← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 133359

النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح

ابن عاشور

Полный текст (280 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهكذا وهكذا») [٤: ١١٠، ١١٢]. والحاصل أن تصرف مروان كان تصرف إمارة لا تصرف قضاء، وهو أوسع من تصرف القضاء، ويدل لذلك أن البيتين والحجرة لم تكن في يد آخر، فليس ادعاء بني صهيب إياها بنازلة قضائية، بل الظاهر أن مروان أراد نزعها منهم ظناً بأن تصرفهم فيها تصرف افتيات أو انتفاع؛ فلذا احتاج إلى إثبات أن رسول الله ﷺ أعطاها صهيباً. وإطلاق اسم الشهادة على خبر ابن عمر تسامح، وربما يؤيد ذلك بمجيء لام القسم في قوله: «لأعطى رسول الله ﷺ صهيباً ..... » إلخ؛ لأن التأكيد بالقسم من خصائص الخبر دون الشهادة، وإن كانت الشهادة خبراً. فإن قيل: يمنع من هذا قول الفقهاء: «إن إحياء الموات والإقطاع لا يكون في المدن والمعمور من الأرض». قلنا: تصرف رسول الله ﷺ في ذلك بالمصلحة التي تقبل من غيره، ولعله أراد تعمير ما حول المسجد أو لغير ذلك، على أن الاختلاف كثير في أحكام الإقطاع وصفاته. والوجه الثاني: أن يكون مروان جعل شهادة ابن عمر مع حيازة أبناء صهيب بمنزلة حصول شاهدين؛ لأن الحوز شاهد عرفي؛ لأن الأصل عدم العداء، وقد اعتبرنا الحوز شاهداً عرفياً في بعض المسائل مثل حوز الرهن، وإرخاء الستر على المرأة، وعند تكافؤ البينتين المتعارضتين؛ لكنا اعتبرناه كذلك في أنه يعضد باليمين، ولا بعد في أن يحمل كذلك إذا عضد بشاهد آخر وهو أحرى بالاعتبار من الاعتضاد باليمين، فهذا تفسير هذا الحديث. * * *

стр. 72

كتاب الشهادات باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود [٣: ٢٣٢، ٢٠]: (وقال النبي ﷺ : «شاهداك أو يمينه». وقال قتيبة: حدثنا سفيان عن ابن شبرمة قال: كلمني أبو الزناد في شهادة الشاهد ويمين المدعي، فقلت: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قلت: إذا كان يكتفى بشهادة شاهدٍ ويمين المدعي فما تحتاج أن تذكر إحداهما الأخرى، ما كان يصنع بذكر هذه الأخرى؟ ). ظاهر الترجمة: أن البخاري ﵀ لا يرى القضاء بالشاهد ويمين المدعي في الأموال؛ ولذلك ترجم بما يقتضي حصر اليمين في كونها على المدعى عليه في الأموال والحدود. واحتج الحديث: «شاهداك أو يمينه» المقتضي منع خلو القضاء للطالب عن أحد أمرين: إما أن يأتي بشاهدين، أو يحلف المدعي عليه ولم يقل له: أو شاهد مع يمينك، واستأنس لذلك بما احتج به عبد الله بن شبرمة على أبي الزناد، وهو دليل ضعيف؛ لأن طرق الحق غير منحصرة فيما جاء به القرآن، فإن السنة قد أثبتت أشياء كثيرة لم ترد في القرآن. والقول الفصل في هذا: أن القرآن أخبر بطريق كمال التوثق للحقوق في المعاملات المالية، وذلك بإعداد الشهادة على التداين حتى لا تكثر الخصومات، وسكت عما عدا ذلك؛ لأنه لا يحب تقصير الناس في ذلك بالتفريط، فإن وقع التفريط فقد بينت السنة أن للحق طريقاً آخر يصار إليه عند الاضطرار من يمين المدعى عليه، أو يمين المدعي مع شاهده، فليس في القرآن شرع يمين المدعى عليه، وقد ثبت بالسنة إذا لم يجد المدعي بينة، فالقرآن بين لنا سبيل التوثق، والسنة أثبتت حكم عدم ذلك، فإنه لما عجز المدعي عن البينة نهض إنكار المدعى عليه، فكمل نهوضه بيمينه. وهنالك حالة مركبة منهما، وهي أن يوجد جزء بينة، أي شاهد واحد ذكر

стр. 73

أو امرأتان فقط، وحكم هذه الحالة ثبت في السنة أن المدعي يكمل شهادته بيمينه، كما كمل المدعى عليه نهوض إنكاره بيمينه، وأي بدع في ذلك؟ وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قضى بالشاهد واليمين، وهو في صحيح مسلم مسنداً، وفي الموطأ مرسلاً عن محمد بن علي بن الحسين، ومضت السنة به في المدينة دار العلم والسنة. وقد تصدى مالك ﵀ في الموطأ إلى رد قول ابن شبرمة ودليله؛ فقال: «فمن الحجة على من قال ذلك القول إن يقال له: أرأيت لو أن رجلاً ادعى على رجل مالاً، أليس يحلف المطلوب: ما ذلك الحق عليه، فإن حلف بطل ذلك عنه، وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق: إن حقه لحق، ويثبت حقه على صاحبه. فهذا ما لا اختلاف فيه عند أحد من الناس ولا بلد من البلدان فبأي شيء أخذ هذا أو في كتاب الله وجده. فإن أقر بهذا فليقر باليمين مع الشاهد، وإن لم يكن ذلك في كتاب الله. وإنه ليكفي من ذلك ما مضى من السنة، ولكن المرء قد يحب أن يعرف وجه الصواب ومواقع الحجة. ففي هذا بيان إن شاء الله. * * * باب القرعة في المشكلات فيه حديث النعمان بن بشير رضي لله عنهما [٣: ٢٣٧، ١٦]: (قال النبي ﷺ : «مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينةً فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين أعلاها فتأذوا به فأخذ فأساً فجعا ينقر أسفل السفينة فأتوه» فقالوا: ما لك؟ قال: «تأذيتم بي ولابد لي من الماء. فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم»). وقع هذا الحديث في كتاب الشركة [٣: ١٨٢، ١٤] من رواية زكرياء عن الشعبي بلفظ: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها». واللفظ لفظ رسول الله ﷺ -

стр. 74

فالظاهر أن النعمان حدث به مرة بلفظ: «القائم» ومرة بلفظ: «المدهن»، فيتعين أن يكون اللفظان بمعنى واحد، فالمراد بـ «القائم». الواقف عند الحد لم يقتحمه ولم يبعد عنه، فهو يرى الواقع في الحدود، ولكنه لا يقع معه. وكذلك «المدهن»: هو الذي يرى الواقع في الحدود ولا يجترئ على أنه ينهاه ويمنعه، فهو يصانعه؛ فلذلك سمي مدهناً؛ لأن الإدهان هو المصانعة. ولعل رسول الله ﷺ قد مثل مرة بالقائم ومرة بالمدهن، وسمع منه النعمان بن بشير كليهما، فحدث مرة بهذا ومرة بهذا، أو كذلك حدث الشعبي عن النعمان بن بشير. وقوله: «كمثل قوم استهموا سفينة» إلى قوله: «فأخذ فأساً» هو تمهيد للتمثيل المقصود التشبيه به، وليس هو جملة التمثيل، ولكنه تصوير للحالة التي يترتب عليها التمثيل. فمحل التمثيل هو قوله: «فأخذ فأساً» إلى آخر الحديث. وقد فُهِم من قوله: «فإن أخذوا على يديه» وقوله: «وإن تركوه» إلخ، تفصيل حالتي المدهن، أي إن استمر المُدهن على إدهانه أهلك وهلك، وإن أخذ بالنهي والزجر أنجى غيره ونجا. فالمشبه بالفريق الذي في أعلى السفينة هو غير الواقع في حدود الله باختلاف حالتيه، والمشبه بالفريق الذين أخذوا ينقرون السفينة هو الواقع في حدود الله. * * *

стр. 75

كتاب الصلح باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلان .... إلخ فيه قوله في حديث البراء بن عازب [٣: ٢٤٢، ٦]: «فلما دخلها ومضى الأجل أتوا علياً فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل». أي فلما دخل رسول الله ﷺ مكة معتمراً ومضت ثلاثة الأيام المشترطة على المسلمين، أي أصبحوا في اليوم الرابع، ولم يأمر رسول الله ﷺ المسلمين بالخروج. وفي ذلك سرٌّ دقيق من أسرار الوفاء بحقوق الله. فإن المشركين منعوا رسول الله ﷺ من إقامة أكثر من ثلاثة أيام ظلماً منهم، إذ لا حق لهم في المسجد الحرام، وما كانوا أولياءه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ .... ﴾ [البقرة: ١١٤]. فلما التزم لهم رسول الله ﷺ بما اشترطوا عليه كان التزامه من ارتكاب أخف الضررين؛ كيلا يمنعوه من دخول مكة بتاتاً. ولما كان ذلك الشرط إنما لزمه لأجل اشتراط المشركين عليه لم يكن من أداء حق الله تعالى في الدفاع عن الحق المغصوب أن يبدأ بالخروج قبل أن يأمروه به، لجواز أن تسمح نفوسهم بزيادة بقائه، فيكون في بقائه زيادة من العبادة والتمتع بالحق المسلوب. وليس في تأخيره الخروج إبطال للعهد؛ لأنهم لما أمروه الخروج لم يمتنع منه. وهذا العمل أصل عظيم للمسلم في تبرئة ذمته من التقصير في الأمور الدينية بقدر الإمكان والاستطاعة، فتلك معذرة إلى الله تعالى. وبهذا نعلم أن من فسر قوله: «ومضى الأجل» بمعنى قرب مضيه لئلا يلزم عدم الوفاء بالشرط، فد أخطأ فهماً ونظراً؛ أما الفهم فلأن قوله: «قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل» صريح في أنه مضى الفعل، أو ما كان لهم أن يقولوا له: «اخرج عنا» قبل مضيه. وأما النظر فلتعليله المغفول فيه كما بيناه. * * *

стр. 76

باب الصلح مع المشتركين وقع في حديث سفيان عن أبي إسحاق عن البراء [٣: ٢٤٢، ١٩]: «ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه». فُسِّر الجُلُبَّان هُنا بأنواع من نفس السلاح؛ على أن إضافة الجُلُبان إلى السلاح إضافة بيانية. وقد فسِّر في رواية شعبة عن أبي إسحاق عن البراء [٣: ٢٤١، ١٨]: الجلبان بالقراب بما فيه. والحق هو تفسير رواية شعبة. وإضافته إلى السلاح من إضافة الظرف إلى المظروف، ولكن لما كان الجلبان اسماً للجراب من الأدَم الذي يوضع فيه السيف والسوط كان إطلاقه على السلاح كناية ظاهرة، إذ المقصود المظروف لا الظرف، فذلك وجه تفسير سفيان. والظاهر أن قوله: «والقوس» سهو، وأن صوابه: والسوط؛ لأن القوس لا يسعه الجلبان. ومقصد المشركين من هذا الشرط أن يكون معه السلاح المحتاج إليه لدفع العوادي دون السلاح المستعمل في الحرب والغارة وهو الرمح والقوس. * * * باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث وقع في حديث جابر قوله [٣: ٢٤٦، ٣]: «وفضَل ثلاثةَ عشَر وَسْقًا: سبعةٌ عَجوةٌ وَسِتَّةٌ لَوْنٌ». مثبت في جميع النسخ برفع «عجوة ولون» على اعتبار قول: «سبعة وستة» مرفوعين على الابتداء، واعتبار «عجوة ولون» مرفوعين على الخبرية؛ على أن المقصود الإخبار دون التمييز؛ لأن اسم العدد وقع تفصيلاً لمجمل قبله، وهو قوله: «ثلاثة عشر وسقاً»، فصار اسم العدد حينئذ بمنزلة الجزئيِّ من الكلِّيِّ، فصحَّ جعل اسم العدد مبتدأ ليخبر عنه بالأعمِّ منه بهذا الاعتبار. وهو في هذا الاستعمال أولى سبعة عجوةً وستة لوناً، بنصب «عجوة ولوناً» لجاز، على تقدير خبر دلَّ عليه التفصيل، تقديره: سبعة منها عجوة وستة منها لوناً. * * *

стр. 77

باب ما يجوز من الشروط ووقع فيه قول عائشة ﵂ [٣: ٢٤٧، ٨]: «كان رَسُول اللَّهِ ﷺ يمتحنهن بهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ .... ﴾) [الممتحنة: ١٠]. الباء في قولها: «بهذه الآية» للسببية متعلقة بـ (كان)، أي كانت هذه الآية هي الموجب لامتحانهن، وليست متعلقة بـ (يمتحنهنَّ)؛ لأن الآية التي فيها صفة الامتحان هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية. * * * باب إذا اشترط في المزارعة: إذا شئتُ أخرجتُك [٣: ٢٥٢، ٢] أي باب يذكر فيه هذا الشرط. وليس مقصود البخاري من هذه الترجمة أن ذلك جائز؛ لأن الحديث الذي أخرجه هنا إنما هو من إقرار الفاتح أهل الأرض في الأرض العنوة لمصلحة للأمة فليس لأهل الأرض حق فيها، وليست الزراعة بمقصودة، فلذلك جاز له أن يقرَّهم ما شاء، وليست عقود المزارعة التي تنعقد بين الناي بعضهم مع بعض مثل ذلك، ولا يجوز فيها مثل هذا الشرط، بل يتعين جعلها إلى أجل تتحصل فيه الحبوب المزروعة ويتفقان عليه، فلا يجوز لرب الأرض إخراج عامل المزارعة. * * وقع فيه عمر لأحد بني أبي الحُقّيْق [٣: ٢٥٢، ١٢]: «كذبْتَ يا عدوَّاللهِ». أغلظ له عمر وسبَّه؛ لأنه نسب رسول الله ﷺ إلى الهزل في قوله له: «كيف بك إذا أخرجت من خيبر»، إذا ليس من شأن رسول الله ﷺ أن يمازح أمثال ابن أبي الحُقَيق، وقد علم عمر أن تلك معجزة لرسول الله ﷺ .

стр. 78

وفي هذا دليل على أن الأصل في كلام الرسول- ﵊ أنه حجة فيما يدلُّ عليه، وأنه لا يقول إلا حقًّا، ولو على سبيل الفرض والتقدير. * * * باب الشروط في الجهاد وقع فيه قوله [٣: ٢٥٦، ٢]: «فقال سهيل وعلى أنه لا يأتيك منَّا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا». هكذا ثبت في رواية معمر عن الزهري، وإذا كان كذلك كتب سهيل فهي زلَّة سياسية غليه فيها الاستعمال الشائع من إطلاق الرجل على الإنسان مطلقاً مثل المرء؛ إلا أن مقامات التوثق في الشروط يجتنب فيها اللفظ الموهم، فإذا كان كذلك كان امتناع رسول الله ﷺ من ردِّ المؤمنات المهاجرات إلى المشركين غير ناقض لشروط العهد. وقد كان ذلك لسه لطفاً من الله بالمسلمين، فيكون قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] بياناً للحالة التي لا يرجعن فيها إلى المشركين، وليس نسخاً لشرط الصلح؛ إذ النسخ لا يتعلق بشروط العدوِّ. * * * باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا فيه قول ابن سيرين [٣: ٢٥٩، ١٣]: (قال رجل لكريه أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه شيئًا طائعًا فهو عليه). فقوله: «فقال شريح» عطف على مقدار معلوم من السياق، تقديره: «فتخاصما، فقال شريح»؛ لأن شريحاً كان قاضياً بالكوفة فقضى بما دلَّت عليه قضية قوله: «من شرط على نفسه شيئاً طائعاً فهو عليه»، أي فقضى على الرجل بدفع المائة الدرهم. وذكر مستند حكمه وهو أن يلزم الرجل ما ألزمه لنفسه. ففي الكلام إيجاز الحذف كقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].

стр. 79

كتاب الوصايا (والوقف) باب أن يَتْرُكَ ورثته أغنياء ففيه حديث سعد بن أبي وقاص ﵁[٤: ٣، ١٢]: «قُلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كُله؟ قال: «لا» قلت: فالشطر؟ قال: «لا». قُلت: فالثلث؟ قال: «فالثلث والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» الخ) جعل الفقهاء هذا الحديث أصلاً في الوصية الجائزة، وأفتوا بردِّ ما زاد على ثلث المال في الوصية. وقد ذكر البخاري في الباب بعده قول ابن عباس [٤: ٣، ٢٠]: (لوْ غضَّ النَّاس إلى الربع؛ لأن رسُول الله ﷺ قال: «الثلث والثلث كثير»). وهو استدلال مشكل؛ لأن حديث سعد خبر واحد، وليس يوجد غيره مما يدلُّ على تعميم التشريع في هذا الباب وإعلانه وردَّ ما زاد على الثلث. وقد جرى ذلك بين رسول الله ﷺ وبين سعد في حال استشارة، فهي قضية عين، فيحتمل أن رسول الله ﷺ أشار على سعد بالأفضل، ويحتمل أن ذلك كان لأجل افتقار ورثة سعد، كما هو صريح قول رسول الله ﷺ : «خَير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس»، فكانت الوصية بما يتجاوز ثلث المال إضراراً بهم. وقد قال الله تعالى لما ذكر الوصية في كتابه: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، [النساء: ١٢] فيظهر أن ملاك جواز الوصية هو ما لا يضر بالورثة: من تركهم في حاجة، أو قصد حرمانهم وإبعادهم عن ماله، كما يفعله بعض المُغرضين؛ إلا أن ضبط ذلك ليس بالأمر السهل. فلعل عسر انضباطه هو الذي حمل العلماء على المصير إلى إشارة النبي ﷺ مع اعتبار المال في حالة المرض المخوف قد صار فيه حق الوارث، وسماح الوارث بحقه متفاوت بتفاوت سخاء النفوس. فلما كان المقدار الذي أشار به رسول الله ﷺ على سعد مقداراً جائزاً لا محالة في حالة فقر الوارث، كان محل وفاق بين العلماء، وكان الزائد عليه محتملاً ومتفاوتاً؛ فألغوا تفاوته وتفاوت أحوال الورثة لعسر الانضباط، وجعلوا باب إجازة الوارث مفتوحاً ليتحقق به مقدار سماح الوارث؛ ولذلك كان قول

стр. 80

الظاهرية بإبطال ما زاد على الثلث، ولو أجازه الورثة، خطاً بيِّناً. واعلم أنه قد أقيم النظام البشري على اعتبار أواصر كثيرة: أعلاها آصرة القرابة والزوجية؛ فلذلك اعتبارها الإسلام موجباً لانتقال مال الميت بعده تأكيداً لتلك الآصرة. والإشراف على الموت يشرف بالمال على مصيره حقاً للأقارب. وقد ترك الله منه حقاً لربه أن يوصي به لمن يشاء، وحدده بأن لا يكون مُضاراً، فجمعت السنة بين الحقين وأبقت حق الوصية محترماً؛ فلذلك لم تجز الوصية للوارث، وجعلت حق القرابة محترماً، فلم تجز وصية بأكثر من الثلث. باب قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فيه قول البخاري: [٤: ٥، ١٥]: (وَقدْ قالَ رسول الله ﷺ : «إيَّاكم والظنَّ فإنَّ الظَّنأكْذبُ الْحديثِ»). وهو صدر حديث رواه مالك في الموطأ، وأسنده البخاري عنه في كتاب الأدب [٨: ٢٣، ١٢]، وهو أصل عظيم. والمراد بالظن، المحذر منه، الظن الذي لا دليل عليه. والبخاري كغيره، من الذين جعلوا الأثر هو الأصل الأول في الفقه، يرون أن الظن الذي يعضده الكتاب أو السنة لا يحتج به؛ لأنه عرضة للخطأ، فلذلك جعل هذا الحديث أصلاً رد به على أبي حنيفة في استدلاله بالاستحسان كما هنا، وفي مواضع أخرى تأتي في أبواب هذا الجامع. فمقصده من ذكر هذا الحديث هنا الرد على ما حكاه عنه بقوله [٤: ٥، ١٤]: «ثُمَّ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ: يَجُوزُ إِقرَارُهُ بِالْوَدِيعَةِ وَالْبِضَاعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ»، أي أثبت تفرقة فيما تسلط عليه الإقرار لا دليل عليها من السنة، وليس مراد البخاري الرد على قول أبي حنيفة: «لا يجوز إقرار المريض بالدين للوارث لسوء الظن بالمقر»؛ لأن سوء الظن إذا كان بمعنى التهمة، كما أراده أبو حنيفة، يبعد أن يكون دليلاً، فقد قال به كثير من العلماء في مواضع، وفي مقدمتهم مالك بن أنس في هذا الباب

стр. 81

باب الإقرار على تفصيل فيه، وهذا مجال واسع للاجتهاد، وقد أظهر البخاري فيه رأيه الذي أصله في مواضع كثيرة. * * * باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٨] فيه قول ابن عباس ﵃[٤: ١٠، ١٣]: «إِنَّ نَاساً يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نُسِخَتْ وَلا وَاللهِ مَا نُسِخَتْ وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ، هُمَا وَالِيَانِ: وَالٍ يَرِثُ وَذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ، وَوَالٍ لا يَرِثُ كَوَليِّ اليَتِيم فَذَاكَ الَّذِي يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ يَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ». إن أهل الفقه أجمعوا على أن ليس لأحد من المخاطبين في هذه الآية أن يعطي بعض من حضر قسمة الميراث شيئاً لا يملك هو أن يتصرف فيه، ولكنهم لما أشكل عليهم إطلاق الأمر بالإعطاء في الآية قال بعضهم برأيه: لعل هذا كان قبل شرع الميراث فإذا أوصى الميت بماله كان أولياء وصيته مأمورين أن يعطوا عند قسمة المال شيئاً لمن يحضر من قرابة الميت والمساكين والضعفاء بالاجتهاد تأنيساً لهم من انكسار رؤية الأموال تقسم في غيرهم، وقد كان من عادة العرب أن يوصوا بأموالهم لمن يعينونه، ويقيموا وصياً يتولى تنفيذ الوصية، وهو أصل اسم الوصي، وقد أوصى نزار بن معد بن عدنان بقسمة أصناف ماله بين أولاده: مضر، وربيعة، وأنمار، وإياد، وأقام الأفعى الجرهمي وصياً ينفذ وصيته، وكانوا ربما حرموا بعض قرابتهم وأزواجهم وبناتهم. فلما نسخ الله شرع الجاهلية ابتدأهم بأن أمر متولي تنفيذ الوصية بأن يرزقوا من حضر القسمة تطييباً لخواطرهم، ثم شرع الميراث على حسب القرابة المبينة في آية المواريث، فنسخ الأمر بإعطاء من حضر القسمة، هذا وجه هذا القول، وليس في الآثار الصحيحة ما يشهد لوقوع هذا التدرج في شرع الميراث وهو محتمل، وما بينوا إجماله الذي سموه نسخاً إلا بمراعاة أحوالٍ شهدوها. وقال بعضهم برأيه: لا حاجة إلى ادعاء النسخ، والآية مستقلة بمعناها، قابلة للعمل بمؤداها، وهو أن يكون الله أمر الورثة أن يعطوا من يحضر القسمة- من

стр. 82

ذوي القرابة الذين لا يرثون، والفقراء، والأيتام الذين لا أموال لهم، فهم ضعفاء للعجز عن التكسب- نصيباً من المال المقسوم، تطييباً لخواطرهم، واقتلاعاً لنزعات التلهف والحسد من قلوبهم. وهذا قول ابن عباس، إلا أن ابن عباس جعل قوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء: ٨] وقوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] أمرين؛ إن أمكن امتثالهما كليهما وجب العمل بهما، وإن تعذر أحدهما عمل بالآخر، فالذين يتولون القسمة مأمورون بهذا العطاء، ومأمورون بإحسان القول إليهم، كيلا يوحشوهم بما يدل على التحقير والملل من ذلك العطاء؛ لأن المقصد من العطاء هو التألف وجبر الكسر القلبي، فلا يقارن بما ينقض المقصود منه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] الآية، وقال النابغة: علي لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب وقول ابن عباس: «هُمَا وَاليَانِ» أعاد الضمير على شيء مفهوم من المقام من قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨]، فـ «واليان» هو تثنية (والٍ) بمعنى الذي يلي القسمة، أي هما صنفان: صنف بقسم ويرث، وصنف يقسم عن غيره وهو ولي اليتيم إذا كان في الورثة صغار، فليس مراد ابن عباس أن الله أمر احد الفريقين بالإعطاء، وأمر الآخر بأن يقول لهم معروفاً، وإنما أراد أن أحدهما مأمور بشيئين، والآخر مأمور بالقول المعروف خاصاً؛ إذ لا يملك غيره ولا يأمره الله إلا بما يمكنه، فإجمال الآية اقتضاه الإيجاز ويبينه الفهم المستقيم وهذا هو القول الأسد. * * * باب إذا قال الواقف: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله فهو جائز [٤: ١٥، ١٩] لعل البخاري أراد من هذه الترجمة الرد على أي حنيفة وغيره من فقهاء الكوفة، إذ منعوا الوقف، ورأوه من قبيل السائبة؛ لأن الواقف يجعل الموقوف ملكاً لله؛ فقالوا: هذا يشبه جعل المشركين الشيء ملكاً للآلهة. ووجه القياس عندهم انه تعطيل لملك الناس، وصرفه إلى من لا يستفيد من الملك، فلذلك كان شريح إذا سئل عن الوقف، يقول: لا سائبة في الإسلام.

стр. 83

وأثر ذلك أيضاً عن أبي حنيفة، فكان استدلال البخاري بقول الأنصار للنبي ﷺ : «لا نطلب ثمنه إلا إلى الله» إبطالاً لهذا القياس، فإنهم جعلوه بيعاً لله، وثمنه هو ثواب الله، وصرفوا ملكهم عن الموقوف إلى الله، فليس في قولهم ذلك شبه بالسائبة، وكان ذلك عقداً صحيحاً، فبطل قول أبي حنيفة: إنَّ الوقف باطل شرعاً. ويترتب على البطلان عدم ترتب آثار العقد التي منها لزومه للواقف، فهو عندهم باطل غير لازم، خلافاً لمن تأول عن أبي حنيفة أنه عَنى عدم اللزوم لا البطلان الشرعي. * * * باب إذا وقف أرضاً ولم يبين الحدود فهو جائز وقع فيه حديث مالك في تصدق أبي طلحة الأنصاري بيرحاء، وقول النبي ﷺ له [٤: ١٣، ١٤]: «بخ ذلك مال رابخٌ». وذكر البخاري اختلاف الرواة عن مالك في قول النبي ﷺ : «رابح»، فروي بالباء الموحدة بعد الألف، وهي رواية عبد الله بن مسلمة عن مالك، وروي بالهمزة بعد الألف، وبعضهم عبر عنها بالياء، وهي رواية إسماعيل بن أبي أويس وعبد الله ابن يوسف ويحيى بن يحيى التميمي عن مالك [٤: ١٣، ١٧]. فأما رواية الباء الموحدة فلا خفاء فيها. وأما رواية الهمزة فمعنى «رائح» من الرواح، أي الرجوع من المرعى، وضده الغدو، والمعنى تشبيه تلك الصدقة في ثواب صاحبها بالمال، أي الإبل التي تروح لصاحبها بعد الرعي، فيحلبها ويشرب هو وأهله من ألبانها. وفي حديث أبي هريرة قال النبي ﷺ [٣: ٢١٦، ١٦]: «نِعْمَ الْمَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ». * * *

стр. 84

كتاب الجهاد والسير فيه قول عبد الله بن مسعود [٣: ١٧، ١٨]: «فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي». أي لأن أعمالاً كثيرة لم يسأله عنها وهي متفاضلة. وأما قول: «لزادني» فإنما حصل له الجزم بذلك لما يعلمه من محبة رسول الله ﷺ إياه وإقباله عليه، فحصل من مجموع الأمرين الجزم بأنه لو استزاده في السؤال لزاده. * * وفي حديث عائشة [٣: ١٨، ٣]: «أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلا نُجَاهِدُ قَالَ: «لَا، لَكُنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ»». روي «لَكُنَّ» بلام الجر وكاف خطاب النسوة. فالمعنى عليه: لكن كأفضل الجهاد الحج. فالكلام على التشبيه البليغ بقرينة أن الحج مغاير للجهاد. وإضافة (أفضل) إلى (الجهاد)؛ لأن الجهاد بعضه أفضل من بعض، فالحج المبرور للنساء كأفضل الجهاد للرجال. وروي «لكِنَّ» بحرف الاستدراك، أخت (إنَّ)، وهو استدراك على مقدَّر أفهمه سياق كلام عائشة في قولها: «نرى الجهاد أفضل العمل». والتقدير: ليس هو بأفضل العمل للنساء، لكن أفضل الجهاد حجٌّ، أي لكن أفضل الجهاد للنساء حجٌّ مبرور. والكلام أيضاً على التشبيه البليغ كما قررناه آنفاً. * * * باب فضل الصوم في سبيل الله [ ٤: ٣٢، ١] (عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً»). ظاهر الحديث أن المراد منه الصوم عند الاشتغال بالجهاد، وعلى ذلك بني

стр. 85

البخاري ترجمته ووضعه في كتاب الجهاد. فإذا كان على ظاهره فليس المراد منه الترغيب في الصوم في وقت الاشتغال بالجهاد، ولكن المراد منه أن من لم تصده مشقة الجهاد عن التطوع بالصوم، لاسيما إذا كان له عادة في صوم أيام معينة، فهو قد حمله الاحتساب لله على تحمل مشقتين، فأعطي ثواباً جزيلاً حاصلاً من كلتا المشقتين، لكمال إيمانه واحتسابه، وذلك إذا لم يجر إليه نقصاً من أعمال الجهاد. ويحتمل أن يكون المراد الصائم الذي قصد من صومه التفرغ للجهاد، والعون عليه بقلة الحاجة إلى الطعام، وطرح كلفة الغذاء ليكون نهاره كله شغلاً بإعداد عدد الجهاد. فهو على هذين الاحتمالين لا يعارض الآثار التي فيها الأمر بالفطر في الجهاد مثل قوله ﷺ : «تَقَوَّوْا لعِدوِّكم .... ». ويجوز أن يكون المراد: «في سبيل الله» أي: لوجه الله، واحتساباً له، فهو وزان قوله ﷺ [٣: ٣٣، ١١]: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». وهذا احتمال ضعيف ذكرناه؛ لأنه جار مجرى التأويل. * * * باب من استعان بالضعفاء والصالحين فيه حديث مُصْعَبْ بْنِ سَعْدِ بنِ أبي وقاص [٤: ٤٤، ١٣]: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ؟ »). الاستفهام هنا في معنى النفي كما يدل عليه الاستثناء، فالصيغة صيغة حصر، وهو حصر ادعائي مقصود به المبالغة في الإخبار عن عناية الله تعالى بالضعفاء من المسلمين ليعلم الناس أن للضعفاء الحظ الأوفر في تيسير الله النصر والرزق لسائر الأمة. والمراد بالضعفاء المتصفون بالضعف، وهو ضد القوة التي هي في الأصل المقدرة البدنية، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾. [الروم: ٥٤] وقد وقع التوسع فيها في الشائع من الاستعمال، فصارت القوة بمعنى كل ما يستطيع به المرء دفع الضرر والأذى عن نفسه ببدنه أو عشيرته أو ماله أو جاهه. فإن كل ذلك مما يصرف الناس عن أذاه، وبضد ذلك الضعف، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: ٥]، وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، [النساء: ٧٥] وقال: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، [الأنفال: ٦٦]

стр. 86

وقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١]. وقال الحماسي: لقد زاد الحياة إلي حباً ... بناتي إنهن من الضعاف فالمراد من الضعفاء هنا الفقراء والمرضى والصبيان والأرامل ونحوهم. وقد دلَّ عليه مقابلته بسبب القصة، وهو قول الراوي: «رأى سعد أن له فضلاً على من دونه» أي من حيث غنائه في الحرب. ووجه ما دل عليه الحديث أن الله شديد الرحمة بضعفاء خلقه؛ لأنهم لا يستطيعون حيلة، فكان لطف الله أسرع إليهم منه إلى غيرهم، فإنه إذا ضاقت الأرزاق وجد أهل الثراء والسعة بعض السبيل إلى سد عوزهم وضاق الأمر على الفقراء. وإذا غلب القوم وعزوا وجد الأقوياء ملجأً للفرار والدفاع، والأغنياء فدى لأحبائهم من الأسر، ولأيتام أمواتهم من الحاجة. ولم يجد الفقراء لذلك سبيلاً، فكان تقدير الله معظم النصر للقوم، ومعظم الرزق من آثار رحمته بأولئك؛ لأن جميع أسباب النعم هي من آثار رحمة الله. وقد دلت الآثار المستقراة من الكتاب والسنة على أن الله يعوض عبيده عما أرزأهم من المصائب والعلل، فكان هذا من معنى ذلك. وليس المراد أن غير الضعفاء لاحظ لهم في عناية الله تعالى لطفه، كيف والله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾؟ [الشورى: ١٩]. * * * باب لا يقول فلان شهيد [ ٤: ٤٤، ١٩] هذا تبويب غريب، فإن إطلاق اسم الشهيد على المسلم المقتول في الجهاد الإسلامي ثابت شرعاً، ومطرق على ألأسنة السلف فمن بعدهم. وقد ورد في حديث الموطأ والصحيحين: أن الشهداء خمسٌ غير الشهيد في سبيل الله. والوصف بمثل هذه الأعمال يعتمد النظر إلى الظاهر الذي لم يتأكده غيره، وليس فيما أخرجه البخاري هنا إسناداً وتعليقاً ما يقتضي منع القول بان فلاناً شهيد، ولا النهي عن ذلك. فالظاهر أن مراد البخاري بذلك أن لا يجزم أحد بكون أحد قد نال عند الله ثواب الشهادة؛ إذ لا يدري ما نواه من جهاده، وليس ذلك لمنع من أن يقال لأحد: إنه شهيد، وأن تجري عليه أحكام الشهداء إذا توفرت فيه، فكان وجه التبويب أن يكون:

стр. 87

باب لا يُجزم بان فلاناَ شهيدٌ إلا بإخبار من رسول الله ﷺ ، مثل قوله في عامر ابن الأكوع [٥: ١٦٧، ٨]: «إنه لجاهدٌ مُجاهدٌ». ومن هذا القبيل زجر رسول الله ﷺ أم العلاء الأنصارية حين قالت في عثمان بن مظعون: «شهادتي عليك لقد أكرمك الله» فقال لها: «وما يُدريك أن الله أكرمه؟ ». * * فيه حديث سهل بن سعد [٤: ٤٥، ١٢]: «فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»». يعني: وهذا الرجل، وهو قزمان الذي قاتل أحسن القتال، من الذين عملوا عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار. فإنه لما جرح استعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فدل ذلك على ضعف إيمانه. وذلك ينافي أن تكون شدته في القتال إخلاصاً لله تعالى إعلاءً لكلمته؛ إذ لا يجتمع مصل ذل ك الإخلاص مع مثل هذا الاستخفاف بالعاقبة. إنما كانت شدته في القتال تظاهراً بالشجاعة وولعاً بمنازلة الأبطال. ويحتمل أنه كان يبطن الكفر، وإنما كان يقاتل مع المسلمين حباً للغنيمة، ولعل قول رسول الله ﷺ فيه: «وهو من أهل النار» يؤذن بهذا الاحتمال الثاني. * * * باب التحريض على الرمي فيه حديث سلمة بن الأكوع ﵁: [٤: ٤٥، ١٧]: (قال: مر النَّبي ﷺ على نفر من أسلم ينتصلون، فقال النَّبي ﷺ : «ارْموا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكمْ كَانَ رَامِيا، ارْموا وَأَنَا مَعَ بَنِي فلَانٍ». قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول اللهِ ﷺ : «مَا لَكمْ لَا تَرْمون؟ » قَالوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهمْ؟ قَالَ النَّبِيّ ﷺ : «ارْموا فأنا مَعَكمْ كلِّكمْ»). قول النبي ﷺ : «وأنا مع بني فلان» جريٌ على العادة فيمن يحضر المتناضلين أو المتسابقين أن ينحاز بعضهم إلى بعض المتبارين، بأن يظن بذلك البعض الفوز، وكان ذلك في؟ ؟ ؟ ؟ من المخاطرة على حظوظ المتبارين، وهي ضرب من القمار، فلما جاء

стр. 88

الإسلام بقيت عادة الانحياز وبطلت المخاطرة والمقامرة فلما حضرهم رسول الله ﷺ جرى على العادة لما فيها من بعث الهمم على العناية بتسديد الرمي. ولما سمعه الفريق الذي لم يجعل رسول الله ﷺ نفسه معهم تحرجوا من المناضلة؛ لئلا يجدوا في أنفسهم الحرص على أن يعوقوا فريقاً جعل رسول الله ﷺ نفسه معهم ولقد أحسنوا الفطنة والأدب، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ عدل عن ذلك التخصيص، وجعل نفسه مع الفريقين كليهما، استبقاءً لما في تلك العادة من بعض الهمم. وقد ورد في بعض الروايات أن النضال كان بين اثنين؛ فيكون قول الراوي هنا: «إنه مرَّ على نفر من أسلم» أن النفر كانوا حاضري المناضلة، وليسوا متناضلين، على العادة في شهود المناضلة أن ينحاز جمع لكل فريق، وأن قول رسول الله ﵊: «وأنا مع بني فلان»، أي مع من انحاز إليه بنو فلان لطائفة من أسلم. وشهود الجماعات أمثال هذه الحوادث عادة بشرية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] فأتى بضمير الجماعة وكان الخصم اثنين ﴿قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾. [ص: ٢٢] * * * باب الحرير في الحرب فيه حديث محمد بن سنان عن همام عن قتادة عن أنس [٤: ٥٠، ١٧]: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوَا إِلَى رسول الله ﷺ يَعْنِي الْقَمْلَ- فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الْحَرِيرِ). هكذا وقع في هذه الرواية «يعني القمل»، ووقع في رواية أخرى [٧: ١٩٥، ١٠]: «من أجل حكة كانت بهما». وفي رواية: «لحكة كانت بهما»، فالظاهر أن رواية «يعني القَملَ» وهمٌ؛ إذ ليس الحرير بالذي يزيل القمل. ويحتمل أن مرض الحكة يسمى أيضاً بالقمل عندهم لشبه نزغ الحكة بنزغ القمل، وليس المراد الحشرة المعروفة. * * *

стр. 89

باب دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام ..... إلخ وقع في قول أبي سفيان [٤: ٥٧، ١٧]: «قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللهِ مَا زِلْتُ ذَلِيلاً مُسْتَيْقِناً بِأَنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ قَلْبِي الإِسْلامَ وَأَنَا كَارِهٌ». زيادة «وأنا كاره» انفرد بها صالح بن كيسان عن الزهري، وهي غير موجودة في رواية معمر عن الزهري، ولا في رواية شعيب عن الزهري. وشرحها القسطلاني وحده دون ابن حجر والعيني وزكرياء والكوراني. فقال: «وأنا كاره ذلك يوم فتح مكة، ثم حسُن إسلامه وطاب قلبه»، ولعل مراد القسطلاني بقوله: «ذلك» الإسلام، فيكون المعنى: وأنا كاره الإسلام. وهذا لا يليق؛ لأن أبا سفيان لما أسلم لم تبق فيه كراهية للإسلام، والظاهر أنها عبارة غير مضبوطة الموقع، وأن موقعها عقب قوله: «بأن أمره سيظهر» قصد منها العبرة بحصول الهدى من الله تعالى في قلبه بعدما كان يكرهه، كما قالت هند بنت عتبة: «يا رسولَ الله ما كان أهلُ خِباء أحبَّ إليِّ أن يذلِّوا من أهل خبائك، واليوم ما أهل خباء أحبُّ إليِّ أن يَعزُّوا من أهل خبائك» [٥: ٤٩، ١٧] و [٩: ٨٢، ١٧]. ويدل عليه ما رواه الطبراني عن عبد الله بن شداد عن أبي سفيان قوله: «فما زلت مرعوباً من محمد حتى أسلمت». ذكره ابن حجر في كتاب بدء الوحي (١). وكأن أبا سفيان أراد تصديق قول هرقل [١: ٦، ١٤]: (وكذلك الإيمان حين تخالط بشتاته القلوب. فيكون جملة «وأنا كاره» في موضع الحال من ضمير المتكلم في «ما زلت»، أ] هو مستيقن ذلك وكاره ظهور أمر النبي ﷺ . ولك أن تجعلها حالاً مقارنةً من ياء المتكلم في قوله: «قلبي»، أي: ثم زالت الكراهية. وقرينة ذلك أنه جعل إدخال الله الإسلام متعلقاً بقلبه، وذلك لا يجتمع مع كراهية الإسلام وإلا لما دخل قلبه، بل لسانه وقوله. * * *

стр. 90

باب السمع والطاعة للإمام [ ٤: ٦٠، ١١] أراد به هنا أمير الجيش بقرينة إخراجه في أبواب الجهاد، وقد نبه البخاري بذلك إلى أن اختلاف ألفاظ هذا الحديث يفسر بعضه بعضاً، فعبر في بعضها بـ «أميري» كما في كتاب الأحكام [٩: ٧٧، ١٠]، وعبر هنا مرة بالأميرة ومرة بالإمام، فالمراد الأمير الذي يؤمره رسول الله ﷺ على الجيش؛ إذ لم يكن في زمن رسول الله ﷺ أمراء غير أمراء الجيوش. * * * باب يقاتل من وراء الإمام فيه قوله ﷺ [٤: ٦٠، ١٩]: «وَمَنْ يُطِعْ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي». اللام فيه عوض عن المضاف إليه، أي: من يطع أميري، كما وقع في هذا الحديث في أول كتاب الأحكام [٩: ٧٧، ١٠]. ووجه ذلك أن رسول الله ﷺ لا يؤمر إلا من يعلم أنه صالح بالمسلمين، فعصيانه عصيان للرسول ﷺ فيما توخى من مصالح المسلمين. وليست معصية الأمراء غير الذين أقامهم الرسول بمعصية للرسول ﷺ ؛ لأن الناس لا يثقون بأن ما يأمرون به صلاح، ولذلك ورد في حديث آخر [٥: ٢٠٤، ٥]: «وإنما الطاعة في المعروف». فالواجب عرض ما يأمرون به على المعروف من الشريعة؛ فإن كل موافقاً له وجبت الطاعة وحرمت المعصية، وإن كان خلاف ذلك لم تجب الطاعة ووجب العصيان بقدر الإمكان، إذا لم يفض إلى فتنة أو مفسدة أعظم. * * * باب قتل النائم المشرك وقع في حديث البراء عن عبد الله بن عتيك قوله [٤: ٧٧، ٤]: «حَتَّى سَمِعْتُ نَعَايَا أبِي رَافع».

стр. 91

فـ «نعايا» جمع نعية كولايا جمع ولية، والنعية مؤنث النعي، وهو الذي ينعى الميت كما في قول بثينة: صرح النعي وما كنى بجميل وإنما تصرخ النساء في بيت الميت، فهن النعايا. ثم ينقله الرجال إلى مجامع القوم فهم الأنعياء. * * * باب كتابة الإمام الناس فيه حديث حذيفة [٤: ٨٧، ١٤]: (قالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالإِسْلامِ مِنَ النَّاس» فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفاً وَخَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ، فَقُلْنَا: نَخَافُ وَنَحْنَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ابْتُلِينَا حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَحْدَهُ وَهُوَ خَائِفٌ». لاشك أن مراد رسول الله ﷺ أن يكتبوا له جميع المسلمين من الرجال الذين تحتوي عليهم المدينة خاصة دون من كان من المسلمين من الأعراب النازلين حواليها؛ إذ لا يستطيع أهل المدينة وهم المخاطبون بالأمر إحصاءهم؛ فتعين أن المراد ساكنو المدينة. وأن المراد بهم الرجال بقرينة قول حذيفة: «فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة»؛ إذ لو كان في المعدودين النساء لما كان لعددهم أثر في انتفاء الخوف؛ وأن المراد جميع الرجال الذين تلفظوا بالإسلام، لقوله ﷺ : «من تلفَّظ بالإسلام». فتعين أنه يريد سكان المدينة عدا المشركين منهم. ولو كان المراد إحصاءَ جيش خارج المدينة لما كان لقول رسول الله ﷺ : «من تلفَّظ بالإسلام» موقع؛ إذ لا يكون في الجيش غير المسلمين. فتمحض أن ذلك قد كان في وقعة الخندق؛ لأن جميع أهل المدينة كانوا معدودين يومئذ في الجيش؛ إذ قد كانوا مدافعين عن مدينتهم، ولو كان ذلك في جيش خارج المدينة لما كان في جميع من تلفظ بالإسلام؛ إذ لا يمكن أن يخرج في الجهاد جميع الرجال، وقد أكد ذلك قول حذيفة: «فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة». فإن وقعة الخندق كانت مخيفة لأهل المدينة، إذ جاءتهم الأحزاب من قبائل عديدة، كما وصفها القرآن: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ

стр. 92

الْحَنَاجِرَ﴾ إلى قوله: ﴿شَدِيدًا﴾. [الأحزاب: ١٠] وأما الاختلاف عن الأعمش في العدد، فيحمل على أن سفيان روى عنه عدة جميع من تلفظ بالإسلام، وأن أبا حمزة روى عنه عدد المقاتلة خاصة. وقول حذيفة: «فلقد رأيتنا ابتلينا»، يعني بذلك مدة فتنة أهل مصر حين نزلوا بالمدينة ناقمين على عثمان ﵁، ففتنوا الناس، وأخافوا أهل المدينة، وتعطلت الجماعة في مسجد رسول الله ﷺ مرات. وقد فرض الشراح هنا احتمالات غير واضحة. * * * باب ما ذكر من درع النبي ﷺ وعصاه .... إلخ فيه قول المِسوَر بن مَخْرَمَةَ لِعَلَيِّ بن حسين بن علي ﵃[٤: ١٠١، ١٦]: «فَهَلْ أَنْتَ مُعْطِي سَيْفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِنَّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكِ القَوْمُ عَلَيْهِ، وايم اللهُ لَئِنْ أعطيتنيه لَا يَخْلُصُ إِلَيْهِ أَبَدًا، حَتَّى تَبْلُغُ نَفْسِي أَنْ عَلَي بُنٍّ أَبِيٍّ طَالِبِ خُطَبِ اِبْنَةِ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ فَسَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُخَطِّبُ النَّاسُ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ فَقَالَ: «إِنَّ فَاطِمَةَ بضْعةٌ مِنِّي وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا .... »» إلخ. لعل هذا السيف مما تركه الخلفاء بيد فاطمة ﵂ كما تركوا الكساء الذي توفي فيه ﷺ بيد عائشة؛ لأن تركة رسول الله ﷺ لا تورث؛ ولكنها صدقة. فللخليفة أن يخصَّ بعضها لمن يرى أنه أولى بالاختصاص به اختصاص تمليك، بإذن الإمام للمصلحة لا بالإرث. ولأجل اعتباره ملكاً موروثاً عن فاطمة ﵂ قال حذيفة لعلي بن حسين: «هل أنت معطيَّ سيف رسول الله؟ »؛ لأنه يريد عطية تمليك بدليل قوله: «وايم اللهُ لَئِنْ أعطيتنيه لَا يَخْلُصُ إِلَيْهِ أَبَدًا». وقوله: «فَإِنَّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكِ القَوْمُ عَلَيْهِ» أراد بني أمية، أي أن يلحوا عليك في هبته لهم، فيمنعك الحياء منهم، أو الخوف من حقدهم، من ردهم. ويحتمل أنه أراد أن يغلبوك بدعوى أنه من حقوق الخليفة.

стр. 93

وقوله: «لَئِنْ أعطيتنيه لَا يَخْلُصُ إِلَيْهِ»، أي يجادلهم بأنه صار مملوكاً، جدالاً لا يقبلون مثله من علي بن حسين، لمكان المسور من صحبة رسول الله ﷺ ، وكون قوله حجة عند المسلمين. وقوله: «أَنْ عَلَي بُنٍّ أَبِيٍّ طَالِبِ» إلخ، مناسبته لما قبله أنه دل على أن رسول الله ﷺ غضب لغضب فاطمة ﵂، وأن انتزاع سيف أبيها من سبطها ومصيره إلى أعداء ابنها من شأنها أن يغضبها لو كانت حية، فهو يغضب رسول الله ﷺ ، ولرسول الله بعد موته من المراعاة مثل ما له في حياته. والكلام على بقية هذا الحديث يأتي في كتاب النكاح [٧: ٤٧، ١٢]. * * * باب من لم يخمس الأسلاب فيه حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن يوم بدر وكيف قتل ابنا عفراء أبا جهل [٤: ١١٢، ٨]: «فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهمّا حَتَّى قَتَلاهُ. ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ » قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ. فَقَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ » قَالا: لا. فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: «كِلاكُمَا قَتَلَهُ، سَلَبُهُ لِمُعَاذِ ابنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ». وَكَانَا مُعَاذَ بْنَ عَفْرَاءَ وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بن الجَمُوحِ». طلب رسول الله ﷺ أن ينظر في سيفيهما ليتبين ما يصدق قولهما فيقضي له، وهذا كمعرفة العفاص والوكاء؛ إذ لا يمكن أن يقتل قتيل بسيف ولا يتلطخ ذلك السيف بالدم. فلما رأى في كلا السيفين شاهداً على صدق مقالهما، بأن كان التلطخ دالاً على ضربة قاتلة بحسب ما هو المعروف من مقدار الدم الملطخ به، علم أنهما اشتركا في قتله. ويدلُّ لذلك قوله ﷺ : «كِلاكُمَا قَتَلَهُ» فهو صريح في تشاركهما، لا يحتمل تأويلاً؛ إذ ليس المقام صراحةً وإعمال بينة، إذ هو مقام قضاء لا مقام تطييب خواطر، كما قال في غزوة حنين [٥: ١٩٧، ٧]: «مَنْ قتل قتيلاً له عليه بينة فله سَلَبُه». وإذ قد كان كلتا الضربتين قاتلتين احتمل أن يكون زهوق الروح بكل منهما

стр. 94

ولا يكون بكلتيهما، فكان السبب الموجب لاستحقاق السلب مشكوكاً فيه، فتعذر إعماله كما في الشك في سبب الميراث، فيمن ماتوا بهدم أو غرق، فتساقط السببان معاً. وإنما لم يقسم السلب بينهما؛ إذ ليس هذا تكافؤ البينتين عند التحقيق؛ ولأنه لم يكن من المعهود في الحرب قسمة سلب القتيل بين اثنين؛ ولأن قطع السليب غير متساوية القيمة فيتعذر قسمها. فجعله رسول الله ﷺ لأحدهما بمجرد اجتهاده. وهو ما تأوله مالك ﵀؛ ولذلك جزم بأن النفل من الخمس وإنما يعطي باجتهاده أمير الجيش. وجعل السلب من النفل وهو التأويل الصحيح، وما عداه من الوجوه التي فرضوها تعسفات، فليت العلماء اقتصروا على الجادة. * * * باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وقع في حديث أنس ﵁ قوله [٤: ١١٥، ٢]: (فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ للأنصار: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ عَلَى الْحَوْضِ». قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ). لما رأى رسول الله ﷺ رضى الأنصار على أن أعطى رجالاً من قريش من فيء هوزان بعد أن عتب فريق من حدثاء الأسنان من الأنصار، ثم فاؤوا إلى الرشد والأدب مع الله ورسوله والرضى بما فعله الرسول ﷺ ، وذلك من صدق إيمانهم وإخلاص نصرتهم لله ورسوله ودينه دون طمع في نفع دنيوي يلحقهم من ذلك، أراد أن يوصيهم بالدوام على مثل هذا الصبر فيما يقضيه الله ورسوله في أثرة سيلقونها بعد وفاة الرسول ﷺ ، وتشبه هذه الأثرة التي لقوها في حياته. والأظهر أن رسول الله أشار إلى الخلافة من بعده، فالأثرة المذكورة في كلامه هي أثرة حقه، وليست من الباطل؛ لأن كون الخلافة في قريش أمر دلت عليه أدلة شرعية هي التي راعاها أبو بكر وعمر يوم السقيفة، فالصبر المأمور به صبرٌ له دخل في الوفاء للدين والإخلاص لله ولرسوله. والدليل على ذلك أن رسول الله ﷺ سماها «أثرة»، ولم يذكر معها ما ينكر عليها ولا ما يصمها بأنها ظلم أو جور، كما دل عليه ذكرها بمناسبة نظيرتها هذه، فالصبر المأمور به واجب، وقد رجوا بذلك يوم السقيفة ﵃.

стр. 95

ويحتمل أن رسول الله ﷺ أراد أن يوصيهم بالصبر على الجور إن نزل بهم من حرمان حقوقهم، وهو صر غير واجب. ولعل هذا هو الذي أشار إليه أنس بقوله: «فلم نصبر» يعني بذلك ما وقع بين الأنصار وبين يزيد بن معاوية مما كان من عواقبه يوم وقعة الحرة. أخذ أنس بعموم الأمر في قوله: «فاصْبِرُوا» على وجه الاحتياط، وإن كان الفعل لا عموم له، وكان لفظ «أثرة» وهو نكرة وارداً في سياق الإثبات لا في سياق النفي؛ ولذلك كان الحمل عليه محملاً بعيداً، ولا يعد الأنصار مخالفين لما أمرهم رسول الله ﷺ . ومما يدل على ذلك أيضاً ما وقع في حديث أنس في باب مناقب الأنصار حين رام النبي ﷺ أن يقطع للأنصار من البحرين فأبوا إلا أن يقطع للمهاجرين مثلهم فقال لهم [٥: ٤٢، ٤]: «إما لا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ستصيبكم بعدي أثرة». فإن ذكر تلك الأثرة، بعد حرض الأنصار على أن لا يؤثروا على المهاجرين بمزية، انتهازٌ لفرصة مظهر صفة إيثار الأنصار على أنفسهم الذين وصفوا به في القرآن، فأمرهم بأن يتذكروا ذلك بعد وفاة رسول الله ﷺ خشية من أن تحملهم الأنفة على منازعة المهاجرين فيما آثرهم الله من ولاية بعد الرسول ﷺ . * * * باب الجزية وقع في حديث جبير بن حية عن غزوة نهاوند، وقول ترجمان عامل كسرى للمغيرة بن شعبة [٤: ١١٨، ١٤]: «مَا أَنْتُم؟ ». أي سأل سؤالاً ترجمته باستعمال العرب كلمة «مَا أَنْتُم؟ » فإن (ما) الاستفهامية في كلام العرب يسأل بها عن نسب القوم أو الشخص. يقال: ما أنت؟ فيقول: قرشي، مثلاً. ويقال للقوم: ما أنتم. فيقولون: قوم من ربيعة، مثلاً. وقد تكرر ورود هذا السؤال بنحو هذا في أخبار الوفود في السيرة قالها النبي ﷺ للوفود غير مرة، وهو استعمال غريب، ولعدم ذكره في كتب اللغة والنحو التبس أمره على الشرحين، فتوهموا الإتيان بما عنا في خطاب العقلاء مقصوداً به التحقير وهو خطأ.

стр. 96

ووقع فيه قول النعمان بن مُقرنٍ للمغيرة بن شعبة [٤: ١١٩، ١]: «بَّمَا أَشْهَدَكَ اللهُ مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْدِمْكَ». فقوله: «يُنْدِمْكَ» هو بضم الياء وسكون النون وكسر الدال. يقال: أندمه، إذا قال له ما يوجب الندم، فندم. * * * باب ما أقطع النبي ﷺ من البحرين فيه قول أنس ﵁[٤: ١١٩، ١٣]: «دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأَنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ فَقَالُوا: لا وَاللهِ حَتَّى نَكْتُبَ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا. فَقَالَ ذَاكَ لَهُمْ مَا شَاءَ اللهُ. عَلَى ذَلِكَ. يَقُولُونَ لَهُ. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً»» إلخ. قوله: «فَقَالَ ذَاكَ لَهُمْ مَا شَاءَ اللهُ» أي: أعاد ذلك لهم مراراً، فكلمة (ما شاء الله) هنا مستعملة في الكثرة. وقوله: «عَلَى ذَلِكَ يَقُولُونَ لَهُ» كلام مستأنف. و (على) مستعملة بمعنى (مع)، أي: مع ما كرر من العرض عليهم. وهي متعلقة بـ «يَقُولُونَ» أي يقولون له مع ذلك، أي مع تكراره وإلحاحه. وهذا كما يقال: كل ذلك يجيب بكذا، أي: كلما قال له كذا يجيب بكذا، فهذا نظيره. وقد أغفل الشارحون تفسير هذا الكلام سوى كلمتين مختصرتين للكوراني؛ وبذلك بقي هذا الكلام مشكلاً فاعلمه.

стр. 97

كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة وقع في حديث عائشة ﵁ قول رسول الله ﷺ [٤: ١٣٩، ٢٠]: وقع في حديث عائشة «فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇ فناداني فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمَّد، فقال: ذلك فيما شئت»). روي: «فقال: ذلك فيما شئت». فعلى هذه الرواية يكون «ذلك» إشارة إلى ما تضمنه قول جبريل، أي ذلك الأمر، أي أمرك ينفذ فيما شئت من غير تحديد بالغًا ما بلغ، فيكون اسم الإشارة مبتدأ، وقوله: «فيما شئت» خبره. وروي: «فقال: ذلك فما شئت» فيكون قوله: «ذلك» إشارة قول جبريل، وهو منصوب على المفعولية لـ (قال) لتضمنه معنى الجملة، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾، أي قال ملك الجبال قولاً كقول جبريل. والعرب يختصرون عند حكاية الأقوال كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي جاؤوا بما قلتموه، وهو الإتيان بقربان تأكله النار. ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. وقوله: «فما شئت» تفريع عن مضمون قوله: «ذلك» وهو استفهام، أي: فما تشاء أن أفعل لهم؟ ويجوز أن يكون «ذلك» إشارة إلى المذكور، وهو مصادر الأفعال التي في قوله: «أن أطبق عليهم الأخشبين»، أي ذلك التطبيق إن شئته. وهذا كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي كذلك الإنزال الذي نزلناه لنثبت به فؤادك.

стр. 98

باب صفة الجنة وقع في حديث أبي سعيد الخُدْري ﵁ عن النبي ﷺ قال: [٤: ١٤٥، ٨]: («إنَّ أهل الجنَّة يتراءون»). فوقع في بعض النسخ يتراءيون بياء تحتية مضمومة بعد الهمزة المفتوحة. وذلك خطأ من الناسخين؛ لأن حرف العلة المتحرك بعد فتحة يجب قلبه ألفًا، فلما لاقت واو الجماعة الساكنة حذفت الألف لالتقاء الساكنين. وقد اغتر بها القسطلاني فشرح عليها. * * * باب قول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ فيه حديث ابن عمر ﵁[٤: ١٥٤، ١٦]: «فبينا أنا أُطارد حيَّة لأقتلها فناداني. أبو لُبابة: لا تقتلها. فقلتُ: إنَّ رسول الله ﷺ قد أمر بقتل الحيَّات، قال: إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيُوت وهي العوامر». الظاهر أن ذوات البيوت لم تكن مسمومة ولا مساورة، وأن كانت فيها منافع؛ لأنها تأكل الجرذان والعقارب؛ فلذلك نُهي عن قتلها. وورد في حديث أبي لبابة في الموطأ الأمر بأن تؤذن ثلاثًا، وقد شرحناه هنالك في كشف المغطى فأرجع إليه. * * وقع فيه حديث أبي هريرة [٤: ١٥٨، ١١]: «إن الله غفر لامرأة مُومسة سقت كلبًا كاد يقتله العطش» ووجه إخراجه في هذا الباب التنبيه على أن الكلب غير العقور لا يؤمر بقتله. * *

стр. 99

وكذلك وجه تخريج حديث أبي طلحة [٤: ١٥٨، ١٥]: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب» إلخ، فإن المراد منه بيان أنه إن كان غير عقور لا يقتل وأنه لا يتخذ. وكذلك وجه تخريج حديثَيْ أبي هريرة وسفيان الشنائي فيمن اقتنى كلبًا لغير زرع ولا ضرع فإنه لم يأمر بقتله ولكنه نهى عن اتخاذه. * * * باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فيه حديث أنس عن سؤال عبد الله بن سلّامٍ النبي ﷺ عن ثلاث [٤: ١٦٠، ١٩]: (فقال عبدُ الله بنُ سلام: ذاك -أي جبريل- عدُو اليهود من الملائكة). لا شك أن اعتقاد الأمة هو عنوان مقدار استقامة عقولها. وقد بلغ اليهود في أخريات عصور انقراض ملكهم وانصراف النبوءة عنهم دركًا عظيمًا من انحطاط العقول ظهر أثره البين في اختلاف عقائدهم. ومن أعجب ذلك ما حكاه في هذا الخبر، فإنهم مع علمهم بأن جبريل ملك مقرب عند الله تعالى قد اتخذوه عدوًا لهم؛ لأنهم كانوا يجعلون المحبة والبغض تابعين لملاءمة الهوى، غير تابعين لكمال المحبوب ونقص المبغض، ولا لما في الكمال من المصلحة والنفع في العقبى؛ ولذلك كانوا قد قتلوا بعض أنبيائهم. ويقال: إنهم قتلوا زكريا أبا يحيى خيفة أن يدعو عليهم بما يضرهم، فبادروه بالقتل قبل أن يدعو عليهم، وكذلك بغضهم جبريل فإنهم زعموا أنه كان ينزل من عند الله بما فيه الشدة والأمر بالقتال، وأنه ملك الخسف والعذاب. وقد ورد ذكر جبريل في سفر دانيال في الإصحاحين الثامن والتاسع. وذكر فيه أنه عبر لدانيال رؤيا رآها وأنذره بخراب أورشليم؛ ولعل ذلك من أسباب عداوة اليهود إياه؛ لأنه نذير هلاك، وهم مع ذلك يعتقدونه أفضل الملائكة المقربين عند الله. فهذا من اضطراب التفكير المسمى في علم المناظرة والجدل بفساد الوضع. ونظيره كراهية بعض السذج من عامة المسلمين عزرايل ملك الموت ودعاؤهم عليه

стр. 100

عند حلول الموت بأعزتهم. وقد أشار القرآن إلى ما في هذا الخبر بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، أي: فليزدهم ذلك بغضًا إياه. ومن قبيل هذا الخطأ في الاعتقاد ما قصه الله عن ابن آدم الذي قتل أخاه؛ لأن الله تقبل قربان أخيه ولم يتقبل قربانه. وسيجيئ ما يشبه هذا الاضطراب في خبر زيد بن عمرو بن نفيل [٥: ٥٠، ٢]. * * * باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ وقع فيه حديث ابن عمر في الدجال [٤: ١٦٣، ٦]: (أن رسول الله ﷺ قال: «تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور»). هكذا وقع هنا قوله: «تعلمون» بصيغة الخبر. والظاهر أن ذلك لم يكن معلومًا للمخاطبين من قبل، فيكون الخبر فيه بمعنى الأمر، أي: اعلموا أنه أعور. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ أي: ليعلموا ذلك. وليس المراد الإخبار عنهم؛ لأنهم لو علموا ذلك لما جادلوا في الآيات. والعطف في قوله: «وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرٍ» استخدام في الواو؛ لأن العامل المفاد من الواو هو بمعنى الإخبار؛ إذ هو معلوم لديهم، فليس العطف فيه بمعنى الأمر. * * * باب قصة يأجوج ومأجوج فيه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ [٤: ١٦٨، ١٤]: («يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النَّار، قال: وما بعثً النَّار؟ قال: من كل ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى النَّاس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد») قوله: «فعنده» الضمير عائد إلى القول المضمن في مجموع قوله: «أخرج بعث

стр. 101

النَّارِ» وقوله: «من كل ألف» إلخ. وأصل (عند) أنها ظرف مكان. وقد يتوسع فيها، فتضاف إلى الزمان، فتدل على المقارنة بما أضيفت إليه. استعير لفظ الاستقرار المكاني لمطلق المقارنة بدون مكان نحو: عند الزوال. وقوله: «يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها» تمثيلية؛ بأن شبهت الهيئة الحاصلة من هلع الناس وجزعهم بأشد ما يُتخيل عروضه من الهول والهلع والرعب في المتعارف، وهو الهول الذي يشيب له الصغير وتضع الحوامل حملهن. وذلك أنه قد شاع عند الناس أن الهم ونحوه يسبب الشيب، ثم بالغ العرب فيه، فجعلوا الهم والخوف يسرعان بالشيب إلى الأطفال الذين لا يهتمون بالمصائب ولا تتهيأ أمزجتهم إلى الشيب، كقول الشاعر: إذن والله نرميهم بحرب ... تشيب الطفل من قبل المشيب فحصل من شيوع هذا الاستعمال تخيل هيئة لعظيم الهول تشيب عندها الأطفال، فهي هيئة وهمية، فالتشبيه بها تشبيه بأمر غير حسي، ولكنه وهمي. ونظيره في التشبيه المفرد قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾، وقول امرئ القيس: ومسنونة زرق كأنياب أغوال فالمشبه في هذا الحديث هيئة حسية علمت من قوله: «فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها»؛ لأن من المعلوم للسامعين أنه لا صغير ولا حامل في ذلك الموقف، وأن المقصود: فعند ذلك هول ورعب وهلع، كالهول الذي يشيب فيه الصغير وتضع الحامل حملها، فبذلك استقامت التمثيلية. وقوله: «وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى» تشبيه بليغ غير تمثيلي؛ ولذلك تبدل الأسلوب فلم يعطف على «يشيب وتضع» فيقال: وتسكر الناس، بل قيل: «وترى الناس سكارى» وقوله: «وَمَا هُمْ بِسُكَارَى» تجريد للتشبيه البليغ. وقد جاء في هذا الحديث فنون من السحر البياني بعضها مقتبس من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ الآية. * * *

стр. 102

باب يزفون ... إلخ فيه قول ابن عباس [٤: ١٧٢، ١٩]: «أوَّل ما تخذ النَّساء المنطق من قبل أمَّ إسماعيل اتَّخذت منطقًا لتُعفَّي أثرها على سارَّة». المنطق -بكسر الميم وفتح الطاء- إزار غليظ تشده المرأة على نصفها الأسفل، وتربط عليه بحبل إذا قصدت الخدمة؛ كيلا يتسخ أسفل درعها أو قميصها أو إزارها، فهو من شعار الإماء ومن لباس الحرائر عند الخدمة. قال الخطيب القزويني مترجمًا بيتًا من الفارسية: لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق ولذلك قال رجل لابن الزبير: «يا ابن ذات النطاق» يظنها نبزًا، بأن أمة كانت مثل الخدم. وقوله: «أول ما اتخذ النساء» يعني نساء العرب. وقوله: «لتعفي أثرها» أي شدت النطاق لتري مولاتها أنها تريد الخدمة، حتى إذا خرجت مهاجرة أرخته تجره على إثرها ليخفى أثرها على سارة، فلا تهتدي إلى مسلكها ولا تعرف أن تفتش عليها. وإنما يكون ذلك في الرمال الدقيقة، كقول امرئ القيس: خرجت بها نمشي تجر وراءنا ... على إثرينا ذيل مرط مرحل وقال عبد بني الحسحاس: فعفي بآثار الثياب ببيتنا ... وتلقط رضا من جمان تحطما وهذا الكلام يدل على أن هاجر خرجت خفية من مولاتها. وظاهرة التوراة أنها بعد أن خرجت خفية تعرض لها ملك فأمرها بأن ترجع إلى مولاتها وتسترضيها؛ ولكن التوراة لم تذكر ما كان بعد ذلك سوى ولادة إسماعيل ﵇. والظاهر أن خروجها كان جهرة، وإلا فكيف خرج معها إبراهيم حتى بلغ الحجاز؛ ولذلك فسر الشارح الكرماني قوله: «لتعفي أثرها»: «أنها شدت عليها المنطق إظهارًا لخدمتها لتستميل خاطرها. يقال: عفي على ما كان منه، إذا أصلح ما فسد» أهـ. وهو شرح حسن، أي أن هاجر لم تتطاول على مولاتها مثل ضرة ولكنها لزمت حالة الإماء. وهذا يلاقي ما في التوراة من أنها رجعت لتسترضي

стр. 103

مولاتها. وحينئذ تكون مهاجرة إبراهيم بها إلى الحجاز بإذن من الله تعالى تهيئة لتكوين الأمة التي قدر الله أن يظهر منها أفضل رسله ﷺ . * * * باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ فيه حديث نافع عن ابن عمر ﵃[٤: ١٨١، ٨]: «أن الناس لما نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود الحجر فاستقوا من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا من بئرها وأن يعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة) المقصد من النهي إعلان الإعراض عن مواقع العذاب، لما يتبع ذلك من كراهية أهلها بكراهية أعمالهم، فهو من التحذير بالقول المعضود بالفعل لغيبة المحذر منه عن الحواس مع عظم خطره، فناسب أن ينضم العمل إلى القول وإلى الفكر النفساني في إنكاره، فهو من مكملات النهي عن دخول مساكنهم إلا باكين، كما سنبينه في باب نزول رسول الله ﷺ الحجر من كتاب المغازي. وأما البئر التي كانت تردها ناقة صالح فالاستقاء منها؛ لأنها من آثار آية من آيات الله، أظهر الله بها صدق رسوله صالح ﵇، ولأجل إتيان ضد عمل ثمود فإنهم اعتدوا بأن عقروا الناقة، فأمر المسلمون بملابسة آثار الناقة. ولما فات منهم عجن الخبز من الماء المنهي عنه أمروا بأن لا يأكلوه وأن يعلفوه الإبل؛ لأن الإبل ليست تدرك معنى الموعظة والتحذير. وقد كان عجنهُ بالماء قبل النهي عنه، فتداركوا ما أمكن تداركه، وهو أن يتركوا أكله. وسيجيئ الكلام على بقية الروايات في موضعه من باب نزول الحجر. * * * باب قصة إسحاق ﵇ - قال البخاري [٤: ١٧٩، ١٦]: «فيه ابن عمر وأبو هريرة عن النبي ﷺ ».

стр. 104

فتردد الشارحون في مراده من هذا التعليق. والذي جزم به ابن حجر أنه يعني حديث ابن عمر الذي أخرجه في قصة يوسف وفي مواضع كثيرة وهو قول النبي ﷺ [٤: ١٨١، ٢٠]: «إنما الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ... » الحديث. وحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال [٤: ١٨٢، ٥]: «أكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله» الحديث. ورد على ابن التين قوله: «إن البخاري وجد حديثًا لم يقف على سنده فأرسله». ورد أيضًا على الكرماني قوله: «إن فيه حديثًا ليس على شرط البخاري فلذلك أشار إليه البخاري»، واعترض عليه العيني بأن الحديثين اللذين ذكرهما ابن حجر لا مناسبة لهما بقصة إسحاق وقد بسط القسطلاني الرد بينهما. والذي يظهر لي أن الحق ما قاله ابن حجر، وأن البخاري أراد أن يبوب لقصة إسحاق مما يرجع إلى بعض أخباره أو ما يرجع إلى كونه هو الذبيح فلم يجد حديثًا في ذلك على شرطه، ولم يكن عنده فيما يتعلق بإسحاق ﵇ إلا أنه نبي وأنه أبو يعقوب وابن إبراهيم. ولما كان هذا المقدار ضعيفًا بالنسبة إلى التبويب أشار إلى الحديثين تعليقًا؛ لأنهما سيذكران بعد، وترك الباب كأنه بياض. وأما قول ابن التين والكرماني فليسا جاريين على معتاد البخاري، على أنه لا يعرف حديثًا عن ابن عمر وأبي هريرة في شأن إسحاق غير ذلك، فدعوى وجود ذلك احتمال لا دليل عليه ولا داعي إليه. * * * باب وفاة موسى ﵇ - وفي حديث وفاة موسى ﵇[٤: ١٩١، ١٨]: «أرسل ملك الموت إلى موسى ﵇ فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» إلخ. أي صك موسى ملك الموت، أي دفعه بيده عن نفسه دفعًا شديدًا، بحيث باعد ما بينه وبين مسالك قبض الروح من الآدمي. فإن كان ذلك على الحقيقة فمعناه أن ملك الموت لما تمثل لموسى في صورة البشر استئناسًا لموسى؛ فكان من تمام تمثله أن

стр. 105

محاولة قبض روحه تكون بعد الاتصال به والتمكن منه، فدفعه موسى إبعادًا له عنه، وإن كان على وجه الكناية فصكه لإبعاد اتصاله به؛ لأنه علم أن في اتصاله به انتزاع روحه؛ لأنه ملك الموت، فهو كعنصر الموت، فإذا لقى الحي زالت منه الحياة لا محالة، عكس ما قيل في ماء الحياة الذي أظهره الله للخضر في زمن موسى. وقول الملك في مراجعته ربه تعالى: «أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» يدل على أن الله لما أرسله أمره أن لا يقبض روحه إلا عن رضى منه، وإلا فما كان من شأن ملك الموت أن يتردد في إنفاذ ما أمر به، فالمقصود من ذلك كرامة موسى عند الله حتى لا يقبض روحه إلا عن رضى منه. وأحسب أن حكمة ذلك أن الله قد علم أن موسى يحب امتداد حياته لمصلحة هدي قومه، وليرى فتح الأرض المقدسة، وذلك أمر جبلي. وقد علم الله تعالى أن مصلحة وجوده مع قومه قد انتهت، وأن المصلحة صارت في أن يخلفه نبي آخر. وعلم أيضًا أنه لا يشهد فتح الأرض المقدسة، ولكن الله لم يخبره بذلك قبل إبقاء على ما يحسه بجبلته، وملاينة له في تغيير ذلك منه، وتلقينه الرضى بضده؛ ولذلك أعاد إرسال الملك وضرب له ذلك المثل الذي حصل لموسى به اعتبار وموعظة، فتغيرت محبته الحياة إلى محبة لقاء الله تعالى، إذ قال: «فالآن» ليكون قد أحب لقاء الله قبل موته، فيحق عليه ما ورد في الحديث [٩: ١٧٧، ١٦]: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه». واعلم أن هذا كله مما يجري في العالم الملكي وعالم الأرواح، فلا تجري أحكامه على ما هو المتعارف في عالم الجثمان، فلا نطيل بالبحث كيف صك موسى غيره وكيف فقأ عينه، كما ورد في بعض الروايات في صحيح مسلم. وللمازري في المعلم وعياض في إكماله ذكر مطاعن لبعض المبتدعة وإشكالات لغيرهم وأجوبة عن ذلك فارجع إليها إن شئت في إكمال إكمال الإكمال. * * ووقع فيه عن أبي هريرة ﵃[٤: ١٩٢، ٦]: (قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا ﷺ على العالمين، في قسم يقسم به. فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم، فقال:

стр. 106

(«لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله»). لا شك أن محمدًا ﷺ أفضل الرسل، وأنه يعلم أنه أفضل الرسل؛ لأن مثل هذا من أول ما يجب الإيمان به، فلا يؤخر علمه، ولا يُدعى أن رسول الله ﷺ علمه بعد مضي سنين من بعثته، فإن ذلك تلفيق لا يقبل. وقد ذكر القاضي أبو الفضل في الشفاء في فصل من فصول الباب الثالث من القسم الأول وجوهًا خمسة، بعضها جار في جميع الأخبار الواردة في النهي عن التفضيل، وبعضها خاص بالبعض وأحسنها هو الوجه الثالث، وغيره لا ينشرح له الصدر. ووجه الجواب عندي: أنه نهى عن التخيير عند المجادلة مع أهل الكتاب؛ لأنه يفضي إلى الخصومات، وهذا من تسامح دين الإسلام على نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. وقرينة ذلك أن القصة وقع فيها اعتداء على اليهودي الذي لم يلزمه الإسلام بتغيير اعتقاده، فذلك هو معنى قول علمائنا: إن أهل الكتاب لا يعزرون على ما يقولونه مما هو من أصل دينهم. ويحتمل أن يكون النهي تعلق بالخوض فيما لا قبل للناس بعلمه ولا بمقدار تفاضله. فالمقصود سد ذريعة التهافت والرجم بالغيب. فالنهي عن التخيير لا يقتضي نفي التخيير في نفس الأمر. ويدل لهذا الرواية الأخرى: «لا تفضلوا بين الأنبياء»، أي فإن ذلك دخول في خوض لا يحسن داخله الخروج منه. ويحتمل أن يكون النهي تعلق بالتفضيل المطلق في سائر الأمور. ويدل لهذا قوله: «فإن الناس يصعقون» إلخ، الدال على أن لموسى مزية اختص بها. والمزية تقتضي الأفضلية الجزئية ولا تقتضي الأفضلية الكلية. * * * باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ وقع فيه قول البخاري [٤: ١٩٧، ١١]: (عفريت متمرد من إنس أو جان مثل زبنية جماعتها الزبانية).

стр. 107

قال ابن حجر: مراد المصنف به أن قيل في عفريت: عفرية. وهي قراءة في الشواذ. أهـ. وهو بعيد؛ إذ لا وجه للاشتغال بميزان كلمة لم تجر في الحديث المتكلم عليه، وهبها جرت في قوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [النمل: ٣٩] على قراءة شاذة فهي لم تجر هنا على أنه لا وجه للاشتغال بالقراءة الشاذة وترك المشهورة. فالصواب أن البخاري أراد التنبيه على أن كلمة «عفريت» مخففة من كلمة (عفرية)؛ لأن معناهما واحد، فتعين أن الأخف منهما هو الفرع. وبين أن جمعهما جمع تكسير لا جمع سلامة؛ فلذلك تغيرت حركة فاء الكلمة فيه مثل: زبنية وزبانية. وأشار إلى أنها مشتقة من العفر، وهو التمرد في التراب، كما أن زبنية مشتق من الزبن، فجئ فيه بوزن فعليه للإلحاق بشرذمة. * * ووقع فيه قول أبي ذر ﵁[٤: ١٩٧، ١٨]: (أي مسجد وضع أول) إلى آخره. ومطابقته للترجمة التنبيه على أن المسجد الأقصى كان مسجدًا من زمن إبراهيم قبل أن يبنيه سليمان ثم اندثر، وأن سليمان بنى في موضعه الهيكل المعروف بالمسجد الأقصى. * * ووقع فيه حديث أبي هريرة [٤: ١٩٨، ٢]: (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا» إلخ. ووجه ذكره في هذا الباب، مع خبر الذئب الذي عوى على ابن إحدى المرأتين، يحتمل أن أبا هريرة سمع الخبرين من رسول الله ﷺ في وقت واحد فحدث بهما، أو أن الأعرج سمعهما من أبي هريرة جميعًا فحدث بهما جميعًا. * * وقع فيه قول أبي هريرة [٤: ١٩٨، ٧]: «والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية».

стр. 108

وقع في أحاديث ابن وهب عن مالك في جامع العتبية قال مالك: بلغني أن أبا هريرة قال: ما كنا نسمي السكين إلا المدية حتى أنزل الله في كتابه: «وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا». فلعل أبا هريرة تكرر منه هذا الخبر، وإلا فإن ما في رواية ابن وهب أظهر؛ لأن شهرة القرآن أكثر. * * * باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ فيه حديث عبد الله بن مسعود ﵁[٤: ١٩٨، ١١]: (قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب النبي ﷺ : أينا لم يلبس إيمانه بظلم، فنزلت ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. فقد جاء في تلك الرواية بالحديث على وجهه البين في أن الآية معروفة من قبل ذلك. وعليه فقوله هنا: «فنزلت ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ سهو من الراوي عن الأعمش إما من أبي الوليد وإما من شعبة. باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ وقع فيه حديث عبد الله بن عمر ﵃ عن النبي ﷺ وفيه [٤: ٢٠٢، ٢٠]: «وأراني الليلة عند الكعبة في المنام، فإذا رجل آدم، كأحسن ما يرى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا

стр. 109

المسيح ابن مريم، ثم رأيت رجلاً وراءه جعدًا قططًا أعور عين اليمنى كأشبه من رأيت بابن قطن واضعًا يده على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال». تمثيل الطواف بالبيت مع أحوال الدجال في رؤيا النبي ﷺ يمكن أن يكون تمثيلاً لتدجيل الدجال وتظاهره بخلاف باطن حاله. وأما وضع يده على منكبي رجل واحد، فلعله تمثيل لتمويهه بأنه المسيح ابن مريم، فمثل ذلك في شبه الحالة التي رئي عليها عيسى ﵇ في تلك الرؤيا. وكونه واضعًا يدًا واحدة لا يديه معًا، وعلى منكب رجل واحد لا على منكبي رجلين، تمثيل لدقة الاختلاف بين حاله وحال عيسى التي أراد تمويهها لمن كان ذا اهتداء إلى تبين حال تمويهه. فرؤيا النبي ﷺ حق، ويكون حقها تارة في ظاهرها وتارة في تأويلها، فلا ينافي هذا ما صح في الحديث: أن الدجال لا يدخل مكة. وأما رؤيا عيسى ﵇ متوكئًا في طوافه على منكبي رجلين، فلعله لإكثاره من الطواف بالبيت حصل له إعياء، فاستعان بالتوكؤ حقيقة أو تمثيلاً. وأما توكؤ الدجال فرياء وتمويه. وإن للرؤيا النبوية أسرارًا لا يعبرها إلا صاحبها ﵊ وما ذكرناه هو إبداء بعض ما تحتمله، والله ورسوله أعلم. * * وفيه حديث [٤: ٢٠٤، ١]: (أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «رأى عيسى ابن مريم ﵇ رجلاً يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني». لم يكن عيسى ﵇ شاكًا في أن الرجل سرق؛ لأنه قد رآه سرق، فلما أقسم الرجل على أنه ما سرق الذي هو مدلول قوله: «كلا» أراد عيسى أن يوقع في نفس ذلك الرجل حرمة اليمين بالله بعد أن استخف بها، فأتى بكلام موجه يوهم الرجل أنه صدقة في يمينه وتشكك في رؤيته فقال: «آمنت بالله»، وهو كلام حق، وقال: «وكذبت عيني» أي: جعلت ما رأته عيني كالشيء الذي لم يقع؛ إذ أعرض عن

стр. 110

مؤاخذة السارق، وهو يوهم السامع أنه شك فيما رآه. وهذا من دواء نفس السارق. ولعله أصلح الله به حاله. وإطلاق اسم الكذب على ذلك مجاز؛ لأن ما تؤديه العين إلى العلم بمنزلة الخبر، فالخطأ فيه مثل مخالفة الخبر للواقع على نحو قوله ﷺ : «وكذب بطن أخيك» [٧: ١٥٩، ١٧]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]. فمعنى «كذبت عيني» الشك في صحة رؤيتها، وفي حديث الهجرة: «فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة»، أي لم تنقضه. ويجوز أن يكون عيسى ﵇ قد تعارض عنده صدق الحالف في حلفه، واحتمال الغلط في الرؤية، فرجح صدق الحالف لعظم الإقدام على الحلف كذبًا. * * *
следующие страницы →