Полный текст (696 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
٦٨ - باب: ما يكون بيانًا للأحكام الشرعية:
اعلم أن بيان الأحكام الشرعية إنما يكون بكل ما يقع به التبيين. وذلك ضروب:
منها- القول. [والقول] بوقوع البيان به أكثر من أن يُحصى.
ومنها- العقد بالأصابع. ووقوع البيان به لا يشتبه على احد. فإن عقد الأصابع بعد الكلام بيان له.
ومنها- الكتابة. وقد بين رسول الله ﷺ بها، فإنه كتب إلى بعض عماله في أمر الصدقات.
ومنها- الفعل. وهو مختلف فيه:
قال قوم: إن الفعل لا يصلح بيانًا. وقالوا: إن البيان إنما يقع بكشف المراد، والفعل لا يصلح كاشفًا للمراد بنفسه، إلا بانضمام قول يُعلق هذا بذاك، فيؤول الأمر إلى أن البياني قع به، لا بالفعل. ولن الفعل قد يمتد مدة حصوله، فتعليق البيان به تأخير للبيان عن مورد الخطاب، والبيان ما يكون مقارنًا.
إلا أنا نقول: إن القول إنما يصلح بيانًا لأنه يقع به التبين، والفعل قد يقع بحال يقع به التبين، فصلح بيانًا، بل أولى، لأن القول إنما يكون كاشفًا بطريق الإخبار، والفعل كاشف بطريق المشاهدة، وللمشاهدة من المزية ما ليس للخبر. ولأن النبي ﵇ بيَّن أركان الحج وأفعال الصلاة بالفعل حيث قال: "خذوا عني مناسككم". وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وكذلك الصحابة ﵃ بينوا أوامر الوضوء وغير ذلك بالفعل وهو معروف.
قوله: لا بد من قول يعلق هذا بذاك- قلنا: ليس كذلك، فإن فعل النبي ﷺ عقيب الكلام المجمل قد يقع بحال لأجله يقع بيانًا بدون قول آخر. ولئن كان لا يصلح بيانًا إلا بواسطة قولية، لكن البيان يقع بالفعل لا بتلك الرابطة، والفعل يصير مبينًا بتلك الرابطة، كقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي":
стр. 282
لا يقع به البيان قبل فعله، وإذا صلى يقع البيان بها.
قوله: فيه تأخر البيان عن مورد الخطاب- قلنا: ولم لا يجوز ذلك؟ ثم هذا باطل بخطاب طويل، فإن البيان به جائز مع القدرة عليه بخطاب قصير.
ومنها- الإشارة. وقد بين النبي ﷺ بها حيث قال: "الشهر هكذا وهكذا": أشار بيده.
والله أعلم.
٦٩ - باب في: تقديم القول على الفعل في البيان:
اعلم أن الآية إذا وردت مجملة، وورد عقيبها قول وفعل، [و] يصلح كل واحد منهما بيانًا له:
- إن علم تقدم أحدهما على الآخر- يجعل المتقدم بيانًا، والمتأخر تأكيدًا له- لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فيجعل ما هو الأقرب إلى المجمل بيانًا.
- وإن لم يعلم تقدم أحدهما على الآخر:
* [فـ] إن لم يتناف حكمهما: يجوز في كل واحد منهما أنه هو المتقدم، وهو البيان.
* وإن [كان] يتنافى حكمهما، يجعل القول بيانًا.
مثاله- آية الحج مع قوله ﵇: "من قرن حجة إلى عمرة فليطف لهما طوافًا واحدًا ويسعى سعيًا واحدًا"، وقد ثبت أن النبي ﷺ قرن بين حجة وعمرة وطاف لهما طوافين وسعى سعيين. فإن كان البيان هو القول،
стр. 283
لم يكن الطواف الثاني واجبًا بل كان مندوبًا. وإن كان البيان هو الفعل، كان الطواف الثاني واجبًا. لأن الآية سيقت لأفعال هي واجبة.
فإن عُرف تقدم أحدهما على الآخر، يجعل المتقدم بيانًا لما مرَّ.
وإن لم يُعلم التاريخ، فالبيان من القول، لأن الفعل في كونه بيانًا يحتاج إلى قول يُعلقه بالمبين، والقول المتعلق للفعل غير مذكور، فإثباته لا يكون إلا عند الضرورة، ولا ضرورة، لأنه أمكن أن يُجعل القول بيانًا، وليس غرضنا من مسألة الطواف إلا التمسك به، لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ قول تعلق فعله بالمبين، وهو قوله ﵇: "خذوا عني مناسككم".
٧٠ - باب في: أن البيان هل يكون كالمبين:
اعلم أن هذا الباب يشتمل على مسألتين:
إحداهما- أن البيان هل يجب أن يكون في قوة المبين؟
стр. 284
فذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي ﵀ إلى أنه يجب ذلك. وإذا لم يكن في قوة المبين لا يُقبل. ولهذا لم يُقبل خبر الأوساق في مقابلة قوله ﵇: "ما سقته السماءُ ففيه العُشر" لأن هذا الخبر معلوم.
والصحيح أن البيان والمبين يجوز أن يكونا معلومين، ويجوز أن يكونا مظنونين. ويجوز أن يكون المبين معلومًا والبيان مظنونًا، كما في تخصيص العام بخبر الواحد.
ودلالة ذلك أن قوة الخبر بقوة النقل وكثرة النقلة، ولا يمتنع أن تكون الحاجة إلى نقل المبين أمسَّ وأعم منا لحاجة إلى نقل البيان. أو يسمع المبين بعض من لم يسمع البيان، فيتواتر نقل المبين دون البيان.
والثانية- أن البيان هل يكون كالمبين في صفة الوجوب؟
والصحيح:
إن أريد بذلك: أن البيان إذا كان واجبًا، [فـ] يجب أن يكون البيان بيانًا بصفته، فدل البيان على أن المبين واجب- فهذا صحيح.
وإن أريد به: أن البيان هل يدل على الوجوب كالمبين، فنقول: لا يدل عليه، لأنه ليس في البيان لفظ يدل على الوجوب.
فإن أريد بذلك: أن المبين إذا كان واجبًا، فالبيان يكون واجبًا، وإذا لم يكن واجبًا فالبيان لا يكون واجبًا- فهذا باطل، لأن البيان واجب سواء
стр. 285
كان المبين واجبًا أو لم يكن، لأن ترك البيان يجعل الخطاب سفهًا، فيجب البيان، ليخرج عن كونه سفهًا.
٧١ - باب في: جواز تأخير بيان المجمل والعام (والنسخ):
١ - أما [تأخير] بيان المجمل
اعلم أن المراد بالمجمل هنا اللفظ الذي لا يعرف مراد المخاطب به بنفسه. وذلك ضروب:
منها- أن يتكلم بكلام لا يفيد فائدة وضع لها، لا على الإجمال ولا على التفصيل، كخطاب الإنسان بلغة لا عهد له بها أصلًا، كخطاب التركي بلغة العرب وغيره.
стр. 286
ومنها- أن يتكلم بكلام يفيد ظاهره الفائدة التي وضع لها على الجملة، دون التفصيل، كاسم القرء واسم الشفق وغيرهما.
ومنها- أني تكلم بكلام ظاهره يفيد الفائدة التي وضعت له على التفصيل وأراد المخاطب غيره. كما يذكر اسم الصلاة ويريد به غير الدعاء الذي وُضع له في الأصل.
وأجمع أهل الأصول أنه لا يجوز تأخير البيان عن "وقت الحاجة" في كل هذه الوجوه. والمعنى من "وقت الحاجة" هو الوقت الذي لو أخر الباين عنه، لا يتمكن المكلف من أداء ما كلف به، في الوقت الذي كلف.
والدلالة على المنع من جواز تأخير البيان عنه: لأنه لو جاز تأخير البيان عنه يكون هذا تكليف ما ليس في الوسع، لأن المكلف لا يتمكن من أداء ما كلف به والحالة هذه، وتكليف ما ليس في الوسع ساقط عن العباد.
وأما التأخير عن "وقت الخطاب":
(أ) ففي الوجه الأول- لا يجوز تأخير البيان عنه أصلًا، لأن المتكلم لا يخلو: إما أن يريد به الإفهام أو لم يرد به الإفهام.
- فإن لم يرد [به الإفهام]: كان عبثًا وإغراء للمخاطب بالجهل واعتقاد القبيح، لأنه يعتقد أنه قصد به ما وضع له.
- وإن أراد به الإفهام، ولم يحصل به الإفهام، لا على الجملة ولا على التفصيل، يخلو عن الفائدة ولا يليق ذلك بالحكيم.
стр. 287
فإن قيل: السامع إن لم يعلم فائدته، يعلم أنه لا بَّد فيه من فائدة ما، فيحصل له حالة لم تكن قبل ذلك- قلنا: الذي يُخرج الكلام عن كونه عبثًا وسفهًا حصول فائدة وضع لها الكلام، إما على الجملة أو على التفصيل: [فـ] لا يعتبر حالة في الجملة. ولو جاز ذلك، لجاز أن يضرب الحكيم منا إحدى يديه على الأخرى ثم يقول بعد مدة: أردت بذلك أن أفهمك معنى من المعاني المطلوبة بالكلام بالتصفية، فكما أن ذلك سفه وقبيح- فكذا هذا.
(ب وجـ) -وفي الوجه الثاني والثالث- اختلفوا:
قال بعضهم: لا يجوز تأخير البيان فيهما.
وقال بعضهم: يجوز تأخير البيان فيهما.
والمختار: أنه يجوز في الوجه الثاني في حال، ولا يجوز في حال. ولا يجوز في الوجه الثالث بكل حال.
(ب) أما الوجه الثاني: فهو على وجهين: إما أن يريد المتكلم أحد المعنيين غير عين، أو يريد أحدهما على التعيين.
* ففي الوجه الأول- يجوز تأخير البيان. والدلالة على ذلك أن هذا الخطاب يفيد فهم المراد على الإجمال، لأنه موضوع لكل واحد منهما على سبيل الانفراد. فهذا يقتضي في اللغة أن المتكلم أراد به أحد المعنيين: إما هذا وإما ذاك. فإن عني به ذلك والسامع من جهة اللغة فهم هذا النوع من التردد، لا يجب عليه البيان، لأنه يجوز أن يكون للمخاطب غرض من أن يفهم غير مراده على وجه الإجمال، كما يجوز أن يكون له غرض في أن يفهم مراده على سبيل التفصيل، فلا يستقبح منه ذلك، ولهذا حسن وضع الأسماء المشتركة.
стр. 288
فإن قيل: الغرض من التعبد إنما هو الفعل، والفعل لا يمكن إقامته إلا بعد البيان على وجه التفصيل، فيجب البيان في الحال- قلنا: الغرض، قبل حضور وقت العمل به، التمكين من العلم، إما مجملًا أو مفصلًا، وهو حاصل. أما الفعل فهو مطلوب عند حضور وقته، ونحن لا نجوز تأخير البيان عن ذلك الوقت.
فإن قيل: لو جاز أن يخاطبنا الله تعالى بالمجمل ولم يبين في الحال، لجاز أن يخاطب العرب بلغة الزنج، والجامع بينهما عدم فهم المخاطب مراده.
ولا يقال بأن الفارق بينهما أن العرب لا يفهم من لغة الزنج شيئًا ويفهم من المجمل شيئًا في الجملة- لأنا نقول: آعتبرتم في حُسن الخطاب: معرفة المراد بكماله، أو معرفة شيء من المراد؟ إن قال بالأول لزم المنع من تأخير البيان، لأن كمال المعرفة لا يحصل مع الإجمال. وإن قال بالثاني لزمه خطاب العرب بلغة الزنج، لأن العربي متى عرف حكمة الزنجي، يعرف أنه أراد بخطابه إما الأمر أو الخبر أو غير ذلك- قلنا: المعتبر في حُسن الخطاب تمكين المكلَّف لمعرفة
стр. 289
ما وضع له الخطاب، والعربي يفهم ما وضع له اللفظ المجمل، فحسن الخطاب به، ولا يفهم ما وضع له خطاب الزنج، فلا يحسن خطابه به.
* وأما [الوجه الثاني] إذا أراد أحدهما على التعيين- فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب لما نذكره في الوجه الثالث.
(جـ) وفي الوجه الثالث- لا يجوز تأخير البيان عن "مورد الخطاب". والدلالة عليه أن قوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ إذا كان موضوعًا للدعاء، يفيد ظاهره إيجاب الدعاء، فيعتقد السامع، عند سماعه، ذلك. وكذلك في كل لفظ موضوعه لشيء إذا أريد به غيره. فإذا كان مراد المخاطب غير ذلك، ولم يبين في الحال، كان إغراء بالجهل وحملًا له على الاعتقاد القبيح، وهذا لا يجوز.
فإن قيل: قوله: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أفاد وجوب هذه الأفعال المعهودة دون الدعاء، ولم ينقل إلينا أنه ورد معه بيان مقارن له، فدل على جواز التأخير- قلنا: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما- أن الآية حين نزلت، نزلت عن النبي ﷺ وقد اقترن به البيان في حقه، إما بقول آخر أو بفعل ضروري خلقه الله تعالى فيه: أن المراد به هذه الأفعال- فالنبي ﵇ نقل إلى الأمة [الأمر] مع البيان، إما قولًا أو فعلًا.
والثاني- أنه إن لم يكن البيان مقترنًا به، وجب حمله على إيجاب الدعاء فقط، ثم زيدت هذه الأفعال في الوجوب بدلائل أخر، وبين الله تعالى ذلك بيانًا بطريق النسخ الأول.
وأما من جوَّز تأخير البيان عن "مورد الخطاب"-[فـ] تعلق بأشياء بعضها عقلية وبعضها سمعية:
стр. 290
أما العقلية- فهي من وجوه:
منها- أن البيان إنما نحتاج إليه ليتمكن المكلف من أداء ما كُلِّف به في الوقت الذي كلِّف، وهذا إنما يجب عند الفعل، فلا يجب تقديمه عليه، كما لا يجب تقديم القدرة على الفعل.
ومنها- أنه لو لم يجز تأخير البيان إذا طالت المدة، لما جاز تأخير البيان إذا قصُرت المدة. ولما جاز [عطف] جملة على جملة، ويبين الأولى عقيب الثانية. ولما جاز البيان بخطاب طويل مع القدرة على خطاب قصير، لأن التأخير ثابت في الكل.
ومنها- أنه لوقبح تأخير بيان المجمل، لقبح تأخير بيان النسخ، ولقبح تأخير بيان كون المكلف غير مراد بالفعل، نحو أن يكون المعلوم من حال المكلف أنه يموت أو يعجز عن الفعل قبل وقته.
والجامع بين الكل أن التأخير يخل بالعلم ببعض المراد، فكما لم يقبح ذلك، فكذلك ههنا.
стр. 291
والجواب:
أما الأول- قلنا إنما يحتاج إلى البيان لما ذكروه، ويحتاج إليه أيضًا لخروج الخطاب عن كونه عبثًا وإغراء بالجهل على ما مرَّ. ويبين ذلك أن البيان لو لم يفتقر إليه إلا لما ذكروه، لجاز أن يخاطبنا الله تعالى بما لا نفهمه أصلًا، كخطاب الزنج بلغة العرب.
وأما الثاني- قلنا: إنما منعنا تأخير البيان عن مدة يخرج الفعل فيها عن كونه مترقبًا يرجو السامع إلحاق الزيادة به ويقيده بالصفة. أما دون ذلك، فلا- لأن هذا القدر من المدة جرت العادة به، فلا يؤدي إلى ما ذكرنا. ولهذا جاز أن يخاطبنا الله تعالى بخطاب لا نفهمه ثم يبينه في تلك الحالة، فلا يجب من جهة القياس: إذا جاز في مدة قصيرة أن يجوز في مدة طويلة.
وأما جواز العطف وإلحاق البيان به- قلنا: لا تأخير ثمة، لأن الجملة إذا عطف بعضها على بعض، صار الكل ككلمة واحدة، والبيان ملحق بالكل.
وأما البيان بخطاب طويل، فإنما يجوز إذا كان فيه مصلحة. فأما إذا لم يكن، فلا يجوز.
وأما الثالث- فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما- أن تأخير بيان النسخ إنما يجوز مع الإشعار [النسخ]. نحو أن يقول: اعلموا أن هذا الحكم يرتفع ولا يدوم. ومع الإشعار يجوز
стр. 292
تأخير البيان. و [كـ] ذلك تجويز [كون] المكلف أنه يموت أو يعجز، بمنزلة الإشعار، ولا كلام فيه، إنما الكلام في غيره.
والثاني- إن جاز تأخير بيان النسخ مطلقًا، فإنما يجوز لأنه لا يخل بالعلم بمراد المخاطب به ولا يؤدي إلى الإغراء بالجهل. أما هنا [فـ] يؤدي إلى ذلك، لما مرَّ.
فإن قيل: تأخير بيان النسخ يؤدي إلى الإغراء بالجهل أيضًا، لأن المخاطب يعتقد دوام الحكم- قلنا: لا يجوز له هذا الاعتقاد، لأن اللفظ لا يقتضي الدوام، وجواز النسخ ثابت، فوجب أن يعتقد لزوم الحكم إلى أن يرد النسخ، فلا يؤدي إلى ما ذكرنا.
وأما ما استدلوا به من جهة السمع:
١ - فمنه- قوله تعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ (١٧) فَإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وكلمة "ثم" للتراخي- أخبر أن البيان يجب أن يكون متراخيًا عن الإنزال، لأن قوله: ﴿فَإذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي أنزلناه، لأنه أمر بالاتباع عقيب ذلك، والاتباع يعقب الإنزال دون الجمع.
٢ - ومنه- قوله تعالى: ﴿إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ
стр. 293
جَهَنَّمَ﴾ قال ابن الزبعري: عبدت الملائكة والمسي-[أ] هؤلاء
стр. 294
حصب جهنم؟ فأنزل الله تعالى قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾: أخر البيان إلى وقت السؤال.
٣ - ومنه -أن الله تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة موصوفة ولم يبين لهم حتى سألوا سؤالًا بعد سؤال- وإنما قلنا: إنهم أمروا بذبح بقرة موصوفة لأن قوله تعالى: ﴿إنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ فَارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ ﴿إنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ ﴿إنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ - فهذه الكنايات راجعة إلى البقرة التي أُمِروا بذبحها.
٤ - ومنه- أن الملائكة قالوا لإبراهيم ﵇: ﴿إنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ ولم يبينوا له أنهم لم يريدوا لوطًا والمؤمنين حتى ﴿قَالَ إنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وأَهْلَهُ إلَاّ امْرَأَتَهُ﴾: أخَّر البيان إلى وقت السؤال.
٥ - منه- أن جبرئيل قال للنبي ﷺ "اقرأ" ثلاث مرات، ولم يبين. ثم قال: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
٦ - ومنه- أن النبي ﷺ سُئل عن الصلاة ولم يبين، حتى حضر وقت الصلاة فبين بالفعل ثم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وكذلك في أمر الحج: أخَّر البيان بالفعل ثم قال: "خذوا عني مناسككم".
стр. 295
٧ - ومنه- أن النبي ﵇ لما أنفذ معاذًا إلى اليمن لبيان الزكاة وغيرها سألوه عن الوَقَص فقال: "لم أسمع عن رسول الله ﵇ في ذلك شيئًا، فأرجعُ إلى رسول الله وأسأله"- عرفنا أن البيان لم يكن متقدمًا.
والجواب:
أما الأول- فعله جوابان:
أحدهما- أن الآية محمولة على "بيان التفصيل لا على بيان المراد بالخطاب ونحوه. ونحن قائلون به.
والثاني- أن المراد من هذا "البيان" الإظهار. والتنزيل: معناه "ثم إن علينا إنزاله" ويجب حمله على هذا، لأن "الهاء" في قوله: "بيانه" كناية عن جميع القرآن، ومعلوم أن جميع ما في القرآن لا يحتاج إلى البيان الذي اختلفنا فيه، فيجب حمله على بيان يرجع إلى جميع القرآن، وذلك بيان الإنزال، لأن الله تعالى يجمعه في اللوح المحفوظ ثم يُنزله علينا، فصار إظهارًا وبيانًا لنا.
فإن قيل: في حمله على الإنزال عدول عن ظاهر الاسم، لأن اسم "البيان" لا يُطلق على الإنزال ولا يفهم ذلك منه، فكان خلاف الحقيقة، لأن البيان متأخر عن الإنزال، لأن كلمة "ثم" للتراخي، فكيف يحمل على الإنزال؟ - قلنا:
стр. 296
[أولًا]- لا نسلم أن الإنزال ليس ببيان، بل هو نوع بيان وإظهار- على ما مرَّ.
والثاني- إن كان في حمله على الإنزال ترك الحقيقة، ولكن في حمله على ما ذكرتم ترك العمل بظاهر الكناية، فلستم- بأن تتمسكوا بظاهر اسم البيان وتعدلوا على ظاهر الكناية- بأولى من أن نتمسك بظاهر الكناية ونعدل عن ظاهر اسم البيان.
وقوله- بأن كلمة "ثم" للتراخي، قلنا: فائدة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ متأخرة عن فائدة قوله: ﴿إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ وتقدير الآية والله أعلم: إن علينا جمعه وقرآنه في اللوح المحفوظ. ثم علينا إنزاله. فإذا أنزلناه فاتبع إنزاله- وإنما جعلنا هكذا عملًا بظاهر الكناية.
وأما الثاني- قلنا: البيان كان حاضرًا عند القوم، إلا أنهم لم يتنبهوا لعنادهم، فإن الله تعالى قال: ﴿إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وكلمة "ما" لا تتناول العقلاء، فلا تتناول المسيح ﵇.
وأما الثالث- قلنا: يحتمل أن موسى ﵇ أشعرهم بذلك [و] لولاه لما خفى عليهم أنها مطلقة. أو يحتمل أنه بين إلا أنهم لم يتبينوا.
وأما الرابع- قلنا: البيان كان مقرونًا بالخطاب، فإنه قال: ﴿إنَّ أَهْلَهَا
стр. 297
كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ أو نقول: يحتمل أن الملائكة أرادوا البيان إلا أنه ابتدر [هم] بالسؤال.
وأما الخامس- قلنا: هذه الراوية من جملة أخبار الآحاد، فلا يحتج به في هذا الباب.
ثم نقول: إن كان الأمر يقتضي الفور فهذا تأخير البيان عن وقت الفعل، وذا لا يجوز. وإن كان لا يقتضي الفور، فهذا تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأن الزمان الثاني زمان جواز الفعل، فلزمنا وإياهم ترك هذا الظاهر.
وأما السادس- قلنا: النبي ﵇ بين ذلك بالقول وأخر التأكيد إلى زمان الفعل، لا أنه أخر البيان أصلًا. وكذا بين أمر الحج بأن أبا بكر ﵁ حج قبل حج الرسول ﵇: عرفنا أن أمر الحج كان معلومًا قبل فعله.
وأما السابع- قلنا: البيان كان مقدمًا إلا أنه لم يُسمع.
وجواب أخر عن التعلق بكل النصوص: إن دلالة العقل تمنع جواز تأخير البيان على ما مرَّ. فوجب القطع بأن البيان كان مقترنًا بالكل، وإن لم يعرف فيه رواية.
٢ - وأما تأخير بيان العموم
اعلم أن قولنا: "بيان العموم" يحتمل وجوهًا:
стр. 298
١ - إما أن يراد به ما يبين أن المراد به، ما وُضع له من الاستغراق الذي وضع.
٢ - وإما أن يراد به ما يبين أنه ما أراد به، بعض ما يصلح له وضعًا، مع أن اللفظ دل على إرادته.
٣ - وإما إن أراد ما يبين أن الفعل لم يبق مرادًا بذلك الخطاب في الزمان الثاني، مع أنه كان مرادًا في الأول، بظاهر اللفظ.
أما الأول فما لا وجود له. فضلًا عن التقدم والتأخر. لأن لفظة العموم تفيد الاستغراق لمجردها، فكان تبين المراد ملازمًا للفظ المتجرد عن القرينة، فلا يتصور حصول البيان لعيره.
وأما الثاني-[فـ] اختلفوا فيه. والأصح أنه لا يجوز تأخيره عن العام، لأن للفظ العام دلالة قاطعة أو ظاهرة في إرادة العموم. فأما إذا أراد به البعض، فقد استعمله لا على الوجه الذي وُضع له اللفظ، فيكون إغراء بالجهل وحملًا على القبيح، لأن السامع يسبق إلى فهمه ما وُضع له ويعتقد ذلك، وإنه لا يجوز.
فإن قيل: الواجب في العمومات إجمال الاعتقاد إلى وقت الفعل، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الفعل- قلنا: هذا تلبيس، لأنا نقول: لفظة العام هل هي موضوعة للاستغراق أم لا؟ : [فـ] إن قال: لا، فقد أقمنا الدلالة عليه من قبل. وإن قال: هي موضوعة للاستغراق: [فـ] إن كان إيجاب الفعل في الحال-[فإنه] يسبق إلى فهمه الإيجاب على العموم في الحال. وإن كان إيجابًا للفعل في الثاني [فإنه] يسبق إلى فهمه إيجابه على العموم في الثاني.
стр. 299
فيعتقد الاستغراق في الحال بناء على كونه موضوعًا له، فلو أراد به غيره، مع عدم البيان، أدى إلى ما ذكرنا مع القبيح، إلا أن يُشعره بذلك، فيقول: أردت به الخصوص فسأبينه من بعد، فحينئذ يجوز، لزوال الإغراء بالجهل والحمل على القبيح. ونحن نجوز تأخير البيان عن "مورد الخطاب"، في كل هذه الوجوه إذا كان مقرونًا بلإشعار.
وأما الثالث- فهو نسخ لبعض ما تناوله اللفظ. لأنا عرفنا ثبوت الحكم في الكل مع توهم الدوام في الكل. فإذا لم يبق البعض مرادًا في المستقبل، كان نسخًا، وتأخير النسخ واجب فضلًا عن الجواز. وقد مرَّ الكلام فيه. والله أعلم.
٧٢ - باب في: من يجب له البيان وفيمن لا يجب:
اعلم أن البيان إنما يجب لمن أريد منه فهم المراد بالخطاب، دون من لم يرد منه ذلك.
- ثم الذي أريد منه فهم المراد بالخطاب- قد يكون مكلفًا بفعل ما تضمنه الخطاب، وقد لا يكون مكلفًا:
أما الأول:
فهم العلماء في حق أحكام الصلاة: فإنه أريد منهم فهم المراد بالخطاب، وأريد منهم فعل ما تضمنه الخطاب، وهو القيام بالصلاة.
стр. 300
وأما الثاني:
فهم العلماء في حق أحكام الحيض. فإنه أريد منهم فهم الخطاب، ولم يرد منهم فعل ما تضمنه الخطاب، وهو الاعتداد ونحو ذلك.
- وأما من لم يُرَد منه فهم المراد بالخطاب-[فـ] قد يراد منه فعل ما تضمنه الخطاب، وقد لا يراد.
أما من لم يُرَد منهم ذلك، كاتباع الكتب السالفة- فإنهم غير مكلفين فهم المراد ولا فعل مقتضى الخطاب.
وأما من أريد منه، فنحو النساء- فإنهن لم يُرَد منهن فهم المراد بالخطاب، ويلزمهن أحكام الحيض، وجُعل لهن إلى ذلك سبيل، وهو الرجوع إلى الأئمة، فلا جرم لا يجب عليهن سماع أخبار الحيض والفحص عن مجملها ومفصلها- والله أعلم.
٧٣ - باب في: إسماع العام المكلف، دون إسماع ما يخصه:
اعلم أن الله تعالى إذا أراد بلفظة العموم الخصوص، ونصب دلالة الخصوص- لا يخلو: إما إن كانت تلك الدلالة عقلية أو سمعية.
- فإن كانت عقلية- جاز أن يُسمع المكلَّفَ العامَ، من غير أن يُسمعه أن دلالة العقل مخصِّصة له، لأن دلالة العقل متى كانت صارفة للفظ عما يقتضيه ظاهره،
стр. 301
والمكلَّف يتمكَّن من الاستدلال به- لم يصر به، مُغْرَى بالجهل ومحمولًا على القبيح، لأنه يمكنه الوصول إليه بالنظر، فلا يصير معتقدًا لما يقتضيه ظاهره، إلا إذا قصر وأعرض عن النظر، فحينئذ يحصل هذا القبيح باختياره، لا بإغراء المخاطب إياه.
- وإن كانت سمعية:
قال بعض المتكلمين: يجوز إسماع العام المكلف دون تلك الدلالة.
وقال بعضهم: لا يجوز.
والمختار: أنه يجوز في حال، ولا يجوز في حال:
* أما الحالة التي يجوز فيها ذلك-[فـ] هو أن يكون العام مقرونًا بالإشعار، أو أن يُخطر الله ببال المكلف تجويز إرادة الخصوص، لأنه متى كان كالخطاب مقرونًا بالإشعار وأُخطر بباله ذلك، وجوزوا أنه أراد به الخصوص- يصرفه ذلك عن اعتقاد ما اقتضاه ظاهر العام وينبعث على طلب ذلك، لأنه لو اعتقد، [ذلك] لا نأمن أن يكون هذا الاعتقاد قبيحًا لتجويزه إرادة غيره، وصار كانبعاثه على النظر المؤدي إلى العلم بالله تعالى عندما يخطر بباله أن له ربًّا: إن لم يعرفه يعاقبه- على ما عُرف في موضعه. وإذا كان الأمر بهذه الصفة انتفى الإغراء بالجهل والحمل على الاعتقاد الفاسد في إسماع العام دون دلالة الخصوص.
* وأما الحالة التي لا يجوز فيها ذلك-[فـ] هو أن لا يقترن به الإشعار ولا يُخطر الله بباله تجويز إرادة الخصوص، فيصير إسماع العام إغراء بالجهل، لأنه يعتقد ما اقتضاه العام، وهو أراد خلافه، فيصير عندها على اعتقاد هو جهل وقبيح، وذا لا يجوز.
والله أعلم.
стр. 302
١٠
باب
النسخ
٧٤ - [باب- فائدة النسخ]:
اعلم أن النسخ متى كان مستعملًا في اللغة وفي الشريعة، [فـ] لا بد أن ننظر: أن فائدتهما في الموضعين متحدة أو مختلفة- فنقول:
أما فائدة الاسم في اللغة:
فهو مستعمل في الإزالة والنقل جميعًا- يقال: "نسخت الشمس الظل" أي أزالته. فإن الظل لا يوجد في مكان آخر، ليُظن أنه انتقل إليه. ويقال: "نسخت الرياحُ آثارَهم" أي أزالتها. وفي النقل قول القائل: "نسخت الكتاب" أي نقلت ما فيه إلى غيره.
هذا بيان الاستعمال. والصحيح أنه حقيقة في الإزالة، مجاز في النقل، لأن ما في الكتاب لا يُنقل إلى غيره حقيقة. ومتى لم يكن حقيقة في أحدهما، كان حقيقة في الآخر، لأن الاسم لا يُستعمل في سواهما، فلو لم يكن حقيقة في أحدهما لم يكن لهذا الاسم حقيقة في اللغة.
فإن قيل: ما في الكتاب متى لم ينقل إلى غيره حقيقة، عرفنا أنهم وصفوا الكتاب بأنه منسوخ تشبهًا بالمنقول، لأنه إن كان لا يحصل عينه يحصل مثله فيجري حصول مثله كحصوله، فدل ذلك على أنه حقيقة في النقل، حتى تجوز به إلى ما له شبه بالنقل- قلنا: ليس يمتنع أن يكون الاسم حقيقة في الإزالة،
стр. 303
ثم يُستعمل في النقل بطريق المجاز، لما أن في النقل معنى الإزالة، لأن النقل يزيل الشيء عن محله، وإن كان يثبته في محل آخر. ويُستعمل في الكتابة تشبيهًا بالنقل، فكان استعماله في النقل تشبيهًا بالإزالة، واستعماله في الكتابة تشبيهًا بمعنى المجاز، ويجب الحمل على هذا، كي لا يؤدي إلى الاشتراك.
وأما فائدته في الشريعة:
ذهب بعض المتكلمين إلى أن الاسم نقل عن معناه إلى معنى آخر، كاسم الصلاة والصوم وغيرهما.
وذهب بعضهم إلى أنه يفيد في الشرع ما يفيده في اللغة، لأنه في اللغة يفيد الإزالة مثل الحكم الثابت على ما نذكره في بيان حدِّه، غير أن الشرع قصير الإزالة على إزالة مثل الحكم الثابت بطريق شرعي على وجه مخصوص، ولا يكون ذلك نقلًا للاسم، كاسم الدابة: فإنه غير منقول عن محله، بل هو مخصوص ببعض مما يدبُّ على الأرض- والله أعلم.
٧٥ - باب في: حقيقة الناسخ والمنسوخ:
اعلم أن غرضنا من هذا الباب أن نحدَّ طريق الناسخ.
ولما كان اسم الناسخ يقع على الطريق وغيره، [فـ] لا بد أن نذكر ذلك
стр. 304
ثم نعمد إلى الطريق فنحده- فنقول: بأن الناصب للدلالة الناسخة يوصف [بأنه] ناسخ- يقال: نسخ الله تعالى التوجه إلى بيت المقدس، فهو ناسخ.
ويوصف الحكم بأنه ناسخ- يقال: القرآن ينسخ السنة.
إذا ثبت هذا- نقول:
بعض الناس حدوا الطريق الناسخ: بما دل على إزالة مثل الحكم الثابت بالنص، بحيث لولاه لكان الحكم ثابتًا مع تراخيه- إلا أن هذا غير صحيح، لأنه أدخل فيه ما ليس منه، وأخرج عنه ما هو فيه على ما نبيِّنه في الحد الثاني.
والصحيح أن يحد الطريق الناسخ بأنه:
نص صادر من الله تعالى أو من الرسول ﵇ أو فعل منقول عنه، يفيد إزالة مثل الحكم الثابت، بنص صادر من الله تعالى أو من الرسول أو فعل منقول من النبي ﵇، مع تراخيه، على وجه لولاه لكان الحكم ثابتًا.
- وإنما شرطنا أنه "نص صادر من الله تعالى أو نص أو فعل من الرسول" لأن العجز عن أداء العبادة يدل على إزالة مثل الحكم الثابت بالنص ولا يوصف بأنه نسخ.
- وإنما شرطنا "إزالة مثل الحكم الثابت بالنص"، لأن إزالة عين الحكم الثابت لا يكون نسخًا، بل يكون بَدَاءً على ما نبينه.
стр. 305
- وإنما شرطنا "بنص ثابت من الله تعالى أو بنص أو بفعل من الرسول ﵇"، لأن الحكم الثابت بدليل العقل إذا أُزيل بالنص لا يوصف بأنه نسخ.
- وإنما شرطنا "مع تراخيه"، لأن الحكم إذا كان ثابتًا ممتدًا إلى غاية فرفع لوجود الغاية لا يكون نسخًا، لأن المزيل مقارن له.
- وإنما شركنا أنه "لولاه لكان الحكم ثابتًا"، فإن الله تعالى إذا أمرنا بفعل واحد ثم نهانا عن مثل ذلك في وقت آخر، لا يكون ذلك نسخًا، لأنه لولا ذلك الحكم، لم يكن الحكم ثابتًا.
وأما المنسوخ- فهو الحكم المزال بالنص إذا اختص بهذه الشرائط.
وأما الناسخ- فهو إزالة مثل الحكم الثابت بالنص، إذا اختص بالشروط التي ذكرناها.
فإن قيل: شرطتم في هذه الحدود إزالة مثل الحكم الثابت، والإزالة إنما تكون لشيء ثابت، والحكم في المستقبل أو مثله لم يثبت بعدُ، فالنسخ يكون منعًا من ثبوته لا إزالة له- قلنا: النص المقتضي لثبوت الحكم إذا كان مطلقًا أو مشروطًا بالدوام يقتضي ثبوت الحكم فيجميع الأزمان، فكان الحكم ثابتًا في كل زمان في ظن المخاطب، نظرًا إلى الدليل على وجه لولا الناسخ لكان ثابتًا في المستقبل، فيتحقق معنى الإزالة في ظن المخاطب نظرًا إلى الدليل- هذا القدر من الأدلة يمكن تحقيقه في النسخ، فيجب تحقيقه تقريرًا لمعنى الاسم لغة.
ومن حد النسخ بأنه: "بيان مدة الحكم الذي في التوهم والتقدير بقاؤه" يلزمه أن الله تعالى إذا أخبر أن "زيدًا سيعجز بعد مدة"- أن يكون ذلك نسخًا، وليس كذلك. فيظل هذا الحد- والله أعلم.
стр. 306
٧٦ - باب في: الفصل بين البداء والنسخ:
اعلم أن البداء هو الظهور في اللغة- يقال: "بدا لنا سور المدينة" إذا ظهر. وإنما يظهر الشيء إذا انجلى وانكشف وصار بحيث يعلمه أو يظنه.
والأمر والنهي ليسا من البَداء في شيء، لكنهما يدلان على البداء. فالآمرُ إذا نهى المأمورَ الواحد عن فعل ما أمره في الوقت الذي أمره أن يفعله فيه، على الوجه الذي أمره أن يوقعه عليه. نحو أن يقولزيد لعمرو "صل ركعتين عند الزوال من هذا اليوم عبادة لله تعالى" ثم قال له: "لا تصل ركعتين عند الزوال من هذا اليوم عبادة لله تعالى"، لتعلق النهي بما أمره على الحد الذي أمره به، من غير تغاير بين متعلقهما [بحي] يصح أن تثبت المصلحة في أحدهما والمفسدة في الآخر. وذلك يدل: إما على أنه خفى عليه من المصلحة ما كان ظاهرًا عند الآمر. أو ظهر له من الفساد ما كان خافيًا عنه وقت الأمر، وهو البَدَاء. أو لم يخف عليه عنه شيء ولا ظهر له شيء، ولكنه عالم بكونه مصلحة ومفسدة، ومع ذلك قصد الأمر بالقبيح والنهي عن الحسن- وكل ذلك لا يجوز على الله تعالى.
стр. 307
فإذا لم تتكامل هذه الشرائط، فلا يكون بداء. لأنه لو نهى عن صورة ذلك الفعل، لا على غير تلك الجهة، نحو أن يأمرنا بالصلاة بالطهارة وينهانا عنها بغير طهارة، أو نهي عن ذلك الفعل غير ذلك المأمور، أو نهي ذلك المأمور عن غير ذلك الفعل، كما لو أمره بالصوم ونهاه عن الصلاة، فلا يكون ذلك بداء، لأنه وجد بين المتعلقين تغاير [بحيث] يصح أن تكون المصلحة في أحدهما والمفسدة في الآخر، فيأمر بما هو مصلحة في ذلك الوقت وينهي عما هو مفسدة في وقت آخر، فلم يكن ظهر له ما كان خافيًا عنه، ولم يخف عنه ما كان ظاهرًا له، ولا التعبد بالقبيح ولا النهي عن الحسن.
٧٧ - باب في: جواز نسخ الشرعيات:
اتفق المسلمون على جواز نسخ الشرعيات، إلا حكاية شاذة عن بعضهم: أنهم منعوا ذلك.
إنما الخلاف مع اليهود- وهم ثلاث فرق:
فمنهم من منع ذلك عقلًا وسمعًا.
ومنهم من منع ذلك سمعًا، وأجازه عقلًا.
ومنهم من أجاز ذلك عقلًا وسمعًا.
ولكنهم أنكروا نسخ شريعة موسى ﵇، لإنكارهم نبوة محمد ﵇. والحجة عليهم تتعلق بإثبات نبوة نبينا ﵇، وإثبات إعجاز القرآن- وقد عُرف في موضعه.
وأما الكلام من [من] منع ذلك:
فالدلالة لنا في ذلك أن مثل الفعل المأمور به في وقت، يجوز أن يقبح في المستقبل.
стр. 308
وإذا جاز ذلك، جاز ورود النهي عنه، لأن النهي عن القبيح حسن، وهو النسخ بعينه.
وإنما قلنا: إنه يجوز أن يقبح مثل الفعل المأمور به في المستقبل، لأن الفعل إنما يقبح لكونه مفسدة ويحسن لكونه مصلحة، ولا يمتنع أن يكون الفعل مصلحة في وقت ومثله مفسدة في وقت آخر. كالرفق بالصبي: مصلحة في وقت، مفسدة في وقت آخر. وكذلك الغنى والفقر، والصحة والمرض. وإذا جاز ذلك، جاز أن يكون التمسك بالسبت: مصلحة في وقت، مفسدة في وقت آخر.
والخصوم تعلقوا بوجوه من الشبه:
أحدها- أنه لو جاز أن ينهي عن صورة ما أمر به في وقت آخر، لكان يدل على أنه إما إن خفى عليه من صلاح ما أمر به ما كان ظاهرًا عنده، أو ظهر له من فساد ما كان خافيًا عليه، وذلك صورة البداء. أو لم يظهر له شيء ولا خفى عنه شيء، لكن قصد التعبد بالقبيح والنهي عن الحسن، وذلك لا يجوز على الله تعالى.
стр. 309
وثانيها- وهو مبني على الأمر المقيد بالتأبيد. فإن الأمر بالفعل أبدًا يقتضي وجوبه في جميع الزمان بشرط الإمكان. فإن الله تعالى إذا أمرنا بالفعل على سبيل التأبيد، فلا يخلو: إما إن أراد وجوبه في جميع الأحوال، أو لم يرد وجوبه في جميع الأحوال:
فإن لم يرد في جميع الأحوال- فلقد لبس الأمر علينا، حيث لم يدل على خلاف هذا الظاهر. ولو جاز ذا، لجاز ذا، لجاز تأخير بيان التخصيص والمجمل، وذلك باطل. ولأنه لو جاز ذلك، لم يكن في الإمكان طريق للنبي ﵇ في تعريفه إيانا تأبيد شريعته. لأن غاية ما يمكن للنبي ﵇ أن يقول: "شريعتي مصلحة ما بقي التكليف والإمكان" أو يقول: "الوحي منقطع بعدي". وكما أن الخبر يدل على أن شريعته مصلحة ما بقي التكليف باعتبار هذا الظاهر، فالأمر يقتضي ذلك أيضًا، لأن الحكيم لا يأمر بالشيء إلا إذا كان مصلحة في ذلك الوقت. وإذا جاز النسخ في أحدهما، جاز في الآخر- فيتعذر طريق التعريف.
وإن أراد الفعل في جميع الأزمان- كان واجبًا في جميع الأزمان. فإذا نهى عنه في بعض الأزمان، فقد نهى عن عين ما أمر به. وهذا يدل إما على البداء أو على تعبد قبيح، وذا لا يجوز.
وثالثها- أن الأمر بالشيء يتضمن الإخبار بكونه مصلحة، والنهي يتضمن الإخبار بكونه مفسدة. فإذا نهى عن الشيء الذي سبق الأمر به لكان أخبر عن الحسن بأنه قبيح، وعن المصلحة بأنه مفسدة. وذاك كذب، فلا يجوز على الله تعالى.
стр. 310
ورابعها- أن الله تعالى قادر على الكمال، حكيم على الكمال. وفي قدرته أن يأمر بالفعل الذي فيه صلاح إلى الأبد، فلا يحسن منه أن يأمر بما هو صلاح إلى مدة.
الجواب:
أما الأول- قلنا: إنما يؤدي إلى ما ذكرتم إذا لم يجز أن يكون الفعل مصلحة في وقت، مفسدة في وقت آخر. فإذا جاز ذلك ثبت أن ههنا قسم آخر. وهو أنه كان عالمًا في الأزل: أن الفعل مصلحة في وقت مفسدة في وقت آخر، فبطل قوله: إن ذلك يؤدي إلى البداء، أو إلى تعبد قبيح.
وأما الثاني- قلنا: الأمر المقيد بالتأبيد لا يجوز نسخه عندنا إلا مع تأخير البيان. فكذلك لا يتعذر على النبي ﵇ التعريف بدوام شريعته إيانا، بأن يخلى أمره عن الإشعار [النسخ]. وقيام الدلالة على نبوة محمد ﷺ دالة أن الله تعالى أشعرهم نسخ السبت، وهو نحو الإخبار بمجئ نبي آخر وغيره.
стр. 311
وأما الثالث- قلنا: أليس يجوز من الله تعالى أن يصرح بأن هذا الفعل مصلحة إلى وقت كذا ثم فيه مفسدة بعد ذلك، ولا يكون كذبًا وتناقضًا. فكذا إذا أمر به في وقت، وأشعر بالنسخ وأخر البيان إلى ذلك الوقت.
وأما الرابع- قلنا: ما أنكرتم أن الله تعالى لا يحيي الميت ولا يميت الحي، لأنه قادر على أنه يحيي جسمًا يكون صلاحه في الحياة أبدً.
وكذا هذا في التسويد والتبييض والتحريك والتسكين وغير ذلك.
فإن قال: بأن الله تعالى قادر على فعل يكون الصلاح فيه أبدًا، وقادر على فعل يكون الصلاح فيه إلى مدة، فيفعل أيهما شاء، فلا يتحكم عليه في أن يفعل أحدهما- فكذلك نقول في الأمر والنهي.
وأما من منع جواز النسخ من أهل ملتنا-[فـ] لا يخلو:
- إما أن ينفي حسنه أصلًا. وما ذكرنا على اليهود، وما يوجد من النسخ- يبطل قولهم.
- وإما إن أنكروا ذلك ما لم يقترن به الإشعار، وجوزوا ذلك إذا اقترن به الإشعار ولم يسموا ذلك منسوخًا- فهذا خلاف في العبارة.
- وإن أنكروا وجود النسخ أصلًا، نُلزمهم: بنسخ ثبات الواحد للعشرة [بثبات الواحد لاثنين] بقوله تعالى: ﴿إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا﴾
стр. 312
﴿مِائَتَيْنِ﴾ ... ﴿وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. وينسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة. وبنسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان- فإن لم يسموا هذا "نسخًا"، يلزمهم أن لا يكون رفع شريعتنا شريعة من قبلنا أيضًا "نسخًا".
٧٨ - باب في: نسخ الشيء قبل فعله:
اعلم أن نسخ الشيء قبل فعله ضربان:
أحدهما- بعد تقضي وقت الفعل.
والآخر- قبل تقضي وقته والتمكن من فعله.
فالأول:
لا شبهة في جوازه. لأن قبل الفعل يجوز أن يقبح في المستقبل.
стр. 313
ومتى جاز ذلك، جاز ورود النهي عنه. ولا فرق بين ما إذا عصى المكلف فيه أو أطاع.
والثاني:
اختلف الناس في جوازه:
فذهب بعض أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي وبعض المتكلمين إلى المنع من جوازه.
وذهب بعض أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي إلى جوازه.
والدلالة على صحة المذهب الأول من وجهين:
(أ) - أحدهما- أن النهي عن الفعل المأمور به قبل وقته والتمكن من فعله، يتناول ما تناوله الأمر على الحد الذي تناوله الأمر في الوقت والجهة. وتناول النهي عين ما تناوله الأمر على الحد الذي تناوله الأمر يؤدي إلى البداء، أو يؤدي إلى تعبد قبيح من الوجه الذي بينا. وإنما قلنا: إن النهي تناول ما تناوله الأمر على الحد الذي تناوله الأمر [وذلك] يؤدي أن الله تعالى لو قال صبيحة يومنا "صلوا ركعتين عند الزوال بطهارة"، ثم قال وقت الضحوة: "لا تصلوا ركعتين عند الزوال بطهارة" لا نعقل بين فعل المأمور به وبين فعل المنهي عنه مغايرة، من حيث إن كل واحد منهما تناول الصلاة على جهة واحدة وكان متعلق الأمر والنهي واحدًا.
فإن قيل: لم قلتم بأن النهي تناول عين ما تناوله الأمر، وما أنكرتم على من يقول إنه تناول مثل ما تناوله الأمر- قلنا: الجواب عنه من وجوه:
стр. 314
أحدها- أن المكلف لا يميز بين المأمور به والمنهي عنه، ولا يعقل بينهما مغايرة، فالتكليف بأحدهما بعينه والنهي عن أحدهما بعينه، والحالة هذه، تكليف ما ليس في الوسع.
والثاني- إن كان بينهما مغايرة، فينبغي أن يبقى المأمور به واجبًا بعد ورود النهي عنه، فلا يكون ناسخًا له- وهذه ليست مسألتنا.
والثالث- إن تغايرا لكن يستحيل أن يكون الفعل مصلحة في وقت، ومثله من كل وجه مفسدة- كالرفق بالصبي: لا يجوز أن يكون مصلحة ومفسدة في حالة واحدة.
فإن قيل: ما أنكرتم أن الأمر والنهي تعلقًا بفعلين مختلفين: فالأمر تناول العزم على الصلاة واعتقاد وجوبه، والنهي تناول عين الصلاة، والمقصود من الأمر هو الاعتقاد والامتثال به فحسب- قلنا: أنكرناه لوجهين:
أحدهما- أن اسم الصلاة لا يفيد العزم والاعتقاد في اللغة ولا في الشريعة، فلا يجوز استعماله فيهما إلا ببيان مقارن، على ما مر من قبل.
والثاني- أنه لا يحسن إيجاب العزم على الفعل واعتقاد وجوبه، والمعزوم ليس بواجب، بل هو منهي.
فإن قيل: يحسن اعتقاد ما ليس بواجب، والعزم عليه بشرط أن يكون واجبًا- قلنا: هذا لا يتعلق بالأمر، وليس حكمه، بل كل مسلم يجب عليه العزم على ما يوجب عليه الشرع، والكلام في نسخ حكم الأمر هنا.
стр. 315
فإن قيل: سلمنا أن الأمر والنهي تناولا فعلًا واحدًا، لكن على جهتين مختلفتين. فإن الأمر تناول صلاة لا ينهى عنها، فإذا جاء النهي عرفنا أن الفعل على هذه الجهة غير داخل تحت الأمر- قلنا: [الوجه الأول]- النهي ليس بوجه يقع عليه الفعل ليقال إنه قبح لأجله، بل لا بد في صحة النهي عن الشيء من كونه واقعًا على جهة لهـ[ـا] تأثير في القبح. وكذلك الأمر: ليس بوجه يقع عليه الفعل ليقال إنه حسن لأجله، بل لا بد من جهة لها تأثير في الحسن، ولا مغايرة بينهما في تلك الجهة.
(ب) - والوجه الثاني- إن الآمر إما إن أراد حصول المأمور به على ما ذهب إليه البعض، أو أراد إيجاب المأمور به على ما هو مذهبنا. وعلى كلا الوجهين: لو جوَّزنا النسخ قبل التمكن وحضور وقت الفعل، يؤدي إلى امتناع حصول ما أراده الله تعالى، وذلك لا يجوز. بيانه: أن الله تعالى متى أراد حصول المأمور به، لا بد أن يحصل، كي لا يلحقه بذلك نقص- على ما عرف. فلا يتصور حصول فعل الواجب قبل وقته. وكذلك: إن أراد وجوب المأمور به، لأن الوجوب عبارة عن كون الفعل بحالة لو فعله المكلف يستحق المدح، ولو أخل به يستحق الذم. فمتى أمره بالفعل في وقت بعينه أو مقيدًا بحالة الإمكان- لا يقتضي كونه بهذه الحالة قبل الوقت والإمكان. فلو نسخ قبل وقته، لا يتصور حصوله بهذه الحالة في الوقت، بل على خلافه، فلا يحصل ما أراده الله تعالى أصلًا، وهو محال. ولأنه يؤدي إلى البَدَاء، لأن البداء هو إرادة الشيء في وقت وكراهيته في ذلك الوقت بعينه، على التعاقب، وهذا نسخ يؤدي إلى ذلك- على ما مرَّ.
فإن قيل: الأمر يقتضي إرادة وجوب المأمور به في ظن المأمور، وقد صار الفعل على ظن المأمور بحالة لو لم يفعله في وقته، يستحق الذم- قلنا: إنما يغلب
стр. 316
على ظن المكلف صيرورته بهذه الصفة في وقته إذا لم ينسخ، فإذا جوزتم نسخه قبل الوقت، يجوز نسخه قبل الفعل، فلا يغلب على ظنه ذلك. على أن الأمر هو إرادة كون الفعل بهذه الحالة حقيقة، وظن المكلف ليس من الإرادة في شيء فالأمر أمر لإرادة الإيجاب، لا لإرادة ظن المأمور الإيجاب. ولهذا إذا لم يظن المأمور به واجبًا، لا يمتنع وجوبه وكونه مأمورًا به.
فإن قيل: إذا نسخ قبل التمكن وقبل الوقت، تبين أنه لم يُرد به الإيجاب فلا يلزمنا ما قلتم- قلنا: هذا لا يكون نسخًا، والكلام في النسخ. ولأن تأخير هذا النوع من البيان عن مورد الخطاب لا يجوز- على ما مرَّ.
وأما من جوز ذلك فقد استدل فيه بأشياء:
١ - منها- أن إبراهيم صلوات الله عليه كان مأمورًا بذبح الولد، لأن معنى قوله: ﴿إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ﴾ أي إني أمرت به، بدليل جواب الذبيح ﵇: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ثم نسخ ذلك قبل فعله.
٢ - ومنها- أن الله تعالى أمر بتقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي ﵇ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ وكان قد نسخه قبل الفعل.
стр. 317
٣ - ومنها- أن النبي ﷺ صالح قريشًا على أن يرد إليهم من هاجر منهم إليه، ثم نسخ قبل الفعل بقوله تعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ﴾.
٤ - ومنها- أن النبي ﵇ لما عُرج به إلى السماء فرض الله تعالى عليه خمسين صلاة، فلما أتى موسى ﵇ أشار إليه بالرجوع بأن يشفع في ذلك، فرجع وشفع حتى عادت إلى خمس صلوات، وكان ذلك نسخًا قبل الفعل وقبل التمكن.
والجواب:
أما الأول- فالجواب عنه من وجوه:
-[الأول] أن الخليل صلوات الله عليه كان مأمورًا بمقدمات الذبح، وقد فعل.
- والثاني- أنه كان مأمورًا بصورة الذبح، وهو قطع الحلقوم وإجراء السكين على الأوداج، لا بمعنى الذبح وهو الإماتة، وقد فعل ذلك: فإنه رُوي: أنه كلما قطع جزءًا أوصل الله تعالى ما تقدم من قطعه.
стр. 318
- والثالث- أن الأمر بذبح الولد لم ينسخ بل أفاد موجبه وتحقق فعله وهو ذبح الشاة، لأن الشاة جُعلت فداءً عنه. والأمر المضاف إلى محل له فداء، موجبه الفعل في الفداء، لا فيه- وقد عُرف تمامه في موضعه.
وأما الثاني- قلنا: يحتمل أن نسخ ذلك إنما كان بعد مضي مدة يتصور أن يهاجرن إليه، فلا يكون قبل وقته.
وأما الرابع- قلنا: هذا من أخبار الآحاد ورد في باب العلم والاعتقاد، فلا يكون حجة. على أن هذا نسخ قبل علم المكلَّف. وأجمعنا على أن نسخ الحكم قبل علم المكلَّف لا يجوز، فنحن والخصم في تأويل الحديث على السواء- والله أعلم.
٧٩ - باب في: نسخ الفعل إذا كان الأمر مقيدًا بلفظ التأييد:
ذهب بعض الناس إلى المنع من جوازه.
وعندنا: يجوز ذلك.
والدلالة عليه- هو أن النسخ إنما يرد على الألفاظ المفيدة للاستمرار،
стр. 319
وما دل الدليل على أن المراد منه الاستمرار- لأن المراد لو كان هو الفعل مرة واحدة: فقيل هجوم وقته، لا يجوز نسخه- لما مرَّ. وبعد انقضاء وقته، لم يبق الأمر فكيف يتصور نسخه؟
إذا ثبت هذا نقول:
الأمر المقيد بلفظة التأبيد كغيره من الألفاظ والأدلة المفيدة للاستمرار: لما جاز نسخ الألفاظ المفيدة للاستمرار، فكذلك الأمر المفيد للتأييد.
فإن قيل: لو جاز ورود النسخ على الأمر المقيد بلفظة التأييد، كما جاز قبل ذلك، لم يبق للتقييد فائدة- قلنا: هذا باطل، بتخصيص ألفاظ العموم المؤكدة بالتعميم.
ثم نقول: التقييد بلفظة التأييد قد يكون للمبالغة في الحث على الفعل، وقد يكون لتأكيد الاستمرار. فإذا ورد النسخ علمنا أنه ما أراد به الاستمرار، وإنما أراد منه المبالغة في الحث على الفعل، كما يقال: "لازم الغريم أبدًا -أو- امض إلى السوق أبدًا".
وأما من ذهب إلى المنع من جواز ذلك:
[فقد] استدل بأن قال: إن الأمر المقيد بلفظة التأبيد يفيد الفعل في جميع الأوقات ما بقي الإمكان، وجرى ذلك مجرى ألفاظ موضوعة للفعل في كل وقت من الأوقات. ولو نص على الفعل في كل وقت، لا يجوز ورود النسخ عليه - فكذا هذا.
والجواب:
اللفظ المفيد للفعل في جميع الأوقات، أمكن إخراج جزء منه واستعماله في الثاني. أما اللفظ المفيد للفعل في وقت واحد مرة واحدة، [فـ] لا يمكن إخراج جزء منه.
стр. 320
إذا ثبت هذا نقول:
اللفظ إذا أفاد الفعل مرة واحدة في وقت واحد، فورود النسخ عليه يؤدي إلى ما ذكرنا من الفساد. بخلاف اللفظـ[ـة] الواحد [ة] المفيد [ة] للفعل على سبيل الاستمرار -فإنها وإن جرت مجرى ألفاظ موضوعة للفعل في كل وقت من الأوقات في حق التناول، لكنها ما جرت مجراها في امتناع ورود النسخ عليها وصارت كلفظة العموم: فإنها في تناولها لآحاد ما دخلـ[ـت] عليه، جار [ية] مجرى ألفاظ موضوعة لكل واحد مما دخل تحتهـ[ـا] ولم تجر مجراها، في حق جواز التخصيص- فكذا هذا.
على أن هذه الشبهة تؤدي إلى المنع من جواز النسخ أصلًا، لأن من شرط جواز النسخ أن يكون اللفظ المنسوخ مفيدًا للاستمرار، ومتى كان مفيدًا للاستمرار يجرى مجرى ألفاظ موضوعة للفعل في كل وقت من الأوقات، ولو نص على الفعل في كل وقت، لا يجوز ورود النسخ عليه، فيؤدي إلى امتناع النسخ أصلًا، وهذا لا يجوز.
٨٠ - باب في: أن إثبات بدل العبادة ليس بشرط لجواز النسخ:
اعلم أن نسخ العبادة جائز إلى بدل، ولا إلى بدل.
والبدل على ضربين: بدل ينافي المبدل، وبدل لا ينافي المبدل.
فالأول- نحو التوجه إلى بيت المقدس مع التوجه إلى الكعبة، فإنه لا يمكن الجمع بينهما في صلاة واحدة.
والثاني- نحو صوم عاشوراء مع صوم شهر رمضان: فإنه يمكن الجمع بينهما.
следующие страницы →