Полный текст (1 576 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وذكر بعضهم: أن من الناس من يرى القصاص في الجراح بين الذمي والمسلم. ومن حجته عموم الآية قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، ومما يعضد قول مالك في نفي القصاص بين العبد والحر، والمسلم والكافر أن قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ الآية، إنما أراد بها الأحرار المسلمين، أن الله تعالى لم يخاطبنا بها في شرعنا، وإنما أخبر تعالى أنه كتبها في التوراة على قوم موسى عله الصلاة والسلام، وهم أهل ملة واحدة، ولم تكن لهم ذمة ولا عبيد؛ لأن الاستعباد إنما أبيح للنبي ﷺ وخص به هو وأمته من بين سائر الأمم، قال ﷺ : ((أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت جوامع الكلم، وبعثت إلى الناس كافة))، لقوله: ﴿إني رسول الله إليكم﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله في الآية بعدها: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥] يدل على أن الآية إنما أريد بها الأحرار المسلمون؛ لأن
стр. 842
العبد لا يتصدق بدمه، لأن الحق في ذلك لسيده. والكافر لا تكفر عنه صدقته، ولو كنا مخاطبين بها في شرعنا لوجب أن نخص من عمومها قتل الحر بالعبد والحرة بالأمة؛ لقوله في سورة البقرة: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد﴾ [البقرة: ١٧٨]، ونخص أيضًا من عمومها قتل المسلم بالكافر؛ لقول رسول الله ﷺ : ((لا يقتل المسلم بالكافر)). وناقض أبو حنيفة ومن تابعه في قوله: يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر، لأنه يحتج بعموم قوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾ في قتل الحر بالعبد، وهو لا يقتل الحر بعبده، وفي قتل المسلم بالكافر وهو لا يقتل المسلم بالحربي المستأمن. وناقض أيضًا في الجراح، لأنه قال: إنه يقتل الحر والمسلم بالعبد والكافر، ولا قصاص بينهما في الجراح، فجعل على قوله هنا أول الآية عامًا وآخرها خاصًا. وهذه الآية إنما يحص التفقه فيها على قول من يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا.
(٤٥) - وقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾:
عام في كل جرح في الرأس كان أو في الجسد، إلا أنه ليس على عمومه في العمد والخطأ؛ لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢] الآية، فأوجب الكفارة والدية دون القصاص. وهذا وإن كان في النفس، فما ...................................
стр. 843
دون النفس أولى، فخرج بهذا الخطاب في الجراحات من عموم قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، فلا قصاص فيها في الخطأ، وبقي العمد كله تحت العموم. ثم تخصص من ذلك العموم في العمد أيضًا ما يخاف التلف منه بدليل رفعه ﵊ القصاص في الجائفة والمنقلة والمأمومة، وكذلك كل ما كان في معناها من الجراح التي هي متالف مثل عظام الرقبة، والصلب والصدر، وكسر الفخذ ورض الأنثيين. وما أشبه ذلك، فخصص بهذا الدليل القصاص مما يخشى منه التلف من عموم الآية، ويخصص أيضًا من ذلك العموم القصاص مما لا يمكن القصاص منه مثل ذهاب بعض البصر والسمع والعقل، بدليل أن القصاص مأخوذ من قص الأثر أي اتباعه، قهو أن يتبع الجارح بمثل الجرح الذي جرح فيؤخذ منه دون زيادة ولا نقصان. وإذا لم يقدر على ذلك ارتفع التكليف؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فخص من عموم الآية جراح الخطأ كلها، ومن جراح العمد ما كان مخوفًا منه على النفس، وما لا يمكن القصاص فيه. وبقيت الآية على حكمها فيمن أمكن القصاص منه من جراح العمد، ولم يخش التلف فيه.
стр. 844
واختلف في هذا العموم المخصص هل هو باقٍ على عمومه أم مجمل؟ والأصح أنه باقٍ على عمومه. واختلف في الشجاج بين الناس، واضطراب في ترتيبها. والذي نقول: إنها عشرة، أولها: الخارصة، وهي التي تقشر الجلد قليلًا، وهي الدامية. ثم الدامغة، وهي التي يسيل منها دم. وقيل: هي والدامية سواء. ثم الباضعة، وهي التي تشق اللحم شقًا خفيفًا. ثم المتلاحمة، وهي التي أخذت في اللحم. ثم السمحاق، وهي التي لم يبق بينها وبين العظم إلا قشرة رقيقة، وهي أيضًا الملطا والملطاة، وقد قيل: إن السمحاق هي الخارصة. ثم الموضحة، وهي التي توشح عن العظم. ثم الهاشمة، وهي التي تهشمه. ثم المنقلة، وهي التي تكشر العظم فنتقل منه العظام. ثم المأمومة، وهي أيضًا الآمة وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي الدماغ، فذهب قوم إلى أنه يقتص من المأمومة، وشبهة هذا القول عموم الآية. وذهب قوم إلى أنه لا قصاص فيها كلها، وهو قول أبي عبيد، وهذا قول ضعيف يرده عموم الآية. وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يقتص من الموضحة فمنا دونها، لعموم الآية، ولا يقتص مما فوقها؛ لأنه مخصص من العموم بالدليل الذي قدمناه. وذهب أشهب إلى أنه يقتص من الهاشمة فمنا دونها، وذهب مالك في إحدى الروايتين عنه إلى أنه يقتص من المنقلة فما دونها، قال: ولا أرى هاشمة تكون في الرأس إلا كانت منقلة، فلم يعرف الهاشمة. وحجته في هذا أن المنقلة أكثر ما فيها رض العظم، وذلك لا يوجب التلف
стр. 845
غالبًا، فليست كالمأمومة، وهذه الشجاج التي ذكرنا هي التي تكون في الرأس. وقد اختلف في الجائفة، وهي من جراح البدن، ما وصل إلى الجوف ولو بدخل إبرة، فلا تكون إلا في الظهر والبطن. فذهب الجمهور إلى أنه لا قصاص فيها، وأنها مخصصة من عموم الآية بدليل الذي قدمناه. وقال عثمان البتي: كل جرح أستطيع القود منه كالجائفة، ففيه القود، ومن حجته عموم الآية، وقد ذكر ما يبطل هذا العموم، ويضعف قول البتي. وقد اختلف في القصاص من العظام التي ليس بمتالف كالذراعين والعضدين والقدمين والكعبين والساقين والأصابع والسن. فذهب الشافعي إلى أنه لا قصاص في شيء من ذلك، حتى في السن. وهذا يرده نص قوله تعالى: ﴿والسن بالسن﴾ [المائدة: ٤٥]، وظاهر قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]. وذهب أبو حنيفة والشافعي في المشهور عنه إلى أنه لا قصاص في شيء من ذلك إلا في السن؛ لقوله تعالى: ﴿والسن بالسن﴾، وهذا أيضًا يرده عموم قوله: ﴿والجروح قصاص﴾. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى إيجاب القصاص في كل ذلك لعموم الآية،
стр. 846
ولقوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدة عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]، وبنحو ذلك من الآيات. وأما العظام المتالف كالفخذ والعنق والصلب والصدر فلا أذكر فيها نص خلاف، إلا أن يتخرج على قول البتي، وهو قول ضعيف. واختلف في القود من اللسان، فالجمهور على أنه لا يقاد منه لأنه مخوف. وذهب الليث بن سعد إلى أنه يقاد منه، وحجته عموم الآية. واختلف في الذي يقطع من رجل عضوًا وليس في بدن القاطع ذلك العضو بعينه، هل يتعدى إلى مثله أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا قصاص في ذلك. وذهب ابن شبرمة إلى أنه تفقأ العين اليمنى باليسر إذا لم يوجد اليسرى، واليسرى باليمنى إذا لم توجد اليمنى، وكذلك الأسنان والأضراس والأيدي. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن﴾ [المائدة: ٤٥] الآية، فمفهوم هذه المماثلة فمن صرفه إلى غير المماثلة فعليه الدليل. واختلفوا في نتف شعر من رأس رجل أو لحيته أو حاجبه أو أشفار عينيه، فالجمهور على أنه لا يقتص منه. وذهب الليث بت سعد إلى أنه يقتص. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، وهذا ليس بجرح، فلا قصاص فيه. ومن جعله جرحًا فعليه الدليل. واختلف في ولي المقتول إذا قام للقصاص فضرب، فقطع من القاتل عضوًا، فالجمهور على أنه لا قصاص في ذلك. وذهب مالك
стр. 847
رحمه الله تعالى إلى أن القصاص فيه واجب، وحجته عموم الآية. واختلف إذا كانت يد القاطع ناقصة أصبع، وقد قطع يد آخر، فقيل: لا شيء للمقطوع إلا القصاص. وقيل: له أن يقتص، ويأخذ دية أصبع. وحجة القول الأول ظاهر قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، وقوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦] الآية. واختلف في اليد الصحيحة باليد الشلاء، فالجمهور على أنه لا تقطع الصحيحة بالشلاء. وذهب داود إلى أنها تقطع بها. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ ومفهومه المماثلة، وليس هنا ما يماثل فيقطع. وعندنا أن على الجارح مع القصاص الأدب، وهو قول مالك رحمه الله تعالى. وقال عطاء: ﴿الجروح قصاص﴾ ليس للإمام أن يضربه ولا يسجنه، إنما هو القصاص ﴿وما كان ربك نسيًا﴾ [مريم: ٦٤]، ولو شاء لأمر بالضرب والسجن، واختلف في الأعور يفقأ عين الصحيح، فيل: لا قود عليه، وعليه الدية كاملة. وقيل: عليه القود، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وقال مالك رحمه الله تعالى: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية كاملة. وحجة من يرى القصاص قوله تعالى: ﴿والعين بالعين﴾ [المائدة: ٤٥]. واختلف في الأنف الذي يشم بالأنف الذي لا يشم، وأذن السميع بأذن الأصم، فقيل: يقاد منه
стр. 848
لعموم الآية، وقيل: لا يقاد؛ لأن المماثلة معدومة. واختلف فيمن قطع إصبعًا فذهب بسببها أصبع أخرى أو يد كلها، فذهب مالك إلى أنه يقتص من أصبع الجاني ويترك، فإن ذهبت كفه أو أكثر لم يكن له غير ذلك، وإن اندملت أصبعه وجبت عليه دية ما بقي، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا قود عليه في الأصبع، وإنما عليه ديتها. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤] الآية، وقوله: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦].
(٤٥) - وقوله تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾:
فيه ثلاث معان، أحدها: أن يكون قوله: ((من)) للمجروح أو لولي القتيل، والضمير في ((له)) عائد على المجروح أو القتيل، أي من فعل ذلك من جريح أو ولي جريح، فإن الله تعالى يكفر بذلك ذنوبه، ويعظم أجره. والثاني: أن يكون ((من)) للمجروح أو ولي القتيل أيضًا، والضمير في ((له)) عائد على الجارح أو القاتل وإن لم يتقدم لهما ذكر؛ والضمير في ((له)) عائد على الجارح أو القاتل وإن لم يتقدم لهما ذكر؛ لأن المعنى يقتضيه، أي من تصدق من جريح أو ولي قتيل بطلبه على الجارح أو القاتل فصفح عنه، فصنعه ذلك كفارة للجارح أو القاتل من ذلك الذنب مثل القصاص. والثالث: أن يكون ((من)) للجارح أو القاتل والضمير في ((له)) عائد عليه أيضًا، أي إذا جنى جان فخفي أمره فتصدق
стр. 849
به بأن عرف بذلك ومكن الحق من نفسه، فذلك كفارة لذنبه. وتصدق على هذا التأويل يحتمل أن يكون من الصدق، ويحتمل أن يكون من الصدقة. وذكر بعضهم: أن قومًا تأولوا الآية على أن المعنى: ﴿والجروح قصاص﴾، فمن أعطى دية الجرح وتصدق به فهو كفارة له إذا رضيت منه قبلت.
(٤٨)، (٤٩) - قوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾، وقوله بعد: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله إليك ولا تتبع أهواءهم﴾:
قد قيل في الآيتين: أنهما ناسختان لقوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك فاحكم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: ٤٢]، وقيل: هما مثلها في المعنى على ما ذكرناه فيما تقدم. وقيل: بل هما ناسختان للحكم بما في التوراة لا التخيير في الحكم، ويحتمل أن يقال: هما ناسختان لتخيير ولحكم بما في التوراة ولا خلاف أن الحكم بما في التوراة لا يجوز.
(٤٨) - وقوله تعالى: ﴿ولا تتبع أهواءهم﴾:
يدل على بطلان قول من قال بتقويم الخمر إذا استهلكت للذمي لأن ذلك من أهواء الكفار، ولا يصح الاستدلال به، على أن
стр. 850
الكفار لا يخلفون في بيعهم، ويقال: إن ذلك من أهوائهم؛ لأن اتباع أهوائهم إنما هو فيما ينفعهم، وهذا التحليف يضرهم فهو ضد اتباع أهوائهم.
(٤٨) - وقوله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾:
استدل به قوم على أن شريعة من قبلنا غير لازمة لنا. واستدل قوم آخرون بقوله: ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة﴾ [المائدة: ٤٣]، وبقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] الآية، على أن من شريعة من قبلنا لازمة لنا ما لم تنسخ.
(٤٨) - قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾:
استدل به قوم على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وهذا مما اتفق عليه في العبادات كلها، إلا في الصلاة فإنه اختلف فيها هل الصلاة في أول الوقت أفضل أم لا؟ فالمشهور في المذهب أن أول الوقت فيها أفضل. وقال بعض المالكية: الوقت كله سواء في الفضل. وقال أبو حنيفة: آخر الوقت أفضل. وأجمعوا في المغرب على أن أول الوقت أفضل. وحجة القول المشهور في المذهب الآية المتقدمة، وقوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون * أولئك المقربون * في جنات النعيم﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وفي الترمذي أن النبي ﷺ سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: ((الصلاة لأول وقتها)). واستدل بعضهم بهذه الآية أيضًا على
стр. 851
أن الصوم في السفر أفضل من الفطر خلافًا لمن رأى الفطر أفضل.
(٥١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾:
تدل هذه الآية على أن الموالاة بين المسلمين والكفار منقطعة شرعًا، وأن التوارث بينهم لا يصح.
وقوله تعالى في الكفار: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾: يدل على إثبات الشرع الموالاة بين الكفار حتى يتوارث اليهود والنصارى بعضهم من بعض، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وداود. وذهب مالك إلى أن النصراني لا يرث اليهودي، واليهودي لا يرث النصراني، والمجوسي لا يرث أحدًا منهما ولا يرثانه، ورأى هذه مللًا مختلفة، واعتمد على ظاهر قوله ﷺ : ((لا يتوارث أهل ملتين)).
стр. 852
وانفصل الشافعي وأبو حنيفة وداود عن هذا الحديث بأن الكفر كله ملة واحدة اليهود والنصارى والمجوس، والنبي ﷺ إنما عنى بالملتين المسلمين والكافرين، فيكون كقوله ﵊: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)). واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم﴾ [البقرة: ١٢٠]، قالوا: فجعلهم تعالى ((ملة واحدة)). وقال تعالى: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ [الكافرون: ٦]، فوحد الدين ولم يقل أديانكم. ولما اعتقد مالك رحمه الله تعالى أنواع الكفر مللًا مختلفة لم ير التوارث للحديث، ولقوله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾. وقد قال بعض الناس أن الملل أربعة: فالسامرية واليهود ملة، والصابئون والنصارى ملة، والمجوس ومن لا كتاب لهم ملة، والإسلام كله ملة. ويحكى هذا المذهب عن شريح
стр. 853
وشريك وابن أبي ليلى. واستدل بقوله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾، على منع إثبات ميراث المسلمين المرتدين، وأنه لبيت المال خلافًا لمن قال: إنه لورثتهم من المسلمين، وهو قول الأوزاعي وأحد قولي أبي حنيفة. خلافًا لمن قال: ما كسبه في إسلامه فهو لورثته، وما كسبه في ردته فهو للمسلمين، وهو أحد قولي أبي حنيفة. وخلافًا لمن قال: إن قتل على ردته فماله لورثته، وإن لحق بدار الحرب فماله للمسلمين، وهو قول الثوري، وخلافًا لمن قال: ميراثه لأهل الدين الذين ارتد إليه، وهو قول قتادة. وفي هذه الآية أيضًا والآية بعدها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء﴾ [المائدة: ٥٧] الآية، دليل على منع الاستنصار بالمشركين، وهو مذهب الشافعي. وأبو حنيفة جوز الاستنصار بهم على المشركين للمسلمين، والقولان في مذهب مالك رحمه الله تعالى، وكتاب الله تعالى يدل على خلاف ما قاله المجيزون، وقول النبي ﷺ : ((لن نستعين بمشرك)).
стр. 854
(٥٥) - قوله تعالى: ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾:
هذه الآية تدل على أن العمل القليل في الصلاة لا يبطلها؛ لأن عليًا رضي الله تعالى عنه تصدق بخاتمه وهو في حالة الركوع، وذلك لأنه عمل عمله في الصلاة ولم تبطل به صلاته، وقد أثنى الله تعالى عليه بذلك. وفيها أيضًا دليل على أن صدقة التطوع تسمى زكاة، ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ [الروم: ٣٩]، وذلك يتضمن النفل والفرض.
(٨٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ الآية:
اختلف في سبب نزول هذه الآية، فقيل: نزلت بسبب جماعة من أصحاب النبي ﷺ بلغت منهم المواعظ وخوف الله تعالى إلى أن حرم بعضهم النساء، وبعضهم النوم بالليل، وبعضهم الطيب، وهم بعضهم بالاختصاء وبقطع المذاكير، وكان منهم علي وعثمان بن مظعون وابن مسعود والمقداد وسالم مولى بين حنيفة رضي الله تعالى عنهم. قال بعضهم: ورفضوا اللحم، وأرادوا أن يتخذوا الصوامع، فلما أعلم النبي ﷺ بذلك قال: ((أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، وأنال الطيب، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) وكان فيما يتلى: ((من رغب عن سنتك
стр. 855
فليس من أمتك وقد ضل عن سواء السبيل)). وقيل: إنها نزلت بسبب أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف فأتى ابن رواحة وضيفه لم يتعش، فقال لزوجته: أما عشيتيه، قالت: كان الطعام قليلًا فانتظرتك، فقال حبست ضيفي من أجلي، طعامك علي حرام إن ذقته. فقالت هي أيضًا: وهو علي حرام إن ذقته إن لم تذقه. وقال الضيف: هو علي حرام إن ذقته إن لم تذوقاه، فلما رأى ذلك ابن رواحة قال: قربي طعامك، كلوا باسم الله، فأكلوا جميعًا، ثم غدا إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: ((أحسنت))، ونزلت الآية. وقيل: نزلت بسبب رجل أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني إذا أكلت اللحم انتشرت وأخذتني شهوتي فحرمت اللحم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 856
والطيبات هنا المستلذات.
(٨٧) - وقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾:
اختلف في تأويله، فقيل: هو نهي عن هذه الأمور المذكورة من تحريم ما أحل الله وشرع ما لم يأذن به، فهو تأكيد لقوله: ﴿لا تحرموا﴾. وقيل: المعنى لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله، فالنهيان على هذا تضمنا الطرفين، كأنه قال: لا تحرموا حلالًا ولا تحللوا حرامًا. ودليل هذه الآية أن التشديد في الأمو حتى يترك الإنسان ما أحل الله تعالى له تعبدًا غير جائز؛ لأنه تعالى نهى عن تحريم ذلك، وليس المراد أن يلفظ بلفظ التحريم خاصة، بل أن يتركه تشديدًا على نفسه، لفظ بالتحريم أو لم يلفظ به، وإلا فأي معنى للمنع من اللفظ بالتحريم إذا لم يمنع من المعنى الذي يؤدي إليه لفظ التحريم وترك المحللات على ما ذكرناه دون تلفظ بالتحريم هو المعنى الذي يؤدي إليه التحريم، فينبغي أن لا يجوز ذلك. وبعضهم لا يرى هذا المعنى الذي في الآية، ولذلك اختلفوا في الزهد ما هو؟ فقال بعضهم: ليس الزهد في شيء من الحلال، وإنما الزهد في الحرام؛ لأن العباد لم يؤمروا بالزهد فيما أحل لهم بل هم مأجورون على اكتسابه إذا تورعوا فيه، فلم من الأجر في ذلك ما ليس لتارك الاكتساب، فالوا: ففي التمتع بالحلال خصال لا يجوز الزهد فيها، منها:
стр. 857
الأجر على التحري والتورع في اكتسابه، وعلى الشكر لله تعالى على ذلك، ومنها: أنه قد يكون في تمتعه بالحلال عصمة من الحرام؛ لأن من أكل الطيب ولبس اللين ثم رأى غيره، قال: لم تدعه نفسه إلى الحسد ولا إلى طلب ذلك من الحرام. وقيل: الزهد فراغ القلب من الدنيا للاشتغال بالآخرة، فليس من الزهد أخذه لتفريغ القلب للآخرة. وليس ذلك من تعظيم الشهوة ولكن ليفرغ قلبه للآخرة، وقيل: الزهد إخفاء الزهد بلبس الحسن من الثياب، واتخاذ الأمتعة في البيوت، واستعمال الطيب من الطعام لئلا ينظر إليه الخلق فيتوهمون فيه الزهد فيحمدونه على ذلك؛ إذ القلب لا يمنع إذا ظهر منه التقشف والتقلل أن يرتاح لحب حمد الناس له على ذلك. وقيل: الزهد كله فيما حرم الله تعالى وما أحل، فهو معونة على الطاعة، وكل ما فعله العبد ليس فيه ثواب فهو معصية وقد وجب عليه الزهد فيه. وقيل: الزهد إنما هو الجوع وترك كل لذة، ومن أخذ شيئًا من اللذات أو تمتع ليستعين بذلك على طاعته كقيام الليل أو غيره فهو مخدوع، وترك ذلك العمل مع الجوع أفضل، وهذا قول ضعيف؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يبلغ بنفسه هذا المبلغ في التشديد كما
стр. 858
قدمناه من معنى الآية. وأسعد هذه الأقوال بالآية القول الأول، ولذلك اختلفوا في الاتساع في المكاسب والمباني من الحلال بعد أن اتفقوا على أنه غير محرم، فمن كاره ومن مبيح والإباحة لما قدمناه أليق.
وقد اختلف فيمن حرم على نفسه طعامًا أو شرابًا أو لباسًا أو أمة أو شيئًا من المباحات سور الزوجة هل يلزمه شيء أو لا؟ بعد اتفاقهم على أنه لا يحرم عليه شيء من ذلك.
فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يحرم عليه ذلك وأن عليه الكفارة في الأمة خاصة بمجرد التحريم من غير حاجة إلى وطئها، ولا شيء عليه في غير ذلك مما ذكرناه. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه لا شيء عليه في شيء من ذلك، ولا يحرم عليه لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات أحلت لكم﴾ [المائدة: ٨٧]، وقوله: ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالًا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩]. ودليل هاتين الآيتين أنه لا شيء علة من حرم شيئًا مما ذكرناه؛ لأن التحريم فيه لا ينعقد لنهي الله تعالى عنه؛ ولأن الله تعالى سماه افتراء، فإذا كان كذلك ولم ينعقد لم
стр. 859
تلزمه كفارة؛ لأن الكفارة ليست إلا فيما ينعقد من الأيمان.
واختلف فيمن قال لزوجته: أنت علي حرام على خمسة عشر قولًا أو نحوها، فقيل: هي ثلاثة ولا ينوي، وهو قول عبد الملك. وقيل: هي واحدة بائنة، ذكره ابن خويز منداد عن مالك. وقيل: هي واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز ابن أبي سلمة، وقيل: هي للتي لم يدخل بها واحدة، وللمدخول بها ثلاثة، وهو قول محمد بن عبد الحكم. وقيل: هي ثلاث إلا أن ينوي إذا أراد واحدة قبل الدخول ولا ينوي بعد، وهو مشهور قول مالك وابن القاسم، وهذه الأقوال تنبني على القول بأن لفظ الحرام لا ينوي فيه، ويحمل على أنه أراد به الطلاق. وقيل: إنه ينوي في قوله: أنت علي حرام، فإن أراد به الطلاق فهو الطلاق، ويختلف فيه على ما قدمناه، وإن أراد الظهار فهو الظهار، وهو قول سحنون. وقيل: إن أراد به الطلاق فهو الطلاق، وإن أراد به الظهار فلا ينوي إلا أن يقول في نسق عند لفظه بالتحريم أردت الظهار فيصدق، وهذا القول أيضًا لسحنون. وقيل: يلزمه الطلاق والظهار، وتطلق عليه، فإن تزوجها بعد لم يقربها حتى يكفر، وهو قول يحيى بن عمر، وهذا كله أيضًا على القول بأن التحريم محمول على الطلاق، إلا أن يراد به غير ذلك. وقيل: هو ظهار على كل حال، وهو مروي عن عثمان، وهو قول ابن
стр. 860
حنبل. وقيل: إن نوى ثلاثًا فهي ثلاث، وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة، وإن نوى يمينًا فهي يمين يكفرها، وإن لم ينو فرقة ولا يمينًا فهي كفارة، وهو قول سفيان الثوري. وقيل: إن نوى ثلاثًا فهي ثلاث، وإن نوى اثنين فهي واحدة بائنة، وإن لم ينو طلاقًا فهي يمين، وهو قول أبي حنيفة. وقيل: إن نوى طلاقًا فهي تطليقة وهو أملك بها، وإن لم ينو طلاقًا فهي يمين يكفرها، وهو قول ابن مسعود وابن عمر والنخعي وطاووس. وقيل: ليس قوله: أنت علي حرام بطلاق ينو به، فإن أراد به الطلاق فهو ما أراد منه، وإن قال: أردت تحريمًا بلا طلاق فعليه كفارة يمين، وليس بقول، وهو قول الشافعي. وقيل: أن الحرام يمين تكفر، وهو قول أبي بكر وعمر وابن مسعود وعائشة وابن عباس أيضًا وابن المسيب وعطاء وطاووس والأوزاعي وأبي ثور، واحتج أبو علي أن لفظ الحرام ليس من ألفاظ الطلاق، بقوله : ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك﴾ [التحريم: ١]، ولم يوجب به طلاقًا، وكان حرم على نفسه مارية، ثم قال الله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢]، وقيل: تحريم الزوجة كتحريم الماء ليس بشيء، ولا فيه كفارة ولا طلاق؛ لقوله تعالى: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل
стр. 861
الله لكم﴾. روي ذلك عن الشعبي ومسروق وأبي سلمة، وقال مسروق: ما أبالي حرمت زوجتي أو حفنة من ثريد. وقال الشعبي: أنت علي حرام أهون من نعلي، وقال أبو سلمة: ما أبالي حرمتها أو حرمت الفرات. وأصح هذه الأقوال قول مالك رحمه الله تعالى؛ لأنه أجرى على طريق النظر وأصح من جهة النقل عن السلف. واختلف فيمن طلق من لم يملكها أو أعتق من لم يملكه، مثل أن يقول: كل امرأة أنكحها فهي طالق أو كل مملوك أملكه فهو حر، وأن تزوجت فلانة فهي طالق، وإن اشتريت المملوك الفلاني فهو حر. فقال أبو حنيفة: يلزمه الطلاق والعتق سواء عم أو خص، وحجتهم أن ذلك طاعة يلزمه الوفاء بها. وذهب الشافعي إلى أنه لا يلزمه شيء من ذلك خص أو عم. وقد روي هذا القول عن مالك وقاله ابن وهب، قال: نزلت بالمخزومي حلف على امرأة معينة إن تزوجها فهي طالق، فأفتاه مالك بأن لا شيء عليه إن تزوجها، وروي عن ابن القاسم مثله، وقاله ابن عبد الحكم أيضًا، وإليه يذهب عامة أهل المدينة، وحجتهم قول النبي ﷺ : ((لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم)). وإذا لم يلزم النذر فاليمين أولى أن لا يلزم، قال: وأما الطلاق فإن الله تعالى لم يجعله في كتابه إلا بعد النكاح، فقال تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن
стр. 862
تمسوهن﴾ [الأحزاب: ٤٩]، و ((ثم)) لا توجب غير التعقيب. وقال مالك في المشهور عنه: إن خص أحدًا أو عين قبيلة أو جنسًا لزمه العتق والطلاق، وإن عم لم يلزمه، وحجته أن الله ﵎ نهى عن تحريم ما أحل الله لهم، ومن استثنى موضع طلاق أو عتق فلم يحرم على نفسه ما أحل الله. واختلف في الذي يصالح امرأته ويشترط عليها أن لا تتزوج حتى تفطم ولدها، فروي عن مالك أنذلك لا يلزمها، وإن اشترط. وقيل: يلزمها. وفي المسألة قول ثالث: أنه ليس للمصالحة على إرضاع ولدها أن تتزوج في الحولين، وإن لم يشترط ذلك عليها، وقيل: إن كان لا يضر بالصبي، لم يحل بينها وبين التزويج، فهذه أربعة أقوال، وعلى هذا يترتب الخلاف في المستأجرة على الرضاع هل لزوجها وطئها أم لا؟ واحتج مالك أن ذلك لا يزمه وإن اشترط عليه بقوله تعالى: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا﴾ [المائدة: ٨٧]، قال: وهذا يصالحها على تحريم ما أحل الله.
(٨٨) - وقوله: ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالًا طيبًا﴾:
﴿وكلوا﴾ في هذه الآية عبارة عن تمتعوا بالأكل والشرب واللباس والركوب ونحو ذلك. وخص الأكل بالذكر لأنه أعظم المقصود وأخص
стр. 863
المنافع بالإنسان. والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به. وقالت المعتزلة: كل ما صح تملكه والحرام ليس برزق، لأنه لا يصح تملكه، وكأنهم تأولوا ذلك على ظاهر هذه الآية، وليس كذلك بل دليل خطاب الآية أن الحرام رزق أيضًا؛ لأن تخصيصه الحلال من الرزق يدل على أن ثم منه حرامًا، فأمر تعالى بأكل الحلال، وسكت عن الحرام. وأقام بعضهم أن الحرام رزق من قوله تعالى: ﴿كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور﴾ [سبأ: ١٥]، قال: فذكر المغفرة مشيرًا إلى أن الرزق قد يكون حرامًا، وهذا استدلال ضعيف.
(٨٩) - وقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾:
قد بين تعالى في هذه الآية أن المؤاخذة المذكورة في آية البقرة هي المؤاخذة بالكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته﴾ [المائدة: ٨٩] الآية؛ لأنه تعالى إنما نفى اللغو ما أثبته لما عقدت به الأيمان. وقد اختلف العلماء في تحصيل اللغو وتحصيا ما عقدت به الأيمان اختلافًا كثيرًا، فروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما حرموا الطيبات من المآكل حلفوا على ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأبان أن الحلف لا يحرم شيئًا، فاللغو في الآية على هذا هو تحريم ما أحل الله تعالى، والمراد بقوله تعالى: ﴿بما عقدتم الأيمان﴾، الأيمان التي حلفوا بها على ذلك التحريم، فجعل تعالى في الأيمان كفارة، ولم
стр. 864
يجعل في التحريم شيئًا. وروي عن عطاء -وقد سئل عن اللغو في اليمين- فقال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ قال: ((هو كلام الرجل في بيته: لا والله، بلى والله)). وروي أيضًا عن عائشة ﵂ موقوفًا أنها قالت: لغو اليمين: لا والله، بلى والله. وروي مثله عن إسماعيل القاضي، فعلى هذا يكون معنى الآية: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، أي: من أيمانكم، وتكون الأيمان على هذا منها ما يؤاخذ به ومنها ما لا يؤاخذ به في معنى الكفارة دون اعتبار الحلف على ماض أو مستقبل، وهو مذهب الشافعي. وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلى أن الأيمان على ما مضى لا كفارة فيها، وأن الأيمان على ما يستقبل هي التي تتعلق بها الكفارة، فيكون معنى الآية على هذا: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، أي بالكفارة في الأيمان على ما مضى ولكن يؤاخذكم بها في الأيمان المستقبلة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿عقدتم الأيمان﴾ أن المراد به كل ما يتصور عليه عقد العزم في الأفعال. وبهذا لا يصح إلا في الأفعال المستقبلة، وأما
стр. 865
الماضية فلا يتصور عقد العزم عليها. قال بعضهم: وهذا ينتقض بالحلف على فعل الغير ونحوه، وفي هذا نظر. وقال بعضهم: اللغو أن يحلف على معصية أن يفعلها، فينبغي له ألا يفعلها ولا كفارة عليه بالحنث في ذلك. وروي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليتركها، فأن تركها كفارتها))، وقد مر في سورة البقرة الكلام على سائر التأويلات في الآية.
وقوله: ﴿بما عقدت الأيمان﴾ فيه ثلاث قراءات: عقدتم الأيمان مخفف ومشدد، وعاقدتم. وأصله كله من عقد الحبل. والأيمان هنا جمع يمين على حذف الزائد. ولم يختلف أن المراد بالأيمان ها هنا الأيمان بالله تعالى، فأما اليمين بالطلاق فيلزم الحانث بها الطلاق. وكذلك اليمين بالمشي إلى مكة يلزم الحالف بها الحانث المشي. وكذلك اليمين بصدقة المال تلزم أيضًا إن حلف على اختلاف بينهم في مقدار ما يلزم الحانث، وكذلك اليمين بالعتق يلزم الحانث بها العتق.
стр. 866
وكذلك سائر أفعال البر، وليس فيها لغو ولا كفارة، وهو قول الجمهور ومالك ومن تبعه. وقيل: يكون في اليمين بالله تعالى وبالطلاق وبغير ذلك من أفعال البر العتق فما دونه، وليس على الحانث بها إلا كفارة يمين، وهو قول شاذ، فالأيمان بهذه الأشياء كلها على هذا القول داخلة تحت قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته﴾، وقيل: اليمين بالله تعالى وبغيره من أفعال البر ما خلا العتق والطلاق ليس فيها إلا كفارة. فأما العتق والطلاق فيلزم الحانث بهما ما حلف عليه، فعلى هذا تكون الأيمان كلها داخلة تحت لفظ الآية ما عدا اليمين بالطلاق والعتاق. وقيل: بالله تعالى وبغير من أفعال البر العتق فمنا دونه ليس فيها إلا كفارة. وأما الطلاق فيلزم الحلاف به ما حلف عليه، فعلى هذا القول الأيمان كلها داخلة تحت لفظ الآية ما عدا الطلاق. وقد روي عن ابن القاسم في المشي إلى مكة أنه ليس على الحالف بها إلا كفارة، فهذا أيضًا هو قول من يرى في اليمين بالله تعالى والعتق والطلاق والصدقة ونحو ذلك لزمه أن يدخلها لغو اليمين أيضًا. ومن رآها خاصة لبعض الأيمان خص اللغو به أيضًا، والإجماع من المذهب على
стр. 867
خلاف ذلك. وحجة من يجري الأيمان كلها أو أكثرها في الكفارة واللغو مجرى واحدًا عموم ألفاظ هذه الآية، ومن خصص شيئًا منها فبدليل قام له على ذلك من قياس أو غيره، فيتحصل من هذا أن اليمين بالله تعالى مرادة بالآية بلا خلاف، وما عدا ذلك من الأيمان، فمختلف فيه. وقد اختلف في الأيمان له لازمة فحنث ولا نية له، فمن رأى أن الأيمان بغير الله تعالى لا تنعقد لم يلزم شيئًا. ومن راعى عرف الشرع في الأيمان، ورأى أن إطلاق اليمين إنما تحمل على الحلف بالله تعالى، أو رأى اليمين بالله تعالى أو بسائر الأشياء سواء ألزم الحانث كفارة يمين، ومن جعل الأيمان على عمومها وراعى كل يمين ومقتضاها ألزمه الكفارة والطلاق والعتق والصدقة والمشي والظهار، وهو قول الجمهور، إلا أن هؤلاء اختلفوا في عدد الطلاق: فمنهم من احتاط وأخذ فيه بأكثر ما يقع عليه اللفظ وهو الثلاث. ومنهم من أخذ فيه بأقل ما يقع عليه اللفظ وهي الواحدة إلا أن هؤلاء اختلفوا هل تكون بائنة أو
стр. 868
رجعية، وهذا الخلاف كله منصوص للمتأخرين، وممنوع في مذاهب المتقدمين فيه. والكفارة مأخوذة من كفر الذراع، وكفر الذراع فوق درعه، والكافر الليل، وهذا كله أصله الستر، وسميت بذلك لأنها تستر إثم الحانث وتغطيه.
(٨٩) - وقوله تعالى: ﴿إطعام عشرة مساكين﴾ الآية:
تضمنت هذه الآية أن كفارة تكون بأربعة أشياء: إطعام أو كسوة أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام، وهو فيما عدا مخير، وعلى ذلك حمل العلماء ((أو))، ولا يعلم بينهم في ذلك خلال، فأما الصيام فلا يجوز الرجوع إليه إلا بعد العجز عن أحد تلك الأشياء؛ لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ [المائدة: ٨٩]، فشرط جواز الصيام بعدم الوجد. وقد اختلف في صنف الطعام الذي أوجبه الله تعالى على الكفر، وفي قدره، فأم صنفه ففيه ثلاثة أقوال، وهذا الخلاف على القول بأن قوله تعالى: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩]. أراد بالتوسط التوسط في الصنف لا في القدر، أو أراد به التوسط في الأمرين جميعًا. فقيل: يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد وينحط عن الأعلى ويكفر بالمتوسط من ذلك. وقيل: يراعي في ذلك غالب عيش
стр. 869
البلد، وهو الصنف الذي يكفر به، وهذا القول في كتاب ابن المواز، وكل يتأول قوله تعالى في الآية: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ على قوله. وأما القدر ففيه اختلاف كثير، وهذا الخلاف على القول بأن المراد التوسط في القدر لا في الصنف أو التوسط فيهما جميعًا. فقيل: يطعم المكفر كل مسكين مدًا من طعامه بمد النبي ﷺ حيث كان، وهو قول الشافعي والفقهاء السبعة وأحمد وإسحاق، وهو قول ابن القاسم. وذكر إسماعيل القاضي أنه قال: يطعم ما يكفي ليومه، وقيل: إن أطعم بالمدينة أطعم مدًا لكل مسكين؛ لأنه وسط عيشهم وإن أطعم في سائر الأمصار أطعم وسطًا من عيشهم، وهو قول مالك رحمه الله تعالى. وقال الحسن بن أبي الحسن: إن جمعهم إشباعة واحدة، وإن أعطاهم أعطاهم مكوكًا مكوكًا. وقيل: يطعم نصف صاع لكل مسكين، وهو قول الثوري وأبي حنيفة. وقيل: يطعم كل مسكين نصف صاع من حنطة، وإن أعطى تمرًا أو شعيرًا فصاعًا صاعًا، وهو قول الشعبي وسائر الكوفيين. وقال ابن القصار: ومن الحجة على هذه المقالة قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾، وأوسط ما يطعم أهله ما غلب من العرف وهو ما يغدي ويعشي ويشبع، وليس في العرف أن
стр. 870
يأخذ الواحد صاعًا من شعير أو تمر، الذي هو عندهم ثمانية أرطال، ولا نصف صاع من بر وهو أربعة أرطال. والحكم معلق على الغالب لا على النادر، ويجوز أن يغدي المساكين ويعشيهم عند مالك والكوفيين. وقال الشافعي: لا يعطيهم غير المكيلة دفعة واحدة. وقال ابن القصار الجميع عندنا لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾، ولم يخص، فإن أطعم بالغداة والعشي فقد أطعم. وقال بعضهم: اختلف علماء السلف في التغدية والتعشية، ولذلك اختلف فيه الشافعي وأبو حنيفة. وظاهر قوله تعالى: ﴿إطعام عشرة مساكين﴾، يدل على جواز التغدية والتعشية، على ما قاله أبو حنيفة. إلا أن الشافعي يقول: لما قال: ﴿إطعام﴾ فمعناه: جعل المال طعمة لا أنه فعل الإطعام الذي يتعقبه التطعم. وقد قال ابن سيرين والأوزاعي: يجزيهم أكلة واحدة، ويتعلقون بلفظ الآية. واختلف هل يجوز أن يطعم الخبز نفارًا أم لا؟ ففي ((شرج ابن مزين)) أنه يجزئ، وهو الذي على أصل مالك رحمه الله تعالى. وعند ابن حبيب أنه لا يجزئ إلا بأدام وزيت أو لبن أو لحم ونحوه، فوجه القول بمراعاة الأدام قوله تعالى: ﴿من أوسط ما
стр. 871
تطعمون أهليكم﴾. ولا بد في إطعام الأهلين من أدام، والقاضي يفرضه مع الخبز باتفاق. ووجه الترك لمراعاة ذلك قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾ [المجادلة: ٤]. وعمومه يقتضي ما كان مأدومًا وغير مأدوم، فيتحصل في قوله تعالى: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ ثلاثة أقوال، أحدها: أنه أراد بالتوسط الصنف، والثاني: أنه أراد القدر، والثالث: أنه أرادهما جميعًا وهو الأظهر.
واختلف في الرجل لا يقدر على أكثر من الشعير، وأهل البلد يأكلون القمح، فقيل: ليس له أن يعطيها الشعير، وهو قول مالك في ((سماع يحيى)). وقيل: له أن يعطيها ذلك، وليس لها أن تمتنع منه، وهو ظاهر رواية أشهب عن مالك, ووجه الأول يدل عليه قوله تعالى: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾، إذ قد علم أن الرجل لا يطعم أهله إلا ما يجد ويقدر عليه. واختلف في قدر الكسوة التي تلزم المكفر، فقيل: الكسوة ثوب واحد لكل مسكين، تجوز فيه الصلاة، وهو قول الحسن ومجاهد. وقيل: لا يجزئ الثوب الواحد إلا إذا كان جامعًا مما قد يتزيا به كالكساء والملحفة. وقيل: الكسوة ثوبان لكل مسكين، وهو قول الحسن أيضًا وابن سيرين وأبي موسى الأشعري، وروي عن ابن عمر وجابر بن زيد والزهري. وقيل: الكسوة إزار وقميص ورداء، وقيل: يجزئ أقل ما يقع عليه اسم كسوة على الوسط، فكما يطعم الوسط كذلك يكسو الوسط، وهو قول أبي حنيفة. وقال قوم: يجزئ أقل ما يقع عليه اسم كسوة وهو أحد قولي الشافعي، وقد نسب إلى أبي
стр. 872
حنيفة. وقال الشافعي: يجزئ خرقة أو قلنسوة أو تكة وما أشبه ذلك. وقال سفيان: إن يكسو ثوبًا أو قميصًا أو ملحفة أو إزارًا أو عمامة. وروي عن مجاهد أنه يجزئ كل شيء، إلا التبان. وروي عن سلمان أنه قال: نعم الثوب التبان. وحجة هذا القول الأخذ بنفس اللفظ خاصة. وقال إسماعيل القاضي في قول الشافعي: هذا قول لم يسبقه إليه أحد من الصحابة ولا من التابعين، فلو قال في الإطعام لكل مسكين لقمة لمر قوله على نظام، ولكنه قال: من الطعام ما يكفي ليومه، ومن الكسوة ما لا تطلق العرب أن فاعله كاس ولا أن لابسه كاس، فيلزمه التناقض. وقال مالك رحمه الله تعالى: أقل ما يجزئ من الكسوة ما تجوز فيه الصلاة، وذلك ثوب للرجل ودرع وخمار للمرأة، وهذا أحسن ما تأولت عليه الآية؛ لأن إطلاق اللفظ بالكسوة يقتضي التقدير فيها، هذا هو الظاهر منه. وإذا كان مقدرًا فما راعاه مالك في ذلك أولى. وإن كسا الصغار جاز، ولا يكسوهم إلا كما يكسو الكبار. وقال ابن المواز -من رأيه- بل كسوة رجل كبير وإلا لم يجز. وقال أشهب وابن الماجشون: يعطي الأنثى إذا لم تبلغ الصلاة ثوب رجل ويجزئ. والحجة على ابن المواز قوله تعالى: ﴿أو كسوتهم﴾ فعم المساكين ولم يخص صغيرًا من كبير. ولا يجوز عندنا أن يخرج القيمة في شيء من الكفارات، وجوزها أبو حنيفة. والحجة عليه قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾
стр. 873
الآية، وإذا أخرج فلم يأت بما حد الله تعالى في الكفارة، وهو الاقتصار على الإطعام أو الكسوة أو العتق. وقال بعض الشافعية: لما ذكر الله تعالى الطعام والكسوة والتحرير دل ذلك على منع إخراج القيمة؛ لأنه لو جاز ذلك لكان التقدير في الآية حصول هذا القدر للمساكين ولو كان ذلك مقصودًا ما خير بين هذه الثلاثة الأشياء لتقارب قيمتها في الغالب من الأحوال، وهذا مثل احتجاجهم أيضًا في منع القيم في الزكاة بإيجاب رسول الله ﷺ في الجيران شاتين أو عشرين درهمًا مع التقارب غالبًا، وإيجاب الصاع في زكاة الفطر من التمر والزبيب والبر والشعير مع تفاوت قيمتها غالبًا، فهذه أقوى الحجج على إبطال القيمة. واختلفوا في عدد المساكين هل هو شرط في الإطعام أم لا؟ فعندنا أنه شرط لا بد من عشرة مساكين. وقال أبو حنيفة: إن شاء صرفه إلى هذا العدد، وإن شاء أعطاه مسكينًا واحدًا في عشرة أيام. وقال الأوزاعي: إن شاء صرفه إلى هذا العدد وإن شاء أعطاه مسكينًا واحدًا في وقت واحد. ودليلنا أنه تعالى جعل لكل مسكين جزء من الطعام، فلم يجز أن يسند واحد بجميعه. واختلفوا في كسوة بعض العشرة
стр. 874
المساكين وإطعام بعضهم أيجزئ أم لا؟ فعندنا أنه لا يجزئ. وقال الثوري: يجزئ. والحجة للقول الأول ظاهر الآية؛ لأنه تعالى إنما حد إطعام عشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين. وظاهر هذا إما أن ينفرد بالإطعام ولا يكسو، وإما أن ينفرد بالكسوة ولا يطعم، وأما أن يجمع بينهما فلا، ومن أجاز ذلك فهو مخالف لظاهر الآية. واختلف في العشرة المساكين الذين يطعمون أو يكسون هل يشترط فيهم الإسلام والحرية أم لا؟ فعندنا أن ذلك مشترط فيهم. وقال أبو حنيفة: ليس بشرط، وجائز أن يطعموا أو يكسوا. وحجته عموم الآية، وإن أطعم في الكفارة غنيًا وجهل غناه، فعن مالك أنه لا يجزئ. وعنه أيضًا أنه يجزئ. ولحجة للقول الأول قوله تعالى: ﴿عشرة مساكين﴾، فلم يجعل للأغنياء فيها حظًا، فلا يجزئ إطعامهم.
(٨٩) - وقوله تعالى: ﴿أو تحرير رقبة﴾:
قد مر الكلام على طرف من أحكامه في سورة النساء، فلا معنى لإعادته، وعندنا أنه لا يجزئ في هذه الرقبة أعمى ولا أبرص ولا مجنون، وهو قول جماعة من أهل العلم. وفي الأعور قولان في المذهب، وكذلك في الأصم والخصي، ومن العلماء من رأى أن جميع هذا يجزئ لعموم الآية عنده. وجوز النخعي عتق من يعمل اشتغاله وخدمته ومنع عتق من لا يعمل، كالأعمى والمقعد والأشل اليدين
стр. 875
والأعجمي يجزئ من قصر النفقة، قال مالك وغيره أحب إلي. قال سحنون: يريد بعد أن يجيب على الإسلام، فإن كان لم يجب إلا أنه ممن يجبر على الإسلام كالكبير من المجوس والصغير من الحربيين الكتابيين. فقال ابن القاسم: يجزئ عتقه وإن لم يسلم. وقال أشهب: لا يجزئ حتى يسلم. وحجة من أجاز عتقه عموم الآية، وإلا أن يقول من يشترط الإسلام أن الله تعالى قد شرط في عتق الرقبة في كفارة القتل الأيمان، وأطلقها هنا في كفارة اليمين، فيحمل المطلق على المقيد، فلا يجوز إلا عتق من آمن. وقد تقدم الكلام على هذا المعنى، وفي هذه الآية لمن يقول من الأصوليين: بأن الواجب يكون معينًا ويكون مبهمًا خلافًا لمن يقول منهم: لا يكون الواجب مبهمًا، لأنه تعالى قد أوجب على الحانث أحد هذه الثلاث ولم يعين واحدًا منها للوجوب، فالواجب منها واحد بغير عينه فهو مبهم.
- قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد﴾:
اختلف في عدم الوجد الذي يجوز معه الصيام ما هو؟ فقيل: إذا لم يجد بعد قوته وقوت عياله يومًا وليلة ما يطعم منه عشرة مساكين أو يكسوهم أو يعتق رقبة فهو من أهل الصيام، وهذا قول مالك والشافعي
стр. 876
وغيرهما. وقال ابن القاسم: من يفضل له نفقة يوم فإنه لا يصوم. وقال سعيد ين جبير: إن لم يكن له ثلاثة دراهم أطعم. وقال آخرون: جائز لمن تكن عنده مائتا درهم أن يصوم وهو ممن لم يجد. وقال آخرون: جائز لمن لم يكن عنده فضل على رأس ماله الذي يتصرف به في معاشه أن يصوم. وقال عطاء الخراساني: إن كانت عنده عشرون درهمًا أطعم، فإن كانت دون العشرين صام. وقال الشافعي: من له أن يأخذ من الصدقة له أن يصوم، والقول الأول أليق بألفاظ الآية على مفهومها.
- وقوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾:
اختلف هل هي متتابعة أم لا؟ فعند مالك أن تفرقتها جائز. وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز تفرقتها. وهذا أحد قولي الشافعي. وحجة مالك أن الله تعالى ذكر صيامها ولم يشترط التتابع، واحتج من خالفه بقراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. واختلف في العبد يحنث في يمين، إن أذن له السيد في الإطعام والكسوة والعتق، بعد اتفاقهم على أنه
стр. 877
لا يجب عليه إلا الصوم لأنه ممن لم يحد، إذ ماله أنما هو لسيده، فقال الشافعي: لا يجزيه إلى الصوم؛ لأن الإذن عنده لم يقع إلا وقد وجب الصوم للآية، فلم ينتقل ذلك بانتقال حاله. وقال أبو ثور: إنه يجزيه أن يطعم أو يكسو أو يعتق، إذا أذن له السيد؛ لأنه عنده ممن يجد فدخل تحت عموم الآية، ولم يراع حاله يوم حنث. وقال مالك رحمه الله تعالى: إن أطعم أو كسا بإذن السيد جاز، وفي القلب منه شيء، ولا يجزيه العتق لأن الولاء لغيره.
- وقوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم﴾ الآية:
إشارة إلى ما ذكرنا من الأشياء الأربعة. واختلف في الكفارة بماذا تجب؟ فعندنا أنه تجب بالحنث. وعن سعيد بن جبير أنها تجب بنفس الحلف، قال: لأن الله تعالى علقها بنفس الحلف لا بالحنث، فقال: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾، وليس هذا كما تأوله. المعنى: إذا حلفتم وأردتم الحنث أو حنثتم على القولين. ويبعد هذا التأويل قوله ﵊: ((فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه))، وروي فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه. وذلك ينفي وجوبها بنفس الحلف، فإن قيل: قد جاء عنه ﷺ : ((من حلف على يمين فرأى خيرًا
стр. 878
منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير))، فقدم التكفير على الحنث. فهذا يدل على أنها تتعلق بالحلف لا بالحنث. قيل له: المعنى في ذلك فليكفر عن يمينه إذا أراد الحنث، فيتحصل في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ ثلاثة أقوال، أحدها: أنه ليس في الآية إضمار، وأن المعنى إذا حلفتم فقد تعينت عليكم الكفارة، وهذا قول سعيد بن جبير. والثاني: أن في الآية إضمارًا، وكأنه قال: إذا حلفتم وأردتم الحنث. والثالث: أن التقدير: إذا حلفتم وحنثتم.
وبسبب الاختلاف في تأويل الآية اختلف العلماء في جواز تقديم الكفارة على الحنث على ثلاثة أقوال، فعن مالك روايتان، أحدهما: الجواز والأخرى المنع، وهو قول أبي حنيفة. الثالث: أنه جائز إلا في الصيام في الكفارات، فلا يجوز تقديمه على الحنث، لأنه عمل بدن فلا يقدم قبل وقته، وهو قول الشافعي، ووجه الروايتين عن مالك ما قدمناه في تأويل الآية، وأما قول الشافعي فضعيف.
(٨٩) - وقوله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾:
стр. 879
قيل: معناه احفظوا أيمانكم أن تحنثوا، وقيل: احفظوها أن تحلفوا بها. والقول الأول ضعيف، لأن الحنث مأمور به في كثير من الأيمان. وقد قال الله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢]، وأيضًا فإن اليمين قد يكون على فعل الخير، ولا يتأتى حفظ فعل الخير.
(٩٠)، (٩١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾:
اختلف في سبب نزول هذه الآية، فقيل: نزلت بسبب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فإنه ذكر للنبي ﷺ عيوب الخمر، وما نزل بالناس من أجلها ودعا الله تعالى في تحريمها، وقال: اللهم بين لنا بيانًا شافيًا، فنزلت. فقال عمر: انتهينا، وقيل: نزلت بسبب أن رجلًا من الأنصار صنع طعامًا فدعا إليه جماعة فيهم سعد بن أبي وقاص، فشربوا الخمر حتى انتشوا، فتفاخرت الأنصار مع قريش، فقال كل فريق: نحن خير منكم، فأخذ رجل من الأنصار لحي جمل فضرب به أنف سعد ففزره، وكان سعد أفزر الأنف فنزلت الآية. وقيل: نزلت في قبيلتين من الأنصار شربوا حتى إذا ثملوا عربدوا، فلما صحوا جعل كل واحد منهم
стр. 880
يرى الأثر في وجهه ولحيته وجسده، فيقول: هذا فعل فلان، فحدت بينهم ضغائن، فنزلت الآية. وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه؛ إذ قال للنبي ﷺ : ((هل أنتم إلا عبيد لأبي))، وهو سكران. وهذا الآية أبين آية في القرآن في تحريم الخمر؛ لأن كل آية سواها تحتمل التحليل والتحريم للخمر، وهذه الآية لا تحتمل إلا التحريم، فالخمر محرمة بالقرآن عند جميع أهل السنة، إلا أنهم اختلفوا هل بنص من القرآن أم بدليل؟ والذين ادعوا النص ادعوه في ثلاثة مواضع، أحدها في هذه الآية، قالوا: لأنه تعالى أمر باجتنابها وتوعد على استباحتها وقرنها بالميسر والأنصاب والأزلام، وهذا قول ضعيف؛ لأن ما يحتمل التأويل ليس بنص. وهذه الآية لولا ما اقترن بها من القرآن لكانت تحتمل الكراهة والتحريم، وما كان هكذا فليس بنص، وإنما هو دليل. والثاني: أن النص على تحريمها قائم في هذه الآية وفي الأنعام: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]، قالوا: فسماها في آية المائدة رجسًا ثم نص على تحريم الرجس في آية الأنعام.
следующие страницы →