Полный текст (280 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أقول: لعله وهم جرى لبعض من طالع اللباب. فلعله قال: ألبتة بهمزة: القطع. فقرأها الناسخ: بهمزة القطع، بالإضافة، فإن علماء اللغة لم يذكروا هذا عن اللباب مع غرابته. ولو كان في اللباب لذكروه؛ لأن «اللباب والعباب» كلاهما من أصول كتب اللغة. وهذا كتاب لسان العرب يوجد فيه هذا النقل وكذلك القاموس.
* *
ووقع فيه قول عمر بن الخطاب [٥: ١٧٦، ١١]:
(لولا أن أترك آخر الناس ببانا ليس لهم شيء ما فتحت علي قرية إلا قسمتها ... ) إلخ.
فقوله: «بيانا» هو بباءين موحدتين مفتوحتين وثانيتهما مشددة.
ذكرها الجوهري في مادة (ببب) المضاعف، وتبعه في القاموس، فهو بوزن فعلان. وقيل: أصله بين فهو بوزن فعال. وفي هذه المادة ذكره صاحب اللسان فهو فعال، كما اختاره أبو علي الفارسي في التذكرة.
قال أبو عبيدة وأبو سعيد الضرير هو غير عربي. وقال الأزهري: كأنها لغة يمنية لم تفش في كلام معد، يعني أنها من كلام الأزد الذين منهم الأوس والخزرج، فتكلم بها المضريون بعد أن هاجروا إلى المدينة. وذكر في القاموس أنها قد تخفف باؤها.
واختلفوا في معناها على ثلاثة أقوال:
الأول: قول أكثر أهل اللغة: إنها الشيء الواحد والضرب الواحد.
الثاني: أنها الجماعة.
الثالث: قال عياض: إنها المعدم الذي لا شيء له، وعزاه إلى الطبري. وقال: إنهم أغفلوه تقصيرًا.
وعلى القول الثالث فقول عمر عقبه: «ليس لهم شيء» تفسير لمعنى الببان، كقول أوس بن حجر:
الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا
وعلى القولين الآخرين فالجملة حال أو مفعول ثان لـ «أترك».
* *
стр. 142
وقع في حديث عائشة ﵁ عن قصة بيعة علي أبا بكر ﵃[٥: ١٧٨، ١٠]:
(وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكارًا للذي فضله الله به).
وقع في أكثر النسخ بنصب «نفاسة وإنكارًا» ولا وجه للنصب. وفي بعض النسخ برفعهما وهو الصواب؛ لأنهما فاعل «يحمله».
* * *
باب عمرة القضاء
وقع في حديث البراء قوله [٥: ١٨٠، ٣٠]:
(فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى محمد بن عبد الله ... ) إلخ.
قول البراء: «وليس يحسن يكتب» مع قوله: «فكتب» بقرب من النص في أن رسول الله ﷺ كتب ذلك بيده على الحقيقة لا الاستنابة. وبذلك فسره أبو الوليد الباجي. واستدل على أن رسول الله ﷺ كتب وأن كتابته مع كونه أميًا معجزة أخرى. وأنكره على الباجي كثير من العلماء، ونصره آخرون. وقد استوفاها القاضي أبو الفضل عياض في الشفاء وفي المدارك. وقال السهيلي: مستحيل أن يدفع بعض المعجزات بعضًا. وأجاب شيخنا العلامة الوزير عن ذلك بأن الأمية تقررت بالتواتر وشهد بها العرب. وتقررت المعجزة بنزول القرآن على النبي الأمي ﷺ . فلما تقرر جميع ذلك كان صدور الكتابة منه مع تقرر الأمية معجزة ثانية، كما كان مجيئه بالكتاب مع الأمية معجزة.
* *
ووقع فيه قوله [٥: ١٨٠، ٤]:
(لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أحب أن يتبعه وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها).
وإنما شارطهم رسول الله ﷺ على هذه الشروط؛ لئلا يجعلوا امتناعه منها أو من بعضها عذرًا لأنفسهم في صده عن العمرة. فكان ما فعله رسول الله ﷺ -
стр. 143
تنازلاً لأجل تحصيل العمرة ودخول مكة بأصحابه لما في ذلك من الصالح، على أن تلك الشروط ليس فيها ضرر على المسلمين؛ لأن الشرط الأول لا ضير فيه؛ إذ لم يكن رسول الله ﷺ مظنة للغدر بهم بعد دخول مكة.
والشرط الثاني قد كان حاصلاً من قبل، فإنهم كانوا يمنعون من أراد الهجرة إلى المدينة منهم فليس في اشتراطه ما يزرأ المسلمين شيئًا.
وأما الشرط الثالث فقد يثير إشكالاً؛ إذ فيه ذريعة إلى إعانة من يريد الارتداد أو ترك الهجرة. ودفعه أن رسول الله ﷺ علم من صدق إيمان أصحابه وبيعتهم إياه تحت الشجرة من قبل أن أحدًا منهم لا يرتد عن الإسلام ولا يترك الهجرة.
* *
وقوله [٥: ١٨٠، ٦]:
(فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل).
إنما تباطأ رسول الله ﷺ عن الخروج عند مضى الأجل؛ لأن ذلك من حقوق المشركين، فلو رضوا أن يزيد فيها بعد مضي الأجل لزاد؛ لأنه في قربة فلا يقطعها حتى يرى منهم العزم على تنفيذ الأجل الذي اشترطوه فيوفي لهم بالعهد حتى لا يكون رسول الله ﷺ منصرفًا عن تلك القربة من تلقاء نفسه. وهذا معنى شريف في الاعتذار إلى الله من ظلم أهل مكة ومنعهم المسجد الحرام وما كانوا أولياءه، وإقامة للحجة عليهم عند الله وعند الناس.
* * *
باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: ٢٥]
قول البخاري [٥: ١٩٦، ٣]:
(حدثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر ... ) إلخ.
هكذا وقع في معظم الروايات من الصحيح، فهو حديث منقطع. قال الشارحون: ووقع في الفرع «عن نافع عن ابن عمر».
وأقول: هو غير صواب؛ إذ لا خلاف أن الذي سأل النبي ﷺ هو عمر لا ابن عمر،
стр. 144
كما وضحه الحديث الذي رواه عقبه.
وأشار البخاري إلى أن أحمد الضبي وهم فيه بقوله [٥: ١٩٦، ٦]:
«وقال بعضهم: حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر» ثم بقوله: (ورواه جرير بن حازم ... ) إلخ.
قول البخاري [٥: ١٩٦، ٢٠]: (قال الليث: حدثني يحيى ... ) إلخ.
جعله هنا تعليقًا ولم يروه عن الليث. فلعله أخذه من كتب الليث بن سعد، ورواه المؤلف عن الليث في كتاب الأحكام [٩: ٨٦: ١٦] عن قتيبة عن الليث مختصرًا؛ فلذلك ذكر هذه الرواية المطولة هنا تعليقًا.
* * *
باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي
فيه حديث علي ﵁[٥: ٢٠٣، ٢٠]:
(بعث رسول الله ﷺ سرية فاستعمل عليها رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب. فقال: أليس أمركم النبي ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: فاجمعوا لي خطبًا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارًا، فأوقدوها. فقال: ادخلوها، فهموا، وجعل بعضهم يمسك بعضًا ويقولون: فررنا إلى النبي ﷺ من النار.
فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه، فبلغ النبي فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة إنما الطاعة في المعروف»).
قوله ﷺ : «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة». أي لنقل الله أرواحهم من عذاب تلك النار إلى نار جهنم يعذبون فيها إلى يوم القيامة، عقوبة لهم على إلقائهم بأنفسهم في النار أحياء لأمر رجل خالف في أمره الشريعة الناهية عن إتلاف النفس في غير سبيل الله؛ إذ لا عذر لهم بقصد طاعة الأمير، لظهور أن الطاعة التي أمروا بها له إنما هي فيما أمر عليه من مصالح مأموريه، لا في إرضاء ثائرة غضبه. فهو لما أراد استعمال أمر رسول الله الناس بطاعته في قضاء غرض غير شرعي كان معتديًا وظالمًا، وهم لو أطاعوه لكانوا قد نفذوا ظلمه واعتداءه، فكانوا مشاركين له.
ولكون هذا المقصد واضحًا قريبًا من المدرك بالبداهة لا يتردد في فهمه أهل
стр. 145
العقول كان عذرهم منفيًا شرعًا؛ إذ ليس مجالاً للاجتهاد، ولو فرض أن إدراك هذا نظري فهم مأمورون بأن لا يقدموا على الامتثال حتى ينظروا؛ لأن معارض امتثال أمر أميرهم قائم واضح، والمجتهد مأمور بالبحث عن المعارض إن لم يكن ظاهرًا، بله المعارض الواضح، فلو دخلوا النار كانوا آثمين بترك النظر في المعارض حتى يتبين لهم إعماله على معارضه الآخر وهو أمر رسول الله الأهم لطاعة أميرهم، بحيث يخصص به عموم أحوال الأمر بالطاعة، أو يقيد به إطلاق الأمر، فيتبين لهم وجوب عصيان أميرهم فيما أمر به من المنكر.
وقول بعضهم: «فررنا إلى النبي من النار» توفيق جرى على لسانه، عصمهم الله به من الوقوع في هذا المحظور. وتقريره: أنهم آمنوا خوفًا من عذاب النار التي جعلها الله وعيدًا للكافرين، فلا يكون دخول النار مأمورًا شرعًا؛ إذ جنسه محذر منه.
وهذا من باب ما يسمى في أصول الفقه بالملائم، وقد اعتبروا جنس التحذير في جنس الاقتحام في النار، فقاسوا تحذير النهي على تحذير الوعيد، وقاسوا نار الدنيا على نار الآخرة.
وهذا الحديث من غرر الأدلة على وجوب الاجتهاد والنظر فيما يقدم عليه المسلم، وعلى ضابط طاعة الرعية لولاة أمورها، ومقدار مشاركتهم إياهم في أعمالهم إن أمسكوا عن الإنكار عليهم.
* * *
باب غزوة ذي الخلصة [ ٥: ٢٠٨، ١١]
ذو الخلصة صنم. والخلصة- بفتح الخاء المعجمة وفتح اللام- وهي واحدة الخلص: شجرة تشبه الكرم تتعلق بالأشجار وتعلو معها. ولورقها ريح عطرة، وتثمر حبًا مثل خرز العقيق. وسمي بها هذا الصنم؛ لأنه كان حجرًا فيه صورة هذه الشجرة، وكان صنمًا في بلاد اليمن في منازل خثعم وبجيله ودوس وجرم وزبيد على أربع مراحل من مكة إلى اليمن.
وقع فيه قوله عن جرير [٥: ٢٠٨، ١٢]: (كان بيت في الجاهلية يقال له: ذو الخلصة والكعبة اليمانية والكعبة الشامية).
стр. 146
فقوله: «والكعبة الشامية» مبتدأ وخبر. والتعريف في «الكعبة» للعهد. والواو عاطفة للجملة، أي وأما الكعبة المشهورة فهي الكعبة الشامية أي كذلك كان يقول خثعم وبجيله وغيرهم من مشركي اليمنيين.
وليس قوله: «والكعبة الشامية» عطفًا على «الكعبة اليمانية»، ولا قوله: «الشامية» نعتًا للكعبة، ولا الواو عاطفة مفردًا على مفرد. هذا وجه هذا التركيب. ومن حاول غير ذلك فيه فقد أخطأ أو تعسف؛ إذ ليس ذو الخلصة بمنسوب إلى الشام بحال، ولا كان يعرف الكعبة الشامية عند العرب، بل هو بيت كائن في أول بلاد اليمن مما يلي تهامة في أرض تبالة بينه وبين مكة أربع مراحل للسائر على طريق الطائف.
* * *
باب غزوة سيف البحر
وقع في حديث ابن الزبير عن جابر ﵁ قوله [٥: ٢١٢، ١]:
(فأتاه بعضهم).
ثبت في بعض الروايات بمد «آتاه» ولم يزد على قوله: «بعضهم»، أي فأعطاه بعض القوم شيئًا من ذلك الحوت.
ووقع في بعض الروايات: «فأتاه بعضهم فأكله» بدون مد (أتاه)، أي وبدون ذكر متعلقة، أي أتاه بشيء منه. ووقع في بعض الروايات «فأتاه بعضهم ببعض منه فأكله» قال عياض: وهي الأظهر.
* * *
باب وفد بني تميم
فيه حديث عمران بن حصين [٥: ٢١٢، ١٢]:
(أتى نفر من بني تميم النبي ﷺ فقال: «اقبلوا البشرى يا بني تميم».
قالوا: يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا فرئي ذلك في وجهه، فجاء نفر من اليمن فقال: «اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم». قالوا: قد قبلنا يا رسول الله).
أراد رسول الله ﷺ البشرى بالجنة ورضا الله تعالى، وهي التي تقابل النذارة في
стр. 147
اصطلاح الشريعة في قوله تعالى:
[الأحزاب: ٤٥]، وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٧] ونحو ذلك.
وقد كان القوم جفاة وحريصين على الدنيا، فبادروا بما دل على حرصهم، وعلى أنهم أعرضوا عن الغرض الذي جاؤوا لأجله من الإسلام والتفقه في الدين إلى طلب العرض العاجل، وحملوا البشرى على معنى الوعد بالعطاء، وذلك أن لفظ البشرى يستعمل عند العرب في الوعد القريب بالعطاء وطمأنة السائل بقرب عطائه. وقد تقدم في حديث أبي موسى الأشعري في غزوة أوطاس: (أتى أعرابي النبي ﷺ فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: «أبشر .... ») إلخ.
ومنه ما في حديث عمرو بن عوف أن (أبا عبيدة قدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدومه فوفوا صلاة الصبح مع رسول الله ﷺ ، فلما انصرف من الصلاة تعرضوا له فتبسم وقال: أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة وأنه جاء بشيء؟ قالوا: أجل، قال: «فأبشروا وأملوا ما يسركم ... ») إلخ [٤: ١١٧، ١٤].
وقد بقيت هذه الكلمة مما بقي من فصيح الكلام في بيان أهل تونس؛ إذا وقف سائل على أبوابهم وكان عندهم ما يعطونه يقولون له: (أبشر)، كيلا ينصرف. وتكون كلمة (أبشر) في الوعد بالنجدة العاجلة كما ورد في حديث قسمة أموال هوازن (أن رسول الله ﷺ نادى: «يا معشر الأنصار» فأجابوه: لبيك أبشر نحن بين يديك)، فلما لم تنصرف أفهام بني تميم إلى المعنى المقصود من البشرى كره منهم رسول الله ﷺ ذلك، وبشر أهل اليمن بتلك البشرى، فسبق لهم الفوز. فما كانت كراهية رسول الله ﷺ لما بدر منهم إلا غضبًا من أجل قلة حرصهم على الفوز في الآخرة، وإلا فقد كان رسول الله يجيز الوفد ويحب العطاء ويسخو بما عنده، فأراهم الغضب وصرف البشارة إلى غيرهم تربية لنفوسهم، فلا يتنافى هذا مع ثنائه عليهم الوارد في هذا الباب.
* *
ووقع في حديث أبي هريرة ﵁[٥: ٢١٢، ٢٠]:
(وجاءت صدقاتهم، فقال: «هذه صدقات قوم» أو «قومي»).
стр. 148
شك في حكاية لفظ رسول الله ﷺ . والظاهر أن الشك ممن رواه عن أبي هريرة.
ولفظ: «قوم» الأول بكسر الميم دون تنوين على حذف ياء المتكلم في حال الإضافة دون نداء وهو نادر لكنه مستعمل. وفي القرآن ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥].
* * *
باب وفد عبد القيس
فيه حديث ابن عباس من طريق أبي قرة عن أبي جمرة أن رسول الله ﷺ قال لهم [٥: ٢١٣، ١٣]:
«آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله، هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس ... ».
قوله: «وإقام الصلاة» وما عطف عليه هي مجرورة عطفًا على «الإيمان بالله» الواقع بدلاً من قوله: «بأربع»، وليست مرفوعة بالعطف على «شهادة أن لا إله إلا الله» الواقع بدلاً من الإيمان بالله الذي هو خبر مبتدأ دل عليه الاستفهام على تقدير اعتبارها من جملة الإيمان؛ لأنها من قواعد الإسلام لضعف ذلك الاعتبار، ولأن عد إعطاء خمس المغانم معها يمنع منه؛ إذ لا قائل بأن إعطاء الخمس هو من قواعد الإسلام.
ويدل لذلك ما وقع في رواية حماد عن أبي جمرة عن ابن عباس [٥: ٢١٣، ٢٠]: «شهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة». وقد ضبط في بعض نسخ البخاري برفع «وإقام الصلاة» وما عطف عليه فيتعين أن يضبط قوله: «الإيمان بالله» بالرفع على الابتداء لا بالجر على البدلية من قوله: «بأربع» ليصح أن يعطف عليه ما بعده بالرفع. وأما الجمع بين جر «الإيمان بالله» ورفع «إقام الصلاة» وما بعده فهو خطأ إذ لا يقطع العطف.
* *
ووقع في حديث ابن عباس من طريق حماد [٥: ٢١٣، ١٩]:
(فمرنا بأشياء نأخذ بها).
يجوز في «نأخذ» الرفع على أن الجملة صفة لـ «أشياء». ويجوز فيه الجزم على
стр. 149
أنه جواب الأمر في قوله: «فمرنا».
* *
فيه حديث ابن عباس [٥: ٢١٤، ١٧]:
(أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثي- يعني قرية من البحرين).
لعل ذل كان لأن عبد القيس أسلموا قبل فتح مكة. فيكون وفدهم قبل سنة الوفود. ويحتمل أن مكة تأخرت إقامة الجمعة فيها.
* * *
باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة [ ٥: ٢١٤، ١٨]
جمع حديث ثمامة مع خبر وفد بني حنيفة ليشير إلى أن الإسلام دخل اليمامة قبل أن يفد بنو حنيفة، فإن خبر ثمامة كان قبل فتح مكة، ووفد بني حنيفة كان بعد فتح مكة. وقد دل على هذا قول ثمامة لأهل مكة [٥: ٢١٥، ١٣]: (ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبه حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ ).
* *
ووقع فيه قوله [٥: ٢١٥، ٤]:
(حتى كان الغد).
فـ (الغد) مرفوع على أنه فاعل (كان) التامة. ويجوز نصبه على أن يكون الفاعل لـ (كان) ضمير (ثمامة) و (الغد) ظرف.
* * *
باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن [ ٥: ٢١٩، ١٥]
لم يسمه البخاري هنا وفدًا للإشارة إلى أن الأشعريين وفدوا على النبي ﷺ عقب فتح خيبر، وأن هذا الحديث الذي أخرجه هنا يدل على قدوم جماعة منهم في سنة الوفود، فقد اجتمعوا مع وفد بني تميم. وذلك أن القبائل كانوا ربما كرروا الوفادة
стр. 150
بعد المرة التي يسلمون فيها لتلقي الشريعة وأخذ العطاء، وهو الجائزة، كما دل عليه قول وفد عبد القيس [٥: ٢١٣، ١١]: (إنَّا لا نصل إليك إلا في شهر حرام وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر). وبذلك يتضح ما يزيل إشكال بعض الشراح في التقاء أهل اليمن، وهم الأشعريون، مع وفد بني تميم كما في حديث الباب.
* * *
باب حديث كعب بن مالك
وقع فيه قول كعب بن مالك [٦: ٨، ٣]:
(يقولون: لتهنك التوبة).
فقوله: «لتهنك» هو -بفتح التاء الفوقية وسكون الهاء وكسر النون- مشتق من الهناء بالهمز الممدود، وهو ارتياح النفس والباطن بالأمر. يقال: هنئ وهنأ وهنؤ –بكسر النون وفتحها وضمها -والمضارع يهنأ ويهنؤ- بفتح النون وضمها- لا غير. والأصل فيه أنه فعل لازم، فيقال: هنئ لي الطعام، ثم توسعوا فيه فحذفوا الجار ووصلوا الفعل لكثرة الاستعمال على سبيل الحذف والإيصال فقالوا: هنأني الطعام، وهنأني الخبر، أي كان لي هنيئًا. ويقولون في الدعاء: ليهنئك الأمر، أي ليكن لك هنيئًا. ومن كلام العرب في التهنئة بالمولود: ليهنئك الفارس. فتبين لك أن أصل الفعل الهمز ثم إن العرب خففوا الهمزة بعد الكسر فجعلوا مكان الهمزة ياء، فقالوا: ليهنيك، بإظهار الياء بعد النون؛ لأنها عوض عن الهمز وليست ياء المنقوص فلا تحذف للجازم، ولذلك قال صاحب اللسان: «ولا يجوز: ليهنك، كما تقول العامة»، أي بحذف الهمزة. والصواب: أن العرب إذا حولت الهمزة في آخر الفعل إلى حرف علة أنهم يعاملونه معاملة الفعل المعتل فيحذفون حرف العلة عند الجزم كما ثبتت الرواية هنا «ليهنك» بدون ياء وجهًا واحدًا.
* * *
باب نزول النبي ﷺ الحجر
فيه حديث سالم عن ابن عمر [٦: ٩، ٨]:
(لما مر النبي بالحجر قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن
стр. 151
يصيبكم مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين» ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي).
يحتمل أن يكون قوله: «أن يصيبكم مثل ما أصابهم» متعلقًا بقوله: «باكين» قُدم عليه في رواية عبد الرزاق للاهتمام؛ لأنه ثبت هنا من رواية ابن بكير عن بكير عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر هنا، وفي رواية عبد الله بن المبارك عن معمر في باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] من كتاب بدء الخلق تقديم: «إلا أن تكون باكين» على قوله: «أن يصيبكم ... » إلخ، فيكون النهي عن دخول مساكن المعذبين في حال هزء أو الأسف على فقدهم. كما كانت تفعله الجاهلية أسفًا على أسلافهم في مثل قوله:
وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تُزين بالسنام
فالمعنى: إلا أن يكون دخول اتعاظ واعتبار. وهو معنى قوله: «إلا أن تكونوا باكين»، أي خائفين خاشعين لله من أن تصيبكم مثل ما أصابهم، فأطلق البكاء على الضراعة والخشوع كقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الحجر: ١٠٩] وإلا فإن مجرد الدخول لديارهم لا يقتضي أن يصيب الداخل مثل ما أصابهم؛ لأنه لم يأت من الجرم ما أتوا به.
ويحتمل أن يكون قوله: «أن يصيبكم» تعليق للنهي عن الدخول إلى ديارهم، وأن «إلا أن تكونوا باكين» استثناء لحالة الترخيص في الدخول.
* * *
ووقع في باب ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ [الحجر: ٨٠] من كتاب التفسير رواية معن عن مالك عن عبد الله بن دينار [٦: ١٠١، ١٨]: (لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يُصيبكم مثل ما أصابهم).
ولا شك أن في ذلك تقديمًا وتأخيرًا إلا أنه أخف مما في رواية سالم عن ابن عمر. ويكون ذلك ناظرًا إلى قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [القصص: ٥٨] وأن الله لغضبه عليهم قدر أن تبقى ديارهم خرابًا لا يسكنها قوم آخرون إلا قليلاً، أي قليلاً من السكنى. وهو استثناء منقطع. أريد بالمستثنى إقامة المسافرين والمتعظين،
стр. 152
كما كان الشيخ محرز بن خلف ينزل بأطلال قرطاجنة قرب تونس للموعظة. فلو رام قوم سكنى ديار العذاب لخيف أن يهلكهم الله بما سبق من قدره؛ فلذلك حذر رسول الله منه.
ويتحصل من مجموع الروايات ما يتضح به أن قوله: «أن يصيبكم» مرتبط بقوله: «باكين».
واعلم أن هذا الحديث غير موجود في موطأ يحيى بن يحيى الليثي عن مالك.
وأما تقنع رسول الله ﷺ فذلك زيادة في الإعراض عن ملاحظة أماكن العذاب؛ لأن كمال رسول الله ﷺ في كراهية آثار الظالمين يناسبه قطع النظر عن رؤيتها كلها، ولذلك لم يأمر الناس بالتقنع.
وقد جاء في حديث ابن عمر من رواية عبد الله بن دينار في باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] أن رسول الله ﷺ نهاهم عن الشرب من آبار الحجر عدا البئر التي تشرب منها ناقة صالح. وقد بينا ذلك عند الكلام عليه في كتاب بدء الخلق.
* * *
باب مرض النبي ﷺ ووفاته
وقع في حديث عائشة وابن عباس [٦: ١٤، ٩]: (لما نُزل برسول الله ﷺ ).
«فنزل» مبني للمجهول، ونائب الفاعل هو المجرور، والفاعل المحذوف هو الموت. وهذا كقولهم: حُضر واحتُضر. وقد أغفله في اللسان، والقاموس، وصاحب المنهل المأهول بالمبني للمجهول، وابن الأثير في النهاية، والشارحون للصحيح، عدا العيني فقد نبه عليه.
وقال القسطلاني: بفتح النون والزاي. وهو خطأ فقد ثبتت في نسخ الصحيح بضم النون.
* *
ووقع فيه قول عائشة [٦: ١٤، ١١]:
(لقد راجعت رسول الله ﷺ في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه
стр. 153
لم يقع في قلبي أن يُحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبدًا ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر).
أرادت بقولها: (في قلبي) في اعتقادي وظني. وقد سمى العلماء أفعال الظن والعلم أفعال القلوب، وإذا لم يقع في ظنها محبة الناس من يقوم بعد رسول الله وقع لا محالة في ظنها ضد ذلك، وهو أن يكره الناس من يقوم بعده. وقد بينت ذلك بقولها: «ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد .... » إلخ.
وقولها: «إلا تشاءم الناس به» فيتنازع ذلك المستثنى كل من (أرى) و (يقوم) المنفيين.
وقولها: «تشاءم» جملة في موضع الحال تفرغ لها الفعلان السابقان. وقد تأكدت الجملة الأولى بالثانية وحصل إيجاز دل عليه الكلام. فالتقدير: ولا كنت أرى أن أحدًا يقوم مقامه إلا تشاءم الناس به، لن يقدم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فحصل التأكيد مع إيجاز لطيف.
وقولها: «فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر» ثبت في الرواية بنصب لفظ «رسول». وكان الوجه أن يكون مجرورًا بالياء؛ لأن فعل (عدل)، الذي هو بمعنى أعرض، فعل قاصر يتعدى إلى مفعوله المعرض عنه بـ (عن) وإلى غيره بما يناسب من حروف الجر بالأولى. فلما لم يجر بالباء تعين أنه منصوب بنزع الخافض.
ومرادها بالتشاؤم أن يكون ذلك الرجل ذكرى لحادث محزن تنقبض له النفوس عند رؤيته. وليست تريد الشؤم بالمعنى المراد في الجاهلية، وأن يكون وجود بعض الذوات مجلبة شر لغيره، فإن ذلك من عقائد الجاهلية. وقد بين الرسول ﷺ نفيه، ولا يظن بأصحاب رسول الله معاودة اعتقاده. وإنما أرادت أن تجنب أباها هذا الثقل على الناس في ظنها قاطعة النظر عن وقوع رجل آخر في مثل ذلك؛ لأن الذي يدفع عن نفسه بدون تعيين أحد للضرر لا حرج عليه، إذ على غيره أن يجنب نفسه ما يحذره إن كان يحذر شيئًا.
ويفهم من قولها: «إلا أنه لم يقع في قلبي .... » إلخ، أن الأمر تبين على خلاف ما ظنت، فقد تلقى المسلمون المصاب برسول الله ﷺ بالصبر وتلقوا خليفته بالرضا والتيمن.
стр. 154
ووقع فيه قول العباس لعلي ﵃[٦: ١٥، ٦]:
(اذهب بنا إلى رسول الله فلنسألنه فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه، فأوصى بنا، فقال علي: إنا لله لئن سألناها رسول الله ﷺ لو منعهما الخلافة بعده، أو منع آل بيته الخلافة، على اختلاف الاحتمال في المراد من ضمير المتكلم وغيره في قوله: «سألناها» وما بعده. فإنما يفعل ذلك رسول الله ﷺ لأجل وجود الأرجح منهما لولاية أمور المسلمين، فيتوهم الناس أو كثير منهم أن ذلك المنع لعدم أهليتهما لذلك بالنسبة إليهما، أو أنه لإبعاد آل بيته عن الدخول بين المسلمين ليكونوا مع الأمة مظاهر رأفة لا غير، فيظن أن الولاية لا تليق بآل الرسول ﷺ كما مُنعوا من أخذ الصدقات. فيصير ذلك باعثًا للناس على إبعادهما أو إبعاد آل بيت النبي عن الولاية، وذلك لا خير فيه ولا في ظنه.
فهذا مراد علي ﵁؛ وليس مراده التحيل على إخفاء مقصد الرسول ﷺ ، إذ قد علم علي أن لو أراد رسول الله ﷺ أمرًا لأظهره؛ ولكن الحكمة كانت في عدم التعرض لهذا الأمر.
* * *
стр. 155
كتاب التفسير
[٦: ٢٠، ٦]:
اصطلح البخاري ﵀ في كتاب التفسير على أن يخرج في تفسير كل سورة ما صح عن النبي ﷺ والسلف في معاني بعض الآيات، أو في أحكامها ونسخها، أو في أس باب نزولها. وربما افتتح كل سورة بتفسير غريب كلماتها على حسب القراءة التي كان يقرأ بها البخاري، وهي قراءة عاصم بن أبي النجود. وربما ذكر قراءة غيره. ولا يلتزم في ذكر كلمات القرآن ترتيب مواقعها من الآي.
وقد اعتمد في تفسير غريب اللغة على أقوال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبي عبيدة معمر بن المثنى البصري اللغوي. وكل ما لم يعزه فهو عن ابن عباس؛ ولذلك يكثر أن يقول: وقال غيره من دون أن يتقدم ذكر ابن عباس.
واعتمد في تفسير المعاني على ما يروى عن ابن عباس غالبًا من رواية السدى وعطاء وعلي بن أبي طلحة. ولم يتقص القراءات، ولا ذكر الاختلاف بين القراء إلا نادرًا.
باب
وقع فيه قوله [٦: ٢٢، ت (٣)]:
(راعنا من الرعونة إذا أرادوا أن يُحمقوا إنسانًا قالوا: راعنا).
سكت الشارحون عنه. وهذه الجملة لم تضبط في النسخ الصحيحة بوضوح.
فقوله: «إذا أرادوا أن يحمقوا» هو بتشديد الميم، أي أن ينسبوه إلى الحماقة، فالتفعيل هنا للنسبة.
وقوله: «قالوا: راعنا» يجوز في «راعنا» التنوين، أي أنه اسم فاعل من الرعن- بفتح العين- وهو الحمق، وفعله مثلث
ويجوز عدم التنوين إما على أن الألف التي في آخره حرف لمد الصوت على أنه منادى محذوف حرف النداء، أي نووا نداءه بـ «يا راعنا»، أو على أن الألف للوقف على التنوين المنصوب.
* * *
стр. 156
باب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ... ﴾ [البقرة: ١٤٢] إلخ
في حديث البراء ﵁[٦: ٢٥، ١٣]:
(أنه صلى أو صلاها صلاة العصر).
هكذا ثبت بـ (أو) التي للشك، فقيل: الشك من الراوي. أهـ. ويتعين أن يكون الشك من أبي نعيم الذي سمعه من زهير بن معاوية؛ لأن هذا الحديث ثبت في كتاب الإيمان من رواية عمرو بن خالد عن زهير بلفظ: «وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر». فمعنى الشك هنا أن أبا نعيم شك في لفظ البراء بين أن قال: «وأنه صلى صلاة العصر» وبين أن قال: «وأنه صلاها صلاة العصر» على الإضمار قبل المعاد. والشك من أبي نعيم احتياط في لفظ الراوي، وإلا فإن الأظهر أن يكون: «وأنه صلى صلاة العصر».
* * *
باب ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [ البقرة: ١٨٥]
وقع فيه قوله [٦: ٣١، ١]:
(قال أبو عبد الله مات بكير قبل يزيد).
المقصود التنبيه على أن بُكيرًا مات قبل شيخه يزيد. وليس لذلك فائدة غير هذه تتعلق بمعنى الحديث أو بسنده.
ولعل هذه الجملة أخبر بها الفربري بعض من روى عنه عن البخاري فأثبتها الراوي هنا، وهي لا توجد في غير رواية المستملي.
* * *
باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [ البقرة: ٢٣٤]
وقع فيه قوله [٦: ٣٧، ١]:
«فالعدة كما هي واجب عليها».
стр. 157
أي لم تنسخ بوصية سكنى الحول، ولكن زيد عليها حكم الوصية بالسكنى، فإن الزيادة على النص ليست نسخًا كما هو قول الجمهور، وهو الحق خلافًا للحنفية.
* *
وقوله [٦: ٣٧، ٢]:
(قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها).
أي نسخت آية ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] سكناها عند أهلها في مدة العدة، فتعتد في بيت زوجها إذا أوصى لها ورضيت، أو لا تقبل فتخرج فتعتد حيث شاءت. وسمى هذا نسخًا بناء على أن الزيادة على النص نسخ؛ إذ ليس الاعتداد عند أهلها بثابت بنص ولكنه مجرد عمل، أو لأنه لما أقره عمل المسلمين تقرر حكمًا، فنسخ.
* * *
باب ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ [ البقرة: ٢٦٦]
(قال عمر ﵁ يومًا لأصحاب النبي ﷺ : فيم ترون هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾؟ [البقرة: ٢٦٦] قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم).
كان مما شاع عندهم في زمن رسول الله ﷺ أن يقولوا كلمة: «الله ورسوله أعلم» كناية عن عدم علم المسؤول بما سئل عنه، كما ورد ذلك في أخبار كثيرة منها حديث خطبة حجة الوداع. فعل سبب غضب عمر ﵁ من جوابهم بها أنه كان يرى تلك الكلمة لا تقال إلا لرسول الله ﷺ تأدبًا وترقبًا للعلم المعصوم. فأما بعد رسول الله فلا وجه لجواب المسؤول بها؛ لأنه إن كان يعلم فليقل، وإن كان لا يعلم فليقل: لا أعلم.
ووجه عدم الاكتفاء منهم بها أن فيها احتمالاً أن يكون المجيب يعلم علمًا في شأن ما سئل عنه، ولكنه يجوز على نفسه الخطأ، فلذلك رام عمر منهم الصراحة بالعلم على ما هو عليه أو بعدم العلم، وبدون هذا لا يظهر وجه للغضب. وسكوت الشارحين عنه من العجب. وقد نقل عن أبي الريحان البيروني العالم الرياضي أنه قال: إن كلمة «الله أعلم» لا تدل على سابق في العلم.
стр. 158
باب ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [البقرة: ٩٢]
وقع فيه قوله [٦: ٤٦، ١١]:
(ذلك مال رايح).
فقال الشراح: بالمثناة التحتية، وهذا سهو منهم، فالصواب أنه بهمزة بعد الألف على حكم إبدال حرف العلة الواقع عينًا للكلمة في زنة اسم الفاعل. وإنما تكتب الياء لتوضع الهمزة تحتها في الرسم، وأما النطق بالياء فلحن؛ ولذلك لا ينقطعون هذه الياء تفرقة بينها وبين الياء المنطوق بها. وقد حكى ابن جنى أن أبا علي الفارسي ذهب مع صاحب له إلى بعض المتسمين بالعلم يزورانه فوجدا بين يديه جزءًا كتب فيه لفظ (قايل) بياء نقط تحتها بنقطتين. فقال له أبو علي: خط من هذا؟ قال: خطي. فالتفت أبو علي إلى صاحبه وقال: لقد أضعنا خطواتنا في زيارة مثله.
باب ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣]
وقع فيه قول عبد الله بن عمر ﵁[٦: ٤٧، ٣]:
(فوضع مدراسها الذي يُدرسها منهم كفه على آية الرجم).
سمى الفقرة من التوراة آية؛ لأنهم غلب على ألسنتهم تسمية جمل القرآن آيات، فأطلقوا ذلك على الجمل التي في التوراة على وجه التشبيه، وإلا فإن كلام التوراة ليس بآيات؛ إذ ليس فيها إعجاز.
* * *
باب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
فيه قول عبد الله بن عباس ﵁[٦: ٥٧، ١٩]: (نزلت في عبد الله بن حُذافة ... إذ بعثه النبي ﷺ في سرية).
هي سرية الأنصار، وقد ذكر المؤلف حديثها في كتاب المغازي عن علي بن أبي طالب.
стр. 159
ومعنى قول ابن عباس يحتمل أنها نزلت حين أمره النبي ﷺ على السرية ليطيعوه، فيكون هذا الأمر هو الذي دفعه إلى أمر جيشه أن يطيعوه بأن يدخلوا النار التي أوقدها، فيكون قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] هو المقصود الأول ويكون قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ [النساء: ٥٩] تنبيهًا على ما سيقع بينهم وبين أميرهم.
ويحتمل أن الآية نزلت بعد أن رجعت السرية وبلغ النبي ما أمرهم به أميرهم فيكون قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] كالمقدمة؛ لئلا يظن أحد أن الأمر بالطاعة قد نُسخ، ويكون المقصود منها هو قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ .... ﴾ [النساء: ٥٩] إلخ، ويكون في قول الرسول [٥: ٢٠٤، ٥]: «إنما الطاعة في معروف» بيانًا لمعنى ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [البقرة: ٥٩] في هذه الجزئية.
* * *
باب ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥]
فيه قول عروة [٦: ٥٨، ٥]:
(واستوفى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة).
ليس مراد عروة أن الغضب هو الذي دعا النبي ﷺ إلى الشدة على الأنصاري في الحكم؛ ولكن المقصود أن النبي ﷺ دعاهما إلى صلح فيه رفق بالأنصاري ونقص من حق الزبير. فلما لم يفهم الأنصاري حسن مقصد الرسول استوفى الرسول حق الزبير وقضى بينهما بوجه الحق والمشاحة. وغضب رسول الله ﷺ لا يمنعه من القضاء لأنه معصوم.
وقد يكون الضمير في «أحفظه» عائدًا إلى الزبير، أي حين أغضبه الأنصاري بالامتناع من الصلح ونسبته إلى الإدلال بالقرابة من رسول الله ﷺ .
* * *
باب ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]
فيه حديث زيد بن ثابت [٦: ٥٩، ٣]:
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] رجع ناس من أصحاب النبي ﷺ -
стр. 160
وكان الناس فيهم فرقتين فريق يقول: اقتلهم، وفريق يقول: لا، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨].
يعني بأصحاب النبي من أظهروا الصحبة، وهم منافقون، وهم: عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه الذين انخزلوا يوم أحد ليدخلوا الوهن في المسلمين. ومعنى اختلافهم في قول فريق: اقتلهم، وقول فريق: لا تقتلهم، أنه الاختلاف في لازم ذلك، وهو تحقيق نفاقهم؛ لأن الذين قالوا: اقتلهم، أرادوا أنهم كفار أبطنوا الكفر. والذين قالوا: لا تقتلهم، أرادوا أنهم مسلمون، اغترارًا بظاهر حالهم. فمورد اللوم في قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] هو لازم القولين، أي ما كان ينبغي التردد في نفاقهم بعد أن ظهرت ظواهر الكفر عليهم حين انخزلوا بدون إذن الرسول. فمورد اللوم هو اللوم على سوء النظر والتوسم، وإلا فإن الإشارة بعدم القتل مع اعتقاد إسلامهم جرى على مقتضى الحكم الشرعي، فلا يُلام من أشار بذلك، إنما يلام على اغتراره بإسلامهم. فهذا تحقيق معنى الحديث.
* * *
باب ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]
وقع فيه قول ابن عباس [٦: ٥٩، ١٢]:
أراد أنها محكمة، وأن الآيات التي فيها توبة قاتل النفس منسوخة أو مؤولة على الكفار، كما سيأتي في باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ونبينه هنالك.
ويجب تحرير هل النظر في هذه الآية بأن القاتل يتعلق به حقان: حق الله تعالى، وحق المقتول، فأما حق المقتول فلا تعمل فيه التوبة ولا يسقطه إلا إسقاط المقتول حقه وعفوه قبل موته.
وأما حق الله فهو عظيم وهو دون الكفر، وتشمله التوبة التي شملت الكفر، وهو أعظم الذنوب. فمراد ابن عباس يحتمل أنه خشي توهم الناس أن التوبة تسقط حق
стр. 161
القاتل. ويحتمل أنه خاف استخفاف الناس بالقتل اعتمادًا على التوبة في آخر الأمر.
* * *
باب ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]
وقع فيه [٦: ٦٥، ٨]:
(عن أبي قلابة أنه كان جالسًا خلف عمر بن عبد العزيز فذكروا وذكروا فقالوا وقالوا: قد أقادت بها الخلفاء ... ) إلخ.
هذا الحديث وقع مختصرًا في رواية ابن عون عن أبي رجاء مولى أبي قلابة اختصارًا غمض به معناه هنا في كتاب التفسير.
وسبب ذلك لعله لأن ابن عون أورده لمجرد إثبات حد الحرابة. وقد ورد مطولاً ومبينًا في رواية الحجاج بن أبي عثمان عن أبي رجاء مولى أبي قلابة في باب القسامة من كتاب الديات فانظره هنالك [٩: ١١، ٩].
* * *
باب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]
فيه حديث زيد بن ثابت [٦: ٦٠، ٢]:
(أن رسول الله ﷺ أملى عليه ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥]، فجاءه ابن أم مكتوم وهو يُملها علي. قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله ﷺ وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترُض فخذي ثم سري عنه، فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]).
ظاهره أن الآية نزلت بدون قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. وقد صرح بذلك في الروايتين اللتين بعد هذه، وقد كانت الآية غير محتاجة إلى البيان؛ لأن صريحها نفي الاستواء بين القاعدين والمجاهدين في تحصيل فضل الجهاد. وهو حكم لم يتطرقه ما يخالف ذلك؛ لأن أجر الجهاد على عمل لا يناله غير عامله. فلم ينزل الله قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] إبطالاً لنفي الاستواء بين القاعد والمجاهد إذا كان القاعد غير قادر
стр. 162
على الجهاد. ولكن بقي الاستواء لما كان يصدق بحالتين:
إحداهما: أن يكون القاعد آثمًا لعدم عذر له في القعود.
والثانية: أن يكون غير آثم لعذر له في القعود.
وكان نفي الاستواء قد يستعمل كناية عن المؤاخذة بالاعتبار الأول كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] جاء البيان بقوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] لنفي هذا الاحتمال، وإن كان احتمالاً مرجوحًا، لكنه قد خطر لبعض السامعين، كما دل عليه اعتذار عبد الله بن أم مكتوم. فهذا نظير نزول قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] بعد نزول: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وإنما أقحمت إثر قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] دون أن يكون في آخر الآية ليكون قوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] الآية، على عمومه في جميع المجاهدين والقاعدين، فهو كالحد الجامع المانع. فتعين أن الاستثناء في قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] تخصيص للمعنى الكنائي.
* * *
باب ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]
فيه قول حذيفة لأهل حلقة ابن مسعود [٦: ٦٢، ١٣]:
(لقد أُنزل النفاق على قوم خير منكم).
يحتمل أن يكون حذيفة أراد مجرد الموعظة تحذيرًا للناس من أسباب التفريط في الإيمان، فيكون كلامه من أسلوب الترهيب. وهذا هو الذي يؤذن به قوله لهم حين رأى استعظامهم كلامه فقال: (ثم تابوا فتاب الله عليهم) على طريقة تعقيب الترهيب بالترغيب.
* * *
باب ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]
فيه قول ابن مسعود ﵁[٦: ٦٥، ١]:
(قال المقداد: يوم بدر).
стр. 163
«يوم بدر» من رواية سفيان عن طارق، وليست من رواية إسرائيل عن طارق؛ لأن البخاري في رواية إسرائيل في المغازي. وليس فيها لفظ «يوم بدر» فعلمنا أنها هنا من رواية سفيان خاصة دون ما يوهمه ظاهر تحويل الإسناد.
* * *
باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]
وقع فيه قول البخاري [٦: ٦٧، ١]:
(والاستقسام أن يُجيل القداح) ثم قال: (وفعلت منه قسمت، والقسوم المصدر).
قال القسطلاني: «بضم القاف». أهـ. وقال العيني: «أشار إلى أن مصدر (قسمت) الذي هو إخبار عن نفسه من الثلاثي المجرد (أي والقاصر) يأتي قسومًا على وزن فعولاً، أي مثل قعود. وقد جاء لفظ القسوم في قول الشاعر:
ولم أقسم فتحبسني القسوم
والاحتجاج بهذا على أن لفظ «القسوم» مصدر، وفيه نظر؛ لأنه يحتمل أن يكون جمع قسم بكسر القاف». أهـ.
ولم يقل غيرهما من الشراح شيئًا.
وهذا الذي ذكره البخاري أن الفعل منه «قسمت» لم نقف عليه ولم نجده في كتب اللغة: الصحاح واللسان والقاموس وشرحه والأساس.
والمصراع الذي ذكره العيني لا يعرف قائله ولا ما قلبه حتى يظهر مراده ووقوع «فتحبسني» بالمثناة الفوقية يقتضي أن القسوم جمع وليس مصدرًا مفردًا.
فإذا ثبت أن للاستقسام بالأزلام فعلاً مجردًا على فعلت، كما قال البخاري، تعين أن يكون مصدره القسوم؛ لأن وزن فُعول يطرد في مصدر فَعَل اللازم مثل القعود والغدو. لكن هذا لم ينص عليه أهل اللغة ولا المفسرون بل المعروف أن فعله
стр. 164
استقسم. نعم، إن استقسم فعل مزيد يقتضي سبق فِعل مجرد له، مثل استقر واستمسك، لكن عدم ذكرهم إياه يدل على أنه مُمات؛ ولذلك لم يذكروا القسوم مصدرًا. فتدبر في هذا، فإنه معضل. وعقدة الإشكال قوله: «وفعلت منه قسمت».
* * *
باب قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]
فيه حديث ابن عباس [٦: ٦٨، ١٢]:
(كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] حتى فرغ من الآية كلها).
قال الكوراني: إن قلت: الاستهزاء برسول الله ﷺ كفر، فكيف صدرت الآية بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [المائدة: ١٠١]، أو خوطبوا بناءً على ادعائهم الإيمان، كما تقول لمن يلحن في الإعراب ويزعم أنه نحوي: (يا نحوي لا تلحن). أهـ.
أقول: الحديث صريح في أن الآية نزلت بالمدينة؛ لأن في بعض رواياته أن رسول الله ﷺ خطب خطبة، وإنما كان يخطب بالمدينة، ولذلك فالظاهر أن الذين كانوا يسألون، منهم من يسأل قاصدًا الاستهزاء وهم من المنافقين، ومنهم من يسأل على قصد الجد.
ففي رواية: أن حذافة سأل، فقال: من أبي؟ فأطلع الله رسوله ﷺ على قصد المستهزئين، وحذر المؤمنين من ذلك لقطع أصل السؤال.
وفي بعض رواياته عن أنس أن رسول الله ﷺ أكثر من أن يقول: «سلوني» وهو على المنبر فأشفق أصحابه. قال أنس: «فجعلت لا ألتفت يمينًا ولا شمالاً إلا وجدت كلا لافًا رأسه في ثوبه يبكي، ثم قام عمر فقال: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً عائدًا بالله من شر النفس».
стр. 165
باب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ
إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]
وقع فيه قول رسول الله ﷺ [٦: ٧٥، ١٤]:
«أما صاحبكم هذا فقد غامر».
وفسره البخاري بقوله [٦: ٧٥ ت (٩)]: (قال أبو عبد الله: غامر: سبق بالخير).
المشهور أن «غامر» بمعنى خاصم، وأما ما فسر به البخاري فهو مما رواه المستملي.
وقد اختلفت الروايات في لفظ «الخبر» فالذي في نسخة صحيحة من البخاري «بالخبر» بباء موحدة. وكذلك ثبت في كتاب «المشارق» لعياض، فيكون معناه: أن «غامر» بمعنى سبق، ويكون ذكر المتعلق، وهو قوله: «بالخبر» بيانًا لمتعلق السبق، وليس المراد منه أن معنى «غامر» خصوص السبق بالخبر بل مطلق السبق، فيكون مجازًا؛ لأن أصل المغامرة المدافعة والمخاصمة ومن لوازمها المسارعة، وهذا تفسير غريب.
وفي الفتح عن المحب الطبري أنه نقل مثله عن أبي عبيدة.
وفي النسخ التي شرح عليها الشراح: «بالخير» بالمثناة التحتية. فيكون تأويلاً لكلام الرسول بأنه على طريقة التورية، إذ أطلق «غامر» بمعنى سبق إلى الخير، وهو أنه جاء بطلب من الرسول أن يسترضي عمر، فيكون أبو بكر سبق إلى طلب المسامحة التي هي خير، فيكون تفضيلاً لموقف أبي بكر، وبشارة له بأنه خير الرجلين لما في الحديث: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
* * *
باب قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]
وقع فيه قول أنس [٦: ٧٨، ٩]:
(قال أبو جهل: الله إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم).
يحتمل أن يكون أبو جهل قال هذا بنصه، فيكون من الكلام البليغ البالغ حد
стр. 166
الإعجاز؛ لأن حكاية القرآن إياه بلفظه تقتضي أنه مساوٍ لما في القرآن من كلام بالغ الطرف الأعلى في البلاغة، فيكون الفرق بين نحو هذا الكلام وبين إعجاز القرآن أن القرآن كل كلام تام منه هو معجز، وأما كلام غير القرآن فقد يقع فيه المعجز في جملة أو جملتين؛ ولذلك كان التحدي بمعارضة أقصر سورة منه لا بمعارضة مطلق كلام منه تام.
ويحتمل أن يكون مراد أنس، أن أبا جهل قال ما يرادف هذا الكلام من كلام خلي عن بلوغ حد الإعجاز، فحكاه القرآن بمعناه بتركيب معجز، كما هو الغالب في حكايات القرآن كلام القائلين من العرب وغيرهم.
كان أهل الجاهلية يحسبون أن الله كواحد من الناس يأنف من المخاطرة والمكافحة، وينزل على تحدي الخصوم كيلا يظهر بمظهر المغلوب، فإذا تحدوه وتخلف ما تحدوه به جعلوا ذلك أمارة لهم على أنهم على الحق. ومنه قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] فقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨].
والحقيقة أن الله واسع عليم، وأنه يتحدى الناس ولا يتحدونه، وأن هذا من كفر أهل الجاهلية، وأن من يفعله من المسلمين أو يقاربه فقد جهل وأساء الأدب، وأن تأخير العقاب عن العاصي، وتأخير نزول العذاب بالمعاندين والطغاة لا يدل على أنهم على الحق.
قال الشيخ ابن عطاء الله الاسكندري: خف من دوام إحسانه إليك ودوام إساءتك معه أن يكون ذلك استدراجًا من جهل المريد أن يعصي فيؤخر العقاب عنه فيقول: لو كان هذا معصية لعُجل العقاب، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ولو لم يكن إلا منه المريد، وقد يقام مُقام البعد من حيث لا يدري ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد.
* * *
باب ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]
وقع فيه قول الراوي [٦: ٨٢، ٥]:
(فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد تخبروننا فلا ندري).
стр. 167
انتصب «أصحاب» على الاختصاص. وقوله: «فلا ندري» أي فلا ندري كيف نتأول؛ يعني أنكم تخبروننا بما نحسبه مخالفًا لما هو معلوم بين الناس، وذلك أنه استبعد قول حذيفة: «لم يبق من أصحاب هذه الآية ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويشرقون أعلاقنا»، أي فهو يحسب أنه لا يؤذي المسلمين إلا من كان كافرًا. فهؤلاء عنده إما من أئمة الكفر وإما من المنافقين؛ فلذلك قال له حذيفة: «أولئك الفساق».
ثم قال: «أجل لم يبق منهم إلا أربعة» فهذا عود إلى كلامه الأول وتصميم عليه.
* * *
باب: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠]
فيه قول أبي بكر ﵁[٦: ٨٣، ٨]:
(قلت: يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا).
أي أن المشركين كانوا يتسلقون جبل ثور ويمرون من شعابه، يصلون إلى المنازل الواقعة في سفحه من الجهة الأخرى كدأب سكان جهتي الجبال.
والمعنى أنهم كانوا يمرون على سقف الغار، فعله قد كان في سقفه شقوق تحت أقدام المارة، فلو رفع أحد قدمه ونظر ما تحت قدمه رأى أسباحًا في الغار، فاكتفى بقوله: «رفع قدمه»؛ لأنه لا يرفع قدمه إلا أن يقف قصد التأمل، فلا تتوهم أن المشركين كانوا يفتشون في الجبل؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لدخلوا الغار، ولا أن الجبل كان طريقًا لهم؛ لأن الغار مرتفع في الجبل.
* * *
باب قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]
فيه حديث ابن عمر ﵁[٦: ٨٥، ٨]:
(فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله تصلي علنه، وقد نهاك ربك أن تصلي علنه؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنما خيرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيده على السبعين»).
стр. 168
قول عمر: «وقد نهاك الله أن تصلي عليه»، أي نهاك أن تصلي على المنافقين، وهو واحد منهم. وقد وقع التصريح بذلك في بعض رواياته: «وقد نهاك ربك أن تصلي على المنافقين». والظاهر أن عمر ﵁ فهم النهي من عموم قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] فإنه رأى المنافقين من جملة المشركين إذ الاعتبار بالاعتقاد. وقد تظافرت الأمارات على أن عبد الله بن أبي كان منافقًا وما الصلاة على الميت إلا ضرب من الاستغفار.
وقول رسول الله ﷺ : «إنما خيرني ربي» هو قصر قلب لإبطال قول عمر: «وقد نهاك ربك» أي أن الله لم ينهني عن ذلك؛ لأن المنافق مغاير للمشرك؛ إذ المنافق مظهر للإيمان غير معاند؛ فلا تدخل هذه الماهية في ماهية الإشراك حتى يشملها عموم اللفظ الدال على الإشراك. فالتخيير يقتضي الإذن بقطع النظر عن المغفرة؛ لأنه قد يكون في الاستغفار فوائد أخرى، منها: تألف قلوب بقية المنافقين.
ثم إن رسول الله ﷺ حمل لفظ «السبعين» في الآية على ظاهره دون معنى الكثرة، وإن كان ظاهره مرجوحًا، استقصاء للرأفة بالأمة ولو في ظاهر الحال رجاء بركة صورة الإسلام حتى نزل ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤].
ووقع في رواية ابن عباس عن عمر عقب هذا أن رسول الله ﷺ [٥: ٨٥، ١٨] قال: «لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له لزدت عليها».
ووقع فيه قول عمر [٦: ٨٦، ١]:
(فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ﷺ ، والله ورسوله أعلم).
إنما عجب من جرأته لأن ما صدر منه كان بدافع كراهية أن يصلي رسول الله ﷺ على رأس المنافقين مع بعضه للرسول، فحجبه ما اعتراه من الكراهية عن التأمل ليعلم أن الله لا يقر رسوله ﷺ على ما لا يرضى به، ولو تأمل في سعة من أمره لعلم من دلائل أحوال رسول الله ﷺ أن الله أراد أن يصلي الرسول على عبد الله بن أبي ثم يرد النهي بعد ذلك فيكون أوقع وأقطع لمعاذير المنافقين.
* * *
стр. 169
باب قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول﴾ [التوبة: ١٢٨]
وقع فيه رواية شعيب ويونس عن ابن شهاب قول زيد بن ثابت [٦: ٩٠، ٤]: (حتى وجدت آيتين من سورة التوبة مع خُزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره).
مع ما روى عبد الرحمن بن خالد عنه، وموسى بن إسماعيل، ويعقوب بن إبراهيم عن إبراهيم بن سعيد عنه قول زيد بن ثابت: (وجدتهما مع أبي خزيمة الأنصاري).
فهذا اضطراب من رواة ابن شهاب. وخزيمة هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه. وأبو خزيمة هو أبو خزيمة بن أوس بن أصرم.
وقد روى البخاري في تفسير سورة الأحزاب [٦: ١٤٦، ٨]: عن شعيب عن ابن شهاب أن آية الأحزاب وجدت مع خزيمة الأنصاري. ولا يمكن الجمع بأن خزيمة وجدت عنده آيات السورتين، وأبا خزيمة وجدت عنده آية الأحزاب؛ لأن ذلك ينافيه قول زيد بن ثابت في الموضعين: «لم أجدها مع أحد غيره»، ولذلك جزم ابن حجر بان آية الأحزاب وجدت عند خزيمة وحده وأن آية التوبة وجدت عند أبي خزيمة، فتعين أن رواية شعيب ويونس عن ابن شهاب: أن آية التوبة وجدت عند خزيمة وهم.
* * *
باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٢]
ووقع فيه [٦: ١٠٥، ١٢]:
(عن أبي هريرة قال: أُتي رسول الله ﷺ بلحم فرُفع إليه الذراع وكانت تُعجبه فنهس منها نهتة ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد» وساق حديث الشفاعة بطوله).
قول أبي هريرة: «أُتي رسول الله ﷺ بلحم» ظاهر في أن أبا هريرة حضر المجلس الذي أتي فيه رسول الله ﷺ بلحم. فهو مجلس طعام ضيافة أعدت لرسول الله ﷺ .
стр. 170
فأخذ رسول الله ﷺ في التحديث بالحشر والشفاعة جري على عادة العرب في القرى أن يُحدثوا الضيفان بأخبار. قال راجزهم:
ورب ضيف طرق الحي سُرى ... صادف زادًا وحديثًا ما اشتهى
* *
وقع فيه [٦: ١٠٥، ٢٠]:
(«فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله»).
حصل العلم لآدم ولغيره من الرسل ﵇ بذلك يومئذٍ بوحي من الله بأنه لا يغضب في المستقبل، أو لعلمهم بأن ذلك اليوم هو مظهر الغضب على جميع المغضوب عليهم؛ لأنه يوم الجزاء على المعاصي فيعقبه الأمر بإلقاء المغضوب عليهم في العذاب وينتهي الغضب، وهذا يقتضي أن الغاضب إذا عاقب المغضوب عليه ينتهي الغضب؛ إذ لا موجب له بعد. والله تعالى حكيم.
* *
ووقع فيه [٦: ١٠٧، ٣]:
(«فيُقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب»).
الظاهر أن الباب الأيمن مختص بهم أو بعباد الله المقربين. وهذا كناية عن الإسراع بدخولهم كما هو شأن الأبواب الخاصة والأبواب العامة.
والظاهر أن المراد بكونهم شركاء الناس أن حقهم ثابت في بقية الأبواب، لكن حصول مقصودهم بالدخول من الباب الأيمن يجعلهم في غنية عن الدخول من الأبواب المشتركة؛ إذ لا فائدة في تكرر الدخول. هذا ما ظهر في معنى الحديث.
ووقع فيه [٦: ١٠٧، ٥]:
(«والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى»).
стр. 171
الظاهر أن الجميع من كلام رسول الله ﷺ ، وأن (أو) للتخيير في تقدير المسافة بحيث يعلمه من كان من أهل الجنوب ومن كان من أهل الشمال، أو من كان من أهل المشرق عن مكة ومن كان من أهل المغرب عنها.
وليست (أو) من كلام الراوي للشك فيما سمعه؛ إذ لا تلتبس حمير ببصرى في السمع ولا في الجهة.
ووقع في صحيح مسلم: «كما بين مكة وهجر»، أو «كما بين هجر ومكة»، فذلك شك من الراوي لا محالة بالتقديم والتأخير. ولعل رسول الله ﷺ حدث به غير مرة فقدر في كل تحديث ببلد.
* * *
باب ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٥٦]
وقع فيه قول ابن مسعود ﵁[٦: ١٠٧، ١٢]:
(كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن).
فيه إطلاق ناس على الجن مع أن ناسًا مأخوذ من الإنس. وأصله: أناس، فأطلاقه على الجن؛ لأنه شاع استعماله بمعنى طائفة أو فريق، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦].
* * *
باب ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]
(عن ابن عباس ﵁[٦: ١٠٩، ٨] في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قال: نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، أي بقراءتك .... ) إلخ.
ليس تجنب سب المشركين القرآن ومن أنزله ومن جاء به بكراهية لسبهم، أو لأن ذلك يؤذي الله ورسوله، فإنهم كفروا بما هو أشد من ذلك وأفظع من قول وفعل، ولكن النهي عن ذريعة السب؛ لأن سبهم ذلك يزيدهم كفرًا، ويزيد قلوبهم قسوة
стр. 172
ونفرة عن الإسلام، فنهى الرسول عن ذريعة ذلك؛ لئلا يكون سببًا في زيادة تفرقهم، فإنه بُعث مرغبًا لا منفرًا. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ﴾ [الأنعام: ١٠٨] مع أن سب آلهتهم قربة إلى الله تعالى، وقد نهى عنها؛ لأنها ذريعة لازدياد كفرهم وتصلبهم فيه. هذا هو حق معنى الحديث وتفسير الآيتين.
وقوله: «ورسول الله مختف بمكة» أي منزو هو وأصحابه قبل أن ينزل عليه قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤، ٩٥].
وإطلاق الاختفاء على الانزواء والاستضعاف استعارة هي عكس إطلاق (ظهر) على معنى (انتصر) يقال: ظهر بنو فلان على بني فلان، وليس المراد حقيقة الاختفاء؛ لأنه ينافي قوله: «فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته».
* * *
وقع في بعض نسخ الصحيح إثر هذا الحديث ما نصه:
(قال الفريزي: قال محمد بن عياش: إن أبا عبد الله لم يجيء من أحاديث هشيم في هذا الكتاب إلا بالخير. وذكر أن هشيمًا كان صاحب تدليس).
ولم أعرف ابن عياش هذا ولا تحققت أهو بمثناة وشين معجمة، أم هو بموحدة وسين مهملة، بعد مراجعات في كتب الرجال والمشتبه وذيله والقاموس وفي أسماء الذين رووا عن البخاري، وهو من أصحاب البخاري لا محالة.
ولعله أعلى طبقة من الفربري الذي هو من صغار أصحاب البخاري ﵁، وأحسب سبب إغفاله أن الناس انحصر اعتمادهم في رواية صحيح البخاري على الفربري وما تفرع عنه.
* * *
سورة الكهف
وقع فيه قوله [٦: ١١٠، ١١]:
(﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾ [الكهف: ٤٤] مصدر الولي).
стр. 173
[٦: ١١٠ ت (٦)] في رواية ذر الهروي مصدر (ولي) بصيغة الفعل الماضي، وهي الأظهر.
ووقع في رواية: (هذه مصدر الولي) بألف ولام ولم يضبط، فالظاهر أن مراده أنه مصدر الفعل الذي اشتق منه الولي فيكون بتشديد المثناة. ويجوز أن يكون بتخفيفها، ويكون مراده أنه مرادف الولي الذي هو مصدر ولي. ووقع في رواية (مصدر ولي الولي ولاء) وهي غير رشيقة.
* *
ووقع فيه [٦: ١١٠، ١٥]:
(إن نوفا البكالي).
«نوف» بنون وفاء، وهو ابن فضالة «وبكال» بوزن كتاب بطن من حمير. وكان نوف هذا قصاصًا بالكوفة، كما سيأتي في الباب الموالي لهذا [٦: ١١٥، ١٠]، سكن الشام وكان ربيبًا لكعب الأحبار.
* *
ووقع فيه قوله [٦: ١١٠، ١٦]:
(يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل).
قال الشراح: أي بل هو موسى بن ميشا بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب. أهـ.
ولم يذكروا ماذا كان. ورأيت في معجم البلدان لياقوت في ذكر الرس أن بعض المفسرين قال في قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨]: هو وادي أذربيجان. ويقال: إنه بأران على عليه ألف مدينة بعث الله إليهم نبيًا، فقال له موسى، وليس بموسى ابن عمران ... إلخ.
* * *
باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠]
وقع فيه قوله [٦: ١١١، ١٣]:
«وأني بأرضك السلام».
стр. 174
أي بهذه الأرض، فأضافها إلى ضمير المخاطب؛ لأنه ظنه من أهل تلك الأرض، أو الإضافة لأدنى ملابسة.
* *
ووقع فيه قوله [٦: ١١٢، ١١]:
(فقال الخضر: فأقامه بيده).
كذا في رواية أبي ذر الهروي، فتكون (قال) فعلاً مستعملاً في الدلالة على الشروع، وكثير من الأفعال يستعمله العرب في معنى الشروع. قال أبو حية النميري:
فألقت قناعًا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم
وقالت فلما أفرغت في فؤاده ... وعينيه منها السحر قلن لها انعم
ووقع في رواية غير أبي ذر «فقام الخضر» فيحتمل أن فعل (قام) مستعمل في معناه. ويحتمل أنه مستعمل في معنى الشروع وهو الأظهر كقوله، من شواهد اللغة:
فقام يذود الناس عنها بسيفه ... وقال ألا لا من سبيل إلى هند
إذ لم يرد أنه كان قاعدًا، ولكنه أراد أنه شرع وأخذ، وهذا كقولهم: ذهب يفعل كذا.
* * *
باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩]
وقع فيه حديث أبي أسامة أن عائشة قالت [٦: ١٣٥، ١٤]:
(وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئًا).
لم تقع هاته الجملة في رواية من روايات حديث الإفك عن هشام غير رواية أبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي عنه التي ذكرها البخاري في هذا الباب تعليقًا بقوله: «وقال أبو أسامة وقد رواها عنه أحمد بن حنبل في مسنده». وهي زيادة
стр. 175
غريبة لا يوثق بصحتها لانفراد أبي أسامة بها دون جميع من روى خبر الإفك. وأبو أسامة وثقة أحمد بن حنبل. واحترز منه البخاري فلم يسند عنه هذا الحديث.
وهذه الجملة مشكلة فقوله: «فقلت» الظاهر أنها أرادت: فقلت في نفسي؛ لأنها ذكرت في هذا الحديث وغيره أنها لم تستطع الجواب، فقلت لأبي بكر: أجب رسول الله، وقالت لأم رومان أجيبي رسول الله. والمعنى: فقلت في نفسي متأسفة لعل هذه المرأة تذكر للناس شيئًا مما تسمعه ظانة أن رسول الله ﷺ استيقن خبر الإفك.
وقولها: «ألا تستحي» خطاب لنفسها، لتحمل نفسها على الغضب، فتجيب رسول الله ﷺ حيث وجدت نفسها لا تستطيع الكلام. وقد يدل على صحة هذا التفسير قولها بعد ذلك: «وكنت أشد ما كنت غضبًا».
وقال الشارحون: الخطاب منها لرسول الله ﷺ ، أي على سبيل العتاب تقول: ألا تترك الكلام في هذا بمسمع من امرأة أجنبية لعلها تذكر للناس شيئًا على حسب فهمها لا يليق ببراءة أهلك.
وعندي على هذا الاحتمال في الخطاب أن عائشة لصغر سنها قاست تصرفات الرسول ﷺ على تصرفات الناس في معتادهم؛ إذ يسكتون عن الحق بدافع الحياء أو توقع السمعة، وغاب عنها أن الرسول ﷺ لا يستحي من الحق؛ لأن له في مثل هذه الحالة صفتين؛ صفة خاصة، وهي كونه زوجًا، وصفة عامة، وهي صفة الإرشاد والموعظة. وقد أمره الله أن يقول ما قاله؛ لأن في ذلك إظهار براءة عائشة ﵁ بمبرات كثيرة، وما عليه أن تذكر المرأة الأنصارية ذلك أو لا تذكره، وقد كان كلام رسول الله ﷺ ذلك مقدمة لنزول الوحي ببراءة عائشة في ذلك المجلس. والله أعلم.
* * *
باب ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]
فيه قول سعيد بن جبير [٦: ١٣٨، ١١]:
«سألت ابن عباس ﵁ عن قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] قال: لا توبة له».
стр. 176
يتعين أن ابن عباس قال ذلك تغليظًا لانزجار الناس عن القتل؛ وإلا فإن علم ابن عباس لا يترك في نفسه شكًا في أن كل ذنب من المسلم يقبل التوبة إن تاب من ذنبه وأقلع عنه. وإذا كان الكفر وهو أعظم الذنوب يقبل التوبة بالإيمان فإن ما دونه من الكبائر أولى بالتوبة وإلا لصار الإيمان لصاحبه أسوأ حالاً من الكفر، ولأصبح قاتل النفس آيسًا من رحمة الله فلا يكون له داع إلى الإقلاع عن ذنبه.
ولا شك أن المراد بالخلود في آية القتل هو طول أمد العذاب خلافً لما تقل هنا عن ابن عباس. ولو أُخذ ذلك على ظاهره لما كان وجه لتخصيص القتل بهذا الحكم. فقد جاءت آيات كثيرة في الجزاء بالخلود في النار على ذنوب كثيرة وكلها قابلة للتوبة إجماعًا من المسلمين. فلا نظن بابن عباس مخالفة الإجماع، وما تأول به آية سورة الفرقان وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩، ٧٠] بانه نزل في أهل مكة فتأول التوبة بالإيمان بعد الكفر، فذلك تأويل غير صحيح؛ لأن الآية جمعت ذنوبًا كثيرة، فإما أن يكون الاستثناء راجعًا إلى كل ذنب فهو حجة على بطلان تأويله؛ وإما أن يرجع إلى مجموع تلك الذنوب فهو يقتضي أن بعضها أولى بالاستثناء، فهو حجة على بطلان تأويله أيضًا.
وبعد، فيجيء على تأويله أن الله كما أنزل قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] لئلا ييأس المشركون من قبول إيمانهم، كذلك تكون الآية مفيدة في كل ذنب من أولئك بقوله: ﴿مَنْ تَابَ وَآَمَنَ﴾، فإن الإيمان السابق على الذنب أفضل من الإيمان اللاحق بالذنب.
* * *
سورة الروم
وقع فيه قول مسروق [٦: ١٤٢، ١٩]:
(بينما رجل يحدث من كندة).
«كندة» هذه، محلة بالكوفة، دعيت باسم كندة لنزول جماعة من كندة بها، وهي التي ينسب إليها أبو الطيب المتنبي.
стр. 177
باب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الآية
وقع فيه قوله [٦: ١٤٨، ٩]:
(يقال: إناه إدراكه، أني يأني أناء).
يعني أن «إناه» مصدر مضاف إلى ضمير «طعام» يقال: إني- بكسر الهمزة والقصر، وبفتح الهمزة والقصر- وأما قوله: «أناة» فقد روى بهاء تأنيث. ولعله أراد به المرة من أنى. وروى بمد في آخره، ولم أجده في كتب اللغة.
ومعنى الآية: غير منتظرين تمامه وتهيؤه وهو بالنسبة إلى الطعام نضجه وحضوره للأكل.
والمقصود من هذا الاستثناء؛ الاستثناء من عموم أحوال الإذن المستثنى هو أيضًا من عموم النهي عن دخول بيوت النبي ﷺ ، أي إلا أن يؤذن لكم إذنًا لطعام، لم يكن ذلك الإذن عن انتظار سبق منكم تنتظرون به تمام طبخ الطعام، أي إذنًا عن مجرد اختيار وطيب نفس لا عن تعريض وتردد حول البيوت عند وقت غرف الطعام من القدور. فانتظار الإنى كناية عن التعريض بالفعل وهو ملازمة البيت وقت الطعام حتى يضطر صاحب البيت إلى الإذن للملازم في أن يطعم عنده.
* * *
سورة ص
وقع فيه قول مجاهد [٦: ١٥٥، ١١]:
(سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ (أي في ص) فقال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾؟ [الأنعام: ٩٠] فكان داود ممن أُمر نبيكم ﷺ أن يقتدي به فسجدها رسول الله ﷺ ).
يريد أن رسول الله ﷺ سجدها فنسجدها، فأبعد الاستدلال واستنبط أن رسول الله ﷺ ما سجدها إلا لأن الله أمره بأن يقتدي بأنبياء عددهم، منهم داود، وقد سجد داود فاقتدى به رسول الله ﷺ عند ذكر موضع سجوده.
стр. 178
هذا حاصل مطوي كلامه، وهو استيناس وليس باستدلال؛ لأن الله أمر رسوله بأن يقتدي بالأنبياء في أعمالهم وهديهم لا في محاكاة أعمالهم إذا حكيت عنهم، وإلا لعمل كل عمل قصه الله عن بعض أنبيائه.
وقد روى النسائي بسنده إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «سجدها داود توبة ونسجدها شكرًا» أي: شكرًا لله على أن قبل توبة داود، إذ قال: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ [ص: ٢٥]؛ وذلك أن قبول الله توبته منة من الله على رسول من رسله، فحقيق لرسوله أن يشكرها؛ لأنها عناية من الله برسول من رسله إزلافًا لمرتبة الرسالة. وذلك يبشر جميع الرسل بأنهم بمراتب القرب. فعند قراءة تلك الآية يتذكر الرسول نعمة الله على رسول مثله، ومن شأن الأماثل أن يستبشروا بما ينال أهل الفضل، كما قال النابغة:
وكنت أمرأ لا أمدح الدهر سوقه ... فلست على خير أتاك بحاسد
* * *
سورة المؤمن
وقع فيه قوله [٦: ١٥٨، ١٥]:
(ويُقال: بل هو اسم لقول شُريح بن أوفى:
يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم).
وجه الاستدلال أن شريحًا عربي، وقد أجرى في شعره إعراب النصب على لفظ (حاميم)، فلولا أنه علم انه اسم للسورة لما أعربه؛ لأن حكم الحروف إذا هُجيت أن تُحكى بحال الوقف، نحو: ألف، لام، ميم.
وهذا الاستدلال غير ناهض؛ لأن تلك الحروف لما اشتهرت بها السورة جاز أن يعامل مجموعها معاملة الاسم، وأن تجري عليها أحكام الأسماء في تلك الحالة، أو هو ضرورة.
* * *
стр. 179
باب ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ فأَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣]
وقع فيه قول ابن مسعود [٦: ١٦١، ١٣]:
(اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي؛ كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ وقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا).
وجه قلة فقه قلوب هؤلاء الثلاث:
أن أولهم: كان شاكًا في إحاطة علم الله بالواقعات.
والثاني: كان أجهل من الأول؛ لأنه قصر علم الله على الجهر من الكلام دون السر مع أن الجهر لا أثر له في ذلك.
والثالث: كان أقل منهما جهلاً؛ لأنه علم أن الجهر والسر سواء بالنسبة إلى علم الله؛ إذ ليس ثمة قرب مكان، ولكن قلة فقه قلبه أنه أبطل التفرقة بين الجهر والسر ولم يتوصل إلى الجزم بأن الله يعلم قولهم.
* * *
باب قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]
فيه قول طاوس [٦: ١٦٢، ٧]:
(أن ابن عباس سُئل عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فقال سعيد بن جُبير: قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة).
قوله لابن جبير: «عجلت»، أي عجلت في الجواب عن غير تأمل فأخطأت.
وكان سبب عجلة سعيد أنه قد شاع بين العامة المتشيعين لعلي وابنيه ﵃ أن فهموا قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] أن الله أمر نبيه أن يوصي الناس بأن يودوا أقاربه.
وإنما عده ابن عباس عجلة مذمومة؛ لأنه لم يُجد النظر في موقع حرف (في) الذي هو للتعليل. وأن الخطاب للكافرين الذين تكرر الخطاب لهم في تلك السورة
стр. 180
إلى قوله: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾. ثم قال: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. فكان من إعذار الله إلى المشركين أن نبَّههم إلى أن الرسول ﷺ لا يطلب منهم نفعاً لنفسه إلا أن يودوه لأجل قرابته من بطون قريش ومن حولهم. وذلك من دأبهم فقد دعاهم إلى ما يعرفون، أي لا أسألكم إلا المسالمة وترك الأذى فالمراد بالمودة ترك ضدها.
ولو كان المراد مودة المؤمنين لآل النبي لسمج الكلام؛ لأن المؤمنين لا يظن بهم أن يتوهموا أن النبي يرجو منهم نفعاً، فإن كان يرجوه فإنما يرجو أن ينصروا الله ويخلصوا الإيمان.
وأيضاً فإن «القربى» اسم للمعنى الذي به يكون القريب قريباً، فالمودة لأجلها.
ولما لم تضف «القربى» إلى ما يعين نسبتها تعين أن المراد الجنس الذي بين المتكلم والمخاطب. وأما لو كان المراد قربى الرسول، أي أهل قرابته، أي أقاربه، فلا يحسن جلب حرف (في)؛ لأن القريب مودود لا مودود لأجله.
* * *
باب ﴿ونَادَوْا يَا مَالِك﴾
فيه حديث يَعْلى بن أمية [٦: ١٦٣، ٩]:
(سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿ونَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّك﴾).
مراده بهذا الحديث توهين قراءة من قرأ (نَادَوْا يَا مَال) بالترخيم وهي قراءة علي وابن مسعود. فأراد يعلى بن أمية توهينها من جهة السند.
وكان ابن عباس ردَّها أيضاً من جهة المعنى، فقال: ما كان أغنى أهل النار عن الترخيم، يعني أن الترخيم تفنُّن وتلطف في الكلام، والذين في النار في النار هم في شاغل عظيم عنه. واعلم أن كلا الأمرين لا يردُّ صحة القراءة؛ لأن النبي ﷺ قد يقرأ بالقراءتين وبأكثر، كما جاء في حديث اختلاف عمر مع هشام بن حكيم في سورة الفرقان، واختلاف أُبَيِّ بن كعب مع عبد الله بن مسعود في سورة الحواميم. وصوب رسول الله ﷺ كّلاً منهم.
وأما من جهة المعنى فقد يكون مخاطبتهم مالكاً خازن النار بالترخيم تزلُّفاً إليه وترقيقاً له على حالهم.
следующие страницы →