Полный текст (1 576 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
وغيرهما. وقال ابن القاسم: من يفضل له نفقة يوم فإنه لا يصوم. وقال سعيد ين جبير: إن لم يكن له ثلاثة دراهم أطعم. وقال آخرون: جائز لمن تكن عنده مائتا درهم أن يصوم وهو ممن لم يجد. وقال آخرون: جائز لمن لم يكن عنده فضل على رأس ماله الذي يتصرف به في معاشه أن يصوم. وقال عطاء الخراساني: إن كانت عنده عشرون درهمًا أطعم، فإن كانت دون العشرين صام. وقال الشافعي: من له أن يأخذ من الصدقة له أن يصوم، والقول الأول أليق بألفاظ الآية على مفهومها.
- وقوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾:
اختلف هل هي متتابعة أم لا؟ فعند مالك أن تفرقتها جائز. وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز تفرقتها. وهذا أحد قولي الشافعي. وحجة مالك أن الله تعالى ذكر صيامها ولم يشترط التتابع، واحتج من خالفه بقراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. واختلف في العبد يحنث في يمين، إن أذن له السيد في الإطعام والكسوة والعتق، بعد اتفاقهم على أنه
стр. 877
لا يجب عليه إلا الصوم لأنه ممن لم يحد، إذ ماله أنما هو لسيده، فقال الشافعي: لا يجزيه إلى الصوم؛ لأن الإذن عنده لم يقع إلا وقد وجب الصوم للآية، فلم ينتقل ذلك بانتقال حاله. وقال أبو ثور: إنه يجزيه أن يطعم أو يكسو أو يعتق، إذا أذن له السيد؛ لأنه عنده ممن يجد فدخل تحت عموم الآية، ولم يراع حاله يوم حنث. وقال مالك رحمه الله تعالى: إن أطعم أو كسا بإذن السيد جاز، وفي القلب منه شيء، ولا يجزيه العتق لأن الولاء لغيره.
- وقوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم﴾ الآية:
إشارة إلى ما ذكرنا من الأشياء الأربعة. واختلف في الكفارة بماذا تجب؟ فعندنا أنه تجب بالحنث. وعن سعيد بن جبير أنها تجب بنفس الحلف، قال: لأن الله تعالى علقها بنفس الحلف لا بالحنث، فقال: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾، وليس هذا كما تأوله. المعنى: إذا حلفتم وأردتم الحنث أو حنثتم على القولين. ويبعد هذا التأويل قوله ﵊: ((فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه))، وروي فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه. وذلك ينفي وجوبها بنفس الحلف، فإن قيل: قد جاء عنه ﷺ : ((من حلف على يمين فرأى خيرًا
стр. 878
منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير))، فقدم التكفير على الحنث. فهذا يدل على أنها تتعلق بالحلف لا بالحنث. قيل له: المعنى في ذلك فليكفر عن يمينه إذا أراد الحنث، فيتحصل في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ ثلاثة أقوال، أحدها: أنه ليس في الآية إضمار، وأن المعنى إذا حلفتم فقد تعينت عليكم الكفارة، وهذا قول سعيد بن جبير. والثاني: أن في الآية إضمارًا، وكأنه قال: إذا حلفتم وأردتم الحنث. والثالث: أن التقدير: إذا حلفتم وحنثتم.
وبسبب الاختلاف في تأويل الآية اختلف العلماء في جواز تقديم الكفارة على الحنث على ثلاثة أقوال، فعن مالك روايتان، أحدهما: الجواز والأخرى المنع، وهو قول أبي حنيفة. الثالث: أنه جائز إلا في الصيام في الكفارات، فلا يجوز تقديمه على الحنث، لأنه عمل بدن فلا يقدم قبل وقته، وهو قول الشافعي، ووجه الروايتين عن مالك ما قدمناه في تأويل الآية، وأما قول الشافعي فضعيف.
(٨٩) - وقوله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾:
стр. 879
قيل: معناه احفظوا أيمانكم أن تحنثوا، وقيل: احفظوها أن تحلفوا بها. والقول الأول ضعيف، لأن الحنث مأمور به في كثير من الأيمان. وقد قال الله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢]، وأيضًا فإن اليمين قد يكون على فعل الخير، ولا يتأتى حفظ فعل الخير.
(٩٠)، (٩١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾:
اختلف في سبب نزول هذه الآية، فقيل: نزلت بسبب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فإنه ذكر للنبي ﷺ عيوب الخمر، وما نزل بالناس من أجلها ودعا الله تعالى في تحريمها، وقال: اللهم بين لنا بيانًا شافيًا، فنزلت. فقال عمر: انتهينا، وقيل: نزلت بسبب أن رجلًا من الأنصار صنع طعامًا فدعا إليه جماعة فيهم سعد بن أبي وقاص، فشربوا الخمر حتى انتشوا، فتفاخرت الأنصار مع قريش، فقال كل فريق: نحن خير منكم، فأخذ رجل من الأنصار لحي جمل فضرب به أنف سعد ففزره، وكان سعد أفزر الأنف فنزلت الآية. وقيل: نزلت في قبيلتين من الأنصار شربوا حتى إذا ثملوا عربدوا، فلما صحوا جعل كل واحد منهم
стр. 880
يرى الأثر في وجهه ولحيته وجسده، فيقول: هذا فعل فلان، فحدت بينهم ضغائن، فنزلت الآية. وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه؛ إذ قال للنبي ﷺ : ((هل أنتم إلا عبيد لأبي))، وهو سكران. وهذا الآية أبين آية في القرآن في تحريم الخمر؛ لأن كل آية سواها تحتمل التحليل والتحريم للخمر، وهذه الآية لا تحتمل إلا التحريم، فالخمر محرمة بالقرآن عند جميع أهل السنة، إلا أنهم اختلفوا هل بنص من القرآن أم بدليل؟ والذين ادعوا النص ادعوه في ثلاثة مواضع، أحدها في هذه الآية، قالوا: لأنه تعالى أمر باجتنابها وتوعد على استباحتها وقرنها بالميسر والأنصاب والأزلام، وهذا قول ضعيف؛ لأن ما يحتمل التأويل ليس بنص. وهذه الآية لولا ما اقترن بها من القرآن لكانت تحتمل الكراهة والتحريم، وما كان هكذا فليس بنص، وإنما هو دليل. والثاني: أن النص على تحريمها قائم في هذه الآية وفي الأنعام: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]، قالوا: فسماها في آية المائدة رجسًا ثم نص على تحريم الرجس في آية الأنعام.
стр. 881
ودعوى النص على تحريمها في هذا باطل؛ لأن الرجس مشترك الألفاظ المشتركة لا يدعى فيها ولو لم يكن لفظًا مشتركًا، وكان اسمًا لشيء واحد لما كان ذلك نصًا؛ لأنه تعالى سمى في آية المائدة الخمر وما ساق معها رجسًا، ثم حرم في آية الأنعام أشياء وسماها رجسًا، فغاية ما في هذا أن اسم الرجس يعم هذه الأشياء. ويحتمل أن يحرم الله تعالى بعض الرجس ولا يحرم بعضه. وقد يمكن أن يجعل هذا دليلًا على التحريم -وهو ضعيف- وذلك بأن يجعل قوله تعالى: ﴿فإنه رجس﴾ تعليلًا للتحريم أي حرمت هذه الأشياء لأنها رجس، فإذا كان الرجس علة التحريم فحيث وجدناها أصحبناها الحكم وهو التحريم، وقد وجدناها في الخمر؛ لأنه تعالى قد سماها رجسًا، فقد وجدت فيها العلة فينبغي أن يجري عليها هذا الحكم. ووجه الضعف في هذا القول أن الرجس الذي علله به التحريم لا يقطع بأنه الذي سميت به الخمر؛ لأنه اسم مشترك. والثالث: في آية البقرة وآية الأعراف، لأنه قال في البقرة: ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ [البقرة: ٢١٩]، فجعل الخمر إثمًا ثم نص على تحريم الخمر في الأعراف، فقال: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم﴾ [الأعراف: ٣٣]، ودعوى النص على التحريم في هذا أيضًا باطل؛ لأنه تعالى قد سماها رجسًا، فقد وجدت فيها العلة فينبغي أن يجري
стр. 882
عليها الحكم. ولم يسم الخمر في آية البقرة إثمًا ثم حرمه في آية الأعراف، إنما قال إن الخمر إثمًا فالإثم غير الخمر، فتحريم الإثم لا يلزم به تحريم الخمر، بل لو سماها إثمًا ثم حرم الإثم لم يكن نصًا؛ لأن قوله ((والإثم)) لفظ عام يحتمل التخصيص، فالنص بعيد منه، غاية ما في ذلك أن يكون دليلًا ما، وهو ضعيف. والذين لم يروا نصًا في القرآن على تحريم الخمر ورأوا أن تحريمها إنما هو بدليل منه، انتزعوا الأدلة من مواضع أثبتتها هذه الآية؛ لأن الأمر إذا ورد احتمل عند العلماء الوجوب والندب والإباحة. وهذا ما لم تقترن به قرينة، فإذا اقترنت به قرينة تدل على أحد الثلاثة الأشياء حمل عليها بلا خلاف منهم، وهذا الأمر بالاجتناب في هذه الآية قد اقترنت به قرائن تدل على أن المراد به إيجاب اجتناب الخمر وهي ما ورد بعقب الآية من ذم الرجس الذي سمي به الخمر ونسبته إلى الشيطان، والتوعد على إتيانه فيجب حمل الأمر على الإيجاب. وإذا كان اجتنابها واجبًا كان التلبس بها حرامًا، فخي حرام بهذا الدليل. ومن الناس من يخفى عليه هذا الدليل ويزعم أنها ليس بمحرمة في القرآن وأنه إنما حرمتها السنة المتواترة، ولا يصدر هذا إلا عن جهل بالأدلة. وبالجملة فتحريم الخمر معلوم من دين الأمة ضرورة إلا
стр. 883
ما يحكى عن قوم من المجانين والمتلاعبين بالدين: وأنهم يتعلقون بشيء يذكر عن عمرو بن معدي كرب لا يساوي ذكره لأنهم في هذا مخالفون أدلة القرآن ونصوص السنة المتواترة والإجماع المنعقد. وسميت الخمر خمرًا لأنها تخامر العقل، فإن قيل: يسمى كل ما يخامر العقل خمرًا أم لا؟ هذه مسألة اختلف الأصوليون فيها، فمن يرى منهم القياس في الأسماء جائزًا أطلق ذلك. وعلى ذلك يحمل قوله: ﴿إنما الخمر﴾ فيرى الخمر اسمًا عامًا لكل ما يخامر العقل ويجري عليه التحريم، إلا ما قام دليل على تخصيصه من لفظ الآية، هذا على القول بعموم ذلك اللفظ. ومن لا يرى القياس من الأصوليين يقول: وإن سميت الخمر خمرًا لأنها خامرت العقل فلا نقيس ذلك، ونقول: كل ما خامر العقل خمر؛ فهؤلاء لا يحملون لفظ الخمر في الآية إلا على ما أوقعته العرب عليه إلا أن يسمعوا عن العرب أن كل ما خامر العقل فهو خمر، فيطلقون عليه ذلك، ويحملون الآية على ما يحمله عليها الأولون؛ لأن هذا ليس بقياس يعد وإنما هو سماع. وقد اختلف في الخمر المحرمة ما هي اختلافًا كثيرًا، فذهب مالك وجمهور أهل العلم إلى أن كل مسكر
стр. 884
خمر كان ما كان فقليله وكثيره حرام؛ لقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ الآية. وذهب قوم من أهل العراق إلى أن الخمر المحرمة هي التي من عصير العنب إذا نش. وذهب بعض أهل العراق أيضًا إلى انها عصير العنب إذا نش وألقى الزبد. وذهب بعضهم إلى أنها خمر العنب والتمر خاصة على ما روي عنه ﵊ أنه قال: ((الخمر من الكرمة والنخلة)). وذهب بعضهم إلى أن الخمر المحرمة العين هي التي من عصير العنب، وأن نقع الزبيب والتمر والخمر غير طبيخ بمنزلة الخمر في تحريم العين، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وكل من خص اسم الخمر بشيء مما قدمناه، فإنه يقول: إن ما عدا ذلك حلال وإن أسكر لكن السكر منه حرام، لا حد على شاربه سكر منه أو لم يسكر، كشراب البيرة والشعير والذرة والعسل إلى غير ذلك. وهؤلاء المخصصون للخمر المحرمة بشيء دون شيء إن قالوا: إن اسم الخمر يقع أيضًا على تلك الأشياء التي ليست بمحرمة. قيل لهم: ما هذا التحكم، واسم الخمر في الآية مطلق غير مقيد. ومثل هذا إذا أطلق فهو محمول على العموم عند جمهور الأصوليين. وإذا كان كذلك فلم حصصتم ذلك من لفظ الآية، فإن ذكروا شيئًا من أحاديث النبي ﷺ مما لا يحتمل، وهو بعيد، عورضوا بالأحاديث الدالة على العموم التي لا يشك فيها مثل قوله ﵊: ((كل مسكر حرام وكل خمر حرام)) ونحو ذلك، مع
стр. 885
أنه ليس لهم حديث أظهر من التخصيص في قوله ﵊: ((الخمر من الكرمة والنخلة)) وهو حديث محتمل للتأويل، وإنما وقع الخلاف في هذه المسألة لأن هذا الاسم في خمر العنب أشهر منه في خمر غير العنب؛ لأن غير العنب من الخمور يسمى اسمًا آخر لتمييز نوع من نوع كالفضيخ والمزر والبتع ونحو ذلك. ومع هذا فإن شراب العنب مقصود غالبًا وغيره، وإنما يشرب عند أعواز العنب، فظن قوم لأجل هذه القرائن أن الخمر هي ما كان من العنب خاصة. ورأى آخرون أن اسم الخمر عام. ثم اختص كل شراب باسم كالفاكهة التي هي اسم عام، ثم سمي كل نوع منها باسم خاص؛ إلا أن هذا يجاب عنه بأن الخمر ليس كالفاكهة، فإن العنبي من الخمور ليس له اسم خاص بمشهور، وإنما يسمى خمرًا مطلقًا باسم الجنس بخلاف الفاكهة. والأصل الذي يعتمد عليه في هذا أن تحريم الخمر نزل وعامة أشربة المدينة ما عدا العنبي؛ لأن العنبي لم يكن بالمدينة. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: نزل تحريم الخمر وهو الفضيخ، في حديث أنس أنه نزل تحريمها وأنه البسر والتمر وهو خمرنا يومئذ. وفي حديث أنس أيضًا،
стр. 886
قال: حرمت الخمر يوم حرمت وما نجد خمور الأعناب إلا القليل. وفي حديثه أيضًا حرمت الخمر وهي العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة وما خمرت من ذلك فهو خمر. وروى النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: ((إن من الحنطة خمرًا، وإن من الشعير خمرًا، ومن التمر خمرًا، ومن العسل خمرًا))، فقد ورد في هذه الأحاديث أن الشراب من هذه الأشياء سوى العنب يسمى خمرًا. وأن التحريم نزل وخمر المدينة من غير العنب، فهذا كله يقضي بعموم اسم الخمر، لهذه الأشياء وما أشبهها. وقوله ﵊: ((كل مسكر حرام))، وقوله: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) يرفع كل إشكال. عندنا أن الخمر محرمة لعلة خلافًا لمن يقول: إنها محرمة لعينها، وهم أصحاب أبي حنيفة. والذين رأوا التحريم لعينها هم الذين خصوا التحريم ببعض
стр. 887
المسكر دون بعض، وقد قدمنا مذاهبهم. فأما مالك ومن تابعه ممن رأى التحريم في كل مسكر، فالخمر عنده محرمة لعلة. ولأصحاب مالك في إثبات العلة طريقان، أحدهما: الطرد والعكس وهو أنهم رأوا التحريم يوجد بوجود الإسكار في خمر العنب، ويفقد بفقدها، فحكموا أن العلة في تحريم خمر العنب ذلك الشيء الذي يوجد التحريم بوجوده ويفقد بفقده وهو الإسكار، وهذا يسمونه الطرد والعكس، فلما صح عندهم أن العلة في تحريم خمر العنب ذلك طردوا، فحيث وجدوا العلة ألزموا الحرمة. فيأتي على هذا أن كل مسكر حرام سميناه خمرًا أو لم نسمه خمرًا. والطريقة الثانية في إثبات العلة استنباطها من الكتاب، فإنه تعالى قال بإثر الآية باجتناب الخمر: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾، وهذا يسميه الأصوليون التنبيه على العلة، فنبه تعالى على أن علة تحريم الخمر كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتوقع العداوة والبغضاء. وهذا المعنى بعينه موجود في كل مسكر على حد سواء لا تفاضل بين الأشربة فيه، فوجب أن يكون حكم جميعها واحدًا، فما تقتضيه هذه الآية من التنبيه على العلة دل على فساد قول من يرى تحريم الخمر لعينها؛ لأنه لو كان كذلك لما أتى الله تعالى بهذه الصفات
стр. 888
التي تنتجها الخمر، وهذا كله على القول بأن لفظ الخمر مقصور على شيء دون شيء. وأما إن جعلناه عامًا في كل مسكر وهو الصحيح، لأنه قد جاء ذلك عن النبي ﷺ نصًا فلا يحتاج معه إلى استنباط علة، بل نقول: لفظ الخمر عام في كل مسكر، فيحمل عليه لفظ الآية؛ إلا أن يقوم الدليل على تخصيصه، ولم يقم فبقي على ما كان عليه.
- وقوله تعالى: ﴿والميسر والأنصاب والأزلام﴾:
وقد تقدم تفسير هذه الأشياء في مواضع.
- وقوله: ﴿رجس﴾:
اختلف في تأويله، فقيل: النتن، وقيل: السحت، وقيل: النجس، وبهذا يستدل من يذهب إلى أن الخمر نجس، وهو قول الجمهور. وذهب بعضهم إلى أنها غير نجس، ويرد عليه ما قدمناه، وقد أقام ابن لبابة القولين من المذهب. وقد اختلف في طبيخ المسكر، فذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا طبخت سلافة العنب حتى يذهب ثلثاها فشربها مباح. وأما نقيع الزبيب والتمر فيحل مطبوخها وإن مسته النار قليلًا من غير اعتبار لحد كام اعتبر في سلافة العنب. وقال بعضهم: إذا ذهب الثلثان فقد حلت، ولم يفرقوا. ومن أصحاب مالك من ذهب إلى هذا، ومن أهل
стр. 889
العلم من اعتبر ذهاب النصف، ومنهم من اعتبر ذهاب الثلثان، ومنهم من قال: ما يقع عليه اسم طبخ. وقال محمد وأبو يوسف: إذا عرض على النار أدنى عرضة حل، فمن يعتبر الطبخ فلا يعتبر الإسكار. وذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا يعتبر الطبخ وإنما يعتبر الإسكار، والمطبوخ وغير المطبوخ سواء، وهذا هو الصحيح؛ لأنه لا يخلو المطبوخ من أن يكون مسكرًا أو غير مسكر، فإن كان مسكرًا فهو خمر. وقد قال تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ الآية، وإن كان غير مسكر فليس بخمر، فلا معنى لتحريمه ولا معنى لاعتبار الطبخ. واختلف في الخمر للمضطر أحرام أم حلال؟ ففيه في المذهب قولان، وحجة التحريم عموم النهي في هذه الآية. واختلفوا في الخمر أيضًا يتداوى بها، فلم يجزها مالك وأصحابه، وأجازه أبو حنيفة والثوري والشافعي. وحجة مالك عموم الآية أيضًا، وعلى شارب الخمر عند العلماء الحد، إلا أنهم اختلفوا في مقداره، لما جاء من السنة في ذلك. وذهب قوم إلى أن الحد ليس بواجب، قالوا: لأن رسول الله ﷺ لما أراد أن يحد شارب الخمر هرب، فدخل دار العباس، فسأله العباس تركه، فتركه، فلو كان واجبًا ما تركه. قالوا: ومن حجتهم أن الله تعالى حرمها ولم يذكر فيها حدًا، فلو كان فيها حد واجب لذكره كما فعل في سائر الحدود، وهذا كله
стр. 890
ضعيف. أما حديث العباس رضي الله تعالى عنه، فلعل ذلك قبل وجوب الحد في الخمر أو فبل أن ينزل تحريم الخمر. وأما خلو الآية منه، فلا يدل على ذلك. وكم من نازلة وكل إلى النبي ﷺ الحكم فيها، وقد كان الله تعالى قديرًا على أن ينزل فيها حكمًا. وسيأتي الكلام على اللبن إذا أسكر والسكران أيضًا في موضعه.
(٩٣)، (٩٤) - قوله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا﴾ إلى قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله﴾:
سببها أنه لما نزل تحريم الخمر، قال قوم من الصحابة: يا رسول الله! كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر، ونحو هذا من القول، فنزلت الآية. وهذا نظير سؤالهم عمن مات على القبلة الأولى فنزلت: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]، فأعلم الله تعالى عباده في هذه الآية أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي، وأولئك الذين ماتوا قبل التحريم لم يعصوا بارتكاب محرم؛ لأن هذه الأشياء لم تكن حرمت قبل. والتكرار في قوله تعالى:
стр. 891
﴿واتقوا﴾ يقتضي في كل تكرارة زيادة على التي قبلها، وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات. ثم اختلف المفسرون في تأويل التكرار، فقال قوم: الرتبة هي اتقاء الشرك والكبائر، والإيمان على كماله، وعمل الصالحات. الرتبة الثانية هي الثبوت والدوام على الحالة المذكورة. والرتبة الثالثة هي انتهاء التقوى بهم إلى امتثال ما ليس بفرض من النوافل في الصلاة والصدقة وغير ذلك، وهو الإحسان. وقال قوم: الرتبة الأولى لما في الزمان، والثانية للحال، والثالثة للاستقبال. وقال قوم: الاتقاء الأول هو في الشرك والتزام الشرع، والثاني في الكبائر، والثالث في الصغائر. وهذه الآية لكل مؤمن وإن كان عاصيًا أحيانًا إذا كان الغالب على أمره الإحسان، فليس على هذا الصنف جناح فيما طعم مما لم يحرم عليه، هذا هو التأويل الصحيح في هذه الآية الذي يذهب إليه أهل السنة. وقد تأول قدامة ابن مظعون الجمحي من الصحابة الآية على أنها عامة فيمن طعم من المؤمنين الخمر، وإن كان بعد تحريمها. ورأى أن الجناح مرفوع عنه، لوقوع ذلك منه حكاية طويلة تقتضيه، وذلك أنه كان ختن عمر بن الخطاب ﵁ حال أولاده، فولاه عمر على البحرين، فقدم الجارود على عمر بن الخطاب من البحرين وشهد
стр. 892
عليه بشرب الخمر هو وأبو هريرة فقال: لم أره يشرب ولكنني رأيته سركان يقيء. فقال له عمر: لقد تقطعت الشهادة. ثم كتب عمر إلى قدامة، فألح الجارود على عمر في إقامة الحد عليه حتى قال له عمر: ما أراك إلا خصمًا، وما شهد معك إلا رجل واحد. فقال أبو هريرة: إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى هند ابنة الوليد واسألها، وهي امرأة قدامة ﵂، فبعض إليها فأقامت الشهادة على زوجها، فقال له عمر: إني حادك. قال: لو شربتها كما يقولن لم يكن لك أن تحدني. فقال عمر: لم؟ قال: لأن الله تعالى يقول: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية. قال له عمر رضي الله تعالى عنه: أخطأت في التأويل، إنك إن اتقيت الله تعالى اجتنبت ما حرم عليك، ثم حده عمر. قالوا: ولم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره.
(٩٤) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لبلونك الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾ الآية:
قوله تعالى: ﴿ليبلونكم﴾ معناه: ليخبرنكم، والمعنى في
стр. 893
الآية: ليختبرنكم هل تصيدون في الحرام وأنتم حرم؛ لأنه تعالى حرم الصيد في هاتين الحالتين، وإنما أراد تعالى أن يرى في ذلك طاعة العرب أو معصيتهم، وقد كان الصيد أحد معاشهم وشائعًا في جميعهم، فابتلاهم الله تعالى فيه بالإحرام والحرم كما ابتلى بني إسرائيل في أن لا يعدوا في السبت.
- قوله تعالى: ﴿أيديكم ورماحكم﴾:
قال مجاهد: ما تناله الأيدي هو البيض والفراخ وما لا يستطيع أن يفر، وما تناله الرماح كبير الصيد الذي لا يقدر على أخذه بالأيدي، وإنما خص الله تعالى الأيدي بالذكر لأنها عظيمة التصرف في الصيد، وفيها تدخل الحبالات والفخاخ والشباك والجوارح، كذا خص الرماح بالذكر لأنها معظم ما يجرح به الصيد. وفيها يدخل السيف والسهم ونحو ذلك.
- وقوله تعالى: ﴿من الصيد﴾:
يحتمل أن تكون ((من)) فيه للتبعيض يريد صيد البر؛ لأن الله تعالى
стр. 894
أحل للمحرمين صيد البحر، فقال: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦] الآية. ويحتمل أن تكون أيضًا للتبعيض، إلا أن التبعيض لا يكون في الصيد، ولكن يكون في الحال للصيد، وهي حال الحرمة، فصيد هذه الحال بعض الصيد. كما أن صيد البر بعض الصيد كذا ذكر بعضهم هذين الاحتمالين. ويعني عندي أن تكون ((من)) للتبعيض في الحالتين جميعًا، أي من صيد البر في حال الحرمة. قال بعضهم: ويجوز أن تكون لبيان الجنس. قال الزجاج: وهكذا كما تقول: لأمتحننك بشيء من الورق؛ وكما قال تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠]. وقد اختلف في صيد الكتابي اليهودي والنصراني على ثلاثة أقوال، أحدها: المنع. والثاني: الكراهة. والثالث: الجواز. والمنع قول مالك، واحتج بقوله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ يريد أن المخاطبين بالآية المسلمون خاصة، فل يجوز صيد غيرهم لذلك. وذكر ابن المواز عن مالك أنه كرهه. وقال أشهب وابن وهب: هو كي حلال. وقال ابن حبيب: كانا يريانه بمنزلة ذبائحهم، وأنه دخل
стр. 895
في قوله : ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]، وهو أحسن لأنها ذكاة كلها، ولا فرق بين تذكيتهم الإنسي والوحشي، وهو طعام لهم داخل في عموم الآية. وأما قوله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾، فليس المراد بها جنس الصائد، وإنما المراد ابتلاء المحرم ليعلم صيده إذا وجده ووقوفه عنه، ومخافته بالغيب فيما يخفى له ولا يظهر عليه فيه، كما ابتلى اليهود في الصيد يوم السبت. واختلف أيضًا في صيد المجوسي. ففي المذهب أنه لا يجوز، وأجازه بعضهم. ومن حجة المنع الآية على ما قدمناه.
واختلف في الصيد يثيره إنسان ويأخذه آخر، فقيل: إنه المثير. وقيل: هو بينهما. وقيل: هو لآخذ لا المثير. واحتج من قال ذلك بهذه الآية، لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه شيئًا.
- وقوله تعالى: ﴿ورماحكم﴾:
إنما يعني به ما قتله الرماح بحدها فخرقت أو بضعت، وقد اختلف في المعراض يقتل به الصيد، فقيل: إن أصاب يحده أكل، ولا يؤكل إن أصاب بعرضه، وهو قول جمهور أهل العلم كما قدمناه من دليل الآية.
стр. 896
وحكى عن قوم منهم الأوزاعي: أنه يؤكل خرق أو لم يخرق، وكذلك لا يؤكل عند الجمهور صيد البندقية لما قدمناه من دليل الآية، خلافًا لابن أبي ليلى وابن المسيب وغيرهما ممن أجاز أكل ذلك. وكذلك لا يؤكل ما قتلته البكة والحبالة لما قدمناه خلافًا للحسن في قوله: يؤكل وهو قول شاذ.
(٩٥) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ الآية:
خاطب الله تعالى بها جميع المؤمنين، وهذا النهي من الابتلاء الذي أعلم الله تعالى به في قوله: ﴿ليبلونكم الله﴾، والصيد مصدر صاد، ولكنه موقع على الصيد، وعلى ذلك جاء في هذه الآية.
- وقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾:
لفظ عام يقتضي أن لا يقتل شيء من جنس ما يصاد، وليس المراد هنا بالصيد ما قد صيد خاصة، بل المراد به جنس ما يصاد. والوحش يسمى صيدًا وإن لم يصد بعد، كما يقال: بئس الرمية الأرنب، ولم ترم بعد، ويقال الضحية. ولم يضح بها بعد، والذبح الكبش ولم يذبح بعد. فالمعنى لا تقتلوا الصيد صيد أو لم يصد. ولا يجوز غير هذا؛ لأنه إن جعل الصيد ما قد صيد كان في ذلك دليل على إباحة مثل ما لم يصد بعد.
стр. 897
وذلك لا يجوز باتفاق. وكذلك يظهر من قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، وتخصيصه النهي عن القتل أن الصيد دون قتل غير المنهي عنه. وهذا الاحتمال يدفعه قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، فعم. وتحتمل الآية وجهًا يخرج به عن ذلك الاحتمال، وهو أن المعنى: لا تصيدوا فيكون منكم للصيد قتل كما قال: ((على لا حب لا يهتدي بمنارة))، أي: ليس ثم منار يهتدى به، وهذا أحسن, وكيفما كان فيه النهي عن قتل الصيد. وظاهر ما في هذه الآية من العموم أيضًا يقتضي أن لا يقتل في الحرم، ولا في الإحرام من نوع ما يصاد من أي شيء كان مما يؤذي أو لا يؤذي، ومما يؤكل أو لا يؤكل، إلا أنه قد جاء عن النبي ﷺ ما يقتضي تخصيص ذلك العموم، وهو قوله ﵊: ((خمس فواسق تقتل في الحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور)). وهذه
стр. 898
الخمس متفق على ثلاث منها أنها مخصصة من عموم الآية. واختلف في اثنتين: الفأرة والغراب. أما الفأرة، فالجمهور على جواز قتلها للمحرم، وأنها مخصصة من عموم الآية. وذهب النخعي إلى منع قتلها فأبقاها تحت العموم في الآية، وهو قول مخالف للسنة التي ذكرناها. وأما الغراب، فالجمهور أيضًا على جواز قتله للمحرم لما قدمناه. وذهب قوم من أهل الخير إلى أنه لا يقتل في الإحرام من الغربان إلا الغراب الأبقع، وهذا قول مخالف للسنة أيضًا. وذهب عطاء إلى أنه لا يقتل الغراب جملة، وقال مجاهد مثل ذلك، قال: ولكن يرمي، وهذا القول أيضًا مخالف للسنة. واختلف في الكلب العقور المخصص من عموم الآية، وما هو؟ فقيل: هو الكلب المألوف، وهو قول أبي حنيفة. وقيل: كل ما يفترس من السباع، واتفق أيضًا على تخصيص الحية من عموم الآية، فأخبر قتلها لما جاء عنه ﵊ من أمره بقتلها في غير ما حديث. وإذا قلنا بقول الجمهور فهل يقتصر على تخصيص الخمس المذكورة، والحية دون غيرها من عموم الآية أم يقاس عليه غيرها؟ فذهب أبو حنيفة إلى الاقتصار على الخمس المذكورة في الحديث والحية، وذكر بعضهم
стр. 899
والذئب. وأن ما عداها باقٍ على حكم الآية. وذهب الشافعي إلى أنه لا يقتصر على ذلك، وإنه ﷺ لم يذكرها إلا لقياس عليها ما شاركها في العلة. قال: والعلة أن لحومها لا تؤكل، وكذلك كل ما لا يؤكل لحمه من الصيد مثلها. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى مثل ذلك، إلا أنه رأى أن العلة كونها مشرة، وأنه إنما ذكر الكلب العقور للتنبيه له على ما يضر بالأبدان على جهة المواجهة والمغالبة. وذكر العقرب لينبه بها على ما يضر بالأبدان على جهة الاختلاس. وذكر الحدأة والغراب لينبه بهما على ما يضر بالأموال مجاهرة، وذكر الفأرة لينبه بها على ما يضر بالأموال احتفاء. واختلف الذاهبون لقتل السباع العادية عامة هل تقتل ابتداء أم حتى تبدأ بالضرر على قولين. والمذهب على أن تقتل وإن لم تبدأ بالضرر، وظاهر الحديث يعم الوجهين فيحمل عليهما حتى يدل الدليل على تخصيص شيء من ذلك. وهل يجوز
стр. 900
قتل الغراب والحدأة ابتداء أم إذا خيف منها؟ ففيه قولان لمالك. ووجه القول بقتلهما ابتداء ظاهر الحديث المخصص للآية كام قدمناه، وما عداهما من سباع الطير، فالمذهب على أنه لا يقتل ابتداء، وإن قتلها فعليه الفدية لقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، فإن ابتدأت هي بالضرر فقتلها الإنسان فهل عليه جزاء أم لا؟ فيه قولان، والمشهور أن لا جزاء عليه. وحجة من رأى الجزاء عموم قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا﴾ الآية. وأما صغار ما يجوز قتله فهل تقتل أم لا؟ فيها ورايتان، إحداهما قول ابن القاسم أنه لا جزاء فيه، والثانية قول أشهب أن عليه الجزاء، ووجه هذا عموم قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، تنبيه على أن ذبيحة المحرم ميتة لا يجوز أكلها لحلال أو لحرام؛ لأنه تعالى سمى الذبيح قتلًا إذ الذبح لا يجوز للمحرم باتفاق، فنهى تعالى عن القتل تنبيهًا على أن ما يفعله المحرم من الذبح إنما هو قتل لا ذبح، والمقتول ميتة باتفاق، فوجب أن يكون المذبح كذلك، سيق هذا على طريق الشبهة؛ لأن عرف الشرع أن المذبوح يؤكل والمقتول لا يؤكل، ولو حملنا النص على ظاهره لخصصناه بالقتل. ويحتمل أن يقال أيضًا: أن القتل من حيث اللغة يقع على الذبح.
стр. 901
فالذبح ممنوع من جهة اللفظ عليه لا من جهة التنبيه الذي ذكرنا مع أن عرف الشرع في تحليل المذبوح غير معروف، فإنا قد نجد من المذبوح ما هو محرم، فإنه تعالى يقول: ﴿وما ذبح على النصب﴾ [المائدة: ٣]، فكان ذلك المذبوح محرمًا. ويقتضي هذا الاستدلال على أن ذبيحة المحرم ميتة قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه. والقول الثاني له: أنه ليس بميتة، بل يحل أكله لغيره، وهو القول المتصدر عنده استدلالًا بجواز ذبحه لسائر الأنعام.
- قوله تعالى: ﴿وأنتم حرم﴾:
جمع حرام أي: محرمون، فيحتمل أن يريد وأنتم محرمون بحجة أو عمرة. ويحتمل أن يريد وأنتم محرمون أي: داخلون في الحرم. يقال: أحرم الرجل إذا دخل في الحرم؛ كما يقال: أنجد وأغرق وأتهم، ويحتمل أن يراد بذلك اللفظ الوجهان جميعًا. وقد استدل أصحاب مالك بهذه الآية على أن صيد الحلال في الحرم يوجب عليه الجزاء، ولم يرد ذلك داود ورأى أن الجزاء مختص بالإحرام لا بالحرم، كما يختص منه الطيب واللباس بالإحرام لا بالحرم وهذا غير صحيح؛ لأن الصيد محرم في الحرم، ولو كان كاللباس والطيب حل كما حلا. ودليل الخطاب في
стр. 902
الآية أن المخطئ لا شيء عليه. وقد اختلف في القول به، فذهب أهل الظاهر إلى القول به، وقالوا: لا جزاء على من يقتل صيدًا إلى من أن يقتله متعمدًا كما قال تعالى، وإلا لم يكن لتخصيص العمد معنى. وذهب أئمة الفتوى إلى ترك دليل الخطاب ها هنا، فقالوا: على من قتل الصيد عمدًا أو خطأ الجزاء. قال الطحاوي: وذهبوا في تأويل الآية إلى أنه مردود إلى قوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ [المائدة: ٩٥]، والمعنى في هذا أن هذا الوعيد في الآية إنما يختص بالعمد دون الخطأ؛ لأن المخطئ لا يجوز أن يلحقه الوعيد، فخص العمد بالذكر وإن كان الخطأ والنسيان مثله ليصح رجوع الوعيد إليه. وقال القاضي أبو إسحاق: يثبت حكم المخطئ بقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فعم. وقد قال الزهري: نزل القرآن في العمد وهو في الخطأ سنة. وقال بعضهم: بإلحاق الخطأ بالعمد قياسًا. ولا خلاف في المتعمد الناسي لإحرامه أن عليه الجزاء. واختلف في المتعمد لقتل الصيد الذاكر لإحرامه. فذهب الجمهور ومالك ومن تابعه إلى أن الكفارة تلزمه كما تلزم المتعمد الناسي لإحرامه، وحملوا قوله تعالى متعمدًا على ذلك، فالمعنى فيه متعمدًا للقتل ناسيًا لإحرامه أو ذاكرًا، ومن ادعى تخصيصًا
стр. 903
في ذلك فعليه الدليل. وذهب قوم إلى أن المعنى متعمدًا للقتل ناسيًا للإحرام، قالوا: فهذا الذي يكفر، وأما من قتله متعمدًا ذاكرًا لإحرامه فهو أعظم من أن يكفر، وهذا قول ابن جريج وابن زيد ومجاهد. وقال مجاهد وابن جريج قد حل ولا رخصة فيه. وذهب بعضهم إلى أنه قد أبطل حجته، والقول الأول أصح وأليق بألفاظ الآية.
- وقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [٩٥]:
من قرأ ﴿فجزاء مثل﴾ بإضافة الجزاء إلى مثل، ففيه قولان: أحدهما أن التقدير فعليه جزاء ما قتل أي قضاؤه وغرمه. ودخلت لفظة مثل كما دخلت في قولهم: ((أنا أكرم مثلك)) وهم يريدون أنا أكرمك. وجزاء على هذا القول مصدر مضاف إلى المفعول وهو ما قتل؛ إلا أنه فضل بين المضاف والمضاف إليه مثل الزائدة. وقال بعضهم في هذا الوجه: أن الجزاء اسم لا مصدر بمعنى، مثل كأنه قال: مثل مثل ما قتل. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ [الأنعام: ١٢٢]، التقدير: كمن هو في الظلمات. وعلى هذا القول لا يكون للمثلية حكم في
стр. 904
الآية، وهو قول ضعيف. والثاني: أن المصدر وهو الجزاء مضاف إلى المفعول وهو مثل، ومثل على هذا غير زائدة. والمعنى فعليه أن يجزي مثل ما، وإضافة المصدر إلى المفعول في القرآن والشعر في القرآن والشعر كثير، قال الشاعر:
أمن رسم دار مريع ومصيف
وقوله تعالى: ﴿لا يسأم الإنسان من دعاء الخير﴾ [فصلت: ٤٩].
ومن قرأ ((فجزاء مثل)) بالرفع والتنوين، والرفع لمثل، فالتقدير جزاء ماثل لما قتل. ومن قرأ ((جزاء مثل)) برفع الأول ونصب الثاني، فإن مثل ينتصب بجزاء مثل قوله تعالى: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيمًا ذا مقربة﴾ [البلد: ١٤، ١٥]. وقول الشاعر:
فلولا رجاء النصر ورهبة ... عقابك قد صاروا لنا كالموارد
وهذا بقصد التأويل الثاني في قراءة من قرأ: ((فجزاء مثل))، ومن قرأ ((فجزاؤه مثل)) في غير السبع فالضمير يحتمل أن يعود على الصيد، يحتمل أن يعود الصائد القاتل. وللمثلية على هذا الوجه
стр. 905
حكم. وقد اختلف في المماثلة ما هي؟ فقيل: المماثلة في الخلقة والمنظر مثل أن يكون في الغزالة شاة، وفي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وهذا قول مالك والشافعي وغيرهما. وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب مالك: اختلف في المثل، فقيل: مثله في الهيئة والخلقة، أي أشبه النعم به في ذلك، وقيل مثله في النحو والعظم أي أقرب النعم إليه في ذلك. وقيل: المماثلة إنما هي في القيمة. يقول الصيد المقتول سواء كان للمقتول من الصيد مثل من النعم أو لم يكن. قال: والقاتل بالخيار بين أن يتصدق بالقيمة وبين أن يصرف القيمة في النعم فيشتريه ويهديه، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما. قالوا: ولما لم يجز أن يراد بالقتل المثل من الجنس علم أن المراد القيمة، والدليل على أن المراد القيمة قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥]، وهذا اللفظ عام في جميع الصيد سواء كان له أو لم يكن له، ومعلوم أن ما لا مثل له من جنسه ونظيره، فإن الواجب في إتلافه القيمة، فصار المراد بالمثل القيمة في أحد الأمرين، فلا ينبغي أن يكون المراد به النظير لامتناع أن يعبر باللفظ الواحد عن معنيين مختلفين؛ لأن القيمة متى صارت مرادة بالآية في أحد نوعي الصيد
стр. 906
صارت كالمذكورة، فلا ينبغي حمل الآية على غيرها. قال ابن القصار: والجواب أن قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، المراد به المقتول، ولو اقتصر عليه ولم يقيده بالنعم لكان الواجب في الظبي ظبيًا، وفي النعامة نعامة، وفي بقرة الوحش بقرة وحش، فلما قال: ﴿من النعم﴾. وجب أن يكون الجزاء مثل المقتول من النعم لا من غيره، ومثله من النعم ليس هو القيمة والمماثلة ظاهرة من طريق الخلقة متحققة وما طريقتها القيمة، فطريقتها الاستدلال ولما خص الله تعالى النعم من سائر الحيوان، علم أن المراد المثل من طريق الخلقة والصورة من النعم دون القيمة، ولم يقبل منه مثل ما قتل من الدراهم. وقد يراد بالآية الحقيقة في موضع والمجاز في آخر، فيكون المثل من النعم في قتل ما قتل كالغزال والنعامة وبقر الوحش ومما لا مثل له القيمة، وإنما يتناهى إذا كان في حالة واحدة، فأما في حكمين فلا. واختلف فيما لا مثل له من النعم ما على قاتله كالحمام فما دونه من سائر الطير والوحش كالأرنب واليربوع والصقر والبازي والسماني والدجاج ونحو ذلك، فالواجب على قول أبي حنيفة في ذلك القيمة. وحجته ما قدمناه من تأويل في الآية. وقيل: يجب في حمام مكة شاة وما سوى ذلك ففيه الاجتهاد، وهو قول مالك وأحد قولي ابن
стр. 907
القاسم. قال عبد الملك عن مالك فإن لم يجد شاة صام عشرة أيام وليس مما تجوز فيه الصدقة؛ لأن أصله ليس مما فيه الهدي، وإنما ذلك تغليظ ولم يكن فيه التخيير للمحكوم عليه، وسبيل هذه الشاة سبيل الهدي لا تذبح إلا بمكة كجزاء الصيد. وقيل: حمام مكة وحمام الحرم هو الذي فيه شاة، وأما غير ذلك من الحمام أو غيره، فليس فيه إلا الاجتهاد، وهو أحد قولي ابن القاسم والشافعي. وقيل: حمام الحرم والحل جميعًا فيه شاة وما عدا الحمام ففيه القيمة، وهو أحد قولي الشافعي. وفيما عدى الحمام خلاف في المذهب. وحجة هذا القول أن الحمام له حرمًا ليست لغيره، فلذلك أوجبت فيه الشاة تغليظًا لا أن ذلك كالصيد الذي فيه الجزاء. وما عدا الحمام ففيه القيمة على معهود الحكم فيمن أتلف شيئًا مما لا مثل له أن عليه القيمة. وذهب داود إلى أن ما سوى الحمام ليس فيه شيء لا قيمة ولا غيرها. ومن حجته أن الله تعالى لما أوجب المثل فيما له مثل من النعم، وسكت عما لا مثل له منها، فهم منه أن ما لا مثل له ليس فيه شيء، وهذا قول بدليل الخطاب. قال بعض أصحاب مالك: ويرد هذا قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر
стр. 908
ما دمتم حرمًا﴾ فعم، ولأنه ممنوع من قتله لحرمة الإحرام، فوجب أن يلزمه الجزاء لقتله دليله إذا قتل صيدًا. وقال بعض المتأخرين من أصحاب مالك: مذهب أبي حنيفة أقرب إلى الأصول من بعض الوجوه من مذهبنا ومذهب الشافعي من حيث أنه يعتبر القيمة في الأصل على الإطلاق، ولكن معتمد المسألة من جهتنا على الآية قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ الآية؛ لأنه تعالى فسر الجزاء بمثل المقتول من النعم. ومقتضى هذا منع طلب المماثلة من الدراهم. وأيضًا قال: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]، فأوجب هذا كون نفس المثل المحكوم به هديًا، وهذا لا يتأتى في القيمة، إلا أن يأخذ بها نعمًا. وذلك خلاف الظاهر مع أن الضمير من قوله يحكم به إنما هو راجع إلى النعم، لأنه الذي تقدم ذكره، لا إلى القيمة التي لم يجر لها ذكر في الآية، فإن قيل: الآية اكتنفها أمور تدل على أن المعتبر المثل من حيث المعنى وهو القيمة، وذلك أن القيمة مطردة في جميع الصيد، والمثل من حيث الصورة والخلقة غير مطرد في جميعها، فيخصون الآية بما له مثل من النعم وما لا مثل له يتحكمون فيه بالقيمة طعامًا، فكان حمل الآية على القيمة أولى. والثاني: أنه قال تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديًا﴾ [المائدة: ٩٥]،
стр. 909
والتحكيم لا معنى له على أصلكم، فإنكم تقولون في النعامة بدنة كما قضى به الصحابة، وفي بقرة الوحش بقرة كام قال عروة، وفي الشاة من الضباء شاة كما قال أيضًا، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة، كما قضى عمر رضي الله تعالى وفي الحمام بشاة، وفي الحمام بشاة، وفي الحمار بقرة، كما قال ابن عباس إلى غير ذلك، فأين فائدة التحكيم، ولماذا يراد والواجب عندكم في كل صيد قد علم. والثالث: أنه قال: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ [المائدة: ٩٥]، وهذا عطف على قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾. والعطف أبدًا يكون حكمه حكم المعطوف عليه.
ومن المعلوم أن الطعام إنما يخرج بعد أن تؤخذ قيمة الصيد فيشتري بها طعام، فينبغي أن تكون القيمة هي المعتبرة فتؤخذ ويشترى بها النعم كما تؤخذ ويشترى بها الطعام. فالجواب أن المثل إذا أطلق إنما يفهم منه في العرف والعادة المثلية في الجنس غير أنه لما عدل إلى التغيير بالنعم صرنا إليه وبقينا فيما وراء ذلك على الأصل. وأما
стр. 910
قولهم: أن المثلية في الخلقة والصورة غير مطردة في جميع الصيود. فالجواب عنه أنا لما فهمنا ذلك من الآية اعتبرناه ما أمكن، وإن لم نجد له مثالًا، فالحاجة تدعو إلى ترك المثلية والعدول إلى أمر آخر. وأما قولهم في طلب فائدة التحكيم، فإن فائدته أن يقول للحكمين ما مثل هذا الصيد المقتول من النعم في صورته وخلقته، فيجتهدان في معرفة ذلك غير أنهما لا يخرجان باجتهادهما عن آثار من مضى. وقولهم: إن الطعام لا يخرج إلا بعد أن تؤخذ قيمة الصيد دراهم فيشتري بها طعامًا، فممنوع عندنا بل الصيد نفسه، وهو حي يقوم بطعام عندنا على خلاف لنا في ذلك. واختلف في الصغار من الصيد التي يجب في كبارها المثل من النعم ما على قاتلها؟ فذهب مالك ومن تابعه إلى أن عليه فيها مثل ما عليه في الكبار منها. وقال الشافعي: أن عليه في الصغار من الصيد الصغار من المثل الواجب من النعم، فرأى في النعامة الكبيرة بدنة، وفي الصغيرة فصيلًا، وفي حمار الوحش بقرة، وفي جحشه عجلًا. وقال
стр. 911
أبو حنيفة: فيها القيمة جريًا على أصله. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، فلو تركنا وهذا لقلنا في الصغير والكبير مثله في الصورة، فلما قال: ﴿هديًا﴾، اقتضى ما يتناوله اسم الهدي بحق الإطلاق، ذلك يقتضي الهدي التام.
- وقوله تعالى: ﴿من النعم﴾:
يقع على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمعت، فإذا تفرق كل صنف لم يقل نعم إلا للإناث وحدها.
- وقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾:
هذه الآية تقتضي أن التحكيم شرط في إخراج الجزاء، ولا خلاف في ذلك فإن أخرج أحد الجزاء قبل الحكم عليه فعليه إعادته بالحكم إلا حمام مكة، فإن لا يحتاج إلى حكمين، قاله مالك. ووجهه أن ما اتفق عليه من جزاء حمام مكة ليس بمثل لها في جهة من الجهات، وإنما يكون الحكم فيما يحتاج فيه إلى تحقيق المثل؛ لقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ الآية.
стр. 912
ويجب في مذهب مالك رحمه الله تعالى التحكيم في كل ما حكمت فيه الصحابة وفيما لم تحكم فيه، وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي: يكتفي في ذلك بما حكمت فيه الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ولا يحتاج فيه إلى التحكيم، ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، فعم دليله ما مضت فيه حكومة وما لم تمض فيه حكومة، ولا يكتفي في ذلك بأقل من اثنين؛ لقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾. وقد جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه ما بين ذلك وهو أن قبيصة بن جابر سأله الحكومة في قتل صبي، فدعا عمر عبد الرحمن بن عوف فحكم معه في ذلك. قال قبيصة: فقلت: يا أمير المؤمنين أمره أهون من أن تدعو من يحكم معك. قال: فضربني بالدرة حتى سابقته عدوًا. ثم قال: أقتلت الصيد وأنت محرم ثم تغمض الفتوى. وقد وري أن صاحب القصة غير قبيصة. وفي المذهب أنه لا يكون القاتل أحد الحكمين خلافًا للشافعي
стр. 913
وبعض أصحاب أبي حنيفة في إجازة ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، فخاطب من يلزمه التحكيم، فاقتضى أن يكون الحكمان غير أن المحكوم عليه؛ كما قال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، فاقتضى أن يكون الشاهدان غير المشهود عليه.
- قوله تعالى: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾:
يقتضي ظاهره أن ما يخرج من النعم جزاء عن الصيد يجب أن يكون مما يجوز أن يهدي، وهو الجذع من الضأن والثني من غيره. وبهذا الذي تقتضيه الآية قال مالك وجميع أصحابه: وإن أخرج ما دون ذلك لم يجزه وإن كان في لحمه شبع ما يشبع من ذلك الصيد. وجوز ذلك أبو حنيفة والشافعي على وجه المثل. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة﴾، فنص تعالى على أن الذي أمر به من النعم يكون هديًا، ولا يصح ذلك فيما يكون دون الجذع من الضأن والثني من غيره. وقوله تعالى أيضًا: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾، يقتضي أن يصنع به ما يصنع بالهدي من سوقه من الحل إلى الحرم. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه إن اشتراه في الحرم أجزأه. ودليل القول الأول ما قدمناه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿بالغ الكعبة﴾، ولم يرد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم بذكر الكعبة؛ لأنها هي المقصود من الحرم، ولا يبلغ الهدي الحرم إلا من الحل، ولا يبلغه من الحرم، ولو تكلم تكلم بمثل ذلك لم يكن من كلام العرب.
стр. 914
(٩٥) - قوله تعالى: ﴿أو كفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صيامًا﴾:
عدد تعالى ما يجب في قتل المحرم الصيد، فذكر أولًا الهدي، ثم ذكر الطعام. فكفارة قتل الصيد مقصورة على هذه الثلاثة لنص الآية. واختلف في هذه الثلاثة هل هي على ترتيب الآية، فلا يجوز أن ينزل إلى الثاني منها إلا أن يتعذر الأول، وكذلك إلى الثالث إلا أن يتعذر الثاني أم على التخيير. فيجوز أن يؤخذ بأيها كان مقدمًا في الآية أو مؤخرًا، فذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما حكى بضعهم عنه واي سيرين إلى أنها على الترتيب دون التخيير. حكى مثله الشافعي في القديم وأصحابه ينكرون ذلك عنه. وذهب أبو حنيفة والشافعي في المشهور عنه إلى أنها على التخيير دون الترتيب. وذكر عن ابن عباس أنه قال: كل شيء من القرآن فيه ((أو)) فهو على التخيير، ودليل هذا القول أن ظاهر: ((أو)) حيث وقعت تقتضي التخيير، إلا أن يدل دليل على غير ذلك. وأما الترتيب فغير معروف، وقد ذكر النحاة لها خمسة معان لم يذكروا الترتيب فيها. ووجه التخيير في هذه الأشياء أن يخير الحكمان المحكوم عليه أو لا فيما يريد من ذلك، فإذا
стр. 915
اختار ما يحكمان عليه به ثم حكما به فقد انختم وسقط من بعد خياره، هكذا قال القاضي أبو محمد والشيخ أبو إسحاق. والظاهر من قول مالك خالفه، وهو أن المحكوم عليه الرجوع عما حكما عليه به فيحكمها مرة أخرى أو يحكم غيرهما فيما يريد من تلك الأشياء الثلاثة. ووجه هذا القول أن المحكوم عليه في جزاء الصيد هو المخير فيما بين الأشياء الثلاثة، وليس للحكمين تخيير، هذا مقتضى الآية، وإنما جعل تعالى في ذلك للحكمين تقدير المثل في المثل في الصيد أو الطعام أو الصيام. وإذا كان كذلك لم يكن لهما أن لا يتعدى ما قدرا له من المثل أو الطعام أو الصيام. وأما التخيير في ذلك فهو بعد الحكم كما هو له قبل الحكم. والتقدير في الآية فمن قتل الصيد متعمدًا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل، أو كفارة طعام مساكين يحكم بها ذوا عدل أيضًا، إلا أنه حذف في الطعام والصوم ﴿يحكم به ذوا عدل﴾، استغناء بإثباته في جزاء الصيد للعلم بفهم الخطاب، فإن اختار المكفر
следующие страницы →