← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

أيضًا في القطع من الرجل، فقيل: من المفصل. وقيل: من نصف القدم، ويبقى العقب في الساق وهو المروي عن علي. والقول الذي عليه الجمهور أليق بأن يقع عليه اسم اليد والرجل، وإن وقع على نصف القدم أو الأصابع فتجوز حمل الآية على ما ليس فيه تجوز أفضل. (٣٣) - وقوله تعالى: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾: اختلف في معناه على خمسة أقوال، فقيل: النفي والسجن وهو قول مالك في رواية مطرف عنه، وقول أبي حنيفة وأصحابه. وقيل: أن ينفى من بلد إلى بلد، وأقله ما تقصر فيه الصلاة، ويسجن فيه إلى أن تظهر توبته وهو المشهور من قول مالك. وقيل: هو أن يطلبه الإمام لإقامة الحد عليه فيقر، فلا يقدر عليه، فيكون ذلك نفيًا لا أنه ينفى بعدما يقدر عليه، بل يقام عليه الحد إذا قدر عليه ول ينفى. ففي هذا القول إبطال النفي يعد القدرة، وإلى نحو هذا ذهب ابن الماجشون. وقيل: هو أن ينفى من بلد إلى بلد آخر دون أن يسجن فيه، وهو قول سعيد بن جبير وغيره. وقيل: نفيهم إبعادهم من بلاد المسلمين إلى بلاد المشركين، وهو قول قتادة والزهري، وذكر عن مالك بن أنس ﵀ نحوه، ذكره

стр. 807

الماوردي عنه وذكره بعضهم عن غير مالك، ثم قال: وقاله مالك على أن مالكًا قال: لا يضطر مسلم إلى دخول أرض الشرك. وذكر ابن قتيبة في ((المشكل)) أنه قال: نفيه من الأرض أن يقال من لقيه فليقتله، قم قال: ومن جعل النفي هذا أو يطلب في كل أرض يكون بها، فإنه يذهب إلى أن هذا جزاؤه قبل أن يقدر عليه؛ لأنه لا يجوز أن يظفر الإمام به فيدع عقوبته، ثم يقول: من لقيه فليقتله أو يجده، فيتركه ثم يطبه في كل أرض. وإذا كان هذا اختلفت العقوبات، فصار بعضها لمن لم يقدر عليه وبعضها لمن قدر عليه، وأشبه الأشياء أن تكون كلها فيمن ظفر به. (٣٣) - وقوله تعالى: ﴿ذلك لهم خزي في الحياة الدنيا﴾ الآية: أشار بالخزي في الدنيا إلى الحدود التي تقام عليهم، وأخبر أن

стр. 808

لهم في الآخرة مع إقامة الحدود عليهم في الدنيا عذاب عظيم. وظاهر هذا أن عقوبة المحارب لا تكون كفارة له كما تكون في سائر الحدود، وقد قال ﵊: ((من أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة))، ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب، والعذاب في الآخرة لمن لم يعاقب، ويجري ذنب الحربي مجرى غيره. (٣٤) - وقوله: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾: اختلف في تأويلها، فقيل: هذا في أهل الشرك. وقيل: في أهل الحرب من المسلمين وأهل الذمة وهو الأحسن كما قدمناه. واختلف في قبول توبة المحارب على قولين، أحدهما: أنها لا تقبل، قال ذلك من تأول الآية في غير المحاربين وهو قول الحسن. والثاني: أن توبته تقبل، قال ذلك من تأول الآية في المحاربين ورأى الاستثناء مردودًا عليهم وهو أحسن الأقوال كما قدمنا. والذين ذهبوا إلى أن توبته تقبل

стр. 809

اختلفوا في صفته على ثلاثة أقوال، أحدها: أنها لا تقبل منه إلا أن يخرج من دار الإسلام ويلحق بدار الحرب. الثاني: أنها لا تقبل منه إلى أن يكون قد لحق بدار الحرب. والثالث: أنها لا تقبل منه في جميع الأحوال، كان وحده لا فئة له أو كانت له فئة، ولم يلحق بدار الحرب أو كان لحلق بدار الحرب، وهذا القول أظهر لعموم الآية؛ إذ لم يخص محاربًا من محارب. واختلفوا أيضًا في صفة توبته التي تقبل منه على ثلاثة أقوال، أحدها: أن توبته تكون بوجهين، أحدهما: أن يترك ما هو عليه وإن لم يأت الإمام. والثاني: أن يلقي السلاح ويأتي الإمام طائعًا، وهو مذهب ابن القاسم. والقول الثاني: أن توبته إنما تكون بأن يترك ما هو عليه، ويجلس في موضعه، وتظهر لجيرانه. وأما إن أتى الإمام طائعًا وهو مذهب ابن القاسم، فإنه يقيم عليه حد الحرابة، وهذا قول ابن الماجشون. والثالث: أن توبته إنما تكون إلى الإمام وإن ترك ما هو عليه لم يسقط ذلك عنه حكمًا من الأحكام ........................................................

стр. 810

وإن أخذ قبل أن يأتي الإمام، وقول ابن الحسن أظهر لعموم قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾، وما يصنعه المحارب من الوجهين المذكورين فهو توبة فيجب أن يكف عنه بها. واختلف أيضًا فيما تسقط عنه التوبة من الأحكام على أربعة أقوال، القول الأول: أن التوبة لا تسقط إلا حد الحرابة، ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله تعالى، ومن حقوق عباده. والثاني: أن التوبة تسقط حد الحرابة، وحقوق الله تعالى في الزنا والقطع والسرقة وشرب الخمر وما أشبه ذلك. ويتبع بحقوق الناس في الأموال في ذمته، وفي الدم. والثالث: أن التوبة تسقط عنه حد الحرابة، وجميع حدود الله وما أخذ من الأموال إلا أن يوجد من ذلك شيء قائم فيؤخذ أ, يكون دم فيؤخذ به، وهي وراية ابن مسلم عن مالك، والرابع: أن توبته تسقط عنه جميع ما قبله من حقوق الله وحقوق الناس من دم أو مال، إلا أن يوجد شيء قائم بيده، وهذا القول أظهر على لفظ الآية؛ لأن الله تعالى قد قال: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ فظاهر هذا

стр. 811

أنهم يغفر لهم كل شيء، ولا يطالبون به. وقد اختلف في المحارب إذا امتنع فأمنه الإمام على أن ينزل. فقيل: أن له الأمان، ويسقط به حد الحرابة. وقيل: لا أمان له ويقام عليه الحد، وهو قول ابن الماجشون، والقول الأول أظهر؛ لأن هذا المحارب تاب قبل أن يقدر عليه فوجب أن تقبل توبته؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾. واختلف في القاطع في المصر هل يكون كالقاطع في الفيافي محاربًا أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان، أحدهما: أنه محارب، والأخرى أنه لا يعد محاربًا. وحجة القول الأول بأنه محارب عموم قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية، ولم يباشر القتل فإن جميعهم عندنا يقتل. وقال الشافعي: لا يقتل إلا من باشر القتل، ودليلنا عليه عموم الآية: ولا يجوز عندنا لولي الدم أن يعفو عن المحارب إذا أخذ قبل التوبة خلافًا لمن يحكي عنه أن عدوه جائز؛ لقوله سبحانه: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ بخطاب الآية. وقد اختلف في

стр. 812

الذمي هل يكون بالحرابة ناقضًا للعهد أم لا؟ على قولين: الأظهر منهما، على عموم الآية أنه لا يكون ناقضًا. وقد اختلف في الذي تقتضيه الآية من الأحكام في المحاربين هل هو على ترتيب أم لا؟ فقيل: الإمام مخير فيمن لزمته الحرابة بين أن يقتل ويصلب، وبين أن يقتل ولا يصلب، وبين أن يقطع أيديهم أرجلهم من خلاف وبين أن ينفيهم من الأرض، وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد والنخعي، وهذا هو المشهور من قول مالك، إلا أنه إذا قتل فلا بد من قتله عنده. واستحسن فيمن لم يقتل ولا أخذ مالًا أن يؤخذ فيه بأيسر العقاب، وحمل من قال هذا القول ((أو)) في الآية على التخيير. ومن حجتهم أن كل ما قال الله تعالى فيه: افعل كذا أو كذا فصاحبه بالخيار في فعل أي شيء شاء؛ مثل قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]، ومثل قوله في كفارة الأيمان: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩] الآية. وقيل: هي مرتبة باختلاف صفة المحاربين، فمن كان من المحاربين ذا رأي أو تدبير قتله، ومن كان ذا قوة وبطش قطع يده ورجله من خلاف ومن لم يكن ذا رأي ولا بطش عزره وسجنه. وذكر الماوردي ذلك عن مالك وطائفة من أهل المدينة. وقيل: هي مرتبة باختلاف افعالهم لا باختلاف صفاتهم،

стр. 813

فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب. ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب. ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف. ومن كثر وخوف ولم يقتل، ولم يأخذ مالًا عزر ولم يقطع ولم يقتل، وهو قول الحسن وابن عباس وقتادة والسدي، وهو مذهب الشافعي، ونحو هذا حكى اللخمي عن مالك. وقال أبو حنيفة: إن قتلوا أو أخذوا المال فالإمام بالخيار بين قتلهم وصلبهم وبين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ثم قتلهم، ومن كان معهم مهيبًا مكثرًا فحكمه كحكمهم. وقد اختلفت الروايات عن أبي حنيفة، ففي رواية إذا حارب وقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف وقتل وصلب، فإن هو قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا لم يقتل ولم يأخذ المال نفي، وهذا القول يقارب الأول في زيادة قطع اليد والرجل مضمومًا إلى القتل والصلب. وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يقطع الطريق ويأخذ المال ويقتل، أن الإمام فيه بالخيار إن شاء قطع يده ورجله من خلاف وصلبه، وإن شاء قتله ولم يقطع يده ورجله من خلاف ولم يصلبه، فإن أخذ مالًا ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف

стр. 814

وإن لم يأخذ مالًا ولم يقتل ونفي من الأرض، ونفيه وحبسه. وفي رواية أخرى أوجع عقوبة وحبس حتى يحدث خيرًا، وهو قول الحسن في رواية. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا اقتصروا على القتل قتلوا، وإن اقتصروا على أخذ المال قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخذوا المال وقتلوا فإن أبا حنيفة يقول: الإمام مخير بين أربع جهات: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن شاء قطع وصلب، وإن شاء صلب، وإن شاء قتل وترك القطع. ومن حجة من رتب أن قال: لما رأينا الله تعالى بدأ بالأغلظ فالأغلظ، فبدأ بالقتل، ثم الصلب، ثم القطع، ثم النفي علمنا أنه أراد الترتيب، ولو قصد التخيير لبدأ بالأخف فالأخف. ألا ترى كفارة الظهار والقتل قد بدأ فيها بالأغلظ فالأغلظ لما أراد الترتيب، وبدأ في كفارة الأيمان والأذي بالأخف فالأخف لما أراد التخيير. وهذه دعوى لا دليل عليها، بل الدليل في الآية قائم بنفسه على فسادها، ألا تراه

стр. 815

تعالى قال: ﴿أن يقتلوا أو يصلبوا﴾، فبدأ بالقتل وهو اخف من الصلب فذلك يوجب التخيير على مذهبهم بين القتل والصلب، وهم لا يقولونه، وقد قال تعالى في جزاء الصيد: ﴿هديًا بالغ الكعبة أو كفارة طاعم مساكين﴾ [المائدة: ٩٥] الآية، فبدأ بالهدي وهو أغلظ من الإطعام والصيام، كان ذلك على التخيير لا على الترتيب. واختلف إذا كان المال الذي أخذه المحارب أقل مما يقطع فيه السارق هل حكمه في ذلك كحكمه في أخذ الكثير أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه لا يقطع المحارب إلا إذا أخذ ما يقطع فيه السارق، ولم ير مالك ذلك، ورأى أخذه القليل كأخذه الكثير؛ وذلك لأن الحرابة واقع عليه قليلًا أو كثيرًا، ولم يأت في الشرع حد هل فاستحب عموم الآية في المحاربين لأنه من جملتهم، وقد استدل جماعة فقهاء قرطبة في أيام هشام بن عبد الحكم وحاجبه المنصور بن أبي عامر حين كشف عن عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي القاضي صاحب الرد وجماعة سواه فيما أرادوه من خلع هشام وقتل محمد بن أبي عامر والاستبدال من هشام بابن عمه عبد الرحمن بن عبد الله، ووجه بذلك كتابًا لعبد الملك بن منذر إلى بعض من واعده على ذلك فأحضره المنصور وأحضر الكتاب بحضرة فقهاء قرطبة وقاضيها ابن زرب، فاعترف

стр. 816

عبد الملك وأنه أراد أن يفعل فاستفتى فيه فكلهم أفتى بقتله واحتج بالآية: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، إلا أبا عمر ابن المكوي، فقال: لا أرى قتله لأنه رجل هم بالمعصية ولم يفعلها ولا جرد سيفًا ولا أخاف سبيلًا مع أن النبي ﷺ قال: ((أقيلوا ذي الهيئات عثراتهم))، فأخذ هشام بفتوى غيره من الفقهاء، فقتل عبد الملك وابن عمه عبد الرحمن بن عبد الله بن الناصر لدين الله. (٣٨)، (٣٩) - قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله﴾ إلى قوله: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم﴾: اختلف في هذه الآية هل هي عامة أم مجملة؟ فالأكثر أنها عامة، وذهب قوم إلى أنها مجملة، وقال قوم: كانت عامة فخصص منها أشياء، والعموم إذا خصص منه شيء بقي مجملًا. وهذا غير صحيح وفي كتب الأصول الشفاء من هذا. وإذا قلنا بالعموم، فإنما يجري حكم الآية على كل من يقع عليه اسم السارق إلا أن يقوم دليل على تخصيصه من ذلك أن ظاهر الآية يقتضي أن يقطع السارق كان مضطرًا إلى السرقة من جوع يصيبه أو غير

стр. 817

مضطر، إلا أنه اتفق مالك وأصحابه أنه لا يقطع من سرق على تلك الحال تخصيصًا له من العموم بما دلت عليه الآيات من تحليل الميتة للمضطر. ومن ذلك أن ظاهر الآية لا يقتضي أن السرقة يقطع فيها من حرز كانت أو غير حرز. وقد اختلف في ذلك: فأخذ قوم بهذا الظاهر وهم أهل الظاهر، فقالوا: من سرق ربع دينار أو قيمته فعليه القطع، وسرقه من حرز أو من غير حرز، إذا أخذه من ملك مالك لم يأتمنه عليه؛ لأن الله تعالى أمر بقطع السارق عمومًا، فبين النبي ﷺ المقدار الذي يقطع فيه ولم يبين الحرز. وذهب الجمهور إلى اعتبار الحرز، وقالوا: إن النبي ﷺ قد نص على اعتبار الحرز، وقال: ((لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل، فإذا أواه المراح أو الجرن فالقطع فيما يبلغ ثمن المجن))،

стр. 818

وقالوا: هذا مخصص لعموم الآية. ورأى بعضهم أن الآية تدل على اعتبار الحرز، ولا يحتاج إلى خبر يخصص به العموم، وذلك أن الله ﵎ إنما أمر بقطع السارق، والسرقة مأخوذة من المسارقة، فلا يكون الرجل سارقًا إلا فيما أخذ مما أخفي عنه وأحرز دونه مسارقة عن العيون وعن أهله. وأما ما أهمل بغير حرز أو ائتمن عليه، فليس أخذه سارقًا وإنما هو مختلس أو خائن لصاحبه، فإذا اعتل بهذا في سقوط القطع عمن سرق من غير حرز، فالعلة فيه أنه ليس بسارق، فأمر الله تعالى بقطع يد السارق غير متناول له. وإذا قلنا: إنه سارق وإنما أسقطنا عنه القطع بالسنة المخصصة لعموم الآية، فأمر الله تعالى متناول له بعمومه، وهذا الذي قاله بعضهم ضعيف؛ لأن المسارقة موجودة فيمن يأخذ من غير حرز إذا أخذه من غير أن يشعر به، وجمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج السرقة من الحرز؛ لأنه ما لم يخرجها فلم يسرقها بعد. وقال الحسن بن أبي الحسن: إنه يقطع وإن أخذ في الحرز. والقول الأول أظهر لما قدمناه، ومن ذلك أن ظاهر الآية يقتضي قطع السارق سرق قليلًا أو كثيرًا. وقد اختلف في ذلك على اثني عشر قولًا: - فذهب طائفة وهم أهل الظاهر إلى إيجاب القطع في القليل والكثير على ظاهر الآية، واحتجوا لذلك أيضًا بقوله ﵊:

стр. 819

((لعن الله السارق يسرق بيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)). - وذهب قوم إلى أنها لا تقطع في أقل من ثلاثة دراهم. - وذهب قوم إلى أنها لا تقطع في أقل من أربعة دراهم. - وذهب قوم إلى أنها لا تقطع في أقل من خمسة دراهم. - ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من عشرة دراهم. - ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من أربعين درهمًا. - ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وهذا قول مالك ومن تابعه، وهو أصح الأقوال وأجراها مع ظواهر الآثار المخصصة لما يقتضيه عموم الآية. والحديث الذي احتج به أهل الظاهر متأول على غير ما رواه، وهو يحتمل وجهين: إما أن يريد بالبيضة بيضة الحديد، وبالحبل حبل السفينة. وإما أن يريد بقوله ذلك التحقير والتقليل لسرقة السارق وإن كان يسرق كثيرًا كما قيل في العقيقة:

стр. 820

((أنها تستحب ولو بعصفور))، وهذا كثير في كلام العرب. واختلف في الذمي والعبد يسرقان هل يقطعان أم لا؟ فالجمهور على أنهما يقطعان. وذهب بعضهم إلى أنهما لا يقطعان. وقال بعضهم: العبد الآبق لا يقطع خاصة. والحجة لقول الجمهور عموم الآية، فمن ادعى التخصيص فعليه الدليل، وقد اختلف في المختلس هل يقطع أم لا؟ والأكثر على أنه لا يقطع، لأنه ليس بسارق، والله تعالى إنما أمر بقطع السارق خاصة. قال أبو عمر بن عبد البر: ولا أعلم أحدًا أوجب فب الخلسة القطع إلا إياس بن معاوية. واختلف أيضًا فيمن استعار شيئًا فحجزه هل يقطع أم لا؟ والأكثر على أنه لا يقطع؛ لأنه أيضًا ليس بسارق، ولا يجب القطع إلا على سارق. وما حديث المخزومية التي أمر رسول الله ﷺ بقطعها فقد اضطربت الأحاديث في أمرها، ففي بعضها أنها سرقت، وفي بعضها يسقط ذلك، فلا حجة فيه.

стр. 821

واختلف في نباش القبور، فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يقطع، وذهب مالك إلى أنه يقطع لأنه سارق، وقد قال تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾ الآية. وقال أبو عمر عبد البر: احتج من رأى القطع بقول الله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا * أحياء وأمواتا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]، وأن النبي ﷺ سمى القبر بيتًا، وليس في هذا كله ما يوجب تسليم القطع. وقد روي عن ربيعة بن عبد الرحمن أن النباش كالمحارب، وروي عن عبيد الله بن زياد أنه صلب نباشًا، وليس في ابن زياد أسوة ولا في أبيه قبله. واختلف فيما يجب فيه القطع من الأموال التي تتمول ويحل بيعها، فذهب أبو حنيفة إلى أنه يقطع فيها إلا فيما يسرع إليه الفساد منها، يريد الطعام. وذهب الشافعي إلى أنه يقطع أيضًا فيها كلها إلا فيما كان منها مباح الأكل، كالماء والحطب والكلأ. وذهب مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه إلى أنه يقطع فيها كلها سواء كان مما يسرع إليه الفساد أم لا، وسواء كان مباح الأكل أم لا. وحجة مالك رحمه الله تعالى عموم الآية: ﴿والسارق والسارقة﴾ الآية، فلا يخص شيء

стр. 822

منه إلا بدليل لا يعارضه دليل أولى منه. واختلف فيمن سرق خمر الذمي، فذهب مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه إلى أنه لا يقطع وعليه القيمة. وذهب عبد المالك إلى أنه لا يقطع ولا يلزم فيه قيمة. وذهب عطاء إلى أنه يقطع، وكأنه رأى عموم الآية يشمله. واختلف فيمن سرق حرًا صغيرًا أو أعجميًا كبيرًا، فعن مالك في قطعه روايتان، وبأن لا يقطع. وقال الشافعي وأبو حنيفة: ولو كان على الصبي حلي فيه مائة مثقال لم يقطع. قال ابن المنذر: وهذا خلاف ظاهر كتاب الله تعالى، ومن ادعى القطع في شيء من ذلك فحجته عموم الآية. وكذلك اختلفوا فيمن سرق عبدًا صغيرًا، فإنه لا يقطع عند أبي حنيفة. وقال الشافعي: يقطع تعلقًا بعموم الآية. واختلفوا فيمن سرق مصحفًا. فقال أبو حنيفة: لا يقطع، وقال الشافعي: يقطع تعلقًا بعموم الآية. واختلفوا فيما يجوز ملكه دون بيعه هل تقطع يد

стр. 823

سارقة أم لا؟ كالكلب ولحم الأضحية. فقال أشهب: تقطع. وقال ابن القاسم واصبغ: لا تقطع. وحجة من يرى القطع عموم. واختلف فيمن سرق قناديل المسجد أو شيئًا من أستار الكعبة، فعندنا أنه لا يقطع، وهو قول أبي حنيفة. وقال بعضهم: إن سرق ليلًا قطع وإلا لم يقطع. وقال الشافعي: يقطع أخذًا بعموم الآية. واختلف فيمن سرق من بيت المال هل يقطع أم لا؟ على قولين، فقيل: لا يقطع؛ لأن له فيه خطأ. وقيل: يقطع تعلقًا بعموم الآية. واختلف إذا سرق مالًا يده، ثم سرق ذلك المال بعينه مرة أخرى هل تقطع رجله؟ فقال أبو حنيفة: لا تقطع رجله. وقال مالك: تقطع تعلقًا بعموم الآية. واختلف في العبد يسرق من مال سيده أو سيدته، فالجمهور على أنه لا يقطع. وقال أبو ثور وأهل الظاهر: يقطع لظاهر قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، وقد جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه ما يرد هذا، قال: خادمكم سرق متعكم، ولم يقطع العبد، وذلك بمحضر الصحابة، ولم ينكر أحد منهم. واتفق الجمهور فيما علمت، على أن الأبوين لا يقطعان في سرقتهما من مال الابن فهما

стр. 824

مخصصان من عموم الآية. وذكر عن أبي ثور أنه قال: يقطع كل من سرق إلا أن يجتمعوا على أحد فيسلم للإجماع. فأم الأجداد والجدات فيهما عن مالك قولان. وأما الابن يسرق من مال أبيه، فعند مالك وابن القاسم أنه يقطع. وعند ابن وهب وأشهب أنه لا يقطع. وحجة من لا يرى القطع في شيء من ذلك عموم الآية. واختلف في الزوج والزوجة، فقيل: يقطع كل واحد منهما في سرقة صاحبه. وقيل: لا يقطعان. والقولان في المذهب لمالك، وقيل: إنه يقطع الزوج ولا تقطع الزوجة، وهو أحد قولي الشافعي. وحجة من يرى القطع العموم. وأما ما عدا هؤلاء من القرابة كالأخوة والأعمام والأخوال وغيرهم، فعندنا أن القطع واجب فيهم على من سرق. وذهب أبو حنيفة إلى أن لا قطع على من سرق من ذوي رحم محرم. والحجة عليه عموم الآية كما قدمناه. واختلف في السارق إذا بم توجد السرقة عنده قائمة وأقيم عليه الحد هل يتبع بها أم لا؟ فذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه إن كان

стр. 825

متصل اليسر ضمن قيمة السرقة، وإن كان عديمًا أم أعدم في بعض المرة لم يلزمه غرمها. وقيل: أيضًا لا يتبع بها في اليسر ولا في العدم، وهو قول أبي حنيفة، وقد ذكرها عن مالك نحوه. وقيل: إن المسروق منه مخير بين أن يقطع ولا يتبع بشيء وبين أن يتبع ولا يقطع. وقد نسب هذا القول لأبي حنيفة. وقيل: يتبع به اليسر والعسر، وهو قول الشافعي، ويرد هذا القول قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، ولم يوجب سوى ذلك. ويرد القول بالتخيير أيضًا قوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾، ولم يجعل في ذلك خيارًا لأحد، وإنما هو حد من حدود الله تعالى. فالمسائل المتعلقة بهذه الآية لا تنحصر، وإنما ذكرت منها ما ذكرت تعريفًا بمأخذ الأحكام من الألفاظ، وليستدل بها على غيرها. (٣٨) - وقوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾: اليد عند العرب من الأصابع إلى المنكب، وبحسب ذلك اختلف في القطع م نأن يكون؟ فالجمهور على أنه من الكوع، خلافًا لمن قال من الأصابع أو من المرافق أو الإبط؛ لأن اليد وإن كان يقع على ذلك كله، فإن فعل النبي ﷺ أزال ذلك الاحتمال وبين أن القطع من الكوع. وذكر بعضهم: أن إطلاق اسم اليد إنما يتعارض مع الكوع، قال: وقوله تعالى:

стр. 826

﴿وادخل يدك في جيبك﴾ [النمل: ١٢] يدل على ذلك، لأنه ممتنع أن يدخل يده إلى المرفق، وإن كان يقع على ذلك كله. وإذا قلنا: إنه يقطع من الكوع فبأي يد يبدأ اليمنى باليسرى؟ فذهب الجمهور إلى أنه يبدأ باليمنى. وذهب بعضهم إلى أن الابتداء باليسرى، والآية محتملة للقولين إلا أنه قد جاء عن النبي ﷺ في ذلك ما بين المراد بذلك، وذلك أنه ﵊ ابتدأ في القطع باليمنى، ويزيد هذه وضوحًا قراءة من قرأ: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾. واختلف على القول بأن تقطع اليمنى أولًا إن سرق ولا يمنى له. فقال مالك: تقطع رجله اليسرى، ثم عرضت عليه المسألة مرة أخرى فمحاها، وتأول قول الله تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾. وقال ابن القاسم: وقول الأول أحب إلي، وإن كانت يد السارق اليمنى شلا، فالقول فيها كالقول إذا لم يكن له يد يمنى ولا تقطع منه اليد الشلاء؛ إذ لا منفعة فيها كالقصاص. وقال الزهري وأبو إسحاق وأبو ثور: تقطع لأنها يد. قال ابن المنذر: وليس لقول من خالف ظاهر الكتاب معنى. وقد اختلف في السارق يسرق مرة بعد مرة، فذهب مالك رحمه الله

стр. 827

تعالى ومن تابعه إلى أنه تقطع يده اليمنى. وفي الثانية رجله اليسرى، وفي الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وفي الخامسة يضرب ويحبس. وذهب قوم إلى مثل هذا، إلا أنهم قالوا" يقتل في الخامسة. وذكر أبو مصعب عن مالك وغيره من أهل المدينة، والمشهور عن مالك الأول. واحتجوا بأنه ﵊ ((قتل سارقًا في الجاهلية))، وقد قيل في الحديث: إنه منسوخ، وقيل: أنه لا يصح. وأما الشافعي، فقال: مثل المشهور عن مالك، إلا أنه قال: يحبس في الخامسة ولا يضرب. وذهب قوم إلى أنه لا يقطع في السرقة إلا اليد اليمنى والرجل اليسرى خاصة، ثم يعزر بعد ذلك ولا يحبس، وهو قول أبي حنيفة. وذهب قوم إلى أنه لا يقطع من السارق إلى يده اليمنى خاصة، ثم إن سرق بعد ذلك عزر وحبس، وهو قول بعض أهل العراق، وعليه يتأولون الآية، ويحتجون بقراءة من قرأ: ﴿أيمانهما﴾ وذهب جماعة من التابعين من أهل الظاهر إلى أنه لا يقطع من السارق إلا اليدان خاصة، أخذًا بظاهر الآية؛ لأنه تعالى لم يذكر إلا الأيدي خاصة. ثم يعزر بعد ذلك ويحبس، ووجه الرد على من اقتصر على الأيدي من القطع، أن الله تعالى إنما ذكر الحكم في أول سرقة تقع من السارق، ولم يذكر الحكم فيه

стр. 828

إذا تكرر ذلك منه، وإنما ذلك من السنة، فيتبين بها وجوب القطع وتعيين العضو الذي يقطع. وإن قيل: إن العلة في أول سرقة موجودة في المرة الثانية الثالثة، فيجب القطع لوجود العلة، فتقول: إنه يبقى تعيين العضو المقطوع موقوفًا على السنة، وإن تعلق بعضهم بآية المحاربين في تعيين الرجل للقطع في المرة الثانية، فلا حجة فيه، فإن الجناية مخالفة للجناية، فالعقوبة مخالفة للعقوبة، فلا يصح القياس عليها مع أن حكم آية الحرابة إنما هو في المرة الأولى، والكلام في السرقة إنما هو فيما بعد الأولى، فقد تباين الأمران. ووجه السنة في ذلك أنه قد وردت أحاديث كثيرة في القطع على وفق مذهب مالك والشافعي رحمهما الله. وجمهور السلف متفقون على قطع الرجل بعد اليد والأخذ بالسنة في ذلك مع ورود الآية بغسل الرجلين أو مسحهما، ويشبه مسألة جزاء الصيد في الخطأ، وقد وردت الآية في العمد خاصة. وروي أن نجدة الخارجي كتب إلى ابن عمر يسأله هل قطع رسول الله ﷺ لرجل بعد اليد؟ فكتب إليه أن النبي ﷺ قطع الرجل بعد اليد. وأما وجه تعلق أبو حنيفة في أنه لا تقطع إلا يد واحدة ورجل، فلحديث يروى في ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه، وروي عنه أنه قال: لا يستنجي أي لا يتطهر لصلاة وذكر عن عمر رضي الله تعالى عنه

стр. 829

مثل قول علي، وأنه قال: لا تقطعوا يده الأخرى وذروه يأكل بها الطعام، ويستنجي بها من الغائط، ولكن احبسوه. ووجه قول مالك والشافعي، والرد على أبي حنيفة: أن رسول الله ﷺ روي عنه قطع اليدين والرجلين، والحديث بذلك عن النسائي وأبي داود، وقول رسول الله ﷺ وفعله يدلان على قول علي مع أن لعلي رضي الله تعالى عنه تفرادت في باب العقوبات هو غير تبع عليها كقطع أكف الصبيان إذا سرقوا، فإنه قد نقل عنه أنه كان يفعل ذلك، فلعل هذه الحكومة من جملة تلك التفردات التي له، فإن قال أصحاب أبي حنيفة: إنما قال الله : ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، فقد زاد على هذا وأوجب قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى، فقد زاد على النص، والزيادة على النص نسخ. فالجواب أن لا يقول لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ، وقد زدنا نحن وأنتم قطع الرجل زيادة على قطع اليد الذي جاءت به الآية ولم يكن ذلك نسخًا، وإن كان كذلك لم يبعد زيادة قطع اليد والرجل الأخرى، ولا يعد نسخًا. (٣٩) - وقوله تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم﴾: اختلف في توبة السارق وإصلاحه ما هما؟ فقيل: توبته ندمه على

стр. 830

ما مضى، وإقلاعه في المستقبل. وإصلاحه برد السرقة إن أمكنه، أو بإنفاقها في سبيل الخيرات إن لم يمكنه، وإصلاحه أيضًا في سائر أعماله، فإن الله يتوب عليه ويذهب عنه حكم السرقة فيما بينه وبينه. قال مجاهد: التوبة والإصلاح أن يقام عليه الحد. وقد اختلف في السارق يتوب قبل أن يصير إلى الحاكم هل يسقط عنه الحد أم لا؟ فعندنا أنه لا يسقط. وذهب الشافعي إلى أنه يسقط، وكأنه تأول هذه الآية على ذلك، وقاس توبة السارق على توبة المحارب، وليس ذلك عندنا كذلك؛ لأن ترتيب الكلام في آية السرقة وآية المحاربين يدل على ذلك؛ لأنه تعالى أمر السارق بإقامة الحد عليه، ثم عقب بذكر التوبة من غير استثناء فجعلها مستقلة بعد القطع، فدل على أن توبته لا تسقط الحد وإن أسقطت عنه الإثم إذا صحت توبته، وذكر تعالى إقامة الحد على المحاربين ثم استثنى منهم من تاب، فمن تاب منهم لا يقان عليه، فقال: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ الآية. وهاتان الآيتان أصل في أن تقبل توبة الزنديق

стр. 831

والساحر والزاني والشارب ومن أشبههم من المستترين بما كانوا عليه إذا كشفتهم البينة؛ لأنهم يتهمون أن يكون ذلك منهم تحيلًا لإسقاط الحدود عنهم. (٤٢) - قوله تعالى: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ الآية: اختلف في تفسير السحت فقيل: الرشاوي، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((السحت رشوة في الحكم))، وروي عن ابن مسعود أنه قال: السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي إليه هدية فيقبلها. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسيب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستعجال في المعصية. وقال

стр. 832

بعضهم: السحت هنا الحرام، وأصله في اللغة الاستئصال من قولهم: أسحته الله أي استأصله، وهو راجع إلى معنى الهلاك. وكذلك الحرام مهلك أهله، فأخذ الرشوة من هذا، وكذلك الهدية على الحكم، فإن الحاكم يجب عليه إظهار الحق، ففما أخذ عليه فهو رشوة، ومن أجل هذا منع الشافعي الصلح على الإنكار؛ لأن الذي ينكر إذا جعل القول قوله، فكأنه بما بذله من المال يدفع الظلم عن نفسه فهو كالرشوة في فعل واجب أو رفع ظلم. ومن هذا القبيل من يستشفع به إلى السلطان يتقي شره فيدفع إليه على ذلك رشوة، وقد لعن النبي ﷺ الراشي والمرتشي. (٤٢) - وقوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾: اختلف في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة، وأن الإمام مخير في الحكم بينهم إذا تحاكموا إليه، وهو قول مالك والمشهور من قول الشافعي. وذهب قوم إلى أنها منسوخة وأنه يحرم ترك الحك بينهم، وأن الإمام لا يكون مخيرًا في ذلك. والناسخ قوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، وقوله: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٨]، وأنه لا يجوز للإمام ردهم إلى حكامهم إذا حكموه، وإنما كان ذلك التخيير في أول الإسلام ليكون

стр. 833

ذلك أدعى لقلوبهم وأقرب، ثم نسح بما ذكرناه. وقد قال عمر بن عبد العزيز والزهري والشافعي في أحد قوليه في معنى قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]، إنه إن تجري عليهم أحكام المسلمين فيجب أن لا يردوا إلى حكامهم. وهذا القول في الآية بعيد؛ لأن النسخ حكم مبتدأ لا يكون معطوفًا على ما قبله، فعطف هاتين الآيتين على آية التخيير يدل على أنهما غير ناسختين لآية التخيير. والذين ذهبوا إلى القول الأول اختلفوا في تأويل الآيتين اللتين ذكر أنهما ناسختان. فقيل: إن قوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، وقوله: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾، معناه: فيما يتظالمون به بينهم. وقيلك إن المراد أن احكم بينهم إن حكمت، فهي على ما توجبه الآية الأخرى من التخيير. وقيل: إن الآية الأولى تضمنت التخيير في الحكم، وأنه ﵊ إن اختار الحكم حكم بينهم بحكم التوراة، وهو المراد بقوله: ﴿فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٢]، وبقوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٩]-أي في التوراة- إن حكمت، ثم نسخ ما فيها من الحكم بالتوراة يقوله : ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٨]، معناه: بما أنزل الله عليك في

стр. 834

القرآن إن حكمت. قالوا: فالآية ناسخة للحكم بالتوراة لا للتخيير في الحكم؛ إذ قد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز الحكم بينهم إلا بما في القرآن. وقال أبو الحسن: يحتمل أن يكون آية الإعراض عنهم قبل ضرب الجزية عليهم؛ لأنهم لم يكونوا حينئذ داخلين في حكم الإسلام، وإنما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ هدنة في أن لا يتعرض لهم ولا يؤخذون بشيء من أحكام الإسلام أمرنا بالحكم بينهم، فيكون حكم الآيتين جميعًا حكمًا ثابتًا غير منسوخ، ففرق بين أهل العهد والذمة. والأصح أنهما سواء، فيتحصل من هذا أن ما تظالموا فيه، متفق على أن الإمام يحكم بينهم فيه، وإن لم يحكموه، ويكف بعضهم عن بعض، ويكف غيرهم أيضًا عنهم؛ لأنهم إنما بذلوا الجزية على ذلك، فهو من الوفاء لهم، ولا خلاف في ذلك بين أحد من أهل العلم، وأن ما سوى ذلك من الأحكام إذا تحاكموا إلينا فيه، ففيه قولان، أحدهما: التخيير في الحكم. والثاني: إيجاب الحكم. وإذا لم يتحاكموا إلينا بدليل أنه لا يحكم علهم في الحدود شاؤوا أو أبوا وإن لم يحكمونا ولا رضوا بحكمنا، وهذا القول ترده آية التخيير على ما قدمنا. ففي الحدود التي يجب على الإمام أن يحكم فيها بين المسلمين، وإن لم

стр. 835

يترافعوا إليه، ثلاثة أقوال في أهل اللغة، أحدها: أنه يجب على الإمام أن يحكم بينهم فيها وإن لم يحكموه، وهو قول ضعيف. والثاني: لا يجب عليه إلا أن يحكموه. وقد قمنا وجه رده. والثالث: أ، ذلك لا يجب عليه وإن حكموه، وهذا القول هو الذي تعضده آية التخيير. وفي البيوع والنكاح والمعاملات وما أشبه ذلك مما لا يجب على الإمام أن يحكم بين المسلمين فيه إلا أن يترافعوا إليه قولان، أحدهما: أنه يجب عليه أن يحكم بينهم فيها إذا ترافعوا إليه ورضوا بحكمه. والثاني: وهو مذهب مالك الذي تعقده الآية أن ذلك ليس بواجب عليه وله أن يحكم أو يترك، وإذا رضي أحد الخصمين منهم بحكم المسلمين وأبى الآخر فلا يحكم بينهم بحكم المسلمين؛ لأن الله تعالى إنما قال: ﴿فإن جاؤوك﴾ يريد الخصمين، إلا أنه اختلف في العتق والطلاق إذا أبى المعتق والمطلق من تنفيذ ذلك، وطلب العبد أو الزوجة التنفيذ فيه بحكم المسلمين، فحكى سحنون عن المغيرة أن السلطان يحكم بطلاق المرأة وعتق الغلام، ذكر ذلك قيمن حلف بذلك وحنث ورفعت الزوجة والعبد أمرهما إلى السلطان، وإذا تراضيا أن يحكم بينهما حاكم المسلمين في طلاق وقع، فإن كان ذلك على أن يحكم بينهما في ذلك لو كانا مسلمين حكم بصحة الطلاق، وإن كان ثلاثًا منعه منها إلا بعد زوج. وإن قالا: احكم بما يجب على

стр. 836

النصراني عندكم إذا طلق، فالذي يحكم به بينهما أن ذلك ليس بطلاق، على مذهب الجمهور. وحكى ابن القصار عن ابن شهاب والأوزاعي والثوري أن طلاقهم طلاق واقع، وأنه إن طلق ثلاثًا ثم أسلم في الحال لم يقر معها، ولا تحل إلا بعد نكاح مستأنف، فإن قالا: احكم بيننا بما يجب في ديننا أو كانا يهوديين فقالا: احكم بما يجب في ذلك بالتوراة، لم يحكم بينهما؛ لأنا لا ندري هل ذلك مما غيروه أم لا، ولأن ذلك منسوخ بالقرآن. وقد قيل: إن حكم النبي ﵊ بينهم إذ ذاك قبل أن تكون لهم ذمة. واختلف في النصرانيين يرد أن التحاكم إلى حكم المسلمين ويأبى ذلك الأسقف، هل لحاكم المسلمين أن يحكم بينهما أم لا؟ فقال ابن القاسم: لا يحكم بينهما، وقال سحنون: له أن يحكم بينهما، وقول سحنون أجرى على ظاهر الآية؛ لأن قوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك فاحكم

стр. 837

بينهم﴾ إنما أراد به من يتحاكم إلينا منهم، ولم يذكر رضى أسقف ولا غيره. وهذه الآية قيل: إنها نزلت في المدينة بين بني قريظة وبني النضير وذلك أن بني النضير كان لهم شرف، فكانوا يؤدون الدية كاملة، وكان بنو قريظة يؤدون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية فحملهم على التسوية في ذلك، لم يكن لقريظة والنضير ذمة أصلًا، وقد أجلاهم رسول الله ﷺ ، وأهل الذمة لا يجوز ذلك فيهم، وهذا القول مروي عن ابن عباس، وروي عنه أيضًا وعن الحسن ومجاهد والزهري: أنها نزلت في القصة المشهورة من تحكيم النبي ﷺ في أمر الزانيين، فحكم عليهم بالرجم. وقد اختلف في هل حكم النبي ﷺ بينهما بحكم التوراة أم بحكم الإسلام؟ فذهب قوم إلى أنه إنما حكم بينهم بحكم التوراة؛ لأن حكم الإسلام في مثل هؤلاء أن لا حد عليهم، فحكم ﷺ بينهم بالرجم الذي هو حكم التوراة؛ إذ لم تكن لهم ذمة، فكان دمهم مباحًا، فإنما حكم النبي ﷺ بحكم الإسلام الذي هو القتل فيمن لم تكن له ذمة من الكفار، ووافق حكم التوراة، وإنما نزلت آية الجزية سنة تسع من الهجرة منصرف النبي ﷺ من حنين، قالوا وقوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم بالقسط﴾، أي بالقتل الموافق لحكم التوراة، وإلى نحو هذا ذهب مالك. وقال بعضهم: حكم النبي ﷺ بحكم التوراة الذي هو الرجم

стр. 838

ولم يفرقوا بين أهل الذمة وغيرهم. ثم نسخ الحكم بما في التوراة، وأمر أن يحكم بما في القرآن، وقيل: حكم النبي ﷺ بينهم بما في التوراة قبل أن تنزل آية الزنا، وأن هذا يقتضي الحكم بالتوراة فيما لم يجيء فيه عندنا حكم. وذهب قوم إلى أنه إنما حكم بينهم بحكم الإسلام؛ لأن الإسلام ليس بشرط في الإحصان، وأن اليهوديين والنصرانيين إذا زنيا حكم عليهما بالرجم إن كان ثيبيين، وبالجلد إذا كانا بكريين. قال الشافعي في أحد قوليه: إذا رضيا بحك المسلمين فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم بالقسط﴾ لا يريد به التوراة. ورجح الطبري هذا القول، قد قيل في مثل هذه النازلة: أنهما يجلدان ولا يرجمان، وروي عن أبي حنيفة وعن المغيرة من أصحاب مالك. قال أبو الحسن: وهذه الآية أيضًا تدل على أن الخمر ليست بمال لأهل الذمة ولا بمضمونة على متلفها عليهم؛ لأن إيجاب ضمانها على متلفها حكم بموجب أهواء اليهود، وقد أمرنا بخلاف ذلك لهم، لا نتعرض لهم في خمورهم، ولا في مناكحاتهم الباطلة. وقد فتح عمر رضي الله تعالى عنه سواد العراق، وكان أهلها مجوسًا، ولم يتعرض لمناكحاتهم الكائنة من قبل على اخواتهم وبناتهم ولا فرق بينهم.

стр. 839

(٤٥) - وقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ الآية: اختلف في قوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾، فقيل: هو ناسخ لآية البقرة، وقيل: بل هو مبين لها، ومفسر. وعلى اختلافهم في هاتين الآيتين يأتي اختلافهم في الرجل والمرأة هل بينهما قصاص ما لا؟ فأما في النفس، فالجمهور على أن القصاص بينهما واجب لعموم هذه الآية. وتأولوا آية البقرة على ما قد ذكرناه فيها. وذهب قوم إلى أنه لا قصاص بينهما إلا على صفة ما ذكرناها في سورة البقرة. وعلى ذلك تأولوا آيتها. ورأيت بعضهم قد حكى الخلاف في القصاص بينهما مطلقًا، فإن صح هذا القول فهو قول ثالث، وتعلقه إنما هو بظاهر آية البقرة. وأما القصاص بينهما فيما دون النفس، فالجمهور على وجوبه إلا أبا حنيفة، فإنه لم ير بينهما قصاصًا في الجراحات بوجه. وحجة الجمهور عموم قوله تعالى في هذه الآية: ﴿والجروح قصاص﴾. ومن ذلك اختلافهم في الحر والعبد هل بينهما قصاص أم لا؟ فأما في النفس فثلاثة أقوال: المذهب كله على أنه لا يقتص من الحر للعبد كان العبد للحر قاتل أم لا. ومذهب أبي حنيفة أن القصاص من الحر لعبد الغير واجب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾، ومذهب داود أن الحر يقتل بعبد غيره وعبد نفسه أيضًا لعموم الآية. وحجة القول الأول ما في آية البقرة من التخصيص الذي مقتضاه أنه لا يقتل الحر بالعبد؛ لأنه تعالى قال: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ [البقرة: ١٧٨]، والعام محمول على الخاص، فهذه الآية مفسرة لتلك. وأما

стр. 840

فيما دون النفس، فقولان: الجمهور على أنه لا يقتص من الحر للعبد في ذلك، وحجة مالك في هذا أنه إذا لم يكن بينهما قصاص في النفس لما قدمناه من دليل آية البقرة، فأحرى أن يكون ذلك بينهما فيما دون النفس. وذهب النخعي والبتي إلى إيجاب القصاص بينهما في الجراحات. ومن حجة من يقول هذا عموم قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]. ومن ذلك المسلم والكافر هل بينها قصاص أم لا؟ فأما في النفس فثلاثة أقوال، أحدها: أن يقتل المسلم بالكافر الذمي أو الحربي المستأمن، وهو قول أبي يوسف؛ لعموم قوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾. والثاني: أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي خاصة، وهو قول أبي حنيفة لعموم الآية أيضًا. والثالث: أنه لا يقتل المسلم بالكافر بوجه، وهو قول مالك ومن تابعه، ووجه الحجة لذلك قوله ﵊: ((لا يقتل مسلم بكافر))، فهذا الحديث مخصص ومبين. وأما في الجراح، فقولان: الجمهور على أنه لا قصاص بينهما في ذلك.

стр. 841

وذكر بعضهم: أن من الناس من يرى القصاص في الجراح بين الذمي والمسلم. ومن حجته عموم الآية قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، ومما يعضد قول مالك في نفي القصاص بين العبد والحر، والمسلم والكافر أن قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ الآية، إنما أراد بها الأحرار المسلمين، أن الله تعالى لم يخاطبنا بها في شرعنا، وإنما أخبر تعالى أنه كتبها في التوراة على قوم موسى عله الصلاة والسلام، وهم أهل ملة واحدة، ولم تكن لهم ذمة ولا عبيد؛ لأن الاستعباد إنما أبيح للنبي ﷺ وخص به هو وأمته من بين سائر الأمم، قال ﷺ : ((أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت جوامع الكلم، وبعثت إلى الناس كافة))، لقوله: ﴿إني رسول الله إليكم﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله في الآية بعدها: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥] يدل على أن الآية إنما أريد بها الأحرار المسلمون؛ لأن

стр. 842

العبد لا يتصدق بدمه، لأن الحق في ذلك لسيده. والكافر لا تكفر عنه صدقته، ولو كنا مخاطبين بها في شرعنا لوجب أن نخص من عمومها قتل الحر بالعبد والحرة بالأمة؛ لقوله في سورة البقرة: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد﴾ [البقرة: ١٧٨]، ونخص أيضًا من عمومها قتل المسلم بالكافر؛ لقول رسول الله ﷺ : ((لا يقتل المسلم بالكافر)). وناقض أبو حنيفة ومن تابعه في قوله: يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر، لأنه يحتج بعموم قوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾ في قتل الحر بالعبد، وهو لا يقتل الحر بعبده، وفي قتل المسلم بالكافر وهو لا يقتل المسلم بالحربي المستأمن. وناقض أيضًا في الجراح، لأنه قال: إنه يقتل الحر والمسلم بالعبد والكافر، ولا قصاص بينهما في الجراح، فجعل على قوله هنا أول الآية عامًا وآخرها خاصًا. وهذه الآية إنما يحص التفقه فيها على قول من يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا. (٤٥) - وقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾: عام في كل جرح في الرأس كان أو في الجسد، إلا أنه ليس على عمومه في العمد والخطأ؛ لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢] الآية، فأوجب الكفارة والدية دون القصاص. وهذا وإن كان في النفس، فما ...................................

стр. 843

دون النفس أولى، فخرج بهذا الخطاب في الجراحات من عموم قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، فلا قصاص فيها في الخطأ، وبقي العمد كله تحت العموم. ثم تخصص من ذلك العموم في العمد أيضًا ما يخاف التلف منه بدليل رفعه ﵊ القصاص في الجائفة والمنقلة والمأمومة، وكذلك كل ما كان في معناها من الجراح التي هي متالف مثل عظام الرقبة، والصلب والصدر، وكسر الفخذ ورض الأنثيين. وما أشبه ذلك، فخصص بهذا الدليل القصاص مما يخشى منه التلف من عموم الآية، ويخصص أيضًا من ذلك العموم القصاص مما لا يمكن القصاص منه مثل ذهاب بعض البصر والسمع والعقل، بدليل أن القصاص مأخوذ من قص الأثر أي اتباعه، قهو أن يتبع الجارح بمثل الجرح الذي جرح فيؤخذ منه دون زيادة ولا نقصان. وإذا لم يقدر على ذلك ارتفع التكليف؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فخص من عموم الآية جراح الخطأ كلها، ومن جراح العمد ما كان مخوفًا منه على النفس، وما لا يمكن القصاص فيه. وبقيت الآية على حكمها فيمن أمكن القصاص منه من جراح العمد، ولم يخش التلف فيه.

стр. 844

واختلف في هذا العموم المخصص هل هو باقٍ على عمومه أم مجمل؟ والأصح أنه باقٍ على عمومه. واختلف في الشجاج بين الناس، واضطراب في ترتيبها. والذي نقول: إنها عشرة، أولها: الخارصة، وهي التي تقشر الجلد قليلًا، وهي الدامية. ثم الدامغة، وهي التي يسيل منها دم. وقيل: هي والدامية سواء. ثم الباضعة، وهي التي تشق اللحم شقًا خفيفًا. ثم المتلاحمة، وهي التي أخذت في اللحم. ثم السمحاق، وهي التي لم يبق بينها وبين العظم إلا قشرة رقيقة، وهي أيضًا الملطا والملطاة، وقد قيل: إن السمحاق هي الخارصة. ثم الموضحة، وهي التي توشح عن العظم. ثم الهاشمة، وهي التي تهشمه. ثم المنقلة، وهي التي تكشر العظم فنتقل منه العظام. ثم المأمومة، وهي أيضًا الآمة وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي الدماغ، فذهب قوم إلى أنه يقتص من المأمومة، وشبهة هذا القول عموم الآية. وذهب قوم إلى أنه لا قصاص فيها كلها، وهو قول أبي عبيد، وهذا قول ضعيف يرده عموم الآية. وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يقتص من الموضحة فمنا دونها، لعموم الآية، ولا يقتص مما فوقها؛ لأنه مخصص من العموم بالدليل الذي قدمناه. وذهب أشهب إلى أنه يقتص من الهاشمة فمنا دونها، وذهب مالك في إحدى الروايتين عنه إلى أنه يقتص من المنقلة فما دونها، قال: ولا أرى هاشمة تكون في الرأس إلا كانت منقلة، فلم يعرف الهاشمة. وحجته في هذا أن المنقلة أكثر ما فيها رض العظم، وذلك لا يوجب التلف

стр. 845

غالبًا، فليست كالمأمومة، وهذه الشجاج التي ذكرنا هي التي تكون في الرأس. وقد اختلف في الجائفة، وهي من جراح البدن، ما وصل إلى الجوف ولو بدخل إبرة، فلا تكون إلا في الظهر والبطن. فذهب الجمهور إلى أنه لا قصاص فيها، وأنها مخصصة من عموم الآية بدليل الذي قدمناه. وقال عثمان البتي: كل جرح أستطيع القود منه كالجائفة، ففيه القود، ومن حجته عموم الآية، وقد ذكر ما يبطل هذا العموم، ويضعف قول البتي. وقد اختلف في القصاص من العظام التي ليس بمتالف كالذراعين والعضدين والقدمين والكعبين والساقين والأصابع والسن. فذهب الشافعي إلى أنه لا قصاص في شيء من ذلك، حتى في السن. وهذا يرده نص قوله تعالى: ﴿والسن بالسن﴾ [المائدة: ٤٥]، وظاهر قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]. وذهب أبو حنيفة والشافعي في المشهور عنه إلى أنه لا قصاص في شيء من ذلك إلا في السن؛ لقوله تعالى: ﴿والسن بالسن﴾، وهذا أيضًا يرده عموم قوله: ﴿والجروح قصاص﴾. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى إيجاب القصاص في كل ذلك لعموم الآية،
следующие страницы →