← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 133359

النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح

ابن عاشور

Полный текст (280 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(«لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله»). لا شك أن محمدًا ﷺ أفضل الرسل، وأنه يعلم أنه أفضل الرسل؛ لأن مثل هذا من أول ما يجب الإيمان به، فلا يؤخر علمه، ولا يُدعى أن رسول الله ﷺ علمه بعد مضي سنين من بعثته، فإن ذلك تلفيق لا يقبل. وقد ذكر القاضي أبو الفضل في الشفاء في فصل من فصول الباب الثالث من القسم الأول وجوهًا خمسة، بعضها جار في جميع الأخبار الواردة في النهي عن التفضيل، وبعضها خاص بالبعض وأحسنها هو الوجه الثالث، وغيره لا ينشرح له الصدر. ووجه الجواب عندي: أنه نهى عن التخيير عند المجادلة مع أهل الكتاب؛ لأنه يفضي إلى الخصومات، وهذا من تسامح دين الإسلام على نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. وقرينة ذلك أن القصة وقع فيها اعتداء على اليهودي الذي لم يلزمه الإسلام بتغيير اعتقاده، فذلك هو معنى قول علمائنا: إن أهل الكتاب لا يعزرون على ما يقولونه مما هو من أصل دينهم. ويحتمل أن يكون النهي تعلق بالخوض فيما لا قبل للناس بعلمه ولا بمقدار تفاضله. فالمقصود سد ذريعة التهافت والرجم بالغيب. فالنهي عن التخيير لا يقتضي نفي التخيير في نفس الأمر. ويدل لهذا الرواية الأخرى: «لا تفضلوا بين الأنبياء»، أي فإن ذلك دخول في خوض لا يحسن داخله الخروج منه. ويحتمل أن يكون النهي تعلق بالتفضيل المطلق في سائر الأمور. ويدل لهذا قوله: «فإن الناس يصعقون» إلخ، الدال على أن لموسى مزية اختص بها. والمزية تقتضي الأفضلية الجزئية ولا تقتضي الأفضلية الكلية. * * * باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ وقع فيه قول البخاري [٤: ١٩٧، ١١]: (عفريت متمرد من إنس أو جان مثل زبنية جماعتها الزبانية).

стр. 107

قال ابن حجر: مراد المصنف به أن قيل في عفريت: عفرية. وهي قراءة في الشواذ. أهـ. وهو بعيد؛ إذ لا وجه للاشتغال بميزان كلمة لم تجر في الحديث المتكلم عليه، وهبها جرت في قوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [النمل: ٣٩] على قراءة شاذة فهي لم تجر هنا على أنه لا وجه للاشتغال بالقراءة الشاذة وترك المشهورة. فالصواب أن البخاري أراد التنبيه على أن كلمة «عفريت» مخففة من كلمة (عفرية)؛ لأن معناهما واحد، فتعين أن الأخف منهما هو الفرع. وبين أن جمعهما جمع تكسير لا جمع سلامة؛ فلذلك تغيرت حركة فاء الكلمة فيه مثل: زبنية وزبانية. وأشار إلى أنها مشتقة من العفر، وهو التمرد في التراب، كما أن زبنية مشتق من الزبن، فجئ فيه بوزن فعليه للإلحاق بشرذمة. * * ووقع فيه قول أبي ذر ﵁[٤: ١٩٧، ١٨]: (أي مسجد وضع أول) إلى آخره. ومطابقته للترجمة التنبيه على أن المسجد الأقصى كان مسجدًا من زمن إبراهيم قبل أن يبنيه سليمان ثم اندثر، وأن سليمان بنى في موضعه الهيكل المعروف بالمسجد الأقصى. * * ووقع فيه حديث أبي هريرة [٤: ١٩٨، ٢]: (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا» إلخ. ووجه ذكره في هذا الباب، مع خبر الذئب الذي عوى على ابن إحدى المرأتين، يحتمل أن أبا هريرة سمع الخبرين من رسول الله ﷺ في وقت واحد فحدث بهما، أو أن الأعرج سمعهما من أبي هريرة جميعًا فحدث بهما جميعًا. * * وقع فيه قول أبي هريرة [٤: ١٩٨، ٧]: «والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية».

стр. 108

وقع في أحاديث ابن وهب عن مالك في جامع العتبية قال مالك: بلغني أن أبا هريرة قال: ما كنا نسمي السكين إلا المدية حتى أنزل الله في كتابه: «وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا». فلعل أبا هريرة تكرر منه هذا الخبر، وإلا فإن ما في رواية ابن وهب أظهر؛ لأن شهرة القرآن أكثر. * * * باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ فيه حديث عبد الله بن مسعود ﵁[٤: ١٩٨، ١١]: (قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب النبي ﷺ : أينا لم يلبس إيمانه بظلم، فنزلت ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. فقد جاء في تلك الرواية بالحديث على وجهه البين في أن الآية معروفة من قبل ذلك. وعليه فقوله هنا: «فنزلت ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ سهو من الراوي عن الأعمش إما من أبي الوليد وإما من شعبة. باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ وقع فيه حديث عبد الله بن عمر ﵃ عن النبي ﷺ وفيه [٤: ٢٠٢، ٢٠]: «وأراني الليلة عند الكعبة في المنام، فإذا رجل آدم، كأحسن ما يرى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا

стр. 109

المسيح ابن مريم، ثم رأيت رجلاً وراءه جعدًا قططًا أعور عين اليمنى كأشبه من رأيت بابن قطن واضعًا يده على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال». تمثيل الطواف بالبيت مع أحوال الدجال في رؤيا النبي ﷺ يمكن أن يكون تمثيلاً لتدجيل الدجال وتظاهره بخلاف باطن حاله. وأما وضع يده على منكبي رجل واحد، فلعله تمثيل لتمويهه بأنه المسيح ابن مريم، فمثل ذلك في شبه الحالة التي رئي عليها عيسى ﵇ في تلك الرؤيا. وكونه واضعًا يدًا واحدة لا يديه معًا، وعلى منكب رجل واحد لا على منكبي رجلين، تمثيل لدقة الاختلاف بين حاله وحال عيسى التي أراد تمويهها لمن كان ذا اهتداء إلى تبين حال تمويهه. فرؤيا النبي ﷺ حق، ويكون حقها تارة في ظاهرها وتارة في تأويلها، فلا ينافي هذا ما صح في الحديث: أن الدجال لا يدخل مكة. وأما رؤيا عيسى ﵇ متوكئًا في طوافه على منكبي رجلين، فلعله لإكثاره من الطواف بالبيت حصل له إعياء، فاستعان بالتوكؤ حقيقة أو تمثيلاً. وأما توكؤ الدجال فرياء وتمويه. وإن للرؤيا النبوية أسرارًا لا يعبرها إلا صاحبها ﵊ وما ذكرناه هو إبداء بعض ما تحتمله، والله ورسوله أعلم. * * وفيه حديث [٤: ٢٠٤، ١]: (أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «رأى عيسى ابن مريم ﵇ رجلاً يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني». لم يكن عيسى ﵇ شاكًا في أن الرجل سرق؛ لأنه قد رآه سرق، فلما أقسم الرجل على أنه ما سرق الذي هو مدلول قوله: «كلا» أراد عيسى أن يوقع في نفس ذلك الرجل حرمة اليمين بالله بعد أن استخف بها، فأتى بكلام موجه يوهم الرجل أنه صدقة في يمينه وتشكك في رؤيته فقال: «آمنت بالله»، وهو كلام حق، وقال: «وكذبت عيني» أي: جعلت ما رأته عيني كالشيء الذي لم يقع؛ إذ أعرض عن

стр. 110

مؤاخذة السارق، وهو يوهم السامع أنه شك فيما رآه. وهذا من دواء نفس السارق. ولعله أصلح الله به حاله. وإطلاق اسم الكذب على ذلك مجاز؛ لأن ما تؤديه العين إلى العلم بمنزلة الخبر، فالخطأ فيه مثل مخالفة الخبر للواقع على نحو قوله ﷺ : «وكذب بطن أخيك» [٧: ١٥٩، ١٧]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]. فمعنى «كذبت عيني» الشك في صحة رؤيتها، وفي حديث الهجرة: «فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة»، أي لم تنقضه. ويجوز أن يكون عيسى ﵇ قد تعارض عنده صدق الحالف في حلفه، واحتمال الغلط في الرؤية، فرجح صدق الحالف لعظم الإقدام على الحلف كذبًا. * * *

стр. 111

كتاب المناقب باب نسبة اليمن إلى إسماعيل [ ٤: ٢١٩، ١١] (منهم أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة). جزم البخاري بأن أسلم من بني إسماعيل ﵇؛ لأنه دل عليه الحديث المخرج هنا، وهو قول النبي ﷺ لقوم من أسلم يتناضلون «ارموا بني إسماعيل» فهذا قاطع في أنهم من بني إسماعيل، وأن أسلم كانوا من عرب اليمن، فهم عدنانيون وليس بقحطانيين، فقول البخاري: «نسبة اليمن إلى إسماعيل» أراد به نسبة بعض أهل اليمن؛ إذ لا دليل على أن جميع عرب اليمن من ذرية إسماعيل ﵇. هذا وإن بعض قبائل العرب العدنانية قد نزلوا بسروات اليمن مثل أنمار وخثعم وبجيله فعدوا في اليمانية بالجوار. وأما سياقة نسبهم، فالمعروف أنهم من أسلم بن أفصى بن عامر بن قمعة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. والظاهر أن ذكر حارثة بن عمرو هنا غير جار على المعروف في سياقة النسب؛ لأن حارثة هو ابن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس. وهذا نسب قحطاني، على ولذلك وقع الخلاف في قبائل كثيرة منهم خزاعة، والصحيح أنهم عدنانيون. ومنهم قضاعة وفيهم خلاف قوي. * * * باب علامات النبوءة في الإسلام وقع في حديث عمران بن حصين ﵁ قوله [٤: ٢٣٣، ٥]: (فجمع لها من الكسر) الكسر- بكسر الكاف وفتح السين- جمع كسرة- بكسر فسكون- وهي القطعة من الخبزة، وأصل الكسرة في اللغة: القطعة من الشيء، ثم غلبت في الاستعمال على القطعة من الخبزة؛ ولذلك استغني في الحديث عن تقييدها بأنها من الخبز.

стр. 112

وقع فيه في حديث أنس ﵁ قوله [٤: ٢٣٣، ١٤]: «حتى توضؤوا من عند آخرهم». وهذا تركيب غريب من غرائب الاستعمال الفصيح في العربية، قد أهمل بيانه صاحب لسان العرب وصاحب القاموس وصاحب تاج العروس وابن الأثير في النهاية وابن مالك في مشكل الجامع الصحيح. وكتب عليه بعض شراح الصحيحين ما لا تطمئن له نفس اللبيب. والمراد من هذا التركيب بيان اكتفاء جميع الناس بالوضوء حتى لم يحرم منه أحد، فالمراد الإحاطة والوسع. فالمراد بـ «آخرهم» من جاء آخر القوم رائما الوضوء من ذلك الماء، وهو من أبطأ في المجيء؛ لأن شأن الأشياء المقترة المضيقة أن يكتفي منها من يتناولها ابتداء وجاء مسرعًا، وأن من أبطأ لم ينل منها شيئًا أو نال ما لا يغنيه، وبعكسه الشيء الغزير الذي هو أكثر من حاجة القوم. فقوله: «توضؤوا من عند آخرهم» (من) فيه للابتداء. جُعل آخر القوم كأنه مبدأ للوضوء، أي توضأ جميعهم من الماء الذي هو عند آخرهم، أي أن المتوضئ آخرًا من القوم قد بقي لديه من الماء ما لو رام جميع القوم أن يتوضؤوا منه أيضًا لكفاهم. فالمراد من هذا التركيب لازم معناه، وليس المراد صريحة؛ إذ لا معنى لتوضؤ المتوضئين الأولين متوضئين من عند آخرهم، كيف وهو آخرهم. فالكلام كناية تلويحية رمزية؛ لأنها اشتملت على كثرة الوسائط مع خفاء. وهي أيضًا غير مراد منها ملزوم المعنى الكنائي بل أريد اللازم فقط، وبذلك تعين أنه لا يلزم تقدم المعنى الصريح في ظاهره. وقد توهم بعض الشارحين أن (من) هنا بمعنى (إلى) وأن كلمة (عند) مقحمة. وإنما ألجأهم إلى ذلك عدم استقامة المعنى الصريح وغفلتهم عن كون المقصود الكناية. * * ووقع فيه في حديث أنس بن مالك ﵁[٤: ٢٣٧، ٢]: «ثم أرسلت السماء عزاليها». هو جمع: عزلاء، بالمد. والعزلاء: فم القربة الذي يكون من أسفلها، ومنه

стр. 113

يستفرغ ما فيها من الماء، فهو -بفتح العين واللام مكسورة- بوزن فعالي في جمع فعلاء، مثل: صحاري، والياء هنا مفتوحة لظهور الفتحة على الياء، ولا يجوز غير ذلك هنا. ومعنى «أرسلت» حلت وفتحت، وأصل الإرسال الإطلاق من الربط، أي: أزالت وكاء القرب. شبه شدة المطر بانصباب الماء من قرب كثيرة، وحذف المشبه به ورمز إليه بذكر لازمه، وهو العزالي، على طريقة المكنية، والإرسال ترشيح. * * ووقع في حديث أبي هريرة ﵁[٤: ٢٤٩، ٣]: «سمعته يقول وقال بيده هكذا» يعني النبي ﷺ ، ومعنى «قال بيده»: أشار. ولم أر من وصف كيفية هذه الإشارة. * * وفيه حديث ابن عباس ﵁[٤: ٢٤٧، ٧]: (فقال رسول الله ﷺ : «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنك الله»). أي: قال لمسيلمة. ومعنى «لئن أدبرت ليعقرنك الله»: لئن أعرضت عن الإسلام الذي جئت لأجله ليغلبنك الله. وقد جاء التركيب على طريقة الاستعارة التمثيلية؛ إذ شبه الهيئة الحاصلة من إعراضه عن الإسلام بعد اقترابه منه ووشكه عليه يعرض للقناص فيكاد يقع في سوطه ثم يدبر حين يلوح له الصائد فيرميه الصائد برمحه فيعقره فيحسبه عن السير ويمسكه. وقد حذف بعض أجزاء المركب الدال على الهيئة المشبه بها كما هو الشأن في التمثيلية غالبًا اكتفاء بمعظم أجزائه، وهما الإدبار والعقر؛ إذ لا إدبار في الحقيقة. والعقر: قطع قائمة من الوحش، قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧] وقال امرؤ القيس: تقول وقد مال الغبيط بنا معًا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل والتشبيه بأحوال حمار الوحش فاش في كلام البلغاء والشعراء، قال الله تعالى:

стр. 114

﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ [المدثر: ٥١]. ولما غفل الشارحون عن هذا التمثيل لم يفسروا موقع «ليعقرنك الله» تفسيرًا رشيقًا. وإسناد العقر إلى الله؛ لأن الله هو المدافع عن دينه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، وهو كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٨]. وقريب من هذا التمثيل المكني قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢] فهو وجه اختيار فعلي» ﴿أَدْبَرَ﴾ [المعارج: ١٧] و ﴿يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢]. وليس المراد تشبيه مسيلمة بحمار وحش على طريقة الاستعارة المكنية. وذكر العقر تخييل؛ إذ لا رشاقة في تشبيهه بذلك على الانفراد. وذلك مما يمنع اعتبار الإفراد في التشبيه، ويعين اعتبار التمثيل كقول التنوخي: كأنما المريخ والمشتري ... قدامه في شامخ الرفعه منصرف بالليل من دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه إذ لو قيل: شبه المريخ بمنصرف عن دعوة بدون ملاحظة كون المشتري قدامه لما حسن ذلك. * * * باب سؤال المشركين النبي ﷺ أن يريهم آية وقع فيه حديث معاوية ﵁[٤: ٢٥٢، ٢]: (عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» إلخ. وأن مالك بن يخامر قال [٤: ٢٥٢، ٦]: «قال معاذ بن جبل وهم بالشام». يحتمل أن معاذًا قاله من عند نفسه، يتأول الوصف الذي وصف رسول الله ﷺ به الطائفة. ومراد معاذ بهم أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا في جنود فتح دمشق؛ لأنهم كانوا يقاتلون أمة الروم التي هي يومئذ أقوى الأمم وأوفرها حضارة. ويحتمل أن معاذًا سمعه من رسول الله ﷺ على هذا المعنى أيضًا. وقد روى الطبراني ذلك عن أبي هريرة مرفوعًا. وقد استبشر معاوية بقول معاذ، من جهة أن رسول الله لم يخصه بزمن دون آخر لاسيما مع قوله ﷺ [٤: ٢٥٢، ٦]: «إلى أن يأتيهم أمر الله وهم على ذلك»، فإن

стр. 115

ظاهره أن المراد بأمر الله قيام الساعة، ولكن رسول الله ﷺ أبهم هذه الغاية. * * * باب مناقب أبي بكر ﵁ - وقع فيه رواية موسى بن إسماعيل عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال [٥: ٥، ٩]: («لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذته خليلاً (يعني أبا بكر) ولكن أخوة الإسلام أفضل»). وقد انفرد موسى بن إسماعيل بزيادة قوله: «أفضل». ولم يروها وهيب عن أيوب في هذا الحديث، ولا رواها أبو سعيد الخدري في حديثه السابق: «ولكن أخوة الإسلام ومودته». فتعين أنها وهم من الراوي؛ لأن الخلة التي ذكرها النبي ﷺ هي التي اختص بها منه الله سبحانه، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، فلا تكون أخوة الإسلام أفضل منها. وقد روى الترمذي حديث أبي سعيد الخدري من طريق عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن أبي النضر عن بسر بن سعيد بدون زيادة «أفضل». * * وقع فيه حديث جبير بن مطعم عن أبيه ﵃[٥: ٥، ١٥]: (أتت النبي ﷺ امرأة فأمرها أن ترجع إليه. قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك. كأنها تقول الموت. قال: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر». فقولها: «إن جئت ولم أجدك»، وأنها تعني به احتمال الموت، لعل ذلك كان من أجل أنها جاءت رسول الله ﷺ في حال مرضه، فخافت وفاته ﷺ ، أو من أجل أنها كانت بعيدة المكان، فلا تستطيع الرجوع إليه إلا بعد زمن طويل يمكن أن يحدث فيه الموت. * * وفيه حديث أبي هريرة ﵁[٥: ٧، ١٣]: (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أنفق زوجين من شيء من

стр. 116

الأشياء في سبيل الله دعى من أبواب -يعني الجنة- يا عبد الله هذا خير. فمن كان من أهل الصلاة دُعى من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد. ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام باب الريان». فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة. وقال: هل يُدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر»). لا شك أن المراد بـ «سبيل الله» في قوله الرسول ﷺ «من أنفق زوجين في سبيل الله» هو الجهاد؛ ولذلك أخرجه البخاري مختصرًا تحت ترجمة باب فضل النفقة في سبيل الله من كتاب الجهاد [٤: ٣٢، ٥]. فالمراد بـ «زوجين»: إما مثلان من أي صنف ينفع الناس في الجهاد، نحو فرسين أو بعيرين أو سيفين أو درعين، فالزوجان تثنية زوج، وهو العدد المثني لعدد آخر، فكل من العددين هو زوج؛ لأن به صار الفرد زوجًا. وإما ذكر وأنثى من أصناف الحيوان النافعة في الجهاد للركوب؛ وهي: الخيل والبغال والحمير والإبل، وللزاد؛ مثل: الغنم والبقر، فقد جاء في حديث رافع ابن خديج: «إنا نرجو أن نلقى العدو غدًا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب»، فالزوج حينئذ هو الحيوان الذي يزدوج مع الآخر وهما الذكر والأنثى، كقوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٣]. فأما على الأول فوجه فضل إنفاق المثلين أنه يدل على سخاء المنفق وحبه تقوية عدة المجاهدين؛ لأن إعطاء شيء واحد يكون بمنزلة اقتصار في امتثال الأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الانفال: ٧٢]. وأما على الثاني فلأن إنفاق الزوجين فيه قضاء حق الإعانة بأسباب القتال بالركوب وتناسل المراكب، وبأسباب القوت في الجهاد؛ لأن بعض الإناث من الزوجين ينتفع أيضًا بشرب لبنها. ومن العلماء من فسر إنفاق الزوجين بتكرير الإنفاق في سبيل الله، وهو خطأ؛ لأن كلمة ﴿زَوْجَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] صريحة في أنها مفعول به وليست مفعولاً مطلقًا، بخلاف نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾. [الملك: ٤].

стр. 117

وقوله: «فمن كان من أهل الصلاة» إلخ، تفصيل قصد منه بيان فضيلة من يُدعى من جميع أبواب الجنة لأجل إنفاق زوجين في سبيل الله. وقوله: «ومن كان من أهل الجهاد»، أي: من أهل المقاتلة بنفسه. * * ووقع في حديث عروة عن عائشة ﵁ ذكر أمر سقيفة بني ساعدة فقال [٥: ٨، ٣]: (فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ ... وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم). إنما حلف عمر على اعتقاد أن الرسول لا يموت حتى يشهد على جميع أمته لقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقوله: «فليقطعن أيدي رجال» يعني المنافقين؛ لأن عمر علم أن المنافقين قد تحفزوا عند موت النبي لإثارة البغي والفتنة، وجزاء ذلك هو قطع الأيدي والأرجل. ومن هؤلاء المنافقين من الأعراب الذين أوقدوا نار حرب الردة، وقال عروة [٥: ٨، ١٣]: (فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر). إن الذي دعا أبا بكر إلى إسكات عمر هو خيفة أن يصدر من عمر من الإغلاظ في القول للأنصار ما يهيج غضبهم إذ كانت في عمر حدة في القول، وكان عمر يومئذ في حال حيرة وجزع من وفاة رسول الله ﷺ ، فخاف أبو بكر أن يصدر من عمر ما يبعد سبيل الوفاق، وقد وفق الله أبا بكر للسداد فحصل بكلامه إجماع الأمة. * * * باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان وقع في حديث عمرو بن ميمون عن مقتل عمر وبيعة عثمان قول عمر بن الخطاب لعبد الله ابنه [٥: ٢٠، ١٨]: (انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل:

стр. 118

أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا) إلخ. أراد عمر أن يتجنب ما من شأنه أن يحمل عائشة على إجابة مطلبه مما يخالطه ضرب من الإلجاء يخالط طيب نفسها؛ إذ لعل ذكر الوصف بأمير المؤمنين يعرض بحق له على سائر المؤمنين في إجابة رغبته وفاء بحق الطاعة والبر، ثم زاد فقال: «فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا»؛ أي لأنه صار غير قادر على أن يدير شؤون الأمة، فاختل منه شرط الإمارة اختلالاً لا يرجى عوده بعد. ولعله قصد إبلاغ مقالته تلك إلى عائشة حتى يزيدها طوعًا في الجواب عما سأله منها؛ ولكن قد بقي له من حق إمارة المؤمنين ما يبقى للمشرف على الموت من الحق في الأمور كلها وهو حق الوصية. فعمر رأى أن الحالة التي بلغت به قد عطلت أن يدير أمور الأمة، وإنما بقي له حق الوصية في أمر الخلافة؛ ولذلك لما قيل له [٥: ٢١، ٨]: «أوص ... استخلف» لم يقل لهم: إني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، ولكنه أوصى وأجمعت كلمة أهل العقد والحل على تنفيذ وصيته في ذلك. * * ووقع في ذلك الحديث قول عبد الرحمن بن عوف لعلي وعثمان [٥: ٢٢، ٥]: «أيكما يتبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه». فالإشارة بقوله: «من هذا الأمر» إلى الخلافة. والضمير في قوله فـ «نجعله» راجع إلى تعيين الخليفة، ففي الضمير استخدام قريب، والمعنى: أن الذي يتبرأ من الولاية، يعني أحد الرجلين الباقيين للخلافة. والضمير في قوله: «أفتجعلونه إليّ» راجع لتعيين الخليفة تبعًا لضمير «فنجعله إليه»، والمعنى: أتجعلون التعيين إلي، أي أنه يعين أحدهما لظهور أنه لا يعين نفسه. * * * باب مناقب عمار وحذيفة وقع فيه قول أبي الدرداء [٥: ٣١، ١٥]: (والله لقد أقرأنيها رسول الله ﷺ من فيه إلى في). فقد أضاف لفظ الفم إلى ياء المتكلم ومع ذلك أجراه على الإعراب بالياء إعراب

стр. 119

الأسماء الستة وإنما تعرب كذلك إذا أضيفت إلى غير ياء المتكلم. فالوجه أن يقول: من فيه إلى فمي. وهذا الاستعمال الذي جاء هنا خاص بلفظ الفم من بين الأسماء الستة، فالعرب إذا أضافوه إلى ياء المتكلم ربما أبقوه في حال الجر على الإعراب بالياء النائبة عن الكسرة تطلبًا لحصول التخفيف بإدغام ياء الإعراب في ياء التكلم. قال الفرزدق: على حلفة لا أشتم الدهر مسلمًا ... ولا خارجًا من في زور كلام ومن كلام العرب: كلمته فاه إلى في؛ ولذلك لم يستعملوه مرفوعًا بالواو ومنصوبًا بالألف حال الإضافة إلى ياء المتكلم، فلم يقولوا: نطق فوي ولا فتحت فاي، فدلنا ذلك على أنهم ما قصدوا من الجمع بين الإضافة إلى ياء المتكلم وبين إعرابه إعراب الأسماء الستة إلا التخفيف في حالة الجر خاصة. ومن أحسن مواقع هذا الاستعمال وقوعه في المزاوجة مع مثله المعرب بالحروف في نحو قولهم: كلمته فاه إلى في، فإن العرب تراعي المزاوجة في إخراج الكلمات عن موازينها المألوفة لأجل اقترانها بنظير في الوزن، كما ورد في قول النبي ﷺ لوفد عبد القيس [١: ٣٢، ١٤]، [٨: ٥٠، ١٧]: «مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى» فجمع (النادم) على (ندامى)، وإنما جمعه: ندم؛ لأجل مزاوجته مع قوله: خزايا. وكذا قول الشاعر: هتاك أخبية ولاج أبوبه ... يخالط البر منه الجد واللينا فجمع (بابا) على (أبوبه)، وإنما يجمع على (أبواب)؛ لأنه زاوج قوله: (أخبية)، ولذلك فمن أحسن استعمال الفم هذا الاستعمال وقوعه مع مماثل مجرور، كما ورد في قول أبي الدرداء: «من فيه إلى في» وقد أسكت النحاة عن بيان هذا الاستعمال. وزعم الرضي أن الياء الأولى في مثل هذا عوض عن الميم المحذوفة، وهو من تحكماته العارية عن الدليل، على أنه لم يعتذر عن حالتي الرفع والنصب. * * * باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل وقع فيما حدث ابن عمر ﵃[٥: ٥٠، ١٠]: إن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين، فلقي عالمًا من

стр. 120

اليهود. فقال له: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. ثم لقي عالمًا من النصارى، فقال له: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله). لا شك أن عبد الله بن عمر تلقى ذلك ممن يأثره عن زيد بن عمرو بن نفنل، فإن زيدًا كان صهرًا لعمر بن الخطاب؛ إذ كانت ابنة زيد تحت عمر بن الخطاب، فإذا صح الخبر عن هذين العالمين اليهودي والنصراني فلا أحسب المراد بذلك إلا أن كل دين من دينيهما كان من أصوله رموز لا تفهم يتلقاها أتباعه ساذجًا دون تفهم. ولعله كان من أصل من اليهود الاعتراف بأن الله غاضب عليهم، وأن سلب ملكهم، وسبيهم، وإخراجهم من الأرض المقدسة، كل ذلك من آثار غضب الله عليهم، وأن من يريد الدخول في دينهم يجب عليه أن يعترف بنصيب من غضب الله ليكون ذلك داعيًا إياه للسعي في التوبة والاستغفار وطلب الرضى من الله إلى يوم الخلاص الذي يزعمونه. ولعل من أصل النصرانية أيامئذ اعتقاد أن الله لعن الإنسان لأجل خطيئة آدم ﵇ وفي سفر التكوين إيذان بلعنة الأرض من أجل وجود آدم بها، فجعله سبب لعنة. ويزعم النصارى اليوم أن عيسى ﵇ فدى النوع بنفسه، فصلب لخلاص الخطيئة المكتوبة على الإنسان. وحين قال زيد لكل واحد منهما: «فهل تدلني على غيره؟ » قال له كلاهما: «ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا» فهو ضرب من ضروب اختلال العقيدة واضطرابها، كما قدمنا في قول اليهود: «إن جبريل عدوهم» فكلا الحبرين أشار على زيد؛ إذ أبي التزام دينه أن يكون حنيفًا، كأنهما يريان أن معاملة الله أتباع الأديان السماوية تختلف باختلاف ما يلتزمه معتنقو الدين، وأنه لا يتعين الحق في واحد. وهذا يشبه مذهب المصوبة في العقائد الإسلامية، وممن نسب إليه العنبري. ولعل ذلك لأن اليهودي يرى اليهودية متعينة على بني إسرائيل واختيارية لغيرهم، والنصراني يرى دين المسيح متعينًا على اليهود والذين اتبعوه، واختياريًا لغيرهم؛ فلذلك أرشده كلاهما إلى اتباع الحنيفية إن شاء، ليخرج من الشرك إلى التوحيد، بناء على أنه لما لم يجئه رسول فهو مخير في اتباع أي أديان الحق شاء. * * *

стр. 121

باب بنيان الكعبة فيه حديث جابر بن عبد الله ﵃[٥: ٥١، ٩]: (لما بنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي ﷺ : اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق فقال: «إزاري إزاري» فشد عليه إزاره). أراد: فخر إلى الأرض كالمغمى عليه، بدليل قوله عقبه: «ثم أفاق». وكان ذلك الإغماء حفظًا إلهيًا. وألهم محمد ﷺ عند الإفاقة إلى أن سببه هو انكشاف العورة، فلذلك قال: «إزاري إزاري». ويحتمل أنه أخذ بإشارة عمه، استحياء من عمه فعرض له عارض استحياء من انكشاف عورته حتى أغمي عليه من شدة الخجل؛ فلذلك قال: «إزاري إزاري» ليعلم عمه أن ما عرض له كان من الحياء، فلا يعيد عليه الأمر بجعل إزاره على رقبته. وعلى كلا الاحتمالين فقد حصل الحفظ الإلهي من انكشاف العورة. وذلك إن لم يكن في الجاهلية نقيصة ولا كان يومئذ شرع، فإن الله حفظه منه، كيلا يراه أحد على تلك الحالة التي هي ليست أكمل أحوال أهل المروءة، حتى لا يرمقه أحد من قومه بعد بعثته بما يذكره ذلك المنظر الأدنى. لاسيما وأنه سيكون كشف العورة محرمًا في الدين الذي سيبعث به، فلا يقول أحد من أعدائه: إنه قد كان كشف عورته يوم كذا، ولا يجد أحد من أتباعه ممن شهده يومئذ في نفسه بعد إسلامه مخيلة ذلكالمشهد. وقد ظهر من هذا أن الإغماء اعتراه بمجرد وضع إزاره على رقبته قبل أن يراه أحد والله أعلم. * * * باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة فيه قول سعيد بن جبير [٥: ٥٧، ١٦]: (أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين ما أمرهما؟ :

стр. 122

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ ... [النساء: ٩٣] فقال: لما أنزلت التي في الفرقان قال مشركو أهل مكة: فقد قتلنا النفس التي حرم الله، ودعونا مع الله إلهًا آخر، وقد أتينا الفواحش، فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ﴾ الآية [مريم: ٦٠]، فهذه لأولئك. وأما التي في النساء الرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم خالدًا فيها، فذكرته لمجاهد فقال: إلا من ندم). وقع سهو للراوي في ذكر الآية الأولى؛ إذ قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾، [الانعام: ١٥١] فإن هذه الآية من سورة الإسراء وبعدها: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣] إلخ. وهي ليست المسؤول عنها إذ لا تعارض بينها وبين آية النساء، إذ ليس في آية الإسراء ذكر التوبة وإنما الآية المسؤول عنها هي قوله تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]؛ ولذلك قال ابن عباس؛ ولذلك قال ابن عباس: «لما أنزلت التي في الفرقان». ومعنى قول المشركين: «فقد قتلنا» أنهم قصدوا إفحام رسول الله ﷺ حتى يكف عن دعوتهم إلى الإسلام، فقصدوا أنه على حسب ما أنزل عليه هنا لا تكون لهم فائدة في الإسلام؛ إذ قد وجب عليهم الخلود بما أتوه من الشرك والجرائم في الجاهلية. ومن هنا يظهر وجه ذكر هذا الخبر في «ما لقي النبي ﷺ من المشركين»، أي من الأذى والتكذيب وقصد الإفحام. ومعنى تأويل ابن عباس أنه جعل قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ﴾ [الفرقان: ٧٠] استثناء من مجموع الجمل المذكورة قبله. وتأوله ابن عباس بأنه راجع إلى المجموع لا إلى الجميع، أي ليس الاستثناء راجعًا إلى كل جملة على حدة. وقصده من ذلك أن يكون الأهم هو التوبة من الشرك، وأن ما ذكر معه من الفواحش إنما هو لتشويه حال الذين يدعون مع الله إلهًا آخر. وهذا التأويل الذي نقله ابن جبير عن ابن عباس تأويل بعيد؛ لأنه خلاف الفواحش إنما هو لتشويه حال الذين يدعون مع الله إلهًا آخر. وهذا التأويل الذي نقله ابن جبير عن ابن عباس تأويل بعيد؛ لأنه خلاف المعروف في استعمال الاستثناء الوارد بعد الجمل؛ إذ هو يرجع إلى جميعها، أي إلى مدلول كل جملة منها.

стр. 123

على أن ذكر هذه الأمور كلها لا يظهر، إلا أن كل واحد منها مقصود بالذم ومرفوع بالتوبة. والذي دعا ابن عباس إلى هذا التأويل هو حمله آية قتل النفس التي في سورة النساء على ظاهرها، وجعلها أصلاً في عدم قبول توبة قاتل النفس فألجأه ذلك إلى تأويل ما يعارضها، وهو قول شاذ؛ إذ هو غير جار على إجماع المسلمين من قبول التوبة في سائر المعاصي. وإذا كان ابن عباس يجعل التوبة التي في آية الفرقان مرادًا منها التوبة من الشرك، ويمنع أن تقبل التوبة من قتل النفس، لزم أن يكون الشرك أحسن حالاً من المعصية مع الإسلام؛ ولذلك أنكره مجاهد فقال: «إلا من ندم». * * * باب إسلام سعيد بن زيد ﵁ - فيه قول سعيد بن زيد [٥: ٦٠، ١٢]: (ولو أن أحدًا ارفض لما صنعتم بعثمان لكان محقوقًا أن يرفض). أي لم يكن ارفضاضه، أي انقلاعه من مكانه واندكاكه عجبًا؛ لأنه حقيق به. ففي الكلام إيجاز، حيث ذكر علة الجواب وجعلها دليلاً عليه؛ إذ ليس جواب (لو) هنا هو كون أحد حقيقًا بأن يرفض، ضرورة أن شرط (لو) هو أنه ارفض فلا يكون جوابها أنه حقيق بأن يرفض؛ لأنه يقال: هو حقيق بكذا، أي: جدير بأن يقع فلا يكون فيما قد وقع، ألا ترى قول الأعشى: وإن امرأ أسرى إليك ودونه ... من الأرض موماء وبيداء سملق لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعان موفق ووقع في رواية أبي ذر الهروي الاقتصار على قوله: «لكان» دون قوله: «محقوقًا أن يرفض» فيكون من الحذف اقتصارًا بدون دليل، فيقدر بما يفرضه السامع لعظم المقام؛ أو أراد بالفعل الماضي الواقع شرطًا لـ (لو) معنى المستقبل على خلاف الشائع في (لو) بقرينة المقام كقول توبة بن الحمير: ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... عليَّ ودوني جندل وصفائح

стр. 124

و (كان) تامة، وفاعلها المصدر المأخوذ من قوله: «ارفض»، أي لو كان يرفض الجبل لحصل الارفضاض. والكلام جار على المبالغة كقول أبي بن سلمى من الحماسة: فلو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر * * * باب هجرة الحبشة وقع فيه قول عثمان [٤: ٦٣، ٦]: «وهاجرت الهجرتين الأوليين». وهو يريد الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة؛ لأنه لم يهاجر غيرهما. فوصفهما بـ «الأوليين» باعتبار أن كل هجرة منهما قد كان هاجرها فريق من أصحاب رسول الله ﷺ سبق بعضهم بعضًا، فكان عثمان من الذين سبقوا في كلتا الهجرتين، فالوصف بـ «الأوليين» راجع إلى هجرتيه باعتبار وصفهما الراجع إلى اعتبار هجرة كل مهاجر بمنزلة هجرة مستقلة. * * * باب المعراج وقع في حديث مالك بن صعصعة ﵁[٥: ٦٨، ٦]: «فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما جاوزت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكى لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي». كلمة (غلام) عربية، فليست من كلام موسى بل هي معبرة عن مرادفها من العبرانية، أو عن المعنى الذي هو قائم بروح موسى ﵇ الدال على معنى الشباب وإقبال العمر، فيكون ذلك بمعنى فتى، أو بمعنى زعيم. وهو من استعمالات لفظ (غلام) في العربية أيضًا.

стр. 125

قال رشيد العنزي: باتوا نيامًا وابن هند لم ينم ... بات يقاسيها غلام كالزلم وقالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج: شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا خز القناة سقاها باب هجرة النبي ﷺ - فيه حديث عائشة ﵁[٥: ٧٧: ١٩]: «فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك». تعني ﵁ أن الذين جاؤوا من الأنصار كانوا ممن لم ير رسول الله من قبل، أي ليسوا من أهل العبقتين، وأن المهاجرين لم يقدم منهم أحد. وذلك أن دخول رسول الله ﷺ كان على حين غفلة، وكان نزوله بقباء بعيدًا عن المدينة التي هي مأوى أهل العقبتين، والمهاجرين. ويظهر أن تحيتهم أبا بكر لم يكن يصحبها كلام يدل على أنهم يحسبونه الرسول؛ لأنهم لو صدر منهم ما يقتضي ذلك لنفاه أبو بكر. ولعل أبا بكر ﵁ لم يدلهم على رسول الله ﷺ من أول ساعة قصدًا لإراحة رسول الله ﷺ من تعب السفر. * * ووقع في حديث أنس بن مالك ﵁ في ذكر سراقة [٥: ٧٩، ١٨]: «وكان آخر النهار مسلحة له» فالمسلحة -بفتح الميم وفتح اللام- اسم لمحل السلاح، أي المحل الذي يقيمه أهل السلاح للحراسة، وجمعه: المسالح، أطلق على سراقة اسم المسلحة للمبالغة، كما يقال: هو مأوى لقومه، وهو مستودع سر القبيلة.

стр. 126

ووقع في حديث ابن عمر ﵃[٥: ١٨١، ١]: «كان (عمر ﵁) فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف في أربعة». فكلمة (في) هنا للتكرير. وهي التي تستعمل في الحساب بمعنى الضرب. فأراد أنه فرض لهم أربعة آلاف لكل واحد منهم أربعة؛ لئلا يظن السامع أنه جعل أربعة آلاف بين جميع المهاجرين. * * وقع فيه قول أبي عثمان النهدي [٥: ٨١، ٢٠]: «سمعت ابن عمر إذا قيل له: هاجر قبل أبيه يغضب». وجه غضبه أن ذلك مخالف للواقع وأنه يمدح بما فيه تنقيص لأبيه؛ إذ لا يكون تأخر الهجرة إلا عن فتور في المبادرة إلى عمل من الخير عظيم. والواقع أن هجرتهما كانت في يوم واحد، وإنما تأخر لقاؤه النبي ﷺ . وهذه المبايعة هي التي كان النبي ﷺ يأخذها على المسلمين بعد أن هاجر. وهي غير بيعة الرضوان فإن المبايعة تكررت. * * ووقع في حديث البراء بن عازب ﵁ عن أبي بكر ﵁[٥: ٨٢، ١٠]: «فإذا أنا براع قد أقبل في غنيمة يريد من الصخرة مثل الذي أردنا. فسألته: لمن أنت يا غلام؟ فقال: أنا لفلان». إنما سأله أبو بكر خشية أن يكون لبعض أهل مكة ممن يراح بغنمه قربها، فلعله يتحدث بما لقي في طريقه فيعرف أهل مكة أمر رسول الله ﷺ فإذا وجده كذلك لا يطيل معه الكلام حتى لا يرى من شأنهما. وقد ورد في هذا الحديث في باب علامات النبوءة [٤: ٢٤٥، ١٤]: «فقال لرجل من أهل المدينة أو مكة». وجزم في رواية مسلم: «لرجل من أهل المدينة» وذلك أظهر لاطمئنان أبي بكر ﵁. * * * ووقع في حديث عائشة ﵁[٥: ٨٣، ٦]: (هذا الشاعر الذي قال هذه القصيدة رثى كفار قريش:

стр. 127

وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تزين بالسنام وماذا بالقليب قليب بدر ... من القينات والشرب الكرام الشاعر هو أبو بكر، واسمه شداد بن الأسود بن شعوب -بضم الشين المعجمة- الليثي الكناني. أراد أن الذين ردموا بقليب بدر كانوا ممن يطعم الأضياف في الجفان المصنوعة من شجر الشيزى مزينة تلك الجفان بأسنمه الجزر، وكانوا ممن تغنيهم القيان وتحضرهم الندامى، وأن بموتهم قد ذهبت تلك المكارم فكأنها دفنت معهم، فشبه ذهابها وانقطاعها بموت أهلها على طريقة المكنية، ورمز إليه بالدفن في القليب؛ إذ الدفن من لوازم الموت. وخص قليب بدر للإشارة إلى أن سبب انقطاعها هو موت أولئك الذين ردموا بالقليب. ومن هذا المعنى قول الشيخ محمود قبادو الشريف في رثاء الشيخ جدي: واروا علومًا ينادي من يؤرخها ... ودائع العلم في قبر ابن عاشور وقوله: «يخبرنا الرسول» استعمل وصف الرسول على وجه التهكم بقرينة قوله: «وكيف حياة أصداء وهام». فإن الاستفهام إنكاري، فهو كالتهكم الذي حكاه القرآن عن كفار قريش: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾. * * ووقع في حديث أبي سعيد الخدري ﵁[٥: ٨٣، ١٦]: «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فسأله عن الهجرة. فقال: ويحك إن الهجرة شأنها شديد فهل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فتغطي صدقتها؟ قال: نعم. قال: فتحلبها يوم ورودها؟ قال: نعم، قال: فأعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئًا». قوله: «شأنها شديد» أي لأنها مفارقة الأهل والديار وسكنى البلد. والأعراب لا يطيقون ذلك. وقوله: «فتحلبها يوم ورودها» أي تحلبها للفقراء والمساكين والضعفاء يوم نوبة شربها. وقد كانوا اعتادوا أن يجتمع الفقراء لأمثال هذه المواضع مثل يوم شرب

стр. 128

الإبل ويوم صرام الثمار من النخل. وفي القرآن: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣]، وكان أهل الشح لا يسمحون ببذل ذلك الفقراء؛ ولذلك سأل رسول الله ﷺ : «أهو ممن يجود بذلك أم يشح؟ ». والبحار جمع بحرة -بفتح الباء وسكون الحاء- وهي الأرض المنخفضة. والمراد بها هنا حرتا المدينة. وإنما جمعها مع أن للمدينة حرتين إطلاقًا لاسم الجمع على المثنى. مثل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَ﴾ [التحريم: ٤]. وليس هو جمع بحر؛ إذ ليس بين المدينة وبين منازل الأعراب بحر. والمدينة يثرب تسمى البحرة لوقوعها في بحرة كما جاء في حديث طويل ذكر في تفسير آل عمران [٦: ٥٠، ٥] وفي اللباس والأدب والطب [٨: ٥٧، ٦]، [٧: ١٥٩، ٢٠]: قول سعد بن عبادة للنبي ﷺ في الاعتذار عن عبد الله بن أبي بن سلول: «لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك وقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه ويعصبوه» إلخ. وتسمى البحيرة بالتصغير كما ورد في رواية في حديث سعد بن عبادة المتقدم. وفي كتب السيرة في ذكر خبر الهجرة أن بني سالم قالوا للنبي ﷺ : «أقم عندنا في العزة والمنعة، كان الرجل من العرب يدخل هذه البحيرة خائفًا فليجأ إلينا». ونظير ذلك تسمية مكة بـ «الوادي» لوقوعها في واد بين جبلين. * * *

стр. 129

كتاب المغازي باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [ الانفال: ٩]. فيه حديث ابن مسعود أن المقداد بن الأسود [٥: ٩٣، ٧] (أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين) إلخ. محل مطابقة الحديث لترجمة الباب أن ذلك الدعاء على المشركين هو الاستغاثة التي قال الله تعالى: ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ الآية وكان ذلك في يوم بدر كما صرح به في رواية سفيان عن طارق بن شهاب من كتاب التفسير. * * * باب قتل أبي جهل فيه قول علي بن أبي طالب ﵁[٥: ٩٥، ١٢]: «أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة». يحمل على أنه سمع ذلك من النبي ﷺ ؛ لأن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، ومع ذلك فالمراد الخصومة على القتل في سبيل الله؛ لأن وقعة بدر هي أول جهاد في الإسلام، ولعل عليًا كان أول من بارز يومئذ. وأما الخصومة في الدين فقد كانت من قبل ذلك بسنين مثل ما عذب بلال وعمار وما فتن أبو بكر والسابقون إلى الإسلام. وأما قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] فالمراد بالخصومة فيها المبارزة يوم بدر لا خصومة يوم الحساب. * * * باب هذا الباب في أحاديث لها مساس بقصة بدر.

стр. 130

وقع فيه حديث أبي هريرة في قتل المشركين خبيبًا [٥: ١٠١، ١٨]: «قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت». يعني أن خبيبًا كان آيسا من حدثان ما يصرف المشركين عن قتله بعد أن أزمعوه وخرجوا به من الحرم لذلك، فلم يكن يرجو من الزيادة في الصلاة ورود نجدة تنقذه، فلا يقال: إنه كان عليه أن يزيد في الصلاة لعله يحدث له ما ينقذه. وقوله: «لولا أن تظنوا أن ما بي جزع ... » إلخ، هو مقصد ديني أيضًا؛ لئلا يؤثر عن أحد المسلمين الجزع من الموت فيفسد على المسلمين سمعتهم التي عرفوا بها بين المشركين من الشجاعة وصدق اللقاء ورباطة الجأش. وذلك مما يلقي الرعب في قلوب أعدائهم عند لقائهم، وقد قال رسول الله ﷺ [٧: ٦٥، ١٥]: «نصرت بالرعب» فحصل من مجموع الأمرين عدو له عن تطويل الصلاة مع أن في التطويل استبقاء الحياة. وفي فعل خبيب ما يستروح به لقول ابن القاسم من أصحاب مالك: إن القاتل لا يجبر على أن يعطي مالاً لأولياء المقتول إذا رضوا بالصلح وقبول المال. * * * باب [ ٥: ١٠٣، ١٨] قال الشراح: هو كالفصل لما قبله، وهو «باب شهود الملائكة بدرًا»، ولكن الظاهر أن البخاري ترك هذا الباب بلا ترجمة؛ لأنه قصد منه تخريج الأخبار الدالة على إحصاء أهل بدر ليكون مقدمة لجريدة أسمائهم الواردة بعد ذلك. وقع فيه قول عروة [٥: ١٠٤، ١٠]: (أن رسول الله ﷺ سأل الزبير العنزة التي طعن بها في عين عبيدة بن سعيد). هذه هي العنزة التي كانت توضع بين يدي النبي ﷺ إذا صلى في المصلى أو في السفر، ولعل سؤال رسول الله الزبير إياها أنها صارت غير صالحة للقتال فاتخذها سترة؛ لئلا يعطل عنزة أو رمحًا صالحًا للاستعمال في الحرب، ولأجل أنها كانت توضع بين يديه استردها الخلفاء من بعده؛ لأنها صارت من أدوات ولي أمر المسلمين، وتبركًا بأثر نبوي، وأثر من آثار الجهاد ومن آثار يوم بدر، وهو يوم الفرقان، ففيها تذكير بأيام الله

стр. 131

ونعمته، وعبر عظيمة من الاعتبار بنصره، قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. * * وقع فيه حديث الربيع بنت معوذ [٥: ١٠٥، ٢]: (دخلي علي النبي ﷺ غداة بني علي فجلس على فراشي كمجلسك مني وجويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال لها النبي: «لا تقولي هكذا وقولي ما كنت تقولين»). قال الشراح: كره منها نسبة معرفة الغيب إلى المخلوق. وأقول: الظاهر أن النهي قصد منه أن لا يدخل الجد وأمور الدين في أثناء اللهو بقرينة قوله لها: «لا تقولي هكذا» أو «لا تقولي هذا وقولي ما كنت تقولين» ولم يقتصر على قوله: «لا تقولي هكذا». * * ووقع فيه حديث شعيب عن الزهري عن عروة عن أبي مسعود الأنصاري قوله [٥: ١٠٧، ١٠]: (لقد علمت أن جبريل نزل فصلى). ضبطت التاء من «علمت» بضمة في نسخ خمس مغربية معتمدة منسوخ بعضها عن نسخة فيها خط أبي علي الصدفي عن أبي الوليد الباجي، فيكون تأكيدًا للخبر وتثبتًا في نقله. وقد ضبطه سائر الشارحين هنا بفتح التاء مقتصرين على الفتح، وهو الموافق لرواية مالك عن ابن شهاب هذا الحديث. ومن العجيب عدم اطلاع شراح الصحيح على هذه الرواية. * * ووقع في حديث عمرو بن عوف [٥: ١٠٨، ١٣]: (وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين). لم يبينوا وجه وقوع ضمير الفصل في قوله: «هو صالح»، والذي يظهر أن هذا

стр. 132

الفصل لكراهية توالي فعلين؛ وهما (كان وصالح)، وهو استعمال عربي فصيح كقوله في حديث خبيب المتقدم: (وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر). * * ووقع فيه قول سعيد بن المسيب [٥: ١١٠، ١١]: (وقعت الفتنة الأولى -يعني مقتل عثمان- فلم تبق من أصحاب بدر أحدًا). فالظاهر أن العناية من كلام يحيى بن سعيد الأنصاري أو من كلام سعيد بن المسيب نفسه. والمراد بمقتل عثمان تلك الحادثة الشنيعة لا قدس من آثاروها، ثم ما تسلسل عقبها من الحوادث، مثل وقعة الجمل، ووقعة صفين، وخروج الحرورية، ومقتل علي ﵁، وتنازل الحسن ﵁، وبذلك انتهت الفتن فلم يبق من أصحاب بدر حينئذ أحد. وقد تحير الشراح هنا وتوهموا الوهم في الراوي، وأنه غلط أن يقول: مقتل الحسين، وهذا وهم من الشراح؛ لأن فتنة الحسين لم يشهدها أحد من أهل بدر فكيف يصح وصفها بالأولى، وبأنها تسببت في فناء أهل بدر. ثم إن مراد سعيد بن المسيب في حديثه من كان من أهل بدر أو من أهل أحد أو من أهل الحديبية بالمدينة؛ لأنه اقتصر على ذكر فتن ثلاث خرج لأجلها أهل المدينة للقتال. فلا يرد عليه أن بعض أهل بدر توفي في مدة خلافة معاوية مثل الأرقم بن أبي الأرقم وجبر بن عتيك وحارثة بن النعمان، رضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺ . * * * باب غزوة أحد وقع فيه حديث عقبة بن عامر [٥: ١٢٠، ١٠]: (صلى رسول الله ﷺ على قتلي أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات). معنى توديعه الأموات أن يودع أجسادهم، فإن رسول الله ﷺ كان يأنس برؤية قبور أصحابه، كما كان يتمنى أن يرى من يجئ بعده من أمته، كما ورد في

стр. 133

حديث الموطأ. فلما قرب انتقاله فصلى عليهم وودعهم جميعًا، فأما أرواحهم فتلتقي مع رسول الله ﷺ كما قال بلال: «غدًا نلقى الأحبة محمدًا وصحبته». والله أعلم. * * * باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ وقع فيه قول جابر بن عبد الله ﵃[٥: ١٢٣، ١٥]: (فقال: اذهب فبيدر كل تمر). وقوله [٥: ١٢٣، ١٧]: (أطاف حول أعظمها بيدرا). البيدر للتمر كالأندر للقمح، كما في «المشارق»، وهو خاص بالتمر. وقد غفل في «النهاية» عن تفسيره، وفسره الجوهري في «الصحاح» بما فيه إبهام أو قصور. وتبعه صاحب «اللسان» وصاحب «القاموس». وأهمله الشراح هنا، وهو- بفتح الباء الموحدة وفتح الدال. وقوله: «فبيدر» فعل أمر مشتق من اسم جامد وهو البيدر. يقال: بيدر تمره، إذا جمعه في البيدر. * * فيه قول سعد بن أبي وقاص ﵁[٥: ١٢٤، ٩]: (جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد)، يعني قوله له: «ارم فداك أبي وأمي». ومقصد سعد: أن رسول الله ﷺ انتهى في إكرامه إلى هذا الحد؛ وذلك لأن التفدية في كلام العرب دليل على معزة المفدى، فأدناها أن يقول: فديتك. وإذا زاد قال: فداك أبي. وأعلاها أن يقول: فداك أبي وأمي. * * * باب غزوة الرجيع وقع فيه حديث عزم رسول الله ﷺ على الهجرة قول أبي بكر ﵁[٥: ١٣٦، ١]: (يا رسول الله الصحبة، فقال النبي ﷺ : «الصحبة»).

стр. 134

فلفظ «الصحبة» الأول منصوب على الإغراء بفعل محذوف كثير حذفه حيث لا عطف ولا تكرار، أي ارع الصحبة التي لي. ولفظ «الصحبة» الثاني الواقع في كلام رسول الله ﷺ مرفوع على الابتداء مع حذف الخبر لظهوره، أي الصحبة مرعية. * * ووقع فيه قوله [٥: ١٣٦، ١٤]: (وأصيب فيهم يومئذ عروة بن أسماء فسمي عروة به). أي فسمي عروة بن الزبير به. فـ «عروة» نائب فاعل لفعل «سمي» على أن المراد به الذات المسماة لا اللفظ. وقوله: «به» متعلق بـ «سمي»، والضمير المجرور عائد إلى «عروة بن أسماء» أي باسمه، فالضمير عائد إلى الاسم لا إلى المسمى، كما في قولهم: عندي درهم ونصفه. والمجرور في موضع المفعول الثاني لـ (سمي)؛ لأنه يقال: سميت المولود محمدًا. ويقال: سميت المولود بمحمد. ويجوز نصب «عروة» على أنه مفعول ثان لـ (سمي)، أي سمي هذا الاسم، فالمراد لفظ (عروة) لا ذاته. ويكون النائب عن الفاعل ضميرًا عائدًا إلى الراوي وهو عروة بن الزبير. * * وقوله فيه [٥: ١٣٦، ١٥]: (ومنذر بن عمرو سمي به منذر). أي وأما منذر بن عمرو فسمي به منذر. فيتعين أن يكون «منذر بن عمرو» مبتدأ خبره جملة «سمي به منذر» وأن يكون «منذر» الثاني المراد به منذر بن الزبير نائب فاعل «سمي» لعدم صلوحية تقدير ضمير منذر بن الزبير في «سمي» إذ لم يتقدم له ذكر، ويكون «به» في موقع المفعول الثاني.

стр. 135

باب غزوة الخندق وقع فيه خبر ابن عمر ﵃ من حديث [٥: ١٤٠، ١٩]: (معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر)، وحديث: (ابن طاووس عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونسواتها تنطف، قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين فلم يجعل لي من الأمر شيء فقالت: الحق فإنهم ينتظرونك وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة. فلم تدعه حتى ذهب فلما تفرق الناس خطب معاوية قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال حبيب: حفظت وعصمت). حمل ابن حجر والعيني والقسطلاني قول عبد الله بن عمر لحفصة: «قد كان من أمر الناس ما ترين»، على أنه عنى ما وقع يوم التحكيم في صفين، وأن أهل قتال صفين راسلوا بقايا الصحابة من الحرمين وغيرهما، وتواعدوا على الاجتماع لينظروا في التحكيم، فشاور ابن عمر أخته حفصة في الذهاب، وذكروا أن ابن عمر كان حاضرًا في صفين يوم التحكيم. وظاهر كلامهم أن حفصة كانت ساعتئذ في المدينة إذ لو كانت في صفين لذكروا ذلك، على أنه من البعيد جدًا أن تحضر إحدى أزواج النبي ﷺ وهن كن عاتبن عائشة ﵁ على الخروج إلى البصرة يوم الجمل. وهذا مشكل فإن قول ابن عمر: «ما ترين» ظاهر في أنه عنى حدثًا شاهدته حفصة، وقولها: «فالحق بهم فإنهم ينتظرونك» واضح في أنها أرادت لحاقًا بمكان قريب، وأنها علمت أنهم استبطؤوا حضوره. وقول الراوي: «فلم تدعه حتى ذهب» أوضح في أنه ذهاب إلى مكان قريب، وأنه ذهاب غير سفر؛ إذ لم يقل: حتى ارتحل، ولم يذكر أنه تجهز لذلك، فإن صفين بعيد جدًا عن المدينة.

стр. 136

وينافي هذا المحمل قول الراوي: «فلما تفرق الناس خطب معاوية فقال ... » إلخ؛ لأنه لم يتم لمعاوية الأمر يوم التحكيم، والذي يناسب أن يكون قول ابن عمر: «فحللت حبوتي وهممت أن أقول له» أن يكون ذلك وقع في سنة ورود معاوية المدينة سنة ست وخمسين. فقد ذكر ابن الأثير في الكامل أن معاوية أرسل إلى معظم الصحابة بالمدينة ليحضروا عنده. فلعله لم يرسل إلى ابن عمر فذلك معنى قوله: «فلم يجعل لي من الأمر شيء»، ومعنى قول حفصة له: «الحق بهم فإنهم ينتظرونك». لكن يعكر على هذا أن وفاة حفصة ﵁ كانت سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى وأربعين، أي قبل سنة ورود معاوية المدينة. فيحتمل أن ما جرى بين حفصة وأخيها وقع في صفين يوم التحكيم فإن ابن عمر حضر يومئذ كما في ابن الأثير، وذلك سنة سبع وثلاثين من الهجرة؛ وأن أقول ابن عمر: «فحللت حبوتي وهممت أن أقول ... » إلخ، وقع عام ستة وخمسين بعد وفاة حفصة. فيظهر أن راوي هذا الخبر خلط بين خبرين أو خلط رواية راويين، وأن البخاري ساق رواية الخبر كما سمعها؛ لأن مقصده من تخريجه هذا الخبر هنا ما فيه من فضيلة ابن عمر ﵁، فإن الشارح العيني قال: «إن ذكر هذا الخبر هنا لا مناسبة له وهو استطراد». وقد ذكر ابن حجر في فتح الباري [٨: ٤٠٧] عن ابن الجوزي في كشف المشكل: «إن قول ابن عمر: «ولم يجعل لي من الأمر شيء» حكاية الحال التي جرت قبل حين جعل عمر الأمر شورى ولم يجعل لابنه من الأمر شيئًا، وأن أقوله: «فلما تفرق الناس خطب معاوية .... » إلخ. كان هذا لما أراد معاوية أن يجعل ابنه يزيد وليًا للعهد». وهو كلام وجيه وإن كان ابن حجر استبعده. * * * باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب فيه حديث أنس [٥: ١٤٣، ٨] قال: (كان الرجل يجعل للنبي ﷺ النخلات حتى افتتح قريظة والنضير وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله الذين كانوا أعطوه أو بعضه وكان النبي قد أعطاه أم أيمن) الحديث.

стр. 137

قوله: «يجعل للنبي» أي يجعله له مجعل مال الله تعالى فيواسي به رسول الله ﷺ ضعفاء المهاجرين وينفق منه، وقد أعطى نخلات آل أنس أم أيمن كما رأيت. وقوله: «وأن أهلي أمروني»، أي بعد أن أعلن رسول الله للأنصار بأن من كان أعطاه نخلاً فليأت ليرجعه إليه. ووقع فيه قوله: «الذين»؛ فالموصول صادق على النخلات، أعاد عليها ضمير جماعة الذكور على النادر، وروي «الذي» وكذلك القول في ضمير «لا يعطيكهم» * * * باب غزوة ذات الرقاع [ ٥: ١٤٤، ١٧] ظاهر التبويب وما أخرجه فيه من الأحاديث أن غزوة ذات الرقاع تسمى غزوة محارب، وغزوة غطفان، وغزوة نخل، وغزوة قبل نجد؛ وغزوة ذات القرد. وأنها التي شرعت فيها صلاة الخوف. ويستدل لذلك من تكرر الحديث عن سلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله وابن عباس وأبي موسى الأشعري وسهل بن أبي حثمة وأبي هريرة؛ لأن جميعهم حدث حديث صلاة الخوف، وكلهم ذكر غزاة، فلو كانت صلاة الخوف قد وقعت في عدة غزوات لحدثوا بذلك. ثم إن البخاري جزم بأنها بعد خيبر؛ لأن أبا موسى الأشعري حدث أنه شهد ذات الرقاع، وإنما جاء أبو موسى الأشعري بعد خيبر، فيقتضي أن يكون ذات الرقاع في سنة سبع. ثم إن البخاري ترجم لغزوة ذي قرد ترجمة خاصة. وجزم بأنها قبل خيبر بثلاث سنين. وأخرها في الترتيب عن غزوة بني المصطلق وعن غزوة الحديبية. مع أن كونها قبل خيبر بثلاث سنين يقتضي أن تكون قبل الحديبية. فالظاهر أن البخاري لم يحصل له الجزم بترتيب هذه الغزوات بعضها مع بعض. وتحديث الجمع من الصحابة بحديث صلاة الخوف في غزوات ذات أسماء مختلفة لا يقتضي اتحاد مسمياتها؛ لأن صلاة الخوف من شأنها أن تتكرر بعد أن شرعت؛ ولأجل هذا أخرج حديث الأعرابي الذي اخترط السيف في هذا الباب [٥: ١٤٧، ٧]، وفي باب غزوة بني المصطلق [٥: ١٤٨، ٧]. * *

стр. 138

ووقع فيه قول البخاري [٥: ١٤٥، ١٨]: (قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف). والإشارة إلى حديث مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات. ولعل البخاري أخذ ذلك من رواية قتيبة بن سعيد في الموطأ، والذي في موطأ يحيى بن يحيى الليثي حديث يزيد بن رومان بن صالح الذي رواه البخاري، وحديث يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات، وحديث نافع عن ابن عمر في صفة صلاة الخوف. وبإثر ذلك قال مالك: «وحديث القاسم ابن محمد عن صالح بن خوات أحسن ما سمعت إليّ في صلاة الخوف». وبين حديث يزيد بن رومان عن صالح بن خوات وحديث القاسم بن محمد عنه اختلاف. فحديث القاسم صرح بأن الإمام يسلم من صلاته إذا صلى الركعة بالطائفة الثانية ولا ينتظر فراغ الطائفة الثانية. وحديث يزيد صرح بأن الإمام ينتظر فراغ الطائفة الثانية من الركعتين، ثم يسلم من صلاته وتسلم معه الطائفة الثانية. فقول مالك في رواية يحيى، وحديث القاسم عن صالح: «أحسن ما سمعت إليَّ في صلاة الخوف» يخالف ما رواه عنه البخاري هنا، من رواية قتيبة بن سعيد عن مالك ﵀. ولذلك قال ابن عبد البر: إن مالكًا رجح أولاً حديث يزيد بن رومان ثم رجع فرجح حديث القاسم. واعلم أن البخاري إنما اختار رواية يزيد بن رومان؛ لأنها أقرب سندًا وأصرح في الرفع إلى رسول الله ﷺ . * * باب غزوة بني المصطلق وقع فيه قول ابن إسحاق [٥: ١٤٧، ١٤]: (إنها سنة ست) وقول موسى بن عقبة: (إنها سنة أربع). أقول: وقال البيهقي سنة خمس، وسيذكر البخاري في حديث عروة في باب تفسير سورة النور أن سعد بن معاذ شهد قصة الإفك [٦: ١٣٠، ٤]، مع الجزم بأن

стр. 139

سعدًا توفي عقب غزوة الخندق، فتعين أن تكون غزوة بني المصطلق في السنة التي فيها غزوة الخندق، وأنها متقدمة على الخندق. والصحيح أن الخندق وقعت سنة أربع، كما دل عليه حديث ابن عمر، وأنها في شوال وأن غزوة المصطلق كانت في شعبان، فتعين أنها في سنة أربع، وأن تأخير البخاري إياها عن غزوة الخندق خلاف الأولى. * * * باب حديث الإفك وقع فيه قول عائشة [٥: ١٥٠، ٢٠]: (فقلت له: (أي لرسول الله ﷺ ) أتأذن لي أن آتي أبوي). أي أن أزورهما. وليس المراد أنها تنتقل عندهما مغاضبة؛ لأن ذلك لم يكن من دأبهم في ذلك العصر، ولأن رسول الله ﷺ لا يأذن لها بمثله. * * * باب قصة عكل وعرينة قوله في حديث أنس [٥: ١٦٤، ٢٠]: (واستوخموا المدينة فأمرهم رسول الله ﷺ بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه .... ) إلخ. يعني أنهم أسلموا وجاؤوا مهاجرين؛ لأن قومهم لم يسلموا. وكانت الهجرة واجبة على الأعراب، فلما لم يطيقوا سكنى المدينة وحدث لهم الوخم وعلموا أنهم لاحقون بقومهم ارتدوا عن الإسلام. والأظهر أن إسلامهم كان مكيدة ليتذرعوا به إلى المسلمين في سرحهم. * * *

стр. 140

باب غزوة خيبر وقع فيه قول عامر بن الأكوع في رجزه الذي يحدر به [٥: ١٦٦، ١٥]: (فاغفر فداء لك ما أبقينا). وهو دعاء الله تعالى لا محالة. واستعمال كلمة «فداء لك» هنا استعمال كنائي في لازم معنى هذا المركب. وهو بذل النفس والنفيس في مرضاة المخاطب بها مع عدم إرادة المعنى الملزوم لتعذره؛ لأن الله لا يؤسر ولا يخشى عليه الهلاك حتى يفدى بمال أو بنفس. وهذه العبارات تجري على كلام العرب في لوازم معانيها لا غير. من ذلك قولهم: لا أبا لك. وقولهم: فدى لك، وفداك أبي وأمي، ونفديك، وقولهم للميت عند دفنه: لا تبعد. * * ووقع فيه قول عبد الله بن أبي أوفى في لحوم الحمر الإنسية [٥: ١٧٣، ١٢]: (وقال بعضهم: نهى عنها البتة). «ألبتة» مصدر على وزن الفعلة التي أصلها الدلالة على المرة. وقد يجئ المصدر على وزن الفعلة بالفتح، والفعلة بالكسر، وليس مرادًا به المرة ولا الهيئة. ومنه الحديث [٦: ١١١، ٥]: «فأمسك الله عن الحوت جرية الماء»، نصب على المفعولية المطلقة، أي بت النهي عنها بتة. والبت: القطع، أي قطع أمر النهي، أي لم يبق فيه تردد ولا شك، واستعارة ما يدل على القطع إلى تحقق العلم ونفي الشك موجود في الاستعمال؛ كقولهم: قتل الخبر علمًا، وفرى الدهر خبرة، وجزم فلان بكذا، وقطع بكذا. وتعريف المصدر هنا تعريف الجنس كما هو في قولهم: أرسلها العراك، وقوله تعالى: «الحمد لله» في قراءة من قرأ بنصب «الحمد». وبهذا تعلم أن همزة «ألبتة» هي همزة أل المعرفة، وهي همزة وصل حيثما وقعت. ونقل عن صاحب «اللباب» وشارحه صاحب «العباب»: أن همزة البتة شذت عن الأصل فوردت مقطوعة سماعًا، قال في تاج العروس نقله الدماميني في شرح التسهيل. قال الدماميني: ولم يأت عليه ببرهان.

стр. 141

أقول: لعله وهم جرى لبعض من طالع اللباب. فلعله قال: ألبتة بهمزة: القطع. فقرأها الناسخ: بهمزة القطع، بالإضافة، فإن علماء اللغة لم يذكروا هذا عن اللباب مع غرابته. ولو كان في اللباب لذكروه؛ لأن «اللباب والعباب» كلاهما من أصول كتب اللغة. وهذا كتاب لسان العرب يوجد فيه هذا النقل وكذلك القاموس. * * ووقع فيه قول عمر بن الخطاب [٥: ١٧٦، ١١]: (لولا أن أترك آخر الناس ببانا ليس لهم شيء ما فتحت علي قرية إلا قسمتها ... ) إلخ. فقوله: «بيانا» هو بباءين موحدتين مفتوحتين وثانيتهما مشددة. ذكرها الجوهري في مادة (ببب) المضاعف، وتبعه في القاموس، فهو بوزن فعلان. وقيل: أصله بين فهو بوزن فعال. وفي هذه المادة ذكره صاحب اللسان فهو فعال، كما اختاره أبو علي الفارسي في التذكرة. قال أبو عبيدة وأبو سعيد الضرير هو غير عربي. وقال الأزهري: كأنها لغة يمنية لم تفش في كلام معد، يعني أنها من كلام الأزد الذين منهم الأوس والخزرج، فتكلم بها المضريون بعد أن هاجروا إلى المدينة. وذكر في القاموس أنها قد تخفف باؤها. واختلفوا في معناها على ثلاثة أقوال: الأول: قول أكثر أهل اللغة: إنها الشيء الواحد والضرب الواحد. الثاني: أنها الجماعة. الثالث: قال عياض: إنها المعدم الذي لا شيء له، وعزاه إلى الطبري. وقال: إنهم أغفلوه تقصيرًا. وعلى القول الثالث فقول عمر عقبه: «ليس لهم شيء» تفسير لمعنى الببان، كقول أوس بن حجر: الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا وعلى القولين الآخرين فالجملة حال أو مفعول ثان لـ «أترك». * *

стр. 142

وقع في حديث عائشة ﵁ عن قصة بيعة علي أبا بكر ﵃[٥: ١٧٨، ١٠]: (وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكارًا للذي فضله الله به). وقع في أكثر النسخ بنصب «نفاسة وإنكارًا» ولا وجه للنصب. وفي بعض النسخ برفعهما وهو الصواب؛ لأنهما فاعل «يحمله». * * * باب عمرة القضاء وقع في حديث البراء قوله [٥: ١٨٠، ٣٠]: (فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى محمد بن عبد الله ... ) إلخ. قول البراء: «وليس يحسن يكتب» مع قوله: «فكتب» بقرب من النص في أن رسول الله ﷺ كتب ذلك بيده على الحقيقة لا الاستنابة. وبذلك فسره أبو الوليد الباجي. واستدل على أن رسول الله ﷺ كتب وأن كتابته مع كونه أميًا معجزة أخرى. وأنكره على الباجي كثير من العلماء، ونصره آخرون. وقد استوفاها القاضي أبو الفضل عياض في الشفاء وفي المدارك. وقال السهيلي: مستحيل أن يدفع بعض المعجزات بعضًا. وأجاب شيخنا العلامة الوزير عن ذلك بأن الأمية تقررت بالتواتر وشهد بها العرب. وتقررت المعجزة بنزول القرآن على النبي الأمي ﷺ . فلما تقرر جميع ذلك كان صدور الكتابة منه مع تقرر الأمية معجزة ثانية، كما كان مجيئه بالكتاب مع الأمية معجزة. * * ووقع فيه قوله [٥: ١٨٠، ٤]: (لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أحب أن يتبعه وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها). وإنما شارطهم رسول الله ﷺ على هذه الشروط؛ لئلا يجعلوا امتناعه منها أو من بعضها عذرًا لأنفسهم في صده عن العمرة. فكان ما فعله رسول الله ﷺ -

стр. 143

تنازلاً لأجل تحصيل العمرة ودخول مكة بأصحابه لما في ذلك من الصالح، على أن تلك الشروط ليس فيها ضرر على المسلمين؛ لأن الشرط الأول لا ضير فيه؛ إذ لم يكن رسول الله ﷺ مظنة للغدر بهم بعد دخول مكة. والشرط الثاني قد كان حاصلاً من قبل، فإنهم كانوا يمنعون من أراد الهجرة إلى المدينة منهم فليس في اشتراطه ما يزرأ المسلمين شيئًا. وأما الشرط الثالث فقد يثير إشكالاً؛ إذ فيه ذريعة إلى إعانة من يريد الارتداد أو ترك الهجرة. ودفعه أن رسول الله ﷺ علم من صدق إيمان أصحابه وبيعتهم إياه تحت الشجرة من قبل أن أحدًا منهم لا يرتد عن الإسلام ولا يترك الهجرة. * * وقوله [٥: ١٨٠، ٦]: (فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل). إنما تباطأ رسول الله ﷺ عن الخروج عند مضى الأجل؛ لأن ذلك من حقوق المشركين، فلو رضوا أن يزيد فيها بعد مضي الأجل لزاد؛ لأنه في قربة فلا يقطعها حتى يرى منهم العزم على تنفيذ الأجل الذي اشترطوه فيوفي لهم بالعهد حتى لا يكون رسول الله ﷺ منصرفًا عن تلك القربة من تلقاء نفسه. وهذا معنى شريف في الاعتذار إلى الله من ظلم أهل مكة ومنعهم المسجد الحرام وما كانوا أولياءه، وإقامة للحجة عليهم عند الله وعند الناس. * * * باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: ٢٥] قول البخاري [٥: ١٩٦، ٣]: (حدثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر ... ) إلخ. هكذا وقع في معظم الروايات من الصحيح، فهو حديث منقطع. قال الشارحون: ووقع في الفرع «عن نافع عن ابن عمر». وأقول: هو غير صواب؛ إذ لا خلاف أن الذي سأل النبي ﷺ هو عمر لا ابن عمر،

стр. 144

كما وضحه الحديث الذي رواه عقبه. وأشار البخاري إلى أن أحمد الضبي وهم فيه بقوله [٥: ١٩٦، ٦]: «وقال بعضهم: حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر» ثم بقوله: (ورواه جرير بن حازم ... ) إلخ. قول البخاري [٥: ١٩٦، ٢٠]: (قال الليث: حدثني يحيى ... ) إلخ. جعله هنا تعليقًا ولم يروه عن الليث. فلعله أخذه من كتب الليث بن سعد، ورواه المؤلف عن الليث في كتاب الأحكام [٩: ٨٦: ١٦] عن قتيبة عن الليث مختصرًا؛ فلذلك ذكر هذه الرواية المطولة هنا تعليقًا. * * * باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي فيه حديث علي ﵁[٥: ٢٠٣، ٢٠]: (بعث رسول الله ﷺ سرية فاستعمل عليها رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب. فقال: أليس أمركم النبي ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: فاجمعوا لي خطبًا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارًا، فأوقدوها. فقال: ادخلوها، فهموا، وجعل بعضهم يمسك بعضًا ويقولون: فررنا إلى النبي ﷺ من النار. فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه، فبلغ النبي فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة إنما الطاعة في المعروف»). قوله ﷺ : «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة». أي لنقل الله أرواحهم من عذاب تلك النار إلى نار جهنم يعذبون فيها إلى يوم القيامة، عقوبة لهم على إلقائهم بأنفسهم في النار أحياء لأمر رجل خالف في أمره الشريعة الناهية عن إتلاف النفس في غير سبيل الله؛ إذ لا عذر لهم بقصد طاعة الأمير، لظهور أن الطاعة التي أمروا بها له إنما هي فيما أمر عليه من مصالح مأموريه، لا في إرضاء ثائرة غضبه. فهو لما أراد استعمال أمر رسول الله الناس بطاعته في قضاء غرض غير شرعي كان معتديًا وظالمًا، وهم لو أطاعوه لكانوا قد نفذوا ظلمه واعتداءه، فكانوا مشاركين له. ولكون هذا المقصد واضحًا قريبًا من المدرك بالبداهة لا يتردد في فهمه أهل

стр. 145

العقول كان عذرهم منفيًا شرعًا؛ إذ ليس مجالاً للاجتهاد، ولو فرض أن إدراك هذا نظري فهم مأمورون بأن لا يقدموا على الامتثال حتى ينظروا؛ لأن معارض امتثال أمر أميرهم قائم واضح، والمجتهد مأمور بالبحث عن المعارض إن لم يكن ظاهرًا، بله المعارض الواضح، فلو دخلوا النار كانوا آثمين بترك النظر في المعارض حتى يتبين لهم إعماله على معارضه الآخر وهو أمر رسول الله الأهم لطاعة أميرهم، بحيث يخصص به عموم أحوال الأمر بالطاعة، أو يقيد به إطلاق الأمر، فيتبين لهم وجوب عصيان أميرهم فيما أمر به من المنكر. وقول بعضهم: «فررنا إلى النبي من النار» توفيق جرى على لسانه، عصمهم الله به من الوقوع في هذا المحظور. وتقريره: أنهم آمنوا خوفًا من عذاب النار التي جعلها الله وعيدًا للكافرين، فلا يكون دخول النار مأمورًا شرعًا؛ إذ جنسه محذر منه. وهذا من باب ما يسمى في أصول الفقه بالملائم، وقد اعتبروا جنس التحذير في جنس الاقتحام في النار، فقاسوا تحذير النهي على تحذير الوعيد، وقاسوا نار الدنيا على نار الآخرة. وهذا الحديث من غرر الأدلة على وجوب الاجتهاد والنظر فيما يقدم عليه المسلم، وعلى ضابط طاعة الرعية لولاة أمورها، ومقدار مشاركتهم إياهم في أعمالهم إن أمسكوا عن الإنكار عليهم. * * * باب غزوة ذي الخلصة [ ٥: ٢٠٨، ١١] ذو الخلصة صنم. والخلصة- بفتح الخاء المعجمة وفتح اللام- وهي واحدة الخلص: شجرة تشبه الكرم تتعلق بالأشجار وتعلو معها. ولورقها ريح عطرة، وتثمر حبًا مثل خرز العقيق. وسمي بها هذا الصنم؛ لأنه كان حجرًا فيه صورة هذه الشجرة، وكان صنمًا في بلاد اليمن في منازل خثعم وبجيله ودوس وجرم وزبيد على أربع مراحل من مكة إلى اليمن. وقع فيه قوله عن جرير [٥: ٢٠٨، ١٢]: (كان بيت في الجاهلية يقال له: ذو الخلصة والكعبة اليمانية والكعبة الشامية).
следующие страницы →