← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133362

بذل النظر في الأصول

العلاء الأسمندي

Полный текст (696 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وجماعة: إن الواجب هو ما قيل فيه "افعل" وليس الوجوب صفة زائدة للفعل- فعلى هذا: لا يكون واجب أوجب منه، لنهما في تعلق الأمر بهما على السواء. وإن عني به اختصاص أحد الجانبين بحالة تقتضي أن يستحق على الإخلال به من الذم والعقاب أكثر مما يستحق على الإخلال بالآخر، كما هو حقيقة الوجوب- فهذا مما لا امتناع فيه، والتفاوت بين بعض الواجبات والبعض ثابت معلوم بالضرورة، فإنا نعلم باضطراد أن الإيمان بالله وتخليص الغرقى أوجب من غيرها من الواجبات على هذا التفسير، ولا يمتنع أن تقوم دلالة أو أمارة على اختصاص بعض الواجبات بحالة تقتضي استحقاق الذم على الإخلال أبلغ مما يستحق على غيره. هـ ٣٦ - باب في: شرائط حسن الأمر: اعلم أن لحسن الأمر شرائط- منها ما يرجع إلى المأمور به. ومنها ما يرجع إلى المأمور. ومنها ما يرجع إلى الآمر. [ومنها ما يرجع إلى الأمر]. - أما ما يرجع إلى المأموربه، فهو: * أن يكون صحيح الوجوب، غير مستحيل، كالجمع بين المتضادين، وإيجاد الفعل في الزمان الماضي، وإيجاد الموجود، وإيجاد أفعال كثيرة في زمان لا يتسع لها.

стр. 142

* وأن يكون المأمور به على صفة زائدة من وجوب أو ندب، لأن مجرد الحسن لا يكفي لحسن الأمر، فإن المباح حسن والأمر لا يحسن به. - وأما ما يرجع إلى المأمور، [فـ] هو: * أن يكون متمكنًا من الفعل في زمان الفعل، لأنه لو لم يكن متمكنًا منه كان تكليف ما لا يطاق. وإن كان قادرًا في زمان الفعل غير قادر في زمان وجوب الفعل، صح، لأن القدرة إنما يحتاج إليها في زمان الفعل، لا في زمان الوجوب. * وأن يكون متردد الدواعي، لن الدواعي لو كانت متوفرة إلى الفعل وانقطع دواعي الترك، صار كالملجأ إلى الفعل، كالجائع إذا وجد الطعام، والعطشان إذا وجد الشراب: لا يحسن أمره بالأكل والشرب. - وأما ما يرجع إلى الآمر، فهو: * أن يكون عالمًا بحال المأمور والمأمور به على الوجه الذي بيناه. * وأن يكون أعلى رتبة من المأمور. - وأما ما يرجع إلى الأمر- فهو: * أن يكون متقدمًا على المأمور به، مقدار ما يمكن للمأمور الاستدلال به على وجوب أو ندب. * وقال بعضهم: ينبغي أن يكون مقارنًا للفعل. وما كان متقدمًا يكون إعلامًا، ولا يكون إلزامًا. والدليل على وجوب هذا القدر من التقدم أنه إذا لم يتقدمه هذا القدر، لا يمكنه إيقاع الفعل على جهة الوجوب أو على جهة الندب، فيكون تكليف ما لا يطاق. والدليل عليه أن أوامر الله تعالى متقدمة على أفعالنا، لأن الأمة أجمعت على [كوننا] مأمورين بالصلاة، بأمر الله تعالى، ولا أمر إلا قوله:

стр. 143

﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾. والدليل عليـ[ـه] أنه يجوز في الشاهد، فإن السيد إذا قال لعبده: "افعل غدًا كيت وكيت"، صح، وإذا صح في الشاهد صح في الغائب. وأما قوله: إن ما تقدم يكون إعلامًا- قلنا: أيش تعني بهذا الإعلام؟ إن [كنت] تعني به أنه يدل على وجوب الفعل في ذلك الزمان، فهذا مذهبنا. وإن كنت تعني به أنه يدل على وجوب أمر آخر، فليس في اللفظ ذلك. وأما الزيادة على هذا القدر-[فـ] هل يجوز؟ إن كان فيه مصلحة، يجوز، لأنه يخرج من أن يكون عبثًا، وعلى هذا أوامر الله تعالى. وإن لم يكن فيه مصلحة، لا يجوز، لنه يكون عبثًا. والله أعلم.

стр. 144

٥ باب الكلام في النواهي اعلم بأن النهي لما كان حثًّا على الإخلال بالفعل، كالأمر: حث على الفعل، كان أكثر الكلام في الأوامر يليق بالنواهي. فكذلك لا نحتاج إلى أن نفرد لكل باب من أبواب النواهي كلامًا مبتدأ، وإنما نذكر قدر ما لا بد منه، وهو أن: ٣٧ - النهي عن المشروعات، هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا ؟ ذهب أصحابنا إلى أنه لا يدل على فساد المنهي عنه، وهو الظاهر من مذهب المتكلمين. وقال أصحاب الشافعي: إنه يدل على فساد المنهي عنه. وقال بعضهم: إنه في العبادات يدل على فساد المنهي عنه، دون العقود والإيقاعات. فنبين أولًا معنى وصفنا التصرف بأنه صحيح وفاسد وباطل، وجائز وغير جائز. أما معنى وصفنا التصرف بأنه "صحيح"-[فـ] هو أنه يفيد الغرض المطلوب منه، وإنما يكون ذلك بوجود ركن التصرف مستوفيًا للشرائط التي يقف عليها حصول الغرض المطلوب فيه.

стр. 145

وقولنا "فاسد" و"باطل" يفيد نفي ذلك. وإنما يكون كذلك إذا لم يستوف الشرائط التي يقف عليها حصول الغرض المطلوب بالتصرف. وقولنا "جائز" يجري مجرى قولنا "مجزئ"، وهو أن يكفي لحصول الغرض المطلوب بالتصرف. وقولنا "غير جائز" يفيد نفي ذلك. فإذا قلنا "بيع صحيح" و"بيع جائز" يفيد معنى واحدًا، وهو ما ذكرناه. وقولنا: "بيع باطل" و"بيع فاسد" يفيد معنى واحدًا، وهو ما ذكرنا. وإنما وصفنا البيع المنهي عنه، كبيع الربا وغيره، بالفساد، مع كونه مفيدًا للملك، بطريق التوسع والمجاز، لمجاورة الأمر الفاسد إياه، لا أن عين البيع فاسد. * * * إذا ثبت هذا نقيم الدلاة على أن النهي عن المشروعات لا يدل على فساد المنهي عنه، بهذا المعنى- فنقول: لو دل عليه: [فـ] إما أن يدل عليه بلفظه، أو بمعناه وقضيته. - لا وجه إلى الأول، لأن النهي ما وضع للفساد على هذا التفسير، وكيف يجوز أن يقال ذلك وإن العرف قد تنهي عن العبادات والعقود الشرعية، وتعتقد ذلك نهيًا حقيقية، مع اعتقادهم لكونها مفيدة للأغراض المطلوبة منها، كالصلاة في الأرض المغصوبة وغيرها. ولأن الفساد أمر شرعي، والنهي لفظ لغوي، فلا يجوز أن يكون مستفادًا من قضية النهي. - ولا وجه إلى الثاني، لأن معنى النهي وجوب الانتهاء، ووجوب الانتهاء

стр. 146

لا يدل على الفساد، فإن الإنسان قد يجب عليه الانتهاء لغرض آخر مع حصول الغرض المطلوب منه، وهو ما يتشاغل به عن واجب آخر، أو ما فيه من ارتكاب محظور، كالبيع وقت النداء، والطلاق حالة الحيض- دل على صحة الجمع بينهما ونفي التناقض عنه، أن الشارع لو قال لواحد: نهيتك عن استيلاد جارية الابن، لكن لو فعلت ملكت الجارية" و"نهيتك عن الطلاق حالة الحيض لكن لو فعلت بانت زوجتك"، و"نهيتـ[ـك] عن إزالة النجاسة عن الثوب، والتوضؤ بالماء المغصوب، لكن لو فعلت طهر ثوبتك وبدنك" فشيء من هذا ليس متناقضًا، بخلاف قوله: "نهيتك عن الطلاق وأمرتك به" لأن موجب اللفظين متناقض. فثبت أن النهي لا يدل على ذلك: لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى- فلا يدل عليه أصلًا. فإن قيل: النهي عندنا يدل على فساد المنهي عنه بواسطة القبح، لأن أدنى درجات المشروع أن يكون مباحًا، والقبح ينفي ذلك- قلنا: النهي يدل على أن المنهي عنه اختص بجهة من جهات القبح نحو كونه سببًا للتشاغل عن واجب آخر وغيره على ما مرَّ. واختصاص الفعل بجهة من جهات القبح لا يخرجه من أن يكون مفيدًا للغرض المطلوب منه ومسقطًا للفرض، كالبيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة: فإنهما اختصا بجهة من جهات القبح، وهو التشاغل عن الجمعة وشغل أرض الغير، وذلك لا يخرجه عن كونه محصلًا للغرض المطلوب منه ومسقطًا للفرض. والمانع من سقوط الفرض بالصلاة في الأرض المغصوبة، فهو محجوج بإجماع الأمة على ترك تكليف الظلمة، عند التوبة، قضاء الصلوات المؤداة في الأراضي المغصوبة.

стр. 147

والفقه فيه أنه لا تنافي بين اختصاص الفعل بجهة من جهات القبح لأجله ينهي عنه، واختصاصه بجهة تصير المصلحة المطلوبة من الإيجاب مستوفاة باعتبارها، وكونه منهيًا عنه لا يمنع كونه مفيدًا للغرض ومسقطًا للتكليف بهذه الواسطة. والمخالف احتج بأشياء: - منها: إجماع السلف على الاستدلال بالنواهي على الفساد، نحو احتجاجهم على فساد الربا بقوله تعالى: ﴿وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، ونحو احتجاج عمر ﵁ [وابنه]، في نكاح المشركات ونكاح المحارم، بالنهي. - ومنها: أن الأمر يدل على إجزاء الفعل المأمور به، فالنهي وجب أن يدل على نفيه، لأنه ضده. - ومنها قوله ﵇: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ" والمنهي عنه ليس من الدين، فيجب رده. فمن جعله مثبتًا لحكمه فهو خالف الحديث.

стр. 148

والجواب: - أما الأول، قلنا: المنقول احتجاجهم بالنهي للمنع والتحريم، لا للمنع من إفادة الغرض. ولو ثبت ذلك فهو من بعض الأمة لا من جميعهم، فلا يكون إجماعًا. - وأما الثاني، قلنا: ولم يجب، إذا دل الأمر على الإجزاء، أن يدل النهي على نفي الإجزاء، بل يجب إذا دل الأمر على الإجزاء أن لا يدل النهي على الإجزاء، لأنه ضده. وعندنا: الإجزاء لا يثبت بالأمر، بل بدليل آخر، على أن كون النهي ضد الأمر يقتضي أن يفيد ضد ما أفاده الأمر، وقد أفاد، لأن الأمر يفيد وجوب الفعل والنهي يفيد حرمته. فإن قيل: الأمر إنما يدل على الإجزاء، لأنه أفاد كون الفعل على صفة زائدة على أصل الفعل من وجوب أو ندب، والنهي يمنع ذلك- قلنا: يجوز أن يعرف الإجزاء بدليل آخر، لا بما ذكرتم، وهو أن يقول: "لا تصلوا في أرض مغصوبة ولو صليتم أجزأتكم" و"لا تبيعوا وقت النداء ولو بعتم ملكتم"، أو يعرف الإجزاء بالبقاء على حكم الأصل، والنهي لم يدل عليه- فثبت أن النهي لا يسد علينا طريق معرفة الإجزاء، فلا يدل على نفيه. - وأما الثالث- قلنا: معنى قوله: إن المنهي عنه ليس من الدين- إن عني به أنه غير مفيد لحكمه، فهو موضع النزاع. وإن عني به أنه ليس بحسن ولا مرضي، كالدين، فنحن نقول به، ولا كلام فيه. - ثم نقول: إن المراد من قوله "فهو ردٌّ" نفي الإثابة، لأن الرد ضد القبول، وقبول الفعل هو الإثابة عليه، فإنا ندعو الله بقبول الطاعات ونطلب منه الإثابة عليها. ونحن نقول: إن المباشر للفعل المنهي عنه لا يثاب عليه.

стр. 149

وأما من فرق بين العبادات والعقود-[فقد] ذهب في ذلك إلى أن الغرض من العبادات إسقاط التعبد بها، وكون الشيء منهيًا عنه يمنع كونه داخلًا تحت التعبد، فكيف يسقط بفعله التعبد؟ ولأن سقوط التعبد بفعل الطاعة يقف على نية القربة والطاعة، ونية التقرب والطاعة بالمنهي عنه محال. والجواب: - قلنا: سقوط التعبد [يكون] باستيفاء المصلحة الملطوبة من الإيجاب وتحصيل الغرض المطلوب من التعبد، ولا يمتنع كون الفعل بحال يستوفي به الغرض المطلوب من التعبد والمصلحة المطلوبة من الإيجاب، مع كونه منهيًا عنه واختصاصه بجهة من جهات القبح على ما مرَّ. - وأما نية التقرب، قلنا: نية التقرب ليس بشرط في جميع المواضع، بل الشرط فيه نية أداء ما وجب عليه. وإن كان ذلك شرطًا، فالمكلف ينوي به التقرب من حيث اشتمل على استيفاء المصلحة، لا من حيث إنه منهي عنه، كالمصلِّي في أرض مغصوبة ينوي التقرب إلى الله بهذه الأفعال من حيث إنها خضوع وتعظيم لله تعالى، لا من حيث إنها شغل أرض الغير. ٣٨ - باب في: ذكر ما يفصل به بين ما يفسد بالنهي وبين ما لا يفسد: ولما ثبت أن من مذهبنا أن من الأفعال ما يفسد بالنهي، ومنها ما لا يفسد- فلا بد من ذكر ما يفصل بينهما. والذي حصله المتقدمون من أصحابنا، وهو مروي عن الكرخي ﵀، أن النهي متى ورد لمعنى يختص بالشيء يوجب فساده، ومتى ورد لا لمعنى يختص به لا يوجب فساده.

стр. 150

وهو قريب مما قاله القاضي الإمام أبو زيد ﵀: إن النهي إذا ورد لمعنى في عينه يوجب فساده، ومتى ورد لمعنى في غيره لا يوجب فساده. وإنما كان كذلك- لأن النهي، لعينه أو لمعني يخصه، نهى عنه من حيث يفيد الغرض المطلوب منه، فيوجب المنع من الغرض المطلوب منه، وفيه إخراجه من أن يكون مفيدًا للغرض. فإن قيل: بماذا يعرف كون النهي واردًا لمعني يخص الشيء أو لعينه، وكونه واردًا لا لمعنى يخصه أو لغيره- قلنا: في ذلك وجهان: أحدهما- أن النهي عن الشيء لا يكون إلا لاختصاصه بوجه من وجوه القبح على ما مر. وذلك الوجه قد يكون أمرًا لا بد من وقوع الفعل عليه، حتى يسمى باسمه، كاسم الظلم: فإنه إنما يسمى ظلمًا لوقوعه غير موقعه، وجهة القبح الذي نهى عنه لأجله [هي] هذه الجهة بعينها وهو وقوعه غير موقعه. وكذا الكفر، ونحو ذلك. وقد يكون أمرًا لا تعلق لاسم الفعل به، كالصلاة في الأرض المغصوبة: فإن تسميتها صلاة ما كانت لوقوعها في أرض مغصوبة، وجهة القبح التي نهى عنه لأجلها [هي] هذه الجهة، وهو وقوعها شغلًا لأرض الغير بغير إذنه. فغن كان الفعل قبيحًا ومنهيًا عنه: بجهة يسمى باسمه لوقوعه عليها

стр. 151

سميناه "حرامًا لعينه" و"منهيًا عنه لمعنى يخصه"، وإن كان بجهة لا تعلق لاسمه به سميناه "حرامًا لغيره" و"منهيًا عنه لا لمعنىيخصه". والثاني- إنما نعرف ذلك بأن قام الدليل على أن لصحة التصرف شرائط، ثم ورد النهي عنه لفقد شرط منها- علمنا أن ذلك إنما ورد لمعني يختص به، ولمعني في عينه، كبيع الملاقيح والمضامين وبيع الحُر والصلاة بغير طهارة: فإن من شرائط صحة البيع أن يكون المبيع مالًا وقد عدم هذا في الحُر والمضامين. والطهارة شرط للصلاة شرعًا فإذا ورد النهي عن الصلاة بغير الطهارة علمنا أنه إنما ورد لفقد شرطه. ومتى ورد النهي لا لفقد شرطه لم يكن واردًا "لمعنى يخصه" أو "لمعنى في عينه". مثاله: البيع وقت النداء، والتوضؤ بماء مغصوب، والصلاة في أرض مغصوبة. فإن جميع شرائط صحة البيع موجودة وقت النداء، والنهي ما ورد لفقد شرط من شرائطه وإنما ورد لترك السعي. وكذا التوضؤ بماء مغصوب: فإن شرط صحة الوضوء كون الماء طاهرًا مزيلًا للنجاسة، والمال المملوك والمغصوب في ذلك سواء. وكذا الصلاة في الأرض المغصوبة: فإن أركان الصلاة كلها موجودة بشرائطها من القيام والقراءة والركوع والسجود، وإنما ورد النهي عنه لما فيه من شغل أرض الغير، فكان النهي عنها لغيرها لا لعينها. فإن قيل: صحة الصلاة مختصة بالقيام والركوع والسجود، والشغل يحصل بهذه الأشياء، فكان النهي واردًا لمعنى يخص الصلاة-

стр. 152

قلنا: القيام والركوع والسجود: إن كان يوجد بفعل العبد واختياره، فمن هذا الوجه هي [والشغل] فعل واحد، وأما من حيث إنها صلاة وغصب [فـ] متغايران، فإن هذه [الأفعال] إنما كانت صلاة من حيث إنها منبئة عن الخضوع والخشوع والتذلل لله، لا لكونها شاغلة لأرض الغير، إذ قد يعقل كونه غاصبًا وشاغلًا أرض الغير من [لا] يعلم كونه مصليًّا، ويعلم كونه مصليًّا من لا يعلم كونه غاصبًا وشاغلًا أرض الغير، فهما جهتان مختلفتان لهذا الفعل، فجرى مجرى فعلين منفصلين، فكان النهي واردًا لا لمعنى يخص الصلاة، فلا يوجب فسادها. والله أعلم.

стр. 153

٦ أبواب العموم ٣٩ - [باب الكلام في العموم]: اعلم أن الكلام في العموم يقع في مواضع: منها- اسم العموم هل يقع على المعاني على سبيل الحقيقة أو يختص بالأسماء والألفاظ؟ ومنها- أنه إذا وقع على الأسماء والألفاظ ما الذي يفيده؟ ومنها- قسمة الألفاظ العامة، والفصل بينها وبين ما ليست بعامة. ومنها- إقامة الدلالة على إثبات العموم في اللغة. أما الفصل الأول [اسم العموم هل يقع على المعاني على سبيل الحقيقة أو يختص بالأسماء والألفاظ ؟ ] فلا شبهة في أن وصف الكلام الشامل بالعموم حقيقة، لأنه لا وجه يعلم به كون الاسم حقيقة في الشيء من اطراد وغيره إلا وهو موجود فيه. واختلفوا في أن وصف المعاني بالعموم- هل هو حقيقة أم لا؟ . ذهب بعض الناس إلى أن ذلك حقيقة. واستدلوا على ذلك فقالوا: إن العرب

стр. 154

تقول "مطر عام" و"خصب عام". ويقال في الشرع "الكفارة حكم خاص"- فدل وصفهم المعاني بالعموم على أنها حقيقة فيه. وإنا نقول: إن ذلك مجاز، لأن العموم عبارة عن الشمول، والعام هو الشامل، وإنما يكون شاملًا لو كان الموصوف بالموم بجملته متناولًا الجملة ولآحاد تلك الجملة، كقولنا "المشركون": فإن هذا اللفظ بجملته يتناول جميع المشركين ويتناول كل واحد منهم، وهذا لا يتصور في المعاني، فإن قولنا "عمَّهم المطر" أي كان جميع المطر يتناول جميع الناس، ولكن جميع المطر لا يتناول آحاد الناس، بل أجزاء المطر يتناول آحاد الناس- فصار نظيره من الألفاظ "اضرب زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا" بخلاف قوله "اضرب الرجال"، لأنه بجملته تناول كل واحد من الرجال. دليل آخر: إن وصف المعاني بالعموم لو كان حقيقة لكان يجب أن يطرد في جميع المعاني، حتى يجب أن يقال "عمهم الأكل" و"عمهم الشرب"، وليس كذلك، فدل أنه مجاز، وليس بحقيقة- والله أعلم. الفصل الثاني [اسم العموم إذا وقع على الأسماء والألفاظ ما الذي يفيده ؟ ] فقد اختلفوا فيه: قال بعضهم: معنى العموم هو الاشتراك في أصل الشمول، والعام هو اللفظ المتناول لشيئين فصاعدًا- وهو قول الأشعري.

стр. 155

وقال بعضهم: معنى العموم هو الاستيعاب والاستغراق. واختلف هؤلاء في حد العام: قال بعضهم: هو اللفظ المتناول لجميع ما يصلح له. وقال بعضهم: هو اللفظ المتناول لجميع ما وضع له. وهذه الأقاويل غير صحيحة: - أما قول الأشعري- فلأن ينتقض بلفظ التثنية والجمع، فإنه يفيد الاشتراك في أصل الشمول، ولا يقال إنه عام، بل يسمى تثنية وجمعًا. فإن قال بأنه تثنية وجمع وعام أيضًا- قلنا: أهل اللغة فصلوا بين التثنية والجمع والعام، بالاسم، فيجب الفصل بين معانيها والاختلاف بينها، على ما هو قضية الأصل. - وأما قول من قال: إنه اللفظ المتناول لجميع ما يصلح له- فباطل أيضًا، لأن اللفظ يصلح للحقيقة والمجاز، فوجب أن لا يكون عامًّا إلا بتناولهما جميعًا. وفيه نفي العموم أصلًا، لأن اللفظ الواحد لا يتناول المجاز والحقيقة معًا. فإن قيل: الحد صحيح، لأن اللفظ الذي يتناول الحقيقة لا يصلح أن يكون متناولًا للمجاز في تلك الحالة فقد تناول جميع ما يصلح له- قلنا: الشرط هو أن يتناول جميع ما يصلح له على البدل لا على الجمع، ولا يلزم أن يكون لفظة التثنية ولفظة العشرة عامًّا، لأنه يتناول جميع ما يصلح له على التقدير الذي ذكرتم، فإن لفظة التثنية ولفظة العشرة عامًّا، لأنه يصلح لهذين ولهذين على الجمع، ولفظة العشرة لا تصلح لجنس العشرات على الجمع، لكن لما كان يصلح للكل على البدل ولم يتناول الكل، لا يكون عامًّا مع تناوله جميع ما يصلح له في هذه الحالة. إذا ثبت هذا، نقول: اللفظ العام المتناول للحقيقة يصلح متناولًا للمجاز على البدل، فيشترط تناولهما، لكونه عامًّا، وإنه باطل على ما ذكرنا. - وأما قول من قال بأنـ[ـه] اللفظ المتناول لجميع ما وضع له- فباطل،

стр. 156

لأنه يقتضي أن اللفظ إذا استعمل بطريق المجاز أفاد جميع المسمى بذلك الاسم، [و] لا يكون عامًّا، لأنه لم يتناول شيئًا مما وضع له، فضلًا عن الجميع- والأمر بخلافه. إذا ثبت بطلان هذه الأقاويل-[فـ] نقول: المذهب المختار أن "العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح أن يتناوله بالجهة التي وقعت متناولًا لما تناوله". كقولنا "الرجال": فإنه يتناول جميع ما يصلح من الرجال: - وقولنا "المستغرق لجميع ما يصلح أن يتناوله" تحرز عن التثنية والجمع، فإن لفظة التثنية تصلح لهذين ولهذين ثم لا تستغرق الكل. وكذا اسم "العشرة" يصلح لجميع العشرات ثم لاي ستغرق جميع العشرات. - وقولنا "بالجهة التي وقعت متناولًا لما تناوله" أعني جهة الحقيقة أو جهة المجاز، كي لا يلزمنا تناوله الحقيقة والمجاز جميعًا، ليكون عامًّا، بل إذا تناول كل ما يصلح له بطريق الحقيقة كان عامًّا، وإذا تناول كل ما يصلح له بطريق المجاز كان عامًّا. فسلم هذا الحد عما ذكرنا من النقوض في الأقاويل الأخر. وأما أسماء النكرات- كقولنا "رجل" فإنه عام من حيث البدل، دون الجمع. فالحد لا يتناولـ[ـه] من حيث إنه يصلح لهذا ثم يستغرق الكل.

стр. 157

ويتناوله من حيث إنه يتناول الكل على البدل ولا يقف تناوله على واحد بحيث لا يتعدى إلى غيره- والله أعلم. وأما الفصل الثالث وهو قسمة الألفاظ العامة فنقول: [منها- ما يفيد العموم من جهة اللفظ]. [و] منها- ما يفيد العموم من جهة اللفظ والمعنى. ومنها- ما يفيد العموم من جهة المعنى فقط. * * * (١) - أما الذي يفيد العموم من جهة اللفظ- فضربان: أحدهما- يفيده لكونه موضوعًا له. والثاني- يفيده لأنه اقترن به ما يوجب عمومه. أ- أما الذي يفيد العموم لكونه موضوعًا له: - فمنها كلمة "أي": توجب تعميم ما دخل عليه كلمة "أي" أي شيء، كأن تقول: "أي رجل لقيته فسلم عليه"، و"أي ثوب رأيته فخذه".

стр. 158

- ومنها كلمة "مَن" في المجازاة والاستفهام، وإنها تختص بمن يعقل: تقول: "مَن فعل كذا أكرمه"، وتقول: "مَن عندك؟ ". - ومنها حرف "ما" في المجازاة والاستفهام، وإنه يختص بمن لا يعقل، تقول: "ما أخذت فهو لك"، وتقول: "ما عندك؟ ". - ومنها ما يختص نوعًا ممن لا يعقل كـ "متى" للزمان و"أين" للمكان- تقول في الاستفهام: "متى جاءك بنو تميم؟ "، كان هذا استفهامًا عن جميع الأزمنة، حتى لو جاءوك في أزمنة متفرقة كان استفهامًا عن الكل. وأما "أين" فقولك في الاستفهام: "أين القوم؟ " كان استفهامًا عن جميع الأماكن، حتى لو كانوا في أماكن متفرقة كان هذا استفهامًا عن الكل. ب- وأما الذي يفيد العموم لأنه اقترن به ما يوجب عمومه، فضربان: أحدهما متصل به، والآخر منفصل عنه. * فأما المتصل به- فهو كلام الجنس الداخل على اسم الفرد والجمع- على ما نبينه. * وأما المنفصل عنه- فضربان: أحدهما- يفيد العموم من جهة الإضافة: تقول: "ضربت عبيدك": يفيد أنه ضارب جميع عبيده. والثاني- حرف النفي الداخل على النكرة، تقول: "ما جاءني من أحد". (٢) - وأما الذي يفيد العموم من جهة اللفظ والمعنى: فكقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فإن هذا

стр. 159

يفيد العموم لدخول لام الجنس فيه، ولخروجه مخرج الزجر، فإنه يقتضي العموم. (٣) - وأما الذي يفيد العموم من حيث المعنى فقط: فهو أن اللفظ إذا كان خاصًا واقترن به ما يوجب عمومه، يثبت العموم بمعناه فقط. وذلك ضروب: أحدها- أن يكون اللفظ مفيدًا للحكم وعلته، فيقتضي شياع الحكم كيفما شاعت العلة، كقوله ﵇: "الهرة ليست بنجسة: إنها من الطوافين والطوافات عليكم": هذا يقتضي تعميم كل ما كان من الطوافين والطوافات علينا. ومنها- أن يكون اللفظ خاصًا في محل، وتعدي حكمه إلى غيره بطريق الدلالة بفحوى الخطاب، مثل قوله تعالى ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾: فإن النهي يتناول التأفيف، ثم يتعدى حكمه إلى الضرب والشتم بطريق الدلالة. ومنها- ما يفيد العموم لما يرجع إلى سؤال السائل، نحو أن يسأل النبي ﷺ عمن أفطر في نهار رمضان متعمدًا، فقال: "عليه الكفارة" فهي تقتضي

стр. 160

تعميم الكفارة بمطلق الفطر، سواء علم النبي ﵇ بما وقع به الفطر أو لم يعلم، لأنه لو لم يكن مقتضيًا تعميم الكفارة بمطلق الفطر، لم يكن جوابًا لسؤاله، ولأنه لو أجاب على ما علم، لبين، كي لا يظن السامع أن الكفارة تلحق مطلق الفطر- والله أعلم. وأما الفصل الرابع وهو الكلام في إثبات العموم في اللغة ذهب بعض الناس إلى أنه ليس في اللغة لفظ موضوع للاستغراق وحده، بل له ولما دونه، وزعموا أن لفظ "كل" و"جميع" موضوع للاستغراق ولما دونه من الجموع. وذهب بعضهم إلى أنه ليس في اللغة لفظ موضوع للاستغراق أصلًا، وإنما يصير عامًّا بقصد المتكلم، وزعموا أن الألفاظ التي نقول إنها عامة موضوعة للخصوص، مجاز في العموم. وذهب معظم المتكلمين إلى أن للاستغراق لفظة موضوعة، وأنها حقيقة في العموم مجاز في غيره- وهو المذهب المختار. والدلالة على ذلك أن الاستغراق معنى ظاهر عند أهل اللغة، والحاجة تمس إلى العبارة عنه، ليفهم السامع مراد المتكلم، وجرى هذا في الظهور وشدة الحاجة إلى العبارة مجرى "السماء" و"الأرض" في ظهورهما، وشدة الحاجة إلى العبارة عنهما. فكما لا يجوز أن تتوالى الأعصار على أهل اللغة مع هذا الداعي

стр. 161

ولا يضعوا للسماء والأرض اسمًا، فكذلك لا يجوز أن لا يضعوا للعموم لفظًا يعبر عنه به. ومما يوضح [ذلك] أنهم وضعوا للمعاني الغامضة أسماء، ووضعوا الأسماء الكثيرة لمعنى واحد، فلا يجوز من أمة كثيرة في أعصار مترادفة أن يضعوا الأسماء الكثيرة لمعنى واحد، فلا يجوز من أمة كثيرة في أعصار مترادفة أن يضعوا الأسماء للمعاني الغامضة، والأسماء الكثيرة للمعنى الواحد، ويعدلوا عن وضع الاسم للمعنى الواحد الظاهر. فإن قيل: هذا باطل بالروائح والألوان والاعتمادات: فإنهم لم يضعوا لكل واحد منها اسمًا يخصه، مع ظهوره وشدة الحاجة إليه- قلنا: إن الذي يوجبـ[ـه] عند ظهور المعنى وشدة الحاجة إلى العبارة عنه [هو] أن يضعوا لفظًا ينبئ عنه، إما مفردًا وإما مركبًا، وهذه المعاني قد وضع لها في اللغة أسماء منبئة عنها، وهو أسماء الإضافة، فإنه يقال: رائحة الكافور، ورائحة المسك، واعتماد علو، واعتماد سفل.

стр. 162

أما عند خصومنا [فـ] ليس للاستغراق لفظ موضوع ينبئ عنه، لا مفردًا ولا مركبًا، فكانت الحجة لازمة لهم. فإن قيل: لا حاجة لهم إلى وضع اسم للاستغراق، فإنه يمكنهم تعديد الأشخاص الذين يريدون تعميمهم بالحكم، واحدًا واحدًا، ويثبت الحكم فيهم بطريق التعميم بالتعليل، بأن يقول: "من دخل داري ضربته لأنه دخل داري" فيتعمم بالحكم، لهذه العلة. ثم إن كان لهم حاجة إلى ذلك، وكانت قضية الحكم [وجود] اسم له، فمن أين عصمة واضعي اللغة حتى لا يخالفوا الحكمة في وضعه؟ فكم من حكيم يترك ما لا تقتضي الحكمة تركه! - قلنا: أما الأول-[فـ] الإنسان قد يحتاج إلى أن يعبر عن جميع الناس، ليدلهم على حكم شملهم، ولا يمكنه تعديدهم واحدًا واحدًا، ولو أمكن ذلك في بعض المواضع [فـ] لا يشك أنه يشق ذلك، فلا بدَّ من وضع الاسم له. وأما الثاني- قلنا: ليس كل حكم تعرف له علة، فيعلل بها، فإن الإنسان قد يحتاج إلى أن يخبر عن جميع من في الدار بأنه ضارب أو آكل وإلى غير ذلك مما لا يحصى، فلا يعرف لذلك علة، أو تكون عللهم مختلفة، ولا يمكنه أن يعلل بعلة تشمل الكل، فلا بد من وضع اسم له. وأما الثالث- قلنا: نحن لا نقول بوجوب ذلك قضية للحكمة، بل نقول: الحاجة داعية إليه، والمدعو إلى الفعل إذا قدر عليه يفعله عادة، والعادة دليل من الأدلة. فإن قيل: هذا الكلام إنما يصح لو كان أصل التوقيف من قبلهم، ليقال إنهم إذا وضعوا الاسم لغرض، فإذا وجد ذلك الغرض في موضع يلزمهم وضع الاسم لذلك، وليس الأمر كذلك، بل أصل الوضع توقيف فلا يمكنهم وضع

стр. 163

الاسم- قلنا: إن ثبت أن أصل الوضع توقيف، لكن لما لم يوقفوا على كلام عند ظهور المعنى وشدة الحاجة إليه بحسب وضع الاسم، [لوجب أن يضعوا له اسمًا]، كالواحد من الصَّنَاعِين إذا استحدث آلة يلتجئ إلى وضع اسم لها، وكما في مولود يولد للإنسان- فإذا جاز ذلك في الواحد، ففي الأمة العظيمة أولى. هذا هو الدليل على إثبات العموم في اللغة بطريق الإجمال، ثم نقيم الدلالة في كل لفظ منها- فنقول: الدليل على عموم كلمة "كل" و"جميع" و"أي" أنه: لو قال قائل "ضربت كل من في الدار" يناقضه قوله "لم أضرب كل من في الدار"- ألا ترى أن من أراد أن يناقضه ويكذبه يقول: "لم تضرب كل من في الدار" فلولا أن قوله "ضربت كل من الدار" يقتضي العموم، لم يكن قول الآخر "لم تضرب كل من في الدار" مناقضًا له، بل يصدق في ذلك، بأن ضرب البعض دون البعض، فيؤدي على إبطال منافاتهما، ولا وجه له. والدليل على عموم النكرة إذا دخل عليه حرف النفي أن قوله "ضربت رجلًا" أفاد ضرب رجل واحد غير عين. وإذا قال "ما ضربت رجلًا" كان كالسَّلْب له. وإنما يكون كالسلب له أن لو أفاد نفي ضرب جميع الرجال، لأنه لو لم يفد ذلك لاجتمع ذلك مع ضرب رجل واحد، فلا يكون كالسلب له. ولأن قوله "ما ضربت رجلًا" يقتضي نفي ضرب رجل أدنى ما ينطلق عليه هذا الاسم، ولا يتصور نفي ذلك إلا بنفي الضرب عن كل هذا الجنس.

стр. 164

والدليل على عموم كلمة "مَنْ" في الاستفهام والمجازاة: - أما في الاستفهام، فلأن قول القائل "من عندك؟ " يكون استفهامًا عن كل عاقل عنده، حتى حسن من المجيب أن يجيبه بذكر كل عاقل عنده، بل يجب عليه ذلك، ولو اقتصر في الجواب على ذكر البعض، لامه العقلاء من أهل اللغة على ذلك، ويقولون: إن فلانًا قال لك "من عندك؟ " فلم أجبته بذكر البعض؟ ومعلوم أن الجواب أبدًا يحسن إذا تناول ما تناوله السؤال، حتى لو أجابه بذكر العقلاء وبذكر الحمير يقبح ذلك- فلولا أن قوله "من عندك؟ " استفهام عن كل عاقل عنده، لما حسن أن يجيبه بذكر كل عاقل عنده، لأنه يكون مجيبًا عما سأل وعما لم يسأل، وذلك في القبح يجري مجرى أن يجيبه بذكر العقلاء وذكر الحمير. فلما حسن ذلك منه، فدل على أن قوله "مَن عندك؟ " استفهام عن كل عاقل عنده- دل عليه أن الإنسان قد يكون عنده عالم من الناس لا يستطيع ذكر آحادهم فيعتذر عن الجواب، فلولا أنه فهم منه الاستفهام عن الكل لما اعتذر بهذا العذر. - وأما في المجازاة، فإنه إذا قال "من دخل داري ضربته" ضح منه أن يستثنى أي عاقل شاء، نحو أن يقول "إلا زيدًا"، ومن حق الاسثتناء أن يخرج من اللفظ ما لولاه لوجب دخوله فيه، فلولا أنه يقتضي العموم لما صح الاسثتناء منه. وهذه الدلالة شاملة لجميع ألفاظ العموم التي ذكرناها، إذ صحة الاستثناء شاملة للكل. فإن قيل: ما أنكرتم على من يقول إن من حسن الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه لصح دخوله تحته، وهذا لا يقتضي العموم، كما إذا قال: "اضرب رجلًا إلا زيدًا" فإن هذا لا يقتضي العموم، وإن كان المستثنى بحال لولاه لصح

стр. 165

دخوله تحته- قلنا: لو جاز ما ذكرتم لجاز أن يقول "اضرب رجلًا إلا زيدًا" ويجب أن يكون هذا استثناء، ويجري هذا في الحسن مجرى قوله: "اضرب كل من في الدار إلا زيدًا". وأهل اللغة لم يجعلوا هذا استثناء، بل يتأولون ذلك ويقولون: إن قوله "إلا" ههنا بمنزلة "ليس"- معناه "اضرب رجالًا ليس زيد منهم". وليس كقوله "اضرب كل من الدار إلا زيدًا" فإنهم يجعلون هذا استثناء، ولا يتأولون مثل هذا التأويل. فإن قيل: لو كانت كلمة "من" تقتضي تعميم العقلاء، لدخلت الملائكة والجن تحته، لنهم عقلاء، ولو دخلوا في ذلك لصح أن يستثنى ويقول: "من دخل داري ضربته إلا الملائكة والجن" وحيث لم يصح، دل أنه لا يقتضي العموم- قلنا: "إنما لم يدخل الملائكة والجن مع أن اللفظ موضوع للاستغراق، لمانع يمنع من الدخول، وهو علمنا من حال المتكلم أنه ما عناهم بالخطاب، وإذا لم يدخلوا لا يصح الاستثناء، لأن من حق الاستثناء أنه لولاه لوجب دخوله تحته، حتى لو وجب دخوله تحت خطاب الله يصح الاستثناء، نحو أن يقول الله تعالى: "من عصاني عاقبته إلا الملائكة والجن". وأما المخالف فقد احتج في المسألة بأشياء: أ- منها- أن لفظة العموم كما هي مستعملة في العموم، [فهي] مستعملة في الخصوص. فكما وجب كونها حقيقة في العموم، وجب كونها حقيقة في الخصوص- والجواب ما مرَّ في أبواب الأمر.

стр. 166

ب- ومنها- أن ألفاظ العموم لو كانت حقيقة في الاستغراق، لكان الاستثناء نقضًا ورجوعًا، وبيانه من وجهين: أحدهما- أن المتكلم قد دل على إرادة الكل عند أول كلامه، ثم بالاستثناء يرجع عن إرادة الكل إلى إرادة البعض، فكان نقضًا، وجرى هذا مجرى ما لو قال "ضربت كل من في الدار- لم أضرب كل من في الدار" في كونه نقضًا ورجوعًا. والثاني- أن لفظة العموم لو كانت موضوعة للاستغراق لجرى لفظة العموم مع الاستثناء مجرى، تعديد الأشخاص والاستثناء للواحد منهم بعد ذلك، في القبح، بأن يقول "ضربت زيدًا- ضربت عمرًا- ضربت خالدًا" ثم يقول "إلا زيدًا"- فدل حسن الاستثناء على أن لفظة العموم غير موضوعة للاستغراق. والجواب: قلنا: ولم يجب إذا كان لفظة العموم موضوعة للاستغراق أن يكون الاستثناء رجوعًا ونقضًا؟ [أما الوجه الأول: ] قوله: إن المتكلم قد دل على إرادة الكل في أول الكلام- قلنا: ليس كذلك، لأن الاستثناء إذا اتصل بالكلام يصير جزءًا من الكلام، لأنه لا يستقل بنفسه في الإفادة، فيجب تعليقه بما قد مرَّ، فإذا علقناه به يصير جزءًا من الكلام، فلا يكون للبعض فائدة بدون البعض، بل الفائدة للجملة، وفائدة الجملة إرادة ما عدا المستثني، وليس كقوله: "ضربت كل من

стр. 167

في الدار- لم أضرب كل من في الدار" لأن ثمة كل واحد من الكلامين تام في نفسه، فلا حاجة إلى تعليقه بما تقدم، وإذا لم يتعلق به أفاد الأول ضرب جميع من في الدار، وأفاد الآخر نفي ذلك، فكان نقضًا ورجوعًا. وأما [الوجه] الثاني- فلم إذا قبح أحدهما قبح الآخر؟ . ثم الفرق بينهما أن الاستثناء إخراج جزء من الكلام واستعمال للفظة "الكل" فيما عداه، وإذا قال: "ضربت زيدًا- ضربت عمرًا" انصرف قوله "إلا زيدًا" إلى زيد لا إلى عمرو، ولأن زيدًا ليس منهم. ليكون الاستثناء إخراج جزء من الكلام واستعمالًا للفظ فيما عداه، وإذا انصرف الاستثناء إلى زيد كان نقضًا ورجوعًا، بخلاف قوله "ضربت كل من في الدار" لما مرَّ. فإن قيل: يجب أن يجعل الأسامي كاسم واحد، والكلمات كلمة واحدة، ليكون زيد جزءًا من الكلام، فيكون الاستثناء إخراجًا لجزء منه، واستعمالًا للفظ فيما عداه- قلنا: كل اسم تام بنفسه وكل كلام مستقل في الإفادة، فلا حاجة فيه إلى ما ذكرتم، بخلاف قوله: "ضربت كل من في الدار إلا زيدًا"- على ما مرَّ. ج- ومنها- أن ألفاظ العموم لو كانت موضوعة للاستغراق لما حسُن من السامع الاستفسار والاستفهام، لأن الاستفهام طلب الفهم، وطلب فهم ما فهمه عبث، ومعلوم أن من قال: "ضربت كل من في الدار" حسُن من السامع أن يقول: " [أ] ضربتهم أجمعين؟ - أضربت زيدًا؟ " فدل حُسن

стр. 168

الاستفهام والاستفسار على أن لفظة "كل" ليست موضوعة للاستغراق- والجواب: نحن نُلزمهم من العبث ما ألزمونا، فنقول: - لفظ "كل" و"من" كما هو مشترك بين العموم والخصوص عندكم، فكذلك لفظ "أجمعين". [قوله: ] بالاستفهام طلب من المتكلم أن يفهمه المراد [بكلام] هو، كالأول، في أن لا يقع به الإفهام، فيجب أن يكون عبثًا. فإن قال [ذلك- قلنا: ] إنما صح ذلك طمعًا منه في حصول العلم الضروري، أو في حصول قوة الظن.

стр. 169

فنحن نجيبهم بمثل ذلك. ثم نقول: إنما صح الاستفهام والاستفسار لمطلق الفهم أو لزيادة الفهم: أما زيادة الفهم فلأن الفهم قد يكون ظنًا، وقد يكون عِلمًا: [فـ] إن كان ظنًا فالاستفهام يقوي ظنه، لأن الظن يتزايد قوته كما يتزايد أمارته. وإن كان عِملًا، فالعلم نوعان: ضروري، ومكتسب- فيستفهمه ليضطر إلى علم قصد المتكلم. وأما مطلق الفهم فهو ما إذا اقترن بكلامه ما يقتضي الالتباس، بأن يظن السامع أنه غير متحفظ في خطابه، بل هو كالساهي فيه، فيستفهمه لنزول الشبهة والسهو، فيخبره عن تحفظ ويقين. وقد يقترن بالكلام ما يدل على التخصيص بأن قال: "ضربت كل من في الدار" وتغلب على ظن السامع أن فيهم من يجب تعظيمه كأبيه وأمه، واللفظة موضوعة للاستغراق، وهذه الأماة قد تدل على الخصوص، فتقع المعارضة بين الأمارتين، فيستفهم، ليدل بلفظ خاص، ليزول هذا الاحتمال- فعند وجود شيء من هذه المعاني يصح الاستفهام، لا عند فقدها. د- ومنها- أن لفظة العموم لو كانت موضوعة للاستغراق، وكذلك تأكيده، يجب أن يكون تأكيده عبثًا، فلما صح التأكيد، عرفنا أنه غير موضوع للاستغراق. والجواب: هذه الشبهة منتقضة بتأكيد الخصوص، وتأكيد ألفاظ العدد، فإنه يقال: "جاءني زيد نفسُه" ويقال: "عشرة كاملة" و"هذا ألف تامة". وقوله: "ألف" إنباء عنه بتمامه- فيجب. تأكيده عبثًا.

стр. 170

وكذلك قوله: "جاءني زيد" إنباء عن مجئ نفسه- فيجب أن يكون تأكيده عبثًا. ثم نقول: في التأكيد فوائد: منها- أنه يحصل به قوة الظن، لأن كل لفظ أمارة على المراد، وإذا جمع بين الأمارتين فقد زادنا دلالة على دلالة، فيقوى الظن، ولهذا كثَّر الله الأدلة على مدلول واحد. ومنها- أن يظن المستمع أن المتكلم ساه ويعرف المتكلم من حاله ذلك، فيؤكده، ليقف السامع على أنه غير ساهٍ. ومنها- أن يظن المتكلم أن المستمع ساه، فيصله بالتأكيد، ليزول السهو. ومنها- أن يقترن بكلامه ما يدل على التخصيص كما إذا قال: "ضربت من في الدار" وفيهم أبوه أو صديقه كما ذكرنا، فيصل كلامه بالتأكيد، ليزول اللبس. ومنها- أن يكون أحد اللفظين أكثر استعمالًا في الخصوص، فيؤكد به ما هو أقل استعمالًا، فيحصل بينهما من قوة الظن ما لا يحصل بأحدهما، لأن الأمارة القوية، مع ما دونها من الأمارة، أقوى منها لو انفردت. ومنها- أن كلمة "من" لو كانت موضوعة للاستغراق لاستحال جمعها، لأن الجمع يفيد أكثر مما يفيد الفرد، وليس وراء الاستغراق شيء يفيده الجمع، وقد ورد الجمع بكلمة "من" قال الشاعر: أتوا ناري، فقلت: منون أنتم؟ فقالوا: الجنُّ، قلت: عموا ظلاما

стр. 171

والجواب- أن هذا ليس بجمع على التحقيق، وإن كانت صورته صورة الجمع، لأن قوله "منون" لا يفيد إلا ما أفاده "من أنتم؟ " على اختلاف الأصلين: أما عندنا فلما به تكلمه، وكذلك عندكم، لأنه لما كان مشتركًا، لا يفيد أحدهما إلا ما أفاده الآخر. * * * وإذا ثبت أن ألفاظ العموم موضوعة للاستغراق، فإذا صدرت من الله أو من الرسول ﵇، يجب حملها عليه، سواء كان في الأمر والنهي أو في الخبر. وذهب بعضهم إلى أنه يحمل على الاستغراق في الأمر والنهي، ولا يحمل عليه في الخبر. وإنما قلنا بحمله على الاستغراق، لأن الله تعالى أراد بخطابه إفهام المخاطب، فلا يجوز، إذ المراد الإفهام بخطاب له ظاهر، إلا أن يكون مراده ما يفيده ظاهر خطابه [غير ذلك]، لأنه لو لم يكن كذلك لكان قد أراد الإفهام بخطاب

стр. 172

لا يحصل الإفهام به، وذلك باطل. وإذا وجب أن يكون مراد الخطاب ما يفيده ظاهره، فلا يعدل عنه إلا إذا قام الدليل. وأما من حمله على الاستغراق في الأمر والنهي دون الخبر، [فـ] قال: لو لم يحمل على الاستغراق فثي الأمر والنهي لم يكن المكلف مزاح العلة، فلأجل إزاحة العلة حملناه على الاستغراق مع احتمال إرادة الخصوص، ولا كذلك في الخبر لأن الغرض منه الزجر أو الحمل، وذلك يحصل بتجويز الجزء المختلف أو الحامل. والجواب- ما تقولون: بأن هذه الألفاظ موضوعة للعموم أو تمنعون ذلك؟ فإن منعتم ذلك، فقد دللنا عليه، فبعد ذلك لا يختلف ما دخل عليه من الحمل، ولأنها لو لم تكن موضوعة للعموم فلماذا حملتموها عليه في الأمر والنهي. وما ذكرتم من العذر لا يصح، لأن المكلف لا يصير مزاح العلة بخطاب مشترك بين الاستغراق وما دونه، بل المخاطب إذا أراد إزاحة العلة أزاحه بدليل يدل عليه. وإن قلتم بأنها موضوعة للعموم، يجب حملها عليه أينما وجدت والله أعلم.

стр. 173

٤٠ - باب في: الألف واللام إذا دخلا على الاسم: اعلم أن هذا على وجهين: إما إن دخلا على اسم الجمع المشتق وغيره، كقولنا: "المشركون" وكقولنا: "الناس". أو دخلا على اسم الفرد المشتق وغيره، كقولنا: "المشرك" و"الرجل". أما الأول: [في اسم الجمع المشتق وغيره، إذا دخله الألف واللام، والمضاف بدون الألف واللام] [(١) في اسم الجمع المشتق وغيره إذا دخله الألف واللام، كقولنا: "المشركون" و"الناس"]: ذهب عامة الفقهاء وبعض المتكلمين إلى أنه يقتضي الاستغراق. وقال بعض المتكلمين: إنه إذا تجرد يتناول الثلاث فصاعدًا.

стр. 174

والدلالة على صحة المذهب الأول أن قول القائل "رأيت الناس كلهم" فـ "كلهم" فيه للتأكيد- هكذا قاله أهل اللغة. وإنما يكون للتأكيد إذا كان قوله "رأيت الناس" مقتضيًا للاستغراق، لأن التأكيد تقرير للمؤكد، وإنما يكون تقريرًا له إذا كان مطابقًا لقضيته. فإن قيل: لم قلت بأن وصف ذلك بأنه تأكيد، قول لجماعتهم، حتى يكون حجة؟ ولئن ثبت ذلك، فإنما وصفه بأنه تأكيد، لأن قوله "رأيت الناس" يصلح للكل والبعض، فإذا قال: "رأيت الناس كلهم" تبين أنه أراد به الكل، وأكد إرادته بكلمة "كل"- قلنا: أما الأول- فالنقل عن أئمة اللغة ثابتة مطلقًا، ولو كان فيهم من يصف ذلك، بأنه ليس بتأكيد، بل هو بيان، لنقل إلينا، كما هو عادة النقلة، ولما لم ينقل- عرفنا أن ذلك قول لجماعتهم. وأما الثاني- فباطل أيضًا، لأنه يقتضي أن كل ما دل على الشيء يكون مؤكدًا، وإنه باطل. ولأن ذلك لو كان بيانًا لأحد المحتملين، يسمى بيانًا، لا تأكيدًا، كقولنا "شفق": لما كان محتملًا للبياض والحمرة فقول القائل "رأيت الشفق الذي هو البياض" يكون بيانًا لأحد المحتملين، لا تأكيدًا، لأن التأكيد تقرير المؤكد، والبيان كشف المراد- وحيث اتفقوا على حُسْن التأكيد بهذا الكلام، دل على أنه موضوع للاستغراق. دليل آخر: إن قول القائل "رأيت الناس" يصح أن يستثنى منه أي رجل شاء، وهذا دليل الاستغراق، لما مر، فيما تقدم. دليل آخر: إن الألف واللام إذا دخلا في الاسم، صار الاسم معرفة- كذا نقل عن أئمة اللغة، فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة، وإنما يحصل

стр. 175

معنى المعرفة، عند إطلاقه، بالصرف إلى الجنس، لأن كل الجنس معلوم للمخاطب، فأما الصرف إلى ما دونه، [فـ] لا يفيد المعرفة، لأن بعض الجموع ليس بأولى من البعض، فكان مجهولًا. فإن قيل: إذا أفاد جمعًا من هذا الجنس، فقد أفاد تعريف هذا الجنس وتمييزه عن أجناس أخر، فيحصل معنى المعرفة، فلا حاجة إلى الصرف إلى كل الجنس- قلنا: هذه الفائدة حاصلة بدون الألف واللام، فإنه لو قال "رأيت رجلًا" يفيد تعريف هذا الجنس وتمييزه عن غيره، ولا يسمى اسم معرفة، فدل للألف واللام فائدة زائدة في التعريف، وليس ذلك إلا الاستغراق. ودليل آخر: إن الجمع المعرف بالألف واللام، في اقتضاء الكثرة، فوق الجمع المنكر، حتى صح انتزاع الجمع المنكر من الجمع المعرف، ولا يصح على العكس، فإنه يصح أن يقال "رجال من الرجال" ولا يصح أن يقال "الرجال من رجال"، ومن المعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع. إذا ثبت هذا [فـ] نقول: هذه الكثرة إما أن تكون هو الكل أو ما دون الكل: لا وجه للثاني، لأن ما من عدد دون الكل إلا ويصح انتزاعه من هذا اللفظ، وقد ذكرنا أن المنتزع منه يجب أن يكون أكثر، ومتى بطل كونه موضوعًا لما دون الكل، كان موضوعًا للكل ضرورة. وأما المخالف فقد احتج في المسألة بأن قال: إن قول القائل "جمع الأمير الصَّاغة" لا يعقل منه أنه جمع صاغة الدنيا، وإنما يعقل منه أنه جمع البعض من هذا الجنس دون غيرهم.

стр. 176

والجواب- أن ظاهر اللفظ يقتضي أنه جمع صاغة بلده ومن عداهم، إلا أنه إنما يثبت ذلك لتعذر الجمع. وعلى أنا لنزمهم جواز الحمل على الكل وصلاحية الصرف إلى الكل، فإن عندهم جواز الحمل عليه غير ثابت مع احتمال اللفظ عندهم، فإن قالوا: إنما لم يثبت ذلك لقرينة، وهو تعذر الجمع- فنحن نجيبهم بمثل ذلك. وشبهة أخرى: أن لام الجنس لو كان موضوعًا للاستغراق، لكان إذا استعمل في المعهود يكون مجازًا، لأنه استعمل في بعض الجنس، وحيث لم يكن مجازًا، علم أنه غير موضوع للاستغراق. والجواب: [الأول: ] إنما لم يكن ذلك مجازًا، لأن لام الجنس وضع في الأصل للتعريف، كما ذكرنا، فينصرف إلى ما السامع به أعرف. فإن كان هناك معهود فالسامع به أعرف، فانصرف إليه. وإن لم يكن هناك عهد كان السامع بالجنس أعرف، فانصرف إليه، وجرى هذا مجرى قول القائل "من عندك؟ " كان استفهامًا عن كل عاقل عنده: فإن كانوا كثرة كان استفهامًا عن الكل، وإن كانوا قلة كان استفهامًا عنهم، ولا يكون مجازًا- فكذا هذا. فإن قيل: هذا يقتضي أن يكون هذا الاسم مشتركًا بين الجنس والمعهود- قلنا: إنما يكون مشتركًا إذا كان معناهما متباينًا مختلفًا، كما في اسم "العين" و"القرء"، و [هنا] معنى اللفظ في الموضعين واحد، وهو التعريف على ما مرَّ.

стр. 177

والثاني: لا يمنع أن يقال: إذا أريد به العهد، كان مجازًا فيه. لأنه لا يحمل عليه إلا بقرينة، وهي العهد بين المتخاطبين، وهذا أمارة المجاز. فأما الصرف إلى الجنس فلا يحتاج فيه إلى قرينة، بل عند الإطلاق والتجريد عن القرائن، ينصرف إليه. [(٢) اسم الجمع المضاف بدون الألف واللام]: هذا الكلام في الجمع المعرف بالألف واللام، وأما اسم الجمع المضاف بدون الألف واللام، كقول القائل "ضربت عبيد فلان" فإنه يقتضي الاستغراق أيضًا. بدلالة صحة تأكيده بكلمة "كل" و"جميع" بأن يقول "ضربت كل عبيدك" و"جميعهم"، بدلالة صحة الاستثناء على ما قررنا. ولأن الإضافة للتعريف كلام الجنس، فيفيد ما أفاده لام الجنس. وأما الثاني: وهو اسم الفرد المعرف بالألف واللام، كقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ﴾ . ذهب بعضهم الفقهاء وجماعة من المتكلمين إلى أنه يقتضي الاستغراق. وقال بعضهم: يتناول الواحد إلا عند قرينة الاستغراق.

стр. 178

دليلنا في ذلك ما ذكرنا: أن اللام إذا دخل في الاسم يصير اسم معرفة، فيجب تحقيق معنى المعرفة فيه، وذلك بالصرف إلى الجنس. فأما الواحد من الجنس، [فـ] غير معلوم، فلا يصرف إليه. فإن قيل: اللام إن كان للتعريف، ورعاية معنى التعريف واجب، فالاسم في نفسه مفرد، فرعاية معنى الفردية واجب، فلم كان ما ذكرتم أولى؟ قلنا: في الصرف إلى الجنس تحقيق معنى المعرفة من كل وجه، وتحقيق معنى الفردية من وجه، لأن الجنس بالإضافة إلى سائر الأجناس فرد، وفي الصرف إلى الفرد تحقيق معنى الفردية من كل وجه. وتعطيل معنى المعرفة من كل وجه، فكان ما قلناه أولى. ومما يدل على أنه للاستغراق ما حكى عن جعفر بن محمد بن مزاحم أنه سُئل عن اسم الفرد المعرف باللام [فـ] قال: هو اللاستغراق، فطولب بالدليل [فـ] قال: عليه اتفاق أهل اللغة، فكان هذا نقلًا عن أئمة اللغة: أنه للاستغراق، فيثبت كونه موضوعًا له. وأما المخالف- فقد احتج بأن قال: هذه اللفظة لا يجوز أن تنعت بلفظة الجمع، فإنه لا يقال "رأيت الرجل كلهم" و"رأيت الإنسان أجمعين"، ولو كانت موضوعة للاستغراق لجاز أن تنعت بكلمة "كل" و"جميع"، ككلمة "من" في المجازاة والاستفهام، ولا يجوز استثناء الجمع منه، ولو كانت هذه الصيغة للاستغراق لصح ذلك منه، كما في "من" والجمع المعرف باللام. والجواب- قلنا: هذا اللفظ ينعت بالجمع، فإنه يقال: "أهلك الناسَ

стр. 179

الدينار الصفر والدرهم البيض": نعتوه بنعت الجمع. وكذا استثناء الجمع منه صحيح، وهو موجود في القرآن: قال الله تعالى: ﴿إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ - فالاستثناء والنعت بالجمع صحيح في نفسه، إلا أن الناس لم يتعارفوا ذلك، لأنه استثناء الجمع من الفرد لفظًا، ونعت اللفظ الفرد وتأكيده بلفظ الجمع، لا أنه غير صحيح في نفسه. ٤١ - [باب في: الجمع المنكر]: وأما الجمع المنكر العاري عن الإضافة والألف واللام، كقولنا: "رأيت رجالًا": [فـ] قال بعضهم: يقتضي الاستغراق. وقال بعضهم: يتناول الثلاث فصاعدًا إذا تجرد عن قرينة الاستغراق. والدلالة على ذلك أن قوله: "رأيت رجالًا": هذا اسم جمع، بدليل أنك ترتقي من التثنية إليه، فتقول: "رجل" و"رجلان" و"رجال ثلاثة"، ومعنى الجمع ثابت في الثلاث، كمن قيل له: "اضرب رجالًا" فأتى ثلاثة من الرجال فضربهم، فقد فعل ما يوصف بأنه ضارب رجالًا، فصار ممتثلًا

стр. 180

للأمر، كمن قيل له: "ادخل الدار" فإذا دخل من الدار في أولها ولحقه اسم داخل الدار، صار ممتثلًا- كذا هذا. وأما من حمله على الاستغراق-[فـ] قال بأن الاستغراق فائدة هذا اللفظ في الجملة، بدليل أنه جاز أن يراد به الاستغراق، ولأنه للجمع، ومعنى الجمع ثابت في الثلاث وفي الكل- فيحمل على الاستغرق، حملًا له على جميع فوائده. والجواب: لم قلتم بأن حمل اللفظ على جميع فوائده واجب؟ وما أنكرتم أنه يحمل على أقل حقيقته وفوائده، لأنه متيقن، وما زاد على ذلك مشكوك فيه. وأما قوله: "افعلوا" و"اضربوا" ونحو ذلك- قال بعضهم: إنه على الخلاف. والصحيح أن يقال: هذا اللفظ لا بد أن يتقدمه اسم أو ما يجرى مجرى الاسم، كالإشارة للحاضرين، لأنه لا يفيد بدونه. فإن تقدمه اسم يستغرق، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، أو إشارة إلى الكل- حمل عليه، وإن كان ما تقدمه من الاسم أو الإشارة غير مستغرق، لا يحمل عليه. والله أعلم. ٤٢ - باب في: أن أقل الجمع: ما هو ؟ : اعلم أن الباب مشتمل على مسألتين: إحداهما- إن قولنا "جمع"- ما الذي يفيده: في اللغة، والعرف؟ والثانية- إن الألفاظ التي توصف بأنها جمع- ماذا تفيده؟
следующие страницы →