← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أبو حنيفة: فيها القيمة جريًا على أصله. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، فلو تركنا وهذا لقلنا في الصغير والكبير مثله في الصورة، فلما قال: ﴿هديًا﴾، اقتضى ما يتناوله اسم الهدي بحق الإطلاق، ذلك يقتضي الهدي التام. - وقوله تعالى: ﴿من النعم﴾: يقع على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمعت، فإذا تفرق كل صنف لم يقل نعم إلا للإناث وحدها. - وقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾: هذه الآية تقتضي أن التحكيم شرط في إخراج الجزاء، ولا خلاف في ذلك فإن أخرج أحد الجزاء قبل الحكم عليه فعليه إعادته بالحكم إلا حمام مكة، فإن لا يحتاج إلى حكمين، قاله مالك. ووجهه أن ما اتفق عليه من جزاء حمام مكة ليس بمثل لها في جهة من الجهات، وإنما يكون الحكم فيما يحتاج فيه إلى تحقيق المثل؛ لقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ الآية.

стр. 912

ويجب في مذهب مالك رحمه الله تعالى التحكيم في كل ما حكمت فيه الصحابة وفيما لم تحكم فيه، وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي: يكتفي في ذلك بما حكمت فيه الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ولا يحتاج فيه إلى التحكيم، ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، فعم دليله ما مضت فيه حكومة وما لم تمض فيه حكومة، ولا يكتفي في ذلك بأقل من اثنين؛ لقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾. وقد جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه ما بين ذلك وهو أن قبيصة بن جابر سأله الحكومة في قتل صبي، فدعا عمر عبد الرحمن بن عوف فحكم معه في ذلك. قال قبيصة: فقلت: يا أمير المؤمنين أمره أهون من أن تدعو من يحكم معك. قال: فضربني بالدرة حتى سابقته عدوًا. ثم قال: أقتلت الصيد وأنت محرم ثم تغمض الفتوى. وقد وري أن صاحب القصة غير قبيصة. وفي المذهب أنه لا يكون القاتل أحد الحكمين خلافًا للشافعي

стр. 913

وبعض أصحاب أبي حنيفة في إجازة ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، فخاطب من يلزمه التحكيم، فاقتضى أن يكون الحكمان غير أن المحكوم عليه؛ كما قال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، فاقتضى أن يكون الشاهدان غير المشهود عليه. - قوله تعالى: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾: يقتضي ظاهره أن ما يخرج من النعم جزاء عن الصيد يجب أن يكون مما يجوز أن يهدي، وهو الجذع من الضأن والثني من غيره. وبهذا الذي تقتضيه الآية قال مالك وجميع أصحابه: وإن أخرج ما دون ذلك لم يجزه وإن كان في لحمه شبع ما يشبع من ذلك الصيد. وجوز ذلك أبو حنيفة والشافعي على وجه المثل. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة﴾، فنص تعالى على أن الذي أمر به من النعم يكون هديًا، ولا يصح ذلك فيما يكون دون الجذع من الضأن والثني من غيره. وقوله تعالى أيضًا: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾، يقتضي أن يصنع به ما يصنع بالهدي من سوقه من الحل إلى الحرم. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه إن اشتراه في الحرم أجزأه. ودليل القول الأول ما قدمناه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿بالغ الكعبة﴾، ولم يرد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم بذكر الكعبة؛ لأنها هي المقصود من الحرم، ولا يبلغ الهدي الحرم إلا من الحل، ولا يبلغه من الحرم، ولو تكلم تكلم بمثل ذلك لم يكن من كلام العرب.

стр. 914

(٩٥) - قوله تعالى: ﴿أو كفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صيامًا﴾: عدد تعالى ما يجب في قتل المحرم الصيد، فذكر أولًا الهدي، ثم ذكر الطعام. فكفارة قتل الصيد مقصورة على هذه الثلاثة لنص الآية. واختلف في هذه الثلاثة هل هي على ترتيب الآية، فلا يجوز أن ينزل إلى الثاني منها إلا أن يتعذر الأول، وكذلك إلى الثالث إلا أن يتعذر الثاني أم على التخيير. فيجوز أن يؤخذ بأيها كان مقدمًا في الآية أو مؤخرًا، فذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما حكى بضعهم عنه واي سيرين إلى أنها على الترتيب دون التخيير. حكى مثله الشافعي في القديم وأصحابه ينكرون ذلك عنه. وذهب أبو حنيفة والشافعي في المشهور عنه إلى أنها على التخيير دون الترتيب. وذكر عن ابن عباس أنه قال: كل شيء من القرآن فيه ((أو)) فهو على التخيير، ودليل هذا القول أن ظاهر: ((أو)) حيث وقعت تقتضي التخيير، إلا أن يدل دليل على غير ذلك. وأما الترتيب فغير معروف، وقد ذكر النحاة لها خمسة معان لم يذكروا الترتيب فيها. ووجه التخيير في هذه الأشياء أن يخير الحكمان المحكوم عليه أو لا فيما يريد من ذلك، فإذا

стр. 915

اختار ما يحكمان عليه به ثم حكما به فقد انختم وسقط من بعد خياره، هكذا قال القاضي أبو محمد والشيخ أبو إسحاق. والظاهر من قول مالك خالفه، وهو أن المحكوم عليه الرجوع عما حكما عليه به فيحكمها مرة أخرى أو يحكم غيرهما فيما يريد من تلك الأشياء الثلاثة. ووجه هذا القول أن المحكوم عليه في جزاء الصيد هو المخير فيما بين الأشياء الثلاثة، وليس للحكمين تخيير، هذا مقتضى الآية، وإنما جعل تعالى في ذلك للحكمين تقدير المثل في المثل في الصيد أو الطعام أو الصيام. وإذا كان كذلك لم يكن لهما أن لا يتعدى ما قدرا له من المثل أو الطعام أو الصيام. وأما التخيير في ذلك فهو بعد الحكم كما هو له قبل الحكم. والتقدير في الآية فمن قتل الصيد متعمدًا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل، أو كفارة طعام مساكين يحكم بها ذوا عدل أيضًا، إلا أنه حذف في الطعام والصوم ﴿يحكم به ذوا عدل﴾، استغناء بإثباته في جزاء الصيد للعلم بفهم الخطاب، فإن اختار المكفر

стр. 916

التكفير بالمثل من النعم فيما مثل حكم به عليه، وإن اختار الإطعام حكم به عليه، وإن اختار الصيام حكم به عليه؛ إلا أنه حكى الطبري عن ابن عباس ما يقتضي إخراج الطعام من كفارة الصيد، فلا عوضًا عن الصيد إلا المثل من النعم أو الصيام، وذلك أنه قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه بجزائه من النعم، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به، وإن لم يجد قوم الجزاء دراهم ثم قومت الدراهم حنطة ثم صام، فكان كل نصف صاع يومًا، وإنما أريد بذكر الطعام تبيين أمر الصوم، ومن يجد طعامًا فإنه يجد جزاء، وهو قول السدي أيضًا، فعلى هذا القول لا يكون في الكفارة في قتل الصيد إطعام، وهو قول يرده مفهوم الآية؛ لقوله تعالى: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾، وهذا الطعام لم يقدر الله تعالى فيه قدرًا، فرأى العلماء أن يقدر بما قبله كما قدر به ما بعده من الصيام لما مضى في ذلك من السنة، إلا أنهم اختلفوا في كيفية التقدير. فقيل: يقدر الصيد المقتول نفسه بالطعام أو بالدراهم، ثم تقوم الدراهم بالطعام، ينظر كم كان يساوي من الطعام أو الدراهم وهي حي، وهو قول مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه. والأحسن أن يقوم عنده بالطعام؛ لأنه تعالى لم يذكر بين الثلاثة واسطة. وقال بعض أصحاب مالك: تقدير الصيد

стр. 917

بالطعام أن يقال: كم كان يشبع الصيد من نفس، ثم يخرج قدر شبعهم طعامًا. لا أن يقال: كم يساوي هذا الصيد من الطعام، وهو قول يحيى بن عمر من أصحابنا. وقال الشافعي: لا يقدر الصيد بالطعام، وإنما يقدر بالمثل وهو جزاء الصيد الذي أوجبه الله تعالى على القاتل، ودليل القول بتقويم الصيد دون المثل قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إلى قوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾، وظاهره أن يكون الإطعام جزاء عن المقتول، وإذا كان كذلك وجب أن يعتبر به دون المثل. ووجه التفرقة في هذا الطعام أن يعطي مدًا لكل مسكين بمد النبي ﷺ اعتبارًا بكفارة الفطر من رمضان وكفارة اليمين بالله تعالى. وإذا كان كذلك فليس للمساكين الذين يطعمون عدد معلوم، وإنما هم على عدد الأمداد خلاف ما هو من قول ابن عباس الذي يأتي. - وقوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾: تحتمل الإشارة بذلك أن تكون إلى الطعام وهذا أحسن ما يقال لأنه الأقرب، وبهذا يقول من يقدر الصوم بالإطعام، وتحتمل أن تكون إلى الصيد، وبهذا يقول من يقدر الصوم بالصيد المقتول وهو نقص الفدية. واختلف في صفة تعديل الصوم بالإطعام. فقيل: عدل الإطعام

стр. 918

من الصوم أن يصوم مكان كل مد يومًا. وهذا قول مالك ومن تابعه. وقيل: العدل في ذلك أن يصوم مكان كل مدين يومًا، وهو قول أبي حنيفة ومن تابعه. وقيل: العدل أن يصوم مكان كل صاع يومًا، وعلى هذا فالصوم إذا كان على عدد الأمداد فليس له نهاية لا تتجاوز، فقد يجوز أن يكون الصوم شهرين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل. ومن أهل العلم من لا يرى أن يتجاوز في صيام الجزاء شهرين، قالوا: لأنهما أعلى الكفارات بالصيام. وقيل: الصيام ثلاثة أيام إلى عشرة، وهو قول سعيد بن جبير. ويرد هذين القولين ظاهر قوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾ ولم يخص. وجاء عن ابن عباس ما ظاهره أنه لا يتجاوز بالصيام ثلاثون يومًا ولا يقتصر على أقل من ثلاثة، وذلك أنه قال: إن قتل المحرم ضبيًا فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وإن قتل أيلًا فعليه بقرة فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينًا، فإن لم يجد صام عشرين يومًا، وإن قتل نعامة أو حمار وحش فعليه بدنة، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينًا، فإن لم يجد صام ثلاثين يومًا. وكذا يظهر من قوله هذا أنه

стр. 919

لا يتجاوز عدد ثلاثين مسكينًا في الإطعام ولا يقتصر على أقل من ستة، وأن الإطعام لا يكون على عدد الأمداد كما قدمنا. ولا خلاف أن الصيام لا يلزم أن يكون في مكة كالجزاء. واختلف في الإطعام، فقيل: لا يكون إلا بمكة، وأجزأه من قال ذلك مجرى الجزاء. وقيل: جائز أن يكون ذلك حيث كان من البلاد، وهذا هو ظاهر الآية لأنه إنما اشترط بمكة في الجزاء خاصة، ولم يشترط في الإطعام والصيام، فوجب أن يكون حيث شاء المكفر، وكذلك اختلف في المذهب في إخراج الطعام أين يكون، هل في الموضع الذي قتل فيه الصيد أم يكون حيث كان على تفضيل في ذلك. ووجه القول بأنه لا يجوز الإخراج أين كان قوله تعالى: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾، فأطلق ولم يخص مكانًا من مكان. ولا يجوز عندنا أن يطعم عن بعض الجزاء ويصوم عن بعض خلافًا لأبي الحسن في قوله: إذا أطعم بعض المساكين ثم عجز عن ذلك صام بقدر ما يفي لكل مسكين يومًا. وهذا القول يرده ظاهر الآية؛ لأن الله تعالى فصل بين الكفارات، ولم يكن ذلك إلا لأن يؤتى بكل واحدة على حدتها، والجزاء لا يجب إلا بقتل الصيد لا بأخذه؛ لقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا﴾ الآية، فعلق الجزاء بالقتل خاصة. وعندنا أنه لا يذبح المحرم الداجن من الوحش، ومن حكي عنه خلاف هذا فقد جهل. والحجة

стр. 920

لقول الجمهور عموم قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، وكان الذي يرى للمحرم ذبح الداجن يتأول الصيد في الآية على ما يستأنف صيده لا ما قد صيد، وهذا خطأ لأن لفظة الصيد وإن كانت تقع على ما يستأنف صيده، وإن لم يصد على ما ذكرناه فأصلها إنما هو في الذي قد صيد. ثم يستعمل فيهما جميعًا فقصرها على موضع اللفظ أحق لو قصرت. وعندنا أنه من قتل صيدًا ثم أكله فعليه جزاء واحد خلافًا لأبي حنيفة في قوله: عليه الجزاء وضمان قيمة ما أكل، وحجته القول الأول قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، فلم يوجب سواه. واحتج الراوي لأبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ [المائدة: ٩٥]، قال: لأنه أخبر أنه إذ أوجب عليه العزم ليذوق وبال أمره، فلو أكل منه بعد عزمه مثله لم يكن ذائقًا وبال أمره. وهذه حجة ضعيفة لأن الصيد عند أبي حنيفة ميتة، فمن أكل ميتة فمن أين يكون قد وصل إليه مثل ما خرج من ملكه. واختلف في محرم دل محرمًا على قتل صيد أو أعطاه سيفه أو عصا ليقتله هل عليه جزاء أم لا؟ فالمشهور عندنا أنه لا جزاء على الدال والمعين، وعلى القاتل الجزاء. وقيل: عليهما جميعًا الجزاء، وهو

стр. 921

قول أبي حنيفة، ورواه ابن المواز عن أشهب. وقيل: عليهما جزاء واحد، وهذا قول عطاء. واختلف أيضًا في المحرم يدل الحلال على صيد أو يعينه عليه. فقيل: لا جزاء عليه، وهو المعروف عندنا. وقيل: عليه الجزاء، وهو قول أبي حنيفة. والحجة لمن لم يوجب في شيء من هاتين المسألتين قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، فعلق وجوب الجزاء بالقاتل المباشر، فدل على انتفائه عن غيره. واختلف في القوم المحرمين يشتركون في قتل صيد. فقيل: على جميعهم جزاء واحد، وهو قول الشافعي. ولحجة للقول الأول قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل﴾ الآية، وهذا خطاب لكل قاتل صيد منفردًا أو غير منفرد. واختلافهم هذا يأتي على اختلافهم في الجزاء هل هو كفارة للصيد المقتول أو بدل منه، فعندنا أنه كفارة. وقال الشافعي: أنه بدل من الصيد وليس بكفارة، والقول بأنه كفارة أظهر في الآية. واختلف في المحرم يقتل صيدًا لغيره هل عليه الجزاء مع القيمة أم لا؟ فعندنا أن عليه الجزاء. وذهب المزني إلى أنه لا جزاء عليه، وإنما عليه القيمة. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل﴾ الآية. واختلف فيمن قرب من الحرم هل يجري مجرى الحرم أم لا؟ على قولين، أحدهما: أنه لا يجري، وهو أحد قولي مالك. وقيل: كل ما يسكن لسكون ما في الحرم ويتحرك بحركته فحكم ذلك حكم الحرم، وهو

стр. 922

قول مالك الثاني. والقول الأول أظهر؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم حرم﴾، ومن لم يدخل الحرم يعد من غير المحرمين فليس بحرام، فقتل الصيد حلال له. واختلف إذا كان الصيد في الحل والصائد في الحرم. فقال ابن القاسم: لا يجوز له الاصطياد. وقال ابن الماجشون: يجوز. وحجة ابن القاسم قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، ولم يعتبر حال الصيد. واختلف في الحلال يقتل الصيد في الحرم هل يدخل في جزائه أم لا؟ فأثبته مالك ونفاه أبو حنيفة. ولمالك عموم الآية، وفيها الصيام. وعندنا أن للحلال أن يذبح في الحرم صيدًا صاده في الحل، ولا جزاء عليه خلافًا لأبي حنيفة في قوله: عليه الجزاء. ومن حجته عموم الآية، لأن الحرم يعم الإحرام، والصيد يعم المصيد وغير المصيد. والدليل على قولنا ما احتج به بعض العلماء من أن الحرم موضع استيطان وإقامة، فلو لم يجز فيه ذبح الصيد لشق ذلك على أهله، وليس بمنزلة الإحرام؛ لأن حرمة الحرم متأبدة وحرمة الإحرام غير متأبدة. فبهذا النظر خصصوه من عموم الآية. وقد اختلف فيمن جرح صيدًا وغاب عنه. فعند مالك عليه الجزاء كاملًا، وعند الشافعي: أن عليه ما نقصه الجرح. وفرق عبد الملك بين أن يكون الجرح متمكنًا من الصيد أم لا. وحجة مالك قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد﴾. ومن جرحه وغاب عنه، فلعله قد قتله. وإن جرحه ولم يغب عنه وبرئ على نقص، فقد اختلف فيه قول ابن القاسم. فقال

стр. 923

مرة: لا شيء عليه. وقال مرة: عليه نقصه. والذي يوجبه النظر أنه لا شيء عليه وإن برئ على نقص إلا أن يكون النقص مما يسهل به اصطياده على من أراده، فيكون عليه جزاؤه كاملًا كما يكون ذلك على من طرد صيدًا من الحرم إلى الحل، لأنه عرضة للقتل. (٩٥) - قوله تعالى: ﴿عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام﴾: اختلف في تأويله، فقيل: المعنى عفا الله عما سلف في جاهليتكم من قتل الصيد في الحرم ومن عاد الآن في الإسلام، فإن كان مستحلًا فينتقم الله منه في الآخرة، ويكفر في ظاهر الحكم. وإن كان عاصيًا فالنقمة منه هي إلزام الكفارة فقط. وبعصهم يرى أن النقمة أيضًا واجبة مع ذلك. والذين ذهبوا إلى هذا يرون أن المحرم كلما قتل صيدًا لزمه الجزاء لكل مرة، وهو قول فقهاء الأمصار. وقيل: المعنى أن المتعمد العالم بإحرامه يكفر أول مرة، وعفا الله عن ذنبه مع التكفير، فإن عاد الثانية فلا يحكم عليه، ويقال له: ﴿فينتقم الله منه﴾ كما

стр. 924

قال تعالى: وأما القاتل مررًا الناسي لإحرامه فإنه يكفر في كل مرة. والذين ذهبوا إلى هذا فرقوا بين الناسي وغير الناسي، فرأوا أن الناسي يكفر أبدًا، وأن العامد غير الناسي لا يكفر إلا أول مرة، وبهذا قال ابن عباس، وهو قول شريح القاضي والنخعي ومجاهد. وقيل: المعنى عفا الله عما أصابه الإنسان أولًا من الصيد بالتكفير، فلا يخشى معه عقابًا عليه. ومن عاد فينتقم الله منه أي لا تلزمه الكفارة ولا بد من عقاب الله تعالى. والذين ذهبوا إلى هذا رأوا أن على المصيب الصيد أولًا كفارة، فإن عاد بعد ذلك فلا كفارة عليه سواء كان ناسيًا أو عامدًا، وهو قول لأهل الظاهر. وقيل: هذه الآية مخصوصة في شيء بعينه، وذلك أن رجلًا أصاب صيدًا وهو محرم فتجوز له ثم عاد فأرسل الله تعالى عليه نارًا فأحرقته فذلك قوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾. (٩٦) - وقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم﴾: أحل الله تعالى بهذه الآية جميع صيد البحر، وهذا التحليل

стр. 925

للحلال والمحرم، والصيد هنا المصيد، والبحر الماء الكثير ملحًا كان أو عذبًا، فعلى هذا صيد الحيتان حيث كان من بحر ملح أو عذب أو نهر أو بركة أو عين، جائز للمحرم والحلال؛ لأن الآية تقتضي ذلك. وقد اختلف فيما يؤكل من صيد البحر، فعندنا أنه يؤكل جميع صيد البحر ما اتخذ منه وهو حي وما طفا على وجه الماء ميتًا وما قذفه البحر فمات، كان مما له شبه في البر ومما ليس به شبه، إلا أن مالكًا كره خنزير الماء من غير تحريم. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يؤكل ما مات بسبب دون ما مات بغير سبب كالطافي وما قذفه البحر فمات. وذهب قوم إلى أنه لا يؤكل منه ما طفا ويؤكل منه ما قذفه البحر فمات، وذهب الشافعي إلى الفرق بين ما له شبه وما ليس له شبه. وذهب قوم إلى أنه لا يؤكل ما عدا السمك. وروي نحوه عن أبي حنيفة وهن الشافعي. والحجة للقول الأول عموم قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ الآية. وإن خصصنا صيد البحر بما أخذ منه وهو حي،

стр. 926

فقوله تعالى: ﴿وطعامه﴾ يعم الميت منه. وسيأتي الخلاف في تفسيره. ويؤكل عندنا ما صداه المجوسي وغيره من البحر؛ لأنه ميتة لا يحتاج إلى ذكاة. ول يؤكل عند من يرى أنه يحتاج إلى ذكاة، وحجتنا عموم الآية. ولم يحص صيد مجوسي من غيره. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وطعامه متاعًا لكم﴾، فقال أبو بكر وعمر وغيرهما رضي الله تعالى عنهم: هو ما قذف به وما طفا عليه؛ لأن ذلك طعام لا صيد. وسأل رجل ابن عمر عن الحيتان طرحها فنهاه عنها، ثم قرأ المصحف، فقال لنافع: الحقه فمره بأكلها، فإنها طعام البحر. وهذا تأويل ينظر لقول النبي ﷺ : ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته))، وإلى هذا يذهب من يجيز أكل من مات بغير سبب. وقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما: طعامه كل ما ملح منه وبقي، وتلك صنعة تدخل فترده طعامًا، وإنما الصيد القريض. وقال قوم: طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه

стр. 927

من نبات. وقال بعض أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿وطعامه متاعًا لكم﴾: أن طعامه كل ما نبت من الحبوب والثمار، لأنه إنما نبت من المطر، والمطر من البحر. واحتجوا للمطر بأنه من البحر بقوله ﵊: ((إذا نشأت بحرية ثم تشاء مت فتلك عين غديقة))، وبدليل قول أبي ذؤيب الهذلي: شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج وهذا تأويل بعيد. وقال ابن عبد البر: القول بأن ما ينزل من المطر هو ماء السماء من غير ماء البحر هو قول أهل العلم، والذي أقول به أن تصحيح شيء من هذا والقطع به من الخوض في علم الغيب؛ إذ ليس في القرآن ولا شيء من السنة، والآثار نص جلي يوقف عنده، والذي نشاهده ونعلمه بالمعاينة نزول من السحاب، ولا ندري هل

стр. 928

يسوقه الله من بحور الأرض أو من السماء أو هل يخلقه الله تعالى في السحاب عند نزوله. وكيفما كان فالقدرة فيه عظيمة. وإلى نحو هذين القولين يذهب من لا يجيز أكل ما مات من غير سبب، ويتأول في صيد البحر أنه ما صيد وهو حي. (٩٦) - وقوله تعالى: ﴿لكم وللسيارة﴾: يريد بـ ((لكم)) حاضري البحر، وبالسيارة المسافرين. وقال مجاهد: أهل القرى هم المخاطبون. والسيارة أهل الأمصار كأنه يريد أهل قرى البحر والسيارة، والسيارة أهل الأمصار غير تلك القرى. - وقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾: هذه الآية حرمت على المحرم صيد البر، والصيد في كلام العرب مصدر صاد يصيد صيدًا. ويحتمل أن يكون هنا مراد به المصدر، ويحتمل أن يراد به الشيء المصيد، فيقع على

стр. 929

الاسم، كما تقول: درهم ضرب الأمير، ونحو ذلك. وبسبب هذا الاحتمال اختلف المفسرون والفقهاء فيه أيضًا. فمنهم من حمله على الاصطياد، ومنهم من حمله على المصيد، ومنهم من حمله عليهما جميعًا، فجعل الاسم عامًا لوقوعه عليهما، فنشأ من هذا الاتفاق على أن ما صاده المحرم، فلا يحل له أكله بوجه. ونشأ منه الاختلاف فيما صاده غيره، فإن كان الصائد حلالًا، فقيل: لا يحل أكل الصيد للمحرم بوجه. ونسبه بعضهم إلى مالك رحمه الله تعالى. وذهب بعضهم إلى أنه حلال أكله للمحرم، إلا أن يكون صيد لمحرم، فلا يجوز أكله لمحرم بوجه وإن كان الذي صيد له غيره، وإلى نحو هذا يذهب عمر ابن الخطاب وهو مروي عن مالك. وسئل أبو هريرة عن هذه النازلة، فأفتى بالإباحة، ثم أخبر عمر بن الخطاب. فقال له: لو افتيت بغير هذا لأوجعت رأسك بهذه الدارة. وسأل أو الشعثاء ابن عمر عن هذه المسألة، فقال له: كان عمر يأكله. قال: قلت: فأنت. قال: كان عمر خيرًا مني. وذهب قوم إلى أنه جائز للمحرم أكل جميع ما صاده الحلال في الحل، وأنه جائز

стр. 930

للمحرم وإن صيد لمحرم، إلا أن يصاد من أجله فلا يجوز له أكله. وهذا أيضًا مروي عن مالك رحمه الله تعالى. قال بعضهم: والأكثر على إباحته، وقد روي عن جابر أنه قال: عقر أبو قتادة حمارًا وحشيًا، ونحن حرم وهو حلال فأكلنا منه ومعنا رسول الله ﷺ . وروي عن جابر أيضًا أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((لحم صيد البحر حلال لكم وأنتم محرمون ما لم تصيدوه أو يصد لكم))، وغير أن من حرمه تعلق بظاهر الآية قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾، وعمومه يتناول الاصطياد والمصيد نفسه لوقوع الاسم عليهما. ومن أباحه ذهب إلى أن الحيوان إنما يسمى باعتبار الاستصحاب الاسم السابق. وقد اضطربت الروايات في حديث الصعب بن جثامة هل كان الذي أهدى إلى رسول الله ﷺ فرده لحم حمار وحش أو حمار وحش حيًا؟ فروى مالك ﵀ أن الذي أهدي إليه حمار وحش، وروى غيره أنه كان لحم

стр. 931

حمار، فيحتمل أن يقال فيه: إنه كان صيد من أجله، ولذلك رده. وأما إن كان الصائد حرامًا، فذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه لا يجو أكله لغيره ولا له. وذهب الشافعي إلى أنه يجوز أكله لغيره ولا يجوز له. الحجة على قول الشافعي في قوله تعالى هذا عموم قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ الآية. واحتج بعضهم في ذلك بقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، وقد اختلف فيمن أحرم وعند صيده في يده أو في منزله هل يرسله أم لا؟ فقيل: لا يرسله. وذكر عن الشافعي، وقال مالك: إن كان بيده أرسله، وإن كان في بيته لم يرسله. وحجة الإرسال قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾، لأنهما كان بيده أو في بيته فهو صيد له، ولا خلاف أن ما لا زوال له من الماء فهو صيد البحر، وأن ما لا زوال له من البر فهو صيد البر. واختلف فيما يكون من أحدهما، وقد يعيش في الآخر. فقيل: كل ما يعيش من دواب الماء في البر، وله فيه حياة فهو من صيد البر الذي حرمه الله تعالى، وهو قول مالك رحمه الله تعالى، وسعيد بن جبير وعطاء في إحدى الروايتين عنه، وأبو مجلز

стр. 932

في ذلك الضفادع والسلاحف والسرطانات، وروي عن مالك أن الضفادع والسلاحف من صيد البحر. وقيل: المراعي في ذلك أكثر عيش الحيوان، فحيث ما عاش أكثر فهو منه، وهذا القول مروي عن عطاء. وسئل عن الماء فقال: حيث يكون أكثر فهو منه، وحيث يفرغ فهو منه، والصحيح في ابن الماء أنه من طير البر. وقد اختلف في الجراد هل هو من صيد البر أم البحر، فالجمهور على أنه من صيد البر. وحجتهم ما جاء عن بعضهم من أنه نثرة حوت. والدليل على ما ذهب إليه الجمهور قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾. وإنما يعلم صيد البر من غيره بما يأوي إليه ويعيش فيه، والجراد إنما هو في البر، وفيه حياته؛ فوجب أن يكون من صيد البر. - وقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ الآية، وقوله: ﴿وحرم عليكم صيد البر﴾: مما اختلف الأصوليون فيه هل هو من قبيل المجمل الذي لا يفهم المراد به من لفظه إلا بدليل غيره، أو من قبيل النص بالعرف لا

стр. 933

بالوضع، أو من قبيل العام، والذي يرتضيه المحققون أنه نص بالعراف في أن المراد به الأكل، وقد مر الكلام على شيء من هذا في غير ما موضع. (٩٧) - قوله تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام﴾: الكعبة بيت مكة، وذكر الله تعالى الكعبة وهو يريدها وما والاها من الحرم، لكنه خصها بالذكر تعظيمًا لها وتشريفًا، وإذ كانت هي أصل التحريم وموجبه. وقوله تعالى: ﴿قيامًا للناس﴾ أي أمرًا يقوم للناس بالأمة والمنافع. وقيل: أي موضع وجوب قيام بالمناسك والتعبدات، فضبط تعالى النفوس فيها وفي الشهر الحرام، ومع الهدي والقلائد. وقوله تعالى: ﴿الشهر الحرام﴾ اسم جنس أي الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وشهر مضر وهو رجب الأصم، وسماه رسول الله ﷺ : ((شهر الله))، وكان كثير من العرب لا يراه. وقيل: إنما قيل: شهر الله لأنه تعالى سنه وشدده؛ لأنه كان كثير من العرب لا يراه. وقوله تعالى: ﴿والهدي﴾: يريد أنه أمان لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادة لم يأت لحرب. و ﴿والقلائد﴾ كذلك كان الرجل إذا

стр. 934

خرج يريد الحج تقلد من لحا الشجر شيئًا، فكان ذلك أمانًا له، وكان الأمر في نفوسهم عظيمًا مكنه الله تعالى حتى كانوا لا يقدم من ليس بمحرم أن يتقلد شيئًا خوفًا من الله تعالى. وكذلك كانوا إذا انصرفوا تقلدوا من شجر الحرم. وقوله تعالى: ﴿للناس﴾: لفظ عام، وقال بعضهم: أراد العرب، ولا معنى لهذا التخصيص. وقال سعيد بن جبير: جعل الله تعالى هذه الأمور للناس وهم لا يرجون جنة ولا نارًا، ثم شدد ذلك بالإسلام، وقد تقدم الكلام على طرف من هذا المعنى. (١٠١) - (١٠٥) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ إلى قوله: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾: اختلف في سببها، فقيل: نزلت بسبب سؤال عبد الله بن حذافة السهمي، وذلك أن رسول الله ﷺ صعد المنبر مغضبًا، فقال: ((لا تسألوني اليوم عن شيء إلا أخبرتكم)) فقام رجل، فقال: أين أنا؟ فقال رسول الله ﷺ : ((في النار))، فقام عبد الله بن حذافة، وكان يطعن في نسبه، فقال: من أبي؟ فقال: ((أبوك حذافة)). وفي بعض الأحاديث: فقام رجل، فقال: من أبي؟ فقال: ((أبوك سالم مولى شيبة))، فقام عمر بن الخطاب، فجثا على ركبتيه وقال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا، نعوذ بالله من الفتن. وبكى الناس من غضب رسول الله ﷺ ، ونزلت الآية

стр. 935

بسبب هذه الأجوبة. وقيل: خطب رسول الله ﷺ فقال: ((أيها الناس كتب عليكم الحج))، وقرأ: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]، فقالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فأعادوا وقال: ((لا، ولو قلت نعم لوجبت)). وفي بعض الأحاديث أن الذي قال: أفي كل عام، عكاشة بن محصن. وفي بعضها محض الأسدي، وفي بعضها رجل من بني أسد. وقيل: نزلت بسبب قوم سألوا عن البحيرة والسائبة والوصيلة ونحو هذا من أحكام الجاهلية. وقيل: كانوا يسألون عن الشيء وهو حلال، ولا يزالوا يسألون حتى يحرم عليهم فإذا حرم عليهم وقعوا فيه. وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه ﷺ قال: ((إن أعظم المسلمين على المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجله)). وقيل: نزلت بسبب قوم سألوا رسول الله ﷺ مسائل امتحان، فقال أحدهم: من أبي؟ وقال آخر: أين ناقتي؟ فنهوا عن ذلك. وقيل: نزلت فيما سأله النبي ﷺ ، فقيل له: لجعل لنا الصفا ذهبًا، فلم يفعل لهم ما أرادوا فكفروا. وجملة الروايات ترجع إلى أنه ﷺ ألحت عليه

стр. 936

الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات، فزجر الله تعالى عن ذلك بهذه الآية. (١٠١) - وقوله تعالى: ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾: اختلف في تأويله، فقيل: المعنى لا تسألوا عن أشياء في الإخبار عنها مساءة. وأما لأجل تكليف شرعي يلزمكم، وإلا لخبر يسؤكم كما قيل للذي قال: أين أنا؟ ولكن إذا نزل القرآن بشيء وابتدأكم ربكم فحينئذ إن سألتم عن تفصيله وبيانه، بين لكم وأبدى، فالضمير في قوله: ((عنها)) عائد على نوع السؤالات لا على الأشياء التي نهي عن السؤال عنها، وهذا القول يرجع إلى أنه أباح لهم السؤال عما نزل القرآن به، ونهاهم عن السؤال عما لم ينزل به القرآن. وقيل: يحتمل أن يكون هذا في معنى الوعيد؛ كأنه قال: لا تسألوا وإن سألتم لقيتم عيب ذلك وصعوبته، لأنكم تكلفون وتستعجلون علم ما يسوءكم كالذي قيل له: أنت في النار. (١٠١) - وقوله تعالى: ﴿عفا الله عنها﴾: معناه: ما لم يكن مذكورًا بحلال ولا حرام فهو معفو عنه فلا تبحثوا عنه، فلعله إن ظهر لكم حكمه ساءكم. وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: الحلال ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه الله وما سكت عنه فهو معفو عنه وما حرمه رسول الله صلى الله عليه سلم فعلى وجه الكراهة

стр. 937

والتنزيه. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها مثل ذلك. وقال القاضي إسماعيل: وقد قال الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، ومحال أن يقول الله تعالى ذلك، فيقول النبي ﷺ : أجد، ولكنه ﷺ يسر للمصلحة، فنهى عن أكل السباع لأنها تفشي القلب وتغري على فعل المحرمات، وكذلك نهى عن التوضؤ بالماء المشمس لما يحدث في البدن، والله أعلم. ولا يجوز مخالفة رسول الله ﷺ ولا ترك قبول قبوله، ثم قال: ((قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين))، فأخبر أن قومًا من قبلنا قد سألوا آيات مثلها فلما أعطوها وفرقت عليهم كفروا بها، وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وسؤال أصحاب عيسى المائدة. (١٠٣) - قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ الآية: لما سأل قم عن هذه الأمور التي كانت في الجاهلية هل تلحق بحكم الله تعالى في تعظيم الكعبة والحرم أخبر تعالى أنه لم يجعل شيئًا من هؤلاء سنة لعباده، ولكن الكفار فعلوا ذلك كعمرو بن لحي وغيره. ويقولون: إن هذه قربة إلى الله وأمر يرضيه، وأكثرهم لا يعقلون بل يتبعون هذه الأمور تقليدًا وضلالًا بغير حجة. والبحيرة فعلية بمعنى مفعولة من بحر إذا شق، وكانوا إذا نجت الناقة عشة شقوا أذنها

стр. 938

نصفين، وتركت ترعى وترد الماء، ولا ينتفع بها بشيء، ويحرم لحمها إذا ماتت على النساء ويحل للرجال. وقال ابن عباس: كانوا يفعلون ذلك إذا تنجت الناقة خمسة أبطن. وقال بعضهم: خمسة أبطن آخرها ذكر. وقال آخرون: إذا ولدت سبعًا أو خمسًا شقوا أذنها. وقيل: البحيرة بنت السائبة، وكانوا يشقون أذنها ويخلون سبيلها، ولا يركب ظهرها، إلى سائر ما يفعل بأمها، وقد يقال: الناقة الغزيرة اللبن: بحيرة. وأصلها مما تقدم؛ لأنه إذا صنع بها ذلك استغزر لبنها، وعلى هذا يجيء قول ابن مقبل: فيها من الأجرع المرباع قرقرة ... هدر الديا في وسط الهجمة البحر وروي عن أبي الأحوص عن أبيه، قال: دخلت على النبي ﷺ فقال

стр. 939

لي: أرأيت إبلك الست تنتجها مسلمة آذانها، فتأخذ الموسى فتقطع آذانها، فتقول: هذه بحر، وتقطع جلودها فتقول: هذه صرم، فتحرمها عليك وعلى أهلك؟ قال: نعم، قال: فإن ما آتاك الله حل لك وساعد الله أشد وموسى الله أحد. والسائبة الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر سيبت. وقيل أيضًا: هي الناقة سيبت للآلهة. وقيل: السائبة أيضًا عندهم التي ينذر الرجل إن برئ من مرضه أو إن أصاب أمرًا يطلبه أن يسببها ولا ينتفع بلبنها ولا ظهرها ولا غير ذلك، يرون ذلك كعتق بني آدم. وقال ﷺ لأكثم بن الجون الخزاعي: ((يا أكثم رأيت عمرو ببن يحيى بن قملة بن جندب يجر قصبه في النار، فما رأيت أشبه به منك)). قال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: ((لا، إنك مؤمن وإنه كافر، هو أول من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وسيب السوائب)). وكانت العرب تعتقد أن من انتفع بهذه النوق بشيء أو أخذ منها شيئًا لحقته عقوبة من الله. والوصيلة: الشاة إذا أقامت عشر إناث متتابعات في

стр. 940

خمسة أبطن ليس بينهن ذكر جعلت وصيلة، قالوا: قد وصلت فكان ما بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث إلا أن يموت منها شيء، فيشتركون في أكله. وقيل: الوصيلة من الغنم التي ولدت ثلاثة بكون أو خمسة، فإن كان آخرها جديًا وعناقًا استحيوهما، وقالوا: هذه العناق وصلت أخاها فمنعته من الذبح. وأكثر الناس على أن الوصلة لا تكون إلا في الغنم. وروي عن ابن المسيب أن الوصيلة من الإبل كانت الناقة إذا ابتكرت بأنثى ثم نشت بأخرى، قالوا: وصلت اثنتين، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم أو يذبحونها. والحامي: الفحل من الإبل إذا نتجت له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر من ظهره لم ولم يجز وبره وخلي في الإبل لا ينتفع منه بغير ذلك. وقيل: الحامي الفحل من الإبل إذا ضرب في الإبل عشر سنين. وقيل: إذا ركب ولد ولده قالوا: أحمى ظهره. قال الشاعر: حول الوصائل في شريف حقه ... والحاميات ظهورها والسيب وجملة ما يظهر من هذه الآية أنه تعالى جعل الأنعام لعباده

стр. 941

نعمة يتسعون فيها ورفقًا يرتفقون به وينتفعون بما فيه من النفع. وكان الجاهليون يحرمون على أنفسهم طرق الانتفاع ويزيلون المصلحة التي للعباد فيها، فنهى الله تعالى عن ذلك ونظير هذا من أفعال أهل الإسلام التحبيس. وقد اختلف فيه هل يجوز أم لا؟ فمنع منه أبو حنيفة في المشهور عنه وأصحابه واستدلوا على ذلك بهذه الآية التي ذكرناها؛ لأنهم رأوا أنها تدل على تحريم قطع منافع الملك من غير نقل إلى مالكه، ومن أجل ذلك منع الشافعي تعطيل منافع الرهن على خلاف ما قاله أبو حنيفة، ومن أجلع أيضًا منع أبو حنيفة شراء الكافر المسلم في قول؛ لأن الشراء إذا لم يفد المقصود من الانتفاع بالشيء المشترى كان تسييئًا. وقد استدلوا أيضًا على منع الحبس بقوله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون﴾ [الأنعام: ١٣٦]، وبقوله تعالى: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وبقوله تعالى: ﴿وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون﴾ [الأنعام: ١٣٨]، وقال في آخر القصة: ﴿أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليصل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [الأنعام:

стр. 942

١٤٤]. وذهب الجمهور إلى جواز الأحباس لما جاء في ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولم يروا في هذه الآية حجة لأنها إنما تقتضي التوبيخ على الذي كانت الجاهلية تحرمه على أنفسها من أنعامها تشرعًا وتدينًا وافتراء على الله، واتباع خطوات الشيطان، فليس ذلك مما يحبسه الرجل على ولده مثلًا، وفي وجه من وجوه البر التي يتقرب بها إلى الله تعالى بسبيل. وامتنع المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة من القول بإبطال الحبس. وقالوا: هو جائز ولكن لا يلزم إلا بأحد أمرين: إما أن يحكم به حاكم، أو يوصي به في مرضه أن يوقف بعد موته فيصح، فيكون في الثلث كالوصية إلا أن يكون مسجدًا أو سقاية، فإن وقف ذلك يصح ولا يحتاج إلى حكم حاكم. وهذا بعيد أيضًا، لأن ما لا يجوز للرجل أن يفعله في حياته فلا يجوز أن يوصي به بعد وفاته، وما لا يحل لا يحل الحاكم، قال الله : ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٨]، وذكر ابن حزم أنهم اتفقوا على جواز إيقاف الأرض لبناء المسجد والمقبرة. واتفقوا للآية التي قدمنا أن من أعتق حيوانًا غير بني آدم لا يجوز ولا يسقط به ملك. واختلف في تسييب الحيوان هل فيه أجر أم لا؟ وهل يزول به الملك أم لا؟ واختلفوا فيمن قال لعبده: أنت حر سائبة، فمذهب ابن القاسم أنه حر إن أراد الحرية وولاؤه لجميع

стр. 943

المسلمين وذلك مكروه عنده. وقال أصبغ: ذلك جائز ولا كراهة كالذي يعتق عبده عن ذلك غيره فيكون الولاء للمعتق عنه ولا يكره ذلك له وهو حر أراد الحرية أو لم يردها. وقال ابن الماجشون: لا يجوز عتق السائبة، فإن فعل فالولاء له إن عرف وإن جهل فولاؤه لجميع المسلمين، فقول ابن الماجشون مراعاة للسائبة التي نهى الله تعالى عنها في الآية. - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾: اختلف في تأويل هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ فقيل: إنها تقتضي إصلاح المرء نفسه، وأنه لا يجب عليه إصلاح غيره بأمره بمعروف أو نهيه عن منكر إلا أن هذا منسوخ بإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وذهب قوم إلى أن الآية محكمة، ورووا أن أبا أمية الشعباني قال: سألت ثعلية الخشني عن هذه الآية، فقال: لقد سألت عنها خيرًا سألت رسول الله ﷺ فقال:

стр. 944

((ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإذا رأيت دنياه مؤثرة وشحًا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك وذر عوامهم فإن وراءك أيامًا أجر العامل فيها كأجر الخمسين منكم))، وكان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بلغه أن بعض الناس تأول الآية أنها لا يلزم معها أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، فصعد المنبر فقال: ((أيها الناس لا تغتروا، يقول الله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل﴾ [المائدة: ١٠٥]، فيقول أحدكم: علي بنفسي، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر وليستعملن عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب)). وروي عن ابن مسعود أنه قال: ليس هذا بزمان هذه الآية، قولوا الحق ما قبل منكم فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم. وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن: لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فقال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب))، ونحن شهداء

стр. 945

فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل. وحاصل هذا القول في الآية بأنها محكمة أنها إنما هي في الوقت الذي لا يقبل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وسيأتي الكلام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موضعه، ونذكر ما اختلف فيه من ذلك إن شاء الله تعالى. وذهب قوم منهم سعيد بن جبير إلى أن معنى هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾: التزموا شرعكم بما فيه من جهاد أو أمر بمعروف أو غيره، ولا يضركم أهل الكتاب إذا اهتديتم. وذهب قوم منهم ابن زيد إلى أن المعنى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يريد أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السائبة، ﴿عليكم أنفسكم﴾ في الاستقامة على الذين لا يضركم ضلال الآباء إذا اهتديتم. قال ابن زيد: وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار: سفهت آباءك وضللتم وفعلت وفعلت، فنزلت الآية. وذهب قوم إلى أنها نزلت بسبب ارتداد بعض المؤمنين وافتتانهم كابن أبي سرح وغيره، فقيل للمؤمنين: لا يضركم ضلالهم. وذهب قوم إلى أن معناها لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد الأمر بالمعروف والنهي

стр. 946

عن المنكر. وقال سعيد بن جبير: أراد بهذه الآية أهل الكتاب الذين يقرون الجزية على الكفر ولا يضرهم كفرنا، لأنا أعطيناهم الذمة على أن نتركهم وما يعتقدون، ولا يسوغ لنا نقض عهدهم بإجبارهم على الإسلام، فهذا الذي لا يضرنا الإمساك عنه. (١٠٦) - (١٠٨) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ إلى قوله: ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾: وقد قال مكي: إن هذه الآيات عند أهل المعاني أشكل ما في القرآن إعرابًا وحكمًا، ونحن نبين إن شاء الله تعالى معناها وحكمها. فأما الإعراب، فالاشتغال به ليس مما نقصده، وفيه تعويل. فأما ما تقدم الكلام على سبب الآية، وسببها بلا خلاف أن تميمًا الداري وعدي بن برا كانا نصرانيين فسافرا إلى المدينة يريدان الشام لتجارتهما، قال الواقدي: وهما أخوان، وقدم المدينة أيضًا ابن أبي ماوية مولى ابن أبي العاص يريد الشام أيضًا تاجرًا، فخرجوا في رفقة واحدة، فمرض ابن أبي ماوية في الطريق. قال الواقدي: فكتب وصيته بيده ودفنها في متاعه

стр. 947

وأوصى إلى تميم وعدي أن يؤديا رجله فأتيا بعد مدة إلى المدينة برجله فدفعاه ووجدوا أولياؤه من بني سليم وصية مكتوبة ففقدوا أشياء قد كتبها فسألوهما عنها، فقالا: ما ندري هذا الذي قبضناه له، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فنزلت الآية الأولى، فاستحلفهما رسول الله ﷺ بعد العصر فبقي الأمر مدة ثم عثر بمكة من متاعه على إناء عظيم من فضة مخوص بذهب، فقيل لمن وجده عنده: من أين لك هذا؟ قالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فارتفع الأمر إلى رسول الله ﷺ فنزلت الآية الأخرى، فأمر رسول الله ﷺ رجلين من أولياء الميت أن يحلفا. قال الواقدي: فحلف عبد الله بن عمر بن العاص والمطلب بن وداعة واستحقا. وروى ابن عباس عن تميم أنه قال: برئ من هذه الآيات غيري وغير عدي، وذكر الحكاية، لكن قال: وكان معه جام من فضة فأخذته أنا وعدي فبعناه بألف واقتسمنا ثمنه، فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة تأثمت فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة، فوثبوا إلى عدي فأتوا به رسول الله ﷺ وحلف عمرو بن العاص، ورجل آخر معه ونزعت من عدي خمسمائة. وفي بعض الأحاديث عن ابن عباس أن الرجل الموصي رجل من المسلمين

стр. 948

من بني سهم لا مولى. وبعد القول في سببها فلنذكر ما قيل في معناها. وقد اختلف في ذلك، فقيل: معناها أن الله تعالى أخبر المؤمنين أن حكمه في الشهادة على المريض إذا حضره الموت أن يشهد على وصيته عدلين، فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه مؤمن فليشهد شاهدين ممن حضر من الكفار، فإذا قدما وأديا الشهادة على الوصية حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا، وأن ما شهد به حق ما كتما فيه شهادة لله، وحكم بشهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا أو نحو هذا مما هو إثم حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما فعنى بقوله تعالى: ﴿منكم﴾ من المؤمنين، وبقوله: ﴿من غيركم﴾ من الكفار، وهذا أحد الأقوال في معنى الآية. والذين ذهبوا إليه اختلفوا هل هو منسوخ أم محكم؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذا منسوخ وأنه لا تجوز اليوم شهادة كافر على مسلم. والذي نسخه عندهم قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وقال تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. وذهب جماعة إلى أن الآية على المعنى الذي ذكرناه محكمة، وأن شهادة الكافر على المسلم في الوصية جائزة كما جاء في الآية. وإليه ذهب ابن عباس وشريح وأبو موسى الأشعري وغيرهم. وقد قضى بذلك أبو موسى بالكوفة على ما ذكر الشعبي عنه، وقيل: معنى الآية غير ما تقدم. وقوله تعالى: ﴿منكم﴾ يريد من عشيرتكم وقرابتكم، وقوله: ﴿أو

стр. 949

آخران من غيركم﴾ يريد من غير القرابة والعشيرة، قالوا: فأمر الله تعالى بإشهاد عدلين من القرابة؛ إذ هم ألحق بحال الوصية وأدرى بصورة العدل فيها، فإن كان الأمر في سفر ولم يحضر قرابة أشهدا أجنبيين، فإذا شهدا فإذا لم يقع ارتياب مضت الشهادة، وإن ارتيب بأنهما مالا بالوصية إلى أحد أو زادا أو نقصا حلفا بعد الصلاة ومضت شهادتهما، فإن عثر على تبديل منهما بعد ذلك واستحقاق إثم حلف وليان من القرابة وبطلت شهادة الأولين. وفي هذين القولين أيضًا من الشذوذ حلف الشاهدين مع شهادتهما. وقد اختلف أيضًا في هذا هل هو محكم أو منسوخ؟ فذهب الحسن بن أبي الحسن وعكرمة والزهري إلى أنه محكم. واختلف في الصلاة المذكورة ما هي؟ فقال شريح: هي صلاة العصر. وقال الحسن: صلاة الظهر، وذهب جماعة إلى أنه منسوخ وأن الشاهد لا يحلف، ويذكر هذه عن مالك والشافعي وكافة الفقهاء. وقال ابن عباس: المراد بالصلاة صلاة أهل دينهما وهذا على القول بأن الشاهدين غير مسلمين. واختلف في المذهب في الشاهد

стр. 950

يشهد ويحلف على صدق شهادته هل شهادته أم لا؟ على قولين. وقيل: إنما ألزم الشاهدان اليمين لأنهما ادعيا أن الميت أوصاهما بوصية. وذكر الطبري رحمه الله تعالى أن هذا التحالف الذي في الآية إنما هو بحسب التداعي وذلك أن الشاهدين الأولين إنما يحلفان إذا ارتيبا، وإذا ارتيبا فقد ترتبت عليهما دعوى فيلزمهما اليمين، لكن هذا الارتياب إنما يكن في خيانة عليهما دعوى فيلزمهما اليمين، لكن هذا الارتياب إنما يكون في خيانة منهما، فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا نظر فإن كان الأمر بينًا غرما دون يمين، وإن كان بشهادة واحد أو بدلائل تقتضي خيانتهما أو ما أشبه ذلك مما هو كالشاهد حمل على الظالم، وحلف الداعيان مع ما قام لهما من شاهد أو دليل. وهذا الذي قاله الطبري تأويل للآية يخرجها عن أن يحلف الشاهد مع شهادته، وتكون الآية معه محكمة، فالشهادة ........
следующие страницы →