Полный текст (2 181 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
٣٣ - باب حبذا
(أصل حَبَّ من حبذا حَبُبَ أي صار حبيبا) - ولذلك لا يتعدى؛ وأصله: حبب بفتح الباء متعدياً، لقول العرب: حببت زيداً، وهو أقل من أحببت، فحول إلى فَعُل بضم الباء.
(فأدغم كغيره) - من الثلاثي المضعف كشد وشذَّ.
(وألزم منع التصرف) - لخروجه عن أصله إلى المدح.
(وإيلاء ذا فاعلا) - أي وألزم إيلاء ذا، فلا يكون فاعل حب في هذا الاستعمال إلا ذا اسم الإشارة. وأما قوله:
٩٧ - * وحُبِّ من يتحبب *
فعلى الأصل، لا لقصد المدح المقصود بحبذا. وما اختاره المصنف من أن ذا فاعل حب هو مذهب جماعة من النحويين، واختاره الفارسي في البغداديات،
стр. 737
وابن برهان، وهو كما قال المصنف: ظاهر مذهب الخليل وسيبويه؛ قال سيبويه: وزعم الخليل أن حبذا بمنزلة حَبَّ الشيء؛ وقرره سيبويه ولم يعترض عليه.
(في إفرادٍ وتذكير وغيرهما) - فلا يتغير ذا؛ لأن حبذا جرى مجرى المثل، فتقول: حبذا رجلاً زيد، ورجلين الزيدان، ورجالاً الزيدون، وامرأة هند، وامرأتين الهندان، ونساء الهندات.
(وليس هذا التركيب مزيلاً فعليه حب، فيكون مع ذا مبتدأ، خلافاً للمبرد وابن السراج ومن وافقهما) - ونسبه ابن هشام اللخمي وابن أبي الربيع وغيرهما إلى الخليل وسيبويه، لقول سيبويه تلو ما سبق: ولكن ذا وحب بمنزلة كلمة واحدة نحو لولا، وهو اسم مرفوع. انتهى.
والقائلون بالأول جعلوا ضمير: وهو اسم، عائداً إلى ذا لا إلى حبذا، تبقية لأل لكلامه على ظاهره؛ قال ابن خروف: حب فعل، وذا فاعل، وزيد مبتدأ خبره حبذا، هذا قول سيبويه، وأخطأ من زعم غير ذلك.
وحبذا على القول الثاني مبتدأ خبره ما بعده، ورد بأن فيه دعوى خروج الشيء عما استقر له بغير دليل، ترجيح ابن عصفور له بكثرة دخول يا علي حبذا دون استيحاش بخلاف: ألا يا اسقياني، ضعيف؛ فدخول "يا" على الأمر أكثر من دخولها على حبذا، ومنه قراءة الكسائي: (ألا يا اسجدوا) والمنادي في الموضعين محذوف، أو "يا" للتنبيه كألا، وهذا ظاهر كلام سيبويه في باب عدة ما يكون عليه الكلم.
(ولا اسمية ذا فيكون مع حب فعلاً فاعله المخصوص، خلافاً لقوم) - منهم
стр. 738
أبو الحسن الأخفش، وأبو بكر خطاب، ونسب إلى ابن درستويه؛ ورد بعدم النظير، فلم يركب فعل من فعل واسم، وبأنه دعوى بلا دليل؛ والاستدلال عليه بأنه ينفي الشذوذ في إفراد ذا في حبذا الزيدان ضعيف، فقد عهدنا لزوم اللفظ طريقة واحدة كقولهم: الصيف ضيعت اللبن، وهذا لم يعهد.
(وتدخل عليها "لا" فتحصل موافقة بئس معنى) - فيقال في الذصم: لا حبذا كما يقال في المدح: حبذا؛ قال:
٩٨ - الا حبذا عاذري في الهوى ... ولا حبذا العاذل الجاهل
وفي دخول لا على بذا خروج عما استقر في كلامهم، لأنه إن كان حب فعلاً فاعله ذا، أو كان حبذا كله فعلاً لزم دخول لا على الماضي الذي لا يتصرف، وهي لا تصحبه، وإن كان حبذا كله اسما لزم عدم تكرار لا داخلة على المبتدأ، ولا يجوز إلا في الشعر، خلافاً للأخفش والمبرد؛ ولا يجوز كون لا ناصبة حبذا نحو: لا رجل في الدار، لأ حبذا خصوص، ونظير خروجهم عن قياسهم في قولهم: لا حبذا إفرادهم ذا مذكراً فيهما مع المؤنث والمثنى والمجموع.
(ويذكر بعدهما) - أي بعد حبذا ولا حبذا.
(المخصوص بمعناهما مبتدأ مخبراً عنه بهما) - وقد سبق في كلام ابن خروف أن هذا قول سيبويه، والرابط للجملة بالمبتدأ اسم الإشارة، كقوله تعالى: (ولباس التقوى ذلك خير) في قراءة من رفع اللباس.
(أو خبر مبتدأ لا يظهر) - أي واجب الحذف، وكأنه لما قيل: حبذا،
стр. 739
قيل: من المحبوب؟ فقيل: زيد، أي هو زيد. قال المصنف: والحكم هنا على زيد بالخبرية أسهل منه في: نعم الرجل زيد؛ لأن مُضْعِفَة ثَمَّ دخول الناسخ ولا يدخل هنا. وهذان الوجهان ذكرهما المصنف بناء على ما اختاره في حبذا؛ وقال ابن كيسان: إن الاسم تابع لذا على البدل تبعاً لازماً؛ وسبق في كلام المصنف أن من جعل حبذا اسماً أعربه مبتدأ وخبره على هذا المخصوص، وهذا قول المبرد، وأجاز الفارسي كون حبذا خبراً والمخصوص مبتدأ، ومنع ما اختاره المبرد، وأجاز بعضهم الوجهين، وثالثاً وهو كون المخصوص مبتدأ محذوف الخبر؛ وأجاز بعضهم كونه عطف بيان، وبعضهم كونه بدلاً لازماً، وهذان على أن ذا فاعل قد يتوجهان، وأما على أن حبذا مبتدأ فيبعدان.
(ولا تعمل فيه النواسخ) - لا برفع زيد ولا بنصبه، بخلاف نعم إذ يقال: نعم الرجل كان زيدٌ، برفع زيد والسبب في ذلك جريان هذا مجرى المثل، والأمثال لا تغير.
(ولا يُقدم) - فلا يقال: زيدٌ حبذا، وإن قيل: زيدٌ نعم الرجل؛ والعلة أن حبذا زيدٌ كالمثل؛ وأغفل الأكثرون التنبيه على هذه المسألة والتي قبلها، لكن نبه على هذه ابن بابشاذ، وعلل باحتمال توهم كون ذا في: زيدٌ حبذا مفعولاً، وهو توهم بعيد، وإنما المانع ما سبق.
(وقد يكون قبله) - أي قبل المخصوص.
(أو بعده تمييز مطابق) - أي في الإفراد وغيره نحو: حبذا رجلاً زيدٌ ورجلين الزيدان، ورجالاً الزيدون، وامرأة هند، وامرأتين الهندان، ونساء الهنداتُ؛ ويجوز تأخير المنصوب عن المخصوص فيها كلها، إلا أن التقديم أولى وأكثر، قاله المصنف.
стр. 740
(أو حال عامله حب) - نحو: حبذا راكباً زيدٌ، أو زيدٌ راكباً، ومنه:
٩٩ - يا حبذا المال مبذولاً بلا سرفٍ ... في أوجه البر إسراراً وإعلانا
واختلف في المنصوب بعد حبذا، فقيل: حال مطلقاً، وهو قول جماعة من البصريين منهم الأخفش والفارسي؛ وقيل: تمييز مطلقاً، وهو مذهب أبي عمرو بن العلاء؛ وقيل: إن كان مشتقاً فحال، أو جامداً فتمييز؛ وفي البسيط لابن العلج جواز نصبه بأعني فيكون مفعولاً.
(وربما استغنى به) - أي بالتمييز.
(أو بدليل آخر عن المخصوص) - كقول بعض الأنصار، ﵁:
١٠٠ - بسم الإله وب بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا
فحبذا رباً وحب دينا
أ] فحبذا رباً الإله.
والثاني كقوله:
١٠١ - هويتُك حتى كاد يقتلني الهوى ... وزرتك حتى لامني كل صاحب
وحتى رأى مني أدانيك رقةً ... عليك ولولا أنت ما لان جانبي
стр. 741
ألا حبذا، لولا الحياء، وربما ... منحتُ الهوى من ليس بالمتقارب
أي ألا حبذا حالي معك، يشير إلى ما سبق في البيتين الأولين.
(وقد تفرد حب) - أي من ذا، فتستعمل وحدها، ويكون مرفوعها حينئذ كل اسم يصح أن يكون فاعلاً، هكذا أطلق، وفيه نظر.
(فيجوز نقل ضمة عينها إلى فائها) - فتقول: حب زيدٌ رجلاً، بفتح الحاء وضمها؛ والأصل: حبُبَ، فنقلت ضمة العين إلى الفاء، وهذا إن كان المقصود به التعجب جاز إسناده إلى كل فاعل كما سبق، وإن كان بمعنى نعم لم يسند إلا إلى ما يكون فاعلاً لنعم، كغيره من هذا النوع، كما سيأتي بيانه، وإن قصد بحب مفرداً معنى أحب صلح لكل فاعل، وتعدى، ولزم فتح فائه، كما بلزم فتحها مصاحباً لذا.
(وكذا كل فعل حلقي الفاء مراد به مدح أو تعجب) - فيجوز في: حسُن الرجل زيد، وحسُن زيدٌ رجلاً، فتح الحاء على الأصل، وضمها على نقل ضمة العين إليها، وكذا غلظ وخشن ونحوهما. ولا يختص ذلك بالفاء الحلقية، وإن أوهم كلامه ذلك، بل يجوز في: ضرب زيدٌ رجلاً، أو ضرب الرجل زيدً، هذا النقل أيضاً؛ وفي قوله: مدح أو تعجب إشارة إلى جواز استعمال فَعُل بضم العين
стр. 742
لهما، وسبق من كلامه في آخر باب نعم أن فعل الأصل أو المحول ملحق بنعم حال كونه مضمناً تعجباً، وللناس في هذه المسألة خلاف:
فالفارسي وأكثر النحويين على إلحاقه بنعم فقط، فثبت له أحكام نعم؛ وأجاز الأخفش والمبرد إلحاقه بباب التعجب؛ وفي البسيط أن الأكثرين ومنهم الأخفش قالوا بكون فاعله كنعم وحبذا، ظاهراً عاماً ومضافاً ومضمراً مفسراً وإشارة، نحو: حسُن ذا زيدٌ؛ وقال بعضهم بكون فاعله كل اسم، وأجاز حب زيدٌ. انتهى.
والصحيح جواز الاستعمالين فيه؛ فإن جعل كنعم لزم فاعلها، أو كالتعجب فلا.
(وقد يجر فاعل حب بباء زائدة، تشبيهاً بفاعل أفُعِلْ تعجباً) - كقوله:
مكرر ٩٦ فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحب بها مقتولة حين تقتل
يروي بضم الحاء وفتحها، وسبق له في الكلام على فَعُل أنه يكثر انجرار فاعله بالباء، وأنشد في جملة ما أنشد لذلك هذا البيت. وظاهر كلامه هنا أنه قليل في حُبِّ لقوله: وقد يُجَرُّ ... والعلة المقتضية لدخول الباء تضمنه التعجب، فلا فرق بين حُبِّ وغيرها، ومعظم الشواهد التي ذكرها المصنف وغيره لذلك في حب. وحكى الكسائي عن العرب: مررت بأبيات جاد بهن أبياتاً، وجُدْن أبياتاً؛ حذف الباء وجاء بضمير الرفع.
* * *
стр. 743
٣٤ - باب التعجب
(يُنصب المتعجبُ منه مفعولاً) - فزيداً في قولك: ما أحسن زيداً، مفعول عند سيبويه والبصريين؛ وزعم الفراء ومن وافقه من الكوفيين أنه انتصب بأفعل فرقاً بين الاستفهام والخبر؛ فالأصل زيدٌ أحسن من غيره، فأتوا بما، فقالوا: ما أحسن، على سبيل الاستفهام، ونقلوا الصفة مرة من زيد إلى ضمير ما فانتصب زيد للفرق.
(بموازن أفعل) - كأحسن وخير وشر في قولهم: ما خير اللبن للصحيح، وما شره للمبطون.
(فعلاً) - وهو مذهب البصريين، ودليله بناؤه على الفتح، ونصبه المفعول الصريح، والهمزة فيه للنقل.
(لا اسماً، خلافاً للكوفيين غير الكسائي) - وأبوالحسن بن عصفور، نقل ذلك عن الكوفيين، ولم يستثن الكسائي؛ واحتج على اسميته بعدم تصرفه، وبتعجبهم من الله، قالوا: ما أعظم الله! . ولا يصح شيءٌ أعظم الله. ورد الأول بأن عدم تصرفه للزومه طريقة واحدة كليس، فلا يحتاج إلى التصرف؛ والثاني بأنه محمول على السبب المعلم بالسبب الموجب، أي ما أعظم قدرة الله! .
(مخبراً به) - أي بموازن أفعل.
(عن ما متقدمة) - فلا يقال: أحسنَ زيداً ما، لأن الخبر إذا رفع ضميراً
стр. 744
مستتراً عائداً على المبتدأ وجب تقديمه، وهذا كذلك؛ ولأن ما أحسن زيداً جرى مجرى المثل في عدم التصرف فيه، والاتفاق على أن ما مبتدأ، وشذت رواية عن الكسائي أنها لا موضع لها من الإعراب.
(بمعنى شيء) - فتكون ما نكرة تامة، ومسوغ الابتداء معنى التعجب والخبر الفعل؛ وهذا مذهب الخليل وسيبويه وجمهور البصريين؛ ومعنى التمام في ما أنها لا تحتاج إلى صفة؛ ووجه هذا المذهب أن الموضع للإبهام لمناسبة التفخيم التعجب؛ فناسب النكرة المبهمة التي لا شيء أشد إبهاماً منها؛ ولذلك لم يضعوا موضعها شيئاً، فلا يقولون: شيء أحس زيداً في معنى: ما أحسن زيداً؛ لأن شيئاً لا يعطي إبهام ما نصاً. فإن قيل: فلا يفسر بشيء، وقد قلتم: بمعنى شيء، قيل هو تقريب للتعليم، وشيء لا ينافي إرادة ذلك الإبهام، وإن كان ليس نصاً فيه.
(لا استفهامية، خلافاً لبعضهم) - وهو قول الفراء وابن درستويه، ويعزى للكوفيين، قالوا: ما استفهامية دخلها معنى التعجب؛ وتأوله ابن درستويه على الخليل، واستدلوا بالإجماع على أن قولهم: أي رجل زيد؟ استفهام دخله معنى التعجب؛ ورد بأن الاستفهام المضمن تعجباً لا يليه غالباً إلا الأسماء نحو: (الحاقة؛ ما الحاقة) وما هذه مخصوصة بالأفعال، وقولهم باسمية أفعل قد بان بطلانه.
(ولا موصولة، خلافاً للأخفش في أحد قوليه) -بل في أحد أقواله؛ فعنه أنها نكرة تامة كقول الجمهور، وأنها نكرة موصوفة بأفعل، وأنها معرفة موصولة
стр. 745
به، والخبر على هذين محذوف وجوباً، وبالثالث قال طائفة من الكوفيين، ورد دعوى حذف الخبر بمخالفة النظائر، فلا يلتزم حذف الخبر دون شيء يسد مسده كما في لولا، فما اقتضى هذه الدعوى لزوماً باطل لبطلانها.
(وكأفعَل أفعِلْ) - في الدلالة على التعجب، إلا أنه لم يختلف في فعلية أفعِل كما اختلف في فعلية أفعَل، لأنه وزن لم يأت في الأسماء إلا قليلاً جداً كأصبع من لغات إصبع؛ وفي كلام ابن الأنباري ما يوهم أن هاسم.
(خبراً) - وإن كانت صيغته صيغة الأمر؛ وهو خبر بمعنى إنشاء التعجب، فمعنى أحسِنْ بزيدٍ، كمعنى: ما أحسن زيداً، والهمزة في أحسن للصيرورةن كما في أبقل المكان؛ والمعنى أحسن زيد أي صار ذا حُسن؛ وهو مذهب جمهور البصريين، وإنما جاؤوا به أمراً للمبالغة، يقولون: كن ما شئت؛ إذا أرادوا المبالغة.
(لا أمراً) - خلافاً للزجاج ومن وافقه، في زعمهم أنه أمر حقيقةً، ليس المراد به الخبر، والهمزة فيه على المشهور للنقل، وقالوا ذلك للمحافظة على حقيقة الصيغة، والأصل: حَسُن زيدٌ، ثم دخلت همزة النقل على معنى أحسن زيداً أمر ما، ثم جيء بصيغة الأمر على معنى: دُم أيها الأمر له، أو احكم أيها المخاطب له بذلك، وهذا أمر حقيقة، وهو ضعيف، إذ يلزم من ذلك أن لا يكون الناطق به متعجباً، ولا خلاف في أن الناطق به متعجب.
(مجروراً بعده المتعجب منه بباء زائدة) - كما مثل، وهو في زيادة الباء نظير قول العرب: كفى بالله، أي كفى الله.
(لازمة) - فلا تحذف؛ فلا يقال: أحسِنْ زيد، لا برفع زيد عند من
стр. 746
يراه الفاعل، ولا بنصبه عند من يراه مفعولاً، كما سيأتي. هكذا قيل، ولا ينبغي ذكر إطلاق هذا الثاني هنا؛ لأن الكلام على تقدير الزيادة؛ والقائل بالمفعولية لا يرى الزيادة إلا إن جعل الهمزة للنقل، ومن جعل من القائلين بالمفعولية الهمزة للصيرورة لم تكن الباء عنده زائدة، بل للتعدية، وهذا القول هو ما أشرت إليه بقولي قبل هذا: والهمزة فيه على المشهور للنقل.
(وقد تفارقه) - أي تفارق المتعجب منه الباء.
(إن كان أن وصلتها) - فيجوز في: أجْوِدْ بأن يكتب زيد: أجْوِدْ أن يكتب زيد، ومنه:
١٠٢ - وقال نبي المسلمين تقدموا ... وأحبب إلينا أن تكون المقدما
(وموضعه رفع بالفاعلية) - وهو قول جمهور البصريين، فزيد في قولك: أحس بزيد، في موضع فاعل صيغة الأمر، فلو اضطر شاعر فحذف الباء لرفع.
(لا نصب بالمفعولية، خلافاً للفراء والزمخشري وابن خروف) - وهو قول من يرى أن أفْعِلْ أمر حقيقةً، وقد سبق ذكره عن الزجاج، ولا حجة في دعوى النصب في قوله:
١٠٣ - لقد طرقت رحال القوم ليلى ... فأبعد دار مرتحل مزارا
стр. 747
بنصب دار، لاحتمال كون أبعد دعاء، أي أبعد الله دار مرتحل عن مزار محبوبته، كأنه يحث نفسه على الإقامة في منزل طروق ليلى، لأنه صار بطروقها مزاراً؛ والقائلون بمفعوليته يجعلون في الأمر مضمراً هو الفاعل؛ ثم قيل هو ضمير لمصدر الفعل الدال على الأمر؛ وقيل: هو ضمير للمخاطب. ورد القول الأول بقولهم: أسهل به، ولو كان الضمير كما زعم لقيل: اسهلي، لأن المصدر السهولة؛ والثاني بقولهم: أحسنْ بك، فلو كان الضمير المرفوع للمخاطب لزم كونه نظير: مر بك، وهو ممتنع.
(واستفيد الخبر من الأمر هنا) أي في: أحسن بزيد.
(وفي جواب الشرط) - نحو: (فليمدد له الرحمن)، و"ومن كذب
стр. 748
عليَّ متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار"، وفي رواية: فليلج النار، أي فيمد، وفيتبوأ أو فيلج.
(كما استفيد الأمر من مثبت الخبر) - نحو: (والمطلقات يتبرصن)، (والوالدات يرضعن) أي ليتربصن وليرضعن.
(والنهي من منفيه) - نحو: (لا تُضار والدة بولدها) في قراءة الرفع، أي لا تضارِرُ.
(وربما استفيد الأمر من الاستفهام) - نحو: (أأسلمتم)؟ ، (فهل أنتم منتهون)؟ أي أسلموا، وانتهوا.
(ولا يُتعجب إلا من مختص) - بتعريف أو نحوه؛ لأن المتعجب منه مخبر عنه في المعنى، فيجوز: ما أحسن زيداً، وما أسعد رجلاً اتقى الله؛ ويمتنع: ما أحسن غلاماً، وما أسعد رجلاً من الناس.
(وإذا عُلم جاز حذفه مطلقاً) - أي معمولاً لأفعل، كقوله:
١٠٤ - جزى الله عنا، والجزاء بفضله ... ربيعة خيراً، ما أعف وأكرما
стр. 749
أي ما أعفهم وأكرمهم؛ أو لأفعِلْ كقوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر) أي وأبصر بهم؛ وعلى قول الجمهور إن المجرور في موضع رفع بأفعل إنما جاز حذفه؛ لأنه في المعنى كمعمول أفعل فحمل عليه؛ والفارسي وقوم على أنه لم يحذف بل حذف الحرف فاستتر الضمير. ورد بعدم بروزه، فلا يقال: أسمع بالزيدين وأبصروا.
(وربما أكد أفْعِل بالنون) - كقوله، أنشده ابن الأعرابي:
١٠٥ - ومُستبدِلٍ من بعد غضبي صُريمةً ... فأحْرِ به بطول فقر وأحريا
стр. 750
أراد أحريَنْ بنون التوكيد الخفيفة، فأبدلها ألفاً في الوقف؛ وغَضْبَى اسم مائة من الإبل، وهي معرفة لا تنون ولا تدخلها الألف واللام، والصريمة تصغير الصرمة، وهي القطعة من الإبل نحو الثلاثين.
(ولا يؤكدُ مصدر فعل تعجب) - فلا يقال: ما أحسن زيداً إحساناً، ولا أحسِنْ به إحساناً؛ لاستغنائه عن ذلك بما فيه من المبالغة؛ وهذا قول الجمهور، وأجاز ذلك الجرمي.
(ولا أفعلَ تفضيل) - كما سبق في فعل التعجب؛ ولا خلاف في منع هذا.
(فصل): (همزة أفعلَ في التعجب لتعدية ما عدم التعدي في الأصل أو الحال) - فالأول نحو: ما أحسن زيداً وما أصبره، فحسُن وصبر لازمان، فتعدياً بالهمزة؛ والثاني نحو: ما أعرف زيداً بالحق؛ فعرف قبل الهمزة متعد إلى الحق بنفسه، فلما قصد به المبالغة ضمن معنى مالا يتعدى من أفعال الغرائز كقوي وكمل، فقصر عن نصب مفعوله، فوصل إليه بالباء، كبصُر ونحوه من غير المتعدي.
(وهمزة أفعِل للصيرورة) - وقد سبق تقرير ذلك عند الكلام على أفعِلْ، وهذا على قولنا إن المجرور بالباء فاعل، وأما على أنه مفعول فقد سبق أنه قيل: إنها كذلك، وقيل للنقل، وهو المشهور.
стр. 751
(ويجب تصحيح عينيهما) - نحو: ما أبين الحق وما أنوره، وأبين به وأنوِرْ، وكان حقهما الإعلال، كما في أقام وأقم، لكن حمل فعل التعجب على أفعل في التفضيل؛ لأنهما من وادٍ واحد؛ والتصحيح في أفعَل وأفعِل قول الجمهور والمسموع من العرب، وأجاز الكسائي الإعلال في أفعِلْ فيقول: أطوِلْ بهذه النخلة وأطِلْ بها، بمعنى ما أطولها.
(وفكُّ أفعِلْ المضعف) - نحو أعزز بزيد وأجلل؛ وهذا قول الجمهور والمسموع؛ وأجاز الكسائي الإدغام فيقول: أجِلَّ بزيد؛ ولو كان أجل ونحوه لغير التعجب لم يلزم فيه الفك، لأن ثانيه معرض للحركة، نحو: أجلل الله، بخلاف ثاني المستعمل في التعجب فإنه لا يكون إلا ساكناً؛ لأنه لا يأتي بعده ساكن فيحرك له، إنما تأتي بعده الباء وهي متحركة.
(وشذ تصغير أفعَل) - لأنه فعل، والتصغير وصف في المعنى، والأفعال لا توصف، لكن شبهه بعض العرب بأفعل التفضيل؛ قال المصنف: وهو في غاية الشذوذ، فلا يقاس على قوله:
١٠٦ - ياما أمَيْلحَ غِزْلاناً شدن لنا ... من هؤليائكن الضال والسمر
стр. 752
(خلافاً لابن كيسان في اطراده) - وذلك للشذوذ والخروج عن القياس، وهذا على القول بالفعلية؛ فأما الكوفيون الصائرون إلى الاسمية، فلا يرون التصغير فيه شاذاً ولا خارجاً عن القياس، بل ظاهر كلام المغاربة اطراد ذلك أيضاً مع القول بالفعلية، وفي كلام سيبويه إيماء إليه.
(وقياس أفعِل عليه) - فتقول عند ابن كيسان في أحسِن بزيد: أحَيْسِنْ بزيد، بالتصغير، قياساً على تصغيرهم ألإعل، وهو ضعيف؛ فإن الخارج عن القياس لا يكون أصلاً في القياس.
(ولا يتصرفان) - فلا يكون أفعَل إلا على صيغة الماضي، ولا أفعِل إلا على صيغة الأمر؛ وعلة ذلك تضمنهما معنى التعجب، فأشبها الحرف، لأن الموضوع للدلالة على المعاني الحروفُ؛ وقال المصنف إنه لا خلاف في أنهما لا يتصرفان. انتهى.
وقد ذهب هشام بن معاوية الضرير من أئمة الكوفيين إلى جواز تصرف أفعل إلى المضارع، قال: فتقول: ما يُحسِنُ زيداً! . عند إحاطة العلم بأنه يكون.
стр. 753
(ولا يليهما غير المتعجب منه إن لم يكن يتعلق بهما) - فلا يفصل بين أفعلَ ومنصوبه، ولا بين أفعِلْ والباء مماي تعلق بمعموليهما مثلا، فلا يقال: ما أحسن بمعروف أمراً، ولا أحسِنْ بمعروف بأمر، وذلك لعدم تصرفهما فلا يقويان على هذا الفصل كالحرف؛ قال المصنف: ولا خلاف في ذلك.
(وكذا إن تعلق بهما) - أي بأفعَل وأفعِل.
(وكان غير ظرفِ أو حرفِ جر) - فلا يجوز: ما أحسنَ مُقبلاً زيداً، ولا أكرِمْ رجلاً بزيد. قال المصنف: بإجماع؛ يعني فيهما؛ وقد أجاز الجرمي وهشام الفصل بالحال؛ وقال ابن المصنف: إن الفصل بالنداء كالفصل بالحال، لا يجوز بلا خلاف؛ وذكر والده في شرح هذا الكتاب، قول علي ﵁، وقد مر بعمار بن ياسر، ﵁، لما قتل: أعزز عليَّ أبا اليقظان أن أراك صريعاً مُجدلاً، أن هذا يصحح الفصل بالنداء.
(وإن كان أحدهما) - أي وإن كان المتعلق بهما الظرف أو حرف الجر.
(فقد يلي وفاقاً للفراء والجرمي والفارسي وابن خروف والشلوبين) - وإليه ذهب أيضاً المازني والزجاج؛ وذهب المبرد وأكثر البصريين، ومنهم الأخفش في المشهور عنه إلى المنع، ونسبه الصيمري إلى سيبويه، وقال الشلوبين إن الجواز هو الصواب، وإنه المشهور المنصور، وكلام سيبويه قابل للتأويل؛ فقوله: ولا يزيل شيئاً عن وضعه، قال فيه السيرافي: إنما أراد بذلك أنك تقدم ما وتوليها الفعل، ويكون المتعجب منه بعد الفعل؛ ولم يتعرض للفصل بين الفعل والمتعجب منه. انتهى.
وعلى قول هؤلاء المجوزين هو فصيح، ومن المسموع في ذلك ما سبق من كلام علي ﵁، ففيه الفصل بالجار والمجرور؛ وقول عمرو بن معدي كرب:
стр. 754
لله در بني سليم، ما أحسن في الهيجا لقاها، وأكثر في اللزبات عطاها، وأثبت في المكرمات مقامها. وقال:
١٠٧ - أقيمُ بدار الحزم ما دام حزمُها ... وأحْرِ إذا حالت بأن أتحولا
وذهب بعض إلى إجازة الفصل بقبح؛ فحصلت ثلاثة أقوال: المنع، والجواز بقبح، والجواز فصيحاً هو الصحيح.
(وقد يليهما عند ابن كيسان لولا الامتناعية) - فتقول: ما أحسنَ، لولا بخلُه، زيداً؛ وأحسِنْ، لولا بخلُه، بزيدٍ- ولا حجة له على ذلك.
(ويُجَرُّ ما تعلق بهما من غير ما ذكر) - وهو المتعجب منه، والظرف، والحال، وكذا التمييز.
(بإلى إن كان فاعلاً) - أي في المعنى نحو: ما أحب زيداً إلى عمرو، والمعنى: يحب عمرو زيداً حباً بليغاً، وكذا: أحبب بزيد إلى عمرو.
стр. 755
(وإلا فبالباء، إن كانا من مفهم علما أو جهلا) - أي وإلا يكن فاعلاً في المعنى، فيجر بالباء إن كان مما ذكر نحو: ما أعرف زيداً بعمرو، وما أجهله ببكر، وما أبصر خالداً بالشعر، وأبصر بعمرو بالفقه، وأجهِلُ بخالد به.
(وباللام إن كانا من متعد غيره) - أي إن كان أفعلَ وأفعِلُ مما كان يتعدى بنفسه، غير المفهم المذكور نحو: ما أضرب زيداً لعمرو، وما أنصرني له؛ وأضرب بزيد لعمرو، وأنصِرْ بي له.
(وإن كانا من مُتعدِّ بحرف جر فبما كان يتعدى به) - نحو: ما أزهد زيداً في الدنيا، وما أبعده عن الشر، وما أصبره على الأذى؛ وكذلك أفعِلْ.
(ويقال في التعجب من: كسا زيدٌ الفقراء الثياب، وظن عمر بشراً صديقاً: ما أكسى زيداً للفقراء الثياب، وما أظن عمراً لبشرٍ صديقاً؛ وينصب الآخر بمدلول عليه بأفعل، لا به، خلافاً للكوفيين) - أي وفاقاً للبصريين؛ وهذا النقل عن البصريين والكوفيين ذكره ابن كيسان في المهذب، فعلى قول الكوفيين يكون أفعل الواقع بعدما هو الناصب للثياب والصديق، وعلى قول البصريين الناصب لكل منهما عامل مدلول عليه بالذي بعد ما، أ] يكسوهم الثياب، ويظنه صديقاً.
وقضيته أن التركيب جائز عند الفريقين من غير شرط؛ وإنما اختلف في التخريج؛ والذي نقله غيره أن باب كسا إذا بنى منه أفعل للتعجب، فمذهب البصريين والكوفيين نصب ما كان فاعلاً بأفعل؛ ثم قال البصريون: ويجوز تعديته إلى أحد مفعوليه باللام، فتقول: ما أكساك لعمرو، أو للثياب؛ وإن
стр. 756
جاء من كلامهم؛ ما أكساك لعمرو الثياب، فعلى تقدير عامل، أي: يكسوهم الثياب؛ وقال الكوفيون: تعدى أفعل بعد نصبه ما كان فاعلاً إلى الأول باللام، وإلى الثاني بنفسه. وأما باب ظن، فقال البصريون: يقتصر فيه على الفاعل، فينصب بأفعل، ولا يُعدى إلى شيء من المفعولين، لا بحرف، ولا بنفسه؛ وقال الكوفيون: يذكر المفعولان، ثم إن لم يلبس عُدَّيَ باللام للأول، وبنفسه للثاني، كالمثال السابق، وإن ألبس عُدَّي لكل باللام نحو: ما أظن زيداً لأخيك لأبيك؛ أصله: ظن زيدٌ أخاك أباك.
(فصل): (بناء هذين الفعلين) - أفعلَ وأفعِلْ.
(من فِعْلٍ) - فمن قال ما أكلبه من الكلب، وما أحمره من الحمار، فقد أخطأ؛ وشذ قولهم: أقِمنْ به، أي أحقق، من قولهم: هو قِمنَ بكذا، أي حقيق، فبنوا أفعل من وصف لا فعل له شذوذاً.
(ثلاثي) - فلا يبنى أفعلَ ولا ألإعِل من دحرج ولا من تدحرج ونحوهما، لما فيه من هدم بنية الفعل.
(مجرد) - احترز من ثلاثي زيد فيه كعلم وتعلم وقارب واقترب وسيأتي تمام هذا.
(تام) - أخرج الناقص ككان وكاد؛ وهذا مذهب الجمهور، فلا تقول: ما أكون زيداً قائماً، لأنه لا فائدة فيه؛ وأجازه الفراء وابن الأنباري.
стр. 757
(مثبت) - قال المصنف: فلا يبنيان مما نفي لزوماً نحو: لم يَعِج، أو جوازاً نحو: لم يَعُج. انتهى. فالأول بمعنى انتفع، والثاني بمعنى مال، وعاج يعيج لازم النفي كما قال المصنف، وهو المشهور، وعاج يعوج لا يلزمه، وقد جاء عاج يعيج في إثبات، ولكن المعنى على النفي، أنشد القالي في نوادره عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي:
١٠٨ - ولم أر شيئاً بعد ليلى ألذُّه ... ولا مشرباً أروى به فأيعج
وإنما شرط الثبوت لأن فعل التعجب مثبت.
(متصرف) - أخرج يذر ويدع ونحوهما؛ وشذ ما أعساه وأعْسِ به، أي ما أحقه وأحقق به.
(قابل معناه للكثرة) - ذكره الفراء، وهو صحيح، فما لا يقبل الزيادة لا يتعجب منه نحو: مات وفني وحدث، وشذ ما أحسنه، وما أقبحه في ألفاظ؛ ولهذا لا يتعجب من صفات الله تعالى، فلا يقال: ما أعلم الله، لأن علمه لا يقبل الزيادة، وقالت العرب: ما أعظم الله وأجله؛ وقال:
١٠٩ - ما أقدر الله أن يُدني على شحط ... منْ دارُه الحزْنُ ممن دارُه صُولُ
стр. 758
(غير مبني للمفعول). فلا يقال في ضُرب زيدٌ: ما أضرب زيداً؛ لإيهامه أن التعجب من الفاعل.
(ولا معبرٍ عن فاعله بأفعل فعلاء) - سواء كان عيباً كبرص وحول، أو من المحاسن كشهل وهيف؛ لأنه وإ كان ثلاثياً فأصله أن يكون على أفعل، ولذا صحتْ العين في حول وهيف؛ وحق ما يبني منه فعل التعجب أن يكون ثلاثياً محضاً، وفي ما كان مما يعبر عن فاعله بأفعل فعلاء عاهةٌ قولان: المنع لجمهور البصريين، والجواز للأخفش وبعض الكوفيين، ومنهم الكسائي وهشام، فأجازوا: ما أعوره! . وما كان لوناً منع التعجب منه البصريون، وأجازه الكسائي وهشام، وقال بعض الكوفيين: يجوز في السواد والبياض دون غيرهما من الألوان؛ وروى الكسائي أنه سمع: ما أسود شعره.
(وقد يُبنيان من فعل المفعول إن أمن اللبسُ) - قالوا: ما أشغله من شُغلن وما أجنَّه من جُنَّ، في ألفاظ؛ وهو في التفضيل أكثر من التعجب كأزهى من ديك، وأشهر من غيره، وأشغل من ذات النحيين. واختار
стр. 759
المصنف أن نحو هذا، وهو ما لا يُلبس لا يقتصر فيه على السماع، وهو مذهب خطاب الماردي، والمصحح أنه لا يجوز إلا حيث سُمع، وهو قول الجمهور.
(ومن فِعل أفعَل مُفهِمَ عسر أو جهل) - كحمق ورعن ولُدَّ إذا كان عسر الخصومة، وإن كان مذكرها على أفعل ومؤنثها على فعلاءن ناسبت في المعنى جهل وعسر فجرتْ في التعجب والتفضيل مجراها، فقيل: ما أحمقه وأرعنه وألده، وهو أحمق منه وأرعن وألدُّ؛ وأكثر المغاربة عدوا هذا في الشواذ، وما ذكره المصنف ذكره خطاب الماردي، وقال بعض المغاربة: إنه يظهر من كلام سيبويه.
(ومن مزيد فيه) - قالوا: ما أشوقه من اشتاق، وما أخصرهُ من اختُصِر، وفي هذا أيضاً البناء من فعل المفعول؛ وعد الفارسي من هذا ما أحياه من استحيا، ورد بسماع حي بمعنى استحيا، وعد سيبويه ما أفقره وما أغناه من افتقر واستغنى، ورد بسماع فَقُر وفَقِر بمعنى افتقر، وغني بمعنى استغنى؛ واعتذر عن سيبويه بأنه إنما ذكر ما جاء على الفصيح والذين يقولون: افتقر واستغنى يقولون: ما أفقره وما أغناه، ومثل هذا يقال في: ما أحياه من استحيا.
(فإن كان أفعل قيس عليه، وفاقاً لسيبويه) - والمحققين من أصحابه، ولا فرق بين ما همزته للنقل كأعطى، أو لغيره كأغفى أي نام، فيقال: ما أعطاه وما أغفاه، وهذا ظاهر كلام سيبويه، قال: وبناؤه أبداً من فعل
стр. 760
وفَعِل وفعُل وأفعل، وهو محكي عن الأخفش أيضاً؛ وقال ابن هشام الخضراوي: إنه الصحيح، وقال الصفار: إنه الصحيح الذي يعضده النظر؛ وذهب المازني والمبرد وابن السراج والفارسي إلى المنع مطلقاً، وحخكى عن الأخفش، وفصل بعضهم بين ما همزته للنقل فلا يجوز، أو لغيره فيجوز، وصححه ابن عصفور، ونسبه إلى سيبويه.
(وربما بنيا من غير فعل) - سبق تمثيل بناء أفعِلْ من غير فعل بما شذ من قولهم: أقِمنْ به، ومثل المصنف لأفعل بما شذ، كما قال، من قولهم: ما أذْرعَ فلانة، أي ما أخفها في الغزل، وهو من قولهم: امرأة ذرع أي خفيفة اليد في الغزل، ولم يسمع منه فعل، ورد عليه بأن ابن القطاع حكى: ذرعت المرأة خفت يداها في العمل، فهي ذراع، فلا يكون ما أذرعها شاذاً.
(أو فعل غير متصرف) - وقد سبق تمثيله.
(وقد يغني في التعجب فعل عن فعل مستوفٍ للشروط، كما يغني في غيره) - قالوا في قعد وجلس ضدي قام: ما أكثر قعوده وجلوسه، ولم يقولوا: ما أقعده وأجلسه، ذكره ابن برهان.
(ويتوصل إلى التعجب بفعل مثبت متصرف مصوغ للفاعل، ذي مصدر مشهور، إن لم يستوف الشروط، بإعطاء المصدر ما للمتعجب منه، مضافاً إليه بعد: ما أشد أو أشدد ونحوهما) - فيقال: ما أشد دحرجته وانطلاقه، وما أشد كون زيد صديقك، وما أفظع موت زيد، وأقْبح عَوَرَ عمرو، وأشدد بدحرجته ... إلى آخرها.
стр. 761
واحترز بقوله: مشهور من يذر ويدع، فليس لهما مصدر، وقد روي لهما الوذَر والودْع، فلا يعطى هذا المصدر ذلك الحكمن وإنما يتعجب منهما بجعل الفعل صلة لما المصدرية نحو: ما أكثر ما يذر أو يدع زيدٌ الشر، وأكثر بما يذر أو يدع زيدٌ الشر.
(وإن لم يَعدم الفعلُ إلا الصوغَ للفاعل جيء به صلة لما المصدرية آخذة ما للمتعجب منه بعد: ما أشد أو أشدد ونحوهما) - نحو: ما أكثر ما ضُرب زيدٌ، وأكثر بما ضُرب زيدٌ؛ ولا يؤتى بالمصدر للإلباس؛ فإن لم يُلبس جاز نحو: ما أكثر شغل زيد، وأكثر به؛ ولو كان المانع النفي جُعل الفعلُ المنفيُّ صلة لأنْ نحو: ما أقبح أن لا يأمر بالمعروف، وأقبح بأن لا يأمر. وأجاز البغداديون: ما أحسن ما ليس يذكرك زيد، وما أحسن ما لا يزال يذكرنا زيد، وتابعهم ابن السراج؛ وما لا يقع صلة لما ولا لأن لا يأتي ذلك فيه كنعم وبئس، ثم هذا العمل لا يختص بما عدم الشروط، بل يأتي في المستوفي للشروط، وهو واضح.
* * *
стр. 762
٣٥ - باب أفعل التفضيل
(يصاغ للتفضيل موازن أفعَل اسماً) - وهذا لا خلاف فيه، واسميته واضحخة.
(مما صيغ منه في التعجب فعلاً على نحو ما سبق من اطراد وشذوذ ونيابة أشد وشبهه) - فمثل: أقمِنْ به هناك قولهم هنا: هو أقمن منه، أي أحق، ومثله أيضاً هنا قولهم: ألصُّ من شِظاظ، أي أكثر لصوصية، وهو رجل من بني ضبة، وفي بنائه من أفعل الخلاف السابق في التعجب؛ وقالوا: هو أعطاهم للدراهم، وهذا المكان أشجر، أي أكثر شجراً، يقال: أشجر المكان، أي صار ذا شجر؛ ولا شذوذ فيهما على ما سبق من الصحيح في أفعل. وقالوا: هذا أخصر من هذا، وهو من اختصر مبنياً للمفعول، وقالوا: أشغل من ذات النحيين، من شُغل مبنياً للمفعول؛ والكلام فيه كما سبق؛ وقالوا: أسود من حنَك الغراب؛ وكما قلت هناك: ما أشد دحرجته، وأشدد بدحرجته، تقول: هو أشدُّ دحرجةً، وكذا الباقي.
(وهو هنا اسم ناصبُ مصدر المحوج إليه تمييزاً) - فأشد ونحوه مما يتوصل به إلى التفضيل اسم ينصب مصدر الفعل المحوج إلى الإتيان به على التمييز، فتقول: هو أشد دحرجةً، وأصح تعليماً، وأكثر اقتراباً، وهو أقطع موتاً، وهو أقبح غوراً، وهو أحسن كحلاً.
(وغلب حذف همزة أخير وأشر في التفضيل، وندر في التعجب) - فيقال
стр. 763
في التفضيل: هو خير من كذا، وشر من كذا، ورفض أخير وأشر إلا نادراً؛ قرأ أبو قلابة: "مَنِ الكذابُ الأشر"، وقال:
١١٠ - * بلال خيرُ الناس وابنُ الأخير *
وشذ أيضاً حذفُ همزة أحب في التفضيل؛ قال الأحوص:
١١١ - وزادني كلفاً بالحب أن مُنعتْ ... وحَبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما مُنعا
أي وأحبُّ. ويقال في التعجب: ما أخيره وما أشره، وندر حذف الهمزة، قالوا: ما خير اللبن للصحيح! . وما شره للمبطون! . وندر فيه أيضاً حذف همزة أشد، قال:
١١٢ - ما شد أنفسهم وأعلمهم بما ... يحمي الذمار به الكريمُ المسلمُ
(ويلزم أفعلَ التفضيل عارياً) - أي من ال والإضافة.
стр. 764
(الإفراد والتذكيرُ) - سواء كان لمفرد أم لغيره، لمذكر أم لغيره نحو: زيد أفضل من عمرو، والزيدان أو الزيدون أفضل من عمرو، وهند أفضل من دعد، والهندان أو الهندات أفضل من دعد.
(وأن يليه أو معموله المفضول مجروراً بمن) - فالأول نحو: زيدٌ أفضل من عمرو، والثاني كقوله تعالى: (والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم، وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين) وقوله:
١١٣ - فلأنت أسمح للعُفاة بسؤلهم ... عد الشصائب من أب لبنينا
الشصائب جمع شِصْب بكسر الشين المثلثة وبعدها صاد مهملة ثم باء موحدة، وهو الشدة، شَصِبَ الأمر بالكسر اشتد، وشصَب العيش فالفتح يَشْصُبُ بالضم شُصوباً، وأشْصَبَ الله عيشه.
(وقد يسبقانه) - كقوله:
١١٤ - فقلت لها: لا تجزعي وتصبري ... فقالت بحق إنني منك أصبرُ
فقلت لها: والله ما قلتِ باطلاً ... وإني بما قد قلتِ لي منكِ أخبرُ
ولا يجوز ذلك إلا في نادر من الكلام.
стр. 765
(ويلزم ذلك إن كان المفضولُ اسمَ استفهام، أو مضافاً إليه) - فالأول نحو: ممن أنت أحلم؟ ومن أي رجل أنت أكرم؟ وممَّ قدُّك أعدل؟ والثاني نحو: من وجه مَنْ وجهُك أجمل؟ ذكر هذه المسألة الفارسي في التذكرة؛ قال المصنف: وهي من المسائل المغفول عنها. انتهى.
ويجب سبقُ مَنْ، والحالة هذه، ما كان أفعل خبراً له، كما مثل، ونحو: ممن كان زيدٌ أفضلً؟ وممن ظننت زيداً أفضل؟ ولا يجوز التوسط، فلا يقال: زيدٌ ممن أفضل؟ ولا كان زيدٌ ممن أفضل؟ ولا ظننت زيداً ممن أفضل؟
(وقد يُفصل بين أفعل ومِنْ بِلَوْ وما اتصل بها) - كقوله:
١١٥ - ولَفُوكِ أطيَبُ لو بذلت لنا ... من ماء مَوْهَبَةٍ على خمر
ويروى: أشهى لو يحل لنا ... وعلى شهد. والموهبة بفتح الميم والهاء وبينهما واو، وبعد الهاء ثانية الحروف نقرة في الجبل يستنقع فيه الماء، والجمع مواهب.
وجاء الفصل أيضاً بالنداء، قال جرير:
١١٦ - لم نلق أخبثَ يا فرزدقُ منكُم ... ليلاً، وأخبثَ بالنهار نهارا
(ولا يخلو المقرون بمن، في غير تهكم، ) - احترز من قوله:
стр. 766
١١٧ - لأكلة من إقط بسمن ... ألين مساً في حوايا البطن
من يثربياتٍ قذاذٍ خُشْن
قذاذ بقاف وذالين معجمتين جمع قُذ، وقُذ جمع أقذ، والأقذ السهم الذي لا ريش له.
(من مشاركة المفضل في المعنى) - نحو: العسل أحلى من التمر، ولا يقال: الماء أروى من الخبز.
(أو تقدير مشاركته) - كقولهم في الشرير: هذا خير من هذا؛ أي أقل شراً، قال تعالى: (قال رب السجنُ أحبُّ إليَّ)، وأما قول بعضهم: الصيف
стр. 767
أحرُّ من الشتاء، فقيل: هو بالنسبة إلى الأمزجة، فإن حرها في الصيف أشد، أو على معنى أن الشتاء يُتحيَّل فيه على الحر بموقيات البرد، والصيف لا يحتاج إلى تحيل، فحره أشد من حر الشتاء. ويجوز أن يكون على التهكم، وعن بعض أهل العلم أنه قال: العسل أحلى من الخل؛ قيل: وهو إما على إرادة معنى أطيب، لأن الخل يؤتدم به، فله من الطيب نصيب، إلا أنه دون نصيب العسل؛ وإما على معنى: حلي بعيني أي حسُن منظره، أو أراد بالخل العنب، كما يسمى العنب خمراً، والتهكم لا يمتنع.
(وإن كان أفعل خبراً حُذف، للعلم به، المفضول غالباً) - كقوله تعالى: ([قال: ] أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ ) (ذلكم أقسط عند الله، وأقوم للشهادة، وأدنى ألا ترتابوا) - ودخل في الخبر ما أصله الخبر، قال تعالى: (إن ما عند الله هو خير لكم)، (تجدوه عند الله هو خيراً)، وقال:
١١٨ - سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
أي أصبر منا، ولو لم يُعلم لم يجز حذفه. واستظهر بغالباً على ذكره، فهو جائز مع العلم به، (قل ما عند الله خير من اللهو).
стр. 768
(ويقلُّ ذلك إن لم يكن خبراً) - ومنه: (فإنه يعلم السر وأخفى) وقوله:
١١٩ - دونوتِ، وقد خلناكِ كالبدر، أجملا ... فظل فؤادي في هواكِ مضللاً
أي دنوت أجمل من البدر، وقد خلناك كالبدر؛ فأجمل حال عامله دنوت؛ وأجاز البصريون حذف المفضول للعلم به، إذا كان أفعل فاعلاً نحو: جاءني أفضلُ، أو اسم إن نحو: إن أكبر الله؛ ومنعه الكوفيون؛ وزعم الرماني أنه لا يجوز الحذف إلا في الخبر، ولا يجوز في الصفة نحو: مررت برجل أفضل من عمرو.
(ولا تصاحبُ مِن المذكورة) - أي التي للتفضيل، فإن لم تكن له صاحبت، كما إذا صيغ أفعل مما يتعدى بمن، فإنها تصاحبه مجرداً أو مضافاً أو بال، قال الكميت:
١٢٠ - فهم الأقربون من كل خير ... وهم الأبعدون من كل ذام
وإذا تجردت هذا قلت: زيدٌ أقرب من الخير من عمرو، وإن شئت: من عمرو
стр. 769
من الخير؛ وكذا لو كان الجار غير مِنْ نحو: زيد أضرب لعمرو من بكر، قال تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)، ونحو: زيدٌ أضرب من بكر لعمرو، فلو قلت: زيد أعلم بالنحو منه بالفقه، قال شيخنا: تعين تأخير المجرور الثاني، وامتنع: زيد أعلم منه بالفقه بالنحو، أو زيد أعلم بالفقه بالنحو منه؛ لأن المعنى: زيد يزيد علمه بالنحو على علمه بالفقه، وذلك يؤدي إلى تقديم معمول المصدر المتضمن عليه، وفيه نظر ظاهر، والأقرب أنه إن امتنع فلقبح توالي معمولين بحرفين بلفظ واحد؛ هذه المسألة مثل: هذا بُسراً أطيبُ منه رطباً، فعلى قياسها ينبغي أن يجوز: زيد بالنحو أعلم منه بالفقه، بل هذا أسهل لجواز: زيد بالفقه أبصر من عمرو، وامتناع: زيد قائماً أحسن من عمرو؛ وإنما جاز هذا لأن المجرور يتسع فيه أكثر من غيره، وقد سبق قوله:
(مكرر ١١٤) - * وإني بما قد قلت لي منك أخبر *
وهو شاهد الجواز.
(غير العاري) - وهو المضاف نحو: أفضل الناس، وذو ال نحو: الأفضل.
(إلا وهو مضاف إلى غير معتد به) - كقوله:
١٢١ - نحن بغرس الودِيَّ أعلمنا ... منا بركض الجياد في السدفِ
стр. 770
وأوَّل على نية طرح المضاف إليه، وهو معنى قوله: غير معتد به. والسدف الصبح وإقباله، ذكره الفراء، وأنشد البيت، والسدف أيضاً الليل.
(أو ذو ألف ولام زائدتين، أو دال على عارٍ متعلق به مِنْ، أو شاذ)
كقوله:
١٢٢ - ولست بالأكثر منهم حصاً ... وإنما العزةُ للكاثر
وأول على زيادة ال، أو على تعلق مِنْ بأكثر محذوفاً دل عليه المذكور، أي لست بالأكثر أكثر منهم، أو هو شاذ.
(فصل) - (إن قرن أفعل التفضيل بحرف التعريف، أو أضيف إلى
стр. 771
معرفة مطلقاً له التفضيل، أو مؤولاً بما لا تفضيل فيه، طابق ما هو له في الإفراد والتذكير وفروعهما) - فالأول كالأفضل، فتقول: زيد الأفضل، والزيدان الأفضلان، والزيدون الأفضلون أو الأفاضل، وهند الفضلى، والهندان الفضليان، والهندات الفضليات أو الفضل؛ وإنما طابق مع ال لأن دخولها عليه أبعد شبهه لأفعل التعجب، بخلاف المقرون بمن.
والثاني نحو: يوسف أحسن إخوته، أي الأحسَن من بينهم، فليس على معنى مِنْ، بل على اختصاص الموصوف بأفعل التفضيل، ولا يكون حينئذ بعضاً مما أضيف إليه.
والتزم البصريون أن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفةن لا يكون إلا بعض ما أضيف إليه؛ فمنعوا: أحسن إخوته، وأجازه الكوفيون. وقال زيادة الحارثي:
١٢٣ - ولم أر قوماً مثلنا خير قومهم ... أقل به منا على قومهم فخرا
فهذا مثل: أحسن إخوته، وما استعمل من أفعل التفضيل هذا الاستعمال
стр. 772
طابق ما هو له لزوماً، فتقول: الزيدان أحسنا إخوتهما ... وكذا الباقي.
والثالث نحو: زيد أعلم المدينة، أي عالم المدينة، أي عالم المدينة، فهذا أيضاً يطابق لزوماً فتقول: الزيدان أعلما المدينة، أي عالماها ... وكذا الباقي.
وكون أفعل ينسلخ عن معنى التفضيل أنكره كثيرون من النحويين، وأثبته أبو عبيدة والمبرد والمتأخرون، ومنهم الزمخشري والمصنف، واستشهدوا له بقوله تعالى: (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض)، (وهو أهون عليه)، وهو كثير، وإن قبل التأويل بالرد إلى التفضيل، ومنه قول الشافعي:
١٢٤ - تمنى رجال أن أموت، وإن أمت ... فتلك سبيل لستُ فيها بأوحد
(وإن قيدت إضافته بتضمين معنى مِنْ جاز أن يطابق، وأن يستعمل استعمال العاري) - فالأول كقوله تعالى: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها)، والثاني كقوله تعالى: (ولتجدنهم أحرص الناس)
стр. 773
واحترز بقوله: معنى من عما سبق من قصد إخلائه من معناها نحو: يوسف أحسن إخوته، وهذا ممتنع على تضمين معنى مِنْ؛ وإنما يجوز على تضمين معناها: يوسف أحسن أبناء يعقوب.
(ولا يتعين الثاني) - وهو أن يستعمل كالعاري فلا يطابق.
(خلافاً لابن السراج) - ورد عليه بالسماع، قال تعالى: (أكابر مجرميها)، (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا)، وإلى هذا ذهب أيضاً صاحب البديع، فأوجب فيما كان على معنى مِنْ عدم المطابقة كالمقرون بها، وأجاب عن الآيتين بأن أفعل لم يضمن معنى مِن، بل المقصود به المعروف بذلك، وعلى جواز الوجهين قال ابن الأنباري: الإفراد والتذكير أفصح؛
وقال أبو منصور الجواليقي: المطابقة أفصح، فرد على ثعلب في قوله: واخترنا أفصحهن، وقال: كان الأولى: فصحاهن، لأنه الأفصح، كما شرط في الكتاب.
(ولا يكون حينئذ) - أي حين إذ تفيد إضافته بتضمين معنى مِنْ له.
(إلا بعضَ ما أضيف إليه) - ولذلك امتنع: يوسف أحسن إخوته، على تضمين معنى مِنْ، وجاز: يوسف أحسن أبناء يعقوب، لأن يوسف ليس بعض إخوته، وهو بعض أبناء يعقوب؛ وهذا على مذهب البصريين؛ وأجاز
стр. 774
الكوفيون: يوسف أحسن إخوته، على معنى مِنْ، قالوا: كما لو صرحت بها، وقالوا: إن أفعل حينئذ لا يتعرف.
(وشذَّ: أظلمي وأظلمُهُ) - يشير إلى قول الراجز:
١٢٥ - يا رب موسى أظلمي وأظلمُه ... فاصبب عليه ملكا لا يرحمه
وكان القياس: أظلمنا.
(واستعماله عارياً دون مِنْ) - أي عارياً من الإضافة وال.
(مجرداً عن معنى التفضيل) - كما سبق ذكره عن أبي عبيدة ومن ذكر معه.
(مؤولا باسم فاعل) - نحو: (هو أعلم بكم) أي عالم.
(أو صفة مشبهة) - نحو: (وهو أهون عليه)، أي هين، إذا لا تفاوت في نسبة المعلومات والمقدورات إلى الله تعالى.
стр. 775
(مطرد عند أبي العباس) - وعليه المتأخرون، وحكى ابن الأنباري الجواز عن أبي عبيدة، والمنع عن النحويين.
(والأصح قصره على السماع) - قيل لقلة ما ورد من ذلك، وفيه نظر ظاهر، ولعل وجهه أن الوارد قابل للتأويل، إلا أن في بعض التأويل تكلفاً وموضع التكلف قليل، ومنه: (هؤلاء بناتي هُن أطهرُ لكم) أي طاهرات، (لا يصلاها إلا الأشقى) أي الشقي؛ والوجه أن ذلك مطرد، والله أعلم.
(ولزوم الإفراد والتذكير فيما ورد كذلك) - أي عارياً كما تقدم.
(أكثر من المطابقة) - فالإفراد نحو: (خير مستقراً وأحسن مقيلا)، (نحن أعلم بما يستمعون به)، والمطابقة نحو:
١٢٦ - إذا غاب أسودُ العين كنتمُ ... كراماً، وأنتم ما أقام ألائمُ
أي لئام، فألائم جمع ألأم بمعنى لئيم، وإذا صح جمع أفعل العاري المجرد عن معنى التفضيل إذا جرى على جمع، جاز تأنيثه إذا جرى على مؤنث، وعلى هذا يكون قول ابن هانئ:
следующие страницы →