Полный текст (696 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
والجواب- أن ظاهر اللفظ يقتضي أنه جمع صاغة بلده ومن عداهم، إلا أنه إنما يثبت ذلك لتعذر الجمع. وعلى أنا لنزمهم جواز الحمل على الكل وصلاحية الصرف إلى الكل، فإن عندهم جواز الحمل عليه غير ثابت مع احتمال اللفظ عندهم، فإن قالوا: إنما لم يثبت ذلك لقرينة، وهو تعذر الجمع- فنحن نجيبهم بمثل ذلك.
وشبهة أخرى: أن لام الجنس لو كان موضوعًا للاستغراق، لكان إذا استعمل في المعهود يكون مجازًا، لأنه استعمل في بعض الجنس، وحيث لم يكن مجازًا، علم أنه غير موضوع للاستغراق.
والجواب:
[الأول: ] إنما لم يكن ذلك مجازًا، لأن لام الجنس وضع في الأصل للتعريف، كما ذكرنا، فينصرف إلى ما السامع به أعرف. فإن كان هناك معهود فالسامع به أعرف، فانصرف إليه. وإن لم يكن هناك عهد كان السامع بالجنس أعرف، فانصرف إليه، وجرى هذا مجرى قول القائل "من عندك؟ " كان استفهامًا عن كل عاقل عنده: فإن كانوا كثرة كان استفهامًا عن الكل، وإن كانوا قلة كان استفهامًا عنهم، ولا يكون مجازًا- فكذا هذا.
فإن قيل: هذا يقتضي أن يكون هذا الاسم مشتركًا بين الجنس والمعهود- قلنا: إنما يكون مشتركًا إذا كان معناهما متباينًا مختلفًا، كما في اسم "العين" و"القرء"، و [هنا] معنى اللفظ في الموضعين واحد، وهو التعريف على ما مرَّ.
стр. 177
والثاني: لا يمنع أن يقال: إذا أريد به العهد، كان مجازًا فيه. لأنه لا يحمل عليه إلا بقرينة، وهي العهد بين المتخاطبين، وهذا أمارة المجاز. فأما الصرف إلى الجنس فلا يحتاج فيه إلى قرينة، بل عند الإطلاق والتجريد عن القرائن، ينصرف إليه.
[(٢) اسم الجمع المضاف بدون الألف واللام]:
هذا الكلام في الجمع المعرف بالألف واللام، وأما اسم الجمع المضاف بدون الألف واللام، كقول القائل "ضربت عبيد فلان" فإنه يقتضي الاستغراق أيضًا. بدلالة صحة تأكيده بكلمة "كل" و"جميع" بأن يقول "ضربت كل عبيدك" و"جميعهم"، بدلالة صحة الاستثناء على ما قررنا. ولأن الإضافة للتعريف كلام الجنس، فيفيد ما أفاده لام الجنس.
وأما الثاني:
وهو اسم الفرد المعرف بالألف واللام، كقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ﴾ .
ذهب بعضهم الفقهاء وجماعة من المتكلمين إلى أنه يقتضي الاستغراق.
وقال بعضهم: يتناول الواحد إلا عند قرينة الاستغراق.
стр. 178
دليلنا في ذلك ما ذكرنا: أن اللام إذا دخل في الاسم يصير اسم معرفة، فيجب تحقيق معنى المعرفة فيه، وذلك بالصرف إلى الجنس. فأما الواحد من الجنس، [فـ] غير معلوم، فلا يصرف إليه.
فإن قيل: اللام إن كان للتعريف، ورعاية معنى التعريف واجب، فالاسم في نفسه مفرد، فرعاية معنى الفردية واجب، فلم كان ما ذكرتم أولى؟ قلنا: في الصرف إلى الجنس تحقيق معنى المعرفة من كل وجه، وتحقيق معنى الفردية من وجه، لأن الجنس بالإضافة إلى سائر الأجناس فرد، وفي الصرف إلى الفرد تحقيق معنى الفردية من كل وجه. وتعطيل معنى المعرفة من كل وجه، فكان ما قلناه أولى.
ومما يدل على أنه للاستغراق ما حكى عن جعفر بن محمد بن مزاحم أنه سُئل عن اسم الفرد المعرف باللام [فـ] قال: هو اللاستغراق، فطولب بالدليل [فـ] قال: عليه اتفاق أهل اللغة، فكان هذا نقلًا عن أئمة اللغة: أنه للاستغراق، فيثبت كونه موضوعًا له.
وأما المخالف- فقد احتج بأن قال: هذه اللفظة لا يجوز أن تنعت بلفظة الجمع، فإنه لا يقال "رأيت الرجل كلهم" و"رأيت الإنسان أجمعين"، ولو كانت موضوعة للاستغراق لجاز أن تنعت بكلمة "كل" و"جميع"، ككلمة "من" في المجازاة والاستفهام، ولا يجوز استثناء الجمع منه، ولو كانت هذه الصيغة للاستغراق لصح ذلك منه، كما في "من" والجمع المعرف باللام.
والجواب- قلنا: هذا اللفظ ينعت بالجمع، فإنه يقال: "أهلك الناسَ
стр. 179
الدينار الصفر والدرهم البيض": نعتوه بنعت الجمع. وكذا استثناء الجمع منه صحيح، وهو موجود في القرآن: قال الله تعالى: ﴿إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ - فالاستثناء والنعت بالجمع صحيح في نفسه، إلا أن الناس لم يتعارفوا ذلك، لأنه استثناء الجمع من الفرد لفظًا، ونعت اللفظ الفرد وتأكيده بلفظ الجمع، لا أنه غير صحيح في نفسه.
٤١ - [باب في: الجمع المنكر]:
وأما الجمع المنكر العاري عن الإضافة والألف واللام، كقولنا: "رأيت رجالًا":
[فـ] قال بعضهم: يقتضي الاستغراق.
وقال بعضهم: يتناول الثلاث فصاعدًا إذا تجرد عن قرينة الاستغراق.
والدلالة على ذلك أن قوله: "رأيت رجالًا": هذا اسم جمع، بدليل أنك ترتقي من التثنية إليه، فتقول: "رجل" و"رجلان" و"رجال ثلاثة"، ومعنى الجمع ثابت في الثلاث، كمن قيل له: "اضرب رجالًا" فأتى ثلاثة من الرجال فضربهم، فقد فعل ما يوصف بأنه ضارب رجالًا، فصار ممتثلًا
стр. 180
للأمر، كمن قيل له: "ادخل الدار" فإذا دخل من الدار في أولها ولحقه اسم داخل الدار، صار ممتثلًا- كذا هذا.
وأما من حمله على الاستغراق-[فـ] قال بأن الاستغراق فائدة هذا اللفظ في الجملة، بدليل أنه جاز أن يراد به الاستغراق، ولأنه للجمع، ومعنى الجمع ثابت في الثلاث وفي الكل- فيحمل على الاستغرق، حملًا له على جميع فوائده.
والجواب: لم قلتم بأن حمل اللفظ على جميع فوائده واجب؟ وما أنكرتم أنه يحمل على أقل حقيقته وفوائده، لأنه متيقن، وما زاد على ذلك مشكوك فيه.
وأما قوله: "افعلوا" و"اضربوا" ونحو ذلك- قال بعضهم: إنه على الخلاف. والصحيح أن يقال: هذا اللفظ لا بد أن يتقدمه اسم أو ما يجرى مجرى الاسم، كالإشارة للحاضرين، لأنه لا يفيد بدونه. فإن تقدمه اسم يستغرق، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، أو إشارة إلى الكل- حمل عليه، وإن كان ما تقدمه من الاسم أو الإشارة غير مستغرق، لا يحمل عليه.
والله أعلم.
٤٢ - باب في: أن أقل الجمع: ما هو ؟ :
اعلم أن الباب مشتمل على مسألتين:
إحداهما- إن قولنا "جمع"- ما الذي يفيده: في اللغة، والعرف؟
والثانية- إن الألفاظ التي توصف بأنها جمع- ماذا تفيده؟
стр. 181
أما الأولى:
فقولنا "جمع" من جهة اللغة: الاشتقاق يفيد ضم شيء إلى شيء، لأنه مأخوذ من الاجتماع، وهو الانضمام لغة.
وأما [في] عرف أهل اللسان: [فـ] يفيد ألفاظًا مخصوصة، وما ارتقيت من التثنية إليه، كالرجال والنساء والدواب.
وأما الثانية:
وهو أن الألفاظ التي توصف بأنها جمع- هل تفيد الاثنين على الحقيقة أم لا؟
ذهب الأكثرون إلى أنها لا تفيد ذلك.
وذهب البعض إلى أنها تفيد، وهي حقيقة في الاثنين فصاعدًا.
دليلنا في ذلك -أن الجمع ينعت بالثلاث، والثلاث ينعت بالجمع، ولا ينعت الجمع بالاثنين ولا الاثنين بالجمع- يقال: رجال ثلاثة وثلاثة رجال، ولا يقال: رجال اثنان واثنان رجال، فلو كان حقيقة في الاثنين لكان ينعت به، كما ينعت بالثلاث.
دليل آخر- إن الجمع اختص بألفاظ على حدة، في المصرح والكتابة- يقال: "رجل" و"له" و"لك". و"رجلان" و"لهما" و"لكما". و"رجال" و"لهم" و"لكم"- فكما لا يكون الواحد جماعة، لا يكون الاثنان جماعة، تحقيقًا لتغاير المعاني عند تغاير الألفاظ والأسامي.
стр. 182
وأما المخالف- فقد احتج بالاشتقاق والاستعمال:
أما الاشتقاق- فهو أن الجمع مأخوذ من الاجتماع والانضمام، وهو حاصل في الاثنين، كما أنه حاصل في الثلاث.
وأما الاستعمال- فهو قوله تعالى: ﴿ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿وكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. وقال تعالى لموسى وهارون: ﴿إنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ وهما يوسف وأخوه. دلَّ عليه قوله ﵇: "اثنان فما فوقهما جماعة" أخبر أن الاثنين جمع.
والجواب:
أما الاشتقاق- قلنا: الجمع مأخوذ من اجتماع خلص، وهو اجتماع الثلاث، وموضوع له، لا لمطلق الاجتماع لما ذكرنا، وهذا لا يوجد في الاثنين.
وأما الاستعمال- قلنا: أولًا: لا نسلم بأن لفظ الجمع في هذه المواضع استعمل في الاثنين، بل في الثلاث وما فوقه.
وأما قوله تعالى: ﴿وكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي حكمهما مع الجمع المحكوم عليهم. وقوله تعالى: ﴿إنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ يعني موسى وهارون
стр. 183
وفرعون وقومه. وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أراد يوسف وأخاه والأخ الأكبر الذي تخلف عن الإخوة.
والثاني: إن أريد به الاثنان، فهو مجاز، بدليل ما ذكرنا.
وأما الحديث- فمحمول على أن حكمهما حكم الجماعة في انعقاد الصلاة بجماعة وانعقاد الجمعة بهما عند بعض العلماء. [و] المارد من الحديث بيان الحكم الشرعي لا بيان الاسم اللغوي. والخلاف في: الاثنين هل يفيدهما اسم الجمع، في موضوع اللغة، أم لا؟ . والله أعلم.
٤٣ - باب في: أن نفي مساواة الشيء الشيء- هل يقتضي نفي اشتراكهما في جميع الصفات أم لا ؟ :
عندنا: لا يقتضي ذلك.
وعند أصحاب الشافعي ﵀: أن [النفي] يقتضي ذلك.
فإنهم استدلوا بقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾ على نفي قتل المسلم بالذمي. وقالوا: لو قُتل المسلم بالذمي كما يقتل الذمي بالمسلم، كان فيه تسوية بينهما، مع أن أحدهما من أصحاب الجنة والآخر من أصحاب النار، والآية تمنع ذلك.
وإنا نقول: الاستواء بين الشيئين اشتراكهما في جميع الصفات.
стр. 184
فاستواؤهما اشتراكهما في الطول والمقدار .... [فإن] افترقا في بعض الصفات، فما استويا في جميع الصفات، فاستقام أن يقال ما استويا.
ونحن نقول بأن بين المسلم واذمي افترقا في كثير من الصفات، فلا يلزم إثبات الافتراق في أمور القصاص.
فإن قيل: هلَّا قلتم: إن المراد من قوله: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾ هو نفي اشتراكهما في صفة من الصفات، وهو كقوله: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة في صفة من الصفات، ولو قال ذلك يقتضي افتراقهما في جميع الصفات، فكذا هذا- قلنا: نفي الاستواء علق بأصحاب النار وأصحاب الجنة، فيقتضي نفي اشتراكهما في جميع الصفات، وإذا افترقا في بعض الصفات [فـ] ما اشتركا في جميع الصفات، فلا يلزم إثبات الافتراق في حق القصاص، وإنما يلزم ذلك إن علق نفي الاستواء بصفة من الصفات، وليس في ذلك ذكر الصفة.
والله أعلم.
٤٤ - باب في: أن خطاب الذكور- هل يتناول الإناث أم لا ؟ :
اعلم أن الخطاب أنواع:
منها- ما يختص الذكور ولا يتناول الإناث، كقولنا: "رجال".
ومنها- ما يخص الإناث ولا يتناول الذكور، كقولنا: "نساء".
стр. 185
ومنها- ما يستعمل في الذكور والإناث، وذلك ضربان:
أحدهما- ما لا يتبين فيه وجه التذكير والتأنيث، ككلمة "من"- فهذا يتناول كل عاقل، كرًا أو أنثى.
والآخر- ما يتبين فيه وجه التذكير والتأنيث، كقولنا "المسلمون" و"المسلمات" و"قاموا" و"قمن".
وأجمعوا أن ما يتبين فيه وجه التأنيث لا يتناول الذكور.
وأما الوجه الذي يتبين فيه وجه التذكير- اختلفوا فيه: أنه هل يتناول الإناث أم لا؟ .
فالأكثرون على أنه لا يتناولهن إلا إذا اقترنت به قرينة الإرادة.
وقال بعضهم: يتناولهن.
والدليل على صحة المذهب الأول- أن للذكور جمعًا ينفصل عن الإناث، وللإناث جمعًا ينفصل عن الذكور، فلا يجوز أن يدخل احدهما في الآخر، ولهذا لم يدخل الذكور في جمع الإناث، فكذا الإناث لا يدخلن في جمع الذكور.
ودليل آخر- أن الجمع تضعيف الواحد، ولو قال "قام" يتناول الذكر خاصة دون الأنثى. فكذلك لفظ الجمع، لنها لا تقتضي إلا تضعيف فائدته. وقد استدل في ذلك بأن النساء شكون إلى رسول الله ﷺ وقلن: "لا نجد الله يخاطنا في كتابه" فنزل قوله تعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ﴾،
стр. 186
ولو كان خطاب الذكور يتناولهن، لم يكن لشكايتهن معنى. إلا أن لقائل أن يقول: إن شكايتهن لأنهن لم يفردن بخطاب، تشريفًا لهن، لأن ذلك لا يحصل بدخولهن تحت خطاب الرجال تبعًا.
وأما المخالف- فقد احتج في ذلك بأن خطابات الشرع تتناولهن، بدليل وجوب الشرائع عليهن، مع أنهن لم يفردن بالذكر. فلو لم يتناولهن خاطب الذكور لما وجب عليهن كذلك.
والجواب: أنهن أفردن ببعض خطاب الشرع نحو قوله تعالى: ﴿وأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ﴾ و ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي﴾، وقوله تعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ﴾، وفيما لم يفردن ثبت الحكم ي حقهن بخطاب الذكور بقرائن اقترنت بها لا بحكم الوضع.
وشبهة أخرى: إن العرب قالوا: إذا اجتمع التذكير والتأنيث غلب التذكير على التأنيث، وهذا يقتضي أنهما إذا اجتمعا كان الاسم الموضوع لهما لفظة التذكير.
والجواب: إن المراد به: أنهما إذا اجتمعا وأراد المتكلم أن يعبر عنهما، يجب أن يعبر بلفظة التذكير دون التأنيث.
стр. 187
٤٥ - باب في: أن العبد هل يدخل تحت الخطاب بالعبادات أم لا ؟ :
اعلم بأن العبد داخل تحت الخطاب الشامل بالعبادات، ولا يخرج عنه إلا لمانع، وهو أن تكون العبادة ما تترتب على ملك المال. فإنه لا يدخل تحت الخطاب بها. لأن ذلك لا يصح منه. فأما ما سوى ذلك فالخطاب شامل، وهو أهل للخطاب، ولا مانع منه، فيدخل فيه.
فإن قيل: هلا كان المانع من دخوله تحت الخطاب بالعبادات هو ما يثبت من وجوب خدمته لسيده في الأوقات التي يستخدمه، لأن ذلك يمنع اشتغاله بالعبادة؟ - قلنا: إنما يلزمه خدمة سيده إذا فرغ من أدائها، أما قبل الفراغ منه، [فـ] لا يلزمه ذلك، فلا يكون مانعًا له.
فإن قيل: الدليل الدال على وجوب خدمته لسيده في حكم العام، وهو الملك -فلم كان جعل هذا الدليل مخصوصًا بما دل على وجوب العبادات، أولى من جعل ما دل على وجوب العبادات مخصوصًا به؟ - قلنا: الدليل الذي دل على وجوب خدمته لسيده عام، والدليل الذي دل على وجوب العبادات خاص، لأن كل عبادة يتناولها نص خاص، كآية الصلاة وآية الصيام ونحو ذلك، ومن حق الخاص أن يقضي على العام لما نذكره.
فإن قيل: كما أن الدليل على وجوب الخدمة لسيده عام بالإضافة إلى الأحوال والأوقات، فالدليل المقتضي لوجوب العبادة عام بالإضافة إلى الأشخاص،
стр. 188
أعني الحرار والعبيد، فلم كان تخصيص العام في حق الأحوال أولى من تخصيص العام في حق الأشخاص- قلنا: التخصيص إخراج ما دل اللفظ على كونه مرادًا من أن يكون مرادًا، واللفظ الشامل للأشخاص أقوى في الدلالة على المراد، لأنه يصرح بذلك الأشخاص، فأما العام في حق الأوقات والأحوال [فـ] لم يذكر فيها الأوقات والأحوال، فكان تخصيص الدليل الموجب لخدمة السيد في الأوقات وحمله على حال فراغه من العبادات، أولى من إخراج أشخاص العبيد عن دليل وجوب العبادات على كل الأشخاص.
٤٦ - باب في: أن الكافر هل يخرج عن الخطاب بالشرعيات أم لا ؟ :
حكى عن الشيخ أبي الحسن الكرخي ﵀ أن الكافر داخل تحت الخطابات الشاملة للعبادات والشرعيات- وهو مذهب جماعة من الفقهاء وبعض المتكلمين. وقيل: هو مذهب الشافعي ﵀.
وذهب بعض الفقهاء وبعض المتكلمين إلى انه غير داخل فيه. وقيل: وهو مذهب أصحابنا.
ولم ينقل في هذه المسألة نص عن أصحابنا المتقدمين ﵏، إلا أن مشايخنا المتأخرين ﵏ خرجوها بناء على تفريعاتهم: فإن محمدًا رحمه الله
стр. 189
قال في كتاب المناسك: إن الكافر إذا دخل مكة ثم أسلم فأحرم وحج لا يلزمه دم ترك الوقت، لأن ذلك ليس عليه. وقال في كتاب الصوم: إن الكافر إذا كان له عبد مسلم فمرَّ عليه. وقال في كتاب الصوم: إن الكافر إذا كان له عبد مسلم فمرَّ عليه يوم الفطر لا يلزمه صدقة فطره، قال: لأن ذلك ليس عليه. وقال في كتاب النكاح: إن المسلم إذا كان تحته امرأة نصرانية عادتها في الحيض دون العشرة فانقطع الدم على عادتها، يحل له وطؤها قبل الاغتسال وقبل أن يمضي عليها وقت الصلاة، بخلاف المسلمة، قال: لأن ذلك ليس عليها- وهذا يدل على أن مذهبهم ما ذكرنا.
стр. 190
وثمرة الخلاف هي العقاب على تركها فقط، فإن الأمة أجمعت على أن الكافر إذا أتى بهذه العبادات لا يثاب عليها، ولو لم يأت بها حتى أسلم، لا يجب عليه القضاء.
دليلنا في ذلك- أن الكافر لو كُلِّف أداء هذه العبادات: إما أن يكلف أداءها مضافًا للكفر، أو بواسطة ترك الكفر والإتيان بالإسلام، على مثال الجنب: يكلف أداء الصلاة بواسطة الغسل:
لا وجه الأول- لأنه لا يتصور أداؤها مضافًا للكفر، ولو أدى صورها لا يُقبل منه.
ولا وجه إلى الثاني- لوجهين:
أحدهما- أنهي صير الإسلام شرطًا لأداء العبادة، وشرط الشيء تبع له كالوضوء للصلاة، ولا يجوز أن يكون الإسلام تبعًا لغيره في الوجوب والفرض. إلا أن هذا الوجه غير صحيح، غذ ليس من ضرورة كون الشيء شرطًا لوجوب شيء أن يكون تبعًا له- ألا ترى أن الإيمان بالله تعالى والإقرار بوحدانيته شرط لأداء الإيمان بالرسل وتصديقهم، ولا يتصور الإيمان بالرسل وتصديقهم إلا بعد الإيمان بالله تعالى، وليس لأحد أن يقول: إن الإيمان بالله تبع الإيمان بالرسل، فكذا هذا.
والوجه الثاني- وهو الصحيح، أن وجوب هذه العبادات لا تبقى بعد الإسلام بل تسقط، فإن منع، نستدل بالكتاب والسنة والإجماع:
стр. 191
أما الكتاب- فقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾. وأما السنة- فقوله ﵇: "الإسلام يجبٌّ ما قبله" أي يقطع ويسقط. وأما الإجماع- فلأن الأمة أجمعت على ترك الأمر للكافر الذي أسلم بقضاء العبادات الفائتة حال الكفر، وإذا سقط الواجب بالإسلام، كيف يكون الإسلام شرطًا لأدائه- هذا معنى قول مشايخنا: يستحيل أن يكلف الإنسان يفعل لو أتى به لا يقبل منه، وإذا صار بحال لا يقبل يسقط عنه ولا يكلف، وبهذا فارق تكليف الجنب بالصلاة: فإنه يكلف أداء الصلاة بواسطة الغسل، وإذا اغتسل تصح منه الصلاة ولا تسقط عنه.
فإن قيل: أثر هذا الوجوب ليس في استحقاق الثواب على الفعل ليشترط إمكان أداء الفعل، بل أثره في استحقاق العقاب على من له الترك، والترك ممكن بأن لا يسلم ولا يأتي بهذه العبادات- قلنا:
[أولًا]- التكليف والإيجاب طلب تحصيل الفعل، ولا يجوز طلب تحصيل الفعل لغرض يرجع إلى ان لاي فعل ولا يتحقق في فعله غرض، بل لا يتصور ذلك.
والثاني- إن استحقاق العقاب على الترك أو على أن لا يأتي بالفعل، إنما يصح إذا كان يمكنه أن يأتي به وأن يترك، حتى يكون الأمر الذي يتعلق به استحقاق اللوم والعقاب متعلقًا باختياره، فإذا كان بحال لا يتمكن من الفعل أصلًا، لأن كون الترك وعدم الفعل باختياره، فكيف يعاقب ويلام عليه؟
وقد استدل في المسألة بحديث معاذ ﵁: أن النبي ﵇ لمَّا بعثه إلى اليمن فقال له: "إذا أتيتهم فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله،
стр. 192
فإن أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة"- علق فرضية الصلاة بالإسلام، والمعلق بالشرط عَدَمٌ قبل وجود الشرط، لما مر في الأبواب المتقدمة. إلا أن لقائل أني قول: الحديث لا يقتضي تعليق فرضية الصلاة بالإسلام، بل تعلق الأمر بالإعلام بفرضية الصلاة، ويجوز أن تكون الصلاة فرضًا في حقهم ولا يجب على الرسول ولا على رسوله الإعلام به قبل الإسلام، لعدم الفائدة في ذلك.
وقد استدل في المسألة بقوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله": أنهى إباحة القتال إلى وجود الإيمان، ولم يذكر الشرائع، ولو كان التكليف بها ثابتًا في حقهم لوجب عليهم قبولها، كما يجب قبول الإيمان، ودخل في كونه غاية للقتال. إلا أن لقائل أن يقول: إباحة القتال ليس حكم فرضية الإيمان، بل هو حكم الأمر للنبي ﵇ بإظهاره والدعاء إليه بأبلغ الوجوه. فأما الشرائع، وإن كانت فرضًا عليهم، فالنبي ﵇ غير مأمور بإظهارها والدعاء إليها قبل الإيمان، فإنما لم يدخل في كونه غاية للقتال لهذا.
وقد استدل في المسألة بامتناع القضاء: فإنا أجمعنا على أنه لو ترك العبادات لا يكلف بالقضاء، ولو كان فرضًا لكلف بالقضاء. إلا أن لقائل أن يقول: القضاء يجب بأمر جديد، لما عرف، فعدم ورود الأمر بالقضاء بأمر جديد لا يدل على عدم الفرضية بالدليل السابق.
وقد استدل في المسألة بأن التكليف بالفعل إنما يصح إذا كان للمكلف سبيل إلى العلم بكونه مكلفًا، [إذ] لولا ذلك لكان تكليف ما ليس في الوسع، والكافر مع إصراره على الكفر واعتقاده له، لا سبيل له إلى العلم بالتكليف
стр. 193
بالشرائع، فلا يكون مكلفًا بها. إلا أن لقائل أن يقول: هذا باطل، بوجوب الإيمان بالرسل وتصديقهم، فإنه لا يتصور العلم به مع إنكار الصانع والإصرار عليه، وكل كافر يكلف بالإيمان بالله، وبتصديق رسله قبل الإيمان بالله- فإن قال بأن ثمة طريق العلم قائم بأن ينظر في الدليل فيعرف الله تعالى ويعرف صدق رسله والتكليف بالإيمان بهم- فنقول له: طريق العلم ههنا قائم وهو تقديم الإسلام والنظر في الدلائل.
وأما المخالف فقد احتج في المسألة بأشياء:
منها- أن النصوص الشاملة للعبادات، عامة في حق المسلم والكافر جميعًا، نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾، ولفظة الناس تتناول المسلم والكافر جميعًا.
والجواب: أما النص [الأول]- قلنا: هو عام في حق الأشخاص، أما ليس [بـ] عام في حق الأفعال، فإن قوله: ﴿اعْبُدُوا﴾ لا يتناول كل العبادات، بل يتناول ما يسمى عبادة. ونحن نقول بوجوب رأس العبادات على الكافر وهو الإيمان بالله تعالى، وحملناه عليه بدليل ما ذكرنا.
وأما النص الثاني فهو مشروط بالاستطاعة بقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً﴾ والكافر غير مستطيع على ما مر.
стр. 194
ومنها- أن أثر الوجوب استحقاق العقاب على الترك، وهو ثابت:
- بقوله تعالى: ﴿ ... يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾: بين أن دخول النار بسبب ترك الصلاة والزكاة. ثم هذا، إن كان إخبارًا عن قول الكفار، وقولهم ليس بحجة، لكن الله تعالى ذكره ولم يعقبه بالإنكار، والحكيم إذا حكى خبرًا عن غيره ولم يعقبه بالإنكار كان تقريرًا لذلك منه.
- وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾، وهذا ذمُّ على ترك الصلاة.
والجواب:
- أما النص الأول-فالجواب عن الاستدلال به من وجوه:
أحدها أن المراد من قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ أي من جملة من يصلي، وهم المؤمنون: حملناه على هذا بدليل ما ذكرنا.
والثاني- يحتمل أن المراد منه المرتدون الذين أضاعوا الصلاة والزكاة حالة الإسلام ثم ارتدوا وماتوا- حملناه عليه بما ذكرنا.
والثالث- أن هذا إخبار عن قول الكفار، وقولهم ليس بحجة.
- قوله: بأنه لم يعقبه بالإنكار- قلنا: لا نسلم، بل عقبه بالإنكار عليهم على لسان نبيه إن لم يذكره في القرآن، فإنه روى في المشاهير: (أنهم إذا قالوا:
-
стр. 195
لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، قال لهم خزنة جهنم: كذبتم، فإن من الإنسان من لم يصل وليس معكم هنا، فقالوا: لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، قال لهم الخزنة: كذبتم، فإن من الإنسان من لم يؤد الزكاة وليس معكم هنا، فقالوا: وكنا نخوض مع الخاضئين، وكنا نكذب بيوم الدين، فقالت الخزنة: صدقتم) - وإذا قوبل بالتكذيب لا يبقى حجة.
- وأما النص الثاني- فالمراد منه قبول الزكاة بالإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي يقبلوا- حملناه عليه بدليل ما ذكرنا.
ومنها- استدلالهم بالخطاب بالحدود والعقوبات، فإنها متناولة لهم، وكذلك بالمبادات.
والجواب:
ما المعنى بقولك: "إن الكافر مخاطب بالحدود؟ " [هل] عنيت به أنه يجب عليه التمكين من اللإقامة؟ أو عنيت به أنه إذا زنى أو شرب فالإمام يقيم عليه الحد جبرًا؟ :
إن عني الأول- قلنا: في ذلك وجهان: أحدهما- أنه لا يجب عليه ذلك، وهو غير مكلف بشيء، أما الإمام [ف] مكلف بأن يقيم عليه ذلك جبرًا، بقوله تعالي: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ﴿هذا خطاب الأئمة دون الزاني والسارق.
стр. 196
والثاني- أنه وجب عليه ذلك بحكم قبول الأمان وعقد الذمة، لا بخطاب الشرع ابتداء.
إن عنيت به الثاني- فهذا لا يكون خطابًا للكافر بشيء، والكلام فيه.
فإن قيل: إنما يجب على الإمام إقامة الحد على الزاني والسارق إذا وقع ذلك منه حرامًا وقبيحًا، وذلك بمقتضى توجه الخطاب إليه- قلنا: بعض هذه الأفعال مما هو قبيح عقلًا، كالسرقة والغضب والظلم ونحوها. وبعضها يعرف قبحها بتحريم الشرع، وخطاب التحريم متناول للكافر لأنه يمكنه الامتثال، لأن التحريم والنهي طلب الانتهاء، والكافر يمكنه الانتهاء عن القبيح مضافًا للكفر، وبعد الإسلام، بأن لا يزني ولا يسرق، أما الإتيان بالعبادة فهو غير ممكن له، لا مضافًا للكفر ولا بعد الإسلام لما مر.
стр. 197
٧
باب الخصوص
٤٧ - [تعريفات]:
اعلم أن هنا ألفاظًا لابد من معرفة معانيها، وذلك قولنا "خاص"، و "مخصوص به"، ووصفا المتكلم بكونه "مُخَصِّصّا"- فنبين معاني هذه الألفاظ، ونبين الفرق بين التخصيص والنسخ.
- أما وصفنا الخطاب بأنه "خاص"- فيفيد أنه متناول لشيء واحد كقولنا: "بغداد" و "كوفه" ونحو ذلك.
- و "الخصوص"- عبارة عن كون الخطاب متناولًا لشيء واحد.
- وأما وصفنا الخطاب بأنه "مخصوص"- فمعناه أن المراد به بعض فوائده، وإنما كان مقصورًا على بعض فوائده إذا أريد بعض فوائده.
- وأما وصفنا المتكلم بأنه "مخصص"- فإنه يُستعمل بطريق الحقيقة، والمجاز. فمعناه بطريق الحقيقة أن يجعل الخطاب خاصًا، وإنما يكون كذلك إذا أريد به بعض فوائده. ومعناه بطريق المجاز هو أن يدل على التخصيص أو اعتقد تخصيصه.
- وأما الفرق بين التخصيص والنسخ- فهو أن: التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ فعلًا أو فاعلًا أو زمانًا، بدليل مقارن. والنسخ إخراج بعض
стр. 198
ما تناوله أو كل ما تناوله بدليل متراخٍ. مثاله أن يقول: "صلوا كل يوم صلوات"- فهذا عام في الفاعلين والفعل والزمان، فإذا قال متصلًا به: "إلا زيدا لا يفعل" أو "لا تصلوا في الجمعة الفلاني" أو "لا تصلوا الصلاة السادسة"، مقارنًا للخطاب، كان تخصيصًا. وإذا قال ذلك متراخيًا عنه، كان نسخّا.
إذا عرفنا هذه الجملة، [ف] لابد من: بيان ما يجوز تخصيصه، وما لا يجوز- فنقول:
الخطاب نوعان: أحدهما ليس فيه معنى الشمول، والآخر فيه معنى الشمول.
- فالأول- لا يجوز تخصيصه، بل لا يتصور تخصيصه، لأن التخصيص إخراج جزء ما تناوله اللفظ، فمتى لم يكن له جزء لا يتصور تخصيصه.
- والثاني- على ضربين: أحدهما- أن يكون اللفظ عامًا في نفسه، كالمشركين وغيره. والثاني- أن يكون اللفظ خاصًّا في عين وقضيته عامة، بأن دل الدليل على تعدي حكمه إلى غيره.
• فالأول- يجوز تخصيصه، لأنه متى تناول أشياء [فإنه] يمكن إخراج جزء منه.
• والثاني على ضربين:
أحدهما- أن يكون عموم حكمه بفحوى القول، ويفيد الحكم في غيره بطريق الأولى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾.
والثاني- أن يكون حكمه معلولّا بعلة تتعدى.
стр. 199
فالأول- لا يجوز تخصيصه مع بقاء الأصل، لأنه لو خص الضرب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وأبيح مع حظر التأفيف، لكان ما أبيح شارك المحظور في علة الحظر وزاد عليه، فيؤدي إلى التناقض.
والثاني- هو تخصيص العلة الشرعية، واختلف فيه أهل الأصول-[ف] نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
٤٨ - باب ما ينتهي إليه التخصيص من الغاية:
قال بعض أهل الأصول: إنه يجوز تخصيص كلمة " من" إلى الواحد، ولا يجوز ذلك في ألفاظ الجمع العامة، كقولنا: " الرجال" و"النساء" ونهاية التخصيص فيها إلى الثلاث.
وقال بعضهم: يجوز تخصيص جميع الألفاظ العامة مع اختلافها إلى أن يبقى تحتها واحد.
والصحيح من المذهب أن نقول:
- إن عنى بهذا الجواز صحة الكلام، في مخرجه على موجب اللغة، فهو ثابت إلى الواحد، لأنه يجوز أن يراد باللفظ الموضوع للكل بعضه، وليس بعض بأولى من بعض.
- وإن عني به الحُسن في الاستعمال عرفّا، فيمنع من ذلك في جميع الألفاظ العامة ويوجب أن يراد بها الأكثر، وإن كان لا يقدر ذلك بتقدير.
والدليل عليه أن قائلّا لو قال: "أكلت جميع ما في الدار من الرمان" وفيها
стр. 200
ألف رمانة وكان قد أكل رمانة أو رمانتين أو ثلاثة، عابة أهل اللغة ولاموه على ذلك، وإنما يزول اللوم عنه أن لو أكل جمعية أو أكثره وإن كان لا يحد. وكذلك إذا قال: "أكلت الرمان الذي في الدار" أو قال: "أكلت الرمان"- إلا أن يريد به الجنس كما يقال: "أكل المريض اللحم" وإن كان قد أكل منه شيئًا يسيرّا، لكن المراد منه أنه شرع في أكل اللحم. وكذلك إذا قال: "من عندك؟ " أو قال: "من دخل داري ضربته" ثم يقول: "عنيت به زيداّ"- عابه أهل اللغة على ذلك.
قيل: لو امتنع استعمال لفظ العموم في الواحد، لكان إنما يمتنع لأنه استعمل في غير ما وضع له. وهذا إن كان يمنع من استعماله في الواحد [فإنه] يمنع من استعماله في الكثير- قلنا: ليس المانع من جواز ذلك ما ذكرتم، بل المانع أن أهل اللغة لم يستعملوا لفظ العموم في الواحد.
وأما المخالف- فقد احتج في المسألة بالاستعمال- قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ومنزل الذكر هو الله تعالى، وإنه واحد لا شريك له. وقال الشاعر: "إنا وما أُعني سواي ناسا". وروى عن عمر ﵁ أنه أنفذ إلى سعد بن أبي وقاص بقعقاع مع ألف فارس ثم كتب
стр. 201
إليه فقال: " أنفذت إليك ألفى فارس": سمي قعقاع ألف فارس- فإذا جاز ذلك في ألفاظ العدد، جاز ذلك في الألفاظ العامة.
والجواب- أن ذلك خرج مخرج التعظيم، ولإبانة أن الواحد يقوم مقام الجماعة، ونحن نجوز ذلك، ولا كلام فه، إنما الكلام في استعمال لفظ العموم في الواحد على هذا الوجه- والله أعلم.
٤٩ - باب في: استعمال لفظة العموم في الخصوص:
حكي عن بعضهم أنهم منعوا من جواز استعمال ذلك في الخبر، وجوزوا في الأمر والنهي، فقالوا: لو جاز ذلك في الخبر، أدى إلى توهيم الكذب، والحكمة تمنع من التكلم بمثله. ولأنه لا يجوز نسخة، فلا يجوز تخصيصه، لأنه بمعنى النسخ.
وعندنا: لا فرق في جواز ذلك في الكل.
والدلالة على جوازه ورود القرآن به- قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾
стр. 202
وأهل الذمة غير مراد [ين]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهو لا يوصف بالقدرة على ذاته وصفاته مع إطلاق اسم الشيء عليه. وقال تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مع أنها لم تُؤت من كل شيء. ورُوى عن النبي ﵇: أنه كان لا يدخل بيتا فيه تصاوير وكان يقول: "إن الملائكة لا تدخل بيتّا فيه تصاوير" ثم دخل بيتّا فه تصاوير توطّا- وهذا تخصيص في الخبر، دلَّ عليه أن العرب يستعملون لفظة العموم في الخصوص في الخبر، فجاز أن يرد القرآن به، لأنه نزل القرآن بلغة العرب.
وأما قوله: إن ذلك يوهم الكذب- قلنا: إنما يجوز ذلك إذا لم يقترن به دلالة التخصيص، ومع دلالة التخصيص لا يوهم ذلك. ولأن ما ذكروا يلزمهم المنع من جواز ذلك في الأمر والنهي، لأن ذلك مما يوهم البداء.
وقوله: لا يجوز نسخه- قلنا: لا كذلك، بل جاز نسخه، فجاز تخصيصه- والله أعلم.
стр. 203
٥٠ - باب- ما يصير العام به خاصًّا:
اعلم أن الذي يفهم من ذلك شيئان:
أحدهما- ما يصير العام به خاصَّا، عندنا.
والآخر- ما يصير به خاصَّا في نفسه.
فإن أريد به الأول- فنقول: بالأدلة نعرف كونه خاصَّا.
وإن أريد به الثاني- فنقول: بالإرادة، لأن المفهوم من قول القائل: "إن الخطاب خاص" هو أنه استعمل في بعض ما يصلح أن يتناوله على ما مرّ، ولا معنى لذلك إلا أنه أريد به بعض ما يصلح له. وهذا لأن اللفظ قد يقع خاصَّا وقد يقع عامًّا، فلابد من آمر يخصصه بأحدهما، إذا لولاه لم يكن أحدهما بالوقوع أولى من الآخر، وليس ذلك إلا الإرادة- والله أعلم.
٥١ - باب- ما يُعلم به تخصيص العام:
أعلم أن الذي يُعلم به التخصيص نوعان: أحدهما متصل به، والآخر منفصل عنه.
أما المتصل به- فنحو: الصفة، والغاية، والشرط، والاستثناء.
وأما المنفصل عنه-[ف] نوعان: سمعي، وعقلي. والسمعي ضربان: دلالة، وأمارة.
أما الدلالة- فهو: الكتاب، والسنة المقطوع بها، والإجماع المقطوع به. والأمارة: القياس، وخبر الواحد.
стр. 204
[أ]
[تخصيص العام بالأدلة المتصلة]
١ - أما الصفة:
فنحو أن يقول القائل: "اضرب الرجال الطوال": لو اقتصر على قوله: " اضرب الرجال" يجب عليه ضرب الرجال أجمع، فإذا قيده بالصفة، سقط عنه ضرب من لم يتصف بتلك الصفة.
٢ - وأما الغاية:
فبأن يقول: "اضرب بني تميم أبدّا إلى أن يدخلوا الدار": لو اقتصر على قوله: "اضرب بني تميم [أبدّا] " يجب عليه ضربهم أبدّا، فإذا قال: "إلى أن يدخلوا الدار" سقط عنه وجوب الضرب بعد الدخول، لأنه لو لم يسقط، خرج الدخول من أن يكون غاية ودخل في كونها وسطّا.
وقد يجعل للحكم غايتان: على البدل، وعلى الجمع:
• أما على البدل، فأن يقول: "اضرب بني تميم أبداّ إلى أن يدخلوا الدار أو يسلموا على زيد". والغاية الثانية تزيد في التخصيص، لأنه لو اقتصر على الغاية الأولى لا يسقط وجوب الضرب إلا إذا وجد الدخول، فإذا ذكر الغاية الثانية سقط وجوب الضرب وإن لم يوجد الدخول، فكان زائدّا في التخصيص.
• وأما على الجمع، فبأن يقول: "اضرب بني تميم إلى أن يدخلوا الدار ويسلموا على زيد". فالثانية هي الغاية في التخصيص، وهي رافعة لبعض
стр. 205
التخصيص، لأنه لو اقتصر على الغاية الأولى سقط وجوب الضرب إذا وجد الدخول، فإذا ذكر الغاية الثانية، لا يسقط إذا وجد الدخول، ما لم يوجد السلام.
٣ - وأما المقيد بالشرط:
فبأن يقول: "أكرم بني تميم أبدًا إن دخلوا الدار": لو اقتصر على قوله: "أكرم بني تميم أبدّا" يجب الإكرام أبدّا. فإذا قال: "إن دخلوا الدار" سقط وجوب الإكرام قبل الدخول على ما مر في أبواب الأوامر: إن التعليق بالشرط يمنع الحكم عند عدم الشرط.
وقد يجعل للحكم الواحد شرطان: على البدل، وعلى الجمع.
•أما على البدل- فبأن يقول: "أكرم بني تميم إن دخلوا الدار، أو إن دخلوا السوق"، فالشرط الثاني رافع لبعض التخصيص، لأنه لو اقتصر على الشرط الأول سقط وجوب الإكرام مع فقد الدخول، فإذا ذكر الشرط الثاني، يجب الإكرام مع فقد الدخول إذا وجد الشرط الثاني، وهو دخول السوق.
• وأما على الجمع- فبأن يقول: "أكرم بني تميم إن دخلوا الدار والسوق" والشرط يزيد في التخصيص، لأنه لو اقتصر على الشرط الأول لا يخرج عن الإكرام من دخل الدار، فإذا ذكر الثاني يخرج عن الإكرام من دخل الدار إذا لم يدخل السوق- والله أعلم.
стр. 206
٤ - باب- في تخصيص العام بالاستثناء:
(أ) اعلم أن الاستثناء المتصل بالكلام يخص الكلام.
وذلك نحو قول القائل: "لفلان علىَّ عشرة دراهم إلا درهماّ"، فلو لم يقل "إلا درهماّ" لزمه عشرة كاملة، فإذا قال "إلا درهماّ" خرج عن حكم الإلزام واختص الإلزام بالباقي، وهذا لما ذكرنا أن من حق الاستثناء أن يخرج من اللفظ ما لولاه لدخل فيه، وذلك يوجب ما ذكرنا من التخصيص.
ثم من شرط هذا الاستثناء أن يكون متصلًا بالكلام غير منفصل عنه أو فيحكم المتصل به، وهو أن يكون الاستثناء على وجه لا يدل على أن المتكلم قد استوفى غرضه بالكلام، وهو أن يكون السكوت لانقطاع نفس أو بلع ريق ونحو ذلك.
وحكي عن ابن عباس ﵁ أنه جوز الاستثناء المنفصل، وقال: هو استثناء على التحقيق. والنقل عنه غير صحيح، إذ لا يليق بمنصبه. ولو صح فتأويله أن نوى الاستثناء أولّا عند الكلام ثم أظهر نيته بعده، فيدين بينه وبين الله تعالى فيما نواه، ومذهبه أن ما يدين فيه العبد يُقبل منه في الظاهر.
والدلالة على بطلان المنفصل أنه إذا تجرد لا يفيد فائدة، فإنه لو قال ابتداء "إلا درهم، إلا خمسة" يكون لغوّا.
стр. 207
والفقه فيه أن الاستثناء جزء من الكلام، وجزء الكلام وبعضه لا يكون له حكم، كالشرط والخبر والاسم: فإنه إذا انفرد كان لغوّا.
فإن قيل: لو اقترن به بيان يصير مفيداّ، بأن يستثنى بعد الكلام بشهر، ويقول: "هذا راجع إلى الكلام الفلاني"- قلنا: هذا استعمال لم يستعمله أهل اللغة، فلا يجوز، مع أنه متكلم بلغتهم، وإذا لم يصح لم يتعلق به حكم، لأن الشرع علق الأحكام بكلام تعارفه أهل اللغة، وأهل اللغة لم يتعارفوا الاستثناء بعد الكلام بشهر، كما لم يتعارفوا استعمال الشرط والخبر المبتدأ بعد شهر.
والمخالف احتج، وقال: أجمعنا على أنه يجوز النسخ وسائر أدلة التخصيص منفصلّا- فكذا الاستثناء، لأن الكل سواء في الدلالة على أن ما تناوله غير مراد بالكلام الأول- قلنا: هذا باطل بالشرط.
ثم الفرق بين الاستثناء والنسخ وأدلة التخصيص، ما ذكرنا: أن النسخ وأدلة التخصيص مفيد عند الانفصال، والاستثناء غير مفيد بل هو بعض الكلام- والله تعالى أعلم بالصواب.
(ب) باب في استثناء خلاف الجنس:
جوزه قوم، وقالوا: هو استثناء حقيقة، كاستثناء الجنس.
ونحن نمنع من ذلك إلا بطريق المجاز والإضمار، على ما نذكره.
стр. 208
والدلالة على ذلك ما ذكرنا أن من حق الاستثناء أن يخرج من اللفظ ما لولاه لدخل فيه، وهو ما تناوله اللفظ. فالمستثنى إذا كان بخلاف الجنس لم يتناوله اللفظ فكيف يكون استثناء؟ ولأن الاستثناء بعض الكلام، وهو مع المستثنى منه أحد اسمى الباقي، فقولنا: "عشرة إلا درهم" اسم تسعة، وهذا لا يكون إلا عند التجانس.
وأما المخالف- فقد احتج بالاستعمال في كلام الله تعالى وفي لسان العرب.
أما في كلام الله فقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ ... ﴾، وإنه ليس من جملة الملائكة، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾.
وأما الاستعمال في لسان العرب فقول الشاعر:
وقفتُ فيها أُصيلَالّا أُّسائلُها ... أعيتْ جواباّ وما بالرُّ من أحَدِ
إلَا أَوَارِيّ لأَياّ ما أُبيِّنها ... والنُّوْي كالحوض بالمظلومة الجَلَدِ
والأَوَارِيّ ليس من أحد.
стр. 209
والجواب:
أما الآية الأولى- فقد قيل إن إبليس من جملة الملائكة، فكان استثناء من الجنس.
والثاني- إن ذلك بطريق المجاز.
وهو الجواب عن التعليق بالآية الثانية: إنه مجاز عن كلمة "لكن" وتقديره: لا يسمعون فيها لغواٌ لكن سلاماّ.
وجواب آخر عن كل هذه الاستعمالات: إن هذا النوع من الاستثناء يخرج من معنى الكلام، ولابد من إضمار شيء فيه، إما في المستثنى أو المستثنى منه. أما في الإضمار في المستثنى، فقول القائل: "لفلان علىُّ عشرة دراهم إلا ثوبا" تقديره "إلا قيمة ثوب". وأما الإضمار في المستثنى منه، ففيما ذكر من المواضع، كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ. . .﴾ تقديره: الملائكة ومن أُمر بالسجود إلا إبليس.
стр. 210
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ... إِلَّا قِيلًا سَلَامًا ... ﴾: تقديره لغواٌ ولا مسموعاُ إلا سلاماّ. وقول القائل: "وما بالربع من أحد إلا أَوَارِيُ" تقديره: من أحد ولا أثر إلا أَوَارِيّ. فأما بدون الإضمار فلا يكون استثناء- والله أعلم.
(ج) باب في استثناء الأكثر من الأقل:
لا يجوز استثناء الكل من الكل، فلو قال: "لفلان على عشرة إلا عشرة" يلزمه عشرة.
واختلفوا في استثناء الأكثر من الجملة:
[ف] جوزه قوم، وأنكره الآخرون.
والآخر هو التفصيل:
- إن عنى بهذا الجواز الحُسن المطلق، فنقول: هذا لا يحسن، لأنه مخالف لاستعمال العرب في الغالب، مع أنه متكلم بلغتهم، فإن [ـه] لم ينقل من أهل اللغة الاستثناء على هذا الوجه، بل يستقبحون قول القائل: "رأيت ألفاّ إلا تسعمائة وتسعة وتسعين" ويقولون: "هلَّا قلت: رأيت واحداّ". بل نقل عن كثير من أهل اللغة أنه لا يستحسن استثناء عَقد صحيح، بأن يقول: "عندي مائة إلا عشرة دراهم"- بل "مائة إلا خمسة" و "عشرة إلا دانقا".
стр. 211
كما قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ فلو بلغ المائة لقال: لبث فيهم تسعمائة عام.
- وإن عنى به وقوعه كلاما مفهوماّ يتعلق الحكم المختص بالاستثناء به، فنقول: هو جائز: لأن الاستثناء على هذا الوجه مفهم للغرض، لأنه يفهم السامع من غير تأمل أنه يريد هذا القدر، والمقصود، من الكلام هو الإفهام، فمتى كان مفهوما جاز التكلم به. ولأن الاستثناء يخرج من اللفظ ما تناوله اللفظ، فكان إخراجه استثناء على موجب اللغة، فجاز التكلم به إلا أن يمنع منه مانع.
فإن قيل: المانع من ذلك أن أهل اللغة لم يستعملوا [ذلك]. أو لأن الحكمة تمنع من ذلك، لأن الغرض من الاستثناء في أصل الوضع إما الاختصار أو الاستدراك: أما الاستدراك فهو أن يكون لرجل على رجل تسعة دراهم فأراد أن يقَّر بها فأقرَّ بعشرة ثم ذكر في الحال أن له عليه تسعة، فيستدرك ذلك بالاستثناء. وأما الاختصار فهو أن الرجل يستطيل ويستقل [نحو] أن يقول: "لفلان على تسعة دراهم وخمسة دوانيق" فيقول: "له على عشرة دراهم إلا دانقا". ومتى كان الغرض من الاستثناء هذا، ولم يتحقق هنا، لأنه ليس من الاختصار أن يقول: "لفلان على ألف درهم إلا تسعمائة وتسعة وتسعين درهما". وكذلك الاستدراك، لأن العادة لم تجر فيما بين الناس أن يكون على الرجل درهم ويقر أن عليه ألف درهم [ثم يستدرك]- ومتى لم يحصل
стр. 212
ما هو الغرض من الاستثناء لا يصح التكلم به.
[والجواب: ]
أما الأول-[ف] لا يمتنع أن يكون أصلا ثابتًا، ولم يُنقل إلينا، لأن الحاجة لا تكاد تدعو إليه. أو فعلاّ نادرًا، فلم ينقل إلينا لندرته.
وأما الثاني- قلنا: نسلم نحن أن الأكثر والأغلب ما ذكرتم، فلا جرم بقينا الحُسن على قضية الغالب والظاهر. ولكن لا يمتنع خلافه، فإنه يجوز أن يكون عليه ألف درهم، فيقضي منها تسعمائة وتسعة وتسعين درهما، ثم نسى فأراد أن يقر بالألف، ثم ذكر القضاء فيستدرك بالاستثناء. وقد يجوز أن يكون لخالد عليه ألف درهم ولزيد عليه درهم فأراد أن يقر لخالد بالألف فسبق على لسانة اسم زيد فيستدرك ذلك بالاستثناء، وإذا جاز، وهو مفهوم في نفسه، جاز تعليق الحكم به- والله أعلم.
(د) باب في الاستثناء [المتعقب كلمات] معطوفة بعضها على بعض-[هل] ينصرف إلى ما يليه أو إلى جميع ما تقدم؟ :
قال بعضهم: ينصرف إلى ما يليه، دون ما تقدم- وقيل: هو قول أصحابنا.
стр. 213
وقال بعضهم: ينصرف إلى جميع ما تقدم- وقيل: هو قول الشافعي ﵀.
واتفقوا أن في الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى ينصرف إلى جميع ما تقدم.
والمذهب الصحيح أنه:
- إن لم يضمر في المذكور الثاني شيئا مما في الأول، يرجع الاستثناء إلى ما يليه.
- وإن أضمر في الثاني شيئا مما في الأول، إما الاسم أو الحكم، ينصرف إلى جميع ما تقدم.
مثال ما لم يضمر في الثاني شيئا مما في الأول، [ف] يُرجع الاستثناء إلى ما يليه، قوله: "اضرب بني تميم وأكرم بني ربيعة إلا الطوال منهم"
ومثال ما أضمر في الثاني شيئا مما هو مذكور في الأول: قول القائل: "اضرب بني تميم واستأجرهم إلا الطوال منهم" أو يقول: "أكرم بني تميم وبني ربيعة إلا الطوال منهم".
ولو قال: "أكرم ربيعة وسلم على ربيعة" فهذا إن لم يضمر في الثاني شيئا مما في الأول، فهو مثل ما إذا أضمر، لأن الحكمين جمعهما غرض واحد، وهو إعظام بني ربيعة، فصار كحكم واحد.
أما الدلالة على عدم رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدم في القسم الأول-[ف] هو أنه لما عدل عن كلام مستقل إلى كلام مستقل، عرفنا أنه استوفى غرضه بالكلام الأول، كما إذا سكت. بل لا شيء أدل على استيفاء الغرض
стр. 214
بالكلام من العدول عنه إلا كلام مستقل. ومتى استوف غرضه بالكلام، [ف] لو قلنا الاستثناء إليه لا ننقض قولنا: إنه استوفى غرضه به.
وأما الدلالة على رجوع الاستثناء إلى الكل في القسم الثاني- وهو ما إذا قال: "اضرب بني تميم واستأجرهم" عرفنا أنه لم يستوف غرضه بالكلام الأول حيث عاد إليه وأضاف إلى ذلك الاسم حكما. وكذلك إذا قال: "أكرم بني تميم وبني ربيعة": عرفنا أنه لم يستوف غرضه بالكلام الأول حيث عاد إليه وعدى حكمه إلى اسم آخر.
وإذا ثبت هذا، صار الكلامان [ككلام واحد وذلك] يرجع إلى حرف العطف، ومع أنه لم يعدل عن الأول ككلام واحد، فيرجع الاستثناء إلى الكل، بخلاف ما إذا ميز، لأنه لا يمكن أن يجعل الكلامان ككلام واحد، لانعدام حرف العطف- دل عليه: أن في الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالي،
стр. 215
ينصرف إلى جميع ما تقدم بالإجماع، لما ذكرنا من المعنى: أنه لم يعدل من كلام مستقل إلى كلام مستقل- فكذا هذا.
فإن قيل: إنما يرجع الشرط إلى جميع ما تقدم ذكره، لأن الشرط وإن تأخر عن الكلام، فهو في حكم المتقدم عليه، لوجوب تقدم الشرط على الجزاء، فإن الإنسان إذا قال: "أكرم بني تميم وربيعة إن دخلوا الدار" معناه. إن دخل بنو تميم وربيعة الدار فأكرمهم، ولو قال ذلك تعلق الكل بالشرط، فكذا إذا تأخر.
وكذا الاستثناء بمشيئة الله تعالى، لأن لفظة الشرط فألحق به- وليس كذلك الاستثناء: فإنه لا يجب تقديمه على الكلام- قلنا: يمكن تقديم الشرط على المذكور الأخير، فيصير كأنه قال: "أكرم بني تميم وإن دخل بنور ربيعة الدار هم فأكرمهم" فيجعل مقدماّ على الجزاء، وإن رجع إلى ما يليه، ومع هذا انصرف إلى الكل- علم أن المعنى ما ذكرنا.
وقد استدل بعضهم وقال بأن الكلامين مع حرف العطف ككلام واحد، لأن الواو للعطف وأنه في الأسماء المختلفة يجري مجرى واو الجمع في الأسماء المتفقة. ولو قال: "جاءني الزيدون إلا الطوال منهم" رجع الاستثاء إلى الكل، فكذا إذا قال: "جاءني بنو تميم وبنو ربيعة إلا الطوال منهم".
إلا أن لقائل أن يقول: إن واو العطف تجري مجرى واو الجمع في اشتراك الاسمين. أما أن يجري مجرى ذلك في أن يجعل الكلامين ككلام واحد حتى يتعلق الاستثناء بالكل، فمن أين؟ ألا ترى أن واو العطف لا تخرجهما عن كونهما جملتين حقيقة. ثم هذا ينتقض بالجملتين التامتين بأن يقول: "أكرم بني ربيعة واشرب بني بتميم إلا الطوال منهم" رجع الاستثناء إلى ما يليه وإن وجد
следующие страницы →