← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

عن المنكر. وقال سعيد بن جبير: أراد بهذه الآية أهل الكتاب الذين يقرون الجزية على الكفر ولا يضرهم كفرنا، لأنا أعطيناهم الذمة على أن نتركهم وما يعتقدون، ولا يسوغ لنا نقض عهدهم بإجبارهم على الإسلام، فهذا الذي لا يضرنا الإمساك عنه. (١٠٦) - (١٠٨) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ إلى قوله: ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾: وقد قال مكي: إن هذه الآيات عند أهل المعاني أشكل ما في القرآن إعرابًا وحكمًا، ونحن نبين إن شاء الله تعالى معناها وحكمها. فأما الإعراب، فالاشتغال به ليس مما نقصده، وفيه تعويل. فأما ما تقدم الكلام على سبب الآية، وسببها بلا خلاف أن تميمًا الداري وعدي بن برا كانا نصرانيين فسافرا إلى المدينة يريدان الشام لتجارتهما، قال الواقدي: وهما أخوان، وقدم المدينة أيضًا ابن أبي ماوية مولى ابن أبي العاص يريد الشام أيضًا تاجرًا، فخرجوا في رفقة واحدة، فمرض ابن أبي ماوية في الطريق. قال الواقدي: فكتب وصيته بيده ودفنها في متاعه

стр. 947

وأوصى إلى تميم وعدي أن يؤديا رجله فأتيا بعد مدة إلى المدينة برجله فدفعاه ووجدوا أولياؤه من بني سليم وصية مكتوبة ففقدوا أشياء قد كتبها فسألوهما عنها، فقالا: ما ندري هذا الذي قبضناه له، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فنزلت الآية الأولى، فاستحلفهما رسول الله ﷺ بعد العصر فبقي الأمر مدة ثم عثر بمكة من متاعه على إناء عظيم من فضة مخوص بذهب، فقيل لمن وجده عنده: من أين لك هذا؟ قالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فارتفع الأمر إلى رسول الله ﷺ فنزلت الآية الأخرى، فأمر رسول الله ﷺ رجلين من أولياء الميت أن يحلفا. قال الواقدي: فحلف عبد الله بن عمر بن العاص والمطلب بن وداعة واستحقا. وروى ابن عباس عن تميم أنه قال: برئ من هذه الآيات غيري وغير عدي، وذكر الحكاية، لكن قال: وكان معه جام من فضة فأخذته أنا وعدي فبعناه بألف واقتسمنا ثمنه، فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة تأثمت فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة، فوثبوا إلى عدي فأتوا به رسول الله ﷺ وحلف عمرو بن العاص، ورجل آخر معه ونزعت من عدي خمسمائة. وفي بعض الأحاديث عن ابن عباس أن الرجل الموصي رجل من المسلمين

стр. 948

من بني سهم لا مولى. وبعد القول في سببها فلنذكر ما قيل في معناها. وقد اختلف في ذلك، فقيل: معناها أن الله تعالى أخبر المؤمنين أن حكمه في الشهادة على المريض إذا حضره الموت أن يشهد على وصيته عدلين، فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه مؤمن فليشهد شاهدين ممن حضر من الكفار، فإذا قدما وأديا الشهادة على الوصية حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا، وأن ما شهد به حق ما كتما فيه شهادة لله، وحكم بشهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا أو نحو هذا مما هو إثم حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما فعنى بقوله تعالى: ﴿منكم﴾ من المؤمنين، وبقوله: ﴿من غيركم﴾ من الكفار، وهذا أحد الأقوال في معنى الآية. والذين ذهبوا إليه اختلفوا هل هو منسوخ أم محكم؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذا منسوخ وأنه لا تجوز اليوم شهادة كافر على مسلم. والذي نسخه عندهم قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وقال تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. وذهب جماعة إلى أن الآية على المعنى الذي ذكرناه محكمة، وأن شهادة الكافر على المسلم في الوصية جائزة كما جاء في الآية. وإليه ذهب ابن عباس وشريح وأبو موسى الأشعري وغيرهم. وقد قضى بذلك أبو موسى بالكوفة على ما ذكر الشعبي عنه، وقيل: معنى الآية غير ما تقدم. وقوله تعالى: ﴿منكم﴾ يريد من عشيرتكم وقرابتكم، وقوله: ﴿أو

стр. 949

آخران من غيركم﴾ يريد من غير القرابة والعشيرة، قالوا: فأمر الله تعالى بإشهاد عدلين من القرابة؛ إذ هم ألحق بحال الوصية وأدرى بصورة العدل فيها، فإن كان الأمر في سفر ولم يحضر قرابة أشهدا أجنبيين، فإذا شهدا فإذا لم يقع ارتياب مضت الشهادة، وإن ارتيب بأنهما مالا بالوصية إلى أحد أو زادا أو نقصا حلفا بعد الصلاة ومضت شهادتهما، فإن عثر على تبديل منهما بعد ذلك واستحقاق إثم حلف وليان من القرابة وبطلت شهادة الأولين. وفي هذين القولين أيضًا من الشذوذ حلف الشاهدين مع شهادتهما. وقد اختلف أيضًا في هذا هل هو محكم أو منسوخ؟ فذهب الحسن بن أبي الحسن وعكرمة والزهري إلى أنه محكم. واختلف في الصلاة المذكورة ما هي؟ فقال شريح: هي صلاة العصر. وقال الحسن: صلاة الظهر، وذهب جماعة إلى أنه منسوخ وأن الشاهد لا يحلف، ويذكر هذه عن مالك والشافعي وكافة الفقهاء. وقال ابن عباس: المراد بالصلاة صلاة أهل دينهما وهذا على القول بأن الشاهدين غير مسلمين. واختلف في المذهب في الشاهد

стр. 950

يشهد ويحلف على صدق شهادته هل شهادته أم لا؟ على قولين. وقيل: إنما ألزم الشاهدان اليمين لأنهما ادعيا أن الميت أوصاهما بوصية. وذكر الطبري رحمه الله تعالى أن هذا التحالف الذي في الآية إنما هو بحسب التداعي وذلك أن الشاهدين الأولين إنما يحلفان إذا ارتيبا، وإذا ارتيبا فقد ترتبت عليهما دعوى فيلزمهما اليمين، لكن هذا الارتياب إنما يكن في خيانة عليهما دعوى فيلزمهما اليمين، لكن هذا الارتياب إنما يكون في خيانة منهما، فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا نظر فإن كان الأمر بينًا غرما دون يمين، وإن كان بشهادة واحد أو بدلائل تقتضي خيانتهما أو ما أشبه ذلك مما هو كالشاهد حمل على الظالم، وحلف الداعيان مع ما قام لهما من شاهد أو دليل. وهذا الذي قاله الطبري تأويل للآية يخرجها عن أن يحلف الشاهد مع شهادته، وتكون الآية معه محكمة، فالشهادة ........

стр. 951

سورة الأنعام اختلف فيها فقيل هي كلها مكية، وقيل -وهو قول ابن عباس- هي مكية نزلت بمكة إلا ست آيات وهي قوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿من أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إلي﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه﴾ [الأنعام: ٢٠]. وقيل هي مكية إلا تسع آيات، وقيل- وهو قول الكلبي- الأنعام

стр. 952

كلها مكية إلا آيتين نزلتا بالمدينة في فنحاص اليهودي وهي: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ [الأنعام: ٩١] مع ما يربط بالآيتين. وذلك أن فنحاصًا قال: ما أنزل الله على بشر من شيء. وقال ابن عباس: نزلت سورة الأنعام وحولها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح. وقال كعب: فاتحة التوراة فاتحة الأنعام: ﴿الحمد لله﴾ إلى ﴿يعدلون﴾، وخاتمة التوراة خاتمة هود: ﴿وما ربك بغافل عما تعملون﴾ [هود: ١٢٣]. وقيل: خاتمتها: ﴿قل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا﴾ إلى قوله: ﴿تكبيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: الأنعام من نجائب القرآن. وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: من قرأ سورة الأنعام فقد انتهى في رضى الله تعالى. وفي هذه السورة من الأحكام والناسخ والمنسوخ مواضع. (٥٢) - قوله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فتكون من الظالمين﴾:

стр. 953

المراد بالدعاء هنا اختلف فيه، فقيل: الصلوات الخمس. وقيل: الدعاء. وقيل: ذكر الله، واللفظ على وجهه. وقيل: الاجتماع إليهم غدوة وعشيًا. وقيل: هو قراءة القرآن وتعلمه. وقيل: هو العبادة. وقوله: ﴿بالغداة والعشي﴾ اختلف فيه. فقيل: هو عبارة عن استمرار الفعل وأن الزمن معمور به كما تقول: الحمد لله. ويحتمل أن يريد بهما الوقتين المخصوصين، ولأجل هذا قال بعضهم: المراد بالغداة والعشي منها صلاة مكة التي كانت مرتين في اليوم بكرة وعشيًا. وسبب الآية ما كان من أشراف قريش من قولهم لرسول الله ﷺ : لو أزلت عنك الضعفاء وطردتهم لاتبعناك. وقد يؤخذ من هذه الآية ألا يمنع من يريد أن يذكر الناس بالله وبأمور الآخرة سواء كان في جامع أو صومعة أو طريق ونحو ذلك. وقد اختلف المتأخرون في المؤذن يؤذن بالأسحار ويبتهل بالدعاء ويردد ذلك إلى أن يصبح فشكاه الجيران. هل يمنع أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنه يمنع، واحتجوا بحديث تميم الداري إذ قال لعمر: دعني أدعو الله تعالى وأقص وأذكر الله. فقال عمر: لا. فأعاد

стр. 954

عليه. فقال: لا. أنت تريد أن يقال: هذا تميم الداري فاعرفوني. وقد قال مالك: القصص بدعة. ومن حجتهم أيضًا حديث سعيد بن المسيب إذ قال لبرد مولاه: اطرد عني هذا القارئ يعني عمر بن عبد العزيز وذهب جماعة إلى أنه لا يمنع. واحتجوا أنه كان بالبصرة عروة بن أذينة يقوم الليل يصبح في الطريق ويخوفهم بقوله تعالى: ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون﴾ [الأعراف: ٩٧] الآيات، وبما جاء من أن الناس بالمدينة كانوا يتواعدون عند خروجهم لأسفارهم لقيام القرآن وكانوا يقرؤون بالأسحار فتسمع أصواتهم من كل منزل. واحتج بعضهم أيضًا بالآية التي نحن فيها: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ الآية. (٦٦) - قوله تعالى: ﴿قل لست عليكم بوكيل﴾: اختلف فيه هل هو منسوخ أو محكم؟ فقيل: هو منسوخ نسخته آية السيف وهي قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]. وهو قول ابن عباس وقيل: هو

стр. 955

محكم ولا يجوز نسخه لأنه خبر ومعناه صحيح، لأن النبي ﷺ ليس هو على من أرسل إليهم حفيظًا إنما هو نذير، والعقاب مردود إلى الله تعالى ، فهي محكمة. وليس قل من ضعف النسخ بأنه خبر صحيحًا، لأنه كان خبرًا فإنه يقتضي حكمًا. وما كان كذلك فالنسخ فيه جائز. (٦٩) - قوله تعالى: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى﴾: اختلف فيها هل هي منسوخة أم حكمة. فقيل: هي منسوخة بآية النساء: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ [النساء: ١٤٠]. فأمروا أن لا يجلسوا معهم في هذه الحال بعد أن قال: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء﴾ فأباح لهم ذلك. وقيل: هي محكمة لأنها خبر فلا يجوز نسخه والمعنى ليس على من اتقى الله تعالى إذا نهى إنسانًا عن منكر من حسابه من شيء. وإنما عليه أن ينهاه ولا يقعد معه راضيًا بقوله وبفعله. وقيل: إن الآية لا تقتضي إباحة القعود معهم وإنما معناها النهي عن ذلك وأن النهي عن ذلك ليس على أن القاعد معهم ليس من حسابهم شيء لو قعد. وقوله تعالى: ﴿ولكن ذكرى﴾ معناه: ولكن ذكرى لكم. وتحصل هذا القول أنه ليس عليك من حسابهم شيء لو قعدت معهم ولكن هذه ذكرى لك أن لا تقعد معهم.

стр. 956

(٧٠) - قوله تعالى: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا وغرتهم الحياة الدنيا﴾: اختلف فيه هل هو منسوخ أم محكم. فقيل: هو منسوخ بقوله : ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] وهو قول قتادة. وقيل: هو محكم والمراد: التهديد والتوعد فهي كقوله تعالى: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدً﴾ [المدثر: ١١] وهو قول مجاهد. (٨٤) - قوله تعالى: ﴿ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس﴾: اختلف الشيوخ المتأخرون في الذرية هل يدخل فيهم ولد البنات أم لا، مثل أن يحبس عليهم شيئًا أو نحو ذلك. فذهب قوم إلى أنهم لا يدخلون في ذلك كقولهم في الولد والعقب أيضًا. وذهب آخرون إلى أنهم يدخلون في ذلك. واحتج بعض من ذهب إلى ذلك بهذه الآية لأنه تعالى جعل عيسى من ذرية إبراهيم أو نوح على الاختلاف في الضمير ﴿ومن ذريته﴾ على من يعود منهما وعيسى من أولاد البنات إذ لم يكن له أب وقد عده في الذرية. والذين ذهبوا إلى القول الأول ضعفوا هذا الاحتجاج بالآية من أجل عيسى ﵇ لما لم يكن له أب قامت له الأم مقام الأب والأم فكان من ذرية جده للأم إبراهيم أو نوح.

стр. 957

(١٠٣) - وقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾: وقوع رؤية الباري تعالى مما يستند فيه إلى الشرع فأما العقل فلا مجال له في ذلك لكنه يعطي إمكان الرؤية. فأما القطع بوقوعها فإنما ذلك يستند فيه إلى الشرع. فلذلك لا تكون المسألة إلا فقهية. وقد اختلف في ذلك الناس. فأهل السنة يجيزون الرؤية عقلًا إذ كل موجود يصح أن يرى، والمعتزلة يحيلونها عقلًا ويرون أنه يلزم عليها أن يكون الباري تعالى في جهة، إلا أنهم اختلفوا هل يرى هو نفسه أم لا. فمنهم من أجاز ومنهم من منع. وأما وقوع الرؤية فأهل السنة متفقون على أنه تعالى يرى في الآخرة ومستندهم في ذلك إلى الإجماع من الأولين من ابتهالهم إلى الله تعالى في طلب لذة النظر إلى وجهه الكريم وإلى الكتاب العزيز. وأقوى ما يدل عليه فيه قول سيدنا موسى ﵇: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وإلى السنة كقوله ﵊: ((وإنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ولا تضارون)) الأحاديث في ذلك كثيرة لا تنحصر. وأما المعتزلة فأنكروا ذلك واستدلوا على امتناع الوقوع بقوله تعالى: ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣] وبقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ وأجاب أهل السنة عن هذا بأن معنى قوله تعالى: ﴿لن تراني﴾ أي لن تراني في الدنيا أي أن الرؤية إنما تكون في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿لا تدركه

стр. 958

الأبصار﴾ معناه لا تدركه إدراك إحاطة به من جوانبه كام تحيط الرؤية بالأجسام. ويجوز أن يريد لا تدركه الأبصار في الدنيا، فهو عام أريد به الخصوص. وقد اختلف أهل السنة هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء ربه تعالى بعيني رأسه أم لا؟ وقد أنكرت عائشة رضي الله تعالى عنها وقالت لمن سألها عن ذلك: ((قف شعري لما قلت)) وهذه الرؤية في الآخرة من أعظم ما ينعم الله تعالى به على عباده المؤمنين. فلا يجوز أن يراه الكفار. ولم يزل الناس مجمعين على ذلك حتى نشأ رجل يعرف بأبي الحسن بن هاشم البصري وقال إ، الكفار يرون ربهم يوم القيامة. وتبعه على ذلك قوم وهو خطأ صراح. فإن الله تعالى يقول في الكفار: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥] والنظر بقصد ذلك. (١٠٦) - (١٠٨) - قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾: اختلف في قوله: ﴿وأعرض عن المشركين﴾. فقال ابن عباس هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ أو محكم معناه أعرض عما

стр. 959

يدعونك إليه من اتباع ما هم عليه. وقيل: معناه أعرض عن مجادلتهم واتبع ما أوحي إليك. (١٠٧) - وقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾: هذه الآية تتضمن أن الكفر والإيمان إنما هما من الله تعالى وأن الإنسان لا قدرة له على شيء من ذلك خلافًا للمعتزلة الذين يرون أنه ليس لله تعالى لطف يؤمن به الكافر. - وقوله تعالى: ﴿وما جعلناك عليهم حفيظًا وما أنت عليهم بوكيل﴾: مما اختلف فيه أيضًا هل هو منسوخ أم لا. (١٠٨) - وقوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾: خاطب تعالى بها النبي ﷺ وسائر المؤمنين. وسببها أن قريشًا قالوا لأبي طالب ألا ينتهي محمد وأصحابه عن سب آلهتنا. إما أن يكف عنا وإما أن نسب إلهه ونهجوه. فنزلت الآية وحكمها أبدًا محكم. فمتى خاف المسلم أن يسب دين الكفار وأن يسب الكافر الله أو النبي ﷺ أو الإسلام وأهله لم يجز له أن يسب دينهم ولا شيئًا من صلبانهم ولا أن يتعرض إلى ما يدعو إلى ذلك. وفي هذه الآية ما يدل على القول بسد الذرائع وقد تقدم الكلام على نحو من هذا بما أغنى عن إعادته هنا. وقيل: إنها منسوخة بالسيف. (١١٢) - (١١٤) - قوله تعالى: ﴿فذرهم وما يفترون﴾ إلى قوله: ﴿حكمًا﴾: قوله: ﴿فذرهم وما يفترون﴾ آية من آيات الموادعة منسوخة بأية

стр. 960

القتال. قال قتادة: كل ذر في كتاب الله منسوخ بالقتال. وقد ذكر بعضهم أن الأمر بالقتال نسخ مائة آية وأربعة عشرة آية مما يقتضي الموادعة وهو وإن لم تبلغ هذا العدد تحقيقًا فإنها تقاربه. (١١٤) - وقوله تعالى: ﴿أفغير الله أبتغي حكمًا﴾: احتجت بهذه الآية الخوارج على علي رضي الله تعالى عنه في تكفيره بالتحكيم. وهذا لا حجة لهم فيه لأن من حكم إنسانًا ليحكم بما أنزل الله فلم يبغ غير الله تعالى حكمًا. وقد حكم تعالى في الصيد وبين الزوجين. (١١٨) - (١٢١) - قوله تعالى: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ إلى قوله: ﴿وإنه لفسق﴾: قوله: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾. ودليل خطابه النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه. وفي القول بدليل الخطاب اختلاف. إلا أنه تعالى قد صرح بدليل من الخطاب بعد هذا فقال: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ فقوى ذلك الدليل. ولقائل أن يقول إن قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ يدل على فساد القول بدليل الخطاب لأنه لو كان دليلًا قائمًا بنفسه لاكتفى به على التصريح به بعد ذلك. وقال عطاء هذه الآية أمر بذكر الله تعالى على الشراب. والشراب وكل مطعوم. يريد عطاء أن

стр. 961

الآية تقتضي أن ما يؤكل ينبغي أن يذكر اسم الله عليه. والشرب كالأكل في ذلك والذبح مثله أيضًا لأنه إنما يراد من أجل الأكل. (١١٩) - وقوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾: ويقرأ: ﴿وقد فُصل لكم﴾. معناه وقد بين لكم. ثم قال تعالى: ﴿إلا ما اضطررتم﴾ قال بعضهم وهذا استثناء منقطع. والذي عندي فيه أنه متصل. وذلك أنه مستثنى من الضمير الذي في حرم. والضمير الذي في حرم هو المحرم. فاستثنى منها الذي يضطره إليه منها أي حرمت أشياء إلا الذي اضطره إليه أي فلم يحرم. وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ ظرفًا ولا تكون ﴿ما﴾ بمعنى الذي أي حرم عليكم إلا مرة اضطراراكم. (١٢٠) - وقوله تعالى: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون﴾: هو نهي لجميع الناس من الولاة وأهل التجارة وغيرهم. وخصص بعضهم هذا النهي. والأظهر تعميمه. قال السدي: ظاهره الزنا التي كانت العرب تفعله وباطنه اتخاذ الأخدان. وقال ابن جبير: الظاهر ما نص الله تعالى على تحريمه من النساء بقوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ الآية [النساء: ٢٣]. وقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾

стр. 962

[النساء: ٢٢] والباطن الربا. وقال ابن زيد: الظاهر التعري الذي كانت العرب تفعله في طوافها والباطن الزنا. وقيل: الظاهر الأعمال والباطن المعتقد. وهذا القول جار على العموم. (١٢١) - وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إنه لفسق﴾: هذه الآية نزلت على سبب وهو أن قومًا أتوا النبي ﷺ فقالوا: أنأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتل الله. فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿إنكم لمشركون﴾. ذكره الترمذي في رواية ابن عباس عن النبي ﷺ . والحديث مرسل فيحتمل أن تقصر الآية على سببها فيقتضي تحريم الميتة خاصة وذكر السبب في تحريمها وهو ترك ذكر اسم الله فتكون الآية محكمة باتفاق. ويحتمل أن يحمل على العموم في كل ما لم يذكر اسم الله عليه فيدخل تحت ذلك سواء الميتة من ذبائح أهل الكتاب إذا لم يذكروا اسم الله عليها وإذا ذكروا علها غير اسم الله. وذبائح المسلمين إذا لم يذكروا اسم الله عليها نسيانًا أ, عمدًا ومن الناس من قصر الآية على ذبائح أهل الكتاب. وقيل: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]. ومنهم من حملها على ترك التسمية من المسلمين.

стр. 963

وهذان قولان مخصصان بالآية بغير دليل. ووجه القول فيها أن يقال هي عامة لكل ما لم يذكر اسم الله عليه أو يقال هي خاصة في الميتة. إلا أن العلة في تحريم الميتة مذكور في الآية وهو أنها لم يذكر اسم الله عليها فيلحق به كل ما لم يذكر اسم الله عليه كانت ذبيحة مسلم أو كتابي. وأما ما ذكر عليه أهل الكتاب غير اسم الله وذبحوه لكنائسهم أو لنبي من أنبيائهم فقد جمع أنعم لم يذكروا اسم الله عليه فهو منهي عنه بالعموم وأنهم إن ذكروا عليه غير اسم الله فيكون منهي عنه من باب أولى وأحرى أن يكون منهيًا عنه مما لم يذكر عليه شيء جملة. لكن الذين قالوا هذا رأوا ذبيحة الكتابي إذا لم يذكر اسم الله داخلة تحت النهي اختلفوا في ذلك. فمنهم من عبر عن هذا بأنه نسخ ومنهم من منع. فمن أجاز فالآية عنده مخصوصة بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] ومنهم من عبر عن هذا بأنه نسخ ومنهم من قال أن الآية في ترك التسمية على الذبيحة عمدًا. قال بعضهم أو نسيانًا فلا يكون في الآية على هذا تعرض لذبائح أهل الكتاب. ومما يؤكد ترك ذبائحهم التي ذكروا عليها غير اسم الله تعالى قوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣] وقد مر الكلام عليه. ولأجل ما قدمنا في ما تحتمله الآية اختلف في تارك التسمية على الذبيحة هل يحل له أكلها. فمنهم من قال الآية محكمة وهي في تارك التسمية على الذبيحة فلا تؤكل ذبيحته تركها عمدًا أو

стр. 964

نسيانًا وهو قول الحسن وابن سيرين والشعبي. ومنهم من قال الآية ليس لها تعلق بتارك التسمية وترك التسمية لا يؤثر. ومنهم من قال هي في تارك التسمية عمدًا لا نسيانًا وأن ذبيحة الناسي تؤكل. وحكى بعضهم الإجماع على الناسي وهو غير صحيح. وقد احتج بعضهم على أن الناسي غير مراد بالآية بقوله تعالى فيها: ﴿وإنه لفسق﴾ وبقوله بعد ذلك: ﴿إنكم لمشركون﴾ قال وقد علمنا أن تارك التسمية نسيانًا لا يوصف بأنه فاسق أو مشرك وقد مر الكلام على مذاهب الفقهاء في ذلك وقال بعضهم معنى التسمية في هذه الآية عند أكثر المفسرين النية لأن المجوس لو سموا على ذبائحهم لم تؤكل. (١٣٦) - (١٤٠) - وقوله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا هذا لله بزعمهم﴾ إلى قوله: ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله﴾: هذه الآيات كلها في تفسيرها طول ومضمن وجميعها أن هذه الأمور كانت الجاهلية تفعلها تشرعًا فنهى الله تعالى عن ذلك. والآية محكمة باتفاق فلا يجوز شيء مما نهى الله تعالى عنه. وقد استدل مالك بقوله تعالى: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء﴾ [الأنعام: ١٣٩] على أنه لا يجوز إخراج

стр. 965

البنات من التحبس وهي مسألة اختلف فيها على أربعة على أربعة أقوال: أحدها: أن الحبس يفسخ على كل حالة إن مات المحبس بعد أن جير عليه الحبس وهو الظاهر من قول مالك وهو قول ابن القاسم أيضًا وهو قول عمر بن عبد العزيز. والثاني: أنه يفسخ وإن جبر ما لم يمت المحبس. والثالث: أنه يفسخ ما لم يجز عنه وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماعه من كتابه التخيير. والرابع: أنه لا يفسخ ويمضي على الكراهة ويظهر من قول مالك أن بعض الناس يجيز ذلك واحتج مالك في العتيبة للمنع بأن ذلك من فعل الجاهلية وهذه إشارة إلى الآية. وذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها الاحتجاج بالآية أيضًا على أنه لا يجوز ذلك. قال المازري: وقال بعض شيوخنا إن هذه الأقوال تجري في هبة النبيين دو بعض فتدبر ذلك. (١٤١) - قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات﴾ إلى آخر قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾: اختلف في قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ هل الآية منسوخة أم محكمة فقيل هي منسوخة وهي في حق كان على المسلمين قبل أن تفرض الصدقة فنسخها تعالى بالأمر بالزكاة المفروضة وهو قول ابن عباس وابن جبير وابن الحنفية وإبراهيم النخعي.

стр. 966

وقال الضحاك نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن. وقيل: هي منسوخة لكن نسختها السنة وهو ما أوجبه ﵊ من العشر ونصف العشر. وذكر بعضهم هذا القول عن ابن عباس وابن الحنفية والسدي. وهو قول ضعيف. وقيل محكمة والمراد بها الزكاة المفروضة وهو قول أنس بن مالك وغيره وقول مالك وأحد قولي الشافعي. وروي أيضأ عن ابن عباس وابن الحنفية والضحاك. ويضعف هذا القول لأشياء منها أن السورة مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة. والآية غير مستثناة منها على قول الجمهور وإن كان الزجاج قد حكى أن هذه الآية نزلت بالمدينة. ومنها أن علق إيتاء الحق بيوم الحصاد وليس ذلك بلازم في الزكاة ولا يمكن ذلك إلا بعد تصفيته وتهذيبه. ومنها قوله تعالى: ﴿ولا تسرفوا﴾ وهذا لا يؤمر به في الزكاة لأنها محدودة. وقيل هي محكمة والمراد بها شيء غير الزكاة وهو واجب على الناس لأمره تعالى بذلك وهو قول سعيد ومجاهد ومحمد بن كعب وأبي عبيد. وقيل محكمة والمراد بها شيء غير الزكاة إلا أن الأمر بها أمر ندب. فندب الله تعالى للإنسان أن يعطي من زرعه عند الحصاد وعند الذرو وعند تهذيبه في البيدر. فإذا صفى وكمل

стр. 967

وكيل أخرج من ذلك الزكاة. وقال الربيع بن أنس: ﴿حقه﴾ إباحة لقط السنبل وهذا ضعيف وهذا هو الذي نسخ عند من قال بالنسخ والقول بالنسخ في هذه الآية ضعيف لأنها وآية الزكاة قد يجمع بينهما فلا يتعارضان وإذا أمكن ذلك لم يرجع إلى النسخ. وإذا قلنا إن الآية في الزكاة المفروضة فهي آية مجملة لا يفهم المراد منها من لفظها فيحتاج إلى معرفة قدر الحق. فأما قدر الحق المأخوذ فهو العشر ونصف العشر بالإجماع. وقد بين النبي ﷺ ذلك فقال: ((في ما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر وفي ما سقي بالنضح نصف العشر)). ولا خلاف أذكره في القول بأن هذا الحديث مبين للحق المأخوذ. وأما القدر المأخوذ منه ذلك العشر أو نصف العشر فقد قال ﵊: ((ليس في ما دون خمسة أوسق صدقة)). واختلف في القول بتبيين هذا الحديث للآية. فرأى الجمهور أنه مبين فيكون الحق على هذا القول في الآية العشر أو نصف العشر من خمسة أوسق فما زاد. وذهب قوم -منهم أبي حنيفة والنخعي- إلى أن الحديث لا يبين وأن العشر ونصف العشر واجب في كل شيء خمسة أوسق كان أو أقل أو أكثر. ورأى الذاهبون إلى هذا أن حديث الخمسة أوسق أنه خبر آحاد عارض عموم القرآن فكان العموم أولى. وهذا قول

стр. 968

ضعيف، إذ الجمع بين القرآن والحديث ما أمكن أولى من حمله على التعارض وإطراح أحدهما. وأما الشيء الذي يجب فيه إذا بلغ خمسة أوسق العشر أو نصف العشر فقد اختلف فيه وهي حبوب وثمار. وأما الحبوب فلا خلاف بين العلماء في وجوب الزكاة في القمح والشعير لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. وقد ذكر الزرع قبل ذلك واختلفوا في ما عداهما. فمالك وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم رحمهم الله تعالى قاسوا عليها سائر الحبوب المدخرة والمقتاتة، ولم يقس غيرهم فلم ير زكاة في ما عداهما من الحبوب وهو قول سفيان الثوري والحسن وابن سيرين والشعبي وإليه ذهب أوب عبيد. وقد روي ذلك عن أبي موسى عن النبي ﷺ مرفوعًا. وقال الأوزاعي: أن الزكاة في القمح والشعير والسلت خاصة. وقال الليث: كل ما يختبز ففي حبه الصدقة. واختلف قول أصحاب مالك في العلس وزريعة الفجل وزريعة الكتان وزريعة القرطم هل فيها زكاة أم لا. وأما الثمار فالشافعي وابن وهب لا يريان الزكاة إلا في ثمار النخيل والأعناب

стр. 969

التي لا خلاف بين العلماء في وجوب الزكاة فيها. ولعموم الآية ولما ورد من الأخبار فيها منها قوله ﵊: ((ليس في ما دون خمسة أوسق صدقة)) فدل أن الصدقة تجب في ما يوسق ويدخر قوتًا من الأقوات. وفي بعض الروايات هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري: ليس في ما دون خمسة أوسق من التمر صدقة. فخصص التمر والزبيب مقيس عليه وقال بعض العلماء ذكر التمر في حديث أبي سعيد الخدري محمول عند أهل العلم على أنه يوسق مما عدا التمر. ومالك يراها فيهما وفي الزيتون. وابن حبيب يراها فيهما وفي الرمان وفي جميع الثمار الثمانية كان مما يدخر أو لا يدخر وهو قول ابن الماجشون لظاهر قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ بعد أن ذكر الرمان في ما ذكر. وأبو حنيفة يراها في كل ما أنبتت الأرض مما يؤكل بقول النبي ﷺ : ((فيما سقت العيون والسماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر)) وحجة الجمهور من الاقتصار على إيجاب الزكاة في الثمار الثلاثة عمل أهل

стр. 970

المدينة. وقوله ﵊: ((ليس في الخضروات صدقة)) ومن حجة من أوجب الزكاة فيما عدا ذلك أنه تعالى لما ذكر في الآية الجنات وهي تحتوي على جميع النبات وذكر مع ذلك الزرع والنخيل والزيتون والرمان ثم قال بعد ذلك: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ أن المراد الحبوب فإن الحصاد لا يطلق حقيقة إلا عليه. وإنما يطلق على ما دونه مجازًا. وقد يمكن أن يراد بالحق في قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ الإنفاق من ذلك على نفسه وقرابته وصرفه في الوجوه الواجبة. فمن أين أن ذلك في العشر ونصف العشر. وإذا احتمل هذا لم يصح الاحتجاج بالآية في الزكاة. وقد اختلف فيما يأكله الرجل من ثمره أو زرعه قبل الجزاء والحصاد هل يحسب عليه أم لا على قولين. المشهور من المذهب أنه يحسب وقال الليث والشافعي لا يحسب عليه ويترك له الخارص ما أكله أهله رطبًا ولا يخرصه. قال الشافعي: قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ على العموم. أي أتوا جميع المأكول والباقي. والخلاف عندي في هذا يترتب على الذي يتعلق به قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ فمن علقه بآتوا رأى أنه لا يترك لهم شيء. ومن علقه بحق رأى أنه يترك لهم. وإذا علقنا يوم حصاده بآتوا ففيه أن الزكاة ينبغي إخراجها عند الحصاد

стр. 971

والجذاذ والأمر عند العلماء بذلك أمر ندب. وأما إيجابه فلا أذكره قولًا لأحد. وقد استدل بعض الشيوخ بهذه الآية على إبطال قول أبي حنيفة في أن الأرض المكتراة للزراعة لا زكاة على المكترى فيما رفع من زرعها وإنما زكاة ذلك الزرع على صاحب الأرض المكري لها. وذلك قوله في أرض الخراج. وقال الشيخ لأنه تعالى قال: ﴿حقه﴾ فأضاف الثمن إلى الخراج من الأرض فاقتضى ذلك إجابة في المضاف إليه وهو الخارج من الأرض لا في الأرض. وقوله تعالى: ﴿ولا تسرفوا﴾ من جعل الآية في الزكاة المفروضة جعل النهي على الإسراف إما للناس في المنع من أداء الزكاة وبه قال ابن المسيب، وإما للولاة في الاشتطاط على الناس والأذاء لهم وبه قال ابن زيد. وكلا الفعلين من الناس ومن الولاة إسراف في الفعل ومن جعل الآية على جهة الندب أو الإيجاب في حقوق غير الزكاة المفروضة فعلى أن النهي للناس عن الإسراف لما في ذلك من الإجحاف بالأموال والإتلاف لها. وروي أن الآية نزلت لأن ثابت بن قياس ابن شماس صرم خمسمائة نخلة ثم قال: والله لا جاءني اليوم أحد إلا أطعمته. فأمسى وليس عنده تمر فنزلت. ومن قال إن الآية منسوخة رأى أن النهي كان في وقت حكم الآية. فهذه أربعة أقوال في الآية. وقيل معناها لا تحرموا ما حرمت الجاهلية من الأنعام وهو قول مجاهد. وقيل معناها: لا تنفقوا

стр. 972

أموالكم فيما لا يحل لكم لأنه قد أخبر عنهم أنهم قالوا هذا لشركائنا. (١٤٣) - قوله تعالى: ﴿من الضأن اثنين ومن المعز اثنين﴾: استدل بها ابن لبابة على أن الضأن والمعز صنفان لا يجمعان في الزكاة لأنه تعالى قال بعد ذلك ﴿ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين﴾ قال فلو كان المعز من الضأن لكان البقر من الإبل إذ لا فرق بين ذلك في التلاوة، والجمهور على مخالفته في هذا ويقولون هي صنف واحد في الزكاة ولا يرون في الآية حجة. (١٤٥) - قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن ربك غفور رحيم﴾: هذه الآية نزلت يوم عرفة في حجة الوداع وقيل إنه لم ينزل بعدها ناسخ لها. ووجه القول فيها إن قوله تعالى: ﴿قل لا أجد﴾ الآية اقتضت أن المحرمات هي المذكورات فيها. واقتضت عند قوم تحليل ما عداها وهم الجمهور لأن دليل خطابها أقوى أدلة الخطاب. وزعم بعض المنكرين لدليل الخطاب أنها لا تقتضي تحليل ما عداها والذين ذهبوا إلى القول الأول لما رأوا أنه قد جاءت في القرآن والحديث محرمات أخرى كالمنخنقة والموقوذة والخمر والحمر والأهلية ولحم بني آدم أشكل تأويل الآية علهم فاختلفوا في ذلك. فذهب قوم إلى أنها منسوخة بالسنة وذلك لما جاء عن النبي ﷺ من تحريم أشياء كأكل الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ونحو ذلك وهذا قول ضعيف لأوجه

стр. 973

منها: نسخ القرآن بالسنة غير المتواترة منها كثير، ومنها أنه يمكن الجمع بين ما حرم النبي ﷺ وما حرم الله تعالى في سائر القرآن وبين هذه الآية. ورأى حاجة إلى النسخ مع إمكان الجمع. ومنها أنه خبر، والأخبار لا تنسخ. وذهب الجمهور إلى أنها محكمة واختلفوا فيما تقتضيه. فرأى قوم أنها تقتضي الحصر وأن كل ما حرم الله تعالى محصور فيها وأن ما عدا ذلك إنما تحريمه تحريم كراهة وتنزيه كلحم الحمر لأنها كانت تأكل العذرة فكره أكلها لذلك. وكلحم السباع لأنها تقسي القلب ونحو ذلك. وإلى هذا ذهب سعيد بن جبير والشعبي. ورأى قوم أنها خرجت على سبب لأنها جواب لقوم سألوا عن أشياء فأخبروا عنها فقد لا تقتضي وما جاء من سائر المحرمات مضموم إليها. وإلى نحو هذا ذهب الشافعي. ويحتمل أن يكون تعالى إنما أخبر بأنه لا يجد محرمًا في وقت ما غير ما ذكر. وأما الذين ذهبوا إلى أنها لا تقتضي التحليل فقالوا إن الآية مقتضاها نفي التحريم على ما عدا المستثنى منها بالتحريم وذلك يقضي في إثبات التحليل في غيره وعندنا أن الأشياء قبل ورود الشرع غير محرمة وليس ذلك بتصريح بأنها محللة بل لغرض نفي الحكم والبقاء على الأصل قبل ورود الشرع. وبين الأصوليين في هذا نزاع وإلى هذا يذهب من يتغلغل في إنكار دليل الخطاب لأن دليل الخطاب في الآية تحليل ما عدا المذكور فيها. وقد قيل: المعنى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا مما كنتم تستبيحون وتناولون ولا تعدونه من الخبائث محرمًا إلا هذه الأمور.

стр. 974

فعلى هذه التأويلات لا تقتضي الآية التحليل فيما عدا المذكور، وما ورد من سائر المحرمات مضاف إليها. وعلى ما ذكرناه من الاختلاف في تأويل الآية ينبني اختلاف العلماء في تحريم أشياء وتحليلها. فمن ذلك السباع اختلف فيها. فعندنا فيها روايتان: أحدهما الكراهة والثانية التحريم. وأبو حنيفة يقول بالتحريم وذهب الشافعي إلى أن الضبع والثعلب حلال دون غيرهما. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت لا ترى بلحوم السباع والدم ويكون في أعلى العروق بأسًا. وقرأت هذه الآية ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية. فالقول بالتحليل على القول بدليل خطاب الآية. ولكن مالكًا ذهب إلى الكراهة إذ لم يقو عنده دليل الخطاب ورأى ما يعارضه. والقول بالتحريم على ما جاء عن النبي ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع. وفي حديث الموطأ: ((أكل كل ذي ناب نت السباع حرام)). وفي هذا الحديث ضعف ومن قال بهذا رأى الآية إما منسوخة وأما مخصوصة بزمان وإما خارجة عن سبب وإما لم يقم بدليل خطابها. ومن ذلك كل ذي مخلب من الطير، اختلف فيه. فعندنا أن أكله حلال وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه حرام. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية. فأما ما جاء عن النبي ﷺ من النهي عن أكل كل ذي مخلب من الطير فلعله نهي تنزيه إذ قد يصيد من ذوات السموم ما يخشى منه على أكلها. وحجة القول بالتحريم قول الصحابة رضي الله تعالى عنهم: نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ورأى من قال ذلك النهي على التحريم، وفيه خلاف بين

стр. 975

الأصوليين هل هو على التحريم أو هو على الكراهة ما لم يدل دليل. وتأولوا الآية على أحد الوجوه التي قدمناها وفي الاحتجاج أيضًا بحديث النهي خلاف بين الأصوليين لأنه لم ينقل لفظ النبي ﷺ وإنما هو من قول الراوي. ومن ذلك الحمر الأهلية اختلف في أكلها. وفيها في المذهب روايتان: التحريم والكراهة المغلظة. والتحريم قول أبي حنيفة والشافعي وأجاز ابن عباس أكلها واحتج بقوله: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية. قال عمرو بن دينار: قلت لجابر بن زيد: أنتم تزعمون أن النبي ﷺ نهى عن تحريم الحمر الأهلية قال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمر والغفاري عندنا عن رسول الله ﷺ ولكن أبى ذلك البحر -يعني ابن عباس- وقرأ: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية. فوجه التحريم ما جاء في الحديث من أنه ﵊ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية. وفي بعض الطرق حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية وهذا النهي مؤكد بظاهر القرآن في قوله : ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] فذكر المنافع التي فيها. ولو كان أكلها مباحًا لنبه عليه وذكر وجه المنة به. والآية على هذا القول تتأول على أحد الوجوه

стр. 976

التي ذكرنا. والقول بالكراهة وجه مراعاة ظاهر الآية ﴿قل لا أجد﴾ وما وقع بين الصحابة من الاضطراب في النهي عن لحوم الحمر الأهلية لأن منهم من رأى النهي عن ذلك نهي تحريم آت لا لسبب، ومنهم من رآه لأنها لم تكن خمست، ومنهم من رآه لأنها كانت حمولة الناس فخيف عليها الفناء وذلك لأنه ﵊ قيل له ذلك فنهى. ومنهم من رآه من أجل جوال القرية. وخرج أبو داود عن النبي ﷺ أنه علل بذلك. والبغال حكمها حكم الحمير على ما ذكرناه. ومن ذلك الخيل اختلف في أكلها. ففي المذهب الكراهة وعند أبي حنيفة والشافعي الإباحة وقال الحكم: حرم القرآن الخيل وتلا قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨]. وما خرج النسائي وأبو داود أنه ﵊ قال: ((لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير)) وقال النسائي فيه يشبه إن كان صحيحًا أن يكون منسوخًا لأن قوله أذن في لحوم الخيل دليل على ذلك. وتعلق من أباح بما جاء عن ﵊ أنه نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل. وبقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية ولما رأى أصحابنا اختلافًا لهذه الأحاديث وما تحتمله الآي من التأويل. وكان حديث الإباحة أصح، مالوا إلى الكراهة. وقد اختلف في أشياء منها الأرنب. الجمهور على الجواز وابن أبي

стр. 977

ليلى على الكراهة. والضب: الجمهور على الجواز وأبو حنيفة على الكراهة. والقنفد واليربوع والفأرة اختلف أيضًا فيهن ومن حجة من أجاز شيئًا من ذلك قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية وقد مر الكلام على سائر أحكام هذه الآية بما أغني عن إعادته. (١٤٦) - قوله تعالى: ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهروهما أو الحوايا﴾: بهذا يحتج الشافعي في أن من حلف أن لا يأكل الشحم حنث بأكل ما على الظهور لاستثناء الله ما على الظهور من جملة الشحم. (١٥١) - قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾: الذي يوجب قتلها وهذا لفظ مجمل قد بينه النبي ﷺ فقال: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس)). وهذا الحديث يقتضي انحصار القتل في هذه الثلاثة الأشياء كما اقتضى قوله تعالى: ﴿قل لا أجد﴾ انحصار التحريم فيما ذكره، والقول فيه كالقول في الآية. فلا سنكر أن يكون ثم وجه آخر للقتل غير ذلك. وما أتى من ذلك فهو زيادة بيان لا نسخ. قال بعض شيوخنا: وقد ذكر علماؤنا أن

стр. 978

أسباب القتل عشرة منها ما هو متفق عليها ومنها ما هو مختلف فيها. فما زاد من ذلك على الثلاثة المذكورة في القرآن فهو بيان ومثل قتل المحارب هو مضاف إلى ما ورد في الحديث كذلك سائر ما يرد من أسباب القتل. إلا أنه قد مكن أن يقال في المحارب أنه داخل تحت قوله ﵊: ((وقتل نفس بغير نفس)). (١٥٢) - قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾: قوله: ﴿التي هي أحسن﴾: قال الضحاك والسدي: أن يتجر فيه. قال بعضهم تدل هذه الآية على أنه يجوز للوصي أن يدفع مال اليتيم مضاربة. وقال ابن زيد: يأكل منه إن افتقر ولا يأكل إن استغنى وقد قال بعضهم إن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾. وهو قول ضعيف لأن المخالطة المباحة في هذه الآية هي: التي هي أحسن في الآية الأخرى. ومن فقه هذه الآية أن لا يقرب مال اليتيم إلا بما يصلحه ويوفره ولا يستسلفه منه الوصي ولا يشتري منه شيئًا. وأجاز مالك رحمه الله تعالى في اليسير، ولم يجزه في الكثير. واختلف في المراد بالأشد. فقيل بلوغ الحلم مه أن لا يثبن سفه. وقيل بلوغ الحلم وإيناس الرشد. والقولان في المذهب. وقال السدي: الأشد ثلاثون سنة، وقيل ثلاث وثلاثون سنة وروي أيضًا عن السدي. وقيل الأشد من خمسة عشر إلى ثلاثين، كذا ساق المفسرون الخلاف في الأشد في هذا الموضع. والذي يليق بلفظ الآية ها هنا أن يكون الأشد أحد القولين الذي ذكرنا

стр. 979

أولًا. وقال بعضهم: بلوغ الأشد هو البلوغ وأن الأشد والكمال لا يعرف إلا به. وأبو حنيفة يقول: بلوغ الأشد بلوغ خمس وعشرين سنة وهذا تحكم منه لا وجه له ولا دليل عليه لا لغة ولا شرعًا. وفي الكلام حذف. والمعنى فإذا بل أشده فادفعوا إليه ماله وهذا من أقوى درجات أدلة الخطاب، والمنكر له قليل. (١٥٢) - وقوله تعالى: ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط﴾: أمر بالاعتدال في العطاء والأخذ. والقسط: العدل. وقوله: ﴿لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾ يقتضي أن الأوامر المتقدمة إنما هي فيما يقع تحت الوسع من الحفظ لا أنه مطالب بغاية العدل في الشيء المتصرف. وفي هذا دليل على إبطال القول بتكليف ما لا يطاق. وقوله تعالى: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا﴾ قيل: معناه إذا توسطتم بين الناس. وقيل: يعني به الشهادة. والآية عندي متضمنة للقولين. ﴿وبعهد الله أوفوا﴾. يريد ما عهد به تعالى إلى عباده. ويحتمل أن يريد العهد مطلقًا كان بين الله وبين عباده أو بين بعض الناس وبعض وإضافته إلى الله تعالى من حيث قد أمرنا بالوفاء به. (١٥٩) - قوله تعالى: ﴿إن الذين فوقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبؤهم بما كانوا يفعلون﴾: اختلف في الذين فرقوا دينهم. فقيل اليهود والنصاري أي فرقوا دين إبراهيم الحنيفية إذ هو دين الله تعالى الذي ألزمه للعباد. فهو دين جميع

стр. 980

الناس بهذا الوجه ووصفهم بهذا الشيع إذ كل طائفة منهم على فرق. وبينهم اختلاف وهو قول ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل هم أهل البدع والأهواء والفتن ومن جرى مجراهم من أمة سيدنا محمد ﷺ أي فرقوا دين الإسلام وهو قول أبي الأحوص وأم سلمة. قوله تعالى: ﴿لست منهم في شيء﴾ أي لا تشفع لهم ولا لك بهم تعلق وهذا في الكفار على التحقيق وفي العصاة على جهة المبالغة. وقوله تعالى: ﴿إنما أمرهم إلى الله﴾. وعيد محض. واختلف في الآية هل هي منسوخة أو محكمة. فقال السدي منسوخة لأنه لم يؤمر فيها بقتال فهي منسوخة بالقتال. وروي نحوه عن ابن عباس. وقيل بل الآية محكمة لأنها خبر والأخبار لا تنسخ. (١٦٠) - وقوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾: اختلف فيمن جاءت هذه الآية. فقيل فيمن آمن من الأعراب بعد الهجرة وضاعف لهم الله الحسنة بعشر أمثالها وكان المهاجرون قد ضوعفت لهم الحسنة بسبعمائة ضعف. وقالت فرقة هذه الآية لجميع الناس ثم بعد هذا الذي شرط يزيد ما شاء وينقص ما شاء لمن شاء. وهذا أظهر ما في الآية.

стр. 981

واختلف في الحسنة والسيئة ما هما. فقيل الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة الكفر. وقيل ذلك لفظ عام في جميع الحسنات والسيئات. وهذا هو الأظهر. والله تعالى الموفق للصواب. (١٦٢) - (١٦٣) - قوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له﴾: استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر فإن الله تعالى أمر به نبيه ﷺ وأنزله في كتابه. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)). وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه كان ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)) وعن مالك رحمه الله تعالى في قول هذا بين التكبير والقراءة روايتان. (١٦٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾:

стр. 982

جاء عن النبي ﷺ : ((إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه)) اختلف العلماء في تخريج هذا الحديث مع الآية. فقال قوم: معناه أن يوصي الميت به فيعذب حب بفعل نفسه ولا بفعل غيره. هو قول أهل الظاهر وأنكروا قول عائشة رضي الله تعالى عنها في حملها الحديث على ظاهره وإنكارها على ابن عمر روايته حتى قالت: رحم الله أبا عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، الحديث. وأخذوا بقول عمر وابن عمر إن الميت يعذب بما ينح عليه وتأولوه على ما ذكرناه. وقال قوم: معناه أن يمدح الميت بالبكاء عليه كما كان يمدح به في الجاهلية من الفتكات والغارات والغدرات وغير ذلك من الأفعال التي هي عند الله تعالى ذنوب فيعذب هو من أجلها. وقال قوم: معناه أن الميت يتعذب ويتحزن ببكاء أهله عليه ويسوؤه إتيانهم بما يكرهه الله تعالى. فهذه النعوت على هذا القول إنما هو التعذيب من الباكي عليه لا من الله تعالى. وذهب قوم إلى حمل الحديث على ظاهره من أن الميت يعذب ببكاء الحي عليه وأنكروا روايته. وذهبوا إلى أنه لا يعذب أحد بفعل غيره وأن الميت لا يعذب ببكاء أهله عليه وهو قول ابن عباس وإليه ذهبت عائشة وأنكرت الحديث المروي في ذلك واحتجت بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وجاء عنها رضي الله تعالى عنها حديثان في إنكار ذلك أحدهما أن رسول الله ﷺ إنما قال: ((إن الله تعالى يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه)) والثاني أنها قالت: إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكي عليها أهلها فقال: ((إنهم ليبكون

стр. 983

عليها وأنها لتعذب في قبرها)) وفي حديث آخر إنما قال رسول الله ﷺ : ((إنه لا يعذب بخطيئته وذنبه وأن أهله ليبكون عليه)) ويبقى الحديث الأول الذي ذكرته عائشة رضي الله تعالى عنها الاعتراض الذي اعترضته هي في حديث ابن عمر بأن الكافر أيضًا لم يعذب بفعل غيره والجواب عنه إنما يعذب باستجابه لذلك لا بذنب غيره. وإذا كان هذا التأويل في الكافر فكذلك يكون في المؤمن ولا ينكر الحديث. واختلف في الصلاة خلف الفاسق هل يجزئ أم لا. وحجة من أجاز قوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ واختلف أيضًا في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام. وأنكر بعضهم القول بالارتباط وقال إنه في غاية الفساد لأنه قول بلا دليل بل البرهان يبطله لقوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. وقد أجمعوا أ، طهارة الإمام وقيامه وقعوده وركوعه وسجوده لا ينوب عن نيته ولا نيته شيء من ذلك على المأموم فلا معنى للارتباط. والله تعالى أعلم.

стр. 984

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم سورة الأعراف اختلف فيها، فقيل هي مكية كلها قاله الضحاك وغيره وقيل هي مكية إلا قوله تعالى: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر﴾ إلى قوله تعالى: ﴿من ظهورهم ذريتهم﴾ فإنها مدنية. وفيها مواضع من الأحكام والناسخ والمنسوخ. (٢٠) - قوله تعالى: ﴿ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾: استدل بعض الناس بهذه الآية على أن الملائكة أفضل من الناس وهي مسألة قد تنازع الناس فيها وكل يتمسك من ذلك بظواهر من الآية. وقال ابن فورك: لا حجة في هذه الآية لأنه يحتمل أن يريد بقوله: ملكين في أنه لا يكون لهما شهوة طعام.

стр. 985

(٢٢) - قوله تعالى: ﴿فلما ذاقا الشجرة﴾: استدل بضعهم بهذه الآية على أن من ذاق الخمر فهو عاص ورد بذلك على من زعم أنه إذا ذاقها فليس بعاص. (٣) قوله تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾: استدل بعضهم على أن المباح داخل تحت الأمر خلافًا لمن لم ير ذلك. قال: لأن المباحات من جملة ما أنزل الله تعالى وقد أمرنا باتباعه. ويحتمل أن يقال إن اعتقاد الإباحة في المباحات وتميزها عن الأوامر والنواهي واجب وذلك هو المعنى في اتباع ما أنزل إلينا. وقال وكذلك ما أنزل إلينا فيشتمل على ما يتلى وهو القرآن وما لا يتلى وهو السنة والكل من عند الله تعالى فلا يحتمل على هذا نسخ القرآن بالسنة خلافًا لمن منعه. (١٢) - قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾: استدل به بعضهم على أن الأمر إذا تعرى عن القرائن أصله وخلق فيه الكفر خلافًا للمعتزلة ويحتمل بأن يراد بقوله: ﴿أغويتني﴾ حكمت بغوايتي، ويحتمل أن يريد أهلكتني. (٢٦) - (٣٢) - قوله تعالى: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة﴾: خاطب الله تعالى بهذه الآية جميع الناس. والمراد من كان من العرب
следующие страницы →