الجر مع فعل متعلق به، مع أنه ليس في الكلام ما يدل على ذلك الفعل.
وقيل: إن ((وأرجلكم)) خفض على الجواز، وهذا بعيد على مذهب الخليل وسيبويه من جهة حرف العطف. وقيل:
стр. 783
((وأرجلكم)) معطوف على ((برؤوسكم)) إلا أنه أراد بالمسح في الرأس، المسح المعروف، وأراد بالمسح في الأرجل الغسل. وفي هذا القول ضعف؛ لأنه تعالى أمر فيهما جميعًا بالمسح بلفظ واحد، فيقتضي ذلك أن يكون ما يجري على أحدهما يجري على الآخر، إلا كيف يجتمعان في اللفظ ويختلفان في المعنى في ذلك اللفظ بعينه، وإن كان المسح لعمري قد استعملته العرب في الغسل، حكى أبو زيد وغيره ذلك. وقيل: قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ اقتضت هذه الآية مسح الرجلين، لكن ما جاء عن النبي ﷺ في ذلك من الغسل نسخ ذلك، وهذا القول على القول بنسخ القرآن بالسنة، وفيه خلاف. وقيل: إن الآية اقتضت بظاهرها المسح في الرأس والرجلين، فبينت السنة مراد الله تعالى بذلك. واعلمت أن المسح في الرأس على ظاهره، وأن المسح في الرجلين مع إمرار الماء، وذلك هو الغسل. وقيل: ﴿فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾: إنما خفضها لأنه أراد المسح على الخفين. وفي هذا لعمري ضعف؛ لأن الأمر بالمسخ في الرأس والرجلين واحد، فكيف يكون
стр. 784
أمر واحد في حال واحدة أمر وجوب في أحدهما وأمر غير وجوب في الآخر، مع أن قوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ لا يقتضي إلا المسح دون حائل، هذا ظاهره.
وقد اختلف في المسح على الخفين؟
ففيه عن مالك ثلاث روايات، إحداها: جواز المسح في السفر والحضر، وفي الآية على هذا التأويل حجة لقوله هذا. والثانية: ترك المسح عليهما في السفر والحضر، ويعضد هذا القول قراءة من قرأ: ((وأرجلكم)) بالنصب، على قول من قال أن ذلك ناسخ للمسح على الخفين، وهو قول جماعة من أهل العلم. الثالث: جواز المسح في السفر دون الحضر وما اضطربت أقوال العلماء في ذلك إلا بحسب اضطراب الأحاديث واختلاف التأويل والقراءات. وقد ذهب بعض من أنكر المسح على الخفين إلى أن الأحاديث الواردة في ذلك أحبار آحاد زادت على نص القرآن، وأن القرآن يقتضي الغسل، والزيادة على النص نسخ، ولا
стр. 785
يجوز نسخ القرآن بأخبار الآحاد، وقد يجاب عن هذا بأن الزيادة على النص ليست نسخًا، وإن لم تكن نسخًا قبلت، وجاز العمل بها، وهي مسألة تتحقق من كتب الأصول على أنه قد ذكر ابن عبد البر أنه روى عن النبي ﷺ المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة. وروي عن الحسن البصري أنه قال: أدركت سبعين رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يمسحون على الخفين، وهذا الذي ذكره من العدد مما يجوز أن يقع به العلم، ويحصل به التواتر، فيجوز نسخ القرآن به إن لم يكن هناك وجه غير النسخ. وقد روى إبراهيم عن همام بن الحارث، قال: رأيت جريرًا بال وتوضأ من مطهرة ومسح على خفيه، فيقيل له: أتفعل هذا! قال: ما يمنعني أن أفعله وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وفي بعض طرقه قيل له: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، إشارة إلى أن القرآن نسخه، قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة، فكان يعجبهم حديث جرير لذلك.
والذين ذهبوا إلى جواز المسح عليهما اختلفوا في الأفضل من ذلك، فروي عن أبي أيوب أنه قال: حبب إلي الغسل. وروي عن سلمان التميمي، أنه قال: المسح أفضل. وحديث جرير هذا يرد ما ذكر عن بعضهم من أن الغسل الوارد في القرآن نسخ المسح. وعندي في قراءة
стр. 786
الخفض وجه آخر لم أر أحدًا من أهل العلم تكلم عليه، وهو أن يكون التقدير وجميع أرجلكم أو نحو ذلك من الكلام مما يكون منصوبًا معطوفًا على أيديكم، ثم حذف ذلك، وبقي المضاف إليه على جره لما في قوة الكلام من الدلالة عليه. وإلى هذا ذهب أبو علي الفارسي ﵀ في قول الشاعر:
رحم الله عظمًا دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات
على رواية من روى أن طلحة بالخفض كأنه قال أعظم طلحة ثم حذف أعظم وترك المجرور على حاله، يتحصل فيما هو الغرض في الرجلين أربعة أقوال، أحدها: الذي عليه الجمهور أن الفرض هنا الغسل، والحجة له القراءة بالنصب. وأما القراءة بالخفض فتخرج على وجوه ذكرناها. والثاني: أن الفرض فيهما المسح ولا يجوز الغسل، وإن مسح البعض أجزأه على قولهم. وقد ذكرنا من يقول هذا القول وحجته. والثالث: أن فرضهما الغسل والمسح معًا. والرابع: التخيير بين الغسل والمسح، وهو مذهب بعض المتكلمين، وإليه ذهب ابن جرير.
стр. 787
واختلف في الرجل يغسل رجليه ثم يلبس الخف عليهما ثم يغسل سائر أعضائه، هل يمسح عليهما إن احتاج إلى ذلك على القول بالمسح؟
فمن يرى أن كل عضو من أعضاء المتوضئ يرتفع عنه الحدث بتمام غسله فإذا أكمل وضوءه ارتفع الحدث جملة وطهر للصلاة أجاز له أن يمسح على خفيه إذا لبسهما بعد أن غسل رجليه للوضوء، وإن كان ذلك قبل أن يستكمل وضوءه لأنه قد لبسهما عنده ورجلاه طاهرتان بطهر الوضوء، وسواء أكمل وضوءه بعد ذلك أو لم يكمله، وهو قول ابن القاسم. ومن رأى أنه لا يطهر عضو من أعضاء المتوضئ إلا بتمام وضوئه جملة لم يجز له أن يمسح على خفيه إذا لبسهما قبل استكمال وضوئه لأنه ما لبسهما عنده إلا ورجلاه طاهرتين بطهر الوضوء، وسواء أكمل وضوءه بعد ذلك أو لم يكمله، وهو قول سحنون. ومطرف يقول: إنه يمسح عليهما وإن أتم وضوءه بعد ذلك وإن لم يتم لم يجز له أن يمسح عليهما؛ فهذه ثلاثة أقوال. والقول بترك المسح أولى لعموم الآية قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ فعم على كل حال.
واختلف في الرجل يخلع أحد خفيه هل يجوز له أن
стр. 788
يمسح على الآخر ويغسل المخلوع عنه الخف أم لا؟ على قولين في المذهب. ودليل القول بأن ذلك لا يجوز قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾.
واختلف في المسح على الجوربين غير المجلدين: فلم يجزه الأكثر. وأجازه ابن حنبل، ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، فعم كل حائل. هكذا ذكر أهل مسائل الخلاف، واحتجوا عليها بالآية على ما ذكرناه. واختلف في الرجل يدخل رجليه في الماء دون أن يمر يديه عليهما هل يجزئ ذلك عن غسلهما في الوضوء أم لا؟ فلم يجزه الأكثر من العلماء. وأجازه قوم منهم الحسن بن أبي الحسن البصري وحجة القول الأول القراءة بالنصب، وأن الغسل لا يكون في اللغة إلا مع إمرار اليد، والقراءة بالخفض أيضًا على قول من يقول المراد بذلك المسح باليد مع الماء، فذكر الله تعالى المسح خاصة والمراد به مع الماء فلا يجوز أن يقتصر على الماء دون المسح لذلك، وإلى نحو هذا أشار الطبري.
стр. 789
(٦) - قوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾:
الكعبان اللذان إليهما حد الوضوء بإجماع هما العظمان الناتئان من جنبي الرجل. واختلف هل يدخلان في الغسل أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان. والقول فيهما كالقول في المرفقين، وقد ساق بعضهم هذا في مسائل الخلاف، فقال: اختلف عنه -يعني عن مالك- في الكعبين، فروب أنهما اللذان في ظهر القدمين عند مقعد الشراك. وروي أنهما اللذان من جانبي الساق، وهو الذي اختار عبد الوهاب، وبه قال الشافعي. ولو كان الكعبان هما الناشزان في ظهر القدم لقال تعالى: ((إلى الكعوب))، كما قال إلى المرافق؛ فقوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾، فيه دليل على أنه إنما أراد الكعبين الذين في كل رجل ولا يكونان كما قدمنا. وقد أجمعت هذه الآية من فرائض الوضوء أربعة فلا خلاف فيها. واختلف في أربعة أخرى؛ فمن ذلك الموالاة في الأعضاء وهو الذي يسميه الفقهاء الفور، وفيه ثلاثة أقوال، فقيل: هو فرض، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة وعلى هذا يحمل بعض المتأخرين مذهب مالك. وقيل: هو سنة، وهو المشهور من المذهب. وقيل: فرض في
стр. 790
المغسول، وسنة في الممسوح، وهو قول مطرف وابن الماجشون وروايته عن مالك. ودليل إيجاب الموالاة قوله تعالى: ﴿وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية، والأمر المطلق على الفور؛ لأن الخطاب بصيغة الشرط والجزاء، ومن حق الجزاء أن لا يتأخر عن جملة الشرط. وتطهير جملة الأعضاء جزاء الشرط الذي هو القيام للصلاة، فوجب أن لا يتأخر شيء منه عنها. ومن ذلك الترتيب اختلف فيه، فالمشهور عن مالك أنه سنة، وقيل: أنه فرض. وحكماه أبو مصعب عن أهل المدينة. ومعلوم أن مالكًا منهم، وهو قول الشافعي، فمن أوجبه راعى ترتيب الآية ورآه واجبًا. والحجة لمن لم يوجبه أن ((واو)) النسق في الآية لا تعطي رتبة، وإنما هي للجميع دون الاشتراك والترتيب. واسم الغسل ينتظم لمن رتب ولمن لم يرتب. وقال أبو الحسن: ظاهر قوله: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ الآية يقتضي الأجزاء قدم المتوضئ أو أخر، فرق أو والى، على ما هو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو مذهب أكثر العلماء رحمهم الله تعالى. واعتبار الموالاة إنما يتلقى من دليل زائد،
стр. 791
وليس في الأمر ما يقتضي الفور، ولا ترتيب بعض المأمورات على بعض، إلا أن الشافعي يوجب الترتيب من حيث أدرج في الآية الممسوح من بين المغسولات، وأن ذلك لا يكون إلا عن قصد ترتيب الأشياء على النسق المذكور، ومن ذلك النية. وقد تقدم الكلام عليها. ومن ذلك الماء المطلق وهو الذي لم يتغير أحد أوصافه بشيء حل فيه طاهر أو نجس، واختلف إذا خالط الماء شيء طاهر ولم يتغير والماء يسير، فالمشهور من المذهب أنه ماء مطلق غير مضاف، وذهب أبو الحسن القابسي إلى أنه مضاف لا يجوز الوضوء به، ولا إزالة النجاسة به. وظاهر قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ دليل على جوازه.
واختلف أيضًا إذا خالطت الماء نجاسة ولم يتغير على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه مطلق طاهر مطهر. والثاني: أنه نجس. والثالث: الفرق بين الماء اليسير والكثير. والمشهور في المذهب أن تلك المخالطة لا تؤثر فيه، وأنه ماء مطلق. ودليله قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ وهي رواية المدنيين عن مالك، والثانية رواية المصريين. والثالثة رواية
стр. 792
ابن نافع عن مالك، وهو مثل قول أهل العراق. والدليل على فساده حديث بئر بضاعة، وقول النبي ﷺ : ((الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه)).
واختلف في الماء أيضًا إذا خالطه طاهر ينفك عنف فغيره: فالمشهور في المذهب أنه طاهر إلا أنه لا يرفع الحدث، ولا يزيل النجاسة. وذهب أبو حنيفة إلى أنه طاهر مطهر على أصله في إجازة الوضوء بالنبيذ، وعلى أصله في أن كل ما أزال العين من النجاسة رفع حكمها. والحجة لمنع الوضوء به قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ فأطلق. والماء المتغير لا يقال له ماء بإطلاق، وإنما يقال له ماء على صفة كذا.
стр. 793
واختلف إذا تغير الماء بطول المكث؟ فقيل: لا يجوز الوضوء به. والجمهور على جوازه لأن هذا متغير بما لا ينفك عنه، فهو ماء مطلق فجاز الوضوء به. واختلف في الوضوء بماء البحر على ثلاثة أقوال: الكراهة، والمنع، والجواز، وهو المشهور. ودليل الجواز قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾. وكذلك اختلف في الماء المسخن، فكرهه مالك، وأجازه الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، والماء المسخن يطلق عليه اسم الماء، والأصل في هذه المسائل أن كل ما ينطلق عليه اسم الماء ولا يحتاج إلى تقييد، فهو داخل تحت قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، وبهذا يبطل قول أبي حنيفة في إجازته الوضوء بنبيذ التمر، خلافًا لمالك والشافعي رحمهما الله. وقد اختلف فيمن يبل يديه بالماء ويمرهما على أعضاء الوضوء هل يجزيه ذلك أو يلزم نقل الماء إلى أعضاء الوضوء ولا يجتزئ بالبلل؟ والمشهور من المذهب النقل. وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إن مسح الأعضاء بالماء كالمسح بالدهن أجزأه. وحكى قريب من هذا عن بعض التابعين، أنه قال: ما عهدناهم يلطمون
стр. 794
وجوههم بالماء، وهذا فاسد؛ لأن الواجب الغسل، وهذا ليس بغسل، وقد قال تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم﴾، ففرق بين المسح والغسل. وفي الذي قالوه بطلان الفرق بينهما. وفي المذهب من هذا النوع مسألة يختلف فيها وهي: إذا أصاب الإنسان مطر، فشمل أعضاءه، ولم يكن ليصير في يديه منه ما يكون بنقله إلى أعضائه غاسلًا لهما، أو ماسحًا لما يمسح منهما، وأراج أن يغسل كل عضو، بما صار إليه من المطر، هل يجوز ذلك أم لا؟ فيه قولان، أحدهما: أنه لا يجوز أن يمسح بيديه على رأسه بما أصابهما من ماء المطر دون أن ينقل إليهما ماء المطر بيديه، وهو قول ابن حبيب، وحكاه عن ابن الماجشون، وهو دليل قول سحنون. والثاني: أنه جائز، وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم في الذي توضأ وأبقى رجليه فخاض نهرًا، فغسل رجليه. ففيه أن ذلك يجزيه إذا نوى به الوضوء، وإن كان لم ينقل إليهما الماء. فعلى هذا يأتي الخلاف أيضًا فيمن توضأ
стр. 795
وهو منغمس في الماء، والأظهر الجواز في هذه المسألة؛ لأن هذا غسل، وإن لم ينقل الماء، بل هو أكثر من نقل الماء. وليس في اللغة ما يدفع أن يسمى غسلًا. وكذلك اختلف فيمن غسل ما يمسح هل يجزيه أم لا؟ ووجه الجواز أنه مسح وزيادة. وقد استنبط أصحاب أبي حنيفة من هذه الآية أن الاستنجاء لا يجب، لأنه تعالى لما قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾، كان الحدث مضمرًا فيه. والتقدير إذا قمتم إلى الصلاة محدثين. وقال في نفس الآية: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء﴾، فلم يوجب علينا أكثر من المذكور. وذلك يدل على أنه إذا أتى بالمذكور استباح به الصلاة وهذا ضعيف؛ لأنه تعالى قال: ﴿فاغسلوا﴾، فذكر ما لا يظهر أثر الخارج في غسله، وهو أعضاء الوضوء، فإنما ذكر تعالى حكم الوضوء خاصة. وأما إزالة النجاسات فإن حكمها مأخوذ من موضع آخر، وليس يقتضي بيان حكم الوضوء بيان حكم شرائط الصلاة كلها، فإن الصلاة موقوفة إجماعًا على ستر العورة، ولا ذكر لها في هذه الآية،
стр. 796
فكذلك هي موقوفة على طهارة البدن والثوب. ولم يكن السكوت عنهما مانعًا من اشتراط السكوت عنه في آخر الفعل.
(٦) - وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾:
هذه الآية أصل في وجوب الطهارة من الجنابة، وقوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾ أمر بالاغتسال بالماء. واختلف في الخطاب بهذه الآية لمن هو؟ فقيل: هو للواجد الماء خاصة. وقيل: هو للواجد الماء غير الواجد له. وعلى هذا الخلاف في الجنب، هل يجوز أن يتيمم إذا عدم الماء أم لا؟ وقد مر الكلام عليه في سورة النساء.
واختلفوا في الجنب يغتسل ثمر يخرج منه بقية الماء هل عليه غسل أم لا؟ فعندنا أنه لا غسل عليه لخروجه بغير لذة. ولا فرق أن يخرج قبل البول أو بعده. وذهب الأوزاعي إلى أنه إن خرج بعد البول فلا غسل عليه، وإن خرج قبل البول فعليه الغسل. وقيل: يغتسل كيف كان وهو
стр. 797
قول الشافعي، والذي استدل به الشافعي قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾.
وقد استنبط من أوجب المضمضة والاستنشاق من قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾، وأنهما فرض علينا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾ عموم، ومن اغتسل ولم يتمضمض إنما هو مطهر لبعض جسده، وعموم الآية يقتضي تطهير الجميع، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى لم يذكر موضع الطهارة أصلًا بلفظ يقتضي عموم البدن، ولا بلفظ يخالفه، وإنما قال: ﴿فاطهروا﴾، وليس فيه ما يوجب خصوصًا أو عمومًا. وقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجهكم﴾ الآية.
أمر الله تعالى بغسل هذه الأعضاء من الوضوء، ولم يوقت مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا. وقد اختلفت الآثار عن النبي ﷺ في التوقيت،
стр. 798
ومذهب مالك ﵀ الإسباغ. وأما الزيادة عليه ففضل مرغب فيه، وهل ذلك مخافة أن يكون منه شيء أم لا؟ فيه نظر، وقد مر الكلام على بقية أحكامه في سورة النساء فأغنى عن إعادته.
(١٣) - قوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾:
اختلف فيه هل هو منسوخ أم محكم؟ فذهب قوم إلى أنه منسوخ، قالوا: نسخه ما في براءة من الأمر بالقتال حتى يؤدوا الجزية. وذهب قوم إلى أنه محكم، وأنه نزل في قوم من اليهود أرادوا الغدر برسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ بالعفو عنهم والصفح بعد أن لحقتهم الذلة والصغار.
(٢٨) - قوله تعالى: ﴿لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك﴾:
قيل: معناها لئن بدأتني بالقتل لم أبدأك به، لأنه لم يدفعه عن نفسه إذا قصد قتله. وروي أنه قتله غيلة بأن ألقى عليه صخرة وهو نائم فشدخه بها. وقيل: كان من مذهبهم أن من أراد قتل غيره لم يكن للمقصود بالقتل دفعه بل يرتكه ولا يدفعه عن نفسه إلا أن في شرعنا
стр. 799
أنه يجوز دفعه إجماعًا. واختلف في وجوبه، والأصح وجوبه لم فيه من النهي عن المنكر. ومن الحشوية قوم لا يجيزون للمصول عليه الدفع. وتأولوا عليه قوله ﵊ لأبي ذر: ((كيف بك يا أبا ذر إذا كان في المدينة قتل))؟ قال: قلت: ألبس سلاحي، قال: ((شاركت القوم إذًا))، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله؟ قال: ((إذا خشيت أن ينهزك عين الشمس فالق ناحية ثوبك على وجهك لئلا تبوء بإثمه وإثمك)). والمراد بهذا الحديث عند المتأملين ترك القتال في الفتنة، كف اليد عن الشبهة.
فأم من فعل ما استحق القتل فلا ولم يرد النبي ﷺ ذلك، ولو جاز الإمساك عن ذلك لتعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستولى الظلم. وقد يحتمل أن يجاب عن هذا بأن يقال: إنما يصح ذلك إذا كان الأمر بالمعروف لا يؤدي إلى قتال وشهرة وسلاح، فأما إذا أدى إلى ذلك فلا، ويفوض المقتول أمره إلى الله تعالى لأنه إذا أدى إلى ذلك
стр. 800
خاف على نفسه فلم يجز الدفع، وهذا موضع نظر واحتمال لترديد القول.
(٣٣) - قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا﴾:
اختلف في سبب نزولها، فقيل/ إنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فنقضوا العهد، وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض، وهو قول ابن عباس والضحاك، ويشبه أن يكون هو الذي قالوه في نازلة بني قريضة إذ هموا بقتل رسول الله ﷺ . وقيل: نزلت في المشركين، وهو قول عكرمة والحسن، وهو بعيد؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ [المائدة: ٣٤]؛ إذ لا خلاف أن توبة المشرك تسقط عنه ما لزمه من الأحكام في حال كفره سواء أسلم قبل القدرة عليه أو بعدها. وقيل: إن الآية نزلت في نفر من عكل وعرينة أتوا النبي ﷺ فأسلموا ثم إنهم مرضوا واستوخموا المدينة، فأمرهم النبي ﷺ أن يكونوا في لقاح الصدقة، وقال: ((اشربوا من ألبانها وأبوالها))،
стр. 801
فخرجوا إليها، فما صحوا قتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فجاء الصريخ إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فنودي: يا خيل الله اركبي، فركب رسول الله ﷺ على إثرهم فأخذوا، وقال جرير: فبعثني رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين حتى أدركناهم وقد أشرفوا على بلادهم فجئنا بهم، قال جميع الرواة: فقطع رسول الله ﷺ أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، وتركهم في جانب من الحرة يستسقون فلا يسقون. وفي بعض الروايات: أن رسول الله ﷺ أحرقهم بالنار بعد أن قتلهم. قال أبو قلابة: وهؤلاء كفروا، وحاربوا الله ورسوله، وقتلوا، وأخذوا الأموال، ولم يعلم أن رسول الله ﷺ مثل بأحد غيرهم لا قبل ولا بعد، وهذا قول أنس بن مالك وجرير وابن جبير وابن الزبير وابن عمر وغيرهم، وهذا القول لمخالفة حكم رسول الله ﷺ حك ما تضمنته الآية من العقوبات مع تظاهر الآثار بأن الآية إنما وردت بعد الذي كان م حكم رسول الله ﷺ في أولئك النفر. وقيل: إن الآية نزلت ناسخة لفعل النبي ﷺ بأولئك ورفعت الآية
стр. 802
هذه الحدود. قال بعضهم: وجعلها الله تعالى عتابًا لنبيه ﷺ على سمل الأعين. وحكى الطبري عن السدي أن النبي ﷺ لم يسمل أعين أولئك النفر، وإنما أراد ذلك فنزلت الآية ناهية عنه. وقال بعض من يضعف النسخ فيما فعل رسول الله ﷺ : أنهم سملوا أعين الرعاء، ولذلك سمل رسول الله ﷺ أعينهم. وقيل -وهو أحسن ما قيل في الآية-: أنها نزلت في المحارب المؤمن أو الذمي، فيتحصل من هذا أنه اختلف فيمن رودت فيه الآية، فقيل: في الكفار والمحاربين، وهذا ضعيف لأن الله تعالى قال: ﴿إلا الذين تابوا م قبل أن تقدروا عليهم﴾ [المائدة: ٣٤]، والكفار لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما يسقط قبل القدرة. قيل: إنها نزلت في المرتدين، وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾، والكفار لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة عليهم كما تسقط قبل القدرة؛ لأن المرتد يستحق القتل لنفس الردة دون المحاربة، والمذكور في الآية إنما هو من لا يستحق القتل، وأيضًا فإن الآية فيها نفي
стр. 803
من لم يتب قبل القدرة عليه والمرتد لا ينفي، وأيضًا فإن المرتد لا يقطع من خلاف ويخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم، ولا يصلب أيضًا. وقيل: إنها نزلت في قطاع الطريق من المسلمين. وقيل: إنها نزلت في المحاربين من المسلمين كانوا أو من أهل الذمة وهو أحسن ما قيل.
(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾:
إنما هنا للحصر، وقوله: ﴿يحاربون الله ورسوله﴾ تغليظ على ارتكاب نهيه، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾ [الأنفال: ١٣]، وقال: ﴿يحادون الله ورسوله﴾ [المجادلة: ٥]، وذلك كله مستحيل على الله تعالى؛ إذ ليس هو بمكان فيشاق ويحاد ويحارب، وإنما ذكر ذلك على جهة المبالغة في إظهار المخالفة، وكان يجوز أن يسمى كل عاص بهذا الاسم ولكنه لم يرد ذلك. وقيل: التقدير يحاربون عباد الله وهذا أولى، فإن الذي يحارب رسول الله ﷺ كافر، وقاطع الطريق من المسلمين ليس بكافر، وكأنه أراد بذلك تعظيم المحاربة وإكبار قدر المعصية.
(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿ويسعون في الأرض فسادًا﴾:
تبيين للحرابة، أي ويسعون لحرابتهم. ويحتمل أن يكون المعنى يسعون فسادًا مضافًا إلى المحرم، والجامع لهذه الأوصاف كلها الحرابة.
стр. 804
(٣٣) - وقوله: ﴿أن يقتلوا﴾:
هو تفعل من القتل، وقتل المحارب أن يضرب عنقه بالسيف ولا يعبث به في القتل.
(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿أو يصلبوا﴾:
ظاهر الآية أن الطلب حد قائم بنفسه كسائر الحدود الثلاثة، لكن الجمهور على أنه مضاف إلى القتل، وليس أن يصلب ولا يقتل إلا أنه قد وقع لمالك في بعض المواقع أنه قال: يقتل، أو يصلب، أو يقطع أو ينفى من الأرض مثل ظاهر القرآن. وإذا قلنا: إنه مضاف إلى القتل فقد اختلف فيه، فقيل: إنه يقتل ثم يصلب ليذعر به أهل الفساد، وهو قول أشهب. وقيل: هو أن يصلب حيًا ويقتل في الخشبة، وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون، واختيار ابن بكير؛ لأن الصلب أن يقتل مصلوبًا فيسيل دمه وهو في الخشبة من قولهم: تمر مصلب إذا كان صفي، ولأن الله تعالى إنما خير في صفة قتله ولو كان إنما خير صلبه بعد قتله لقال أن يقتلوا أو يقتلوا ثم يصلبوا، وعلى مذهب من يرى أنه يقتل ثم يصلب يصلى عليه وحينئذ يصلب.
واختلف في الصلاة عليه على مذهب من يرى أنه يصلب ثم يقتل،
стр. 805
فقيل: لا ينزل منها على كل حال، ولا يصلي عليه. وقيل: يصف خلف الخشبة ويصلي عليه. والقولان لابن الماجشون. وقيل: ينزل ويصلي عليه، وهو قول سحنون. واختلف قوله: هل يعاد للخشبة ليذعر به أهل الفساد أم لا؟ على قولين. واختلف في بقائه مصلوبًا؟ فقيل: ينزل بعد ثلاث، قاله أبو حنيفة وأصحابه؛ لأن إبقاءه بعد ذلك عندهم مثلة. وقال أصبغ: لا بأس أن يخلي بينه وبين بنيه وأهله ينزلوه ويصلي عليه ويدفن. وحجة هذا القول أن الصلب الذي ذكره الله تعالى قد حصل وما كان بعد ذلك، فلا معنى له. والجمهور على أنه لا ينزل حتى تأكله السباع والكلاب ولا يترك أهله لدفنه ولا يتركون أن ينزلوه، وهو ظاهر الآية.
(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف﴾:
معناه: أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، واختلف إن لم تكن له اليد اليمنى، فقال أشهب: تقطع يده اليسرى ورجله اليسرى. وقال ابن القاسم: تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى حتى يكون القطع من خلف كما قال الله تعالى، وهذا القول أظهر على مقتضى الآية. واختلف في حد القطع من اليد، فقيل: من الرسغ. وقيل: من الأصابع وهو المروي عن علي. واختلف
стр. 806
أيضًا في القطع من الرجل، فقيل: من المفصل. وقيل: من نصف القدم، ويبقى العقب في الساق وهو المروي عن علي. والقول الذي عليه الجمهور أليق بأن يقع عليه اسم اليد والرجل، وإن وقع على نصف القدم أو الأصابع فتجوز حمل الآية على ما ليس فيه تجوز أفضل.
(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾:
اختلف في معناه على خمسة أقوال، فقيل: النفي والسجن وهو قول مالك في رواية مطرف عنه، وقول أبي حنيفة وأصحابه. وقيل: أن ينفى من بلد إلى بلد، وأقله ما تقصر فيه الصلاة، ويسجن فيه إلى أن تظهر توبته وهو المشهور من قول مالك. وقيل: هو أن يطلبه الإمام لإقامة الحد عليه فيقر، فلا يقدر عليه، فيكون ذلك نفيًا لا أنه ينفى بعدما يقدر عليه، بل يقام عليه الحد إذا قدر عليه ول ينفى. ففي هذا القول إبطال النفي يعد القدرة، وإلى نحو هذا ذهب ابن الماجشون. وقيل: هو أن ينفى من بلد إلى بلد آخر دون أن يسجن فيه، وهو قول سعيد بن جبير وغيره. وقيل: نفيهم إبعادهم من بلاد المسلمين إلى بلاد المشركين، وهو قول قتادة والزهري، وذكر عن مالك بن أنس ﵀ نحوه، ذكره
стр. 807
الماوردي عنه وذكره بعضهم عن غير مالك، ثم قال: وقاله مالك على أن مالكًا قال: لا يضطر مسلم إلى دخول أرض الشرك. وذكر ابن قتيبة في ((المشكل)) أنه قال: نفيه من الأرض أن يقال من لقيه فليقتله، قم قال: ومن جعل النفي هذا أو يطلب في كل أرض يكون بها، فإنه يذهب إلى أن هذا جزاؤه قبل أن يقدر عليه؛ لأنه لا يجوز أن يظفر الإمام به فيدع عقوبته، ثم يقول: من لقيه فليقتله أو يجده، فيتركه ثم يطبه في كل أرض. وإذا كان هذا اختلفت العقوبات، فصار بعضها لمن لم يقدر عليه وبعضها لمن قدر عليه، وأشبه الأشياء أن تكون كلها فيمن ظفر به.
(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿ذلك لهم خزي في الحياة الدنيا﴾ الآية:
أشار بالخزي في الدنيا إلى الحدود التي تقام عليهم، وأخبر أن
стр. 808
لهم في الآخرة مع إقامة الحدود عليهم في الدنيا عذاب عظيم. وظاهر هذا أن عقوبة المحارب لا تكون كفارة له كما تكون في سائر الحدود، وقد قال ﵊: ((من أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة))، ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب، والعذاب في الآخرة لمن لم يعاقب، ويجري ذنب الحربي مجرى غيره.
(٣٤) - وقوله: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾:
اختلف في تأويلها، فقيل: هذا في أهل الشرك. وقيل: في أهل الحرب من المسلمين وأهل الذمة وهو الأحسن كما قدمناه. واختلف في قبول توبة المحارب على قولين، أحدهما: أنها لا تقبل، قال ذلك من تأول الآية في غير المحاربين وهو قول الحسن. والثاني: أن توبته تقبل، قال ذلك من تأول الآية في المحاربين ورأى الاستثناء مردودًا عليهم وهو أحسن الأقوال كما قدمنا. والذين ذهبوا إلى أن توبته تقبل
стр. 809
اختلفوا في صفته على ثلاثة أقوال، أحدها: أنها لا تقبل منه إلا أن يخرج من دار الإسلام ويلحق بدار الحرب. الثاني: أنها لا تقبل منه إلى أن يكون قد لحق بدار الحرب. والثالث: أنها لا تقبل منه في جميع الأحوال، كان وحده لا فئة له أو كانت له فئة، ولم يلحق بدار الحرب أو كان لحلق بدار الحرب، وهذا القول أظهر لعموم الآية؛ إذ لم يخص محاربًا من محارب. واختلفوا أيضًا في صفة توبته التي تقبل منه على ثلاثة أقوال، أحدها: أن توبته تكون بوجهين، أحدهما: أن يترك ما هو عليه وإن لم يأت الإمام. والثاني: أن يلقي السلاح ويأتي الإمام طائعًا، وهو مذهب ابن القاسم. والقول الثاني: أن توبته إنما تكون بأن يترك ما هو عليه، ويجلس في موضعه، وتظهر لجيرانه. وأما إن أتى الإمام طائعًا وهو مذهب ابن القاسم، فإنه يقيم عليه حد الحرابة، وهذا قول ابن الماجشون. والثالث: أن توبته إنما تكون إلى الإمام وإن ترك ما هو عليه لم يسقط ذلك عنه حكمًا من الأحكام ........................................................
стр. 810
وإن أخذ قبل أن يأتي الإمام، وقول ابن الحسن أظهر لعموم قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾، وما يصنعه المحارب من الوجهين المذكورين فهو توبة فيجب أن يكف عنه بها. واختلف أيضًا فيما تسقط عنه التوبة من الأحكام على أربعة أقوال، القول الأول: أن التوبة لا تسقط إلا حد الحرابة، ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله تعالى، ومن حقوق عباده. والثاني: أن التوبة تسقط حد الحرابة، وحقوق الله تعالى في الزنا والقطع والسرقة وشرب الخمر وما أشبه ذلك. ويتبع بحقوق الناس في الأموال في ذمته، وفي الدم. والثالث: أن التوبة تسقط عنه حد الحرابة، وجميع حدود الله وما أخذ من الأموال إلا أن يوجد من ذلك شيء قائم فيؤخذ أ, يكون دم فيؤخذ به، وهي وراية ابن مسلم عن مالك، والرابع: أن توبته تسقط عنه جميع ما قبله من حقوق الله وحقوق الناس من دم أو مال، إلا أن يوجد شيء قائم بيده، وهذا القول أظهر على لفظ الآية؛ لأن الله تعالى قد قال: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ فظاهر هذا
следующие страницы →