← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133362

بذل النظر في الأصول

العلاء الأسمندي

Полный текст (696 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كما قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ فلو بلغ المائة لقال: لبث فيهم تسعمائة عام. - وإن عنى به وقوعه كلاما مفهوماّ يتعلق الحكم المختص بالاستثناء به، فنقول: هو جائز: لأن الاستثناء على هذا الوجه مفهم للغرض، لأنه يفهم السامع من غير تأمل أنه يريد هذا القدر، والمقصود، من الكلام هو الإفهام، فمتى كان مفهوما جاز التكلم به. ولأن الاستثناء يخرج من اللفظ ما تناوله اللفظ، فكان إخراجه استثناء على موجب اللغة، فجاز التكلم به إلا أن يمنع منه مانع. فإن قيل: المانع من ذلك أن أهل اللغة لم يستعملوا [ذلك]. أو لأن الحكمة تمنع من ذلك، لأن الغرض من الاستثناء في أصل الوضع إما الاختصار أو الاستدراك: أما الاستدراك فهو أن يكون لرجل على رجل تسعة دراهم فأراد أن يقَّر بها فأقرَّ بعشرة ثم ذكر في الحال أن له عليه تسعة، فيستدرك ذلك بالاستثناء. وأما الاختصار فهو أن الرجل يستطيل ويستقل [نحو] أن يقول: "لفلان على تسعة دراهم وخمسة دوانيق" فيقول: "له على عشرة دراهم إلا دانقا". ومتى كان الغرض من الاستثناء هذا، ولم يتحقق هنا، لأنه ليس من الاختصار أن يقول: "لفلان على ألف درهم إلا تسعمائة وتسعة وتسعين درهما". وكذلك الاستدراك، لأن العادة لم تجر فيما بين الناس أن يكون على الرجل درهم ويقر أن عليه ألف درهم [ثم يستدرك]- ومتى لم يحصل

стр. 212

ما هو الغرض من الاستثناء لا يصح التكلم به. [والجواب: ] أما الأول-[ف] لا يمتنع أن يكون أصلا ثابتًا، ولم يُنقل إلينا، لأن الحاجة لا تكاد تدعو إليه. أو فعلاّ نادرًا، فلم ينقل إلينا لندرته. وأما الثاني- قلنا: نسلم نحن أن الأكثر والأغلب ما ذكرتم، فلا جرم بقينا الحُسن على قضية الغالب والظاهر. ولكن لا يمتنع خلافه، فإنه يجوز أن يكون عليه ألف درهم، فيقضي منها تسعمائة وتسعة وتسعين درهما، ثم نسى فأراد أن يقر بالألف، ثم ذكر القضاء فيستدرك بالاستثناء. وقد يجوز أن يكون لخالد عليه ألف درهم ولزيد عليه درهم فأراد أن يقر لخالد بالألف فسبق على لسانة اسم زيد فيستدرك ذلك بالاستثناء، وإذا جاز، وهو مفهوم في نفسه، جاز تعليق الحكم به- والله أعلم. (د) باب في الاستثناء [المتعقب كلمات] معطوفة بعضها على بعض-[هل] ينصرف إلى ما يليه أو إلى جميع ما تقدم؟ : قال بعضهم: ينصرف إلى ما يليه، دون ما تقدم- وقيل: هو قول أصحابنا.

стр. 213

وقال بعضهم: ينصرف إلى جميع ما تقدم- وقيل: هو قول الشافعي ﵀. واتفقوا أن في الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى ينصرف إلى جميع ما تقدم. والمذهب الصحيح أنه: - إن لم يضمر في المذكور الثاني شيئا مما في الأول، يرجع الاستثناء إلى ما يليه. - وإن أضمر في الثاني شيئا مما في الأول، إما الاسم أو الحكم، ينصرف إلى جميع ما تقدم. مثال ما لم يضمر في الثاني شيئا مما في الأول، [ف] يُرجع الاستثناء إلى ما يليه، قوله: "اضرب بني تميم وأكرم بني ربيعة إلا الطوال منهم" ومثال ما أضمر في الثاني شيئا مما هو مذكور في الأول: قول القائل: "اضرب بني تميم واستأجرهم إلا الطوال منهم" أو يقول: "أكرم بني تميم وبني ربيعة إلا الطوال منهم". ولو قال: "أكرم ربيعة وسلم على ربيعة" فهذا إن لم يضمر في الثاني شيئا مما في الأول، فهو مثل ما إذا أضمر، لأن الحكمين جمعهما غرض واحد، وهو إعظام بني ربيعة، فصار كحكم واحد. أما الدلالة على عدم رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدم في القسم الأول-[ف] هو أنه لما عدل عن كلام مستقل إلى كلام مستقل، عرفنا أنه استوفى غرضه بالكلام الأول، كما إذا سكت. بل لا شيء أدل على استيفاء الغرض

стр. 214

بالكلام من العدول عنه إلا كلام مستقل. ومتى استوف غرضه بالكلام، [ف] لو قلنا الاستثناء إليه لا ننقض قولنا: إنه استوفى غرضه به. وأما الدلالة على رجوع الاستثناء إلى الكل في القسم الثاني- وهو ما إذا قال: "اضرب بني تميم واستأجرهم" عرفنا أنه لم يستوف غرضه بالكلام الأول حيث عاد إليه وأضاف إلى ذلك الاسم حكما. وكذلك إذا قال: "أكرم بني تميم وبني ربيعة": عرفنا أنه لم يستوف غرضه بالكلام الأول حيث عاد إليه وعدى حكمه إلى اسم آخر. وإذا ثبت هذا، صار الكلامان [ككلام واحد وذلك] يرجع إلى حرف العطف، ومع أنه لم يعدل عن الأول ككلام واحد، فيرجع الاستثناء إلى الكل، بخلاف ما إذا ميز، لأنه لا يمكن أن يجعل الكلامان ككلام واحد، لانعدام حرف العطف- دل عليه: أن في الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالي،

стр. 215

ينصرف إلى جميع ما تقدم بالإجماع، لما ذكرنا من المعنى: أنه لم يعدل من كلام مستقل إلى كلام مستقل- فكذا هذا. فإن قيل: إنما يرجع الشرط إلى جميع ما تقدم ذكره، لأن الشرط وإن تأخر عن الكلام، فهو في حكم المتقدم عليه، لوجوب تقدم الشرط على الجزاء، فإن الإنسان إذا قال: "أكرم بني تميم وربيعة إن دخلوا الدار" معناه. إن دخل بنو تميم وربيعة الدار فأكرمهم، ولو قال ذلك تعلق الكل بالشرط، فكذا إذا تأخر. وكذا الاستثناء بمشيئة الله تعالى، لأن لفظة الشرط فألحق به- وليس كذلك الاستثناء: فإنه لا يجب تقديمه على الكلام- قلنا: يمكن تقديم الشرط على المذكور الأخير، فيصير كأنه قال: "أكرم بني تميم وإن دخل بنور ربيعة الدار هم فأكرمهم" فيجعل مقدماّ على الجزاء، وإن رجع إلى ما يليه، ومع هذا انصرف إلى الكل- علم أن المعنى ما ذكرنا. وقد استدل بعضهم وقال بأن الكلامين مع حرف العطف ككلام واحد، لأن الواو للعطف وأنه في الأسماء المختلفة يجري مجرى واو الجمع في الأسماء المتفقة. ولو قال: "جاءني الزيدون إلا الطوال منهم" رجع الاستثاء إلى الكل، فكذا إذا قال: "جاءني بنو تميم وبنو ربيعة إلا الطوال منهم". إلا أن لقائل أن يقول: إن واو العطف تجري مجرى واو الجمع في اشتراك الاسمين. أما أن يجري مجرى ذلك في أن يجعل الكلامين ككلام واحد حتى يتعلق الاستثناء بالكل، فمن أين؟ ألا ترى أن واو العطف لا تخرجهما عن كونهما جملتين حقيقة. ثم هذا ينتقض بالجملتين التامتين بأن يقول: "أكرم بني ربيعة واشرب بني بتميم إلا الطوال منهم" رجع الاستثناء إلى ما يليه وإن وجد

стр. 216

واو العطف ثم لم يجعلهما ككلام واحد. ثم الوجه في ذلك أنه يجعل ككلام واحد في حق الاستثناء: أن يذكر واو العطف ولا يعدل المتكلم عن كلام مستقل إلى كلام مستقل، أما إذا عدل فلا، لما ذكرنا. وقد استدل بعضهم بأن قال: أجمعنا أنه لو أخر الأمر بأن قال: "بنو تميم وبنو ربيعة أكرمهم إلا الطوال منهم" رجع الاستثناء إلى الكل، فكذلك إذا قدم الأمر. إلا أن لقائل أن يقول: قوله "أكرمهم" كتابة عن الكل، وهو اسم للفريقين، فإذا اتصل به الاستثناء أوجب إخراج البعض عن الفريقين، كما لو قال: "أكرم العرب إلا الطوال منهم": يقتضى إخراج بعض العرب، فكذا هذا- ولا يقال كذلك إذا قدم الأمر، لأن هناك الاستثناء اتصل ببني ربيعة، وهذا ليس باسم الفريقين حتى يقتضى إخراج البعض من الفريقين، فاقتصر الاستثناء على بني ربيعة. وأما من ذهب إلى أنه يرجع إلى ما يليه في القسم الثاني فلأن الاستثناء إنما يجب تعليقه بغيره، ضرورة أنه لا يستقل بنفسه، إذا لو كان مستقلا بنفسه في الإفادة، لا يجب تعليقه بغير [هـ]، فإذا تعلق بما يليه، صار مستقلا في الإفادة مع ما يليه، فلا ضرورة إلى تعليقه بما تقدم، لأن كل كلام يستقل بنفسه لا يجوز صرفه إلى غيره. والجواب: ما ذكرتم يقتضى منع رجوع الاستثناء إلى ما تقدم، لكن لا يستقل.

стр. 217

أما لا يقتضى منع رجوعه إلى ما تقدم بسبب آخر ويجوز أن يكون للحكم الواحد سبب وأسباب فيثبت الحكم لوجود سبب مع فقد ما عداه من الأسباب، فهنا إن عدم سبب وهو الاستقلال، فلم قلتم بأنه لم يوجد سبب آخر يقتضى رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدم ذكره، وأن لا يدخله الاستقلال بصرفه إلى ما يليه؟ فإن قال: هناك وجد معنى آخر وراء الاستقلال يقتضى رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدم وهو ما ذكرنا: أن الكلامين مع حرف العطف، ومع أنه لم يعدل عن كلام مستقل إلى كلام مستقل، ككلام واحد، يتعلق الاستثناء بالكل. ووجه آخر لهم: الاستدلال بالاستثناء من الاستثناء ينصرف إلى ما يليه، حتى لو قال: "لفلان على عشرة إلا ثلاثة إلا درهم" ينصرف الاستثناء إلى ما يليه حتى يلزمه ثمانية دراهم، والمعنى فيه أنه لا يفتقر في الاستقلال إلى أكثر مما يليه، وهو المعنى موجود في الاستثناء عقيب الجملة. والجواب: أن الاستثناء الثاني غير متصل بالكلام الأول، لأنه متصل بالاستثناء الأول، وليس بين الاستثناء وبين الكلام مما يجعلهما ككلام واحد، من حرف عطف وغيره، فبقى الاستثناء الثاني منفصلا عن الكلام الأول، فلذلك لم يرجع إليه، بخلاف قوله: "أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال منهم" على ما مر. فإن قيل: هلا جعلتم الاستثناء واحد، حتى يتعلق بالكل، فيكون المستثنى أربعة؟ قلنا: في جعل الاستثناءين واحدا عطف الثاني على الأول، حتى يصير كأنه قال: "على عشرة إلا ثلاثة وإلا دراهم"، ولم يوجد حرف العطف هنا، ولا حاجة إلى التقدير، لأن الكلام صحيح بدونه- والله أعلم.

стр. 218

[ب] تخصيص العام بالأدلة المنفصلة اعلم أن الأدلة المنفصلة هي: دلالة العقل، والكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. [١ - العقل] أما دلالة [العقل]- مما يخص به الكتاب والسنة- فإنا نحكم بخروج الصبي والمجنون من أن يكونا مرادين بكلام الله تعالى وخطابه وخطاب الرسول، في الحال، بالعبادات. ولا نحكم بخروجهما عنه إذا كل عقلهما، لأن دليل العقل يفصل بين الحالين، ولا شبهة في خروجهما عن كونهما مرادين بالخطاب. واختلفوا في خروجهما بدليل العقل: فمنهم من منع ذلك وقال بأن دليل العقل متقدم على عموم الكتاب والسنة، والتخصيص لا يثبت، بدليل متقدم، كما في الاستثناء والشرط والنسخ. وإنا نقول بأن دليل التخصيص ما يتوصل به إلى العلم بخروج بعض ما تناوله اللفظ عنه، وبالعقل يتوصل إلى العلم بخروج بعض ما تناوله الخطاب عنه، لأنا نعرف بعقولنا قبح إرادة فهم المراد بالخطاب ممن لا يتمكن من الفهم، إما لكونه سفها أو لكونه تكليف ما ليس في الوسع.

стр. 219

إذا ثبت هذا- نقول: الصبي والمجنون لا يتمكنان من فهم المراد بالخطاب، فعرفنا بعقولنا خروجهما عن عمومات الكتاب والسنة. فإن قيل: نسلم بأن بالعقل نعرف خروجهما من أن يكونا مرادين بالخطاب، لكن لا نسلم أن التخصيص ثابت به- قلنا: لا نعني بكون الشيء مخصصا إلا أن يكون دليلا على خروج بعض ما تناوله الخطاب عنه، فإذا سلمتم ذلك فقد وافقتمونا في المعنى وخالفتمونا في العبارة، ولا تعويل على العبارة. فإن قيل: هلا قلتم: إن دليل العقل دليل بشرط أن لا يعارضه عموم الكتاب، فإن عارضه عموم الكتاب [ف] لا يكون دليلا- قلنا: دليل العقل مطلق في نهي تكليف ما ليس في الوسع وإرادة السفه، ولا يقف وجه الدلالة على أمر آخر، فلا يختلف بين ما إذا عارضه عموم الكتاب أو لم يعارضه، فكان دليلًا على الإطلاق، وعموم الكتاب والسنة يحتمل التخصيص، وكان تخصيصه بدليل العقل، وهو لا يحتمل التخصيص، أولى- والله أعلم. [٢ - الكتاب] (أ) وأما تخصيص الكتاب بالكتاب-[ف] أنكره قوم، وجوزناه. والدليل على جوازه- ما ذكرنا أن المعنى من التخصيص أن يدل على إرادة بعض ما تناوله العام. ولما جاز أن يريد الله تعالى، بخطابه العام، بعض ما تناوله، جاز أن يدلنا على ذلك بالكتاب، فنعقل ذلك- دل على جواز وجوده، فإن الله تعالى خص قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ

стр. 220

أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وخص قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وخص قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾. والمخالف احتج بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: فوض البيان إلى الرسول، فلا يقع ذلك إلا بقوله. والجواب: هذا تخصيص بالاسم، وذا لا يدل على نفي الحكم عما عداه، على ما مر. ويعارضه قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ولأن تلاوة النبي ﵇ آية التخصيص بيان منه للتخصيص، والآية لا تقتضي إلا ذلك- والله أعلم. (ب)

стр. 221

وأما تخصيص السنة بالكتاب-[ف] أنكره قوم، وجوزناه. والدليل عليه ما مر: أن التخصيص بيان أنه أراد بالعام بعض ما تناوله، ولا يمتنع تعلق المصلحة بأن يبين الله تعالى بكتابه أن النبي ﵇ أراد بخطابه بعض ما تناوله- دل عليه قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ فهو على عمومه، ما لم يخص. ولان سنة الاستقبال إلى بيت المقدس نسخت بالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. وإذا جاز النسخ، جاز التخصيص بطريق الأولى. والمخالف احتج بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. والجواب عنه ما مر. ولأنه كونه مبينا لا ينفى أن يأتي بسنة محتاجة إلى البيان، فتبين بسنة أخرى، أو [بـ] كتاب الله تعالى. واحتج أيضًا بقوله ﵇: "سنتي تقضى على القرآن والقرآن لا يقضي على سنتي"، والجواب أنه قال ذلك على الأعم والأغلب، لأن القرآن في أغلب الأحوال يحتاج فيه إلى بيان الرسول ﵇ في عموماته ومجملاته، وقلما تحتاج السنة إلى ذلك. [٣ - السنة] (أ) وأما تخصيص الكتاب بالسنة- فجائز إذا استويا في إيجاب العلم والعمل، لأنه لما جاز أن تدلنا السنة على سائر الأحكام، جاز أن تدلنا على أن الله تعالى أراد بخطابه بعض ما تناوله، وقد خص النبي ﵇ قوله تعالى:

стр. 222

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ بقوله: ﴿لا يتوارث أهل ملتين شتى﴾، وخص قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ بقوله: ﴿لا قطع في ثمرٍ ولا كَثرٍ﴾. (ب) وأما تخصيص السنة بالسنة- فجائز عند الأكثرين. ومنع قوم من جواز ذلك. والدلالة على جوازه، على نحو ما مر، أنه لا يمتنع تعلق المصلحة به، فجاز القول به. دل عليه أنا وجدنا سننا خصت بأخرى، نحو قوله ﵇: "ما سقته السماء ففيه العُشر" خصه بقوله ﵇: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". وخص قوله ﵇: "في الرقة ربع العشر" بهذا الحديث أيضًا. وروي عنه أنه: نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ثم رخص في السلم.

стр. 223

والمخالف احتج، وقال: إن النبي ﵇ بُعث مبينِّناّ فلا يجوز أن تحتاج السنة إلى بيان- والجواب أن كونه مبيناّ لا يمنع أن يأتي بسنة محتاجة إلى البيان، فيبين سنة بسنة أخرى. (ج) - وأما تخصيص الكتاب بالسنة بفعل الرسول ﵇[فقد] وجب أن يعلم أن الخطاب متى ورد عامًا مقتضيًا تحريم أشياء، وقد فعل النبي ﷺ بعض ذلك، [هل] يدل على تخصيص العام، أو يحمل على أنه ﵇ مخصوص بذلك: قال بعضهم: يدل على تخصيص العام. وقال بعضهم: يدل على أنه مخصوص به. والأول- أصح لأن الأصل مساواته لأمته في الأحكام، لما نذكره من وجوب التآسي بالنبي ﷺ . وإذا كان الأصل ذلك، فالإباحة في حقه تدل على الإباحة في حق غيره، وكان فعله في الدلالة على التخصيص كقوله- فكما جاز تخصيص العام بقوله، جاز تخصيصه بفعله- دل عليه أنه ﵇ أمر باتباع أفعاله، كما أمر باتباع أقواله بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله ﵇: "خُذوا عني مناسككم"، والصحابة ﵃ راجعوا أفعاله كما راجعوا أقواله- دل أنهما في بيان الحكم على السواء. والدليل على جوازه وجوده: فإن النبي ﵇ خص قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ برجم ماعز.

стр. 224

ووجه القول [الثاني]- الأول: أن قوله ﵇ يدل على الإباحة في حقه، لكونه معصومًا، والإباحة في حقه لا تدل على الإباحة في حق غيره، إذ المصالح تختلف باختلاف الأشخاص، والثاني: إن دل على الإباحة في حق غيره ظاهرًا، ولكن جواز كونه مخصوًا، بخلاف الظاهر، ثابت، فلم تكن الإباحة في حقه محكمًا في الدلالة على الإباحة في حق غيره، وظاهر العموم محكم في التحريم، فلا يجوز الاعتراض على المحكم بغير المحكم. والجواب- إن فعله دل على الإباحة في حقه قطعا، ومع قرينة دليل التآسي وسابقة عموم التحريم في حق الكل، يدل على الإباحة في حق غيره، إذ لو لم يكن مباحا في حق غيره وكان مخصوصا بذلك، لبين دلالة كونه مخصوصاّ، كيلا يتوهم المكلف، بدلالة التأسي وسابقة عموم التخصيص في حق الكل، فكان الظاهر ما ذكرنا. يبقى هذا القدر: أن احتمال كونه مخصوصًا، بخلاف الظاهر، ثابت. ولكن هذا لا ينفي الأحكام في كونه دليلًا. ولو كان ينفيه: فهذا النوع من الاحتمال، وهو احتمال الخصوص، ثابت في العام، فجاز تخصيصه به. والله أعلم. [٤ - الإجماع] وأما تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع: [ف] أنكره قوم، وجوزناه. والدلالة على جوازه أن الإجماع حجة مقطوع بها، فجاز أن يدل على ذلك كما جاز أن يدل على سائر الأحكام. دل عليه أن الأمة أجمعت على أن حد العبيد نصف حد الأحرار، وهذا تخصيص لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾، بالإجماع.

стр. 225

فإن قيل: هذه الآية خُصت بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ قلنا: هذا لا يصلح مخصصا للعبد، لأن المذكور فيه الإماء دون العبيد- دل عليه أنا خصصنا للعبيد [صدورا] عن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ بالإجماع. والمخالف احتج بأن الإجماع يستند إلى القرآن والسنة، وهو مرفوع لهما، فكيف يعترض بالفرع على أصله؟ . والجواب- أن الإجماع المخصص لابد أن يصدر عن كتاب أو سنة، وإلا فالأمة لا يجوز منهم الاجتماع على حكم جزافا. وكان الاعتراض على العام بذلك الأصل، لا بنفس الإجماع، إنما الإجماع دليل عليه، ولا نعني بكون الإجماع مخصصا إلا هذا. وقالوا: لو جاز التخصيص به، لجاز النسخ به. والجواب: إن عنيت به أن يقع الإجماع دليلًا على ذلك، فهو جائز كالتخصيص. وإن عنيت به أن يقع النسخ بنفس الإجماع، فنحن لا نجوز التخصيص به، كما لا نجوز النسخ. ٥٢ - باب في: بناء العام على الخاص: اعلم أن النصين إذا ما وردا وهما كالمتنافيين: أحدهما عام، والآخر خاص-[ف] لا يخلو: إما أن يُعرف التاريخ بينهما، أو لا يُعرف. (أ) فإن عرف التاريخ بينهما- فلا يخلوا: إما أن يُعرف اقترانهما؛ أو عُرف تراخي أحدهما عن الآخر.

стр. 226

أما الخاص أو العام: إذا عُلم اقتران أحدهما بالآخر، فنحو أن يقول النبي ﷺ : "اقتلوا الكفار- لا تقتلوا اليهود" أو يقول: "في الخيل زكاة- ليس في الذكور من الخيل زكاة". والأصل في ذلك أن نجعل الخاص مخصصاّ للعام ومبينا أن المراد به ما لم يتناوله الخاص، لأن الخاص أشد تصريحا مما يتناوله وأقل احتمالا من العام، فكان العمل به أولى، ولأن في إجراء العام على عمومه إلغاء الخاص، وليس في العمل بالخاص إلغاء واحد منهما، فكان أولى. فإن قيل: هلا حملتم قوله ﵇ "في الخيل زكاة" على التطوع، وحملتم قوله: "ليس في الذكور من الخيل زكاة" على نفي الوجوب، ليكون عملًا بهما جميعا. قلنا: قوله: "في الخيل زكاة" يقتضي وجوب الزكاة في الإناث، ولو حملناه على التطوع كنا قد عدلنا باللفظ عن ظاهره بدليل لا يتناول الإناث، والعدول عن ظاهر اللفظ بلا دليل لا يجوز، بخلاف التخصيص. وأما إذا أخرجنا الذكور من الخيل عن قوله: "في الخيل زكاة"، كنا قد أخرجنا عن اللفظ شيئا بدليل يقتضيه، وذلك جائز. هذا إذا عُلم اقتران أحدهما بالآخر. أما إذا علم تراخي أحدهما عن الآخر: - فإن كان الخاص هو المتأخر- فإنه لا يخلو: إما إن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام، أو بعده. فإن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام: [فـ] يجعل بيانا للتخصيص في قول من أجاز تأخير البيان عن وقت ورود الخطاب. وفي قول من لم يجوز ذلك: يجعل بيانا للنسخ.

стр. 227

وإن كان بعده: [فـ] يجعل بيانًا للنسخ، لأن تأخير بيان التخصيص عن وقت الحاجة لا يجوز، فيجعل بيانًا للنسخ. - وإن كان العام هو المتأخر: قال أصحابنا وجماعة من المتكلمين: يصير العام ناسخا للخاص. وقال أصحاب الشافعي: يبنى العام على الخاص، ويجعل المراد بالعام ما لم يتناوله الخاص، كما لو اقترن أحدهما بالآخر. دليلنا في ذلك- أن العام في تناوله لآحاد ما دخل تحته، جرى مجرى خبر خاص يختصه- ألا ترى أنه يصح التمسك به لإثبات الحكم، كما يصح التمسك بالخاص، فجرى العام مع الخاص، في حق تناوله الخاص، مجرى الخبرين الخاصين وردا، وهما متنافيان: أحدهما متقدم، والآخر متأخر: [فـ] يصير المتقدم منسوخا بالمتأخر- كذا هذا. والمخالف- احتج بوجهين من الكلام: أحدهما- أن الخبر الخاص، وهو قوله "لا تقتلوا اليهود" يقتضي المنع من القتل في عموم الأحوال، وقوله"اقتلوا الكفار" يقتضي الإباحة في حالة واحدة، والنهي يمنع من الإباحة في تلك الحالة، فوقع التعارض، والخاص أخص باليهود من العام وأقل احتمالًا منه، وكان العمل به أولى، بخلاف الخبرين الخاصين، لأن الخاص لا يمكن تخصيصه، لأنه لا يتناول إلا شيئا واحداً، والعام يمكن تخصيصه، لأنه يتناول أشياء، فيمكن إخراج جزء منه. والثاني- أن الخاص مما يعلم دخول ما تناوله قطعا، ودخول ما تناوله الخاص تحت العام مشكوك فيه [إذ] يحتمل أن المراد به وراء ما تناوله الخاص، والعمل لا يترك بالشك.

стр. 228

والجواب: أما الأول- قلنا: العام وإن أمكن تخصيصه، لكن في تخصيصه إلغاء له، فيما تناوله الخاص، أصلا، لأنه بقى مستعملا حال وروده، وإن كان لا يبقى في المستقبل، فكان المصير إلى النسخ أولى، بخلاف ما إذا اقترنا، لأنه لا يمكن العمل بهما، والخاص أشد تصريحا، فالعمل به أولى. وأما الثاني- قلنا: إن عنيت به أن العام لو انفرد لا يعلم دخول ما تناوله الخاص تحته، فهذا خلاف الإجماع. وإن عنيت به أنه لا يعلم دخول ما تناوله الخاص تحت العام لأجل الخاص، فلم قلتم ذلك وهو موضع النزاع؟ ثم هذا ترك لمذهبكم فإنكم تقطعون بخروج ما تناوله الخاص عن العام، ولا تشكون فيه. هذا الذي ذكرنا إذا عرف التاريخ بينهما. (ب) أما إذا لم يعرف التاريخ بينهما: ففي مذهب الشافعي- يبنى الخاص على العام، ويجعل المراد بالعام غير ما تناوله الخاص. وهذا مستقيم على أصله، لأنه ليس للخاص مع العام حالة إلا أن تقارنه أو تتقدمه أو تتراخى عنه، وقد بان من مذهبه وجوب خروج ما تناوله الخاص عن العام في الوجوه الثلاثة. وفي مذهب أصحابنا- يجب القول بالتوقف، والرجوع إلى غيرهما، وإلى ما يرجح أحدهما عن الآخر. وهذا مستقيم على أصلنا، لأن المذهب عندنا أن العام المتأخر ينسخ الخاص، ويخص بالخاص المقارن والمتأخر. ويجوز أن يكون العام متأخرًا فينسخ الخاص،

стр. 229

ويجوز أن يكون الخاص متأخرا فيوجب خروج ما تناوله عن العام، وليس أحدهما أولى من الآخر، فيجب القول بالتوقف. واحتج المخالف بأشياء: منها- أن الفقهاء في أعصارنا يخصون أعم الخبرين أخصهما، مع فقد عملهم بالتاريخ. ومنها- أنه لما اشتبه حال الخبرين ولا يُعرف التاريخ بينهما، يجعل كأنهما وردا معا، كالغريقين إذا لم يُعرف التاريخ في غرقهما يجعل كأنهما غرقا معا حتى لا يرث أحدهما عن الآخر- فكذا هذا. وإذا جعل كأنهما وردا معا، يجعل الخاص مخصصا للعام، لما ذكرنا. ومنها- أن القياس مما يجوز أن يعترض به على العام، فالخبر الخاص أولى، لأنه أصل القياس. ومنها- أنه لو لم يخص العام بالخاص لوقع أحد أمرين: إما نسخ الخاص أو إلغاؤهما، ولا يجوز النسخ مع فقد التاريخ، وإلغاء كلام الحكيم لا يجوز، فوجب تخصيص العام بالخاص. والجواب: أما الأول- قلنا: هذا على الإطلاق ممنوع- ألا ترى أن عمر ﵁ لم يخص قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ بحديث ابن الزبير وهو قوله: "لا تحرم الرضعة والرضعتان"

стр. 230

وأما الثاني- فنقول ما أجمعت على هذا، فإن من الصحابة ما ورث أحدهما عن الآخر. على أن حكم الغريقين حجة عليه، لأنه لما اشتبه حالهما لم نحكم بإرث أحدهما عن الآخر، فكذا إذا اشتبه حال الخبرين: لا يعترض بأحدهما على الآخر. وأما الثالث- قلنا: إن كان القياس على أصل متقدم على العام، كان العام منافيًا له، فلا يجوز تخصيص العام به، نحو أن يقول النبي ﵇: "لا تبيعوا البُرَّ" ثم يقول: "أحللت لكم بيع جميع الأشياء": لا يجوز تخصيص العام بد ذلك القياس، حتى يقاس الأرز على الحنطة، لأنه قياس على أصل غير متقرر. أما إذا كان القياس على أصل متقرر، نحو أن يقول النبي ﵇: "لا تبيعوا البر" ثم يقول: "أحللت لكم بيع ما سوى البر" جاز قياس الأرز على البر، وتخصيص العام به. وهذا لا يشبه مسألتنا، لأن أصل القياس مقرر، فأما هنا [فـ] الخبر الخاص يحتمل أن يكون منسوخا بالعام، ومع احتمال النسخ لا يجوز التخصيص به. وأما الرابع- قلنا: كما أن النسخ محتاج إلى التاريخ، فكذلك التخصيص يحتاج إلى التاريخ، لأن تخصيص العام بالخاص المتقدم لا يجوز، لما مر. وأما قوله: لا يجوز إلغاؤهما- قلنا: إن عنيت به ترك استعمالهما في أنفسهما والرجوع إلى غيرهما، أو إلى ما يرجح أحدهما- فلا نأبى ذلك، وإنما لا يجوز

стр. 231

ذلك إذا أمكن العمل بهما، وهنا لا يمكن العمل بهما، لأنه ليس حمل الحال فيهما على التخصيص أولى من حملة على النسخ، فيجب القول بالتوقف. ثم إذا وجب التوقف والرجوع إلى ما يرجح أحدهما على الآخر، فقد ذكروا وجوه الترجيح: ومنها- أن يكون أحدهما متفقا على استعماله، والآخر مختلفا فيه، كخبر العشر مع خبر الأوساق. ومنها- أن يعمل به معظم الأمة، ويعيب على من ترك العمل به، كعيبهم على ابن عباس ﵁ على ترك العمل بحديث أبي سعيد الخدري ﵁، ومنعه جريان الربا إلا في النسيئة. ومنها- أن تكون الرواية في أحدهما أشهر.

стр. 232

ومنها- أن يكون أحدهما متضمنا للحكم الشرعي، وأن يكون أحدهما بيانا للآخر، كقوله ﵇"لا قطع [إلا] في ثمن المِجَنَّ- اتفقوا على كونه بيانا لآية السرقة" إلا أنا نقول: هذه الوجوه كلها تدل على تأخر أحدهما عن الآخر، لأنه لو كان متقدما لما اتفقوا على استعماله، لأنه يصير منسوخا بالعام، ولكان لا يعاب على من ترك العمل به، ولما كانت الرواية له أشهر، وكونه متضمنا لحكم شرعي يقتضي كونه متأخرا، لأن حكم العقل مقدم على حكم الشرع، وكذا لولا التقدم لما كان أحدهما بيانا للآخر- والله أعلم. ٥٣ - باب في: أن العام إذا دخله الخصوص- هل يصير مجازًا أم لا ؟ اختلف الناس في ذلك. قال بعضهم: لا يصير مجازًا، متصلًا كان أو منفصلًا، لفظًا ومعنى. [و] قال بعضهم: يصير مجازا في الأحوال كلها. وقال بعضهم: يصير مجازا في حال دون حال. واختلفوا في تفصيله:

стр. 233

منهم من قال: إن كان المخصص لفظًا، لا يصير مجازًا، متصلًا كان المخصص أو منفصلًا. ومنهم من قال: لا يصير مجازًا إلا إذا كان متصلًا. والصحيح المختار أن القرينة المخصصة: إن كانت مستقلة به، نحو دلالة العقل وقول المتكلم "أردت به البعض الفلاني"، يصير مجازًا. وإن لم يستقل، لا يصير مجازًا. والدليل على ذلك أن القرينة إذا كانت مستقلة، كان لفظ العموم مستعملًا وفي غير ما وضع له، لأن اللفظ موضوع للكل، وقد استعمل في البعض، وهذا هو المجاز. فإن قيل: المتكلم ما أراد البعض باللفظ وحده، بل باللفظ مع القرينة، فلم يكن استعمال اللفظ في غير ما وضع له. ولئن قلنا إنه [ما] أراد باللفظ وحده، ولكن لم لا يجوز أن يكون اللفظ مع القرينة موضوعًا للبعض، ومع فقد القرينة موضوعًا للكل؟ - قلنا: أما الأول- فباطل، لأن فيه رفع المجاز عن الكلام، بأن يقال في كل مجاز: إنه ما أراد باللفظ وحده بل باللفظ مع قرينة، وقد أبطلنا هذا فيما تقدم. ويلزم أن يكون الكلام المستقل الذي اقترنت به القرينة المستقلة، لا حقيقة ولا مجازًا، لأنه ما عنى به ما وضع له ولا غير ما وضع له، والكلام المستقل لا يخلو: إما أن يكون حقيقة أو مجازًا. ويلزم أيضًا أن تكون المعاني من الحقائق، لأن القرينة قد تكون شاهد حال وغيره، مما لا يجوز وصفه بالحقيقة والمجاز. ولأن القرينة قد تكون فعل غير المتكلم، نحو أن يتكلم النبي ﵇ بلفظه العام

стр. 234

فيخصه الله تعالى، فلا يستقيم أن يقال: إن النبي ﵇ أراد ما أراد باللفظ وبما يحدث بإحداث الله تعالى. وأما الثاني- فباطل أيضًا، لأن القرائن كثيرة لا يمكن حصرها، ليضعوا [مع] لفظه العموم القرينة، لما تقتضيه القرينة. ولأن هذا شيء لم يشهد به أهل اللغة [إذ] لم يُنقل عن واحد منهم هذا النوع من الوضع، والحقيقة لا تثبت إلا بالنقل. هذا إذا كانت القرينة مستقلة. أما إذا لم تكن القرينة مستقلة، نحو الشرط والصفة والاستثناء، [فـ] لا يصير مجازًا، لأن هذه الأمور إذا اقترنت بالكلام تصير من جملة الكلام، وصار الكل كلامًا واحدًا، فلا يكون البعض بانفراده لا حقيقة ولا مجازًا، بل هذه الجملة المركبة حقيقة في الثاني. والدلالة عليه أن قول القائل: "اضرب الناس الطوال" أو "إن كانوا طوالًا" أو "إلا من قام منهم" لا يخلو: إما إن أُريد البعض باللفظ وحده، أو بمجموع الأمرين: لا وجه إلى الأول، لأنه لو أريد باللفظ وحده، لم يكن أريد بهذه الأمور شيئًا، لأن هذه الأمور ما وضعت لشيء مستقل في دلالتها على ذلك، فيقال: أراد [ذلك الشيء] باللفظ وحده، وأراد بهذه الأمور ما يقتضيه هذه الأمور، ولأنه لما أراد البعض باللفظ وحده، لم يبق شيء أراد [هـ] بهذه الأمور.

стр. 235

فإن قيل: أراد البعض باللفظ وحده، لكن عند هذه الأمور تصير هذه الأمور كالقرينة الحالية- قلنا: هذه الأمور من جنس الكلام، فنقول: على ما تدل عليه بالطريق الذي يدل عليه الكلام، لا على مثال قرينة الحال، فتصير هذه الأمور مع اللفظ دلالة على إرادة البعض بجهة واحدة، فلم يكن اللفظ بانفراده لا حقيقة ولا مجازًا، بل الجملة حقيقة في البعض- والله تعالى أعلم. ٥٤ - باب في: أن العام المخصوص- هل يصح الاستدلال به فيما عدا المخصوص أم لا ؟ اختلف أهل الأصول في أن العام المخصوص هل يصح الاستدلال به؟ قال بعضهم: لا يصح الاستدلال به أصلًا على كل حال. وقال بعضهم: يصح على كل حال. [و] قال بعضهم: يصح الاستدلال به في حال دون حال، واختلفوا في تفصيل تلك الحالة: قال بعضهم: إن خصَّ بدليل متصل به، نحو الشرط والصفة والاستثناء، يصح الاستدلال به. وإن خص بدليل منفصل، لا يصح الاستدلال به- وهو قول أبي الحسن الكرخي ﵀.

стр. 236

وقال بعضهم: إن كان المخصص منع تعليق الحكم بالاسم العام، وأوجب تعليقه بشيء لا ينبئ عنه الاسم: لا يصح الاستدلال به. وإن لم يمنع من تعلق الحكم بالاسم العام: يصح ذلك. مثال الأول- آية السرقة، وهي قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾: فإن قيام الدلالة على اشتراط الحرز والقدر يمنع من تعلق القطع باسم السارق، وأوجب تعليقه بشيء لا ينبئ عنه الاسم. ومثال الثاني- قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾: فإن قيام الدلالة على المنع من قتل معطي الجزية [لا] يمنع من تعلق القتل باسم المشرك. والمختار- أنه يصح الاستدلال به فيما وراء المخصوص مطلقًا. والدلالة على ذلك وجهان: أحدهما- أن معنى قولنا: "يصح الاستدلال" هو أن يتوصل به إلى العلم بحكم ما عدا المخصوص، وهو قائم بعد التخصيص، لأن اللفظ متناول لما عدا المخصوص، أعني أنه دليل على إرادته بأصل الوضع، لأن اللفظ في الأصل

стр. 237

موضوع للاستغراق وللكل، والكل ليس إلا آحاد [أ] اجتمعت، فجرى اللفظ في تناوله الآحاد مما دخل تحته، مجرى ألفاظ موضوعة لكل واحد من آحاده. فإذا خص البعض، بقي دليلًا على إرادة الباقي، بحكم الوضع. ولهذا المعنى صح الاستدلال قبل التخصيص، فصح قولنا: إنه يتوصل به إلى الحكم فيما عداه. فإن قيل: العام بعد التخصيص يصير مجازًا على ما ذكرنا، فلا يصح التمسك فيما تناوله بحكم الوضع، لأن ذلك حمل له على حقيقته، ومحال أن يكون اللفظ مقررًا في موضوعه حائدًا عن موضوعه. ولأن اللفظ بالتخصيص يصير مجملًا، والتعلق بالجمل لا يصح. وبيان الإجمال أن الحكم قبل التخصيص كان متعلقًا بظاهر الاسم، وبعد التخصيص لم يبق متعلقًاب ظاهره- ألا ترى أن المخصوص شارك ما عدا المخصوص في الاسم وفارقه في الحكم، وجرى العام بعد التخصيص مجرى اسم الصلاة في أنه لما دخل فيها أفعال لا ينبئ عنها الاسم لغة، لا يصح التمسك به لإيجاب الصلاة الشرعية، فكذا هذا- قلنا: اللفظ إنما صار مجازًا من حيث إنه لم يوضع لما عدا المخصوص على الانفراد، لا أنه لم يوضع له أصلًا، وهذا النوع من المجاز لا يمنع من صحة الاستدلال به، على ما ذكرنا: أنه يدل على إرادة ما عداه. وأما قوله: بأنه صار مجملًا- قلنا: لا كذلك، لأن المجمل ما لا يعرف مراده، وقد ذكرنا أن التخصيص يُعلم أن المراد منه الباقي، لأنه متناول له بحكم الوضع. قوله: المخصوص شارك غير المخصوص في ظاهر الاسم- قلنا: فلو خلينا وظاهر الاسم، لكنا لا نفصل بينهما، إلا أنا امتنعنا من تعليق الحكم به في المخصوص، لمانع، ولا مانع فيما عداه، فيتعلق به، بخلاف اسم "الصلاة"،

стр. 238

لأنه ليس من الصلاة ما ينبئ عنه الاسم لغة، بل المراد منه الأفعال المعهودة، فلا يصح التمسك به، لإثبات حكمه فيما هو المراد باللفظ، لنه غير معلوم باللفظ لغة. والوجه الثاني- إجماع الصحابة ﵃ فإنه رُوي عن علي ﵁ أنه قال: نتمسك في الجمع بين الأختين المملوكتين بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ويقول: "أحلتهما آية وحرمتهما آية فالتحريم أولى". ومعلوم أن قوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ خصَّ منه البنت والأخت من الرضاع. وعن عثمان ﵁ أنه كان يتمسك على هذا الوجه. وعن ابن عباس ﵁ أنه كان يتمسك بقوله تعالى: ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللَاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ في التحريم بالرضعة الواحدة، وردَّ لذلك خبر ابن الزبير ﵁ وهو قوله: "لا تُحرِّم الرضعة والرضعتان"- إلى غير ذلك من وجوه الاستدلال بالعمومات المخصوصة. ولم يُنقل عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، فكان إجامعًا. وأما من فصل بين ما يمنع تعلق الحكم باسم عام وبين ما لا يمنع-[فـ] قال بأن قيام الدليل على اشتراط الحرز والمقدار أوجب تعليق الحكم

стр. 239

بأمر لا ينبئ عنه الاسم- ألا ترى أنه لا يجوز لنا أن نُقدم على قطع السارق إلا بعد أن نعرف أنه سرق مالًا مقدرًا من حرز، ولو شككنا فيه لا يجوز قطعه. فلم يكن ظاهر لفظ العموم كافيًا في الدلالة على الحكم، فلا يصح التعلق به، بخلاف سائر العمومات المخصوصة، لأن ظاهر اللفظ دليل عليه، إلا أن دلالة التخصيص أوجبـ[ـت] خروج بعض المسمى، فبقي ظاهر اللفظ معمولًا به فيما وراءه. والجواب: قلنا: لا فرق بينهما، فإن قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ﴾ يتناول كل سارق، سرق قليلًا أو كثيرًا، من حرز أو غيره- فيصح الاستدلال به على وجوب القطع على كل من اختص بهذين الشرطين، لأنه سارق، ولا مانع يمنعه من قطعه- ألا ترى أنا لو خلينا وظاهر النص، لكنا نجوز قطع سارق لم يختص بهذين الشرطين، فكان الحكم متعلقًا بما ينبئ عنه السام. قوله: لا يجوز لنا أن نُقدم على قطع السارق إلا بعد أن نعرف هذين الشرطين- قلنا: إنما لا يجوز ذلك لنعرف دليل أنه غير داخل تحت التخصيص، لا لنعرف أنه داخل تحت القطع. والقول في هذا، وفي سائر العمومات المخصوصة، سواء، فإن قوله تعالى:

стр. 240

﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ لما قامت الدلالة على منع قتل معطي الجزية، لا يجوز لنا أن نقتل مشركًا إلا بعد أن نعرف أنه [من] غير معطي الجزية، ومتى شككنا فيه لا نعوز قتله، ومع هذا: صح الاستدلال بها، بالطريق الذي قلنا- كذا هذا. هذا كله إذا كان المخصوص معلومًا، فإن كان مجهولًا [فـ] لا يصح التعلق به فيما وراءه، لأنه يوجب جهالة في الباق، لأنه بيان كالاستثناء، فيصير كأنه قال: "اقتل المشركين إلا رجلًا". والله أعلم. ٥٥ - باب في: تخصيص العام بالعادة: اعلم أن العادة التي هي خلاف العموم على ضربين: عادة في الفعل، وعادة في الاستعمال. - أما العادة في الفعل- فعلى ضربين: أحدهما- جرت من غير استحسان من الأمة. وهذا لا يجوز تخصيص العام به. نظيره: أن يعتاد الناس شرب بعض الدماء، ثم يحرم الله تعالى الدماء كلها، بلغت عام: [فـ] لا يجوز تخصيصه بتلك العادة، لأن العام دليل، والعادة ليست بدليل، لن الناس كما يعتادون الحسن يعتادون القبيح. والثاني- جرت مع استحسان من الأمة، نحو الاستصناع فيما فيه تعامل الناس، وهو تخصيص نهي النبي ﵇ عن بيع ما ليس عند الإنسان.

стр. 241

ولقائل أن يقول: هذا تخصيص بإجماع الأمة على جواز ذلك وحُسْنه، ولا بالعادة. - وأما العادة في الاستعمال: فبأن كان الاسم الدابة: فإنه اسم لكل ما يدبُّ على وجه الأرض والناس تعارفوا استعماله في الفرس، فلو تعبدنا الله تعالى بشيء في الدابة، ينصرف التعبد إلى ما تعارفه الناس. ولقائل أن يقول: هذا ليس بتخصيص على الحقيقة، لأن الناس لما تعارفوا استعماله في الفرس صار حقيقة فيه، وصار كالموضوع له، وكالمجاز فيما وضع له في الأصل. ٥٦ - باب في: أن العام: هل يخص لوروده على سبب خاص أم لا ؟ اعلم أن سبب الخطاب هو ما يدعو إلى الخطاب. وذلك ضربان: أحدهما- دنو وقت العبادة، ووقوع الحاجة إلى بيان الحكم. والآخر- سؤال السائل، وهو على ضربين: أحدهما- أن يستقل الخطاب الذي خرج جوابًا له بنفسه. والآخر- لا يستقل بنفسه.

стр. 242

-[أما الذي لا يستقل بنفسه]- فبأن كان بحال لا يفهم منه شيء لو انفرد، نحو قوله ﵇ حين سُئل عن بيع الرُّطب بالتمر: "أوَ ينقص [الرُّطب] إذا جفَّ؟ فقيل: نعم، فقال: لا- إذن". والحكم فيه أن يقتصر على سببه، ولا يتعدى إلى غيره، لأن قوله: "لا- إذن" نفي للمذكور، ولا مذكور في كلام الرسول، ولا كلام السائل إلا بيع الرطب بالتمر، فاقتصر نفي الجواز عليه. فإن قيل: هلَّا كان هذا نفيًا لجواز [بيع] كل ما ينقص إذا جفَّ بما قد جفَّ، فيصير كأنه قال: إذا كان الحال هكذا [فـ] لا يجوز بيعه- قلنا: إن عنيت بهذا أن انتفاء جواز بيع ما ينقص إذا جفَّ معقول بطريق القياس، فلا نأبى ذلك. وإن عنيت به أن قوله: "فلا إذن" ينفيه بنفسه، فباطل، لأن السؤال لم يقع عنه. - وأما الذي يستقل بنفسه- نحو قوله ﵇: "الخراج بالضمان": فإن هذا ورد على سبب خاص، وهو السؤال عن عبد بعينه. والحكم فيه، وفي كل سبب خاص غير السؤال، عندنا أن لا يقتصر عليه. بل يتعدى إلى كل ما يتناوله العام، إلا إذا دلَّ الدليل [على قصره على سببه]،

стр. 243

نحو العادة في قوله: "تَغدَّ معي" فقال: "لا أتغدى والله": يتقيد اليمين بالغداء المدعو إليه بالعادة- وهذا عندنا. وقال الشافعي ﵀: يقتصر على سببه في جميع المواضع. والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن اللفظ العام إذا ورد ابتداء على سبب، إنما يجب العمل بعمومه لتناول اللفظ الكل لغة لما مرَّ، وهذا لا ينعدم إذا كان السبب الذي ورد عليه خاصًا، فيجب العمل بعمومه أيضًا، إذا الحكم يثبت باللفظ لا بالسبب. والمخالف احتج بأشياء: منها- أن العادة تقتضي قصر الخطاب على سببه، كما في قول القائل: "تغدَّ معي" فقال: "لا أتغدى والله". ومنها- أنه لو أجرى اللفظ على عمومه، لكان جوابًا وابتداء، والقصد في الجواب ينافي القصد إلى الابتداء، لأن الجواب ما يكون بناء، والابتداء لا يكون بناء، والقصد إلى البناء مع القصد إلى ترك البناء يتنافيان.

стр. 244

ومنها- أنه لو تعدى إلى غيره لما أخر البيان إلى هذه الحالة، لأن هذه الحالة وما قبلها من الخلاف في حق الحاجة إلى البيان سواء. ومنها- أن الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسؤال، وإنما يكون مطابقًا إن لو كان مساويًا له، وإذا تعدى إلى غيره لم يكن مساويًا له، فلم يكن مطابقًا- ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون أنقص من السؤال لانعدام المطابقة. والجواب: أما الأول- قلنا: لا نسلم أن العادة في حق النبي ﵇ أن يكون المراد من خطابه ما وقع السؤال عنه. أما مسألة الغداء -فمن عادة الناس أنهم يدرون ذلك. ولم يجب- إذا غيَّر قبل الحف ما دعى إليه من الغداء- أن يغير خطاب النبي ﵇، فلا نغير. وأما الثاني- قلنا: إن عنيت بالابتداء والبناء- أنه جواب عما وقع السؤال عنه، وابتداء فيما لم يقع عنه السؤال، فنحن هكذا نقول. لكن القصد إلى ذلك لا يتنافيان، ألا ترى أنه لا يتنافى القصد إلى ذلك في خطاب يتعدى إلى غيره، نحو قوله ﵇ حين سئل عن ماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"- فكذا هذا. وأما الثالث- قلنا: لا يمتنع أن تكون المصلحة في أني بين حكم ما عدا ما وقع السؤال عنه، ألا ترى أنه يجوز أن يبين الحكم ابتداء ولا يقال إنه

стр. 245

لو كان الحكم ثابتًا لما أخر البيان إلى هذه الحالة، ولأن مثل هذا لا يمتنع في خطاب يتعدى إلى غيره مما ليس من جنسه- فكذا هذا. وأما الرابع- قلنا: إن عنيت بالمطابقة المساواة، فلا نسلم أنها شرط. وإن عنيت به أنه يجب أن يكون متضمنًا لجميع ما وقع السؤال عنه، فمسلم. ولكن هذا كما يحصل بالمساواة وحدها، يحصل بالمساواة مع المجاوزة، كما في خطاب يتعدى إلى غيره مما ليس من جنسه- فكذا هذا. قوله: لا يجوز أن يكون الجواب أخص من السؤال- قلنا: إنما لا يجوز ذلك، لأن السؤال لما وقع عن جملة: فإذا اقتصر في الجواب على البعض، فقد أخل ببيان واجب، ولا كذلك إذا كان الجواب أعم، لأنه ما أخ ببيان واجب، حتى إن كان السائل من أهل الاجتهاد، وفي الوقت سعة، جاز أن يقتصر على البعض، ونبَّه على الباقي بالقياس عليه. ٥٧ - باب في: تخصيص عموم الابتداء بخصوص الانتهاء، وتخصيص عموم الانتهاء بخصوص الابتداء: اعلم أن ألفاظ العام إذا تعقَّبها تقييد، بصفة أو باستثناء أو بشرط أو بحكم، وكان ذلك لا يتأتى إلا في بعض ما تناوله اللفظ العام- اختلف الناس فيه: ذهب الأكثرون إلى أنه يُحمل على الكل. وذهب بعضهم إلى أنه يُحمل على البعض. والمختار أنه يُتوقف فيه.

стр. 246

مثال التقييد بالاستثناء- قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ﴾ إلى قوله: ﴿إلَاّ أَن يَعْفُونَ﴾: علَّق العفو بكناية راجعة إلى النساء، ومعلوم أن العفو إنما يصح من المالكات لأمورهن، دون الصغيرة والمجنونة والأمّة، فالمراد من النساء المذكورات في صدر الكلام: [هل] اللواتي يصح منهن العفو أو الكل؟ - فهو على هذا الخلاف. ومثال التقييد بالصفة- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾

стр. 247

يعني الرغبة في مراجعتهن، ومعلوم أن الرغبة في المراجعة يتأتى في المطلقات الرجعيات، دون البائنات. ومثال التقييد بالحكم- قوله: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وأراد به الرجعة، ومعلوم أن ذلك لا يصح إلا في المطلقات الرجعيات دون البائنات، فالمراد من العام: [هل] الكل أو المطلقات الرجعيات: فهذا على الخلاف الذي ذكرنا. - أما الأكثرون-[فـ] ذهبوا إلى أن الأصل في اللفظ العام أن يجري على عمومه إلا أن يضطرنا دليل إلى أن تخصصه، وخصوص آخره لا يضطرنا إلى تخصيص أوله، لجواز أن يكون المراد بالأول عامًّا وبالثاني خاصًا، فبقى اللفظ عامًّا، فيجب العمل بعمومه. - واحتج الفريق الثاني بأن المذكور في آخر الكلام كناية، كما في قوله تعالى: ﴿إلَاّ أَن يَعْفُونَ﴾ أو جارْ مجرى الكناية. ومن حق الكناية أن يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره، لأن الكناية تنصرف إلى المذكور السابق، والمذكور السابق هو النساء المطلقات، فانصرفت الكناية إليهن، فصار الكل موصوفًا بهذا الوصف، وهو كونهن مالكات لأمورهن- ألا ترى أن قائلًا لو قال: "من دخل من

стр. 248

عبيدي الدار فاضربهن إلا أن يتوبوا" انصرفت الكناية إلى جميع ما تقدم ذكره، وجرى ذلك مجرى قوله: "إلا أن يتوب عبيدي الداخلون الدار"- كذا هذا، وصار كأنه قال: "إلا أن يعفو النساء المطلقات". - والدليل على صحة المذهب المختار هو أن ظاهر العموم يقتضي التعميم، وظاهر الكناية يقتضي التخصيص، وليس التمسك بأحدهما أولى من الآخر، فيجب التوقف. فإن قيل: التمسك بظاهر العموم أولى، لأنه اسم ظاهر، وذلك كناية- قلنا: هذا ليس بأولى من قول القائل: التمسك بالكناية أولى، لأنه كناية.

стр. 249

٥٨ - باب في: أن المعطوف- هل يجب أن يضمر فيه جميع ما يجب إضماره في المعطوف عليه أم لا؟ وهل إذا وجب ذلك وكان المضمر في المعطوف مخصوصًا وجب أن يكون في المعطوف عليه مخصوصًا ام لا ؟ - قال عامة الأصوليين بأنه يجب ذلك فيه. - وقال أصحاب الشافعي- إنه لا يجب ذلك، ويبقى المعطوف عليه عامًّا. - والمختار أنه على التفصيل: * إن كان المعطوف مقيَّدًا بزيادة في الكلام، يقتصر في الإضمار على القدر الذي يصير الكلام به مستقلًا ولا يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره. * وإن لم يكن مقيدًا بزيادة، يجب إضمار جميع ماي مكن إضماره فيه، فيجب التوقف في عموم صدر الكلام وخصوصه. أما إذا كان المعطوف مقيدًا بزيادة: فمثاله قول القائل: لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى في الأشهر الحرم- يقتضي الإضمار على القدر الذي يصير الكلام به مستقلًا، حتى يصير كأنه قال: لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا [تقتلوا] النصارى في الأشهر الحرم، وإنما كان كذلك، لأنه مني قيده بزيادة علمنا أنه قصد به أن يخالف بينهما في كيفية القتل وجهته ويشركه في أصل القتل.

стр. 250

وأما إذا لم يكن مقيدًا بزيادة: ذهب عامة الأصوليين في ذلك أن قضية عطف الشيء على غيره أن يضمر فيه جميع ما هو مضمر في المعطوف عليه إذا أمكن- ألا ترى أن من قال لعبده: "لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا الخبز"، لا يقتصر في الإضمار على الشراء بل يضمر الشراء بالدراهم الصحاح حتى يصير معنى الكلام: "لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا تشتر الخبز بالدراهم الصحاح". وإنما وجب ذلك، لأن ظاهر العطف يقتضي اشترك المعطوف عليه في الحكم مطلقًا، لأن الواو للجمع مطلقًا على ما عرف. والحكم في هذا المثال ليس المنع من مطلق الشراء، بل هو المنع من الشراء بالدراهم الصحاح، فيصير مذكورًا في شراء الخبز تحقيقًا للعطف والاشتراك. فإن قيل، وهو شبهة المخالفين: الداعي إلى الإضمار في المعطوف فقد الاستقلال، إذ لو كان مستقلًا بنفسه لا حاجة إلى الإضمار، فيجب إضمار هذا القدر دون الزيادة- قلنا: هذا يوجب الإضمار، أما لا يمنع كون غيره موجبًا، وهو ما ذكرنا من قضية الجمع والاشتراك مطلقًا. إذ ثبت هذا بطل الاستدلال لأصحاب الشافعي ﵀ بقوله ﵇: "لا يُقتل مؤمن بكافر" على نفي قتل المؤمن بالذمي. لأنا نقول: المراد منه الكافر الحربي، لأن النبي ﷺ عطف عليه قوله: "ولا ذو عهد في عهده"،
следующие страницы →