← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133362

بذل النظر في الأصول

العلاء الأسمندي

Полный текст (696 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لا يتعرض لما بعد الجمعة. وما لا يتناوله لا يدل على إثباته ونفيه. ولهذا لم يدل على استدعاء الفعل قبل الوقت، فصار نظير الأمر المقيد بالصفة: لا يتناول من لم يختص بتلك الصفة، فإن من قال لعبده: "اضرب من كان في الدار" لا يتناول من كان خارج الدار. وهذا الفقه، وهو أن وجوب الفعل يتبع اشتماله على وجه المصلحة، ولا يمنع أن يكون المصلحة في الفعل في هذا الوقت دون غيره، لأن المصالح تختلف باختلاف الأوقات، ولهذا اختصت الصلوات الخمس بأوقاتها وصوم رمضان بشهر رمضان، حتى لا يجوز تقديمها على الوقت، وإذا لم يعرف كون الفعل مصلحة في الوقت الثاني، بالأمر الأول، لا يمكن إيجابه به. فإن قيل: ألسنا نعرف أن الله تعالى لو أمرنا بالتصدق بأيماننا، يجب علينا التصدق بشمائلنا إذا تعذَّر علينا التصدق بأيماننا- قلنا: لا نعرف ذلك إلا إذا دلَّ الدليل أن الغرض إيصال النفع إلى الفقير فقط، فنعرف جواز التصدق باليسرى بهذا الاعتبار، لا بالأمر. وأما المخالف- فقد ذهب في ذلك إلى أن الأمر بالفعل في وقت أفاد شغل الذمة بالواجب، ففراغها بعد ذلك إنما يكون لحد أمرين: إما أداء الواجب، أو إسقاط من له الحق، وذهاب الوقت ليس من أحدهما من شيء، ولأن الفعل إذا وجب في وقت وامتنع العبد عن أدائه بقى في عهدة الواجب، فيحتاج إلى فعل آخر يخرجه عن العهدة، وذلك بالفعل فيما بعد الوقت. والجواب: - أما الأول- قلنا: الأمر أفاد شغل الذمة بالواجب موقتًا إلى انتهاء الوقت، فإذا انتهى الوقت، فات الواجب، وبقي الاثم بالعصيان. - وأما الثاني- قلنا: إنما يخرجه عن العهدة بفعل يقوم مقامه في المصلحة الداعية إلى الإيجاب، والأمر لا يدل على كون الفعل بهذه الصفة بعد الوقت. على أن هذا إثبات موجب الأمر بالحاجة والقياس، وذا لا يجوز.

стр. 107

فإن قيل: إذا دل الدليل على إيجاب مثل ما أمر به الوقت- أيكون قضاء أم لا؟ قلنا: نعم إذا وجدت فيه شرائط القضاء: - منها- أن يكون القضاء مثل ما فاته، ولهذا لا يكون بالصلاة قضاء عن الصوم ولا على [القُرَب]. - ومنها- أن يكون المقضي مأمورًا به- إذ لو لم يكن مأمورًا به [و] واجبًا، كان إيجابًا مبتدأ لا قضاء عنه. - ومنها- أن يكون سبب وجوب القضاء فوات ما أمر به، فإن من فاته صوم يوم من رمضان فأدرك عدة من الأيام ولم يقض، ثم قضى، يكون قضاء عما فاته في رمضان، لا عما فاته في أيام أخر. - ومنها- أن يكون القضاء مأمورًا به، لأنه إذا لم يكن مأمورًا به، بل [كان] نفلًا، فإذا فعله لا يكون قضاء عن شيء. فإذا وجدت هذه الشرائط يكون قضاء، وإلا فلا- والله أعلم.

стр. 108

٢٥ - باب في: أن الآمر هل يدخل تحت الأمر أم لا ؟ : اعلم بأن المخاطِب بالفعل لا يخلو: إما أن يكون آمرًا بنفسه، أو ناقلًا الأمر عن غيره: (أ) فإن كان ناقلًا عن غيره- نظر في الخطاب: إن كان الخطاب يتناوله- يدخل تحت الأمر. وإن كان لا يتناوله- لا يدخل تحته. مثال الأول- قول الواحد لجماعة: "إن فلانًا يأمرنا بكذا"- يدخل هو في الخطاب، لأنه تناوله. ومثال الثاني- أن يقول "إن فلانًا يأمركم بكذا"- لا يدخل هو تحت الأمر، لأن الخطاب لم يتناوله، إلا إذا نقل خطاب الله وخطاب الرسول، فحينئذ يدخل هو تحت الأمر، لأن الأصل أن خطاب الشرع يتناول كل مكلَّف، إلا ما استثنى بدليل. (ب) وإن أمره بنفسه- بأن يقول: "افعلوا" لا يدخل هو تحت المر، لأن فائدة الأمر الاتفاق على إيجاب ما تناوله الأمر، وإرادة المأمور به كما قاله البعض، وهذا حاصل له قبل الأمر، فلا يتحقق فائدة الأمر. فإن قيل: لو قال قائل لنفسه "افعلي"، وأراد الفعل، أيكون ذلك أمرًا أم لا؟ - قلنا: لا، لأن من شرائط الأمر: علو رتبة القائل على رتبة المقول له، وكونه استدعاء للفعل- وهذا لا يتصور في هذه الصورة. فإن قيل: أليس أن المخبِر يدخل تحت الخبر؟ قلنا: إن عنيتم أنه يخبر عن نفسه، فهو جائز، لأن الإنسان قد يتعلق غرضه بالإخبار عن حال نفسه، كما يتعلق غرضه بالإخبار عن حال غيره. وإن عنيتم به أنه مخبر لنفسه، فهذا غير جائز، لأن الإنسان لا يخفى عليه حال نفسه، فلا يستفيد بهذا الإخبار شيئًا.

стр. 109

٢٦ - باب في: الأوامر الواردة من النبي ﵇: هل هي متوجهة إلى من نشأ بعده من أهل الخطاب أم لا ؟ : ذهب بعضهم إلى أنها لم تتوجه إليهم أصلًا، وإنما أمروا بأمثالها. وذهب بعضهم إلى أنها متوجهة إليهم يومئذ والآن. وذهب بعضهم إلى أنها تتوجه إليهم حال وجودهم واستكمال حالهم- وهو المختار على التفسير الصحيح. - فمن قال بعدم توجهها إليهم اصلًا قال بأن وجود المخاطب، وكونه عاقلًا يفهم الخطاب- شرط، وهؤلاء لم يكونوا موجودين حالة الخطاب. - ومن قال يتوجهها إليهم يومئذ والآن، قال: إن فهم بعض المخاطبين يكفي، وقد وجد. ونحن نكشف الغطاء عن وجه الكلام- فنقول: * إن عني، بكونها متوجهة إلينا: أنها دلت على إرادة الإيجاب وطلب الفعل منا عند وجودنا واستكمال حالنا، فهذا مما لا امتناع فيه، بل هو ثابت قطعًا، لأنا نعلم باضطراد أن أوامر الله تعالى وأوامر الرسول دالة على وجوب الشرائع على كل من يوجد من الأمة ويصير بصفة المكلفين. * وإن عني به: أنها وقعت خطابًا شفاهًا، فالكلام فيه على التفصيل، فنقول: - في أوامر الله تعالى: إنها وقعت خطابًا لنا، لكن لا في زمان النبي ﵇، بل عند وجودنا واستكمال حالنا، ولا امتناع في ذلك [إذ] أن صحة الخطاب يعتمد وجود المخاطِب والمخاطَب، والله تعالى موجود

стр. 110

لم يزل ولا يزال، ونحن موجودون الآن، وكلام الله تعالى أزلى لا يقبل العدم، فكان خطابًا لأهل كل عصر عند وجودهم واستكمال حالهم، والتغيير في المخاطَب، لا في المخاطِب والخطاب، وكل واحد منا مأمور بأوامر الله تعالى مخاطبًا بخطابه. - فأما أوامر النبي ﵇: [فـ] متوجهة إلينا حال وجودنا، بالمعنى الأول، لا بالمعنى الثاني، لأنا لم نكن عقلاء حال وجودنا وحالة الخطاب، فالنبي ﵇ ليس في عالمنا، فلا يتصور منه خطابنا وأمرنا مشافهة، فصار كل واحد منا مأمورًا بأمر النبي ﵇ بنقل نَقَلة الشرع أوامره إلينا، ولم نصر مخاطبين من جهته مشافهة- والله أعلم. ٢٧ - باب في: أمر المعدوم: جوَّزه قوم. وأنكره آخرون. ونحن نقول: الكلام فيه على التفصيل الذي مرَّ في المسألة المتقدمة: - إن عني به كون الأمر دلالة على وجوب الفعل وطلبه من الشخص الذي يوجد ويستكمل شرائط التكليف- فهو جائز، وثابت.

стр. 111

- وإن عنى به المشافهة في الخطاب والكلام، وهو محال إلا في أوامر الله تعالى- فإنه يصح أن يقال: هو خطاب لكل مكلف حال وجوده، على ما مرَّ. فإن قيل: إذا وقع دلالة على الإيجاب حال وجوده، هل يسمى ذلك آمرًا، وهل يسمى المكلف مأمورًا؟ - قلنا: تكلموا فيه. والصحيح أنه يسمى: فإنه يصح أن يقال فيمن أوصى لأولاده بالتصدق بماله: إنه أمر أولاده بكذا، وإن كان بعض أولاده بعد مُجننًا أو معدومًا. وإذا وجدوا ونفَّذوا وصيته يقال: أطاعوه وامتثلوا أمره، مع أن الآمر معدوم حال تنفيذ الوصية. وكذلك نحن الآن: بطاعتنا ممتثلون أمر الرسول ﷺ ، وهو معدوم عن عالمنا- والله أعلم. ٢٨ - باب في: الأمر بالموجود: جوَّزه قوم. وأنكره آخرون. ونحن نكشف الغطاء عن وجه الكلام، فنقول: - إن عَنى به كون الأمر دلالة على طلب عين الفعل الموجود وإيجابه- فهو محال، لأن ما قد وجد لا يتصور إيجاده وطلب تحصيله. - وإن عَنى به كونه دلالة على إيجاب أمثاله وطلبها في المستقبل فهذا مما لا امتناع فيه. فإن قيل عمَّا هو موجود حالة الأمر: يتصور إيجاده بطريق الإعادة بعد عدمه، فيكون الأمر بإعادته أمرًا بعين الموجود- قلنا: هذا بناء على جواز

стр. 112

الإعادة في أفعال العباد، وقد عرف أن شيئًا من الأعراض وما لا يجوز عليه البقاء، لا يجوز عليه الإعادة، لا سيما أفعال العباد التي تختص بالأوقات، وما يوجد منها في وقت لا يتصور وجوده في وقت آخر. ولو جاز ذلك، فالأمر بالإعادة أمر بتحصيله بعد انعدامه، وهذا مما لا خلاف في جوازه. فإن قيل: أليس أن الكافر منهي عن كفره الموجود، فإذا جاز النهي عن الموجود جاز الأمر بالموجود -قلنا: معنى قولنا إنه منهي عن الكفر أنه منهي عن الدوام عليه وتحصيل أمثاله، لا أنه منهي عن الموجود في الحال. إلا أنا لا ننفي عنه النهي احترازًا عن إيهام إطلاق الكفر- دل عليه أن الأمر لا يتعلق بالماضي ولا بالباقي وما لا يصح حدوثه، فكان شرط صحة الأمر جواز حدوث الفعل، وذلك يكون قبل وجوده، لا بعد وجوده. ٢٩ - باب في: الأمر بالأمر بالشيء، هل يكون أمرًا بذلك الشيء أم لا ؟ ذهب بعضهم إلى أنه أمر به. وعندنا: ليس بأمر به. صورة ذلك قوله تعالى لنبيه ﵇: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ - المراد منه الطلب والأمر بالأداء، لا حقيقة الأخذ، فكان أمرًا بالأداء، وهذا ليس بأمر الأداء من الله تعالى، ولا يجب الأداء بمجرده، لكن بدلالة أخرى، وهو أن أمر النبي ﵇ واجب الطاعة، والإذن بترك ما أمر به إخلال بغرض الرسالة، فهذا هو الموجب لفعل ما أمر به، لا ذات الأمر بالأمر. وفي الجملة: كما أن أمر زيد بضرب عمرو لا يطلب من عمرو شيئًا، فكذلك أمر زيد بأمر عمرو لا يطلب من عمرو شيئًا.

стр. 113

ودليلنا في ذلك أن هذه الأوامر تثبت على المصالح، ولا يمتنع تعلق المصالح بالأمر بالشيء على وجه يظهر أثر الأمر في المأمور بالأمر، ولا يتعلق ذلك بالمأمور بالأمر الثاني. وإذا جاز ذلك، لم يكن من موجبات الأمر الأول وضروراته وجوب الفعل على الثاني، بل ربما يتعلق المصلحة بأن يجب على الثاني الامتناع عن الفعل المأمور به، وهو كالسيد يقول لأحد عبيده: "مر عبدي الآخر فلانًا بكذا"، وغرضه اختبار حاله أو مصلحة أخرى تعلقت به. ثم يقول لعبده الآخر: فلان إذا أمرك بكذا فلا تطعه"، وغرضه من ذلك اختبار حال العبد الثاني، أو مصلحة أخرى تعلقت بامتناعه عن الفعل- دل عليه قوله ﵇: "مُروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا" هذا ليس خطابًا من الشرع للصبيان بالصلاة، بل هو أمر للآباء بالأمر بها لمصلحة أخرى سوى وجوب الصلاة على الصبيان. ٣٠ - باب في: الأمر المقيد بشرط زوال المنع: جوَّزه قوم. وأنكره آخرون. والمختار في ذلك تفصيل نذكره: صورة المسألة- أن يأمر الله تعالى من لا يتمكن من الفعل، بشرط أن يتمكن منه، والمعلوم عند الله تعالى أنه لا يتمكن منه. فمن ذهب إلى جوازه قال: إنه يجوز أن يأمر الله تعالى العبد بالفعل، مع علمه أنه لا يفعل قطعًا، وأثر المانع ليس إلا في انعدام الفعل.

стр. 114

ومن أنكر ذلك قال: إن فائدة الأمر وجوب المأمور به، وصيرورته بحال: لو أقدم عليه يُثاب، ولو تركه يُعاقب. وهذا لا يحصل مع المنع. ونحن نقول- الأمر فيه على التفصيل. إما أن يراد بهذا الأمر حقيقة الأمر المقتضي للوجوب والطلب، أو يراد به التكلم بهذه الصيغة، لا لإرادة الإيجاب والطلب، بل لغرض آخر وفائدة أخرى: - فالأول- لا يجوز أن يريد الله تعالى بالأمر الإيجاب والطلب، مع علمه أنه لا يتمكن منه، لأنه يصير مريدًا للشيء مع علمه أنه لا يحصل قطعًا، لأن إرادة الإيجاب إرادة كون الفعل بحال لو أخلَّ به يعاقب، مع أنه لا يصير الفعل بهذه الصفة، وهذا لا يجوز ممن يعلم بعواقب الأمور، بخلاف الواحد منا: فإنه لا يعلم أن المنع يزول أم لا. وهذا بخلاف مَنْ أمر [هـ] الله [تعالى] بالفعل، ويعلم أنه لا يفعل مع التمكن منه، لأن ثبوت هذه الحالة للفعل يقف على التمكن من الفعل، لا على وجود الفعل. فإذا تمكن من الفعل، تحصل بإرادة الله تعالى من كون الفعل بهذه الصفة، وإن كان يعلم أنه لا يوجد، إلا أن يقول قائل: جاز أن يريد الله تعالى ما علم أنه لا يوجد، كما أراد الإيمان من الكفار مع علمه أنهم لا يؤمنون، وهذا خلاف المذهب السديد، وقد عرف في موضعه.

стр. 115

- وأما الثاني- قلنا: يجوز أن يأمر الله تعالى على هذا الوجه ويريد الصيغة غير الإيجاب والطلب. ولا يلزم من ذلك الإغراء بالجهل، لأنه لم يأمره به مطلقًا، بل قيده بشرط زوال المانع، فالمكلف يعتقد الوجوب بشرط أن يزول المانع، وإذا لم يزل المانع يعتقد أنه ما أراد به الإيجاب. فإن قيل: إذا لم يرد به الإيجاب فما الذي أراده؟ وما فائدة هذا الأمر مع علمه تعالى أنه لا يتصل به الوجوب؟ - قلنا: فيه فائدة، وهو اختبار حال المكلف: أنهي قبل الأمر، على تقدير زوال المانع، والعزم عليه والاعتقاد لوجوبه إن قدر عليه، وفيه فوائد أخر- وهذا القدر كاف. والله أعلم. ٣١ - باب في: أمر المتمكن من الفعل، القادر عليه في الحال، والمعلوم عند الله تعالى: أنه لو أراد الفعل يُخرم: جوَّزه قوم. وأنكره آخرون. والكلام في هذه المسألة على التفصيل الذي مرَّ في المسألة المتقدمة: - إن أراد به أمر إيجاب حقيقة، فمحال، لما مرَّ من لزوم عدم المراد. - وإن أراد به غير الإيجاب، وتبين ذلك من بعد هذا، فلا استحالة فيه لما مرَّ. فإن قيل: إذا كان ظاهر الأمر يقتضي الإيجاب، والمكلف لا يعلم أنه يُخرم

стр. 116

عند الفعل، [فإنه] يعتقد الإيجاب. فإذا لم يرد الإيجاب [فإنه] يؤدي إلى الإغراء بالجهل- قلنا: المكلَّف لا يجوز له أن يعتقد ذلك قطعًا لا محالة، بل إنما يعتقد ذلك بشرط أن يبقى متمكنًا إلى آخر وقت الفعل، فلا يؤدي إلى ما ذكرتم. ولهذا قلنا: إن المأمور بالأمر المطلق لا يعلم كونه مأمورًا قطعًا إلا عند التمكن من الفعل، خلافًا لبعض الناس- والله أعلم. ٣٢ - باب في: الأمر المقيد بالشرط وغيره- هل يدل على أن الحكم فيما عداه بخلاف أم لا ؟ : اعلم أن هنا ستة فصول وهي: التقييد بالشرط، والتقييد بالغاية، والتقييد بالعدد، والتقييد بالاسم، والتقييد بالصفة، والتقييد بكلمة "إنما". أما الأول: [التقييد بالشرط] فالأمر، وغيره من الخطابات، إذا قيد بالشرط [فإنه] يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه. ولو علمنا ثبوت الحكم فيما عداه، على كل حال، مع فقد الشرط، علمنا أن ذلك ليس بشرط، ولكنه قد يجوِّزونه. وحكى هذا المذهب عن الشيخ أبي الحسن الكرخي ﵀: فإنه منع جواز القضاء بشاهد، لن الشاهد الثاني شرط.

стр. 117

وذهب بعض الناس إلى أنه لا يدل على ذلك. دليلنا في ذلك: - أن قول القائل لغيره: "ادخل الدار إن دخلها عمرو" معناه: شرط دخولك الدار دخول عمرو الدار، لأن كلمة "إن" موضوعة للشرط. ولو قال ذلك، علمنا أنه لم يجب عليه الدخول مع فقد دخول عمرو الدار- كذا هذا. وتحقيقه هو أن المفهوم من الشرط هو ما يتوقف الحكم على وجوده. فلو ثبت الحكم مع فقده على كل حال، لجاز أن يجعل كل شيء شرطًا في كل شيء، حتى جاز أن يكون دخول زيد الدار شرطًا لكون السماء فوقنا، مع أنه موجود قبله، وذا لا يجوز. فإن قيل: قول القائل: "ادخل الدار إن دخلها عمرو" تقديره: دخولعمرو شرط دخولك، لا أن: شرط دخولك دخول عمرو، وفرق بين الكلامين: فقولنا "شرط دخولك دخول عمرو" يفيد أن لا شرط سواه كقول القائل: "مفتي البلدة فلان" هذا ينفي كون غيره مفتي البلدة، وقولنا: "دخول عمرو شرط دخولك" يفيد أنه شرط، ولا ينفي كون غيره شرطًا، كقول القائل: "فلان مفتي هذه البلدة" لا ينفي كون غيره مفتي هذه البلدة، فإذا كان كذلك، لا ينفي الحكم عند فقده- دلَّ عليه أن قول القائل لامرأته: "إن دخلت الدار فأنت طالق" هذا لا ينفي الطلاق قبل دخول الدار، حتى لو نجَّز الطلاق أو علق بشرط آخر لا يكون تناقضًا منه، ولو كان نافيًا للحكم قبله لكان تناقضًا، كما لو صرح بالنفي عند فقد الشرط- قلنا: لا فرق

стр. 118

بين تقديم لفظ الشرط وتأخيره في توقيف الحكم على ما جعل شرطًا له، فقولنا: "شرط دخولك الدار دخول عمرو" كما اقتضى توقيف دخوله على دخول عمرو، وكذا قولنا: "دخول عمرو شرط دخولك الدار" يقتضي ذلك أيضًا إذا كان هو الشرط، إلا أن اللفظ الأول يقتضي تعينه شرطًا، واللفظ الثاني لا يقتضي تعينه شرطًا. أما على تقدير كونه شرطًا، دون غيره، فالحكم انتفاء الحكم عند فقده على ما مرَّ. وعندنا تعليقه الحكم بالشرط ينفي الحكم عند فقده إن كان هو الشرط، أما أنه لا ينفي اشتراط شرط آخر، وتعلق الحكم بهما جميعًا، أو بكل واحد منهما، ويقوم الشرط الثاني مقام الأول، فيقف الحكم عليهما، أو على كل واحد منهما، على البدل- على ما نذكره. وأما إذا علَّق الطلاق بالدخول ثم نجز: [فـ] إن كان المنجز واحدة أو اثنتين، بقي التعليق والحكم المعلق به، والمنجز غير المعلق، حتى لو تزوجها ودخلت الدار يقع الطلاق. وإن كان المنجز ثلاثًا: فعند الشافعي ﵀: كذلك المنجز غير المعلق، حتى بقي المعلق موقوفًا على دخول الدار، فإذا تزوجت بزوج آخر، وعادت إليه ودخلت الدار، يقع المعلق به. وعندنا: يبطل التعليق بتنجيز الطلاق الثلاث، ونعد ذلك نقضًا وفسخًا لذلك التعليق، ولهذا قلنا: التنجيز يبطل التعليق، نفيًا للمعلق، قبل الشرط من هذا الوجه. - دليل آخر- ما روى عن يعلي بن أمية أنه سأل عمر بن الخطاب ﵁ فقال: "ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمِنَّا"، فقال عمر ﵁: لقد تعجَّبتُ مثلما تعجبتَ، فسألتُ رسول الله ﷺ فقال: هذه صدقة تصدَّق

стр. 119

الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته". فلولا انهما عقلًا أن المفهوم من التعليق ما ذكرناه، لم يكن لتعجبهما معنى. فإن قيل: لا يمتنع أن يكون تعجبهما لما أنهما عقلا من الآيات الواردة في وجوب إتمامها، وأنَّ حال الخوف مستثناة عنها، فإذا زال الخوف بقي على الأصل- قلنا: الآيات الواردة في وجوب الصلاة لا تتعلق بالإتمام، ولا كان الأصل فيها الإتمام، لما رُوى عن عائشة ﵂ أنها قالت: "الصلاة في الأصل ركعتان زيدت في الحضر، وأُقرت في السفر"، وإذا بطل أن يكون الأصل في الصلاة الإتمام، لم يكن تعجبهما إلا لما ذكرنا. فإن قيل: لو كان التعليق بالشرط يمنع من ثبوت الحكم مع فقده، لما جاز القصر مع زوال الخوف، لأن القصر معلق به- يقول تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ - قلنا: ظاهر الشرط يمنع من ذلك، إلا أنه لا يمتنع قيام الدلالة على خلاف الظاهر، كما لا يمتنع قيام الدلالة على خلاف ظاهر العموم. وأما من ذهب إلى أنه لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه: استدل بأن قال: يجوز أن يكون في التقييد فائدة أخرى غير نفي الحكم عما عداه، نحو أن يقول تعالى: "ضحُّوا بالشاة إن كانت عوراء" إذا كان في علم الله تعالى أنه لو أطلق الكلام لتوهَّم مُتوهِّم أن العوراء غير داخل تحت الأمر، فقيد الأمر به لإزالة الإيهام. وإذا جاز ذلك، فالتقييد بالشرط لا يدل

стр. 120

على انتفاء الحكم عما عداه- دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾: قيد النهي عن الإكراه على البِغاء بشرط إرادة التحصين، ثم حرمة الإكراه لا تتوقف على إرادة التحصين. والجواب: إنا لا نقول إن انتفاء الحكم عما عداه من جهة أنه ليس في التقييد فائدة أخرى سوى انتفاء الحكم عما عداه، ليبطل كلامنا بإبرازه فائدة أخرى، بل نقول بانتفائه من جهة اللفظ، لأن كلمة "إن" جارية مجرى قول القائل: "الشرط في الحكم كذا وكذا" والمفهوم من الشرط توقيف الحكم على وجوده، فلو ثبت الحكم مع فقده، لم يكن الحكم موقوفًا عليه وبطل كونه شرطًا. وأما قوله: إن الله تعالى قيد الإكراه على البغاء بشرط إرادة التحصين- قلنا: لا نقول إن أرادة التحصين شرط إلا أن الله تعالى ذكره، لأن الإكراه في العادة عند إرادة التحصين، فكما تخصص الإكراه على البغاء عند إرادة التحصين، خصَّ الله تعالى النهي عنه به، فثبت أن تقييد الحكم بالشرط ينفي الحكم عما عداه، لكنه لا يمنع كون غيره شرطًا، ولا غقامة شرط آخر مقامة. وكون الشرط نافيًا للمشروط بدونه وعند فقد غيره، وكونه نافيًا لكون غيره شرطًا- غير. فلو دلَّ الدليل على ثبوت شرط ثانٍ، علمنا بانتفاء الحكم مع فقدهما، وإذا لم يدل الدليل على ذلك وقطعنا أنه لا شرط إلا الأول، قضينا بانتفاء الحكم مع فقده. وإنما قلنا: إنه لا يمنع من إقامة شرط آخر مقامه، لأنه ليس في اللفظ ذكر نفي شرط آخر، فإن قوله: "أعط زيدًا درهمًا إن دخل الدار" ليس في اللفظ

стр. 121

ذكر نفي شرط آخر، وما لا ذكر له في اللفظ لا يتعرض له الكلام، لا ينفي ولا بإثبات. فإن قيل: الشرط مانع من ثبوت الحكم مع فقده، وإذا ثبت شرط ثانٍ يثبت الحكم مع وجوده عند فقد الأول، فلو كان الشرط مانعًا ثبوت الحكم مع فقده، لوجب أن يكون مانعًا من ثبوت ما يؤدى إلى ثبوت الحكم مع فقده- قلنا: الشرط مانع ثبوت الحكم مع فقده إذا كان هو الشرط وحده، أما إذا كان معه شرط آخر على الجمع، فقضيته انتفاء الحكم عند فقد كل واحد منهما، فتقرر كون كل واحد منهما شرطًا، ولا يثبت الحكم مع فقده أصلًا، ولو كان معه شرط آخر على البدل، فقضيته انتفاء الحكم عند فقدهما، وثبوت الحكم عند كل واحد منهما، فثبت أنه لا مناقضة بين قولنا الشرط مانع من ثبوت الحكم عند فقده وبين إقامة شرط آخر مقامه- والله أعلم. وأما الفصل الثاني: [التقييد بالغاية] اعلم أن الأمر المقيد بالغاية يدل على أن الحكم، فيما عدا الغاية، بخلافه. لأن الغاية ما يكون منهيًا للحكم الممدود إليه، وإذا انتهى الحكم الممدود إليه من كل وجه، ثبت خلافه ضرورة. لأنه لو كان الحكم الأول ثابتًا أو كان احتماله ثابتًا، لو قلنا بالتوقف، فلا يتحقق انتهاء الحكم مطلقًا، فيبطل كونه غاية- دل عليه أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ معناه: صوموا صومًا غايته ونهايته الليل، لأن كلمة "إلى" موضوعة للغاية، ولو نص على ذلك علمنا أنه لا يجب الصوم بعد مجئ الليل، إذ لو وجب لخرج الليل من أن يكون غاية، ودخل في كونه وسطًا، إلا أنه لا يمنع قيام الدلالة على خلاف ظاهر الغاية، فيقتضي وجوب صيام قطعة من الليل، ويدلنا ذلك على أن الله تعالى إنما سمَّاه غاية مجازًا، لكونه قريبًا من الغاية. هـ.

стр. 122

وأما الفصل الثالث: [التقييد بالعدد] اعلم أن الأمر المقيد بالعدد، نحو حد القذف بالثمانين وحد الزنا بالمائة، لا يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه- وهذا عند أكثر الناس. وذهب بعضهم على أنه يدل على ذلك. واستدلوا في ذلك بأنه: لو كان الحكم فيما عدا المذكور ثابًا موافقًا للحكم في المذكور، لم يكن للتقييد بالعدد معنى وفائدة. ولأن التقييد بالعدد تقدير للحكم بهذا المقدار، فلو ثبت الحكم فيما زاد عليه لبطل التقدير- دلَّ عليه أن النبي ﵇ عقل من قوله تعالى: ﴿إن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أن الحكم فيما عدا السبعين بخلافه، حتى قال: "لأزيدنَّ على السبعين". وكذا الأُمَّةُ: علمت ظر جلد الزاني فيما زاد على المائة حتى حكموا به. وجه ما ذهب إليه الأكثرون-[الأول]: أنه يجوز أن يكون الحكم فيما زاد على العدد المذكور ثابتًا على موافقة المذكور في العدد، والتقييد بالعدد لفائدة أخرى، وراء انتفاء الحكم عما عداه. وإذا جاز ذلك لم يدل التقييد بالعدد إليه. وفي هذا جواب عن كلامه الأول. والثاني- أن ثبوت الحكم فيما زاد على العدد والمقدار منه، والتخصيص لفائدة أخرى.

стр. 123

وأما قوله بأن النبي ﵇ علم من الآية ذلك- قلنا: إنما علم ذلك بالبقاء على حكم الأصل، لا بتخصيص السبعين بالذكر، لأن الأصل جواز العفو والغفران، إلا أن المنع من ذلك يتقيد بالسبعين، فما زاد عليه، [بقى] على حكم الأصل. وكذا الأمَّة: إنما علمت حظْر الجلد بالبقاء على حكم الأصل، لأن الأصل حظر الجلد، إلا أن الإباحة ثبتت مقيدة بالمائة، على ما مرَّ. هذا هو تقرير المذهبين. وإنا نقول: يجب أن ننظر إلى الحكم المقيد بالعدد: هل يدل على الحكم فيما زاد على العدد المذكور، و [فيما] نقص عنه- ففيه تفصيل: [فيما زاد]: إن كان الحكم في المذكور نفيًا: [فإنه] لا يدل على انتفاء الحكم عما زاد عليه، بل يدل على ثبوته فيه، نحو قوله ﵇: "إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خَبَثًا": نفى احتمال الخَبَث عن القلتين، وهذا يوجب نفي احتمال الخبث عما زاد على القلتين، لأن القلتين موجودتان في الثلاث وزيادة. ولو حظر علينا جلد الزاني مائة، كان ذلك دليلًا على حظر ما زاد على المائة، لأن المائة موجودة في المائتين وزيادة. ولو كان الحكم [إيجابًا أو] إباحة، بأن أوجب علينا جلد الزاني مائة أو أباح ذلك، [فإنه] لا يدل على وجوب ما زاد على المائة، [أ] وإباحته، لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى:

стр. 124

أما من جهة اللفظ -فلأنه لا ذكر [فيه] لما زاد على العدد المذكور. وكذا من حيث المعني- لأن إيجاب الأدنى [أ] وإباحته، لا يدل على إيجاب الأعلى [أ] وإباحته. [فيما نقص]: وأما دلالته على حكم ما نقص عنه: [فـ] إن كان الحكم المقيد به إيجابًا [فإنه] يدل على إيجاب ما دونه، ويمتنع الاقتصار عليه- نحو: أن وجب علينا جلد الزاني مائة: يدل على إيجاب خمسين، ويمتنع الاقتصار عليه، لأن الأمر يتناول استكمال العدد، والاقتصار عليه يخل باستكمال العدد. وإن كان المعلق إباحة: [فإنه] يدل على إباحة ما دونه مما يدخل فيه، ولا يدل على إباحة منا دونه مما لم يدخل تحته- مثاله: إذا أباح جلد الزاني مائة: [فإنه] يدل على إباحة [جلده] ما دونه لأنه دخل تحته. ومثال آخر: إذا أباح لنا استعمال قلتين إذا وقعت فيهما النجاسة: يدل على إباحة استعمال قلة واحدة من هاتين القلتين. ومثال الثاني: إذا أباح لنا استعمال قلتين إذا وقعت فيهما النجاسة بأعيانهما، [فـ] لا يدل على استعمال قلة واحدة وقعت فيها النجاسة، وهي ليست من هاتين القلتين.

стр. 125

وإن كان المعلق به حظرًا: [فـ] لا يدل على حظر ما دونه إلا بطريق الأولى، نحو: إن حظر علينا استعمال قلتين يهما النجاسة: [فـ] لا يدل على حظر استعمال قلة واحدة إلا بطريق الأولى. ولو حظر علينا جلد الزاني مائة: [فـ] لا يدل على حظر خمسين [ولا] على إباحته، بل الأمر فيه موقوف على قيام الدليل. وأما الفصل الرابع: [التقييد بالاسم] اعلم بأن الأمر [أ] والخبر المعلق بالاسم، لا يدل على ثبوت الحكم فيما عداه، ولا انتفائه عما عداه، نحو أن يقول قائل: "زيد في الدار"- فهذا لا يدل على أن عمرًا ليس في الدار، ولا على أنه فيها. وكذلك: لو أمر أحدهما بالقتل: لا يدل على انتفاء الوجوب عن الآخر. وذهب بعض الناس إلى أنه يدل على انتفاء الحكم عما عداه. واستدلوا في ذلك بأن قالوا: لو كان الحكم ثابتًا على العموم لذكره بلفظة تعم الكل. فلما ذكره باسم يخص البعض، عرفنا أن الحكم منتصف عما عداه- مثال: قوله: "زكوا عن الغنم" كان هذا دليلًا على انتفاء الزكاة عن سائر النعم، إذ لو كانت لازكاة واجبة في الغنم وسائر النعم لذكره بلفظة تعمُّ الكل. إلا أنا نقول بأن قول القائل: "زيد آكل" لا يدل على أن عمرًا غير آكل، إذ لو دل على ذلك لما حسن الإخبار به إلا بعد علمه بأن عمرًا غير آكل، لأن بدون العلم به يكون كاذبًا في خبره. أو لا يأمن كونه كاذبًا.

стр. 126

وفي علمنا، باستحسان العقلاء، [أن] الإخبار عنه، من غير علم به، يدل على أنه لا يدل على ذلك- تحقيقه: إن قول القائل: "زيد آكل" لو دل على انتفاء الأكل عن غيره: إما أن يدل على ذلك بلفظه أو بمعناه: لا جائز أن يدل لفظه، لأنه ليس في اللفظ ذكر ما عداه. ولا يدل بمعناه أيضًا، لأن الإنسان قد يعلم بأنهما اشتركا في الفعل، ثم يجوز أن يكون له غرض في الإخبار عن أحدهما دون الآخر. وكذلك نعلم أن الفعل واجب عليهما، ثم يأمر أحدهما به، ويدل الآخر على الوجوب، في وقت آخر، بدليل آخر- فثبت أنه لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه من كلا الوجهين. والجواب عما ذكروه- قلنا: - لو انتفى الحكم عن غير المذكور إنما ينتفي لفقد دلالة الوجوب في حقه، لا لتعلق الوجوب بالمذكور. - وكذلك الجواب عن كلامه الثاني: إن انتفاء الزكاة عن النَّعَم إنما كان لفقد دلالة الوجوب، لا لتعلق الوجوب بالغنم، لأنه لا يمتنع أن يكون الحكم ثابتًا في الغنم وسائر النَّعَم ثم تتعلق المصلحة في أن يبين حكم الغنم بهذا النص، ويبين حكم سائر النَّعَم بنص آخر، في زمان آخر. وإذا جاز ذلك، لم يكن التقييد بالغنم دليلًا على انتفاء الحكم عما عداه- والله أعلم. وأما الفصل الخامس: [التقييد بالصفة] فنقول: اختلف العلماء من الناس في الأمر المقيد بالصفة، نحو قوله ﵇: "زكُّوا عن الغنم السَّائِمة"- هل يدل على انتفاء الحكم عما عداه؟

стр. 127

ذهب معظم أصحاب الشافعي ﵀، ومعظم المتكلمين إلى أنه يدل عليه. وذهب أصحابنا ومعظم المتكلمين إلى أنه لا يدل على ذلك. وقال بعضهم: إنه يدل على انتفاء الحكم عما عداه في حال، ولا يدل عليه في حال: أما الحالة التي يدل فيها على انتفاء الحكم عما عداه-[فـ] أمور ثلاثة: منها- أن يكون الخطاب واردًا على سبيل البيان، كقوله: "زكوا عن الغنم السائمة". ومنها- أن يكون واردًا على سبيل التعليم، كخبر التحالف حال قيام السلعة.

стр. 128

ومنها- أن يكون ما عدا الصفة داخلًا تحت الصفة، نحو: جواز القضاء بالشاهدين: يمنع من جواز القضاء بالشاهد الواحد، لأنه داخل في الشاهدين. وفيما عدا هذه الوجوه، لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه. دليلنا في ذلك أنه لو دل على انتفاء الحكم عما عداه: [فـ] إما أن يدل بلفظه وصريحه، أو بمعناه وفائدته، وليس يدل عليه بكلا الوجهين، فإذن لا يدل عليه أصلًا. أما [أنه] لا يدل عليه بلفظه: [فـ] لأنه ليس في اللفظ ذكر لغيره، وما لا ذكر له في اللفظ، لا يتعرض له الكلام بنفي ولا إثبات. ولا يدل عليه بفائدته ومعناه أيضًا، لأن الذي يمكن أن يقال فيه: إن الحكم لو كان ثابتًا

стр. 129

فيما عدا الصفة، لما تكلف لذكر اصفة، لأن التكلف لذكر الصفة- مع أن الحكم ثابت على سبيل العموم -تكلف بما لا فائدة فيه- وهذا باطل، لأنه يجوز أن يكون في التقييد فائدة وراء انتفاء الحكم عما عداه. وبيان تلك الفائدة: منها- أنه لو أطلق الكلام لتوهم متوهم أن الصفة خارجة عن الأمر، فتقييده بالصفة لإزالة الإيهام، وليدل على ثبوت الحكم فيما عداه بطريق الأولى- نحو أن يقول الشارع: "ضحوا بالشاة إن كانت عوراء"، فتقييد الأمر- إذا كان في علمه أن لو أطلق الكلام إطلاقًا لتوهم متوهم أن العوراء خارجة عن هذا الأمر- فتقييد الأمر به لإزالة هذا الإيهام، وليدل على جواز الضحية بالشاة الصحيحة بطريق الأولى. وكذا قوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ لا يمنع أن يعلم الله تعالى أنه لو أطلق الكلام إطلاقًا لتوهم متوهم أن القتل خشية الإملاء غير مراد، فيقيد الله تعالى النهي به لإزالة الإيهام. ومنها- أنه لا يمتنع أن يكون البلوى واقعة بالصفة، فيبين حكم الصفة بالتنصيص عليه، وما عدا ذلك لا يشتبه، نحو قوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾: كان لا يشتبه عليهم حرمة القتل، وإنما يشتبه عليهم القتل خشية الإملاق، فقيد الله النهي به ليعلم أن الحكم ثابت على سبيل العموم. ومنها- أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يبين حكم الصفة بالتنصيص عليه، ويثبتها فيما عداه، بالقياس عليه. كما لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يبين حكم الربا في الأشياء الستة، بالتنصيص عليها، ويثبت الحكم فيما عداها بالقياس على ذلك.

стр. 130

ومنها- أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يبين حكم الصفة بهذا النص، وحكم ما عداها بنص آخر. كما لا يمتنع أن يكون الحكم تارة بخطاب وجيز، وتارة بخطاب طويل- مثال الأول: قوله: "زكوا عن الغنم"، ومثال الثاني: قوله: "زكوا عن الغنم السائمة والمعلوفة"، ولو اقتصر على قوله: "زكوا عن الغنم" كفاه. ومع هذا لا يمتنع ذلك- كذا هذا. ومنها- أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يبين [حكم] الصفة بالتنصيص عليه، ويتعبدنا فيما عدا ذلك، بالبقاء على حكم الأصل، بأن كان حكم الأصل موافقًا لحكم العقل، بأن يقول: "لا تذبحوا الشاة السائمة"، فإن حرمة الذبح أصل، فيبين حكم السائمة بالتنصيص عليه، وما عداها [يظل] باقيًا على حكم الأصل. وإذا كان في التقييم بالصفة فوائد، لم يدل على انتفاء الحكم عما عداه. فإن قيل: إن جاز ما ذكرتموه في تقييد الحكم بالصفة، وراء انتفاء الحكم عما عداه، لكن الظاهر من الفوائد انتفاء الحكم عما عداه، فصحَّ القول بانتفاء الحكم عما عداه بناء على هذا الظاهر- قلنا: ماذا عنيتم بقولكم: إن الظاهر انتفاء الحكم عما عداه؟ إن عنيتم أن المفهوم والمعقول من الفائدة ذلك، فغير مسلم، وهو موضع النزاع. وإن عنيتم به أن الأغلب والأعم من الفائدة،

стр. 131

في تقييد الحكم بالصفة، انتفاء الحكم عما عداه، فهذا دعوى أيضًا، وما أنكرتم على من يقول إن الأمر على العكس، فصار حاصل سؤاله دعوى لا دليل عليه. وقد استدل على ذلك بأن تقييد الحكم بالصفة جارٍ مجرى تقييد الحكم بالاسم، ثم تقييد الحكم بالاسم لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه، فكذلك تقييد الحكم بالصفة. أما بيان أن تقييد الحكم بالاسم لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه-[فـ] ما ذكرنا في الفصل المتقدم. وأما بيان أن تقييد الحكم بالصفة جار مجرى تقييد الحكم بالاسم، فهو أن الاسم وإنما وضع ليمتاز به أحد المسميين عن الآخر، وكذلك الصفة: إنما تضاف إلى الموصوف عند وقوع الاشتراك، ليمتاز أحد المسميين عن الآخر، فإنك إذا قلت "زيد" يقع على الكوفي والبصري، فإذا أضفت الاسم إلى البصري [فإنه] يمتاز به، كما يمتاز باسم يختص به لا يشاركه فيه غيره. ثم تقييد الحكم بذلك الاسم، لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه، فكذلك تقييد الحكم بالصفة. إلا أن لقائل أن يقول: هذا باطل بالتقييد بالغاية، فإن الغاية تقتضي تمييز ما دخلت عليه من الزمان [وتجري مجرى اسم يختص بذلك الزمان]. ثم التقييد بالاسم، الموضوع لذلك الزمان، لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه، وتقييده بالغاية يدل على انتفاء الحكم عما عداه- فكذا هذا. ثم نقول: ولم يجب، إذا جرت الصفة مجرى الاسم في التمييز، أن يجري مجراه في عموم الفائدة؟ ولم قلتم إن العلة، في أن تقييد الحكم بالاسم لا يدل على انتفاء

стр. 132

الحكم عما عداه، ما ذكرتم، وما أنكرتم أن العلة فيه شيء آخر؟ فإن قال: إن العلة في التقييد بالاسم هو أنه ليس في اللفظ ذكر لما عدا المسمى، فكذا في الصفة: ليس لما عداها ذكر في اللفظ، فلا يكون دليلًا- قلنا: هذا، رجوع من الكلام الأول إلى دليل آخر. ثم نقول: هذا يقتضي أن تقييد الحكم بالصفة لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه من جهة اللفظ. أما لا يقتضي أنه لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه من جهة الفائدة والمعنى. وأما المخالف فقد استدل في المسألة بأشياء: منها- أن الخطاب المقيد بالصفة جارٍ مجرى الخطاب المقيد بالاستثناء. ثم الحكم المقيد بالاستثناء يدل على انتفاء الحكم عما عداه، فكذلك الحكم المقيد بالصفة. ومنها- أن الأصل في خطاب الله تعالى أن يُحمل على ما تعممُّ فوائده، وفي جعل التخصيص بالذكر دليلٌ على نفي ما عداه تكثير لفوائده، فيجعل ذلك دليلًا عليه. ومنها- أن الأمة عقلت وفهمت الأحكام من دلالة التخصيص، حتى رُوي أن الصحابة ﵃ قالوا: إن قوله ﵇: "الماء من الماء" منسوخ بقوله ﵇: "إذا التقى الختانان وغابت الخشفة وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل". فلولا أن قوله: "الماء من الماء" يقتضي نفي وجوب الغسل عما عداه، عندهم، لم يكن الحديث الثاني ناسخًا له.

стр. 133

ومنها- استدلال أبي بكر ﵁ على نفي الإمامة عن الأنصار بقوله ﵇ "الأئمة من قريش"- فلولا أن هذا الحديث يقتضي نفي الإمامة عما عدا قريش، لما صح ذلك منه. وروى عن ابن عباس ﵄ نفي الربا [في] النقد بقوله ﵇ "إنما الربا في النسيئة"، فلولا أن تخصيص الربا بالنسيئة يدل على نفي الربا عما عداه، لما صح ذلك منه. والجواب: أما الأول- قلنا: الحكم المقيد بالصفة جار مجرى الحكم بالاستثناء من جميع الوجوه، أو من وجه دون وجه؟ الول ممنوع، والثاني مسلم. ونحن نقول بأنهما يجريان مجرى واحدًا: في أن كل واحد منهما يدل على ثبوت الحكم فيما تناوله، إلا أن الحكم المقيد بالاستثناء اختص بزيادة فائدة، وهي الدلالة على نفي الحكم عن المستثنى. وأما الثاني- قلنا: الحكم لا يجعل مدلولًا للفظ لتكثير الفوائد، وإنما يجعل مدلولًا إذا كان موضوعًا له، أو موضوعًا لشيء يدل عليه- ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾: هذا لا يجعل دليلًا على نفي قتل غير المشركين، لما أنه غير موضوع له، وإن كان فيه تكثير الفوائد. وأما الثالث والرابع- قلنا: قوله ﵇: "الماء من الماء" اقتضى أن يكون جميع الغسل في الإنزال، لأن الألف واللام للاستغراق، فاقتضى نفي

стр. 134

وجوب الغسل في غيره، فالحديث الثاني إذا أوجب الغسل بالتقاء الختانين، فقد أثبت ما نفاه الأول، فكان ناسخًا له. وكذا قوله ﵇: "الأئمة من قريش" اقتضى أن يكون جميع الأئمة من قريش، ومتى اقتضى ذلك اقتضى نفي الإمامة عن غيرهم، فكذلك صح منه التعلق بهذا الحديث. وكذا قوله ﵇: "الربا في النسيئة" اقتضى جميع الربا في النسيئة فاقتضى نفيه عن غيرها. على أنه روى عن النبي ﵇ أنه قال: "لا ماء إلا من الماء" وهذا صريح في نفي الغسل بدون الإنزال. وكذا روى عنه أنه قال: "لا ربا إلا النسيئة" فلعل ابن عباس ﵄ إنما نفي الربا في النقد بهذا الحديث. أما الحكم المقيد بصفة -[فـ] لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه، لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، فلا يجعل دليلًا عليه. وأما الفصل السادس: [التقييد بكلمة: إنما] الخطاب المقيد بكلمة "إنما" كقوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات" وقوله ﵇: "إنما الشفعة فيما لم يقسم" وقوله ﵇: "إنما الولاء لمن أعتق" و"إنما الماء من الماء" و"إنما الربا في النسيئة". قال بعضهم: يدل على انتفاء الحكم عما عداه، لأن المفهوم منه ذلك، ألا ترى أن من قال لغيره: "هل في الدار غير زيد"، فقيل له في الجواب: "إنما في الدار زيد": فهم أنه ليس في الدار غير زيد، من حيث العرف. وقال بعضهم: لا يدل على نفي الحكم عما عداه، إلا إذا اقترنت به قرينة السؤال وغيرها- والدلالة على ذلك أن كلمة "إنما" مركبة من "إن" و"ما"،

стр. 135

ولو ذكر بكلمة "إن" مفردًا وقال: "إن في الدار زيدًا"، لا يدل على نفي غيره، فكذا إذا ركب معه غيره وهو كلمة "ما"، لأن كلمة "ما" دخلت صلة في الكلام، كما في "إذا ما" و"متى ما" و"أينما" أو يحتمل أن تكون صلة، فلا يدل على نفي الحكم عما عداه- والله أعلم. ٣٣ - باب في: الأمر الوارد عقيب أمر بحرف العطف وغيره: اعلم أن من قال لغيره "افعل" ثم قال له "افعل"، لا يخلو: إما أن يتناول الأمر الثاني مثلما تناول الأمر الأول، أو تناول ما يخالف من تناوله الأمر الأول. - فإن تناول ما يخالف ما تناوله الأمر الأول، نحو أن قال "تصدق"، ثم قال "صلَّ"، فلا شبهة في أنه يفيد مأمورًا به آخر، سواء كان بحرف العطف أو لا بحرف العطف، لأنه لا يمكن صرفه إلى ما تناوله الأول لمخالفة بينهما. - فإن تناول مثلما تناوله الأول، بأن قال له "تصدًّق" ثم قال له "تصدق" فلا يخلو: إما إن ذكره بحرف عطف، أو بغير حرف عطف: (أ) - فإن لم يكن مذكورًا بحرف عطف، بأن قال له "تصدق" ثم قال له "تصدق": قال بعض المتكلمين: إنه يفيد مأمورًا به آخر، إلا أن يمنع من ذلك العادة، نحو إن قال "اسقني" ثم قال "اسقني": ينصرف إلى ما تناوله الأول، لأن العادة تمنع من تكرار السقي في حالة واحدة، فحمل على الأول. أو كان معرفًا بالألف واللام، نحو إن قال: "صلِّ ركعتين- صلِّ الصلاة"- لأن لام الجنس إذا دخل في الكلام ينصرف إلى المعهود السابق. أما إذا عرى عن هذين القسمين، [فـ] يفيد مأمورًا به آخر.

стр. 136

وقال بعضهم: يحمل على الأول. وقال بعضهم بالتوقف فيه، وهو المختار. أما الأولون: [فقد] ذهبوا في ذلك إلى أن الأمر للوجوب، الوجوب، تقدمه أمر آخر أو لم يتقدمه. - لأن الصيغة لا تختلف، وإنما تفيد الوجوب إذا حمل على مأمور به آخر، أما إذا حمل على الأول، فلا يفيد الوجوب، لأن الأول أفاد الوجوب مرة، فلا يفيده الثاني. - ودليل آخر: أن الأصل في الألفاظ إذا تغايرت أن تتغاير معانيها، لنه لو لم تتغاير المعاني كان المراد بالكل واحدًا، وفي ذلك إخلاء بعض الألفاظ عن الفائدة. ولا يقال بأن الثاني لو حمل الأول يفيد فائدة، وهو التأكيد، وذا غير حاصل بالأول، فلم يكن في حمله على الأول إخلاؤه عن الفائدة، لأنا نقول: الأمر يقتضي إيجاب الفعل، وتأكيد إيجاب الفعل غير إيجاب الفعل، فكان حمل الأمر عليه حملًا له على خلاف ما يقتضيه. وأما من قال بأنه يحمل على الأول [فـ] نقول: إن تكرار الأمر يحتمل التأكيد، وهو شائع في اللغة: يقال "عجل عجل- ارم ارم"، ويحتمل مأمورًا به آخر، فيحمل على التأكيد، لأنه متيقن.

стр. 137

وإنا نقول: الأمر يقتضي إيجاب الفعل مطلقًا، والحمل على مأمور به قولٌ بإيجاب الفعل، والحمل على المأمور به الأول قول بإيجاب الفعل به، لأن إفادة الأمر [هو] الوجوب، بمعنى كونه دلالة على الوجوب أو مقتضيًا للوجوب، لا بمعنى أنه يجعل المأمور به واجبًا، وكون الأمل دلالة على الوجوب ومقتضيًا له لا يمنع كون الثاني دلالة على الوجوب ومقتضيًا له، فإذا صح حمله على كل واحد منهما، ولا دليل يدل على تعيين أحدهما- فنتوقف فيه. وفي هذا جواب عما قالوه أولًا وثانيًا، لما مر: أن الحمل على الأول قول بتحدد فائدة اللفظ، لأن فائدة اللفظ وضعًا هو الوجوب، والحمل على مأمور آخر قول بتحدد فائدة اللفظ أيضًا، ولا دليل على تعيين أحدهما، لأن الأمر يقتضي إيجاب الفعل مطلقًا، وفي حمله على الأول تقييد بذلك، فيجب القول بالتوقف إلى أن يقول الدليل على المراد. (ب) - هذا كله إذا ذكر الأمر الثاني بغير حرف عطف. فلو ذكر معطوفًا على الأول غير معرف بالألف واللام، فلا شبهة أنه يفيد غير ما أفاده الأول، لأن ظاهر العطف يقتضي المغايرة. وإن كان معطوفًا على الأول معرفًا بالألف واللام، نحو أن قال: "صلِّ غدًا ركعتين" ثم قال: "وصلِّ الصلاة"، فهو على الوقف، لأنه لو حمله على الأول كان فيه عمل بظاهر لام الجنس وترك للعمل بظاهر العطف، ولو حمل على غير ما أريد بالأول، كان الأمر على العكس وليس أحدهما بالمصير إليه بأولى من الآخر، فنتوقف فيه. * * *

стр. 138

هذا [كله] فيما إذا كان الفعل فيما يحتمل التزايد والتكرار، أما إذا كان لا يحتمل التزايد والتكرار بأن قال: "اقتل زيدًا" ثم قال: "اقتل زيدًا" أو قال: "صم يوم الجمعة" ثم قال: "صم يوم الجمعة"، يجعل الثاني تأكيدًا للأول كيفما كان، لأنه لا يمكن أن يراد بالثاني غير ما أريد بالأول. * * * وكذلك إذا ورد الأمران عامين بأن قال: "اقتل كل إنسان" أو قال: "صم كل يوم" ثم قال: [اقتل كل إنسان، أو قال: ] "صم كل يوم" لما ذكرنا. وأما إذا ورد الأول عامًّا، والثاني خاصًّا، وهو معطوف عليه، بأن قال: "صم كل يوم وصم يوم الجمعة": ذهب بعضهم إلى أن يوم الجمعة غير راد بالأول لظاهر العطف. والصحيح أنه على التوقف، لأنه ليس بأن يترك ظاهر العموم بأولى من أن يترك ظاهر العطف، فتعين القول فيه بالتوقف. وإن كان الأول عامًّا، والثاني خاصًّا غير معطوف عليه، يجعل الثاني تأكيدًا للأول، لأن الأول أوجب الاستغراق بلا معارضة، فلم يبق شيء من ذلك الجنس يراد بالثاني، فيجعل تأكيدًا له ضرورة.

стр. 139

٣٤ - باب في: كيفية إيجاب الأمر فروض الكفايات: اعلم أن الأمر إذا تناول جماعة: - فإما أن يقتضي وجوب الفعل على كل واحد منهم على الجمع، والمصلحة المطلوبة من فعل كل واحد منهم لا يحصل بفعل غيره، وهذا يسمى واجبًا على سبيل التعيين، كالإيمان بالله والصلوات المفروضة، ونحو ذلك. - أو يقتضي الوجوب لا على سبيل الجمع، والمصلحة المطلوبة منه تحصل بفعل البعض، وهذا يسمى واجبًا على سبيل الكفاية، كالجهاد وصلاة الجنازة، وغير ذلك. واختلفوا: أن الواجب على سبيل الكفاية على هذا الوجه- هل هو واجب على الكل، أو على البعض؟ قال بعضهم: هو واجب على جماعة، بغير عينها. وقال بعضهم: هو واجب على كل من قام به وبادر إليه، ويتبين أنه المراد بالإيجاب. والصحيح أنه واجب على الكل، لأن الإيجاب تناول الكل، إلا أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين، لحصول المقصود به. أما القول الأول- فباطل، لأن المكلَّف بالفعل لا بد أن يكون عالمًا بوجوب الفعل عليه، أما إيجاب الفعل على فاعل غير معين، [فـ] غير معقول. وكذا القول الثاني- لأنه يقتضي أنه لو لم يقم به أحد، لا يكون واجبًا على أحد، وأن يكون لفعل المكلَّف تأثير في كونه مأمورًا بذلك الفعل، وهو باطل. فكان الصحيح هو القول الثالث.

стр. 140

ويجوز أن يكون الفعل واجبًا في نفسه، ثم يسقط لحصول المقصود والمطلوب منه، كما في الكفارات الثلاث على ما مرَّ. وإذا ثبت هذا- نقول: حكم الواجب: أن الكل لو قاموا به صار كل واحد منهم مقيمًا للواجب، وينال ثواب الواجب. ولو أخلَّ الكل به، من غير الظن بقيام البعض به، أتموا جميعًا. ولو غلب على ظن طائفة أن غيرها يقوم به، لا يأثم بتركه. ولو غلب على ظن طائفة أن غ يرها لا يقوم [به] تأثم بتركه. وإن غلب على ظن كل طائفة أن غيرها لا يقوم به، يأثم كل واحدة منهم بتركه. وإن غلب على ظن كل طائفة أن غيرها يقوم [به] لا يأثم واحدة منهم بتركه، وإن أدى إلى أن لا يقوم به أحد. وحد الوجوب لا ينتقض بشيء من هذه التفاصيل. ٣٥ - باب في: أن الواجب هل يكون أوجَب من واجب: اختلف أهل الأصول فيه. ونحن نقول: إن عني بذلك التزايد في تعلق الأمر بالفعل، على ما قاله الأشعري

стр. 141

وجماعة: إن الواجب هو ما قيل فيه "افعل" وليس الوجوب صفة زائدة للفعل- فعلى هذا: لا يكون واجب أوجب منه، لنهما في تعلق الأمر بهما على السواء. وإن عني به اختصاص أحد الجانبين بحالة تقتضي أن يستحق على الإخلال به من الذم والعقاب أكثر مما يستحق على الإخلال بالآخر، كما هو حقيقة الوجوب- فهذا مما لا امتناع فيه، والتفاوت بين بعض الواجبات والبعض ثابت معلوم بالضرورة، فإنا نعلم باضطراد أن الإيمان بالله وتخليص الغرقى أوجب من غيرها من الواجبات على هذا التفسير، ولا يمتنع أن تقوم دلالة أو أمارة على اختصاص بعض الواجبات بحالة تقتضي استحقاق الذم على الإخلال أبلغ مما يستحق على غيره. هـ ٣٦ - باب في: شرائط حسن الأمر: اعلم أن لحسن الأمر شرائط- منها ما يرجع إلى المأمور به. ومنها ما يرجع إلى المأمور. ومنها ما يرجع إلى الآمر. [ومنها ما يرجع إلى الأمر]. - أما ما يرجع إلى المأموربه، فهو: * أن يكون صحيح الوجوب، غير مستحيل، كالجمع بين المتضادين، وإيجاد الفعل في الزمان الماضي، وإيجاد الموجود، وإيجاد أفعال كثيرة في زمان لا يتسع لها.

стр. 142

* وأن يكون المأمور به على صفة زائدة من وجوب أو ندب، لأن مجرد الحسن لا يكفي لحسن الأمر، فإن المباح حسن والأمر لا يحسن به. - وأما ما يرجع إلى المأمور، [فـ] هو: * أن يكون متمكنًا من الفعل في زمان الفعل، لأنه لو لم يكن متمكنًا منه كان تكليف ما لا يطاق. وإن كان قادرًا في زمان الفعل غير قادر في زمان وجوب الفعل، صح، لأن القدرة إنما يحتاج إليها في زمان الفعل، لا في زمان الوجوب. * وأن يكون متردد الدواعي، لن الدواعي لو كانت متوفرة إلى الفعل وانقطع دواعي الترك، صار كالملجأ إلى الفعل، كالجائع إذا وجد الطعام، والعطشان إذا وجد الشراب: لا يحسن أمره بالأكل والشرب. - وأما ما يرجع إلى الآمر، فهو: * أن يكون عالمًا بحال المأمور والمأمور به على الوجه الذي بيناه. * وأن يكون أعلى رتبة من المأمور. - وأما ما يرجع إلى الأمر- فهو: * أن يكون متقدمًا على المأمور به، مقدار ما يمكن للمأمور الاستدلال به على وجوب أو ندب. * وقال بعضهم: ينبغي أن يكون مقارنًا للفعل. وما كان متقدمًا يكون إعلامًا، ولا يكون إلزامًا. والدليل على وجوب هذا القدر من التقدم أنه إذا لم يتقدمه هذا القدر، لا يمكنه إيقاع الفعل على جهة الوجوب أو على جهة الندب، فيكون تكليف ما لا يطاق. والدليل عليه أن أوامر الله تعالى متقدمة على أفعالنا، لأن الأمة أجمعت على [كوننا] مأمورين بالصلاة، بأمر الله تعالى، ولا أمر إلا قوله:

стр. 143

﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾. والدليل عليـ[ـه] أنه يجوز في الشاهد، فإن السيد إذا قال لعبده: "افعل غدًا كيت وكيت"، صح، وإذا صح في الشاهد صح في الغائب. وأما قوله: إن ما تقدم يكون إعلامًا- قلنا: أيش تعني بهذا الإعلام؟ إن [كنت] تعني به أنه يدل على وجوب الفعل في ذلك الزمان، فهذا مذهبنا. وإن كنت تعني به أنه يدل على وجوب أمر آخر، فليس في اللفظ ذلك. وأما الزيادة على هذا القدر-[فـ] هل يجوز؟ إن كان فيه مصلحة، يجوز، لأنه يخرج من أن يكون عبثًا، وعلى هذا أوامر الله تعالى. وإن لم يكن فيه مصلحة، لا يجوز، لنه يكون عبثًا. والله أعلم.

стр. 144

٥ باب الكلام في النواهي اعلم بأن النهي لما كان حثًّا على الإخلال بالفعل، كالأمر: حث على الفعل، كان أكثر الكلام في الأوامر يليق بالنواهي. فكذلك لا نحتاج إلى أن نفرد لكل باب من أبواب النواهي كلامًا مبتدأ، وإنما نذكر قدر ما لا بد منه، وهو أن: ٣٧ - النهي عن المشروعات، هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا ؟ ذهب أصحابنا إلى أنه لا يدل على فساد المنهي عنه، وهو الظاهر من مذهب المتكلمين. وقال أصحاب الشافعي: إنه يدل على فساد المنهي عنه. وقال بعضهم: إنه في العبادات يدل على فساد المنهي عنه، دون العقود والإيقاعات. فنبين أولًا معنى وصفنا التصرف بأنه صحيح وفاسد وباطل، وجائز وغير جائز. أما معنى وصفنا التصرف بأنه "صحيح"-[فـ] هو أنه يفيد الغرض المطلوب منه، وإنما يكون ذلك بوجود ركن التصرف مستوفيًا للشرائط التي يقف عليها حصول الغرض المطلوب فيه.

стр. 145

وقولنا "فاسد" و"باطل" يفيد نفي ذلك. وإنما يكون كذلك إذا لم يستوف الشرائط التي يقف عليها حصول الغرض المطلوب بالتصرف. وقولنا "جائز" يجري مجرى قولنا "مجزئ"، وهو أن يكفي لحصول الغرض المطلوب بالتصرف. وقولنا "غير جائز" يفيد نفي ذلك. فإذا قلنا "بيع صحيح" و"بيع جائز" يفيد معنى واحدًا، وهو ما ذكرناه. وقولنا: "بيع باطل" و"بيع فاسد" يفيد معنى واحدًا، وهو ما ذكرنا. وإنما وصفنا البيع المنهي عنه، كبيع الربا وغيره، بالفساد، مع كونه مفيدًا للملك، بطريق التوسع والمجاز، لمجاورة الأمر الفاسد إياه، لا أن عين البيع فاسد. * * * إذا ثبت هذا نقيم الدلاة على أن النهي عن المشروعات لا يدل على فساد المنهي عنه، بهذا المعنى- فنقول: لو دل عليه: [فـ] إما أن يدل عليه بلفظه، أو بمعناه وقضيته. - لا وجه إلى الأول، لأن النهي ما وضع للفساد على هذا التفسير، وكيف يجوز أن يقال ذلك وإن العرف قد تنهي عن العبادات والعقود الشرعية، وتعتقد ذلك نهيًا حقيقية، مع اعتقادهم لكونها مفيدة للأغراض المطلوبة منها، كالصلاة في الأرض المغصوبة وغيرها. ولأن الفساد أمر شرعي، والنهي لفظ لغوي، فلا يجوز أن يكون مستفادًا من قضية النهي. - ولا وجه إلى الثاني، لأن معنى النهي وجوب الانتهاء، ووجوب الانتهاء
следующие страницы →