Полный текст (696 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
لو كان الواجب واحدًا منها لعيَّنها الله تعالى، لأن تكليف ذلك الواحد، مع ما أنه ليس إلى العبد معرفته سبيل، تكليف ما ليس في الوسع، وذا لا يجوز. ولأن الواجب والمختص بجهة الوجوب، لو كان واحدًا منها، لما جاز التخيير بينه وبين غيره، لأنه حينئذ يكون تخييرًا بين الواجب وغير الواجب، وفي ذلك إباحة الإخلال بالواجب، وذا لا يجوز.
فإن قيل: إنما جاز التخيير لما أن في علم الله تعالى أنه لا يختار إلا الواجب والمختص بتلك الجهة- قلنا: لو جاز من المكلفين مع كثرتهم وتفرق رأيهم وطول زمانهم وقوع المصلحة دون المفسدة اتفاقًا، لجاز وقوع التصديق بالأنبياء من جملة الكاذبين ممن لا يعرف الفصل بينهما اتفاقًا، ولجاز وقوع الفعل المُحْكَم ممن لا علم له به أصلًا- وهذا فاسد عند العقلاء. ولئن جاز ذلك، لم يخرج هذا من أن يكون تخييرًا من الله تعالى بين الواجب وغير الواجب، وإباحة الإخلال بالواجب- وهذا فاسد أيضًا، فإن الأمة مجمعة على أن المكفر بواحدة من الكفارات الثلاث لو كان قد كفر بغيرها، أجزأه وكان إتيانًا بما تعبد به، فلولا أن الكل واجب، لما جاز، ولما كان آتيًا بما تُعبد به.
فإن قيل: إنما جاز التخيير، لما أن لاختيار العبد تأثيرًا في جعل الفعل مصلحة وواجبًا، فإذا اختار واحدة منها صارت تلك الواحدة مصلحة وواجبًا، لأن الاختيار صادفها- قلنا: هذا السؤال يقتضي أن لا يكون الفعل مصلحة وواجبًا قبل الاختيار، والإجماع انعقد على ثبوت الوجوب قبل الاختيار، إما في واحدة منها أو في الكل، وكان يجب إذا كفر بغير هذه الأشياء الثلاثة أجزأه، لأن الاختيار صادفه.
стр. 72
فإن قال بأن الاختيار إنما يؤثر في جعل الفعل مصلحة وواجبًا إذا صادف هذه الأشياء الثلاثة، وإذا كفر بغيرها لم يصادف الاختيارُ هذه الأشياء الثلاثة، ولا يؤثر في جعله مصلحة وواجبًا- قلنا: بهذا السؤال سلمتم أن هذه الأشياء الثلاثة اختصت بجهة فَاوَقَت بها ما ليس منها، وهي الجهة التي لأجلها يصير الفعل مصلحة وواجبًا، فقد سلمتم ما نريده من أن كل واحد يسد مسد صاحبها في مصلحة الوجوب. فبعد ذلك يبقى ما قلتموه: أن لاختيار العبد تأثيرًا في جعل الفعل مصلحة، وهذا باطل، لن المكفر بهذه الأشياء عالم بها، والعالم بالفعل لا بد أن يقصد الفعل ويريده. وما لا بد للفعل منه، لا يجوز أن يجعل مؤثرًا في حكم من أحكام الفعل أو شرطًا فيه، إذ لو لم يكن ذلك، لجاز أن يجعل اختيار فعل كل واجب مؤثرًا وشرطًا لصحة وجوبه، وذلك باطل.
وأما الجواب عن كلمات المخالفين:
أما الأول- قلنا: الكل واجب عندنا على البدل، ونعني بذلك أن كل واحد منها سادٌّ مسد الآخر في حصول المصلحة التي يجب استيفاؤها. فإذا فعل واحد منها، فقد حصلت المصلحة مستوفاة، فلم يبق شيء تكون الثانية مصلحة فيه، فتسقط ضرورة.
وأما الثاني- قوله لو فعل جميعها لكان الكل واجبًا- قلنا: إن عنيتم بهذا الكلام أن المكلف يلزمه تحصيلها بعد ما صارت مفعولة- فهذا محال.
стр. 73
وإن عنيتم به أن هذه الأشياء حصلت على صفات [و] لمكان تلك الصفات كان قد لزم المكلف تحصيلها -فنحن نقول به: إن كل واحدة منها صارت على تلك الصفة.
فإن قيل: إذا فعل المكلف معًا، لا يخلو: إما أن يسقط الواجب بجميعها، أو بكل واحدة منها، أو بواحدة منها: إن قلتم: بجميعها، كان قولًا بوجوب الكل على طريق الجمع لا على طريق البدل. وإن قلتم بكل واحدة منها، كان ذلك حصول الأثر عن مؤثرين، وذا لا سبيل إليه. وإن قلتم بواحدة منها، كانت الواجبة تلك الواحدة- قلنا: الفرض عندنا يسقط بكل واحدة منها، لأن الكل واجبة على البدل، فلم يكن البعض بسقوط الفرض به أولى من البعض، ولا استحالة ثبوت الأثر عن مؤثرين على المقارنة، فإن من ارتد حَالمًا قَتَل عمدًا يستحق قتله بكل واحدة من الردة والقتل. وكذا إذا انكشفت عورته في الصلاة حالمًا تكلم أو أحدث يخرج من الصلاة بكل واحدة من هذه الأسباب.
وأما الثالث- قلنا: إذا أخل بجميعها-[فـ] عندنا، يستحق العقاب بترك الكل، لأن الكل واجب على البدل على ما مرَّ. غير أنه يستحق على الإخلال بالكل عقاب أدونها عقابًا، لأنه لو فعل تلك الواحدة لا يستحق العقاب بترك الباقي، فكذا إذا استوفى عقاب تلك الواحدة، لنه جرى مجرى فعل تلك الواحدة.
قوله: لو فعل جميعها ينبغي أن يستحق ثواب الواجب بكل واحدة منها- قلنا: عندنا: يستحق ثواب الواجب بكل واحدة منها، لما مر أن الكل واجب على البدل.
стр. 74
فإن قيل: قد منعتم ورود التعبد بشيء واحد من جملة هذه الأشياء لا بعينه، وقد ورد الشر عبه بالإجماع:
- منها- إذا باع قفيزًا من صُبرة يجوز، والمعقود عليه قفيز واحد غير عين لا جميع القفزان.
- ومنها- أن من طلق إحدى نسائه لا يعينها أو أعتق أحد عبيده لا بعينه، فالمطلقة واحدة غير عين والمعتق واحد غير عين، وإليه الخيار في التعيين.
- ومنها- أن الحانث في يمينه لا يلزمه عتق جميع الرقاب بل عتق رقبة واحدة غير عين ويتعين بتعيينه.
والفقه في جميع ذلك: أن الإيجاب ليس بإثبات صفة حقيقية للفعل، حتى يقال إن إثبات صفة في محل، لا يتعين عند المثبت، محال، كإثبات السواد في محل غير عين، إنما هذا من باب الذكر وتعليق الخطاب بالمذكور، فالواجب ما قال الشارع فيه "افعل" لا على جهة التخيير، وهذا يتصور في الواحد غير عين، كما ذكرنا من النظائر.
قلنا:
نحن لا نجوز وجوب فعل من الأفعال غير عين، والتعبد به محال، لما ذكرنا.
وما ذكر من الأمثلة: فالمعقود عليه كل القفزان على البدل، لأنه لا اختصاص للعقد بقفيز دون قفيز، فإذا عين المشتري واحدًا منها، تعين ملكه فيه، وصار تعين ملكه فيه كسقوط الفرض في مسألتنا. وكذا إذا طلق إحدى نسائه، أو أعتق أحد عبيده، فكل واحدة منهن صادفها الطلاق، على البدل، لفقد الاختصاص بواحدة منهن، فإذا بين الزوج وعين واحدة للفرقة بعينها تعينت [و] لت له الباقيات. وكذا في العتق. وكذا الحانث في يمينه:
стр. 75
يلزمه عتق كل رقبة يملكها، على البدل، على الوجه الذي ذكرنا.
وقوله: إن الوجوب ليس صفة للفعل- قلنا: ليس كذلك، لأن أحوال الأفعال واختصاصها بجهات تقتضي الوجوب في البعض والحرمة في البعض، ثابت عند العقلاء، لأن الأفعال في ذواتها، والصفات الذاتية لها، متماثلة، وإنما يوصف البعض بالوجوب عقلًا وشرعًا، والبعض بالحرمة، لاختصاصها باسم يقتضي ذلك، وقد قررنا هذه القاعدة في موضعها.
وقول الشارع "افعل" كاشف عن وجه الوجوب فيه، على جهة الإجمال، لأنه إثبات للوجوب.
وقوله: إن الإيجاب ليس إلا قول الشارع "افعل"، فالواجب ما قيل فيه "افعل"- قلنا: هذا يرفع وجوب الواجبات العقلية قبل ورود السمع، كالإيمان بالله تعالى، وشكر المنعم، وغير ذلك، ويقتضي أن الظلم والكفر والكذب العاري عن النفع إذا قيل فيه "افعل" أن يصير واجبًا، وكل ذلك يأباه دليل العقل. ثم إن جرينا معه أن الإيجاب هو قول الشارع "افعل"، لكن إذا وقع [كان] طلبًا للفعل على جهة الحتم لا على جهة التخيير، وذا إنما يصح إذا كان للمكلَّف سبيل إلى العلم به، وأن لا يدخل التخيير بينه وبين غيره، ولو كان الواجب أحد الأشياء غير عين، لم يكن للمكلَّف سبيل إلى العلم به وكان مخيرًا بينه وبين غيره- على ما مرَّ.
والله أعلم.
стр. 76
١٧ - باب في: أن الأمر بالفعل، هل يدل على الإجزاء ؟ :
ذهب الفقهاء وجماعة من المتكلمين [إلى] أنه يدلُ على الإجزاء.
وذهب بعض المتكلمين إلى أنه لا يدل على الإجزاء.
واستدلوا على صة مذهبهم وقالوا: إن المعنى من الإجراء شيئان: أحدهما- أن معنى قولنا: "هذا الفعل مجزئ" أن لا يجب قضاؤه. ومعنى قولنا: "إنه غير مجزئ" أنه يجب قضاؤه. والثاني- معنى افجزاء انتفاء التكرار. ومعنى كونه غير مجزئ أنه يقتضي التكرار. والأمر لا يدل على الإجزاء بالمعنيين جميعًا، لا بذاته ولا بحكمه: أما بذاته، فإنه لا ينبئ عنه. وأما بحكمه، فلأن حكمه وجوب الفعل، ووجوب الفعل لا ينفي وجوب مثله- دلَّ عليه: أن الماضي في الحَجة الفاسدة مأمور بالمضي فيها، ثم إذا فعل يلزمه القضاء. وكذا الظانُّ على الطهارة في آخر الوقت مأمور بالصلاة مع هذا الظن، ثم لو فعل ذلك وذكر بعده أنه كان محدثًا، يلزمه القضاء. ولو ذكر في الوقت يلزمه مثلما فعل.
ونحن نستدل على صحة ما ذهبنا إليه، فنقول: معنى قولنا: "هذا الفعل مجزئ" أي مسقط للتعبد به، وهو مختص بحالة يكتفي به في استيفاء المصلحة المطلوبة بالأمر. ومعنى قولنا: "غير مجزئ" أنه غير مسقط التعبد به وغير مختص بحالة يكتفي به في استيفاء المصلحة، إذ لا فرق بين قولنا: "هذا الشيء يجزئني" وبين قولنا: "يكفيني". ثم معنى قولنا: "هذا الشيء يكفيني" هو الاكتفاء به في غرض من الأغراض، فكذا قولنا: "يجزئني" أي يكفيني في أمر من الأمور.
стр. 77
إذا ثبت هذا- نقول:
ظاهر الأمر يدل على الإجزاء، على هذا التفسير، لأن المأمور إذا فعل ما اقتضاه على الوجه الذي اقتضاه الأمر، سقط التعبد به، وحصلت المصلحة المطلوبة منه مستوفاة. لنه إذا فعل ذلك صار ممتثلًا للأمر، وإذا صار ممتثلًا للأمر يخرج عن عهدة الأمر، إذ يتناقض قول القائل: "امتثل الأمر" و"بقي عليه عهدة المر"، فكان مطلق الأمر مقتضيًا للإجزاء، إذ هو المقتضي للامتثال.
دليل آخر- إن مطلق الأمر لو لم يدل على الإجزاء على هذا التفسير، لكانت الصحابة ﵃ يراجعون النبي ﵇ في كل أمر صدر من الله تعالى ومن الرسول في دلالة الإجزاء، ولكثرت مراجعتهم، ولسنَّة النبي ﵇، ولنُقل إلينا ذلك نقل تواتر ونقل استفاضة لتوفر الدواعي ومساس الحاجة، وحيث لا يُنقل دلَّ أن مطلق الأمر يكفي دلالة على الإجزاء.
وقوله- معنى قولنا: "هذا الشيء مجزئ" أنه لا يجب قضاؤه أو لا يجب تكراره- قلنا: ليس كذلك، لأن القضاء يتبع مشاركة الفعل الثاني الأول في المصلحة، ويجوز أن يكون الفعل مأمورًا به بحالة لا يشاركه فعل آخر في استيفاء المصلحة، فإذا فات لا يجب قضاؤه، [و] إذا فعل لا على الوجه المطلوب لا يقع الإجزاء به، ولا يجب قضاؤه- دلَّ عليه أن من صلَّى في الوقت بغير طهارة ثم مات عقيبه لا يجب عليه القضاء، وهذا الفعل غير مجزئ.
فإن قال: بأن المجزئ ما لا يجوز له أن يجب قضاؤه، وغير المجزئ ما يجوز له أن يجب قضاؤه- قلنا: حاصل هذا يرجع إلى ما قلناه من تفسير الإجزاء، لأن الذي لا يجوز أن يجب قضاؤه ليس إلا أن يفعل ما تناوله الأمر على الوجه الذي تناوله الأمر، والذي يجوز أن يجب قضاؤه هو أنه فعل ما تناوله الأمر على الوجه الذي تناوله الأمر- فرجع الكلام إلى ما ذكرنا.
وأما التكرار- فمسألة التكرار غير مسألة الإجزاء، ومعنى الإجزاء غير ذلك،
[بذل النظر- م ٦]
стр. 78
لأنه جاز أن يقال: هذا الأمر لا يقتضي إيجاب فعل آخر، ولكنه لا ينفيه أيضًا، ومعنى الإجزاء نفي غيره والاكتفاء به في سقوط التعبد.
وأما قوله بأن الأمر لا ينبئ عن الإجزاء، وحكمه لا يدل عليه- قلنا: في الأمر وجه يدل على الإجزاء على ما مرَّ، وهو حسن المأمور به، فإن الأمر يدل عليه، وإن لم يكن منبئًا عنه.
وأما الماضي في الحَجة الفاسدة، فمأمور بالحَجة الصحيحة، ولم يفعل ذلك، فبقي الأمر عليه، غير أنه أُمر بالمضي في هذا الحج، بأمر آخر، وقد امتثل ذلك، فيسقط به الأمر. وكذا الظانُّ على الطهارة: مأمور بأداء الصلاة على الطهارة، ولم يمتثل ذلك الأمر، فبقي عليه، غير أنه مأمور بالصلاة مع هذا الظن بأمر آخر، وقد امتثله، فيسقط الأمر- أما ههنا [فـ] بخلافه- والله أعلم.
١٨ - باب في: أن الأمر بالشيء، هل هو أمر بما لا يتم الواجب إلا به ؟ :
اعلم أن ما لا يتم المأمور إلا به ضربان:
أحدهما- ما لا يمكن تحصيله، نحو القدرة والآلات.
والآخر- ما يمكن للمكلَّف تحصيله.
فالأول- لا يرد الأمر به إلا مقيدًا بشرط حصوله، لأنه لو ورد الأمر بدونه لا يخلو: إما أن يقتضي إيجاب الفعل في كل حالة ويقتضي تحصيل القدرة والآلة، وهذا تكليف ما ليس في الوسع، أو يقتضي إيجاب الفعل في كل حال مع فقد القدرة والآلة، وهذا أيضًا تكليف ما ليس في الوسع.
وأما الآخر- فضربان:
أحدهما- أن يرد الأمر مقيدًا بشرط حصول ما يفتقر الفعل إليه، نحو أن يقول له: "اصعد السطح إن كان السلم منصوبًا" فهذا يقتضي إيجاب صعود
стр. 79
السطح إن كان السلم منصوبًا، ولا يقتضي إيجابه إذا لم يكن السلم منصوبًا.
والآخر- أن يرد الأمر به مطلقًا من غير تقييد بشرط. نحو أن يقول "اصعد السطح" فالأمر بصعود السطح على هذا الوجه أمر بنصب السلم عندنا. ومعنى ذلك أنه يقتضي إيجاب صعود السطح، ثم إيجاب صعود السطح يقتضي إيجاب نصب السلم، فصار الأمر مقتضيًا ذلك بواسطة، لا أن هذا الأمر يصير أمرًا بنصب السلم حقيقة.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يقتضي وجوب نصب السلم، بل يتقيد الأمر بحال كون السلم منصوبًا.
دليلنا في ذلك- أن الأمر المطلق يقتضي إيجاب الفعل على كل حال، ثم إيجاب الفعل على كل حال يقتضي إيجاب ما يفتقر إليه من نصب السلم. والدليل على أن الأمر المطلق يقتضي إيجاب الفعل على كل حال أنه لا اختصاص له بوقت دون وقت وحال دون حال، فيقتضي إيجاب الفعل في كل زمان يتمكن من الفعل فيه، إذ لو قلنا إنه يقتضي إيجابه في بعض الأزمان دون البعض كان في ذلك تخصيصه بذلك الزمان، وهو خلاف الظاهر.
والدليل على أن إيجاب الفعل يقتضي إيجاب ما يفتقر إليه من نصب السلم، أن الفعل متى وجب عليه في جميع الأحوال: لو قلنا لا يجب عليه نصب السلم، أو مباح له تركه- كان فيه تكليف ما ليس في الوسع، أو إباحة الإخلال بالواجب، وهو باطل.
فإن قيل: هلا قلتم بأن الأمر بالصعود يتقيد بحال نصب السلم، حتى يجب عليه إذا كان السلم منصوبًا، ولا يجب عليه إذا لم يكن منصوبًا، وهذا أولى مما ذهبتم إليه، لأنا لو أوجبنا الصعود مع فقد السلم، كان تكليف ما ليس
стр. 80
في الوسع، ولو أجبنا عليه الصعود على كل حال ثم أوجبنا عليه نصب السلم كان في ذلك إيجاب ما لا ذكر له في الأمر- قلنا: لا معنى لقول القائل: إن الأمر يتقيد بنصب السلم سوى أنه يلزمه الصعود إذا كان السلم منصوبًا: ولا يلزمه إذا لم يكن منصوبًا، وهذا باطل، لأن الأمر المطلق يقتضي إيجاب الفعل على كل حال، وليس إيجاب الصعود عليه مع فقد السلم تكليف ما ليس في الوسع، لأنه يمكنه أن يتوسل إليه بنصب السلم.
قوله بأن ذلك إيجاب ما لا ذكر له في الأمر- قلنا: إن لم يكن له ذكر في الأمر، لكن الأمر يدل عليه، ألا ترى أن إيجاب المسبب إيجاب السبب، فإن من أمر عبده بإيلام زيد كان لك أمرًا بالضرب، لأن الألم لا يحصل إلا به. وكذا إيجاب ستر الفخذ، يقتضي إيجاب ستر شيء من الركبة، لأنه لا يحصل إلا به- كذا هذا.
فإن قيل: لستم بأن تتمسكوا بإطلاق اللفظ وتتوصلوا به إلى إيجاب شيء لا ذكر له في الأمر، بأولى من أن نتمسك بظاهر اللفظ لنفي وجوب ما لا ذكر له في الأمر ونتوسل به إلى تقييد الأمر ببعض الأحوال وإخراج الفعل من أن يكون واجبًا في بعض الأحوال. فإذن قد تساوينا في أن كل واحد منا يعمل بظاهر اللفظ من وجه، ويعدل عن ظاهر اللفظ من وجه، فلم كان ما قلتم أولى؟ - قلنا: بهذا السؤال سلمتم أن ما ذكرتم ترك لظاهر اللفظ، فأما إيجاب ما لا ذكر له في اللفظ، [فـ] لا يكون تركًا لظاهر اللفظ، لأن اللفظ كما لا نتعرض له بالإثبات لا نتعرض له بالنفي، وإيجاب شيء لا يتعرض له الأمر بالنفي، لا يكون تركًا لظاهر الأمر.
إذا ثبت هذا- نقول: قول القائل "افعل" يقتضي إيجاب الفعل على كل حال. فلو قلنا إنه يثبت الوجوب في بعض الأحوال، كان ترك العمل
стр. 81
بظاهر اللفظ. وإذا ثبت الوجوب في جميع الأحوال، ثبت وجوب نصب السلم، كي لا يكون إيجاب ما ليس في الوسع.
وإذا ثبت هذا- نذكر الأشياء التي لا يتم الأمر إلا بها:
منها- أن من ترك واحدة من الصلوات الخمس، ثم نسيها، يجب عليه فعل الخمس، لأن فعل المتروكة واجب عليه، ولا يتمكن من ذلك إلا بفعل الكل، فيجب عليه الكل.
ومنها- إذا وقعت النجاسة في الماس وجب الامتناع عن استعمال المال، لأن الامتناع عن استعمال النجاسة واجب، ولا يتمكن من ذلك إلا بالامتناع عن استعمال الماء، فيجب عليه ذلك.
ومنها- أن ستر الفخذ يقتضي إيجاب ستر شيء من الركبة- على ما مرَّ.
ومنها- أن من طلَّق إحدى نسائه بعينها، ثم ذهبت عليه عينها، يجب عليه الامتناع عن الاستمتاع [بالكل]، لأن الامتناع عن الاستمتاع بالمطلقة واجب، ولا يتمكن من ذلك إلا بالامتناع عن الاستمتاع بالكل- والله أعلم.
١٩ - باب في: أن الأمر بالشيء، هل هو نهي عن ضده ؟ :
اعلم أن الخلاف في هذه المسألة إما أن يقع في الاسم، أو في المعنى.
стр. 82
أما الاختلاف في الاسم-[فـ] بأن يقال: إن الأمر بالشيء هل يسمى نهيًا عن ضده؟
وجوابنا: أنه لا يسمى بذلك، لأن أهل اللغة فصلوا بين الأمر والنهي في الاسم، وفرقوا بين قول القائل "افعل" وبين قوله "لا تفعل"، فسموا أحدهما "أمرًا" والآخر "نهيًا".
فإن قيل: الأمر ليس بأمر لذات الصيغة، ولا النهي نهيًا لذات الصيغة، بل الأمر أمر لإرادة كونه أمرًا ولكونه طلبًا واستدعاء للفعل. والنهي نهي لإرادة كونه نهيًا ولكونه طلبًا واستدعاء للانتهاء. ولا يمتنع أن يراد بالصيغة الواحدة أن يكون أمرًا بشيء ونهيًا عن ضده، ولا أن يكون دلالة على طلب شيء أو على طلب الانتهاء عن ضده، فتكون الصيغة الواحدة أمرًا بالشيء حقيقة ونهيًا عن ضده حقيقة- قلنا:
- أما كون الأمر أمرًا لإرادة كونه أمرًا، وكون النهي نهيًا لإرادة كونه نهيًا، فقد أبطلناه من قبل.
- وأما كونه أمرًا لكونه طلبًا واستدعاء للفعل، وكونه نهيًا لكونه طلبًا واستدعاء للانتهاء، فلعمري هو كذلك، لكن بشرط أن يكون طلبًا للفعل بذاته لا بواسطة، وطلبًا للانتهاء بذاته لا بواسطة، كقوله "افعل" و"لا تفعل". وقوله "افعل" طلب للانتهاء عن ضده، بواسطة طلب الفعل. وقوله "لا تفعل" طلب لضد المنهي عنه، بواسطة طلب الانتهاء عنه، وعدم انفكاك المكلَّ عن أحدهما إلى الآخر، فإذن لا يتصور كون الصيغة الواحدة أمرًا ونهيًا حقيقة.
وأما الاختلاف في المعنى فمن وجهين:
أحدهما- أن يقال: هل في الأمر بالشيء صيغة النهي عن ضده، وهو قوله
стр. 83
"لا تفعل"؟ . وجوابنا أنه ليس فيه ذلك، وهذا معلوم بطريق الحس.
والآخر- أن يقال: بأن الأمر بالشيء هل يقتضي تحريم ضده والمنع عنه؟ وجوابنا أنه يقتضي ذلك، لما ذكرنا أن الأمر طلب الفعل ومنع من الإخلال به، وكل فعل يوجب الإخلال بالمأمور به يكون ممنوعًا عنه بقضية الأمر، لأنه لو لم يكن كذلك لجاز الإقدام عليه، وفي جواز الإقدام عليه إباحة الإخلال بالواجب، وذا لا يجوز.
ومن نفى الوجوب عن الأمر، لا يمكنه أن يجعل الأمر بالشيء نهيًا عن ضده، لأنه: إن حمله على الندب لا يمكنه ذلك، لأنه لو اقتضى ذلك لكنا منهيين عن البيع وسائر الأفعال المباحة، لما أن أضدادها مأمور بها ندبًا. وإن حملها إرادة المأمور به لا يمكنه أن يجعلها نهيًا عن ضده أيضًا، لأن إرادة الشيء لا تقتضي نهيًا عن ضده. ألا ترى أن النوافل مرادة وأضدادها ليست بمنهية.
وأما النهي عن الشيء هل هو أمر بضده؟
فجوابنا: أن النهي عن الشيء يقتضي إيجاب ما لا يصح الإخلال بالمنهي عنه إلا به، لما ذكرنا- فبعد ذلك: إن كان له ضد واحد، بحيث لا يمكن الانصراف عنه إلا إليه، يجب عليه ذلك بعينه. وإن كان له أضداد، بحيث لا يمكنه الانصراف عنه إلا إلى أحدهما، يجب عليه الكل على البدل- على ما مرَّ.
٢٠ - باب في: أن الأمر المطلَق، هل يقتضي تكرار الفعل المأمور به أم لا ؟ :
ذهب أصحابنا ومعظم المتكلمين إلى أنه لا يقتضي التكرار، بل يقتضي فعل المأمور به فقط، وهو الفعل الذي تناول الأمر، مرة واحدة.
وذهب معظم أصحاب الشافعي ﵀ إلى أنه يقتضي التكرار.
стр. 84
وقال بعضهم: نتيقن باقتضاء الفعل مرة واحدة، ونتوقف في الدوام والتكرار.
دليلنا في ذلك أن قول القائل "ادخل الدار" معناه "كن داخلًا في الدار"، لأن من دخل الدار يوصف بكونه داخلًا الدار، فإذا أمره بالدخول فقد أمره بأن يجعل نفسه على هذه الصفة، وهو [بـ] الدخلة الأولى جعل نفسه على هذه الصفة، فيسقط الأمر به. كمن قال لغيره "اضرب رجلًا" فضرب رجلًا واحدًا، يوصف بأنه ضارب رجل، ويسقط الأمر به- كذا هذا.
فإن قيل: هو بالدخلة الثانية يوصف بأنه داخل الدار، فهلَّا قلتم بدخوله تحت الأمر؟ أو توقفتم في دخوله تحت الأمر كما قاله البعض؟ - قلنا: هو بالدخلة الأولى يوصف بأنه داخل الدار على الكمال، فبعد ذلك: الدخلة الثانية تكرار لفائدة الأمر بعد استكمالها، فلا يُستفاد ذلك إلا بدلالة التكرار، أو بدلالة الاستغراق، كمن قال لغيره "اضرب رجلًا" فضرب رجلًا واحدًا: يوصف بكونه ضارب رجل على الكمال، فإذا ضرب آخر يكون ذلك تكرارًا لفائدة الأمر بعد استكمالها، فلا يستفاد إلا بدلالة التكرار، أو بدلالة الاستغراق- كذا هذا.
فإن قيل: ما أنكرتم أن قول القائل "اضرب" معناه "افعل الضرب"، ولو كان كذلك يقتضي التكرار، لأن اللام للجنس: قلنا: إن قول القائل "اضرب" تصريف من "ضرب" لا من "الضرب" لأنه ليس فيه الألف واللام، ولأنه لو كان تصريفًا من الضرب لكان قول القائل "ضربَ زيدٌ" معناه أنه فعل الضرب، ولو كان كذلك لكان من أخبر بضرب زيد أن يفيهم منه تكرار الضرب، وليس كذلك، بل يُفهم منه الضرب مرة واحدة.
وأما الخصوم فقد تعلَّقوا بأشياء:
منها- أنهم قالوا: وجدنا أوامر في كتاب الله تعالى مطلقة، وأنها مقتضية
стр. 85
للتكرار، مثل قوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ إلى غير ذلك.
ومنها- أن الأمر المطلق لا اختصاص له بزمان دون زمان، فيقتضي الفعل في جميع الأزمان لفقد الاختصاص.
ومنها- أن الأمر لو لم يقتض التكرار لما جاز الاستثناء، ولما جاز النسخ، لأن النسخ في المرة الواحدة بَدَاء، والاستثناء من الواحدة نقض الكلام، وحيث صحَّ النسخ والاستثناء علم أنه مفيد للتكرار.
ومنها- أن الأمر المطلق لو لم يقتض التكرار والفعل على الدوام، لكان النهي المطلق لا يقتضي الانتفاء، على سبيل الدوام، لأنه ضده، ولما كان النهي يقتضي الانتهاء على سبيل الدوام- فكذلك الأمر، إذ هو ضده.
والجواب:
أما الأول- قلنا: لا نسلم بأن التكرار في تلك المواضع عُقِل من ظاهر الأمر، بل بدلالة زائدة، وهو التصريح بالدوام والتكرار وما يجري مجراه. وقد أجيب عن هذا بأن التكرار في هذه المواضع استفيد من تكرار أسبابها- ألا ترى أنه لم يثبت التكرار في بعض المواضع، وهو المر بالحج، لنه سببه، وهو البيت، لا يتعدد.
стр. 86
وأما الثاني- قلنا: القائلون بالفور يقولون إن الأمر المطلق يختص بأول وقت الإمكان. والقائلون بالتراخي يقولون بأنه يقتضي إيجاب الفعل في جميع الأزمان، لكن على طريق البدل، وتناول الأمر تارة يكون على سبيل البدل، وفقد الاختصاص لا يدل على أحدهما.
وأما الثالث- قلنا: عندنا لا يجوز إلا إذا قامت دلالة تدل على أنه أراد به التكرار، فيتبين بالنسخ أن بعض المرات غير مراد. وأما الاستثناء- قلنا: القائلون بالفور لا يجوزون ذلك. والآخرون إنما يجوزون الاستثناء، لما مرَّ أن الأمر يتناول الأوقات لكن على البدل، فبالاستثناء يتبين أن بعض الأوقات غير مراد أصلًا.
وأما الرابع- قلنا: الأمر يقتضي النهي، لأن قول القائل: "كن داخلًا" موجود في قوله: "لا تكن داخلًا" وإنما زيد عليه حرف النفي، فجرى الأمر مع النهي مجرى قول القائل: "ليس في الدار رجل". ثم قول القائل: "في الدار رجل" يقتضي وجود رجل واحد في الدار. وقوله: "ليس في الدار رجل" يقتضي انتفاء جميع الرجال عنه، لأنه لو اقتضى نفي بعض الرجال كان فيه جمع بين فائدتيهما مع أنهما ضدان، وذا لا يجوز، فكذا هذا- وهذا:
[الأول]: لأن الأمر المطلق يقتضي أن المأمور به يوجد به مطلقًا، والنهي المطلق يقتضي أن المنهي عنه لا يوجد مطلقًا، وكلما وجد مرة فقد وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.
стр. 87
والثاني: أن العادة فصلت بين الأمر والنهي: فإن السيد إذا قال لعبده: "لا تدخل" فهم منه الانتهاء على الدوام. ولو قال له: "ادخل" فهم منه الدخول مرة. والفقه في ذلك: هو أن حمل الأمر المطلق على التكرار والاستغراق يؤدي إلى تعطيل الأشغال كلها، لنه لا يتفرغ لغيره من الأفعال، وحمل النهي على الدوام لا يؤدي إلى ذلك، لنه يتفرغ للأشغال كلها مع الامتناع عن فعل معين على الدوام.
والثالث: أن النهي يدل على قبح المنهي عنه، والقبيح يجب الكف عنه أبدًا، أما الأمر [فـ] لا يدل على ما يوجب الإقدام عليه، على الدوام.
وأما من توقف في الحمل على التكرار- قال: إن الأمر المطلق محتمل للدوام والتكرار، بدليل أنه لو أراد به ذلك وقرن به دلالة التكرار يحمل عليه، وما احتمله اللفظ جاز أن يراد به، فيجب التوقف فيه.
ونحن نقول: لا نسلم احتماله للدوام والتكرار، بل الأمر المطلق لا يحتمل إلا الفعل مرة واحدة- على ما مرَّ. ولو قرن به دلالة التكرار، لا يكون بيانًا وتفسيرًا للفظ، بل زيادة متممة للكلام كقوله: "افعل هذا الفعل عشر مرات" أو "على الدوام" أو على ما يجري مجرى هذا الكلام، فهذه جملة مفيد للعدد والدوام، لا أنه موجب الأمر المطلق.
٢١ - باب في: أن الأمر المعلَّق بالشرط والصفة، هل يقتضي تكرار الفعل المأمور به إذا تكرر الشرط والصفة ؟ :
اختلف الذاهبون إلى أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار فيه:
قال بعضهم: يقتضي تكراره عند تكرار الشرط والصفة.
стр. 88
وقال بعضهم: لا يقتضيه- وهو المختار.
دليلنا في ذلك- أن المقتضى للوجوب هو الأمر دون الشرط والصفة، لن الشرط ليس بمؤثر بل هو ما يقف عليه تأثير المؤثر، والأمر في نفسه لا يقتضي التكرار، بل يقتضي الفعل مرة واحدة، فصار المقتضي للفعل مرة واحدة معلقًا بالشرط، وهو كالمرسل عند وجود الشرط، فلا يلزم تكرار الوجوب بتكرار الشرط- دلَّ عليها أن السيد إذا قال لعبده: "إذا دخلت السوق فاشتر اللحم" فإن هذا لا يقتضي تكرار الشراء بتكرار الدخول. وكذا لو قال لامرأته: "طلقي نفسك إذا دخلت الدار" أو قال لغيره: "طلق امرأتي إذا دخلت الدار": لا يتكرر الأمر بالطلاق بتكرار الدخول. وكذا قول القائل: "اضرب زيدًا" إذ كان لا يقتضي التكرار، فقوله: "اضربه إن كان قائمًا" لا يقتضيه أيضًا.
فإن قيل: ليس يمتنع أن يكون ما دخل تحت الشرط مؤثرًا، كما في قوله تعالى: ﴿وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وإذا لم يمنع ذلك [فـ] ليس لكم أن تقطعوا على نفي التكرار عند تكرار الشرط- قلنا: لفظ الشرط لا يدل على أن ما دخل تحته مؤثرًا، والكلام فيما إذا لم توجد دلالة أخرى، حتى لو وجد كان علة يتكرر الحكم بتكرره- يدل عليه: أن الخبر المعلق بالشرط لا يقتضي تكرار المخبر به بتكرره، فكذا الأمر- بيانه: أن قائلًا لو قال: "زيد سيدخل الدار إن دخلها عمرو"
стр. 89
فدخل زيد الدار بعد ما دخلها عمرو مرارًا- يعد المخبر صادقًا، فلو كان تكرار الدخول من عمرو يقتضي تكرار الدخول من زيد، لما عُدَّ صادقًا- فثبت أن الخبر المعلق بالشرط لا يقتضي التكرار في المخبر به، بتكرره- فكذلك الأمر. والجامع بينهما أن معنى قول القائل: "زيد سيدخل الدار" أي سيكون داخل الدار، ومعنى قول القائل: "ادخل الدار" أي "كن داخلًا الدار"- ثم الخبر بجعل نفسه على هذه الصفة لا يقتضي تكرار المخبر به. وكذلك الأمر بجعل نفسه بهذه الصفة لا يقتضي تكرار المأمور به.
والمخالف في المسألة احتج بأشياء:
منها- أنهم قالوا: وجدنا الأوامر الواردة في كتاب الله تعالى معلقة بالشرط، مقتضية للتكرار، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ - علم أن قضية الأمر المعلق بالشرط هذا.
ومنها- اعتبارهم الشرط بالعلة، فقالوا: إن العلة إذا تكررت، يتكرر معلولها، فكذا الشرط، بل الشرط آكد من قِبَل أن الحكم ينتفي بانتفاء الشرط، ولا ينتفي بانتفاء العلة.
стр. 90
ومنها- أن الأمر المعلق بالشرط لا اختصاص له بالشرط الأول دون الثاني والثالث، فيجب الفعل مع كل شرط لفقد الاختصاص.
ومنها- أن النهي المعلق بالشرط يقتضي الانتهاء مع كل شرط، على سبيل التأبيد- فكذا الأمر المعلق بالشرط.
[و] الجواب عنها:
أما الأول- قلنا: ليس في هذه الآي ما يدل على كون التكرار مستفادًا من ظاهرها، بل عرفنا التكرار فيها بدلالة أخرى، كما عرفنا التخصيص في بعض عمومات القرآن، بدلالة مخصصة- دلَّ عليه أن الأمر بالحج لا يقتضي التكرار، وإن علق بشرط متكرر، كقوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً﴾.
وأما قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي﴾. وقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ﴾ - قلنا: ثم علم أن السرقة والزنا علة لوجوب الحد، والحكم يتكرر بتكرر العلة.
وأما الثاني- قلنا: هذا اعتبار فاسد، لأن العلة مؤثرة، والشرط ليس بمؤثر، ولا دليل يدل على وجود المؤثر، فلا يلزم تكرار الحكم بتكرره.
قوله: الحكم ينتفي بانتفاء الشرط ولا ينتفي بانتفاء العلة- قلنا: عندنا: لا فرق، فكما يجوز أن يثبت الحكم بعلة أخرى مع فقد هذه العلة، يجوز أن يوجد شرط آخر مكان هذا الشرط الأول، فيثبت الحكم معه.
стр. 91
وأما الثالث- فالقائلون بالفور يقولون باختصاص الأمر بالشرط الأول، فلا يلزمهم هذا الكلام.
وأما القائلون بالتراخي- فلهم تفصيل، وهو أن الشرط الذي علق به الأمر: إما أن يغلب على الظن تجدده، وهو متمكن من الفعل، أو لا يغلب على الظن ذلك. ففي الوجه الثاني، كما في قول القائل: "أعط زيدًا درهمًا إن دخل الدار" يجب الفعل عند الدخلة الأولى، لأنه لو لم يجب وفي الدخلة الثانية شك، كان فيه تفويت المأمور به أصلًا. وفي الوجه الأول كما إذا قال: "أعطه درهمًا إن طلعت الشمس" يجب الفعل مع كل شرط على البدل لا على الجمع، وفقد الاختصاص عمله في ذلك، إلا أن يقوم دلالة من حيث العرف وغيره على طلب الفعل عند الشرط الأول على التعيين.
وأما الرابع- قلنا: قال بعض أهل الأصول: إن النهي يقتضي طلب الانتهاء مع الشرط فقط. ولئن سلمنا، فتكرار الانتهاء ثَمَّ، لا لتكرار الشرط، بل لأن مطلق النهي يقتضي الانتهاء على الدوام. فإذا علق بالشرط أفاد أهل هذه القضية عند الشرط، والفرق بين الأمر والنهي على ما مرَّ في الباب المتقدم.
٢٢ - باب في: أن الأمر المطلق، هل يقتضي تعجيل الفعل المأمور به أم لا ؟
ذهب بعض أصحابنا وجماعة من المتكلمين أنه يقتضي تعجيل الفعل المأمور به، ولا يجوز تأخيره عن أول أوقات الإمكان.
стр. 92
وذهب أصحاب الشافعي ﵀ وعامة المتكلمين إلى أنه يجوز تأخيره عن الوقت الأول إلى ما بعده من الأوقات- إلا أن منهم من يجعل العزم على الفعل في الثاني بدلًا عن الفعل في الوقت الأول. ومنهم من لم يجعله بدلًا عنه.
والمذهب المختار أنه يقتضي وجوب فعل واحد، والأوقات كلها سواء في إيقاع الفعل المأمور به، بالأمر المطلق.
أما القائلون بالفور-[فـ] تعلقوا بأشياء:
١ - منها:
أن الفعل قد وجب في الوقت الأول، وذلك يمنع جواز التأخير عنه. وإنما قلنا: إن الفعل قد وجب في الوقت الأول، لأن الأمر تناول الفعل في الوقت الأول، بدليل أن المكلف إذا أتى به في الوقت الأول كان إتيانًا بما تعبد به وسقط عنه التكليف، والتكليف إنما يسقط بإتيان ما تناوله الأمر، فلولا أن الأمر تناول الفعل في الوقت الأول، وإلا لم يكن إتيانًا بما تعبد به، ولما سقط عنه التكليف. ومتى تناوله الأمر كان واجبًا، إذ الأمر مقتضاه الوجوب، وإذا وجب الفعل في الوقت الأول [فـ] لا يجوز تأخيره عنه، لأنه لو جاز تأخيره عنه كان في ذلك نقض الوجوب وإلحاقه بالنافلة، ولا يقال بأن الفرق بينه وبين النافلة أن النافلة يجوز الإخلال بها مطلقًا، وهذا مما يجوز الإخلال به في الوقت الأول، إلا أن يغلب على الظن فواته إن لم يفعله، لنا نقول: إنما نلزمكم إلحاقه بالنافلة- بجواز التأخير في الوقت الأول، [لا أنه] كان مخيرًا بين الفعل والترك، وهذا هو حقيقة النافلة. ولا يقال: عندنا يجوز التأخير عن الوقت الأول لكن
стр. 93
إلى بدل يقوم مقامه، وهو العزم على الفعل في الزمان الثاني، ويجوز تأخير الواجب إلى بدل يقوم مقامه.
وبيانـ[ـه] أن الأمر المطلق يجعل الأوقات كلها سواء في إيقاع الفعل المأمور به فيها، ولن يجعل ذلك إلا بأن يجوز التأخير عن الوقت الأول، والواجب لا يجوز تأخيره عن الوقت الواجب فيه إلا إلى بدل، فجعلنا "العزم" بدلًا عنه، لأن الأمة أجمعت أنه لو ترك الفعل في الوقت الأول يجب عليه أن "يعزم" على الفعل في الزمن الثاني، فقد قامت الدلالة على كون "العزم" بدلًا، ولم يقم على شيء آخر، فجعلنا "العزم" بدلًا عنه.
هذا هو حجة القائلين بجواز التأخير عن الوقت الأول إلى بدل، [و] لا يقال هنا، لأنا نقول: لمَّا سلمتم أن الواجب لا يجوز تركه إلا ببدل، فما الدليل على وجوب "العزم" بدلًا، لأن الأبدال لا يجوز إثباتها بالرأي، بل بدليل قاطع؟ وقيام الدليل على وجوب "العزم" لا يدل على كونه بدلًا.
стр. 94
ثم الدليل على أن العزم لا يصلح بدلًا: أن البدل وجوبه على حذو الأصل، ليجري فعله مجرى فعله، وفي ذلك بطلان تعيين الوقت للعزم.
والدليل عليه أن العزم لو كان بدلًا لا يخلو: إما أن يقوم مقام الواجب ويسدُّ مَسدَّه في حصول المصلحة المطلوبة منه، أو لا يقوم مقامه ولا يسد مسدَّه:
فإن كان الأول-[فـ] ينبغي أن يسقط عنه الفعل بوجود العزم، لأن المصلحة من الواجب قد استوفيت بالعزم على الفعل.
وإن كان الثاني- فلا يصلح بدلًا عنه.
ولا يقال بأن "العزم" بدل عن الفعل في الزمان الأول، فيبقى الفعل في الزمان الثاني على ما هو عليه من المصلحة، لأنا نقول: الأمر عندكم لا يقتضي وجوب الفعل في جميع الأزمان، على الجمع، لأنه قول بالتكرار، وقد أبطلناه. ولا يمكن القول بأن الفعل في الزمان الأول يسقط بالعزم ويبقى الفعل في الزمان الثاني واجبًا، بل الأمر عندكم يقتضي وجوبَ فعل واحد في زمان غير عين، فإذا وجد في الوقت الأول ما يسد مسده في استيفاء المصلحة، ينبغي أن يسقط عنه التكليف، كما لو فعل المأمور به. وحيث لم يسقط، علم أن "العزم" لا يصلح بدلًا أصلًا.
٢ - ومنها:
الاستدلال بألفاظ الطلاق والعتاق والنكاح، فإن أحكام هذه الألفاظ تثبت على الفور، فكذلك حكم الأمر. والجامع بينهما أن هذه الألفاظ تفيد أحكامها، والحكم إنما يثبت في الوقت، وليس للوقت فيها ذكر، فيثبت في
стр. 95
أقرب الأوقات إليها. فكذا هنا: الأمر يقتضي إيجاب الفعل، والفعل إنما يقع في وقت، [ووقت] وقوعه [غير] مذكور، فيقع في أقرب الأوقات إليه.
٣ - ومنها:
أن جواز التأخير يؤدي إلى أقسام كلها باطلة. وبيانه: أنه لو جاز التأخير إما أن يجوز التأخير لا إلى غاية أو إلى غاية: الأول- باطل، لأنه ينقض الوجوب، والثاني- لا يخلو: إما أن تكون الغاية معينة أو موصوفة. مثال المعينة: أن يقول "افعل إلى وقت كذا" أو "إلى الوقت الفلاني" وهذا مما لا قائل به، ولم تقم الدلالة عليه، لأن الأمر لا يختص ببعض الأوقات دون البعض. والمراد بالموصوفة: الوقت الذي لو أخر عنه غلب على ظنه فواته. وذلك الظن لا يخلو: إما أن يكون صادرًا لا عن أمارة، أو يكون صادرًا عن أمارة- الأول باطل لأن الظن الذي لا يستند إلى أمارة لا يجوز بناء الحكم عليه، وهو بمنزلة الظن السوداوي. وإن كان صادرًا عن أمارة مثل علو السن أو المرض، فهذا باطل أيضًا، لأنه يؤدي إلى أن من مات فجأة لا شيء عليه، مع أن ظاهر الأمر يتناوله، وأنه يقتضي الإيجاب. فثبت أن جواز التأخير يؤدي إلى أقسام كلها باطلة، فكان باطلًا.
стр. 96
٤ - ومنها:
أن الأمر بالفعل يوجب الفعل واعتقاد الوجوب والعزم على الامتثال، ثم وجوب الاعتقاد والعزم ثابت على الفور. وكذلك وجوب الفعل، لأن الكل موجب الأمر.
ونحن نستدل على صحة ما ذهبنا إليه، فنقول:
الأمر المطلق بالفعل يتناول الفعل، وليس فيه تعرض للزمان أصلًا، فإن قول القائل: "اضرب" يفهم منه الضرب دون الزمان، لأن الزمان من ضرورة الفعل كالمكان، وهو كالشخص المضروب في الضرب، وآله الضرب. ثم الأمر بالضرب لا يقتضي مضروبًا معينًا ولا آلة معينة، ولا في مكان معين- وكذا الزمان، فيقتضي إيجاب الفعل في زمان ما، ففي أي زمان يأتي به، يصير آتيًا بالمأمور به، وهذا يمنع الفور والتعجيل.
فإن قيل: للأمر اختصاص بالزمان الأول في حق إفادة الوجوب، لأنه متصل بزمان وجود الأمر، والوجوب فائدة الأمر وثمرته، والشيء إذا صادف وقتًا فثمرته وفائدته تصادف ذلك الوقت، لاختصاصه به وجودًا من بين سائر الأوقات. وصار كالطلاق والعتاق والنكاح مع أحكامها- قلنا:
- لا نسلم بأن للأمر اختصاصـ[ـًا] بالوقت الأول من أوقات الفعل- بيانه: أن الاختصاص إما أن يكون من حيث الوجود، أو من حيث الذكر والاقتضاء:
* واختصاص الأمر، من حيث الوجود، بالزمان الذي وجد فيه، وفي الزمان [الذي] وجد فيه الأمر- لا يتصور الوجوب، لأن الفعل إنما يجب ويوجد بعد الأمر، وبعد ذلك انعدم في نفسه، فلا يكون له اختصاص الوجود بزمان آخر.
стр. 97
واختصاصه من حيث الذكر والاقتضاء، بأن يصير بعض الأوقات فيه مذكورًا- فليس في الأمر ذكر واقتضاء لوقت ما على ما مرَّ. [و] ينفي هذا القدر أن الوقت الأول أقرب إلى زمان وجود الأمر، ولكن هذا لم يوجب اختصاص الوجوب به، وهذا هو عين المسألة.
- وأما ألفاظ الطلاق والعتاق والنكاح- ففيها اختصاص واقتضاء بالزمان الماضي والحال، فإنه قوله: "أنت طالق" وصف لها وإخبار عن كونها طالقًا في الماضي أو في الحال، كقوله: "أنت قائم" أو "قاعد"، والشرع جعله إنشاء في الزمان الذي يقتضيه الوصف لغة.
- أما قوله "افعل" -[فـ] طلب الفعل في المستقبل من غير تعرض لزمان، على ما مرَّ.
- وقولكم إن المر إذا صادف وقتًا فثمرته تصادف ذلك الوقت- قلنا: قد ذكرنا أنه لا يتصور مصادفة الوجوب في زمان مصادفة الأمر، لأنه يثبت بعده حكمًا له.
- ثم نقول: الأمر كما ذكرت أن ثمرة الشيء تصادف زمانًا اتصل به، لكن الخلاف في ثمرة الأمر: أن ثمرته الوجوب على الفور أو التراخي؟ ، فيعود الكلام إلى أول المسألة.
وأما الجواب عن كلام المخالفين:
أما الأول- قلنا: أيش عنيتم بقولكم: إن الفعل قد وجب في الوقت الأول؟ :
стр. 98
- إن عنيتم به أنه لزم المكلف [فعله فيه] ومنع من التأخر عنه، فهو موضع النزاع، وقد نفيناه بما ذكرنا أن المر المطلق لا اختصاص له بوقت دون وقت.
- وإن عنيتم به صيرورة الفعل مصلحة مسقطعة للواجب، فمسلم، ولكن لم قلتم بأن هذا يمنع جواز التأخير؟
قوله: بأنه ينقض الوجوب ويلحقه بالنافلة- قلنا: إنما يلحقه بالنافلة إذا كان يخرجه عن كونه مصلحة مسقطة للفرض، وفعله في الوقت الأول مصلحة مسقطة للفرض، والفعل في الثاني كذلك، وهو بدل عن الفعل في الأول، والواجب يجوز تأخيره إلى ما يسد مسده في المصلحة ولا يلحقه ذلك بالنافلة، كما في الكفارات الثلاث على ما ذكرنا.
فإن قيل: الأمر متى تناول الفعل في الوقت الأول لم يبق متناولًا للفعل فيما بعده، إذ لو قلنا بأنه يتناول الفعل في الوقت الثاني يكون تكرارًا لمقتضى الأمر، والأمر لا يقتضي التكرار، ومتى لم يكن متناولًا إلا الفعل في الزمان الأول، فجواز التأخير مؤدٍ إلى ما ذكرناه. وليس لكم أن تقولوا إن المفعول في الثاني والثالث [بدل] عن المفعول في الأول، فالتأخير عن الوقت الأول لا يكون تفويتًا للمأمور به- لأنا نقول: إن أفعال العباد [التي] تختص بالأوقات لا يجوز عليها التقدم والتأخر، فما يصح أن يوجد مرة في وقت، لا يصح أن يوجد مرة في وقت آخر. ومتى كان المفعول في الوقت الثاني [بدلًا] عن المفعول في الوقت الأول، لو قلنا بأنه يتناوله في الثاني، يؤدي إلى التكرار- قلنا: الأمر تناول فعلًا واحدًا، لكنه تناول فعلًا، له صورة مخصوصة
стр. 99
من الأفعال، لا الفعل المعين، لأن المكلف لا يميز ذلك، ومتى يتناول فعلًا واحدًا على صورة مخصوصة، والفعل في الزمان الثاني والثالث على صورة مخصوصة، فإذا فعل في أي وقت، فقد فعل فعلًا له صورة مخصوصة، فيسقط الأمر. كما إذا قال لغيره: "ادفع درهمًا إلى رجل"، فإذا دفع أي درهم شاء إلى أي رجل شاء، سقط عنه الأمر، لأنه مأمور بدفع شيء له صورة [مخصوص] إلى شخص له صورة مخصوصة، وقد وجد، فكذا هذا. على أن نقول: الأمر عندنا لا يقتضي التكرار: على معنى أنه لا يقتضي وجوب الأفعال على الجمع، بحيث لو فعل الواحد يجب عليه غيره. أما يقتضي التكرار على معنى أنه يقتضي وجوبها على البدل، فأيها فعل يسقط الأمر، وهو بمنزلة قوله: "افعل في أي وقت شئت" [فإنه] تناول فعلًا واحدًا، وحكمه ما ذكرنا- كذا هذا.
وأما الثاني- قد ذكرنا أن هذه الألفاظ موضوعة في اللغة للإخبار، والشرع جعلها إنشاء في الحال، وليس من ضرورة أن يثبت الشرع حكمًا على الفور في موضع، أن يكون المر المطلق، على الفور. على أن هذا إثبات موجب اللفظ بدليل آخر، ولا كلام فيه، إنما الكلام في موجب اللفظ. ولن هذا إثبات موجب اللفظ قياسًا على موجب لفظ آخر، وذلك ممتنع. ولو جاز ذلك، فقياس هذا على الخبر أولى- وبيانه: أن من قال: "زيد سيدخل الدار" فدخلها بعد مدة، يعدُّ صادقًا، فكذا الأمر، لأن معنى قول القائل: "زيد سيدخل الدار" إخبار عن إيقاع الدخول، كما أن قول القائل: "ادخل" حثٌّ على إيقاع الدخول. ثم الخبر عن الإيقاع: لا يقتضي وجود المخبر على الفور، فكذا الحث على الإيقاع: لا يقتضي الفعل على الفور أيضًا.
وأما الثالث- فنقول: عندنا يجوز تأخير الفعل إلى غاية أن يغلب على الظن فواته بأمارة، وهذا لما مرَّ: أن الأمر تناول فعلًا واحدًا في زمان غير معين، وإذا كان كذلك، فالواجب في الحكمة أن يعين الله تعالى وقتًا يتضيق فيه الوجوب، وإلا لم يكن للعبد سبيل إلى معرفة ما كُلِّف به. فإذا وجدنا الأمارة، نحكم بأن
стр. 100
الله تعالى أراد تضييق الوجوب في هذه. والموت فجأة لا عن أمارة نادر، ولو تحقق ومات عن غير أمارة تبين أن الله تعالى ما أراد بذلك الإيجاب، كما في قوله: "افعل في أي وقت شئت".
وأما الرابع- قلنا:
[الأول]- هذا استعمال القياس في اللغات، وإنه باطل.
والثاني- هو منقوض بقوله: "افعل في أي وقت شئت": فغن الاعتقاد والعزم على الفور، دون الفعل.
ثم نقول: وجوب العزم والاعتقاد معلوم بقرينة وأدلة دلَّت على التصديق للشارع والعزم على الانقياد له، لا بمجرد اللفظ- والله أعلم.
٢٣ - باب في: أن الأمر الموقت بوقت، متى يجب الفعل فيه ؟ :
اعلم أن الوقت المضروب للفعل لا يخلو: إما أن يزيد على مقدار الفعل، أو لا يزيد على مقدار الفعل-[نقول]:
- إن كان لا يزيد على مقدار الفعل: [فـ] لا شبهة أن جميع الوقت وقت للوجوب، كاليوم للصوم.
- وإن كان يزيد على مقدار الفعل، كوقت الظهر للظهر، اختلفوا فيه:
* قال بعضهم: الوجوب يختص بأول الوقت، وهو قول عامة أهلا لحديث وبعض المتكلمين. واختلفوا في المفعول في آخر الوقت: قال بعضهم: هو قضاء. وقال بعضهم: هو أداء.
стр. 101
* وذهب بعض المتكلمين إلى أن الوجوب يختص بآخر الوقت. واختلفوا في المفعول في أول الوقت:
قال بعضهم: هو نفل يسقط الفرض، وهو محكي عن أبي الحسن الكرخي ﵀.
وقال بعضهم: يقع موقوفًا، فإن بقي بصفة المكلفين إلى آخر الوقت وقع واجبًا، وإلا فلا- حكاه أبو بكر الرازي عن الكرخي.
وقال بعضهم: الوجوب يختص بالوقت كله.
ثم اختلفوا فيما بينهم:
فمنهم من أثبت للفعل في أول الوقت بدلًا، وهو "العزم على الفعل في الثاني".
ومنهم من لم يثبت له بدلًا.
стр. 102
وحكى عن الكرخي ﵀ أيضًا أن الوجوب يتعين بأحد أمرين: إما بالفعل، أو بأن يتضيق عليه الوقت.
والمذهب المختار أن الأمر الموقت بوقت، في إفادة الوجوب فيه، كالأمر المطلق في إفادة الوجوب في جميع العمر، فيقتضي إيجاب الفعل المستغرق للوقت والفعل في كل جزء من أجزاء الوقت على طريق البدل كما ذكرنا، وهو بمنزلة قوله: "افعل في أي جزء شئت من أجزاء هذا الوقت". ولو مات في أثناء الوقت فجأة فالحكم فيه ما ذكرنا.
وأما من قال باختصاص الوجوب بأول الوقت -[فـ] ذهب في ذلك إلى أن للوجوب حكم الأمر، والأمر قد وُجد في أول الوقت، فيثبت حكمه- دلَّ عليه أنه لو فعل في أول الوقت سقط عنه الواجب، والواجب إنما يسقط بفعل ما تناوله الإيجاب، فلولا أن الفعل في أول الوقت واجب لما سقط عنه بأدائه.
وأما من قال باختصاصه بآخر الوقت-[فـ] قال بأن الفعل في الوقت لو كان واجبًا لما جاز تركه، إذ الواجب ما لا يجوز الإخلال به.
وقوله بأنه يسقط الفرض، قلنا: ليس يمتنع أن يكون الفعل نفلًا ثم يسقط به الفرض، كالوضوء قبل الوقت: نفل، لأن الوضوء إنما يجب لأجل الصلاة، ولا صلاة عليه قبل الوقت. ومع هذا يسقط به الوضوء الواجب في الوقت بقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾. وكذا الزكاة قبل حولان الحول: نفل، يسقط به الفرض. ولا يقال بأن المفعول في أول الوقت لو كان نفلًا
стр. 103
ينبغي أن يؤدَّى بنية النفل، لأن هذه نية مطابقة لما عليه الفعل في نفسه، فكان أولى بالجواز، ولأنه لو كان نفلًا لكان لا يؤدَّى بأذان وإقامة كسائر النوافل، ولأنه لو كان نفلًا لم يكن الفعل في أول الوقت أولى من الفعل في آخره، كسائر النوافل. والإجماع انعقد على أن المغرب في أول الوقت أفضل.
لا يقال هذا، لأنَّا نقول:
أما الأول- قلنا: هذا باطل بأداء الزكاة قبل الحول، فإنه نفل، ومع هذا يؤدَّى بدون نية النفل، ولا يؤدى بنية النفل.
فإن قال: إنه إنما يجوز، بنية كونه نفلًا، زكاة- قلنا: عندنا يجوز أداء الظهر أيضًا بنية كونه ظهرًا نفلًا، فما الشناعة في هذا إلا كالشناعة ثَمَّ!
وأما الثاني- قلنا: كراهية الأداء بالأذان والإقامة، في النوافل المطلقة، دون النفل المسقط للفرض.
وأما الثالث- قلنا: النفل إذا كان مسقطًا يجوز تقديمه، كتعجيل الزكاة قبل تمام الحول عند شدة حاجة الفقراء.
على أنا نقول: هذه الأحكام، أحكام النفل المطلق، وهذا ليس بنفس مطلق، لأن النفل المطلق ما يجوز تركه وترك أمثاله، وهذا، إن جاز تركه، لا يجوز ترك أمثاله- هذا تقرير هذا الوجه.
стр. 104
إلا أنَّا نستدل على صحة ما ذهبنا إليه، فنقول: الوجوب يُستفاد بالأمر، والأمر تناول الوقت، ولم يتعرض لجزء من أجزائه مع استواء كل جزء منه لوقوع الفعل فيه، فيقتضي وجوب فعل له صورة مخصوصة في أي جزء كان- على ما ذكرنا في المسألة المتقدمة. الدليل عليه أن المصلحة تصير مستوفاة بالفعل في أول الوقت، والفعل في الثاني يسدَّ مسدَّ الفعل في الزمان الأول في استيفاء المصلحة حتى لا يلزمه شيء، إذ فعل في الزمان الثاني، فلو لم تصر المصلحة مستوفاة به، للزمه فعل آخر لاستيفاء المصلحة.
فإن قيل: إنما لا يلزمه فعل آخر باعتبار أن المصلحة قد فاتت بالعفل في الزمان الأول، لا لأن المصلحة صارت مستوفاة بالفعل في الزمن الثاني- قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان الفعل في الزمان الأول منهيًا عنه، لأن فيه تفويت مصلحة بحيث استيفاؤها وليس كذلك، بل الفعل في الأول قد يكون أولى، كما في [صلاة] المغرب.
فالحاصل أنه:
يقال للقائلين باختصاص الوجوب بآخر الوقت: إنه إذا فعل في أول الوقت لا يخلو: إما إن بقيت المصلحة في آخر الوقت، أو فاتت:
فإن بقيت- يجب أن يبقى الفعل في آخر الوقت واجبًا، وليس كذلك، بالإجماع.
وإن فاتت- يجب أن يكون الفعل في أول الوقت حرامًا، وليس كذلك، بالإجماع.
ويقال للقائلين باختصاص الوجوب بأول الوقت- ما الذي عنيتم بوجوب الفعل في أول الوقت؟
стр. 105
إن عنيتم: أنه يلزمه فعله في الحال ويمنع من تأخيره، فهو موضع النزاع.
وإن عنيتم: أنه مصلحة مُسْقطة للفرض، فهذا لا يمنع جواز تأخيره إلى بدل يسدّ مسدَّه.
ويقال للقائلين باختصاص الوجوب بكل الوقت- ما تعنون به؟
إن عنيتم: أنه يجب استغراق الوقت بفعل الواجب- فهذا باطل بالإجماع.
وإن عنيتم به: أن الفعل في كله وفي كل جزء منه واجب على البدل، فكل واحد منهما جهة في استيفاء المصلحة. وهو المذهب الذي ننصره.
وإذا قررنا الكلام على هذا الوجه- لا نحتاج إلى القول بكون الفعل مسقطًا للفرض، وإلى القول بالتوقف في المفعول في أول الوقت، وإلى كون العزم بدلًا عن الفعل- والله أعلم.
٢٤ - باب في: الأمر الموقت بوقت، هل يدل على غيجاب الفعل فيما عدا الوقت أم لا ؟
قال بعض أهل الأصول: إن الأمر الموقت بوقت لا يدل على غيجاب الفعل فيما عدا الوقت، سواء أطاع المكلف فيه أم عصى- وهو المختار. وهو اللائق بفروع أصحابنا، فإنهم وقفوا وجوب القضاء في الواجبات على أمر جديد.
وقال بعضهم: إن يدل عليه، والقضاء يجب بالأمر السابق.
وأصحاب الشافعي ﵀ ذكروا أن له قولين- أحدهما هذا، والثاني ما صرنا إليه.
دليلنا في ذلك: أن الأمر بالفعل في وقت، لا يتناول الفعل، فيما عدا الوقت. فإن السيد إذا قال لعبده: "صلِّ ركعتين يوم الجمعة هذا"،
стр. 106
لا يتعرض لما بعد الجمعة. وما لا يتناوله لا يدل على إثباته ونفيه. ولهذا لم يدل على استدعاء الفعل قبل الوقت، فصار نظير الأمر المقيد بالصفة: لا يتناول من لم يختص بتلك الصفة، فإن من قال لعبده: "اضرب من كان في الدار" لا يتناول من كان خارج الدار. وهذا الفقه، وهو أن وجوب الفعل يتبع اشتماله على وجه المصلحة، ولا يمنع أن يكون المصلحة في الفعل في هذا الوقت دون غيره، لأن المصالح تختلف باختلاف الأوقات، ولهذا اختصت الصلوات الخمس بأوقاتها وصوم رمضان بشهر رمضان، حتى لا يجوز تقديمها على الوقت، وإذا لم يعرف كون الفعل مصلحة في الوقت الثاني، بالأمر الأول، لا يمكن إيجابه به.
فإن قيل: ألسنا نعرف أن الله تعالى لو أمرنا بالتصدق بأيماننا، يجب علينا التصدق بشمائلنا إذا تعذَّر علينا التصدق بأيماننا- قلنا: لا نعرف ذلك إلا إذا دلَّ الدليل أن الغرض إيصال النفع إلى الفقير فقط، فنعرف جواز التصدق باليسرى بهذا الاعتبار، لا بالأمر.
وأما المخالف- فقد ذهب في ذلك إلى أن الأمر بالفعل في وقت أفاد شغل الذمة بالواجب، ففراغها بعد ذلك إنما يكون لحد أمرين: إما أداء الواجب، أو إسقاط من له الحق، وذهاب الوقت ليس من أحدهما من شيء، ولأن الفعل إذا وجب في وقت وامتنع العبد عن أدائه بقى في عهدة الواجب، فيحتاج إلى فعل آخر يخرجه عن العهدة، وذلك بالفعل فيما بعد الوقت.
والجواب:
- أما الأول- قلنا: الأمر أفاد شغل الذمة بالواجب موقتًا إلى انتهاء الوقت، فإذا انتهى الوقت، فات الواجب، وبقي الاثم بالعصيان.
- وأما الثاني- قلنا: إنما يخرجه عن العهدة بفعل يقوم مقامه في المصلحة الداعية إلى الإيجاب، والأمر لا يدل على كون الفعل بهذه الصفة بعد الوقت. على أن هذا إثبات موجب الأمر بالحاجة والقياس، وذا لا يجوز.
стр. 107
فإن قيل: إذا دل الدليل على إيجاب مثل ما أمر به الوقت- أيكون قضاء أم لا؟ قلنا: نعم إذا وجدت فيه شرائط القضاء:
- منها- أن يكون القضاء مثل ما فاته، ولهذا لا يكون بالصلاة قضاء عن الصوم ولا على [القُرَب].
- ومنها- أن يكون المقضي مأمورًا به- إذ لو لم يكن مأمورًا به [و] واجبًا، كان إيجابًا مبتدأ لا قضاء عنه.
- ومنها- أن يكون سبب وجوب القضاء فوات ما أمر به، فإن من فاته صوم يوم من رمضان فأدرك عدة من الأيام ولم يقض، ثم قضى، يكون قضاء عما فاته في رمضان، لا عما فاته في أيام أخر.
- ومنها- أن يكون القضاء مأمورًا به، لأنه إذا لم يكن مأمورًا به، بل [كان] نفلًا، فإذا فعله لا يكون قضاء عن شيء.
فإذا وجدت هذه الشرائط يكون قضاء، وإلا فلا- والله أعلم.
стр. 108
٢٥ - باب في: أن الآمر هل يدخل تحت الأمر أم لا ؟ :
اعلم بأن المخاطِب بالفعل لا يخلو: إما أن يكون آمرًا بنفسه، أو ناقلًا الأمر عن غيره:
(أ) فإن كان ناقلًا عن غيره- نظر في الخطاب:
إن كان الخطاب يتناوله- يدخل تحت الأمر.
وإن كان لا يتناوله- لا يدخل تحته.
مثال الأول- قول الواحد لجماعة: "إن فلانًا يأمرنا بكذا"- يدخل هو في الخطاب، لأنه تناوله.
ومثال الثاني- أن يقول "إن فلانًا يأمركم بكذا"- لا يدخل هو تحت الأمر، لأن الخطاب لم يتناوله، إلا إذا نقل خطاب الله وخطاب الرسول، فحينئذ يدخل هو تحت الأمر، لأن الأصل أن خطاب الشرع يتناول كل مكلَّف، إلا ما استثنى بدليل.
(ب) وإن أمره بنفسه- بأن يقول: "افعلوا" لا يدخل هو تحت المر، لأن فائدة الأمر الاتفاق على إيجاب ما تناوله الأمر، وإرادة المأمور به كما قاله البعض، وهذا حاصل له قبل الأمر، فلا يتحقق فائدة الأمر.
فإن قيل: لو قال قائل لنفسه "افعلي"، وأراد الفعل، أيكون ذلك أمرًا أم لا؟ - قلنا: لا، لأن من شرائط الأمر: علو رتبة القائل على رتبة المقول له، وكونه استدعاء للفعل- وهذا لا يتصور في هذه الصورة.
فإن قيل: أليس أن المخبِر يدخل تحت الخبر؟ قلنا: إن عنيتم أنه يخبر عن نفسه، فهو جائز، لأن الإنسان قد يتعلق غرضه بالإخبار عن حال نفسه، كما يتعلق غرضه بالإخبار عن حال غيره. وإن عنيتم به أنه مخبر لنفسه، فهذا غير جائز، لأن الإنسان لا يخفى عليه حال نفسه، فلا يستفيد بهذا الإخبار شيئًا.
стр. 109
٢٦ - باب في: الأوامر الواردة من النبي ﵇: هل هي متوجهة إلى من نشأ بعده من أهل الخطاب أم لا ؟ :
ذهب بعضهم إلى أنها لم تتوجه إليهم أصلًا، وإنما أمروا بأمثالها.
وذهب بعضهم إلى أنها متوجهة إليهم يومئذ والآن.
وذهب بعضهم إلى أنها تتوجه إليهم حال وجودهم واستكمال حالهم- وهو المختار على التفسير الصحيح.
- فمن قال بعدم توجهها إليهم اصلًا قال بأن وجود المخاطب، وكونه عاقلًا يفهم الخطاب- شرط، وهؤلاء لم يكونوا موجودين حالة الخطاب.
- ومن قال يتوجهها إليهم يومئذ والآن، قال: إن فهم بعض المخاطبين يكفي، وقد وجد.
ونحن نكشف الغطاء عن وجه الكلام- فنقول:
* إن عني، بكونها متوجهة إلينا: أنها دلت على إرادة الإيجاب وطلب الفعل منا عند وجودنا واستكمال حالنا، فهذا مما لا امتناع فيه، بل هو ثابت قطعًا، لأنا نعلم باضطراد أن أوامر الله تعالى وأوامر الرسول دالة على وجوب الشرائع على كل من يوجد من الأمة ويصير بصفة المكلفين.
* وإن عني به: أنها وقعت خطابًا شفاهًا، فالكلام فيه على التفصيل، فنقول:
- في أوامر الله تعالى: إنها وقعت خطابًا لنا، لكن لا في زمان النبي ﵇، بل عند وجودنا واستكمال حالنا، ولا امتناع في ذلك [إذ] أن صحة الخطاب يعتمد وجود المخاطِب والمخاطَب، والله تعالى موجود
стр. 110
لم يزل ولا يزال، ونحن موجودون الآن، وكلام الله تعالى أزلى لا يقبل العدم، فكان خطابًا لأهل كل عصر عند وجودهم واستكمال حالهم، والتغيير في المخاطَب، لا في المخاطِب والخطاب، وكل واحد منا مأمور بأوامر الله تعالى مخاطبًا بخطابه.
- فأما أوامر النبي ﵇: [فـ] متوجهة إلينا حال وجودنا، بالمعنى الأول، لا بالمعنى الثاني، لأنا لم نكن عقلاء حال وجودنا وحالة الخطاب، فالنبي ﵇ ليس في عالمنا، فلا يتصور منه خطابنا وأمرنا مشافهة، فصار كل واحد منا مأمورًا بأمر النبي ﵇ بنقل نَقَلة الشرع أوامره إلينا، ولم نصر مخاطبين من جهته مشافهة- والله أعلم.
٢٧ - باب في: أمر المعدوم:
جوَّزه قوم.
وأنكره آخرون.
ونحن نقول: الكلام فيه على التفصيل الذي مرَّ في المسألة المتقدمة:
- إن عني به كون الأمر دلالة على وجوب الفعل وطلبه من الشخص الذي يوجد ويستكمل شرائط التكليف- فهو جائز، وثابت.
следующие страницы →