Полный текст (280 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
يتعين أن ابن عباس قال ذلك تغليظًا لانزجار الناس عن القتل؛ وإلا فإن علم ابن عباس لا يترك في نفسه شكًا في أن كل ذنب من المسلم يقبل التوبة إن تاب من ذنبه وأقلع عنه. وإذا كان الكفر وهو أعظم الذنوب يقبل التوبة بالإيمان فإن ما دونه من الكبائر أولى بالتوبة وإلا لصار الإيمان لصاحبه أسوأ حالاً من الكفر، ولأصبح قاتل النفس آيسًا من رحمة الله فلا يكون له داع إلى الإقلاع عن ذنبه.
ولا شك أن المراد بالخلود في آية القتل هو طول أمد العذاب خلافً لما تقل هنا عن ابن عباس. ولو أُخذ ذلك على ظاهره لما كان وجه لتخصيص القتل بهذا الحكم. فقد جاءت آيات كثيرة في الجزاء بالخلود في النار على ذنوب كثيرة وكلها قابلة للتوبة إجماعًا من المسلمين. فلا نظن بابن عباس مخالفة الإجماع، وما تأول به آية سورة الفرقان وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩، ٧٠] بانه نزل في أهل مكة فتأول التوبة بالإيمان بعد الكفر، فذلك تأويل غير صحيح؛ لأن الآية جمعت ذنوبًا كثيرة، فإما أن يكون الاستثناء راجعًا إلى كل ذنب فهو حجة على بطلان تأويله؛ وإما أن يرجع إلى مجموع تلك الذنوب فهو يقتضي أن بعضها أولى بالاستثناء، فهو حجة على بطلان تأويله أيضًا.
وبعد، فيجيء على تأويله أن الله كما أنزل قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] لئلا ييأس المشركون من قبول إيمانهم، كذلك تكون الآية مفيدة في كل ذنب من أولئك بقوله: ﴿مَنْ تَابَ وَآَمَنَ﴾، فإن الإيمان السابق على الذنب أفضل من الإيمان اللاحق بالذنب.
* * *
سورة الروم
وقع فيه قول مسروق [٦: ١٤٢، ١٩]:
(بينما رجل يحدث من كندة).
«كندة» هذه، محلة بالكوفة، دعيت باسم كندة لنزول جماعة من كندة بها، وهي التي ينسب إليها أبو الطيب المتنبي.
стр. 177
باب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الآية
وقع فيه قوله [٦: ١٤٨، ٩]:
(يقال: إناه إدراكه، أني يأني أناء).
يعني أن «إناه» مصدر مضاف إلى ضمير «طعام» يقال: إني- بكسر الهمزة والقصر، وبفتح الهمزة والقصر- وأما قوله: «أناة» فقد روى بهاء تأنيث. ولعله أراد به المرة من أنى. وروى بمد في آخره، ولم أجده في كتب اللغة.
ومعنى الآية: غير منتظرين تمامه وتهيؤه وهو بالنسبة إلى الطعام نضجه وحضوره للأكل.
والمقصود من هذا الاستثناء؛ الاستثناء من عموم أحوال الإذن المستثنى هو أيضًا من عموم النهي عن دخول بيوت النبي ﷺ ، أي إلا أن يؤذن لكم إذنًا لطعام، لم يكن ذلك الإذن عن انتظار سبق منكم تنتظرون به تمام طبخ الطعام، أي إذنًا عن مجرد اختيار وطيب نفس لا عن تعريض وتردد حول البيوت عند وقت غرف الطعام من القدور. فانتظار الإنى كناية عن التعريض بالفعل وهو ملازمة البيت وقت الطعام حتى يضطر صاحب البيت إلى الإذن للملازم في أن يطعم عنده.
* * *
سورة ص
وقع فيه قول مجاهد [٦: ١٥٥، ١١]:
(سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ (أي في ص) فقال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾؟ [الأنعام: ٩٠] فكان داود ممن أُمر نبيكم ﷺ أن يقتدي به فسجدها رسول الله ﷺ ).
يريد أن رسول الله ﷺ سجدها فنسجدها، فأبعد الاستدلال واستنبط أن رسول الله ﷺ ما سجدها إلا لأن الله أمره بأن يقتدي بأنبياء عددهم، منهم داود، وقد سجد داود فاقتدى به رسول الله ﷺ عند ذكر موضع سجوده.
стр. 178
هذا حاصل مطوي كلامه، وهو استيناس وليس باستدلال؛ لأن الله أمر رسوله بأن يقتدي بالأنبياء في أعمالهم وهديهم لا في محاكاة أعمالهم إذا حكيت عنهم، وإلا لعمل كل عمل قصه الله عن بعض أنبيائه.
وقد روى النسائي بسنده إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «سجدها داود توبة ونسجدها شكرًا» أي: شكرًا لله على أن قبل توبة داود، إذ قال: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ [ص: ٢٥]؛ وذلك أن قبول الله توبته منة من الله على رسول من رسله، فحقيق لرسوله أن يشكرها؛ لأنها عناية من الله برسول من رسله إزلافًا لمرتبة الرسالة. وذلك يبشر جميع الرسل بأنهم بمراتب القرب. فعند قراءة تلك الآية يتذكر الرسول نعمة الله على رسول مثله، ومن شأن الأماثل أن يستبشروا بما ينال أهل الفضل، كما قال النابغة:
وكنت أمرأ لا أمدح الدهر سوقه ... فلست على خير أتاك بحاسد
* * *
سورة المؤمن
وقع فيه قوله [٦: ١٥٨، ١٥]:
(ويُقال: بل هو اسم لقول شُريح بن أوفى:
يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم).
وجه الاستدلال أن شريحًا عربي، وقد أجرى في شعره إعراب النصب على لفظ (حاميم)، فلولا أنه علم انه اسم للسورة لما أعربه؛ لأن حكم الحروف إذا هُجيت أن تُحكى بحال الوقف، نحو: ألف، لام، ميم.
وهذا الاستدلال غير ناهض؛ لأن تلك الحروف لما اشتهرت بها السورة جاز أن يعامل مجموعها معاملة الاسم، وأن تجري عليها أحكام الأسماء في تلك الحالة، أو هو ضرورة.
* * *
стр. 179
باب ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ فأَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣]
وقع فيه قول ابن مسعود [٦: ١٦١، ١٣]:
(اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي؛ كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ وقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا).
وجه قلة فقه قلوب هؤلاء الثلاث:
أن أولهم: كان شاكًا في إحاطة علم الله بالواقعات.
والثاني: كان أجهل من الأول؛ لأنه قصر علم الله على الجهر من الكلام دون السر مع أن الجهر لا أثر له في ذلك.
والثالث: كان أقل منهما جهلاً؛ لأنه علم أن الجهر والسر سواء بالنسبة إلى علم الله؛ إذ ليس ثمة قرب مكان، ولكن قلة فقه قلبه أنه أبطل التفرقة بين الجهر والسر ولم يتوصل إلى الجزم بأن الله يعلم قولهم.
* * *
باب قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]
فيه قول طاوس [٦: ١٦٢، ٧]:
(أن ابن عباس سُئل عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فقال سعيد بن جُبير: قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة).
قوله لابن جبير: «عجلت»، أي عجلت في الجواب عن غير تأمل فأخطأت.
وكان سبب عجلة سعيد أنه قد شاع بين العامة المتشيعين لعلي وابنيه ﵃ أن فهموا قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] أن الله أمر نبيه أن يوصي الناس بأن يودوا أقاربه.
وإنما عده ابن عباس عجلة مذمومة؛ لأنه لم يُجد النظر في موقع حرف (في) الذي هو للتعليل. وأن الخطاب للكافرين الذين تكرر الخطاب لهم في تلك السورة
стр. 180
إلى قوله: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾. ثم قال: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. فكان من إعذار الله إلى المشركين أن نبَّههم إلى أن الرسول ﷺ لا يطلب منهم نفعاً لنفسه إلا أن يودوه لأجل قرابته من بطون قريش ومن حولهم. وذلك من دأبهم فقد دعاهم إلى ما يعرفون، أي لا أسألكم إلا المسالمة وترك الأذى فالمراد بالمودة ترك ضدها.
ولو كان المراد مودة المؤمنين لآل النبي لسمج الكلام؛ لأن المؤمنين لا يظن بهم أن يتوهموا أن النبي يرجو منهم نفعاً، فإن كان يرجوه فإنما يرجو أن ينصروا الله ويخلصوا الإيمان.
وأيضاً فإن «القربى» اسم للمعنى الذي به يكون القريب قريباً، فالمودة لأجلها.
ولما لم تضف «القربى» إلى ما يعين نسبتها تعين أن المراد الجنس الذي بين المتكلم والمخاطب. وأما لو كان المراد قربى الرسول، أي أهل قرابته، أي أقاربه، فلا يحسن جلب حرف (في)؛ لأن القريب مودود لا مودود لأجله.
* * *
باب ﴿ونَادَوْا يَا مَالِك﴾
فيه حديث يَعْلى بن أمية [٦: ١٦٣، ٩]:
(سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿ونَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّك﴾).
مراده بهذا الحديث توهين قراءة من قرأ (نَادَوْا يَا مَال) بالترخيم وهي قراءة علي وابن مسعود. فأراد يعلى بن أمية توهينها من جهة السند.
وكان ابن عباس ردَّها أيضاً من جهة المعنى، فقال: ما كان أغنى أهل النار عن الترخيم، يعني أن الترخيم تفنُّن وتلطف في الكلام، والذين في النار في النار هم في شاغل عظيم عنه. واعلم أن كلا الأمرين لا يردُّ صحة القراءة؛ لأن النبي ﷺ قد يقرأ بالقراءتين وبأكثر، كما جاء في حديث اختلاف عمر مع هشام بن حكيم في سورة الفرقان، واختلاف أُبَيِّ بن كعب مع عبد الله بن مسعود في سورة الحواميم. وصوب رسول الله ﷺ كّلاً منهم.
وأما من جهة المعنى فقد يكون مخاطبتهم مالكاً خازن النار بالترخيم تزلُّفاً إليه وترقيقاً له على حالهم.
стр. 181
سورة الجاثية
فيه حديث أبي هريرة [٦: ١٦٦، ٩]:
(قال رسول الله ﷺ : «قال الله : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»).
الأذى: المعاملة بما يكرهه المعامَل، وهو دون الضرِّ، مثل العجرفة وسوء الأدب. فمعنى «يؤذيني ابن آدم» يسيء الأدب الذي تقتضيه الربوبية؛ إذ يعتقد أن الدهر، وهو الزمان، متصرف في حوادث العالم. فإذا لاقى من أحداث العالم ما لا يلائمه سبَّ الدهر غضباً.
وليس يريد من يسب الدهر أنه يسبُّ الله تعالى وإلا لكان سبُّه أشدَّ من الأذى فموقع جملة «يسبُّ الدهر» موقع الاستئناف البياني لأذى ابن آدم ربه؛ لأن الإخبار عن ابن آدم بأنه يؤذي الله خبر غريب يثير في نفس السامع تساؤلاً عن هذا الأذى.
والظاهر أن المراد بابن آدم ما يشمل المسلمين، إذ يقول أحدهم: «يا خيبة الدهر» مثلاً، فكان هذا الحديث القدسي تعليماً للمسلمين وتربية لهم. وقد روي عن النبي ﷺ : «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» رواه البخاري [٨: ٥١، ١١] ومسلم. وعنه: «لا تقولوا: يا خيبة الدهر» رواه مسلم.
ويجوز أن يكون معنى «يؤذيني» أنه يسب الدهر. وذلك يؤول إلى السخط على تصرف الله. فإذا تأمل فيه المتأمل وجد الدهر ليس شيئاً موجوداً فشعر بأنه سبَّ المتصرف الحقيقي في العالم.
وإنما كان هذا أذى لله ولم يكن سبّاً له؛ لأن سبَّ الدهر السبب دال بالمطابقة على غير الله. وإنما دلالته على الجرأة على الله بالالتزام غير البين، فكان بذلك أذى وعجرفة.
ومعنى «وأنا الدهر» وأنا فاعل ما نسبه ابن آدم إلى الدهر، وهذا تنبيه على لازم قول الناس: خيبة للدهر، ونحوه، وجملة «بيدي الأمر» مبينة لجملة «وأنا الدهر».
وجملة «أقلب الليل والنهار» بدل من جملة «بيدي الأمر» بدل بعض من كلٍّ؛ لأن تقليب الليل والنهار من أعظم أحوال هذا العالم.
* * *
стр. 182
سورة الأحقاف
وقع فيه قول عائشة ﵁[٦: ١٦٧، ٤]:
(مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا شَيْئاً مِنَ القُرْآنِ إِلا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي).
ضمير المتكلم المشارك مراد به آل أبي بكر ﵁ بقرينة قول مروان لعبد الرحمن بن أبي بكر: «هذا الذي أنزل فيه ﴿والَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا ﴿الآية»؛ ولذلك لا يكون أبو بكر مراداً من الضمير فإنه قد نزل فيه ثلاث آيات:
قوله تعالى: ﴿والَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الغَارِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿ولا يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ والسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى والْمَسَاكِينَ﴾ الآية.
* * *
سورة الفتح
باب ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾
وقع فيه قول عبد الله بن عمرو بن العاص [٦: ١٦٩، ١٨]:
(أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي القُرْآنِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾) إلخ.
هذا صريح في أن عبد الله بن عمرو بن العاص أراد آية سورة الأحزاب؛ لأنها التي فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾. وأما التي في سورة الفتح فأولها ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾. وآية سورة الأحزاب أقوى شبهاً بما حكاه عبد الله بن عمرو من عبارات التوراة فكيف ذكر البخاري هذا الحديث في تفسير سورة الفتح وكان ذكره في تفسير سورة الأحزاب أحق. وقد غفل عن هذا جميع الشارحين لصحيح البخاري: ابن حجر والعيني والقسطلاني وزكريا والكوراني.
* * *
стр. 183
باب ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن ورَاءِ الحُجُرَاتِ﴾ الآية
وقع فيه قول الراوي [٦: ١٧١، ١٢]:
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَى خَلاَفيِ أَوْ إِلا خِلافِي).
شكٌّ من الراوي. فإن كان بحرف (إلى) فـ (ما) اسم استفهام مستعمل في اللوم والتوبيخ، أي ما الذي أردت تبلغ إلى خلافي، أي ما الذي أوصلك إلى خلافي؟ ففي الكلام تضمين «أردت» معنى فعل يتعدى بـ (إلى).
وإن كان بحرف (إلا) الاستثنائية فـ (ما) نافية، أي ما كان لك مراد من الإشارة بتأمير الأقرع بن حابس إلا مجرد مخالفتي.
فعلى الوجه الأول يكون أبو بكر مخبراً بأنه لم يظهر له ما حمل عمر على الإشارة بتأمير الأقرع.
وعلى الوجه الثاني يكون قد جزم بأن عمر لا وجه له في تأمير الأقرع وأنه ممن لا يشبه في كونه دون القعقاع بن معبد.
* * *
سورة النجم
وقع قوله [٦: ١٧٥، ١٧]:
(سَامِدُونَ البَرطَمَةُ).
رواه الجمهور –بميم بعد الطاء– ووقع لأبي ذر عن الكشميهني –بنون بعد الطاء – ونسبها في «المشارق» للأصيلي والقابسي وعبدوس. وهي رواية ضعيفة إذ لم يذكر أحد من علماء العربية البرطنة بالنون، ولا ذكرها ابن الأثير في النهاية. ولا عزاها عياض في المشارق للغة، ولكنه قال: فسره الحمَوي بضرب من اللَّهو؛ ولعلها من قبيل إبدال الميم نوناً، إلا أن هذا القلب لا يعهد له نظير ولا هو قياسي فلا يقبل إلا عن سماع من العرب. وعلى قبوله فيتعين أن يكون مرادفاً للبرطمة بالميم.
* * *
стр. 184
باب «ومناة الثالثة الأخرى»
وقع فيه قول عائشة [٦: ١٧٧، ٥]:
(كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يَهِلُّ لِمَنَاةَ وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ قَالُوا: يَا بَنِيَّ اللهِ كُنَّا لَا نَطُوفُ بِيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة تَعْظِيماً لِمَنَاةَ).
وقع في الحديث اختصار، أي تعظيماً لمناة أن تشرك معها غيرها من الأصنام في الطواف، لأنهم كانوا يحسبون الطواف بين الصفا والمروة تقربّاً للصنمين اللذين كانا موضوعين عليهما، وهما: إساف على الصفا، ونائلة على المروة، وليسا من أصنام أهل يثرب.
* * *
باب قوله ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ الآية
فيه قول ابن عباس [٦: ١٧٩، ١٢]:
(فأخذ أبو بكرٍ بيده فقال: حسبُك يا رسول الله ألححت على ربِّك، وهو يثبُ في الدِّرع، فخرج وهو يقول: «﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾»).
فقوله: «وهو يثب في الدرع» لم يفسره الشارحون بما يقبل، وأهمله صاحب النهاية. وقال عياض في المشارق: أي يمشي فيها بقوة وطاقة وينزوي في مشيه. اهـ.
وكنت علقت عليه أن معناه حكاية هيئة رسول الله ﷺ حين لبسه للدرع: بأنه يعالج أن يدخلها في جسده، فهو يتمطى لذلك لصلابة الحديد. وهذا أحسن مما في المشارق. واعلم أن هذه الجملة أعني قوله: «وهو يثب في الدرع» لم تقع إلا في هذه الرواية.
* * *
باب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾
فيه حديث أم عطية قولها [٦: ١٨٧، ٨]:
(ونهانا عن النِّياحة فقبضت امرأةٌ يدها فقالت: أسعدتني فلانةُ أريد أن أجزيها، فما قال لها النَّبيُّ ﷺ شيئاً. فانطلقت ورجعت فبايعها).
стр. 185
أشكل على الناظرين وجه سكوت النبي ﷺ على منكر. وفي روايات أخرى لغير البخاري أنه قال لها: «إلا آل فلان». وفي رواية: «فلما قالت له ذلك أَبَى، قالت: فراجعته مراراً فأذن لي». وفي رواية قال: «اذهبي فكافئيهم» حتى قال بعضهم: لعل النياحة كانت مباحة، ثم كرهت كراهة تنزيه، ثم تحريم؛ فيكون الإذن المحكي في الروايات وقع لبيان الجواز مع الكراهة.
وأنا أرى: أن النهي صريح في التحريم. وحسبك أنه قد أخذ عليهن العهد على تركه في عداد محرمات، وأن التحريم ورد ساعتئذ، وقد سبقه موت الذي كان أهله أسعدوا القائلة بنياحة من قبل، وكان في تخلفها عنهم بلوغ تحريم النياحة واشتهاره يوقع في نفوس أهل الميت على المرأة المتحدث عنها، وظنّاً أنها تخلَّفت عنهم لأمر ما، فرأى رسول الله ﷺ أن يرخص لها ولهم تلك الساعة استصحاباً لحال الإباحة حتى يبلغهم التحريم ويستقر الحكم، وإلا فلا حَدَّ للآتي سَاعَدْنَ وَسُوعِدْنَ على النياحة، فلا يكون الإذن لهذه المرأة في هذه المرة مجدياً لها في حادثة أخرى ولا لغيرها.
* * *
باب قوله ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُم﴾ الآية
وقع فيه قول الراوي [٦: ١٩٢، ٣]:
(وكانت الأنصارُ أكثر من المهاجرين حين قدمُوا المدينة، ثمَّ إنَّ المُهاجرين كثُرُوا بعدُ).
زاد الراوي هذا الكلام ليتضح معنى الآية؛ لأن العزة هي الكثرة، كما قال الشاعر:
وإنما العزة للكاثر
فهذا معروف عندهم. قال السَّموأل:
تُعَيِّرنَا أَنَّا قَلِيلٌ عَدِيدُنَا ... فَقُلَتُ لَهَا إِنَّ الكِرَامَ قَلِيلُ
وَمَا ضَرّنَا أَنَّا قِليلٌ وَجَارُنَا ... عزيز وَجَارُ الْأّكثَرِينَ ذَلِيلُ
وأما تكاثر المهاجرين بعد ذلك فمصداق قول رسول الله ﷺ [٥: ٤٣، ٢٠]: «يكثر الناس وتقِلُّ الأنصار».
стр. 186
باب ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ الآية
وقع فيه قول ابن سيرين [٦: ١٩٤، ٤]:
(فَضَمَّر لي بَعْضُ أصْحَابِهِ).
اختلفت النسخ والروايات في قوله: «فضمز لي» فكتبوها على سبعة أشكال، والصحيح منها رواية أبي ذر" «فضمز لي» بزاي بعد الميم وبتخفيف الميم وبلام وياء بعد ذلك – يقال: ضمز، بمعنى أخفى صوته، من باب نصر. قال كعب بن زهير في صفة الأسد:
منه تظلُّ سباع الجو ضامزة ... ولا تمشِّى بواديه الأراجيلُ
ومعنى «ضمز لي» أشار إليَّ أن اسكت. وقال في المشارق: أصوبها: ضمز لي – بتشديد الميم وبالزاي – أي أسْكَتني. اهـ. وهذا لا يلاقي قول ابن سيرين «فَفَطِنْتُ له».
* * *
سورة المدثر
ذكر حديث يحيى بن أبي كثير أنه سأل أبا سَلْمَةَ [٦: ٢٠٠، ١٧]:
(عن أول ما نزل فقال: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّر﴾ وأن أبا سلمة حدثه عن جابر بن عبد الله».
وقد أخرج البخاري حديث جابر من رواية يحيى بن أبي كثير من طريق علي بن المبارك وطريق حرب بن شداد، وليس عن أحد منهما ما يشهد لما قاله أبو سلمة أن ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّر﴾ هي أول ما أنزل.
ثم أخرج البخاري حديث جابر من طريقي معمر وعقيل عن الزهري، فإذا فيه أن جابراً قال: (سمعت رسول الله ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي). وهذا يبين أن ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّر﴾ نزلت بعد فترة الوحي فلا تكون أول ما أنزل؛ وبذلك يتبين أن أبا سلمة أخذ من حديث جابر ما لا يدل عليه؛ لأن جابر لم يخبره بأن سورة المدثر هي أول ما نزل.
стр. 187
فيه قول البخاري [٦: ٢٠١، ٨]:
(مثل حديث عُثمان بن عُمر عن علي بن المُبارك).
هذا لفظ محمد بن بشار شيخ البخاري. ذكره البخاري بلفظه مع أنه لم يخرج هنا رواية عثمان بن عمر عن علي بن المبارك، ولكنه أخرج رواية وكيع عن علي ابن المبارك، وهو مثل حديث عثمان بن عمر، فلما لم يَرْوِه البخاري عن عثمان ابن عمر، وروى عن محمد بن بشار حديثه أثبت لكلام محمد بن بشار بلفظه مع العلم بأن لفظ حديثه مماثل للفظ حديث وكيع؛ إذ كلاهما رواه عن علي بن المبارك.
* * *
سورة اقرأ باسم ربك
فيه قول الحسن [٦: ٢١٤، ٤]:
(اكتُب في المُصحف في أوَّل الإمام بسم الله الرَّحمن الرَّحيم).
وجه ذكر هذا القول في تفسير هذه السورة أن الحسن جعل الأمر في قوله تعالى: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴿دالاًّ على طلب التسمية عند ابتداء القراءة للقرآن لكل قارئ، فليس الأمر خاصّاً بالنبي ﷺ ؛ لأن كل حكم خوطب به النبي ﷺ فأمته مثله فيه ما لم يدل على الخصوصية دليل. ولما كان أول المصحف هو أول ما يقرؤه القارئ وضع له البسملة علامة على الابتداء، وليس الحسن مما يرى أن البسملة آية في أول الفاتحة؛ لأنه لو كان كذلك ما كان لذكر قوله في أول سورة العلق وجه.
* * *
سورة الصمد
فيه حديث أبي هريرة [٦: ٢٢٢، ١٠]:
(عن النَّبيِّ ﷺ قال: «قال اللهُ: كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك»).
المراد التكذيب بلسان الحال، فإن الخلق الأول دالٌّ على أنه من صنع الله، فهو ناطق بدلالة الحال بأن الله صانعه. ولم ينكر المشركون أن الله خالق الخلق الأول،
стр. 188
فلما أنكر ابن آدم البعث كان كمن أنكر الخلق الأول، فليس المراد بالتكذيب الكفر والجحد لما جاء به الرسول ﷺ ؛ لأن ذلك غير مختص بهذا كما هو بيِّنٌ.
ومعنى قوله: «ولم يكن له ذلك» أنه لا شبهة له فيه، كما دل عليه قوله: «فأما تكذيبُه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون عليِّ من إعادته» بل هو في متعارف الناس أسهل وهو بالنسبة إلى الله تعالى سواء والإعادة؛ ولذلك قال: «ليس بأهون عليّ من إعادته».
«وأما شَنْمُهُ إياي فقوله: اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفؤاً أحد».
جعل نسبة الولد إلى الله تعالى شتماً لما يلزمه من توقع الفناء، ومن الاحتياج عند الهرم؛ لأن الله جعل الذرية ناموساً من نواميس البقاء بعد العدم، لتكون الذرية خلفاً للأصول عند انعدامها حتى لا ينعدم النوع، والناس اتخذوا من الذرية عوناً لهم على المتاعب وعند العجز، فنسبة الذرية إلى الله يستلزم الأمرين، فكان شتماً؛ لأنه تنقيص.
* * *
باب «كيف نزل الوحي ؟ »
فيه حديث أبي هريرة ﵁[٦: ٢٢٤، ٥]:
(قال النَّبيُّ ﷺ : «ما من الأنبياء نبيٌّ إلاَّ أُعطي من الآيات ما مثلُهُ آمن عليه البشر وإنَّما كان الَّذي أوتيت وحياً أوحاه اللهُ إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة»).
معنى «آمن عليه البشر» أنهم يجدونه خارقاً للعادة فيما هو أعظم شيء عندهم، فإذا وجدوه كذلك علموا أنه من عند الله.
وإنما يحصل ذلك العلم لهم بمعجز أعلم الناس منهم بنوعه عن الإتيان بمثله، كعجز السحرة عن الإتيان بمثل حية موسى، وعجز الأطباء عن الإتيان بمثل شفاء عيسى، وعجز الحكماء عن تعبير الرؤيا بمثل تعبير يوسف.
فموقع «على» في قوله: «آمن عليه البشر» هو الاستعلاء المجازي، شبهت الآيات بحمولة تسير بهم إلى الإيمان، والمراد بالبشر الناس، أي بشر عصرهم.
стр. 189
وقوله: «وإنَّما كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْياً» صيغة قصر تقتضي انحصار معجزة النبي ﷺ في الوحي الذي أوحاه الله إليه، أي القرآن. والقصر هنا للمبالغة؛ لأن القرآن هو المعجزة العامة لسائر البشر في سائر الأزمان، فغيره من المعجزات خاص ببعض الناس الذين شهدوها، وليسوا هم جميع البشر الذين أريد منهم الإيمان بمحمد ﷺ ؛ ولذلك لم يقع التحدي بغير القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾.
وقوله: «وحياً أوحَاهُ الله إليَّ» أي كلاماً؛ إذ الوحي من ضروب الكلام.
وقوله: «أوحاه الله» تأكيد لمعنى الوحي، حتى لا يتوهم أنه إلقاء معانٍ في النفس، فلذلك بينه بقوله: «أوحاه الله إليَّ» أي أرسله إلي بلفظه.
وفيه بيان فضيلة معجزة القرآن على سائر المعجزات؛ لأن جميع المعجزات كانت من أعمال الرسل بتأييد الله إياهم، والتأييد أمر خفي. وكانت معجزة القرآن لفظاً من لغة يعجز أهل تلك اللغة عن مثله، فهو لفظ منزل من عند الله لا عمل للرسول فيه إلا تلاوته كما نتلوه نحن. وهو معجزة في وقت تلاوة الرسول إياه، ومعجزة في وقت تلاوتنا إياه.
ومعنى قوله: «وإنما كان الذي أوتيت وَحْياً أوحاه الله إليَّ» أنه كلام ينقل ويحفظ ويتأمله المتَحَدُّون به في سائر الأحوال فلا يستطيعون أن يدَّعُوا أنهُمْ سُحِرُوا أو استُرْهِبوا؛ لأن لهم من مكنة التأمل ما يدفع عنهم الشك في نفوسهم أن يكونوا في وقت تلقي المعجزة متأثرين بسحر أو برهبة وتأثير من قوة الرسول بخلاف المعجزات التي تنقضي بانقضاء وقت حدوثها ويتطرق الشك في ناقليها والمحدِّثين عنها.
وإذ قد كان قوله: «وَحْياً» مراداً منه قرآناً فقد شملت آية القرآن ما فيه أيضاً من الإعجاز العقلي باشتماله على علوم جمة لا قِبَل لأهل ذلك العصر بها ولا قِبَل للأميِّ بمعرفتها. وهي تتجلى للناس عصراً فعصراً بمقدار ازدياد علومهم واتساع أفهامهم؛ ولذلك لم يقل: وإنما كان الذي أوتيت بلاغة أو فصاحة، بل قال: «وحياً» ليشمل كل ما دل عليه القرآن من دلائل صدق رسالة محمد ﷺ .
وقوله: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» موقع الفاء التفريعية فيه رشيق؛ لأنه إذا كانت آيته وحياً فهي أقرب إلى إطلاع الناس عليها بأنفسهم دون واسطة، وأقرب إلى تمكينهم من مدارستها وتفهمها، وأجدر بدلالتها مختلف أصناف العقلاء
стр. 190
والمفكرين على ما تشتمل عليه ألفاظها ومعانيها من دلائل كونها من عند الله، وأن لا قِبَل لواحد من البشر أن يأتي بمثلها ألفاظاً وتراكيب ومعاني وهدياً.
ولا جرم أن ذلك كله مستكثر للموقنين بدلالتها، الذين يؤمنون بصدق الرسول الذي أتى بها؛ فيكون أتباعه أكثر من أتباع غيره، ضرورة أنهم يتزايدون على طول الزمان.
وقد انحصر عدد أتباع الرسل الآخرين بانتهاء مدد شرائعهم، وأن لا يقبل من أحد إتباع واحد منهم بعد انتهاء أمد شريعته بالنسخ، فالناس بعد بعثة محمد ﷺ قسمان: قسم هم أتباعه، وقسم لم يتبعوه، فهم لا يلحقون بأحدٍ من الرسل؛ إذ لا ينفع أتباع أحد من الرسل الماضين بعد مجيء الرسول العاقب ﷺ كما قال عيسى ﵇ في الإنجيل: «لكن الذي يصبر إلى المنتهى فهو يخلص ويكرز ببشارة الملكوت ثم يكون المنتهى».
* * *
باب تأليف القرآن
وقع فيه قوله [٦: ٢٢٨، ١٠]:
(لعلِّي أُؤلِّفُ القرآن عليه فإِنَّه يُقرأُ غير مؤلَّفٍ).
الظاهر أن ذلك قبل أن يرسل عثمان بن عفان ﵁ بالمصاحف إلى الآفاق؛ لأنه أرسل مصحفاً إلى العراق، والسائل يقول فإنه: «يقرأ غير مؤلف»، وأراد بالتأليف ترتيب السور بالمصحف لقول عائشة له: «وما يضرك أيَّه قرأت قبل» أي: القرآن، أي أيَّ سورة، وروى (أية) بالتأنيث، أي أيَّة سورةٍ قرأت.
* * *
ووقع فيه قول عائشة [٦: ٢٢٨، ١٣]:
(ولو نزل أوَّل شيءٍ: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً).
يحتمل أنها أرادت: لقال المشركون: لا ندع الخمر أبداً، أي لامتنعوا من الدخول في الإسلام؛ لئلا يتركوا شرب الخمر، وليست تريد أن المسلمين يقولون ذلك؛ لأنهم منزهون عن معصية الرسول ﷺ .
стр. 191
ويحتمل أن المعنى: لقالوا في نفوسهم ذلك وخواطرهم من شدة ثقل تلك التكاليف عليهم فأراد الله الرفق بهم.
* * *
باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ -
فيه التعليق عن فاطمة ﵁[٦: ٢٢٩، ٦]:
(أسرَّ إليَّ النَّبيُّ ﷺ : «أنَّ جبريل كان يُعارضُني بالقرآن كلَّ سنةٍ، وإنَّهُ عارضني العام مرَّتين ولا أُراه إلاَّ حضر أجلي»).
ووجه دلالة تكرير العرض على اقتراب الأجل أن التكرير استكثار من العمل الصالح، وقد ورد في الصحيح [٣: ٦٧، ٤] أنه اعتكف عشرين ليلة في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف في كل عام عشراً، وشأن المودع أن يكثر من التمتع بما يحب إذا استشعر فراقه، كما قال:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
* * *
باب من لم يتغن بالقرآن
وقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [٦: ٢٣٥، ١٦].
وجه إدخال الآية في الترجمة التمهيد لتأويل الحديث الآتي «بأن يتغنى» بمعنى يستغني بالقرآن، أي عن غيره من الكتب؛ وذلك رأي البخاري فاستأنس لهذا التأويل بآية فيها هذا المعنى.
* * *
أخرج فيه حديث أبي هريرة [٦: ٢٣٦، ٢]:
(عن النَّبيِّ ﷺ ما أذن الله لشيء ما أذن للنَّبيِّ ﷺ أن يتغنَّى بالقرآن. قال سفيان: تفسيره يستغني به).
هذا هو رأي البخاري كما أسلفناه. والحق أن هذا المحل للحديث بعيد، ؟ ؟ ؟ ؟
стр. 192
قوله فيه: «ما أذن الله لنبي ما أذن للنبي أن يتغنى بالقرآن» ينبئ بأن المأذون فيه جنسه غير مأذون فيه للأنبياء.
وإنما أذن لهم في التغنِّي بالقرآن؛ لأنه يعين على الازدياد من الخشية، ففيه تحقيق مقصد ديني، وإن كان غالب جنسه لا يراد منه ذلك، بل يراد منه اللَّهو؛ ولذلك سمي الغناء لهواً في حديث الوليمة فإن الأنصار يعجبهم اللَّهو؛ فإذن الله للأنبياء في التغني بالقرآن حكم غلب فيه النادر على الغالب.
ونظير هذا قول رسول الله ﷺ لبعض الصحابة وقد خرج إلى الحرب يتبختر: «هذه مشية يكرهها الله إلا في هذا المكان».
* * *
стр. 193
كتاب النكاح
باب نكاح الأبكار
وقع فيه قول عائشة ﵁[٧: ٦، ٣]:
(يا رسول الله، أرأيت لو نزلت وادياً وفيه شجرةٌ قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يُؤكل منها في أيِّها كنت ترتع بعيرك؟ ).
ضربَتْ مثلاً للزوجة بِمَرْعى الإبل، فإن البعير إذا رعى شجرة أكل أطيب ورقها وترك أيبسه، ولأن الدواب تكره أن تأكل من مواقع أفواه دواب أخرى؛ لأن الراعية تترك في الورق والعشب رائحة اللعاب ونحوه، فجاء مثلاً كاملاً صالحاً لتفريق التشبيه؛ لأن الزوجة البكر كالشجرة التي لم يرتع منها، والثيب كالتي رتع منها، والزوج كالسائمة؛ فكان التمثيل شعريّاً تقريبيّاً وليس بحقيقي.
* * *
باب الثيبات
وقع فيه قول رسول الله ﷺ لجابر [٧: ٦، ١٨]:
(ما لك وللعذارى).
هكذا ثبت في الروايات ولعله تحريف من الراوي، والصواب: (ما لك عن العذارى؛ لأن كلمة «ما لك ولكذا» تفيد النهي عن مقاربته، كما في حديث ضالة الإبل [٣: ١٦٣، ٦]: «ما لك ولها معها حذاؤها ... » إلخ.
* * *
باب اتخاذ السراري
وقع فيه حديث أنس في وليمة صفية أم المؤمنين وقوله [٧: ٨، ٣]:
(فقال المُسلمون: إن حجبها فهي إحدى أمَّهات المؤمنين وإن لم يحجبها فهي ممَّا ملكت يمينه) إلخ.
стр. 194
توقف الشارحون في مطابقة هذا الحديث للترجمة، وتكلفوا لبيان وجه المطابقة.
والذي عندي: أن وجه المطابقة أن صفية كانت أَمَة لرسول الله ﷺ ثم صيَّرها زوجاً وجعل عتقها صداقها، فهو مطابق لقوله في الترجمة: «ومن أعتق جارية ثم تزوجها» فإن رسول الله ﷺ لما حجبها بعد أن كانت غير محجوبة قد نقلها من حال الإماء إلى حال أمهات المؤمنين.
* * *
باب ما يُتَّقَى من شؤم المرأة [ ٧: ١٠، ١٤]
انظر ما حررته في حديث مالك ﵀ في كتابي كشف المغطى.
* * *
باب ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾
وقع فيه قول رسول الله ﷺ لأم حبيبة [٧: ١٢، ١١]:
(«فلا تعرضن عليّ بناتكُنَّ ولا أخواتِكُنَّ»).
نهاهُنَّ عن ذلك لعدم جدواه، فالخوض فيه إضاعة لنفيس الوقت: فالنهي هنا ليس نهي تكليف، ولكنه مستعمل في الإرشاد، كما تستعمل صيغة الأمر في الإرشاد والمشورة، فليس النهي نهي تحريم ولا كراهة؛ إذ لا تترتب على المنهي مفسدة ولا ما يشبهها.
* * *
باب النهي عن نكاح المتعة
وقع فيه قول عكرمة [٧: ١٦، ١٣]:
(إنَّما ذلك في الحال الشَّديدة وفي النِّساءِ قِلَّةٌ).
معناه في شدة العزبة وحين يكون ما معهم من أزواجهم قليلاً في الجهاد والسفر؛ إذ يقل أن يخرج الرجل معه زوجته يريد أنه رخصة.
стр. 195
باب حسن المعاشرة مع الأهل
وقع فيه قول السادسة من نساء حديث أُمِّ زَرْعِ [٧: ٣٥، ٢]:
(ولا يُولِجُ الكفُّ، ليعلمَ البثَّ).
جرت أسجاع كلامها على حرف الفاء أخت القاف، ولكن قولها: «ليعلم البث» خالف الأسجاع؛ إذ جاء على حرف الثاء المثلثة، فإما أن يكون السجع جرى على اعتبار قرب المخارج، فيكون بمنزلة فواصل القرآن، وإما أن تكون جرت على لغة من ينطق بالثاء المثلثة فاء أخت القاف، كمن يقول في جدث جدف، وفي ثوم فوم، وهي لغة معروفة بقي منها في بلادنا في لسان أهل صفاقس.
* * *
ووقع فيه قول العاشرة [٧: ٣٥، ٦]:
(لهُ إبلٌ كثيراتُ المبارك، قليلاتُ المسارحِ).
كذا في هذه الرواية، ووقع في بعض الروايات: (قليلات المسارح كثيرات المبارك)، وهي الأولى لتجريَ الأسجاع كلها في كلامها على حرف الكاف.
* * *
ووقع فيه قول الحادية عشرة أيضاً [٧: ٣٥، ١٦]:
(خرج أبُو زرع والأوطابُ تُمخض فلقيَ امرأةً ... ) إلخ.
لم يتعرض الشارحون لفائدة الاعتراض بجملة «والأوطاب تمخض» بما يشفي، وأراه لقصد الكناية عن وقوع الطلاق دون موجب يقتضيه من ضيق الحال وقلة الأقوات، وأن أبا زرع ذو خطرات؛ فلما أعجبته المرأة التي لقيها طلق أمَّ زرع وتزوج المرأة العارضة له، وقد كان ضيق العيش من موجبات الطلاق، قال الأحوض:
يا أبجر يا ابجر يا أنتا ... أنت الذي طلقت عام جُعتا
وقال الشاعر – أنشده الفراء ولم يعزه:
فلو أنَّكِ في يوم الرخاء سألتِني ... طلاقَكِ لم أبخل وأنتِ صديق
وكأنها حكت تطليق أبي زرع إياها، تريد أن المرأة لا تغيَّر بمحبة الرجل إياها،
стр. 196
فإنه قد يكون من خلق بعض الرجال زوال محبة المحبوبة بسبب الميل إلى امرأة أخرى؛ لأنها ذكرت إكرامه لها ثم انقلاب أمره في غدوة بدون حدوث ما يقتضيه إلا لُقْيَا امرأة في طريقه.
* * *
باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها
فيه قول أبي هريرة [٧: ٣٩، ٥]:
(عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إذا دعا الرَّجلُ امرأتهُ إلى فراشه، فأبت أن تجيء لعنتها الملائكةُ حتَّى تُصبحَ»).
خصَّ ذلك بالليل لقوله في هذا الحديث: «حتى تصبح»، وقوله في رواية زرارة [٧: ٣٩، ٧]: «إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها».
ووجه ذلك أنه وقتُ المضاجعة والأنس بالمرأة عادة؛ لأن النهار وقتُ شغلها، فهي محمولة على العذر فيه.
والمراد من الحديث أنها امتنعت لغير عذر ولا مغاضبة منه إياها، فهو الامتناع المشعر بالنشوز عنه؛ ولذلك كانت عقوبته لعن الملائكة إياها؛ لأن النشوز كبيرة، ولذلك كانت له عقوبة شرعاً، وهي الهجران أو الضرب؛ لأن النشوز تنشأ عنه مفاسد جمة بين الزوجين، وجنايات مع المرغوب إليه، فهذا تأويل الحديث؛ لأن ظاهره مشكل.
* * *
باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه
وقع فيه قول رسول الله ﷺ [٧: ٣٩، ١١]:
«وما أُنفقت من نفقةٍ عن غير أمرهِ فإنَّهُ يُؤدَى إليه شطرُهُ».
المراد من أنفقته مما يعرف لأمثاله إنفاقه مع عدم إذنه بأنها في إنفاقه كالوكيل عن زوجها في ماله فلها حكم الوكيل في ذلك؛ فلذلك كان لها نصف الثواب؛ لأنها تسببت لزوجها في ذلك الثواب، فإنها لو لم تنفقه لتعطل ذلك النفع؛ لأن الزوج
стр. 197
لم يأمر بإنفاقه، ولو لم يكن هذه المراد لكانت المرأة آثمة في صرف مال زوجها بدون إذنه.
ونظير هذا المعنى ما ورد في الحديث الآخر: «وللخازن مثل ذلك»؛ لأنه من التعاون على البر، أما لو نهاها الزوج عن الإنفاق فإنها تكون آثمة بمخالفة نهيه، كالوكيل الذي ينهاه موكِّله عن تصرف خاص، ولو كان مصلحة.
وقد دل على هذا حديث هند بنت عتبة، إذ قال لها رسول الله ﷺ : «لا إلا بالمعروف» [٧: ٨٥، ٦].
* * *
باب كفران العشير
وقع فيه قول البخاري [٧: ٣٩، ١٧]:
(فيه عن أبي سعيدٍ عن النبي ﷺ ).
وهو الحديث الذي أخرجه البخاري في باب ترك الحائض الصوم من كتاب الطهارة.
* * *
باب ذم المتشبع لما لم ينل
وقع فيه قول رسول الله ﷺ [٧: ٤٥، ٣]:
«المُتشبِّعُ بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زُور».
إنما شبهه بلابس ثوبين، ولم يشبهه بلابس ثوب واحد زوراً، أنه جرى على الغالب في عرف الناس، أنَّ لباس الزور هو لباس المرء ثياباً مستعارة يُوهم الناس أنها ثيابه. والشأن أن الثياب إنما تستعار إذا كانت متماثلة صنفاً ولوناً، وهي المسماة الحُلَّة، وهي ثوبان: رداء وإزار، فلو استعار المرء أحد ثوبين فلَبِسَهُ مع ثوبه القديم لظهر الاختلاف بين الثوبين، فعلم أن أحدهما مستعار. وفي حديث أبي ذَرٍّ في لباسه ولباس عبده وقول الناس له ما يدل على هذا المعنى.
стр. 198
باب الغيرة
فيه حديث سعد بن عبادة [٧: ٤٥، ٤]:
(لو رأيتُ رجلاً مع امرأتي لضربتهُ بالسَّيفِ غير مُصفح فقال النَّبيُّ ﷺ : «أتعجبون من غيرة سعدٍ لأنا أغير منه واللهُ أغير منِّي»).
محل كلام رسول الله ﷺ بيان المشاركة في صفة الغيرة التي هي من المحامد، إذا كانت بعدل وتعقُّل.
وسيجيئ شرح هذا الحديث لنا مستوفى في كتاب الحدود في: «باب من رأى مع امرأته رجلاً فقتله».
* * *
باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة
وقع فيه حديث المسور بن مخرمة [٧: ٤٧، ١٣]:
(سمعتُ رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: «إنَّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن يُنكحِوا ابنتهم عليَّ بن أبي طالبٍ فلا آذن ثمَّ لا آذن ثمَّ لا آذن إلاَّ أن يريد ابن أبي طالبٍ أن يُطلِّق ابنتي وينكح ابنتهم فإنَّما هي بضعةٌ منِّي يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها»).
معناه أن منع رسول الله ﷺ من الجمع بين ابنته وابنة أبي جهل في عصمة علي، هو أن ذلك يؤذي فاطمة لغيرتها، وأن أذاها يفضي إلى أذى رسول الله ﷺ ، وأن ذلك لا يُؤذَن فيه لمسلم لقول الله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴿، وأن غيره فاطمة من ابنة أبي جهل كانت لأجل عداوة أبي جهل الشديدة لأبيها ﷺ المتجاوزة المقدار الذي تقتضيه ملَّته في الكفر، فكان حال أبي جهل كحال ما يقول فقهاؤنا فيمن سبَّ رسول الله ﷺ من أهل الذمة بغير ما به كُفْر دون ما به كَفَر، فعلم رسول الله ﷺ أن ذلك يؤذي ابنته أذىً شديداً.
وقد أشار إلى ذلك في رواية هذا الحديث من طريق ابن شهاب عن علي بن حسين
стр. 199
عن المسور عند المصنف في «باب درع النبي ﷺ من كتاب الجهاد»: أن رسول الله قال: «وإنَّي لست أحرَّم حلالاً ولا أحلُّ حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنتُ رسول الله وبنت عدو الله أبداً» فإنه صريح في أن تزوج علي بابنة أبي جهل ليس محرَّماً؛ لأن النبي افتتح كلامه بقوله: «لستُ أحرِّم حلالاً»، أي ليس تزوج المسلم بابنة المشرك حراماً، ولا الجمع بين المرأة الفاضلة والمفضولة حراماً.
فالكلام تمهيد لما يجيء بعده من النهي عن تزويج علي ابنة أبي جهل.
وقوله: «ولكن» استدراك عما تضمنه ذلك الاحتراس مما يوهم الإذن لعلي في أن يتزوج زيجة مباحة شرعاً بالأصالة.
وقوله: «وَاللهِ لا تَجتْمِعُ بنتُ رسول الله وبنتُ عدو الله» نهي عن ذلك من وجه العارض الذي عرض لهذه الزيجة، وهو ما فيها من غيرة فاطمة ﵁؛ لأن رسول الله ﷺ يعلم أن آل هشام بن المغيرة لا يزوجونها بدون إذن رسول الله، وأن عليّاً لا يتزوجها بدون إذن رسول الله، وأكد رسول الله ﷺ امتناعه عن الإذن بالقَسَم.
والمقصد من ذلك هو تحقق غيرة فاطمة، وذريعة ذلك إلى أذى رسول الله ﷺ ؛ ولأجل ها ترجم المصنف هذا الحديث بقوله: «ذب الرجل عن ابنته في الغيرة»، وقد دل على ذلك قوله في رواية حديث هذا الباب: «إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي».
* * *
باب خروج النساء لحوائجهن
فيه حديث عائشة ﵁[٧: ٤٩، ٤]:
(قالت: خرجت سودة بنتُ زمعة ليلاً فرآها عمرُ فعرفها، فقال: إنَّكِ واللهِ يا سودة ما تخفين علينا، فرجعت إلى النَّبيِّ ﷺ فذكرت ذلك له وهو في حجرتي يتعشَّى، وإنَّ في يده لعرقاً فأنزل اللهُ عليه فرُفع عنه وهو يقول: «قد أذن اللهُ لكُنَّ أن تخرجن لحوائجكنَّ»).
الحوائج: جمع حاجة، وأصل معنى الحاجة في اللغة ما يحتاج إليه المرء من عمل أو أشياء، وأطلق بوجه الكناية على البراز، فقالوا: ذهب لقضاء الحاجة، وقالوا: حاجة الإنسان؛ وذلك تكنيّاً لاستقباح التصريح بالاسم الصريح.
стр. 200
إلا أنه لا يعرف في الاستعمال أن الحاجة بمعناها الكنائي ترد جمعاً؛ فلذلك كان قول النبي ﷺ «أنَ تَخْرُجْن لِحَوَائِجِكُنَّ» ظاهراً في أن المراد به الإذن للنساء في الخروج لأجل أمور يحتجن إليها بمقدار الحاجة.
وذلك أن أزواج رسول الله ﷺ أمرن بقوله تعالى: ﴿وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴿، وهو أمر خاص بهن لا يجب على غيرهن من النساء. وفهم منه عمر أنهن يُمْنَعْنَ من الخروج؛ فلذلك قال لسودة: «والله مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا» تعريضاً بتغيير ذلك عليها، ظنّاً منه أنها خرجت متسترة. وقصد عمر أن يبلُغ ذلك النبي ﷺ فلما قال رسول الله: «أن تخرجن لحوائجكن» عَلِمْنَ أنهن مرخَّص لهن في مقدار الحاجة.
وقد حمله البخاري على أن المراد من ضمير النسوة جميع النساء؛ فلذلك عمم في الترجمة، فيكون ذلك حكماً عامّاً تقرر للنساء غير أمهات المؤمنين على وجه العزيمة، وأبيح لأمهات المؤمنين على وجه الرخصة، فيكون المراد بالإذن في الحديث مطلق الإباحة.
ويحتمل أن المقصود بالضمير خصوص أمهات المؤمنين فيكون رخصة لهن، ويكون الإذن مراداً به الإباحة بعد النهي، فيكون الكلام تخصيصاً للعموم الملزوم لقوله تعالى: ﴿وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أو بياناً له.
ومن الشارحين من فسر الحوائج بالبراز، وهذا التفسير باطل من جهة اللغة لما علمت من أن الحاجة المكنَّى بها عن البراز لم ترد في كلامهم بصيغة الجمع؛ وباطل من جهة المعنى؛ لأن الخروج للبراز لا يتصور توهم تحريمه؛ لأنه مضطر إليه إذ لم تكن يومئذ في بيوتهم كنف كما ورد في حديث عائشة في قضية الإفك من قولها: «ولم تَكُنْ عندنا يومئذ كُنُفٌ وأمرُنا أمرُ العرب الأُوَل».
على أنه ليس في طرق هذا الحديث ما يقتضي أن سودة خرجت للبراز؛ لأن طريق البراز لا يجلس فيه الناس حتى يرى عمر فيه سودة؛ ولكن الظاهر أنها خرجت لزيارة أو نحوها، وكان النساء يتوخَّيْن الخروج لأمورهن ليلاً استقصاء للستر؛ فأراد عمر بقوله لها أن يحرِّمَ عليهن الخروج للحوائج دون الخروج للبراز.
وليس في طرق هذا الخبر ما يدل على أن خروج سودة كان للبراز بل وقع من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة في هذا الحديث في تفسير سورة الأحزاب [٦: ١٥٠، ١١]: «فدَخَلَتْ زينب فقالت: يا رسول الله خرجتُ لِبَعْض حاجتي
стр. 201
فقال لي عمر كذا وكذا». فقولها: «لبعض حاجتي» ظاهر في أنها أرادت بعض حوائجها مما تحتاج إليه، ولو أرادت البراز لقالت: لحاجتي.
ولعل الذين زعموا ذلك شبه عليهم حديث الزهري عن هشام عن أبيه عن عائشة في كتاب الاستئذان كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ : «احجب نساءك»، فلم يفعل، وكان أزواج النبي يخرجن ليلاً إلى ليل قِبَل المناصع (وهو موضع بالمدينة تذهب إليه النساء للحاجة البشرية)، فخرجت سودة بنت زمعة فرآها عمر فقال: «عرفتك يا سودة» فأنزل الله آية الحجاب.
فهذا الحديث كان سبب الحجاب والقصة مع سودة، وحديث بابنا كان سبب الرخصة والقصة فيه مع زينب.
* * *
стр. 202
كتاب الطلاق
بابا إذا طُلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق
وقع فيه قول أنس بن سيرين [٧: ٥٢، ١٩]:
(قُلت – لابن عمر: تُحتسب ... قال: أرأيت إن عجز واستحمق).
قوله: «إن عجز» لم يُبْدِ الشارحون في تفسيره معنى ترتاح له النفس؛ إذ لا علاقة للعجز بأحكام الطلاق.
والذي يظهر لي أنه يحتمل معنيين:
أحدهما: ليس قوله: «إن عجز» قسيماً لقوله: «أو استحمق» بل جزءاً منه، أي إن عجز عن إمساك غضبه فاستحمق فطلق امرأته؛ فإنها تُعدُّ عليه طلقة ولا يعذر بحمقه، فكذلك إذا طلَّق في الحيض تحسب عليه تطليقة ولا يعذر، وهذا المعنى لم يذكره أحد.
الثاني: أن يكون قسيماً، وتكون (الواو) بمعنى (أو) التقسيمية، فالمراد من العجز الجهل، وهذا الوجه الثاني قاله الكوراني وهو تكلف.
* * *
باب من أجاز طلاق الثلاث
وقع فيه قول البخاري [٧: ٥٤، ٧]:
(وقال الشَّعبيُّ: ترثه، وقيل لابن شبرمة: أتزوَّج إذا انقضت العدَّة؟ قال: نعم، قال: أرأيت إن مات الزَّوج الآخر فرجع عن ذلك).
حكى البخاري هذه المناظرة بين الشعبي وابن شبرمة باختصار.
وحاصلها: أن الشعبي قال في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً أو يطلقها طلقة صادفت آخر الثلاث: إنها ترثه إذا مات في مرضه ذلك ولو خرجت من العدة، فألزمه ابن شُبرمة بأنها إذا خرجت من العدة قد تتزوج زوجاً آخر فيموت هذا الثاني فترثه ولم يزل مطلقها الأول مريضاً فيموت فترثه؛ لأن الشعبي جعل سبب ميراثها إياه أن
стр. 203
يكون مات من ذلك المرض، فتكون قد ورثت زوجين؛ وذلك يستلزم أنها اعتبرت زوجة لمطلقها الزوج الأول.
دليله: ميراثها منه بعد موته في حين أنها يومئذ متزوجة بالزوج الثاني، قالوا: فرجع الشعبي وقال: لا ترث مطلِّقها المريض إلا إذا كانت في العدة.
ولعمري إن استدلال ابن شُبْرمة لَمُغالَطَةٌ وإن رجوع الشعبي عن قوله لأجلها لعجيب وضعفٌ في التفقه؛ لأن إثبات الميراث للمبتوتة في المرض بناء على تهمته بأنه طلقها ليحرمها من الميراث، فعومل بنقيض مقصده بعلة المظنة، وإذا كان كذلك لم يكن تعدد ميراثها من الأزواج ناقضاً لعلة حكم الميراث؛ لأنها إنما ورثت بسبب العصمة الأُولى. ولم يعتبر الطلاق الواقع في المرض مانعاً من تأثير السبب في الميراث، فحقها في الإرث ثبت بموجب عصمة سابقة، وإباحة التزوج لها بثانٍ مقتضى للطلاق والخروج من العدة.
والحاصل أن الطلاق في المرض يرفع حكم العصمة بالنسبة لإباحة التزوج بثانٍ، ولا يرفع حكم العصمة في كونها سبب ميراث.
ولا يهولنا أنها ورثت زوجين؛ إذ قد ترث ثلاثة أزواج، كما إذا طلقت في المرض فخرجت من العدة فتزوجت بثانٍ، ثم طلقها بعد بنائه بها بيوم ومات وهي في العدة، فتزوجت بثالث فمات ليلة بنائه بها، ثم مات الزوج الذي طلقها في مرضه ذلك.
* * *
ووقع فيه قول امرأة رفاعة [٧: ٥٥، ٤]:
(إنَّ رفاعة طلَّقني فبتَّ طلاقي، وإنِّي نكحت بعده عبد الرَّحمن بن الزُّبير القُرظيِّ، وإنِّما معه مثل الهدبة).
فقولها: «وإنما معه» هو بكسر الهمزة، ووصل (ما) بـ (إنَّ) خلافاً لما في بعض نسخ البخاري فهي (إنما) أداة الحصر.
والمعنى: ما معه إلا مثل الهُدبة، وليس الحصر راجعاً إلى شيء من أشياء؛ ولكنه راجع إلى حالة من أحوال شيء، وهو ذَكَره، أي ليس معه إلا مثل الهدبة، أي لا يكون معه شيء له حالة إلا حالة مماثلة للهُدْبة، وقد أفادت كلمة (مع) هذا المعنى.
* * *
стр. 204
باب الطلاق في الإغلاق
وقع في قول البخاري [٧: ٥٨، ٩]:
(وما لا يجوز من إقرار المُوَسْوِسِ).
فـ «المُوَسْوِسُ» هو بكسر الواو الثانية اسم الفاعل من وسوس، والوسوسة: الكلام الخفي، قال رؤبة يصف الصائد:
وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق ... سرّاً وقد أوَّنَ تأوين العُقق
وأطلقت على حديث النفس؛ لأن المرء إذا فكر تخيَّل نفسه تناجيه، قال تعالى: ﴿ونَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ فالمرء مُوَسْوِس؛ لأن نفسه هي فاعل الوسوسة، قال ابن الأعرابي: ولا يقال مُوِسْوَس – بفتح الواو الثانية.
* * *
ووقع فيه قول الزهري [٧: ٥٨، ١٨]:
(وعَقَدَ عليهِ قلبُهُ).
فـ (قلبُهُ) بالرفع هو فاعل (عقد)، ومعنى (عقد) لزم وثبت على كذا.
* * *
باب الخلع
وقع فيه قوله: [٧: ٦٠، ٦]:
(ولم يَقُل قول السُّفهاء: لا يحلُّ حتَّى تقول: لا أغتسل لك من جنابةٍ).
ظاهره أنه من كلام البخاري يبرئ طاوساً من أن يقول مثل هذا القول، وهذا بعيد أن يكون البخاري يصف من قال: (لا يحلُّ الخلع حتى تقول المرأة: لا أغتسل لك من جنابة)، أي حتى تصرَّ على منعه من وطئها فتكون ناشزاً؛ لأن هذا القائل هو الحسن البصري والشعبي.
فكيف يوصف بأن قولَهُ من قول السفهاء؛ ولذلك تردد ابن حجر في نسبة هذا إلى البخاري، فقال: لعل هذا من كلام ابن طاوس الذي روى عن أبيه طاوس: إباحة الخلع إذا خافا أن لا يقيما حدود الله، فتكون تبعة هذا اللمز على ابن طاوس.
стр. 205
والذي يظهر لي: أن ضمير «ولم يقل» للزوج المخالع، يعني: ولا يتوقف جواز الخلع على أن يقول الزوج هذا القول الذي يقوله السفهاء، ويكون قوله: «حتى يقول» بالياء التحتية لا بالتاء الفوقية، فتأمل.
* * *
باب يبدأ الرجل بالتلاعن
ووقع فيه حديث [٧: ٦٩، ٥]:
(هشام بن حسَّان عن عكرمة عن ابن عبَّاس أنَّ هلال بن أميَّة قذف امرأته ... ). الحديث
هكذا وقع هذا الحديث هنا، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ﴾ من تفسير سورة النور أن الذي لاَعَنَ امرأته هو هلال بن أمية.
ووقع في حديث سهل بن سعد هنا في اللعان أن الذي لاَعَنَ امرأته هو عويمر العجلاني، وهو الحديث المروي في الموطأ بوجه صريح؛ فلذلك جزم المحققون أن ذكر هلال بن أمية في قصة اللعان وَهَمٌ من هشام بن حسان، جزم بذلك أبو عبد الله ابن أبي صفرة (أخو المهلب) والطبري وابن العربي والواحدي وعياض وقالوا: كان هشام بن حسان ضعيفاً.
* * *
باب ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾
وقع فيه قول عطاء [٧: ٧٨، ٢٠]:
(ثُمَّ جاء الميراثُ فَنَسَخَ السكنى).
أي لأن فرض الميراث نسخ جميع الوصايا التي كانت واجبة، ومنها الوصية للزوجة بالسكنى إلى الحول؛ إذ أبطل الميراث جميع الوصايا للورثة.
فهذا وجه تعلق آية الميراث بحكم سكنى المعتدة، وقد غفل عنه الكاتبون.
стр. 206
كتاب النفقات
باب وجوب النفقة على الأهل
وقع فيه قول أبي صالح [٧: ٨١، ١٠]:
(قَالُوا: يا أبا هُرَيْرَةَ سمعت هذا مِنْ رسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: لا، هذا مِنْ كِيسِ أبي هُريرةَ).
وقد اختلف في محمل كلام أبي هريرة فقيل بحمله على ظاهره، أي أنه لم يسمع من رسول الله ﷺ زيادة «تقول المرأة: إما أن تُطْعِمني وإما أن تطلقني ... » إلخ، فتكون نهاية كلام النبي ﷺ هو قوله: «وابدأ بمن تعول»، ويكون ما زاده تعليلاً للحكم الذي تضمنه اللفظ النبوي.
ويؤيد هذا الظاهر سؤال السامعين أبا هريرة عن هذه الزيادة، أسمعها من رسول الله أم لا؟ لأن السؤال ما نشأ إلا عن غرابتها وعدم سماعها من غيره.
وقيل بحمله على الإنكار على السائلين، فيكون استعمال الخبر في ضد مدلوله، بناء على اعتقاد المخاطب لينتقل من ذلك إلى إنكار اعتقاده، فيكون كناية مراداً بها اللازم وحده، والقرينة على تعيين المراد هو السياق.
وعلى هذا المحمل حمله كثير من العلماء منهم ابن العربي في أحكام القرآن؛ إذ قال: (وفي البخاري عن النبي ﷺ «تقول لك المرأة: أطعمني .... ») إلخ.
وقد رواه الدارقطني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وإن كان هذا خلاف ظاهر قول أبي هريرة؛ لأن مقام التحديث ليس مقام تهكم.
* * *
باب حبس الرجل قوت سنة على أهله
وقع فيه قول مالك بن أوس بن الحَدَثَانِ ﵁[٧: ٨٢، ٩]:
(فأقبلَ عُمرُ على عليٍّ وعبَّاس، فقال: أنشُدُكَمَا باللهِ هل تعلمان أنَّ رسول الله ﷺ قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك).
стр. 207
قد يشكل قولهما: «قد قال ذلك» مع نزاعهما ومطالبتهما بالميراث، ودفع الإشكال بأنهما قد حصل لهما العلم بأن رسول الله ﷺ قال ذلك بخبر عمر، والرهط الذين معه من أصحابه في ذلك المجلس، أو بخبر أولئك أو غيرهم في المجلس الذي كان دفع فيه عمر لهما ما تركه رسول الله ﷺ ؛ لأنهما إنما جاءا في هذا المجلس الأخير متنازعين في كيفية التصرف. ويؤيد ذلك ما جاء في آخر كلام عمر من قوله: «وأنتما حينئذ تزعمان أن أبا بكر كذا وكذا» أي تنسبانه إلى الخطأ في الاجتهاد في منعكما؛ مما يدل على أن ذلك زال من اعتقاد علي وعباس ﵁.
* * *
باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها
فيه حديث عائشة ﵁[٧: ٨٤، ٢]:
(جاءت هند بنتُ عُتبة فقالت: يا رسول اللهِ، إنَّ أبا سُفيان رجلٌ مسِّيكٌ فهل عليَّ حرجٌ أن أُطعم من الَّذي لهُ عيالنا؟ قال: «لا، إلاَّ بالمعروف»).
قوله ﷺ : «لا» أي لا تطعمي، بدليل قوله: «إلا بالمعروف»، والمعروف هو ما يحمله مثل مال أبي سفيان من الإنفاق على مثل عياله ووقع في بعض الروايات أنها قالت: «بدون إذنه».
ووجه إذن رسول الله ﷺ لها بالإنفاق دون علم أبي سفيان أن الإنفاق المعروف واجب عليه لعياله، فليس له منعهم منه، وأنه لشدة شُحِّه لو توقفوا على إذنه لما أذنهم، ولو شَكوْه إلى الرسول ﷺ في كل حاجة لشق ذلك عليهم، ولَحَدَث بذلك بينه وبينهم شنآن.
ووجه منعه إياها من تجاوز المعروف أن ما زاد على المعروف لا حقَّ لها ولا لعيالها فيه إلا برضا صاحبه.
وقد أقام النبي ﷺ المرأة مقام الوكيل على أبنائها وعيال بيتها؛ لأنها راعية المنزل، فهو لها رخصة.
وبهذا تعلم أن ما رخًّصَهُ النبي ﷺ لهند هو تشريع يعمُّ أمثالها من أزواج الأشحة؛ لأن قوله لها فتوى وتشريع، وهو الأصل فيما يصدر من الرسول ﵊.
ومن ظن أنه قضاء على الغائب فقال: إنه لا يشمل غيرها إلا بعد الرفع إلى
стр. 208
الرسول أو القاضي فقد وَهَم من جهتين:
إحداهما: أن حالها حال المستفتية لا حال المدعية؛ لأنها عرضت ذلك على الرسول حين أسلمت يوم الفتح، ولأن إحضار زوجها كان ممكناً فلا يقضي عليه وهو غائب.
الوجه الثاني: أنه على تسليم كونه قضاء، فإن قضاء الرسول ﷺ هو من جهة: قضاء بالنسبة إلى الخصمين، وهو تشريع بالنسبة إلى غيرهما ممن يساويهما في الوصف المؤثر، سواء جاء في خصومة أو مستفتياً.
ومما تبيَّن تعلم أن ليس لصاحب حق عند آخر منعه منه أن يعمد إلى أخذ حقه بنفسه بغصب أو خلسة؛ لأن ذلك ينافي المقصد الشرعي من إقامة القضاة والحكام ويؤول إلى التقاتل والتهارج، فلا تتجاوز الرخصة محل العذر، وهو عسر الرفع إلى القاضي، أو توقع ضرر من الخصومة هو أعظم من ضرر ترك الإنفاق.
فالمأخذ المنقول عن الشافعي من هذا الحديث بتسويغ أخذ صاحب الحق حقه خلسة أو غصْباً مأخذ ضعيف.
* * *
باب ﴿وعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [ ٧: ٨٦، ٨]
أي باب في بيان قوله تعالى: ﴿وعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وقد أخرج البخاري ما رآه من الآثار صالحاً لتأويل الآية، وهما حديث أم سلمة وحديث هند بنت عتبة.
وقوله [٧: ٨٦، ٨]: (وهل على المرأة منه شيء)، أي المرأة المرضع، فإنها تكون من جملة الوارث. والخطاب تعلق بالوارث لأجلها، فهل تكون هي من جملة المخاطب بإعطاء الرزق والكسوة، أي باعتبار حظها منهما يسقط ذلك الحظ عن بقية الورثة، أو هي لما كان الخطاب لأجلها لا تدخل في عموم الخطاب.
وهذه المسألة شبيهة بمسألة: هل الآمِر بالأمر بالشيء أمر للمأمور الأول بذلك الشيء، وينبغي أن تعنون بأن الآمِر بفعل متعلق بأحد، هل يكون آمِراً لذلك الأحد إذا شمله لفظ المأمور؟
وقد وقع تردد العلماء في تأويل قوله تعالى: ﴿وعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فمنهم من جعله على معنى الندب، وشهد له حديث أم سلمة [٧: ٨٦، ١١] فإن لفظ الرسول ﷺ -
стр. 209
دل على أنه ليس بواجب عليها إنفاق بني أبي سلمة منها.
ومنهم من حمله على أنه يجب على الوارث في مال الميت بقرينة وصف القريب بأنه وارث، ولم يقل: وعلى العاصب أو المولي مثل ذلك، فالمعنى: وعلى وصي الرضيع مثل ما كان واجباً على أبيه في ماله، ويشهد له حديث هند بنت عتبة؛ إذ جعل رسول الله ﷺ لها أن تأخذ من مال أبي سفيان وهو غائب، فيقاس عليه الأخذ من مال الميت بعلة المالية والغيبة في كُلٍّ.
ومنهم من حمله على الوجوب على قريب القرابة، وسماه وارثاً باعتبار أنه لو كان للميت مال لكان هو وارثه.
والظاهر أن البخاري تعارض عنده الدليلان، فلم يترجم بما يؤخذ منه رأي له في هذا الحكم، وأخرج تحت الترجمة الحديثين وقال: إن الآية منسوخَة.
* * *
ووقع فيه سوق البخاري قوله تعالى [٧: ٨٦، ٩]:
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ﴾ الآية.
ولم يتضح وجه ذكر ذلك هنا. والذي عندي أن الآية مقدمة من تأخير وأن موقعها عقب قول النبي ﷺ [٧: ٨٦، ١٦]: «مَنْ تَرَكَ كلأ أو ضياعاً فإليَّ» لتكون تفسيراً لقول النبي: «من ترك كلأ» أي من ترك حقّاً عليه لأحد. ومن جملة الحقوق حق الإرضاع الذي فرضه الله على مال الميت بقوله: ﴿وعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴿، فأشار البخاري إلى أن حكم الآية منسوخ بأن ذلك كان قبل أن تنتظم جماعة المسلمين ويصير لهم بيت مال؛ لأن قول رسول الله ﷺ : «من ترك كلأ أو ضياعاً فإليَّ» صريح في أن من لا مال له يوفي بحقوق عليه أن تكون توفية الحقوق من بيت المال.
وهذا الرأي مروي عن مالك أيضاً في رواية أسد بن الفرات؛ فيحتمل أن المصنف نسي فكتب الآية قبل سوق الحديث، ويحتمل أن ذلك من صنع الرواة؛ ولذلك يتعين أن يكون قوله: (قول النبي: «من ترك كلأ .... ») إلخ، من بقية هذا الباب وليس ترجمة مستقلة، وأن ما وقع في رواية أبي ذر من جعله باباً ليس على ما ينبغي.
* * *
стр. 210
كتاب الأطعمة
باب القديد
وقع فيه قول عائشة ﵁[٧: ١٠٢، ٥]:
(ما فعله إلا في عامٍ جاع النَّاسُ).
ثبت في أكثر النسخ قولها: «جَاعَ النَّاسُ» بدون زيادة كلمة (فيه)، وفي بعض النسخ: «جاع الناس فيه»، وهو مختصر من حديثها المتقدم في باب ما كان السلف يدَّخرون [٧: ٩٨، ١٦]، فقد ثبتت فيه كلمة (فيه)، وعليه فلفظ (عام) منون على رواية إثبات كلمة (فيه)؛ لأن الجملة حينئذ صفة لـ (عام)؛ وكذلك يكون منوَّناً على الرواية التي لم تثبت كلمة (فيه) وتكون مقدرة دلَّ عليها أن الموصوف مجرور بمثل الحرف المحذوف؛ وذلك سائغ في الصفة مثل الصلة.
ولا يجوز بناء (عام) على الفتح باعتبار إضافته إلى جملة «جاع الناس»؛ لأن الإضافة تجعل العام معيَّناً، وكلاهما يدل على أنه غير معين وإنما أرادت عاماً من الأعوام.
* * *
стр. 211
كتاب الذبائح والصيد
باب صيد المعراض
وقع فيه قوله [٧: ١١١، ٢]:
(وقال ابن عُمَرَ في المقتُولةِ بالبُندقَةِ).
البُندقة – بضم الموحدة بعدها نون ساكنة – كرة صغيرة من طين تجفف ويرمى بها بالمعراض، وربما اتخذت من الحجر.
* * *
ووقع فيه قول النبي ﷺ [٧: ١١١، ٧]:
«فإذا أصابَ بِعُرضِهِ فقتل فهو وقيذٌ».
العُرض بضم العين: عرض السيف، وهو صفحُه، والصفح هو الجانب غير المحدد من السيف، وأصله أن عُرض الشيء وسطه.
* * *
باب قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ﴾
وقع فيه [٧: ١١٦، ٨]:
(على سرْجٍ مِنْ جُلود كلابِ الماءِ).
كلب الماء حيوان من الفصيلة ذوات الثدي يعيش في الماء وفي الأرض ويكون على شطوط البحار، ويسمى أيضاً: عجل البحر، له جلد يشبه جلد البقر، وشعر جلده أقصر من شعر جلود البقر، ولونه أربد إلى السواد، ورأسه كرأس الهرِّ في عظم رأس شبل الأسد، يمشي على بطنه بيدين قصيرتين، وينتهي بشبه ذنب يسميه أهل تونس: أبا مُنير.
стр. 212
باب ما ندَّ من البهائم
فيه قول رسول الله ﷺ [٧: ١٢٠، ٢٠]:
(«اعجَلْ أوْ أرِنْ»).
إن كانت (أو) من كلام الرسول، كما هو الظاهر، كان هذا التركيب جارياً مجرى المثل أرسله رسول الله ﷺ .
ويحتمل أنه تمثل بها، ويتعين حيئنذ أن يكون معنى «أرِنْ» ضد معنى «اعْجَل»، فيكون بمعنى أَبْطِئْ، ويكون الكلام خطاباً لرافع بن خديج؛ لأن سؤال دلَّ على أنهم يُحبُّون أن يتعجلوا ذبح ما ينالونه من المغانم، وأنهم أظهروا ذلك للرسول ﷺ تطلباً للرخصة منه في الذبح بما تيسر إذ ليست معهم مُدى.
وفي كلام الرسول ﷺ على هذا ضرب من التعجب من حرص السائل وعجلته، فالمعنى: سواء عجلت أو أبطأت، فالحكم لا يختلف لأجل ذلك بما أنهر الدم فاذبح به وكُلْ، فيكون «أرِنْ» مشتقّاً من الريْن بمعنى الغَشْي؛ لأن في الغشي ثقلاً، وتكون الهمزة بمعنى الصيرورة، أي تصير ذا رَيْن كذي الغشي، أي مبطئاً متثاقلاً.
وإن كان حرف (أو) شكّاً من الراوي، كما استظهره النووي وهو بعيد؛ فـ «أرِنْ» بمعنى «اعْجَلْ»، فالراوي يتوخى اللفظ النبوي، والمعنى: أعجل للذبح بكل ما يسرع بقطع الحلقوم والأوداج. ويكون الكلام إيماء إلى وجه النهي عن الذبح بالسنِّ والظفر.
وقد وقع اضطراب عظيم في تحقيق معنى هذا اللفظ، كما ذكره عياض في المشارق، والخطابي في شرح أبي داود وابن الأثير في النهاية، وقد علمت التحقيق فاسلك سواء الطريق.
* * *
[٧: ١٢٠، ٢٠] «ما أنْهَرَ الدَّم وذُكر اسمُ الله عليهِ فكل ليس السنَّ والظُّفرَ».
الظاهر أن الاستثناء متصل، أي أن السنَّ والظفر مما أنهر الدم، ولكنهما نهِيَ عن الذبح بهما.
* * *
стр. 213
[٧: ١٢١، ١] «وسأحدِّثُكَ أمَّا السنُّ فعظم وأما الظُّفر فمُدَى الحبشة».
وقع في فهم هذا التعليل إشكال؛ إذ الوصفان المذكُورَانِ للسن والظفر لا يظهر فيهما ما يقدح في صحة الذبح.
والذي يظهر لي أن قوله: «أما السنُّ فَعَظْم» معناه أنه ليس له حدٌّ صُلب، فهو يبدو محدَّداً في مبدأ الذبح فإذا صادف الحلقوم تقَّلل حدُّه، فكان في الذبح به تعذيب الحيوان.
وقوله: «وأما الظُّفْر فمُدَى الحَبَشة» فقد وقع فيه حذف، تقديره: وأما الظفر فكذلك وهو مدى الحبشة، فحذف المقدر لظهوره؛ لأنَّ الظفر من جنس العظم، وهو أضعف حدة من العظم.
وقوله: «مُدَى الحَبَشة» تنفير منه؛ لأن بعض المسلمين قد خالطوا الحبشة في الهجرة الأولى ورأوا أن ذبحهم بالظفر ليس على ما ينبغي.
* * *
стр. 214
كتاب الأشربة
باب الخَمْر من العِنَب [ ٧: ١٣٦، ٥]
ترجمةٌ مشكلةٌ؛ لأنها تقتضي أن الخمر لا يسمَّى بها إلا شراب العنب، والآثار التي أخرجها عقب الترجمة تقتضي خلاف ذلك.
فالوجه أن يكون سقط من الترجمة لفظ «وغيره» كما ثبت عند ابن بطال في نقل ابن حجر عنه، وبدون ذلك لا تستقيم التكلفات التي تكلفوها.
ومراد البخاري الرد على أبي حنيفة؛ إذ خص معظم حكم الخمر بشراب العنب، فاقتضى أنه لا يرى غيره خمراً.
* * *
باب الانتباذ في الأوعية والتَّور [ ٧: ١٣٨، ١٠]
اعلم أن الآثار الواردة في الانتباذ في الأوعية والأسقية والحنتم ونحو ذلك لا يظهر معناها إلا بعلم عادة العرب في النبيذ، وتلك أنهم كانوا ينتبذون البُسر والتمر والزبيب في الماء لشرب مائها عوضاً عن الماء القراح استعذاباً له وتطلباً للصحة من ذلك، وكان يلزم لحصول طعم الأشياء المنتبذة في الماء المنتبذ به زمن غير قليل، فكانوا يجعلون ذلك في الليل، كما دلَّ عليه حديث أبي أسيد الساعدي [٧: ١٤٧، ٩]: أنه دعا رسول الله ﷺ في عرسه فسقت العروس رسول الله ﷺ نبيذاً أنقعت له تمرات من الليل؛ ذلك أنهم يحبُّون أن يجدوا ذلك النبيذ في النهار يشربون منه، وكانت الأوعية الضيقة الأفواه والمطلية قد يسرع إليها الاختمار في مدة الليل في زمن الحرِّ، فلذلك نُهُوا عن الانتباذ في المزفَّت والحَنتم؛ لأنه مطلي، وفي الدُّبَّاء؛ لأن ذلك يسرع إليه الاختمار، وهو نهي تنزيه للاحتياط؛ لأن الاختمار حالة تظهر إذا حصلت في النبيذ؛ ولذلك رخص لهم رسول الله ﷺ في الانتباذ في الظروف والأسقية غير المزفتة بعد أن نهاهم عنها.
стр. 215
باب الشرب بنَفَسَيْن
وقع فيه قول ثمامة بن عبد الله [٧: ١٤٦، ٦]:
(كان أنسٌ ينتفَّسُ في الإناءِ مرَّتينِ أو ثلاثاً).
فقوله: «في الإناء» تقدير، أي في مقدار الإناء من الماء حين يشربه فـ (في) للظرفية الزمانية، وليس المراد أنه يدفع نَفَسَه في وسط الإناء؛ لأن ذلك منهي عنه، كما في أبي قتادة قال رسول الله ﷺ : «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء»، فـ (في) التي في الحديث للظرفية المكانية.
* * *
следующие страницы →