← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133362

بذل النظر في الأصول

العلاء الأسمندي

Полный текст (696 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مثال التقييد بالاستثناء- قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ﴾ إلى قوله: ﴿إلَاّ أَن يَعْفُونَ﴾: علَّق العفو بكناية راجعة إلى النساء، ومعلوم أن العفو إنما يصح من المالكات لأمورهن، دون الصغيرة والمجنونة والأمّة، فالمراد من النساء المذكورات في صدر الكلام: [هل] اللواتي يصح منهن العفو أو الكل؟ - فهو على هذا الخلاف. ومثال التقييد بالصفة- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾

стр. 247

يعني الرغبة في مراجعتهن، ومعلوم أن الرغبة في المراجعة يتأتى في المطلقات الرجعيات، دون البائنات. ومثال التقييد بالحكم- قوله: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وأراد به الرجعة، ومعلوم أن ذلك لا يصح إلا في المطلقات الرجعيات دون البائنات، فالمراد من العام: [هل] الكل أو المطلقات الرجعيات: فهذا على الخلاف الذي ذكرنا. - أما الأكثرون-[فـ] ذهبوا إلى أن الأصل في اللفظ العام أن يجري على عمومه إلا أن يضطرنا دليل إلى أن تخصصه، وخصوص آخره لا يضطرنا إلى تخصيص أوله، لجواز أن يكون المراد بالأول عامًّا وبالثاني خاصًا، فبقى اللفظ عامًّا، فيجب العمل بعمومه. - واحتج الفريق الثاني بأن المذكور في آخر الكلام كناية، كما في قوله تعالى: ﴿إلَاّ أَن يَعْفُونَ﴾ أو جارْ مجرى الكناية. ومن حق الكناية أن يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره، لأن الكناية تنصرف إلى المذكور السابق، والمذكور السابق هو النساء المطلقات، فانصرفت الكناية إليهن، فصار الكل موصوفًا بهذا الوصف، وهو كونهن مالكات لأمورهن- ألا ترى أن قائلًا لو قال: "من دخل من

стр. 248

عبيدي الدار فاضربهن إلا أن يتوبوا" انصرفت الكناية إلى جميع ما تقدم ذكره، وجرى ذلك مجرى قوله: "إلا أن يتوب عبيدي الداخلون الدار"- كذا هذا، وصار كأنه قال: "إلا أن يعفو النساء المطلقات". - والدليل على صحة المذهب المختار هو أن ظاهر العموم يقتضي التعميم، وظاهر الكناية يقتضي التخصيص، وليس التمسك بأحدهما أولى من الآخر، فيجب التوقف. فإن قيل: التمسك بظاهر العموم أولى، لأنه اسم ظاهر، وذلك كناية- قلنا: هذا ليس بأولى من قول القائل: التمسك بالكناية أولى، لأنه كناية.

стр. 249

٥٨ - باب في: أن المعطوف- هل يجب أن يضمر فيه جميع ما يجب إضماره في المعطوف عليه أم لا؟ وهل إذا وجب ذلك وكان المضمر في المعطوف مخصوصًا وجب أن يكون في المعطوف عليه مخصوصًا ام لا ؟ - قال عامة الأصوليين بأنه يجب ذلك فيه. - وقال أصحاب الشافعي- إنه لا يجب ذلك، ويبقى المعطوف عليه عامًّا. - والمختار أنه على التفصيل: * إن كان المعطوف مقيَّدًا بزيادة في الكلام، يقتصر في الإضمار على القدر الذي يصير الكلام به مستقلًا ولا يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره. * وإن لم يكن مقيدًا بزيادة، يجب إضمار جميع ماي مكن إضماره فيه، فيجب التوقف في عموم صدر الكلام وخصوصه. أما إذا كان المعطوف مقيدًا بزيادة: فمثاله قول القائل: لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى في الأشهر الحرم- يقتضي الإضمار على القدر الذي يصير الكلام به مستقلًا، حتى يصير كأنه قال: لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا [تقتلوا] النصارى في الأشهر الحرم، وإنما كان كذلك، لأنه مني قيده بزيادة علمنا أنه قصد به أن يخالف بينهما في كيفية القتل وجهته ويشركه في أصل القتل.

стр. 250

وأما إذا لم يكن مقيدًا بزيادة: ذهب عامة الأصوليين في ذلك أن قضية عطف الشيء على غيره أن يضمر فيه جميع ما هو مضمر في المعطوف عليه إذا أمكن- ألا ترى أن من قال لعبده: "لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا الخبز"، لا يقتصر في الإضمار على الشراء بل يضمر الشراء بالدراهم الصحاح حتى يصير معنى الكلام: "لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا تشتر الخبز بالدراهم الصحاح". وإنما وجب ذلك، لأن ظاهر العطف يقتضي اشترك المعطوف عليه في الحكم مطلقًا، لأن الواو للجمع مطلقًا على ما عرف. والحكم في هذا المثال ليس المنع من مطلق الشراء، بل هو المنع من الشراء بالدراهم الصحاح، فيصير مذكورًا في شراء الخبز تحقيقًا للعطف والاشتراك. فإن قيل، وهو شبهة المخالفين: الداعي إلى الإضمار في المعطوف فقد الاستقلال، إذ لو كان مستقلًا بنفسه لا حاجة إلى الإضمار، فيجب إضمار هذا القدر دون الزيادة- قلنا: هذا يوجب الإضمار، أما لا يمنع كون غيره موجبًا، وهو ما ذكرنا من قضية الجمع والاشتراك مطلقًا. إذ ثبت هذا بطل الاستدلال لأصحاب الشافعي ﵀ بقوله ﵇: "لا يُقتل مؤمن بكافر" على نفي قتل المؤمن بالذمي. لأنا نقول: المراد منه الكافر الحربي، لأن النبي ﷺ عطف عليه قوله: "ولا ذو عهد في عهده"،

стр. 251

والمعطوف يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما في المعطوف عليه، والمظهَر في المعطوف [عليه] قتل بكافر، فيجب أن يضمر كلاهما في المعطوف، فصار معنى الكلام: ولا يقتل ذو عهد بكافر، ولا يقتصر على قوله: "ولا يُقتل ذو عهد" لأن المظهَر في المعطوف [عليه] ليس مطلق القتل بل قتل المؤمن بالكافر، ومعلوم أن ذا العهد يقتل بالكافر الذميِّ، ولا يقتل بالكافر الحربي، فكذلك المضمر في المعطوف: يجب أن يكون مخصوصًا بالكافر الحربي، لأن المضمر في المعطوف ما هو المظهَر في المعطوف عليه، فلو جعلنا الكافر في المعطوف عليه عامًّا وفي المعطوف خاصًّا لم نكن قد أشركنا المعطوف والمعطوف عليه في الحكم. إذا ثبت هذا نقول: لما كان الكافر في المعطوف مخصوصًا بالحربي، فكذلك في المعطوف عليه: هذا هو تقرير هذا المذهب- إلا أنَّا نقول بأن المعطوف في هذا الحديث تقيد بزيادة وهو قوله: "ولا ذو عهد في عهده" أي لأجل عهده، وما دام تمسكًا بعهده، وقد ذكرنا أن في مثل هذا الموضع لا يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره فيه، فلو وجب الإضمار كان الأولى فيه الوقف، كما اختران من المذهب [القول] بالوقف- والله أعلم. ٥٩ - باب في: أن ذكر بعض ما شمله العام هل يوجب تخصيص العام أم لا ؟ اعلم أن الخبر العام إذا ورد واقتضى تعليق الحكم بأشياء، ثم ورد خبر خاص يقتضي تعليق الحكم ببعض تلك الأشياء- لا يدل ذلك على أن ما عداه خارج عن حكم العام.

стр. 252

مثاله- قوله ﵇، في شاة ميمونة، لميمونة، لميمونة: "دباغها طهورها"، فإن هذا لا يجعل مخصصًا لقوله ﵇: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُرَ". وبعض الناس جعلوه مخصصًا. والدلالة على بطلان ذلك: أما على قول من لا يجعل تخصيص الشيء بالذكر نفيًا لما عداه: فظاهر، لأنه لا يتعرض لما عداه أصلًا. وعلى قول من يجعل ذلك: إنما يكون تخصيصًا لو استوى الخاص والعام

стр. 253

في القوة، ولا تساوى هنا، لأن العام صريح فيما تناوله، والخاص دليل على انتفاء الحكم عما عداه، ولا شك أن الصريح أقوى من الدلالة. والله تعالى أعلم. ٦٠ - باب العمومين إذا تعارضا: اعلم أن العمومين إذا تعارضا: إما أن يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه، أو لا يمكن العمل بهما أصلًا. فإن أمكن: يعمل بكل واحد منهما، من الوجه الذي أمكن. فإذا تعذر الجمع بينهما. فإن عُرف التاريخ: يُجعل المتأخر ناسخًا للمتقدم. وإن جُهل التاريخ: يُرجح أحدهما على الآخر إذا أمكن. فإن تعذر الترجيح أصلًا: قال بعضهم بالتساقط. وقال آخرون: يُخير [المكلَّف] في العموم بأيهما شاء- وهو المختار.

стр. 254

والدلالة عليه- هو أن الوجوه الممكنة أربعة: - العمل بهما وهما متناقضان، و [هو] محال. - أطراحهما وتساقطهما. وهو باطل، لأن فيه إهمال الدليل، لأن أحدهما لا بدَّ أن يكون متأخرًا وإن لم نعرفه، وهو إخلاء الواقعة عن الحكم مع قيام الدليل المقتضي للحكم. - أو استعمال أحدهما دون الآخر بغير مرجَّح، وهو تحكم بلا دليل. - وإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا التخيير، الذي يجوز ورود التعبُّد به ابتداء، فإن الله تعلاى لو كلَّفنا واحدًا بعينه لنصب عليه أمارة وجعل لنا سبيلًا إليه. وتقرير هذا الكلام، وبيان وجوه الترجيح، وجواز القول بالتخيير عند تعذر الترجيح، ويجئ في مسألة تعادل الأمارتين في باب القياس إن شاء الله تعالى. [والله أعلم].

стр. 255

٨ باب في: المطلق والمقيد ٦١ - [باب في: تعريف المطلق]: اعلم أن اللفظ المطلق هو اللفظ المتناول لفرد غير معين، غير متعرض لصفة من الصفات- كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: فلفظة "الرقبة" مطلقة، لأنها تناولت فردًا من الرقاب غير متعرضة لصفة فيها، كالكفر والإيمان، والسواد والبياض، ونحو ذلك. وحكمه: عند بعض الفقهاء: إيجاب الفعل في واحد غير معين، وإنما يتعين ذلك بالفعل واختيار المكلِّف. وعندنا: إيجاب الفعل في كل الرقاب على البدل. وهذا على مثال الأمر بالأشياء على وجه التخيير، وقد قررنا الكلام فيه في باب الأوامر.

стр. 256

والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ لا تناولت [اللفظة] الرقبة ولم تتعرض للصفات، دل على أن المعول عليه والمؤثر في استيفاء المصلحة وكونه تكفيرًا، هو كونه رقبة فقط، لأن الله تعالى علَّق الأمر وكونه تكفيرًا، به لا بصفة أخرى، وكل ذات يسمى رقبة، فالفعل فيه يقع واجبًا وتكفيرًا، ولهذا لا يصح نفي واحد من الرقاب عنه. لا يقال: هذا بعينه، أو ذلك، غير مراد بالنص، إلا أن الفعل في الكل واجب على البدل لا على الجمع، فإذا وجد الفعل في واحد منهما حصلت المصلحة مستوفاة، فيسقط الثاني- هذا معنى قولنا: إن المطلق عامٌّ معنى إن كان خاصًا صورة. فإن قيل: - قوله: "رقبة" تناول فردًا واحدًا، والعام ما يكون مستغرقًا، فكيف يمكن دعوى العموم فيه؟ . - والثاني- إن الرقبة المطلقة على هذا التفسير لا وجود لها في العالم، فلا يتصور إيقاع التحرير فيها، لن الذات الموصوف بكونها رقبة، ولا يوجد فيها صفة أخرى، لا وجود لها في العالم- فكيف يجب إيقاع التجويز فيها؟ . قلنا: - قوله "رقبة": إن كان فردًا ولكنه نبَّه على المعنى الذي لأجله تناوله وتعلق الحكم به، وهو كونها رقبة فقط، فكان متناولًا لكل ما هو رقبة معنى، بمنزلة قوله "تحرير الرقبة كفارة" لكونها رقبة فقط، ولو كان لفهم منه العموم على البدل- فكذا هذا. - وقوله: الذات المطلق على هذا التفسير لا وجود له- قلنا: بلى،

стр. 257

لكن اللفظ المطلق ليس ما يتناول ذاتًا لا صفة له في الوجود، بل اللفظ المطلق ما يتناول ذاتًا له صفات في الوجود، لكنه تعرض لذاته في الحكم المتعلق به لا بشيء من صفاته، والذات الذي يتعرض النص لذاته ويتعلق الحكم بذاته لا بصفاته، لها وجود، ولا نعني باللفظ المطلق والرقبة المطلقة إلا هذا- فلم يكن إيجابًا للفعل فيما لا وجود له. ٦٢ - باب في: أن المطلق إذا دخله قيد- هل يصير مجازًا، وهل يصح التعلق به في الباقي ؟ اعلم أن الكلام في هذا الفصل كالكلام في العام إذا دخله تخصيص، لأنًّا متى بيّّنا أن المطلق عام معنى، كان دخول القيد فيه كإخراج بعض ما تناوله العام. والكلام في ذلك وصيرورته مجازًا، وصحة التعلق به في الباقي، كما بيَّنا- فكذا هذا. والله أعلم. ٦٣ - باب في: حمل المطلق على المقيد: اعلم أن الكلامين إذا وردا وأحدهما مطلق والآخر مقيد، [فـ] لا يخلو: إما إن وردا في حادثة واحدة، أو في حادثتين. فإن وردا في حادثة واحدة: وذلك نحو قوله ﵇ في كفارة اليمين: "إذا حنثتم فأعتقوا رقبة" ثم يقول: "إذا حنثتم فأعتقوا رقبة مؤمنة": لو خُلينا وظاهر النص لكنا نوجب إعتاق رقبتين

стр. 258

إذ كان الأمر المتكرر يقتضي تكرار المأمور به. وإن علمنا، بدلالة الإجماع، أن المأمور به واحد، [فـ] يجب حمل المطلق على المقيد، لأن الأمر المقيد يقتضي اعتبار هذا الوصف، فلو جوزناه بدونه، كان فيه إبطال قضية النص، وإنه لا يجوز. فإن قيل: وكذلك لو حملنا المطلق على المقيد، لأبطلنا الإطلاق عن المطلق، فلم كان ذلك أولى من هذا؟ بل يجب أن يحمل المقيد على الندب والمطلق على الوجوب عملًا بهما- قلنا: الأمر المقيد يقتضي اشتراط هذا الوصف، والمطلق يقتضي تعلق الجواز به، بدلالة أنه لو انفرد لا يجوز بدون هذا الوصف، والمطلق يقتضي أن لا يتعلق الجواز به، فوقع التعارض بينهما، والعمل بالمقيد أولى، لأنه أشد اختصاصًا بما تناوله من المطلق وأقل احتمالًا منه، فكان العمل به أولى، كالخبر الخاص مع العام، على ما ذكرنا من قبل. هذا إذا وردا في حادثة واحدة. وأما إذا وردا في حادثتين مختلفتين: نحو إطلاق الرقبة في كفارة الظهار، وتقييدها في كفارة القتل بصفة الإيمان: ذهب أصحابنا ﵏ إلى أنه لا يحمل المطلق على المقيد بل يجري كل واحد منهما على ما هو عليه من التقييد والإطلاق. وذهب أصحاب الشافعي ﵀ إلى أنه يحمل المطلق على المقيد ويجعل صفة الإيمان شرطًا في كلا الموضعين.

стр. 259

ونحن نقول: الخصم لا يخلو: إما أن يرجع في تقييد المطلق إلى نفس التقييد في المقيد، أو يرجع إلى تقييده بالقياس على المقيد: (أ) - فإن رجع إلى نفس التقييد- فالدلالة على بطلانه أن المطلق نص على حدة، والمقيد نص على حدة، ولكل واحد منهما قضية يجب ترتيبها عليه لو انفرد، فلماذا نترك العمل بأحدهما عند الاجتماع مع إمكان العمل بهما- وهذا لأن الكلامين إذا وردا وأحدهما مطلق والآخر مقيد، فتييد أحدهما إنما يدل على تقييد الآخر: إما لوصلة بينهما من جهة اللفظ، أو لوصلة بينهما من جهة الحكم. أما الوصلة من جهة اللفظ فبأن يكون أحدهما معطوفًا على الآخر مع إضمار شيء على ما تقدم ذكره، ولم يوجد ههنا. وأما الوصلة من جهة الحكم فبأن يمتنع اختلافهما في الإطلاق، ولا يمتنع ههنا، لأنه كما جاز أن تكون المصلحة فيهما في أن يتفقا في التقييد، جاز أن تكون المصلحة فيهما في أن يختلفا في التقييد- ألا ترى أنهما في البدل مختلفان: فإن الإطعام جُعل [بدلًا] في كفارة الظهار، ولم يُجعل بدلًا في كفارة القتل، فثبت أنه لا وُصلة بينهما

стр. 260

أصلًا، ولو جاز التقييد مع فقد الوُصلة- لجاز تخصيص أحد العمومين باعتبار أن الآخر مخصوص، وهنا لا يجوز. فإن قيل، وهو شبهة الخصم: الكفارات كلها جنس واحد، وهذا القدر يكفي للتعلق وتقييد البعض بالبعض، ألا ترى أن الله تعالى قيد الشهادة بالعدالة في موضع وأطلقها في موضع آخر، فإنه قال: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ وقال: ﴿وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، ثم جعل صفة العدالة شرطًا في الشهادات كلها. وكذا أطلق اليد في آية التيمم وقيدها بالمرافق في آية الوضوء. ثم حمل المطلق على المقيد بالإجماع. ولأن القرآن كله ككلمة واحدة، فإذا ثبت التقييد في البعض يثبت في الكل- ألا ترى أن الله تعالى قيَّد الذكر بالله تعالى

стр. 261

في قوله: ﴿والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وأطلقها في قوله: ﴿والذَّاكِرَاتِ﴾ ثم حمل المطلق على المقيد- كذا هذا. ولنا: - إن الكفارات، وإن اشتركت في الاسم، لكن اختلفت أسبابها وأحوالها، فجاز اختلافها في الإطلاق والتقييد -ألا ترى أنها اختلفت في البدل لاختلاف أسبابها- فكذا هذا. - وأما الشهادة: فلا نقول: يحمل المطلق على المقيد، بل شرطنا العدالة في كل الشهادات، بدليل يقتضي ذلك. - وأما تقييد اليد بالمرفق في باب التيمم-[فإنه] لا يحمل المطلق على المقيد، بل بدليل آخر، وهو بيان النبي ﷺ بالفعل، أو لأن بين التيمم والوضوء وُصْلة، لأن التيمم خلف عن الوضوء، فلا يخالفه فيما جعل خلفًا عنه. - وقوله بأن القرآن كله ككلمة واحدة، قلنا: * إن عنيت به أنه ككلمة واحدة في أنه يجب تقييد البعض بما قيد به البعض، فلسنا نسلم ذلك، وكيف يستقيم هذا وإنه لا يجب تقييد البعض بما قيد به البعض مخالفًا له في الحكم. * وإن عنيت به أنه ككلمة واحدة في أنه لا تناقض فيه، وأن الكل صحيح فمسلم، ولكن لم يوجب هذا تقييد البعض بالبعض.

стр. 262

- وأما قوله تعالى: ﴿والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قلنا: هذا التقييد ثبت بدليل، وهو أنه خرج مخرج المدح والحث عليه: ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وأَجْرًا عَظِيمًا﴾ فينصرف إلى ذكر الله تعالى لهذا المعنى. ولأنه ذكر معطوفًا على قوله تعالى: ﴿والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وهذا يوجب التعليق والتقييد به. أما ههنا-[فـ] أحدهما غير معطوف على الآخر، فلم يكن التقييد في البعض دليلًا على التقييد في البعض، فلا يقيد به. فإن قيل: المطلق محتمل للمقيد، وفيه نوع احتمال وإجمال، والمقيد مفسّر ومحكم، فيجب حمل المحتمل والمجمل على المفسر والمحكم- قلنا: لا إجمال ولا احتمال في المطلق، بل له قضية محكمة معلومة على ما ذكرنا من قبل. هذا إذا رجع في تقييد المطلق إلى نفس التقييد في المقيد. (ب) - فأما إن رجع إلى ذلك بالقياس- فالكلام فيه من وجوه: أحدها- إن تقييد المطلق نسخ لحكمه، وهو الإجزاء. لأن النص المطلق يقتضي الإجزاء بالفعل في مطلق الرقبة، أي رقبة كانت، على ما مرَّ. فإذا قيد بصفة الإيمان لم يبق الإجزاء بالفعل في مطلق الرقبة، ونسخ النص بالقياس لا يجوز. وهذا لأن قبل التقييد كان الإجزاء متعلقًا به لأجل أنه اعتاق رقبة. وبعد التقييد تعلق الإجزاء، لأنه إعتاق رقبة مؤمنة، فجرى التقييد بالصفة مجرى التقييد بإعطاء العشرة في أنه زيادة على النص، وإنه نسخ، لأن قبله يقتضي الإجزاء مع فقد هذه الزيادة، وبعده يرتفع هذا الحكم، وإزالة حكم شرعي نسخٌ له.

стр. 263

وثانيها- إن لم يكن هذا نسخًا بالقياس، لكنه قياس المنصوص على المنصوص، وهو باطل. وثالثها- إن كان هذا تخصيصًا للعام بالقياس، لكن تخصيص العام ابتداء لا يجوز، وإنما يجوز إذا كان قد خُصَّ منه بعضه، وبعض الكفارة لم يخصَّ منه شيء. ولو كان مطلقًا قيد بعضه، وبين الخصم قياسًا صحيحًا يقتضي تقييده بوصف الإيمان، فنحن تجوز ذلك- إنما الكلام في حمل المطلق على المقيد لا بهذا الطريق. والله أعلم.

стр. 264

٩ باب المجمل والمبين ٦٤ - [تعريفات]: نحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ تُستعمل في هذا الباب، نحو قولنا: "مُجْمَل" و"مُبيَّن" و"بيان" و"مُفسَّر" و"نَصٌّ" و"ظاهر". أما قولنا "مُجْمَل"- فيراد به ما يفيد جملة من أشياء. ومنه قولهم: "أجملت الحسابَ" أي جمعتُ. وعلى هذا المعنى يسمى العام "مجملًا" لأنه قد أجمل تحته المسميات. وقد يراد به ما لا يُعرف [به] مراد المتكلم. وحدُّه الصحيح في عرف الفقهاء أن "المجمل ما يراد به شيء معين في نفسه واللفظ لا يُعيِّنه". ولا يلزم على هذا قوله: "اضرب رجلًا"، لأن هذا لا يسمى "مجملًا"، لأنا قلنا: يفيد شيئًا معينًا في نفسه. وثمَّة ما أفاد ضرب رجل معين، فإنه لو ضرب أي رجل شاء كان ممتثلًا. ولا كذلك قوله: "قرء"، لأنه أفاد شيئًا معينًا: إما "الحيض" أو "الطهر"، ولا يعينه. وكذلك اسم "الصلاة": يفيد أفعالًا معينة واللفظ لا يعينها.

стр. 265

وأما "البيان"- فعلى نوعين. قد يكون عامًّا وقد يكون خاصًّا. أما العام: فهو الدلالة على المراد، إما القول أو الفعل. ومنه قول القائل: "بيَّن لي فلان [كذا وكذا] بيانًا ظاهرًا": سمَّى كشف المراد بيانًا. ويقال: "دللتُ فلانًا على الطريق وبيَّنته له". وأما الخاص: فهو، فيما تعارفه الفقهاء، "هو الدالُّ على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه في الإفادة". وأما "المُبيَّن"- فقد يُستعمل في خطاب يفتقر إلى البيان ولحقه البيان. وقد يستعمل في خطاب مبتدأ مُستغنٍ عن البيان. وكذلك "المُفسر"- وهو والمبين سواء، لأن معناه الكشف والإبانة. وقد يستعمل في خطاب مفتقر إلى التفسير، وقد ورد عليه التفسير. وقد يُستعمل في خطاب مبتدأ مستغن عن التفسير. وأما "النص": [فـ] قال بعضهم: هو كل خطاب عُرف مراده، سواء كان مستقلًا أو عُرف مراده بغيره. وعلى هذا: يسمى "المجمل" الذي لحقه البيان نصًّا. وحدُّه الصحيح: أن يشتمل على ثلاثة أشياء: أن يكون كلامًا. وأن يكون إفادته لمعناه ظاهرًا. وأن لا يتناول إلا ما هو نص فيه. وإن كان متناولًا لشيء واحد، كان نصًّا فيه. وإن كان متناولًا لأشياء، كان نصًّا فيها.

стр. 266

- أما اشتراط كونه كلامًا- فلأن أدلة العقول والأفعال لا تسمى نصوصًا. - وأما اشتراط إفادته معناه على سبيل الظهور- فلأن النص عبارة عن الظهور: يسمى منصّه العروس "منصّة" لارتفاعها وظهورها. - وأما اشتراط تناوله لما هو نص فيه -فلأن قول القائل "اضرب عبيدي" لم يقل أحد إنه نص في وجوب ضرب سالم منه، لأنه مُتناوَلٌ مع غيره. إذا ثبت هذا، قلنا في حد النص: هو كلام يفيد معناه ظاهرًا ولا يتناول أكثر مما هو نص فيه. فإن قيل: ألسنا نقول إن الله تعالى نص على إيجاب الصلاة وإن كان قوله "أقيموا الصلاة" مجملًا. قلنا: قوله: "أقيموا" ليس بمجمل في حق الإيجاب، فكان نصًا على الوجوب، لكنه مجمل في حق الصلاة، فلا جرم لا يسمى "نصًّا" في حق الصلاة بعد البيان. وأما "الظاهر": فما يفيد معناه على سبيل الظهور، سواء كان متناولًا له وحده أو مع غيره، وكان محتملًا للتأويل على بعض الوجوه.

стр. 267

وهو مفارق للنص من هذه الجهة، وإن كان مشاركًا له في اشتراط كونه كلامًا، واختصاصه بالكشف والظهور. والله أعلم. ٦٥ - باب في: معرفة ما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج إليه: - اعلم أن من البيان ما يكون عامًا، وهو الدلالة المطلقة. - ومنه ما هو خاص وهو الدلالة على المراد بأدلة شرعية. وهذا القسم يعرفه الفقهاء. فإن كان الكلام في الأول، فنقول: كل ما يصح أن يعلم ولا يعلم باضطرار- يحتاج إلى البيان. لأن ما يصح أن يعلم ولا يعلم باضطرار لا سبيل للعبد إلى العلم به إلا بالبيان، فاحتيج إلى البيان. وما يعلم باضطرار فذاك مستغنٍ عن البيان، لأن العبد مستغن عن تحصيل ما هو حاصل له. وإن كان الكلام في القسم الثاني [: الخاص] فنقول: [إن الدلالة الشرعية فيه ضربان: مستنبطة وغير مستنبطة]:

стр. 268

إن الأدلة التي هي مستنبطة [كالقياس، فلا إجمال فيها، فيقال: إنه يحتاج إلى بيان. وأما الدلالة غير المستنبطة فهي] ضربان: أقوال وأفعال. - وأما الأفعال- فكلها محتاج إلى دلالة تدل على الجهات التي تقع عليها: فمنها- ما يقترن بها دلالة تدل على الجهة التي تقع عليها، نحو صلاة النبي ﵇ بأذان وإقامة: تدل على وقوعها فرضًا. ومنها- ما لا يقترن بها دلالة فيحتاج إلى بيان آخر. - وأما الأقوال- فضربان: أحدهما- ما يكفي نفسه وصريحه على المراد في الدلالة على جهة الغرض. والآخر- لا يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد. أما الذي يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد- فلا يحتاج إلى البيان، لأنه لو احتاج إلى البيان لانتقض قولنا: إنه يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد. وأما الذي لا يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد- فضربان: أحدهما- لا يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد بوضع أهل اللغة. والآخر- لا بوضع أهل اللغة.

стр. 269

فالول: نحو الأسماء المشتركة- فإن قولنا: "قرء" غير موضوع لهما ولا لأحدهما بعينه، فنحتاج إلى البيان. وكذا قوله تعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فإن اسم "الحق" يقع على أشياء مختلفة الصفة، واللفظ لا يعينها واحتاج إلى البيان. وأما الضرب الثاني: فهو أن لا يكون مجملًا في نفسه، ولكن المتكلم استعمله في غير ما وضع له- وذلك ضروب: منها- أن يُستعمل لفظ العموم في الخصوص، وذلك لا يخلو: إما إن خص منه شيء معلوم، أو خص منه شيء مجهول: فالأول- يحتاج إلى بيان ما أريد منه وإلى بيان ما لم يُرد منه، وذلك نحو قوله: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وتناوله قوله: "لم أُرِدْ قتل بعضهم"، وليس دخوله تحت أحد النصين أولى من دخوله تحت الآخر، فيحتاج إلى البيان في ذلك. ومنها قوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم

стр. 270

مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: فهذه الآية لو اقتصرت على قوله: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ﴾ لا تحتاج إلى البيان، فإذا قيد بصفة الإحصان، وهي مجهولة، صار ما تناوله الإحلال مجهولًا. ومنها قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلَاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: لما قيده بالاستثناء، والمستثنى -وهو ما يتلى- مجهول، صار ما تناوله صدر الكلام مجهولًا محتاجًا إلى البيان. ومنها- المطلق الذي أريد به بعض المدة: يحتاج إلى البيان، لأن ظاهر اللفظ يقتضي ثبوته في كل المدة، فإذا أريد به البعض يحتاج إلى البيان. ومنها- النكرة في موضع الإثبات، إذا أريد به بعض معين، نحو أن يقول: "اضرب رجلًا"، لأنه لا يدري أي رجل أراد، فيحتاج إلى البيان. ومنها- الأسماء المنقولة عن معانيها إلى المعاني الشرعية. ومنها- ألفاظ المجاز كاسم الأسد والحمار: إذا أُريد به الشجاع والبليد. فهذه جملة ما يحتاج إلى البيان، وما لا يحتاج إلى البيان.

стр. 271

٦٦ - باب: ما أخرج من المجمل وهو منه- نحو إرادة المعنيين بعبارة واحدة: اعلم أن اللفظ المستعمل لا يخلو: إما إن أفاد فائدة واحدة، أو أكثر من فائدة واحدة. [فـ] إن أفاد فائدة واحدة -فلا خلاف في جواز إرادتها كلها بعبارة واحدة. وإن أفاد أكثر من فائدة واحدة- اختلفوا فيه: ذهب جماعة من أهل الأصول إلى المنع من جواز إرادتهما بعبارة واحدة، في حالة واحدة. وذهب بعض الفقهاء وجماعة من المتكلمين إلى جواز ذلك، إلا أن يتنافى الإرادتان، نحو استعمال صيغة "افعل" في الأمر والتهديد، لأن استعمالها في التهديد يوجب الكراهية وفي الأمر يوجب الإرادة، وبين الإرادة والكراهة تناف. والمختار من المذهب: أن اللفظ إذا تناول شيئين على سبيل الحقيقة، أو أحدهما على سبيل الحقيقة والآخر على سبيل المجاز، أو كلاهما على سبيل المجاز- جاز أن يراد [أ] في الإمكان بعبارة واحدة، ولا يجوز ذلك في اللغة. والدلالة على جواز ذلك في الإمكان أنه ليس بين إرادة الاعتداء من المرأة بالحيض وبين إرادة الاعتداد منها بالأطهار ما يمتنع [معه] اجتماعهما إذا لم يكن متكلمًا باسم "القرء". وكذلك يجب أن لا يكون بينهما ما يمنع اجتماعهما

стр. 272

إذا كان متكلمًا باسم "القرء"، لأن اللفظ لا يجعل ما ليس يمتنع ممتنعًا. وكذا ليس إرادة العقد بالنكاح وإرادة الوطء به ما يمنع من اجتماعهما إذا لم يكن متكلمًا باسم "النكاح". وكذا إذا كان متكلمًا باسم "النكاح". فإن قيل: إن لم يكن بين معنيين منافاة- لم قلتم: إنه يجوز اجتماعهما واجتماع إرادتهما. وهذا لأن المانع من اجتماع الشيئين ليس هو المنافاة فقط، بل يجوز أن يمتنع اجتماعهما لأمر يرجع إلى الغير. ألا ترى أنه يتعذر على واحد منا إرادة تعظيم زيد والاستخفاف به بفعل واحد في حالة واحدة، وإن لم يكن بين هذين الفعلين منافاة، إذ لا منافاة بين القيام عند حضور زيد وبين شتمه مثلًا، وكذا هذا: امتنع اجتماع الإرادتين لأجل العبارة- وبيان التعذر من وجهين: أحدهما- أن المستعمل للكلمة في المعنيين المختلفين قد استعملها فيما وضع لها، وعدل بها عن موضعها إلى غيره. واستعمال الكلمة في موضوعها مع العدول بها إلى غير موضوعها متنافيان، كإرادة الاقتصار على الشيء مع إرادة المجاوزة عنه. والثاني- أن المستعمل للكلمة في غير موضوعها لا بد أن يضمر فيها "كاف" التشبيه أو ما يجري مجرى الكاف، لأن قول القائل: "رأيت الأسد" وهو يريد الشجاع معناه: "رأيت ما هو كالأسد" والمستعمل لها في موضوعها لا يضمر كاف التشبيه، ومحال أن يضمر فيه كاف التشبيه ولا يضمر فيه ذلك. قلنا: إذا ثبت أنه ليس بين المعنيين تناف-[فـ] لا يمتنع اجتماعهما لأجل العبارة، لأن العبارة ليست إلا الكلام الدال على المراد بالشيء، ويجوز أن يكون الشيء الواحد دلالة على شيء واحد وعلى أشياء. ألا ترى إلى قوله ﵇: "الفخذ عورة" دلَّ على وجوب ستر الفخذ وستر بعض الركبة،

стр. 273

بخلاف إرادة [تعظيم زيد] مع إرادة استخفافه، لأنـ[ـه] بين التعظيم والاستخفاف تناف، لأن التعظيم ينبئ عن ارتفاع حاله والاستخفاف ينبئ عن اتضاع حاله، وبين كونه مرتفع الحال وبين كونه متّضع الحال تناف- ألا ترى أنه يتعذر اجتماعهما على فعلين. وإذا ثبت أنـ[ـه] بين وجوديهما تناف، تعذر اجتماع الدواعي إليهما، فيتعذر الجمع بين إرادتيهما، لأن الإرادة تمنع الداعي. أما هنا [فـ] ليس بين الانتهاء عن العقد وبين الانتهاء عن الوطء تناف. وكذا ليس بين الاعتداد بالأطهار وبين الاعتداد بالحيض تناف، فلا يتصور إرادتهما في حالة واحدة. قوله: المستعمل للكلمة في المعنيين استعملهما في موضوعها وعدل بها عن موضوعها: إن عنى به أنه أراد إيقاعه دليلًا على غير ما وضع له، كما أراد إيقاعه دليلًا على ما وضع له- لم قلت إن ذلك ممتنع، وفيه وقع النزاع؟ . وإن عنى به أنه أراد استعمالها في غير ما وُضع له، وقصد ترك استعمالها فيما وُضع لها، فلا نسلم أنه عدل عن موضعها إلى غير موضعها على هذا التفسير، بخلاف إرادة الاقتصار وإرادة المجاوزة، لأن الاقتصار على الشيء ليس إلا ترك المجاوزة، والمجاوزة هي ترك الاقتصار، وفيه منافاة -أما هنا [فـ] بخلافه- على ما مرَّ.

стр. 274

وأما البيان الثاني- قلنا: نعني بإضمار "كاف" التشبيه أن يقصد بالاسم إلى ما هو كالأسد، فلا يمتنع أني قصد بالاسم إلى الأسد، إلى ما هو كالأسد، فلا يوقع الاسم دليلًا عليهما. وإن عني به شيئًا آخر فلا نسلم الإضمار، على ذلك التفسير. هذا هو الكلام في الجواز والإمكان العقلي. والدليل على أنه لا جواز له من جهة اللغة- أن أهل اللغة وضعوا اسم الحمار للبهيمة وحدها وتجوزوا به في البليد وحده، ولم يستعملوه في كلا المعنيين أصلًا، بدلالة أنه لا يفهم من اسم "الحمار" البليد والبهيمة جميعًا. ولو كان مستعملًا فيهما جميعًا لكان يجب أن يفهم ذلك. وإذا لم يكن الاسم مستعملًا فيهما لا يجوز للمتكلم أن يستعمله فيهما لأنه خلاف أهل اللغة، ولا يجوز ذلك مع أنه يتكلم بلغته. وكذا اسم "القرء": غير موضوع للحيض والطهر جميعًا، لأنه لو كان كذلك لكان المستعمل في أحدهما متجوزًا، وإجماع أهل اللغة على خلاف ذلك. وكذلك لو قال "قرءان" لا يفهم منه أربعة: اثنان من الطهر واثنام من الحيض، ولا يفهم من الثلاثة ستة. وإذا لم يكن موضوعًا لهما لا يجوز للمتكلم أن يستعمله فيهما مع أنه متكلم بلغتهم. فإن قيل اسم "القرء" يصلح لكلا المعنيين فيجوز حمله عليهما جميعًا كقوله: "اضرب رجلًا" لما صلح هذا الاسم لكل واحد نم آحاده على البدل -فكذا هذا- قلنا: إن عنيت به الصلاحية: [أي] أن الاسم موضوع لهما أو يستعمل فيهما جميعًا، فقد أبطلناه. ولا كذلك قوله "اضرب رجلًا" لأن اللفظ أفاد فائدة واحدة، وهو ضرب

стр. 275

من اختص بهذا الاسم، وهذه الفادة سائغة في الكل، فصح أن يراد به الكل على البدل. أما هنا [فقد] اختلفت فائدة اللفظ، لأن فائدته في الحيض الحيضُ وفي الطهر الطهرُ، فلا يجوز أن ينتظمهما اسم واحد. نظير هذا: من ذلك أن يقال للمرأة "اعتدي [بـ] ما يُسمَّى قرءًا" وهذا [تخيير] لها أن تعتد بكلا المعنيين، لأنه علق الاعتداد بما يسمى "قرءًا" وكلا المعنيين يتفقان في فائدة وضعت له، وجرى ذلك مجرى قولنا: "اضرب رجلًا" بخلاف قوله: "اعتدى بقرء" لأنه اختلف فائدة اللفظ في الموضعين، لأنه تناول الحيض لأنه حيض، وتناول الطهر لأنه طهر، فلا يجوز أن ينتظمهما لفظ واحد. وأما المخالف: - فقد احتج بما روى عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: "قبلة الرجل لامرأته توجب نقض الوضوء" وأوجب التيمم على الجنب- وهذا يدل على أنه حمل قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ على الجماع على المسَّ باليد. - واحتج أيضًا بأن قوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أريد به الاعتداد بالحيض والطهر جميعًا، حتى جاز لها تقليد من يرى الاعتداد بالحيض

стр. 276

وتقليد من يرى الاعتداد بالطهر، وأيًّا ما فعلت فقد فعلت ما أراد الله تعالى. وإن كانت من أهل الاجتهاد، فأيهما أدى اجتهادها إليه، كان المطلوب منها ذلك. والجواب: أما الأول- قلنا: لا يمتنع أن ابن عمر ﵄ إنما أوجب التيمم على الجنب بالسنة، لا بهذه الآية. أو حمل الآية على مطلق المسَّ، وفي الجماع مسٌّ، فكانت فائدة الاسم فيهما متجددة. وأما الثاني- فالجواب عنه من وجوه: أحدها- أن مراد الله تعالى واحد، وليس كل مجتهد أو مقلد للمجتهد مصيبًا للحق وكما هو مراد الله تعالى، إلا أنه إذا أخطأ يعذر في ذلك، لما نذكر في باب القياس إن شاء الله تعالى. وثانيها- أن الله تعالى تكلم بالآية مرتين: فمرة أراد الطهر ومرة أراد الحيض [عند] من أدى اجتهاده إليه أو يقلد من أدى اجتهاده إليه. وثالثها- إن صح أنه أرادهما بلفظة واحدة، فيكون قيام الدلالة على ذلك دليلًا على أن الاسم انتقل عن موضوعه بالشرع، وصارت حقيقة شرعية- والله أعلم.

стр. 277

٦٧ - باب في: ما أُلحق بالجمل وليس منه: فمن ذلك- التحليل والتحريم المضافان إلى الأعيان نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ ... ﴾. وقوله: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ ... ﴾. وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ... ﴾. ذهب جماعة من المتكلمين إلى أنه مجمل لا يصح التمسك به. وذهب أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه ليس بمجمل، [فـ] يصح التعلق به. فالأولون ذهبوا في ذلك إلى أن ظاهر النص يقتضي تحريم فعل الأمهات وفعل الميتة والدم، لأن التحريم يختص بالأفعال، لأنه عبارة عن المنع. ومعنى ذلك أن الفعل بحاله ليس لفاعله أن يفعله- كتحريم الأكل والشرب وغير ذلك: منع من تحصيل هذه الأفعال، فكذا هذا. وإيجاد الأعيان ليس في وسع العباد إذا كانت معدومة، فكيف بعد وجودها، وكان المراد غير ما اقتضاه الظاهر، فكان مجملًا.

стр. 278

فإن قال بأن المراد من تحريم العين تحريم الفعل فيه- قلنا: هذا خلاف اللفظ، ولأن العين تقبل عدة من الأفعال، ولا يمكن حمله على الكل، وليس البعض أولى من البعض، فكان مجملًا. إلا أنَّا نقول: اللفظ إنما يكون مجملًا إذا لم يكن له معنى معلوم، في اللغة أو في العرفز والمراد من تحريم الأعيان معلوم عرفًا، وهو تحريم الأفعال المختصة بها، فتحريم الأم تحريم الاستمتاع بها، وتحريم الميتة والدم تحريم أكلها، وتحريم الثوب تحريم لبسه، وتحريم الدار تحريم الدخول والسكنى فيها- هذا هو المفهوم عرفًا من غير سابقة بيان. ولا يمتنع أن لا يكون اللفظ للشيء في اللغة ثم يفيده من جهة العرف، كاسم الغائط: يفيد المكان المطمئن في اللغة، ثم يفيد قضاء الحاجة في العرف. ومنها- حرف النهي الداخل على الفعل إذا لم يكن على صفة. نحو قوله ﵇: لا صلاة إلا بطهور -ولا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل- ولا نكاح إلا بشهود -ولا شهادة لمتهم- والأعمال بالنيات -ولا عمل إلا بالنية- ونظائر هذا كثيرة. قال بعض المتكلمين: إنه مجمل لا يصح التعلق به، لأن ظاهره يقتضي نفي صورة هذه الأفعال حقيقة، وإنها لا تنتفي، فكان المراد نفي حكمه، وحكمه شيئان: أحدهما: الإجزاء، والثاني الكمال والفضيلة، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فكان مجملًا. ولا يقال إنه يحمل على الكل، لأنا نقول: الحكم غير مذكور لا على سبيل العموم ولا على سبيل الخصوص، فلا يمكن حمله على الكل، لأنه ليس البعض بأولى من البعض، ولأن الحمل على نفي الكمال

стр. 279

يناقض الحمل على نفي الإجزاء، لا أن في نفي الكمال إثبات أصل الأجزاء، فكان مجملًا. إلا أنا نقول: لا إجمال في هذه الأفعال، لأن المراد بها معلوم. وبيانه- هو أن اللفظ يقتضي نفي كل صلاة بدون الطهور، ونفي كل صوم بدون النية، ونفي كل نكاح بدون الشهود، ونفي كل شهادة صدرت عن المتهم، ونفي كل عمل لمن لم يقترن به النية -لأنها نكرة في محل النفي- إلا أن الحاصل من هذه الأفعال نوعان: نوع هو مشروع أي موصوف بالاعتبار الشرعي المقتضي لحكمه، ونوع هو غير مشروع أي غير معتبر في اقتضاء الحكم. إلا أن النوع الثاني غير مراد بالإجماع فصار النوع الأول مرادًا. فكان هذا من باب التخصيص، لا من باب الإجمال. ففي باب الصلاة والطهور: الصلاة الفاسدة غير مرادة، فتعينت الصلاة الجائزة. وفي الصوم والنية من الليل: الصوم الذي لا كمال له ولا فضيلة غير مراد، فتعين الموصوف بوصف الكمال. وفي النكاح: النكاح الفاسد غير مراد، فيتعين الصحيح. وفي الشهادة: الشهادة التي لا اعتبار لها ولا أثر لها في وجوب القضاء ليسـ[ـت] بمراد، فتعين النوع الآخر مرادًا. وفي العمل مع النية: العمل العاري عن اعتباره في اقتضاء الأجر والثواب غير مراد، فتعين النوع الآخر مرادًا. وفي العمل مع النية: العمل الحسي العاري عن اعتباره في اقتضاء الثواب والأجر غير مراد، فتعين النوع الآخر. ويمكن التعلق بهذا الوجه في قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"- إن الضرر نوعان: نوع هو حرام، ونوع ليس بحرام.

стр. 280

فالنوع الأول ليس بمراد فيتعين النوع الآخر، فكان نفيًا لكل ضرر مباح، وكان تحريمًا لكل ضرر حرام. ومنها- قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾: زعم بعض الناس أنه مجمل، وبيان الإجمال فيه من وجهين: أحدهما -أن قطع اليد يحتمل القطع من المنكب، ويحتمل القطع من المرفق، ويحتمل القطع من الكف، فكان مجملًا. والثاني- أن القطع يُذكر ويُراد به الإبانة. ويُذكر ويُراد به اتصال القطع به، كما يقال: "بريت القلم فقطعت يدي" وإن لم ينفصل، وإنما يعرف الإبانة إذا قيد بالقطع من الجملة. وكما يقال: قطعت يد فلان من الجملة، وقطعت الغصن من الشجرة. إلا أنا نقول: لا إجمال فيه، لأن قطع اليد يتناول القطع من المنكب، بدليل أنه لو قطع من الكف لا يقال: قطع يد فلان كله. ويصح أني قال: قطع بعضها. واسم اليد تتناول الكل إلا إذا اريد به البعض بدليل، فيصير مجملًا قبل البيان. وأما الثاني- قلنا: القطع عبارة عن الإبانة، فعند الإطلاق يتناول ما يسمى إبانة اليد، والشق الحاصل في الجلد ليس بإبانة اليد حقيقة. وبهذا تبين أن فيما ذكر من المقال مجاز، وذكر القطع بقولنا: "يبري القلم" قرينة المجاز، لأن العادة لم تجر بقطع كل اليد عند ذلك. والله أعلم.

стр. 281

٦٨ - باب: ما يكون بيانًا للأحكام الشرعية: اعلم أن بيان الأحكام الشرعية إنما يكون بكل ما يقع به التبيين. وذلك ضروب: منها- القول. [والقول] بوقوع البيان به أكثر من أن يُحصى. ومنها- العقد بالأصابع. ووقوع البيان به لا يشتبه على احد. فإن عقد الأصابع بعد الكلام بيان له. ومنها- الكتابة. وقد بين رسول الله ﷺ بها، فإنه كتب إلى بعض عماله في أمر الصدقات. ومنها- الفعل. وهو مختلف فيه: قال قوم: إن الفعل لا يصلح بيانًا. وقالوا: إن البيان إنما يقع بكشف المراد، والفعل لا يصلح كاشفًا للمراد بنفسه، إلا بانضمام قول يُعلق هذا بذاك، فيؤول الأمر إلى أن البياني قع به، لا بالفعل. ولن الفعل قد يمتد مدة حصوله، فتعليق البيان به تأخير للبيان عن مورد الخطاب، والبيان ما يكون مقارنًا. إلا أنا نقول: إن القول إنما يصلح بيانًا لأنه يقع به التبين، والفعل قد يقع بحال يقع به التبين، فصلح بيانًا، بل أولى، لأن القول إنما يكون كاشفًا بطريق الإخبار، والفعل كاشف بطريق المشاهدة، وللمشاهدة من المزية ما ليس للخبر. ولأن النبي ﵇ بيَّن أركان الحج وأفعال الصلاة بالفعل حيث قال: "خذوا عني مناسككم". وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وكذلك الصحابة ﵃ بينوا أوامر الوضوء وغير ذلك بالفعل وهو معروف. قوله: لا بد من قول يعلق هذا بذاك- قلنا: ليس كذلك، فإن فعل النبي ﷺ عقيب الكلام المجمل قد يقع بحال لأجله يقع بيانًا بدون قول آخر. ولئن كان لا يصلح بيانًا إلا بواسطة قولية، لكن البيان يقع بالفعل لا بتلك الرابطة، والفعل يصير مبينًا بتلك الرابطة، كقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي":

стр. 282

لا يقع به البيان قبل فعله، وإذا صلى يقع البيان بها. قوله: فيه تأخر البيان عن مورد الخطاب- قلنا: ولم لا يجوز ذلك؟ ثم هذا باطل بخطاب طويل، فإن البيان به جائز مع القدرة عليه بخطاب قصير. ومنها- الإشارة. وقد بين النبي ﷺ بها حيث قال: "الشهر هكذا وهكذا": أشار بيده. والله أعلم. ٦٩ - باب في: تقديم القول على الفعل في البيان: اعلم أن الآية إذا وردت مجملة، وورد عقيبها قول وفعل، [و] يصلح كل واحد منهما بيانًا له: - إن علم تقدم أحدهما على الآخر- يجعل المتقدم بيانًا، والمتأخر تأكيدًا له- لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فيجعل ما هو الأقرب إلى المجمل بيانًا. - وإن لم يعلم تقدم أحدهما على الآخر: * [فـ] إن لم يتناف حكمهما: يجوز في كل واحد منهما أنه هو المتقدم، وهو البيان. * وإن [كان] يتنافى حكمهما، يجعل القول بيانًا. مثاله- آية الحج مع قوله ﵇: "من قرن حجة إلى عمرة فليطف لهما طوافًا واحدًا ويسعى سعيًا واحدًا"، وقد ثبت أن النبي ﷺ قرن بين حجة وعمرة وطاف لهما طوافين وسعى سعيين. فإن كان البيان هو القول،

стр. 283

لم يكن الطواف الثاني واجبًا بل كان مندوبًا. وإن كان البيان هو الفعل، كان الطواف الثاني واجبًا. لأن الآية سيقت لأفعال هي واجبة. فإن عُرف تقدم أحدهما على الآخر، يجعل المتقدم بيانًا لما مرَّ. وإن لم يُعلم التاريخ، فالبيان من القول، لأن الفعل في كونه بيانًا يحتاج إلى قول يُعلقه بالمبين، والقول المتعلق للفعل غير مذكور، فإثباته لا يكون إلا عند الضرورة، ولا ضرورة، لأنه أمكن أن يُجعل القول بيانًا، وليس غرضنا من مسألة الطواف إلا التمسك به، لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ قول تعلق فعله بالمبين، وهو قوله ﵇: "خذوا عني مناسككم". ٧٠ - باب في: أن البيان هل يكون كالمبين: اعلم أن هذا الباب يشتمل على مسألتين: إحداهما- أن البيان هل يجب أن يكون في قوة المبين؟

стр. 284

فذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي ﵀ إلى أنه يجب ذلك. وإذا لم يكن في قوة المبين لا يُقبل. ولهذا لم يُقبل خبر الأوساق في مقابلة قوله ﵇: "ما سقته السماءُ ففيه العُشر" لأن هذا الخبر معلوم. والصحيح أن البيان والمبين يجوز أن يكونا معلومين، ويجوز أن يكونا مظنونين. ويجوز أن يكون المبين معلومًا والبيان مظنونًا، كما في تخصيص العام بخبر الواحد. ودلالة ذلك أن قوة الخبر بقوة النقل وكثرة النقلة، ولا يمتنع أن تكون الحاجة إلى نقل المبين أمسَّ وأعم منا لحاجة إلى نقل البيان. أو يسمع المبين بعض من لم يسمع البيان، فيتواتر نقل المبين دون البيان. والثانية- أن البيان هل يكون كالمبين في صفة الوجوب؟ والصحيح: إن أريد بذلك: أن البيان إذا كان واجبًا، [فـ] يجب أن يكون البيان بيانًا بصفته، فدل البيان على أن المبين واجب- فهذا صحيح. وإن أريد به: أن البيان هل يدل على الوجوب كالمبين، فنقول: لا يدل عليه، لأنه ليس في البيان لفظ يدل على الوجوب. فإن أريد بذلك: أن المبين إذا كان واجبًا، فالبيان يكون واجبًا، وإذا لم يكن واجبًا فالبيان لا يكون واجبًا- فهذا باطل، لأن البيان واجب سواء

стр. 285

كان المبين واجبًا أو لم يكن، لأن ترك البيان يجعل الخطاب سفهًا، فيجب البيان، ليخرج عن كونه سفهًا. ٧١ - باب في: جواز تأخير بيان المجمل والعام (والنسخ): ١ - أما [تأخير] بيان المجمل اعلم أن المراد بالمجمل هنا اللفظ الذي لا يعرف مراد المخاطب به بنفسه. وذلك ضروب: منها- أن يتكلم بكلام لا يفيد فائدة وضع لها، لا على الإجمال ولا على التفصيل، كخطاب الإنسان بلغة لا عهد له بها أصلًا، كخطاب التركي بلغة العرب وغيره.
следующие страницы →