← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133362

بذل النظر في الأصول

العلاء الأسمندي

Полный текст (696 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

على ظن المكلف صيرورته بهذه الصفة في وقته إذا لم ينسخ، فإذا جوزتم نسخه قبل الوقت، يجوز نسخه قبل الفعل، فلا يغلب على ظنه ذلك. على أن الأمر هو إرادة كون الفعل بهذه الحالة حقيقة، وظن المكلف ليس من الإرادة في شيء فالأمر أمر لإرادة الإيجاب، لا لإرادة ظن المأمور الإيجاب. ولهذا إذا لم يظن المأمور به واجبًا، لا يمتنع وجوبه وكونه مأمورًا به. فإن قيل: إذا نسخ قبل التمكن وقبل الوقت، تبين أنه لم يُرد به الإيجاب فلا يلزمنا ما قلتم- قلنا: هذا لا يكون نسخًا، والكلام في النسخ. ولأن تأخير هذا النوع من البيان عن مورد الخطاب لا يجوز- على ما مرَّ. وأما من جوز ذلك فقد استدل فيه بأشياء: ١ - منها- أن إبراهيم صلوات الله عليه كان مأمورًا بذبح الولد، لأن معنى قوله: ﴿إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ﴾ أي إني أمرت به، بدليل جواب الذبيح ﵇: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ثم نسخ ذلك قبل فعله. ٢ - ومنها- أن الله تعالى أمر بتقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي ﵇ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ وكان قد نسخه قبل الفعل.

стр. 317

٣ - ومنها- أن النبي ﷺ صالح قريشًا على أن يرد إليهم من هاجر منهم إليه، ثم نسخ قبل الفعل بقوله تعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ﴾. ٤ - ومنها- أن النبي ﵇ لما عُرج به إلى السماء فرض الله تعالى عليه خمسين صلاة، فلما أتى موسى ﵇ أشار إليه بالرجوع بأن يشفع في ذلك، فرجع وشفع حتى عادت إلى خمس صلوات، وكان ذلك نسخًا قبل الفعل وقبل التمكن. والجواب: أما الأول- فالجواب عنه من وجوه: -[الأول] أن الخليل صلوات الله عليه كان مأمورًا بمقدمات الذبح، وقد فعل. - والثاني- أنه كان مأمورًا بصورة الذبح، وهو قطع الحلقوم وإجراء السكين على الأوداج، لا بمعنى الذبح وهو الإماتة، وقد فعل ذلك: فإنه رُوي: أنه كلما قطع جزءًا أوصل الله تعالى ما تقدم من قطعه.

стр. 318

- والثالث- أن الأمر بذبح الولد لم ينسخ بل أفاد موجبه وتحقق فعله وهو ذبح الشاة، لأن الشاة جُعلت فداءً عنه. والأمر المضاف إلى محل له فداء، موجبه الفعل في الفداء، لا فيه- وقد عُرف تمامه في موضعه. وأما الثاني- قلنا: يحتمل أن نسخ ذلك إنما كان بعد مضي مدة يتصور أن يهاجرن إليه، فلا يكون قبل وقته. وأما الرابع- قلنا: هذا من أخبار الآحاد ورد في باب العلم والاعتقاد، فلا يكون حجة. على أن هذا نسخ قبل علم المكلَّف. وأجمعنا على أن نسخ الحكم قبل علم المكلَّف لا يجوز، فنحن والخصم في تأويل الحديث على السواء- والله أعلم. ٧٩ - باب في: نسخ الفعل إذا كان الأمر مقيدًا بلفظ التأييد: ذهب بعض الناس إلى المنع من جوازه. وعندنا: يجوز ذلك. والدلالة عليه- هو أن النسخ إنما يرد على الألفاظ المفيدة للاستمرار،

стр. 319

وما دل الدليل على أن المراد منه الاستمرار- لأن المراد لو كان هو الفعل مرة واحدة: فقيل هجوم وقته، لا يجوز نسخه- لما مرَّ. وبعد انقضاء وقته، لم يبق الأمر فكيف يتصور نسخه؟ إذا ثبت هذا نقول: الأمر المقيد بلفظة التأبيد كغيره من الألفاظ والأدلة المفيدة للاستمرار: لما جاز نسخ الألفاظ المفيدة للاستمرار، فكذلك الأمر المفيد للتأييد. فإن قيل: لو جاز ورود النسخ على الأمر المقيد بلفظة التأييد، كما جاز قبل ذلك، لم يبق للتقييد فائدة- قلنا: هذا باطل، بتخصيص ألفاظ العموم المؤكدة بالتعميم. ثم نقول: التقييد بلفظة التأييد قد يكون للمبالغة في الحث على الفعل، وقد يكون لتأكيد الاستمرار. فإذا ورد النسخ علمنا أنه ما أراد به الاستمرار، وإنما أراد منه المبالغة في الحث على الفعل، كما يقال: "لازم الغريم أبدًا -أو- امض إلى السوق أبدًا". وأما من ذهب إلى المنع من جواز ذلك: [فقد] استدل بأن قال: إن الأمر المقيد بلفظة التأبيد يفيد الفعل في جميع الأوقات ما بقي الإمكان، وجرى ذلك مجرى ألفاظ موضوعة للفعل في كل وقت من الأوقات. ولو نص على الفعل في كل وقت، لا يجوز ورود النسخ عليه - فكذا هذا. والجواب: اللفظ المفيد للفعل في جميع الأوقات، أمكن إخراج جزء منه واستعماله في الثاني. أما اللفظ المفيد للفعل في وقت واحد مرة واحدة، [فـ] لا يمكن إخراج جزء منه.

стр. 320

إذا ثبت هذا نقول: اللفظ إذا أفاد الفعل مرة واحدة في وقت واحد، فورود النسخ عليه يؤدي إلى ما ذكرنا من الفساد. بخلاف اللفظـ[ـة] الواحد [ة] المفيد [ة] للفعل على سبيل الاستمرار -فإنها وإن جرت مجرى ألفاظ موضوعة للفعل في كل وقت من الأوقات في حق التناول، لكنها ما جرت مجراها في امتناع ورود النسخ عليها وصارت كلفظة العموم: فإنها في تناولها لآحاد ما دخلـ[ـت] عليه، جار [ية] مجرى ألفاظ موضوعة لكل واحد مما دخل تحتهـ[ـا] ولم تجر مجراها، في حق جواز التخصيص- فكذا هذا. على أن هذه الشبهة تؤدي إلى المنع من جواز النسخ أصلًا، لأن من شرط جواز النسخ أن يكون اللفظ المنسوخ مفيدًا للاستمرار، ومتى كان مفيدًا للاستمرار يجرى مجرى ألفاظ موضوعة للفعل في كل وقت من الأوقات، ولو نص على الفعل في كل وقت، لا يجوز ورود النسخ عليه، فيؤدي إلى امتناع النسخ أصلًا، وهذا لا يجوز. ٨٠ - باب في: أن إثبات بدل العبادة ليس بشرط لجواز النسخ: اعلم أن نسخ العبادة جائز إلى بدل، ولا إلى بدل. والبدل على ضربين: بدل ينافي المبدل، وبدل لا ينافي المبدل. فالأول- نحو التوجه إلى بيت المقدس مع التوجه إلى الكعبة، فإنه لا يمكن الجمع بينهما في صلاة واحدة. والثاني- نحو صوم عاشوراء مع صوم شهر رمضان: فإنه يمكن الجمع بينهما.

стр. 321

وذهب بعض الناس إلى أنه لا يجوز نسخ العبادة إلا إلى بدل يقوم مقامها. والدلالة على جوازه- أن مثل ما تعبدنا الله تعالى به، يجوز أن يكون مفسدة في الوقت الثاني، ل [فينسخ] لا إلى بدل، كما يجوز أن يكون مفسدة [فينسخ] إلى بدل، إذ لا فرق بينهما في العقل، فجاز ورود النسخ عليه إلى بدل ولا إلى بدل. والدليل على جوازه- وقوعه: فإن الله تعالى نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي ﵇ لا إلى بدل. وكذا النهي عن ادخار لجوء الأضاحي: نسخ لا إلى بدل. وأما من منع جوازه-[فـ] استدل بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ والآية تمنع جواز النسخ لا إلى بدل. والجواب: [الأول]: أن الآية تناولت اللفظ والتلاوة دون الحكم، والخلاف فيه.

стр. 322

والثاني: إن تناولت الحكم، فمعنى الآية -والله أعلم- ما يُزيل التعبد عن عبد في وقت كانت العبادة فيه مفسدة إلا ويأتي بمصلحة هي خير من ذلك، وهو مصلحة إسقاط التعبد- والله أعلم. ٨١ - باب: نسخ العبادة إلى بدل هو أشق: ذهب بعض أصحاب الظاهر إلى أنه لا يجوز ذلك. وعندنا: يجوز ذلك. والكلام في موضعين: أحدهما جوازه. والآخر وقوعه. أما الدلالة على جوازه- هو أن مثل الفعل الذي تعبدنا الله تعالى به، يجوز أن يكون مفسدة في المستقبل. وإذا جاز ذلك، جاز أن تنتقل مصلحته إلى بدل هو أشق. كما يجوز أن تنتقل مصلحته إلى شيء أخف منه. وإذا جاز ذلك، جاز نسخه إلى بدل هو أشق منه. وأما الدلالة على وقوعه- أن الله تعالى نسخ الإمساك في البيوت بالجلد: فإن حد الزنا في الأصل كان هو الإمساك في البيوت لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ الآية. ثم بين ذلك بالجلد، وبيان الغاية المجملة نسخ، وهذا النسخ

стр. 323

إلى بدل هو أشق. وكذا التخيير بين الفداء والصوم نسخ لتعيين الصوم، وهذا أشق. وكذا نسخ تأخير الصلاة ع ند الخوف إلى إيجابها في أثناء القتال. وكذا نسخ صوم عاشوراء وبصوم رمضان- وكل ذلك نسخ إلى ما هو أشق منه.

стр. 324

ومن خالف- تمسك: - بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ الآية: وجد ما هو أخف منها أو مثلها وما يجرى مجراها في السهولة، والآية تمنع جواز النسخ إلى بدل هو أشق منه. - وبقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ وإرادة الأشق إرادة العسر. - ويقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾. والجواب: - إن الآية [الأولى]- تناولت التلاوة على ما ذكرنا. ولئن تناولـ[ـت] الحكم فمعناه والله أعلم: ما صلح منها وأكثر ثوابًا وأبلغ في التحرز عن المضار. - وأما الآية الثانية- قلنا: ظاهرها يمنع من جواز التعبد بالمشاق أصلًا، وهذا خلاف الإجماع. ولأن إرادة ما هو أكثر مصلحة وأنفع في حقه وأبلغ في التحرز عن المضار، وإن كان أشق على البدن في الحال، إرادة اليسر باعتبار المال. - وأما الآية الثالثة- ليس فيها صيغة العموم، فيحمل على الوجه الذي بينا- والله أعلم.

стр. 325

٨٢ - باب في: نسخ التلاوة والحكم جميعًا. أو نسخ التلاوة دون الحكم أو نسخ الحكم دون التلاوة: (أ) - أما نسخ الحكم دون التلاوة: فالدلالة عليه ما مرَّ من قبل. وبيان وقوعه- أن قوله تعالى: ﴿مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ﴾: انتسخ حكمه وبقيت التلاوة. (ب) - وأما نسخ التلاوة دون الحكم: فلأن التلاوة فعل يجوز أن يصير فعله مفسدة في الثاني، فجاز ورود النهي عنه مع بقاء المصلحة في حكمه. وبيان وقوعه- ما تظاهرت به من الأخبار عن النبي ﵇: "إن مما أنزل الله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالًا من الله": نُسخت تلاوته وبقي حكمه. ولقائل أن يقول: هذا لم يثبت كونه من الكتاب، لأنه يحتمل أنه صدر وحيًا، ولم يكن من القرآن، لأنه ﵇ قال: "إن مما أنزل الله تعالى" ولم يقل من القرآن: دل عليه قول عمر ﵁: "لولا أن الناس يقولون: إن عمر زاد في كتاب الله لكتبت على حاشية المصحف: الشيخ والشيخة ... إلى آخره" ولو كان قرآنًا لما قال ذلك، فصار معناه: "مما أنزل الله وحيًا عليَّ".

стр. 326

(جـ) - وأما نسخ التلاوة والحكم جميعًا: فالدلالة عليه- أن التلاوة والفعل حكمان يجوز أن يصير فعلهما مفسدة في المستقبل، فجاز ورود النسخ عليهما- على ما مرَّ. وبيان وقوعه: ما رُوي عن عائشة ﵂: "أن مما أنزل الله تعالى: "عشر رضعات يُحرمن" فهذا نسخ تلاوته وحكمه. وأما المخالف في جواز نسخ التلاوة دون الحكم، والحكم دون التلاوة- فقد استدل بأن قال: إن التلاوة دالة على الحكم، ونسخ التلاوة دون الحكم إبقاء المدلول بلا دليل، وفي نسخه إبقاء الدليل بلا مدلول، وفيه تناقض. والجواب: التلاوة إنما تدل على الحكم بشرط أن لا يعارضه مانع يمنع من مدلوله، كالعام دليل الاستغراق بشرط أن لا يعارضه دليل الخصوص. وأما بقاء المدلول بلا دليل فجائز -ألا ترى أن النبي ﵇ لو أخبر أن زيدًا يعيش [مائة] سنة ثم انعدم القول بموته ﵇، لا يجب علينا بطلان العلم بحياته- فجاز أن يزول الدليل ويبقى العلم بالمدلول. فإن قيل: الغرض من التعبد بالتلاوة هو الحكم دون نفس التلاوة، وإذا انتسخ الحكم لم يبق في بقاء التلاوة فائدة- قلنا: يجوز أن يرد التعبد بالتلاوة لمصلحة: إما لتعلق جواز الصلاة بها، أو لمصلحة أخرى كتلاوة أخبار الأمم الماضية وغير ذلك- والله أعلم.

стр. 327

٨٣ - باب في: نسخ الأخبار: ذهب أكثر الناس إلى المنع من جواز ذلك. وجماعة من المتكلمين ذهبوا إلى جوازه. وإنا نقول: إن نسخ الأخبار على ضربين: أحدهما- أن ينسخ عنا تلاوة الخبر. والآخر- أن ينسخ نفس الخبر. (أ) - أما نسخ تلاوة الخبر: فجائز لما ذكرنا- وهو كنسخ تلاوة أخبار التوراة. (ب) - وأما نسخ ابتداء الخبر: [فـ] بطريقين: أحدهما- أن يأمر الله تعالى بأن تخبر عن شيء ثم ينهانا عنه. أو يدلنا على قبحه. والاخر- أن يأمرنا بالإخبار عن إثبات الشيء ثم يأمرنا [بالإخبار] عن نفيه. أما الأول- فيجوز ورود النسخ عليه، سواء كان مما يصح [فيه] التغيير كالعبادات، أو لا يصح فيه التغيير نحو الإخبار عن الصفات الذاتية. والدلالة على ذلك أنه يجوز أن تتعلق المفسدة بالإخبار عن الشيء مع بقاء المخبر عنه

стр. 328

على حالة، فجاز ورود النهي عنه، كما جاز ورود النهي عن تلاوة القرآن للجنب والحائض. وأما الثاني- فإن كان فائدة الخبر مما يصح فيه التغيير، جاز ورود النسخ عليه. وإن كان لا يصح فيه التغيير، لا يجوز ورود النسخ به. مثاله- أني أمر الله تعالى أن نخبر بأنه عالم قادر، ثم يأمرنا أن نخبر بأنه ليس بعالم ولا قادر- فهذا لا يجوز، لأنه كذب محض. وأما الآخر- فنحو الإخبار عن وجوب الحج: فإنه يجوز ورود النسخ عليه، لأن الأمر بالحج يجوز ورود النسخ عليه- فكذا الخبر عنه. والجامع أنه يجوز أن يخرج الحج عن كونه مصلحة إلى كونه مفسدة- هذا المعنى موجود في الخبر. فإن قال: ورود النسخ بالأمر يؤذن بالبداء- قلنا: لا يؤذن بالبداء، لأن النهي دل على أن الأمر تناول غير ما تناوله النهي- قلنا: وكذلك الخبر: فإن الخبر الثاني دل على أن الخبر الأول تناول غير ما تناوله الخبر الآخر. وأما من ذهب إلى المنع من جواز ذلك- قال: إن القائل إذا قال: "أهلك الله عادًا"، ثم قال: "يهلكهم" كان هذا تناقضًا. والجواب: إنما كان كذلك، لأن إهلاك عاد مما لا يدوم ولا يرد عليه التكرار، بل وُجد مرة واحدة، دفعة واحدة، والإثبات والنفي يتناولان شيئًا واحدًا، فكان تناقضًا، ولا كذلك مسألتنا، لأن كلامنا في الإخبار عن شيء يرد عليه التوالي والتكرار، وهو قابل للتغيير في المستقبل-[والله أعلم].

стр. 329

٨٤ - باب في: نسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة: أما الكتاب فمساوٍ للكتاب في حق وجوب العمل به، والعلم. وكذلك السنة المتواترة مع السنة المتواترة. وأما السنن المنقولة بالآحاد فمتساوية في كونها أمارات على لزوم العمل. فلو لم يجز نسخ أحدهما بالآخر مع تساوي الناسخ والمنسوخ في القوة، لبطل ما علمناه من جواز النسخ، وذلك باطل. إذا ثبت هذا- نقول: (أ) -[نسخ الكتاب بالكتاب]: إذا وجد [نا] آيتين أو خبرين أحدهما متأخر، وحكمهما متناف، لم يكن ذلك إلا النسخ. وقد نسخ الله تعالى الاعتداد بالحول بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ﴾ الآية. ونسخ الكف عن القتال بقوله تعالى:

стр. 330

﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾. ونسخ ثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾. ونسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة رسول الله ﵇ بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا﴾ الآية. فإن قيل: تفويض البيان إلى النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ يمنع من نسخ الكتبا بالكتاب- قلنا: هذا معارض بقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ وبقوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾. ولأن تلاوة النبي ﵇ الآية الناسخة على الآية بيان منه.

стр. 331

(ب) - وأما نسخ السنة بالسنة: فلقوله ﵇: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها". وعنه ﵇ أنه قال في شارب الخمر: "من شرب الرابعة فاقتلوه"، ثم حُمل إليه شارب الرابعة فلم يقتله- والله أعلم. ٨٥ - باب: نسخ السنة بالكتاب: ذهب الشافعي وجماعة معه إلى المنع من جواز ذلك. وذهب أصحابنا وجماعة من المتكلمين إلى جوازه ووقوعه. وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى جوازه والمنع من وقوعه. والدلالة على جوازه- أنه لو امتنع لكان إنما يمتنع من جهة الحكمة. وإلا فجوازه من حيث الإمكان ثابت، لأن الله تعالى قادر أن يتكلم بكلام ناسخ للسنة. ولو أتى بكلام هذا سبيله لم يخرج من أن يكون دالًا على موضوعه. ولا يمتنع من جهة الحكمة، لنه لا وجه يقال فيه إلا وهو موجود في نسخ الكتاب بالكتاب، لأن السنة إنما صدرت من الوحي من الله تعالى، فجرى ذلك مجرى كلام ينزَّله الله، ثم نسخ الكتاب بالكتاب جائز بالإجماع- فكذا هذا. فإن قيل: لو جاز ذلك لكان فيه تنفير عن النبي ﵇، لأنه يوهم أن الله لم يرض بما سنَّه- قلنا: النسخ إزالة الحكم بعد استقرار مثله، والدليل الناسخ يزيل مثل هذا الوهم، لأنه لو لم يكن راضيًا بما سنَّه لما أقره عليه. ولأن مثل هذا موجود في نسخ السنة بالسنة، وذلك جائز بالإجماع- فكذا هذا.

стр. 332

والمخالف احتج بقوله تعالى: ﴿وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ وهذا يدل على أن كلامه كله بيان. فلو جاز نسخ السنة بالكتاب، لخرج من أن يكون بيانًا. والجواب: كونه بيانًا لا يمنع من نسخه بسنة مثله، فلا يمنع من نسخه بالكتاب- ألا ترى أن القرآن أنزل بيانًا، وذا لا يمنع نسخ بعضه ببعض- فكذا هذا. واحتج بقوله ﵇: "سنتي تقضي على القرآن. والقرآن لا يقضي على سنتي" ونسخ السنة بالقرآن قضاء القرآن على السنة، وذلك منفي. ولأن من شرط الناسخ أن يكون من جنس المنسوخ، ولذلك لم يجز نسخ الحكم الثابت بدلالة العقل بالنص، لأنه لا مجانسة بينهما، ولا مجانسة بين السنة والكتاب. والجواب: أما الحديث-[فـ] خرج مخرج العادة الغالبة، لأن كثيرًا من آيات القرآن يحتاج فيها إلى بيان النبي ﵇. فأما أقوال النبي ﵇ وأفعاله، [فـ] قلَّما تحتاج إلى بيان الكتاب، لأنها أسهل مأخذًا وأيسر تحصيلًا من علم ما في الكتاب. وأما قوله: المجانسة شرط- قلنا: هذا مجرد دعوى. وأما نسخ الحكم بدلالة العقل إذا كان قابلًا للتغيير- فجائز، لأن النسخ ليس إلا إزالة الحكم بعد استقراره، وهو موجود، إلا أن ذلك لا يسمى نسخًا، وكلامنا في المعاني لا في الأسامي. على أن السنة إنما تصدر بوحي من الله، فكانت بمنزلة الكتاب، وبينهما مجانسة من الوجه الذي تثبت بهما الأحكام- والله أعلم.

стр. 333

٨٦ - باب: نسخ الكتاب بالسنة (المتواترة): أعلم أن السنة على ضربين: متواترة ومنقولة بالآحاد. أما المنقولة بالآحاد - فالكلام في نسخ الكتاب والسنة المتواترة، بها - نذكره بعد هذا. وأما السنة المتواترة -[فقد] اختلفوا في نسخ الكتاب بها: فذهب بعض أصحابنا والشافعي إلى المنع من جوازه. وذهب بعض أصحابنا وجماعة من المتكلمين إلى جوازه. واختلف هؤلاء في وقوعه: منهم من أنكر وقوعه، ومنهم من قال بوقوعه. أما الدلالة على جوازه - أن النبي ﵇ إنما ينسح الكتاب اتباعاً للوحى وامتثالاً للأمر الذي أمره الله به من إزالة حكم الكتاب، فجرى مجرى نسخ الكتاب بالكتاب، وذلك جائز بالإجماع - فكذا هذا. فإن قيل: لو جاز نسخ الكتاب بالسنة، لكان في ذلك تغريراً للناس، لأنه يوهم أنه جاء من تلقاء نفسه. ولذلك أمر الله تعالى أن يقول عند تبديل آية بآية: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ إزالة لما يقع لهم من وهم الافتراء حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾. بخلاف نسخ الكتاب بالكتاب، لأن القرآن معجز فلا يتوهم أنه جاء به من عند نفسه - قلنا: النسخ في كلا الصورتين يتلقى من الرسول ﵇، إلا أنه في إحدى الصورتين أخبر أنه أوحى اليه بكلام ناسخ، وفي الصورة الأخرى أخبر أنه أوحى إليه أن يتكلم

стр. 334

بكلام ناسخ، وإن كان في نسخ الكتاب بالسنة تنفير من حيث إنه أزال حكم الكتاب، وأخبر أنه أوحى إليه أن يتكلم بكلام ناسخ - فكذلك في نسخ الكتاب بالكتاب: تنفير من حيث إنه أزال حكم الكتاب، وأخبر أنه أوحى إليه بكلام ناسخ. وأما قوله بأن القرآن معجز - قلنا: النسخ لا يتوقف على ما ظهر فيه الإعجاز. ولذلك نسخ السنة بالسنة جائز، وإن لم يظهر فيه الإعجاز. فإن قيل: النبي ﵇ لما كان ينسخ الكتاب بوحي أوحى إليه، فهلا أنزلت إليه آية ناسخة دون السنة، وهلا أضيف النسخ إلى دليل الوحي وإن لم يظهر لنا ذلك - ألا ترى أن الأمة إذا أجمعت على النسخ لا يضاف النسخ إليهم، وإنما يضاف إلى ما دلهم على النسخ، وإن لم يظهر لنا ذلك - قلنا: إنما يستقيم هذا الكلام، وإنما يجب هذا لو لم يجز نسخ الكتاب بالسنة، وأما إذا جاز ذلك، فلا ينفى، بل يجوز أن ينزل الله آية ناسخة، ويجوز أن يوحى إليه بكلام ناسخ. وأما قوله: يجب أن يضيف النسخ إلى ذلك الوحي - قلنا: فيما ذكرتم تسليم أنه يجوز نسخ الكتاب بالسنة، وإن لم يظهر لنا الوحي، ولكن نازعتمونا في تسمية السنة ناسخة، وفي إضافة النسخ إليه - فنقول: لا يمتنع أن تفارق السنة الإجماع في إضافة النسخ إليهما، لأن الأمة إذا أجمعت على ثبوت حكم لا يضيفه الشرع إليهم، فكذا إذا اجتمعت على نسخه لا يضاف إليهم - أما هنا [ف] ثبوت الحكم يضاف إليه، فجاز أن يضاف نسخ الكتاب إلى سنته. وأما المخالف فقد استدل في المسألة بأشياء: (أ) - ١ - منها - قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾:

стр. 335

وصفه الله تعالى بكونه مبيناً للكتاب. فلو جاز نسخ الكتاب بالسنة، يخرج من أن يكون بياناً له. ٢ - ومنها - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ﴾ فالمفهوم من هذه الآية أن الله تعالى يبدل آية بآية. فلا يجوز تبديل الآية بغيرها. ٣ - ومنها - قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فالاستدلال بالآية من وجوه: * منها- أن الآية تقتضي أن ما يأتي به هو خير منه من جنسه. كقول القائل: ((ما أخذت منك من ثوب آتيك بخير منه)) يعنى: آتيك بثوب هو هير منه. * وثانيها- أن الآية تقتضي أن الله تعالى هو المتفرد بإتيان ما هو خير. وهذا يتقضى أن الناسخ هو القرآن. * وثالثها- أن الآية تقتضي أن الناسخ خير من المنسوخ أو مثله على الإطلاق، والسنة لا تكون خيراً من الآية أو مثلها في الفصاحة والإعجاز. (ب) - ومما استدلوا به قوله ﵇: ((إذا روى لكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق فاقبلوه وما خالف الكتاب فردوه)) والناسخ لا بد أن يكون منافياً للمنسوخ ومخالفاً له. والجواب: (أ) - أما الآية الأولى - قلنا: النسخ نوع بيان، لأنه لما اقتضى رفع الحكم الثابت بالكتاب كان بياناً: أن المراد بالآية ثبوت الحكم إلى هذه الغاية، كالتخصيص: بيان من حيث إنه اقتضى خروج [بعض] ما تناوله العام،

стр. 336

فكان بياناً: أن المراد به وراء ما تناوله الخاص. على أنه ليس في وصف الله لنبيه، لكونه مبيناً، ما يمنع أن يكون على صفة أخرى، فإنه يجوز أن يكون على صفة أخرى، وهي كونه ناسخاً. وأما الآية الثانية - قلنا: الآية تفيد أن الله تعالى إذا بدل آية بآية، قالت الكفرة: كيت وكيت، وليس فيها بيان أنه لا يجوز تبديل الكتاب بالسنة. وأما الآية الثالثة: * أما الوجه الأول من الاستدلال - قلنا: لا نسلم أن الآية تفيد ما ذكرتم، بل تفيد أن يأتي به خير منه في النفع والصلاح. ولا نسلم أن معنى قول القائل: ((ما أخذت منك من ثوب آتيك بخير منه)) أي (آتيك بثوب خير منه)) بل ((بشيء - فإن قال: يجب أن يضمر الثوب، لأنه تقدم ذكره - قلنا: إن انصرف إلى المعهود في لام العهد، لم يدل على أنه ينصرف هنا إلى ما تقدم ذكره، وهما بابان مختلفان لا يجوز أن يستدل بأحدهما على الآخر. * وأما الوجه الثاني - قلنا: السنة متى دلت على النسخ، فإن الآتي بما هو خير منه هو الله تعالى، لأن الله تعالى هو الموحى إلى نبيه بالناسخ. * وأما الوجه الثالث - قلنا: ليس في الآية ما يقتضي تعميم وجوه الخير، فكان المراد منه: ما هو خير في المصلحة والنفع.

стр. 337

وجواب آخر يشتمل [على] جميع هذه الوجوه. وهي: أن قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يحتمل أن المراد منه: نأت بما هو خير منها في حادثة أخرى وفي حكم آخر، ويكون الناسخ غير ذلك. (ب) - وأما ما رووا من الحديث: قلنا: المراد ما يروى بطريق الآحاد، فإنه قال: ((إذا روى لكم عنى حديث)) ولم يقل ((إذا سمعتم عنى حديثاً)) أو ((صح عندكم حديث)). وبمجرد الرواية لا يثبت التواتر، ولا يجوز نسخ الكتاب به - دل عليه أن الله تعالى أمر بطاعته، أعنى النبي ﵇ فيما يأمر وينهى من غير تقييد [ب) العرض على الكتاب، فيجب [أن] يحمل الحديث المروى على المروى على الآحاد. وهذا كله دليل الجواز. وأما الدلالة على وقوعه: ١ - فهو أن حد الزنا في حق الزانية هو الإمساك في البيت، ثم انتسخ بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ثم انتسخ آية الجلد في حق المحصن بالرجم، والرجم ثبت بالسنة، وهو قوله ﵇: ((الشيخ والشيخة

стр. 338

إذا زنيا فارجموهما نكالاً من الله)). فإن قيل: هذا كله كان قرآناً بدليل قوله ﵇ ((إن مما أنزل الله تعالى: الشيخ والشيخة .... )). وهذا يقتضي كونه قرآناً، والجواب ما ذكرنا في باب نسخ التلاوة بدون الحكم. ٢ - وقوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ نسخ بقوله ﵇: ((لا وصية للوارث)). فإن قيل: هذا نسخ بآية المواريث لا بالنسبة - قلنا: إنما يقع النسخ إذا كان الناسخ والمنسوخ متنافيين حكماً، ولا يمكن العمل بهما على الجمع. والعمل بآية الوصية وآية المواريث ممكن - فكيف يكون ناسخاً له؟ فإن قيل: لا، بل هو جار مجرى التواتر، لأن الأمة تلقته بالقبول، فيجوز نسخ الكتاب به. ٨٧ - باب في: نسخ الكتاب والسنة المتواترة [بأخبار الآحاد]: لا خلاف في جواز ذلك عقلاً. ولورود السمع به، لا يكون محالاً. واختلفوا في ورود التعبد بالمنع منه. فذهب أكثر الناس إلى أنه ورد التعبد بالمنع من ذلك. وذهب أصحاب الظاهر إلى أنه لم يرد التعبد بالمنع منه.

стр. 339

والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه - أن قضية الكتاب والخبر المتواتر معلوم قطعي، وقضية خبر الواحد مظنون ظاهر. والشرع منعنا من رفع المعلوم بالمظنون. والدليل عليه - أن الصحابة رضى الله عنهم كانت تترك العمل بخبر الواحد إذا كان ناسخاً للكتاب والسنة - فإنه عن عمر رضى الله عنه أنه قال، حيث قالت بنت قيس: ((لم يجعل لي النبي ﵇ نفقة ولا سكني عند الطلاق)): ((لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بحديث امرأة لا ندرى صدقت أم كذبت)) - وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعاً. وأما المخالف فقد احتج في المسألة بأشياء ١ - منها - أن وجوب العمل بأخبار الآحاد معلوم، بدليل مقطوع، فار كحكم الكتاب والخبر المتواتر. ٢ - ومنها - أنه يجوز تخصيص الكتاب والسنة بخبر الواحد، فكذلك النسخ، بل أولى - لأن النسخ إزالة الحكم بعد أن كان ثابتاً مراداً بالخطاب، والتخصيص بيان أن ما تناوله الخاص لم يتناوله العام أصلاً. ٣ - ومنها - أن كثيراً من القرآن قد انتسخ بخبر الواحد، فإن قوله تعالى:

стр. 340

﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ فهذا يقتضي نفى الحرمة عما عدا المذكورات في هذه الآية. ثم انتسخ بما روى عن النبي ﵇: أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع. وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ انتسخ بقوله ﵇: ((لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها)). وقوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ انتسخ بقوله ﵇: ((لا وصية لوارث)) - وهذه أخبار الآحاد. والجواب: قلنا: أما الأول - ما مر من الإجماع: يمنع أن يكون حكم الخبر الواحد مقطوعاً به. على [أن] الدليل الموجب للعمل بالخبر، يتناول أخباراً لم تكن ناسخة للكتاب، فلا يمكن والحالة أن يدعى أن حكمه ثابت بدليل مقطوع به.

стр. 341

وأما الثاني - قلنا: ما ذكرتن من دليل [يخص] جواز النسخ به في قضية العقل، ولا كلام فيه، إنما الكلام في التعبد بالمنع من ذلك، وقد ذكرنا الدليل عليه. وأما الثالث - قلنا: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ يعنى هذه الحالة. فلم تكن الآية متناولة لما بعده، فلم تكن منسوخة به. ويحتمل أنه ورد مقارناً للكتاب فيكون مخصصاً لا ناسخاً. وأما قوله ﵇: ((لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها)). وقوله ﵇: ((لا وصية للوارث)) -[فهو] بمنزلة المتواتر لتلقى الأمة إياهما بالقبول. فجاز ورود نسخ الكتاب بهما. على أنه يحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام حين كان يجوز نسخ السنة المتواترة بخبر الواحد، ثم نسخ، كانتساخ التوجه إلى بيت المقدس في حق أهل قباء. ٨٨ - باب: في: نسخ الإجماع، ووقوع النسخ به: أما نسخ الإجماع: اعلم أن الإجماع لو نسخ، إنما ينسخ بدليل شرعي: من كتاب، أو سنة، أو إجماع أو قياس -[فنقول]: - أما نسخه بالكتاب والسنة: [ف] لا يتصور، لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي ﵇. وبعد وفاته لا يتصور ورود كتاب أو سنة ينسخان الإجماع.

стр. 342

فإن قيل: يجوز أن تظفر الأمة بنص كان قد خفي عليهم، فيزول إجماعهم بذلك - قلنا: هذا لا يجوز. لأنه لو كان في الشريعة نص، كان العمل بمقتضى النص هو الحق، وإجماع الأمة على خلاف ما اقتضاه يكون عدولاً عن الحق. ولا يجوز أن الأمة بأسرهم ذهبوا عن الحق. فإن قيل: إنما كان العمل بالنص حقاً بشرط أن تظفر الأمة به. وأما إذا لم تظفر به، فالعمل بالاجتهاد هو الحق. فإذا عملت بالاجتهاد ثم ظفرت بالنص، ارتفع الحكم الثابت بالإجماع، فيكون نسخاً - قلنا: إن جاز أن تكلف الأمة العمل بالنص بشرط أن تظفر به، وبالاجتهاد مع فقده، فإذا ظفرت بالنص زال الحكم الثابت بالاجتهاد لزوال شرطه، والحكم إذا زال لزوال شرطه، لا يكون نسخاً. فإن قيل: يجوز أن ينعقد الإجماع على عهد النبي ﵇، فيرد كتاب أو سنة ينسخانه - قلنا: الإجماع حال حياة النبي ﵇ إنما ينعقد بتوقيف من جهة النبي ﵇، وهو بمنزلة النص، فيجوز ورود النسخ عليه - إنما الكلام في انعقاد الإجماع بعد وفاة النبي ﵇، حيث كان المعتبر هو الإجماع، فيرد عليه نسخ، وإنه ممتنع - على ما مر. - وأما نسخ الإجماع [بالإجماع]: فلا يجوز. لأن الإجماع الثاني لا يخلو: إما أن دل على فساد الإجماع الأول، أو لم يدل، بل كان حقاً. فالأول باطل لما ذكرنا. وإن كان الأول حقاً لكنه حرم القول: فإما إن حرم القول بدليل متجدد أو بدليل كان قد خفي عليهم. وقد أفسدنا كلا الوجهين.

стр. 343

فإن قيل: الأمة إذا اختلفت في المسألة على قولين، فقد سوغت للعامي الأخذ بكل واحد من القولين أيهما شاء، وجاز للمجتهد أن يعمل لما أدى إليه اجتهاده. وإذا اتفقت على قول واحد بعد ذلك، [ف] لا يجوز للعامي أن يأخذ بالقول الآخر، ولا يجوز العمل بالاجتهاد فيه - وهذا نسخ الإجماع بالإجماع - قلنا: إنما يجوز للعامي أن يأخذ بأي القولين، وللمجتهد العمل بما أدى إليه اجتهاده، بشرط أن تكون المسألة من مسائل الاجتهاد، وبشرط بقاء الخلاف. فإذا اتفقت على قول واحد، زال جواز التقليد والاجتهاد، لزوال شرطه، وذا لا يكون نسخاً، كالحكم المقيد بالغاية إذا انتهى لوجود غايته، لا يكون نسخاً. - وأما نسخ الإجماع بالقياس: [ق] لا يجوز. لأن لا يخلو: إما أن يكون قياساً على أصل متقدم، وذلك لا يجوز، لأن الإجماع دل على فساده. وإن كان قياساً على أصل متأخر، فالحكم لا يتجدد دليله. والدليل إما الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس. وتجدد الكتاب أو السنة لا يتصور بعد وفاة النبي ﵇. وإن كان قياساً على الإجماع، لا يجوز أيضاً، لأن القياس على ذلك الإجماع لو كان صحيحاً، لكان دليلاً على فساد الإجماع الأول، ولا يجوز من الأمة بأسرها الذهاب عن الحق. - وأما وقوع النسخ بالإجماع: اعلم أن النسخ بالإجماع لو وقع: إما أن ينسخ كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو قياساً. - أما نسخ الإجماع بالإجماع، فقد مر.

стр. 344

- وأما نسخ الكتاب والسنة بالإجماع -[ف] لا يجوز، لأن الإجماع لا ينعقد على مخالفة الكتاب والسنة، لأنه ذهاب عن الحق، فلو انعقد الإجماع مع هذا، كان ذلك دليلاً على تقدم ما نسخ من نص الكتاب والسنة، فيكون النسخ مضافاً إلى ذلك النص، كإجماعهم على أنه لا غسل على من غسل الميت، وتكون الأمة كالناقلين للدليل الناسخ، والناقل للدليل الناسخ لا يكون ناسخاً. - وأما نسخ القياس بالإجماع -[ف] تذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. ٨٩ - باب في: نسخ القياس، ووقوع النسخ به: اعلم أن القياس الثابت عن أمارة لو نسخ، إما أن ينسخ بكتاب أو سنة أو إجماع أو قياس. والقياس المنسوخ لا يخلو: إما أن يكون على عهد النبي ﵇، أو بعد وفاته. فإن كان في حال حياته - جاز نسخه بالنص وبالقياس: أما بيان نسخه بالنص: [ف] نحو أن ينهى النبي ﵇ عن بيع البر بالبر، وبين أن العلة فيه الكيل، ثم نسخ [تحريم] بيع الأرز بالأرز ويمنعنا من القياس عليه - فهذا نسخ القياس بالنص.

стр. 345

وأما بيان نسخه بالقياس: [ف] نحو أن تكون المسألة على حالها، إلا أنه ينسخ [تحريم] بيع بعض المأكولات، وبين أن العلة فيه كونه مأكولاً، بأمارة أقوى من الأول، فيلزمنا العمل بالقياس الثاني وترك العمل بالقياس الأول، وذلك جائز. وأما نسخ القياس: بعد وفاة النبي ﵇[ف] على ما مر. ويجوز نسخه بالقياس والإجماع بطريق المعنى، لا بطريق الحقيقة - نحو أن يحرم الإنسان شيئاً بالاجتهاد بعد طلب النص، فلم يجد، ثم أجمعت الأمة على خلاف ذلك القياس، أو وجد قياس أمارته أقوى من أمارة الأول، فإنه يدفع الحكم الثابت بالقياس الأول، لكن لا يسمى ذلك نسخاً، لأن العمل بالاجتهاد إنما يجوز بشرط أن لا يكون هناك إجماع أعلى منه ولا قياس أمارته أقوى منه. فإذا ظفر به زال الحكم الأول بزوال شرطه، وذلك لا يسمى نسخاً - على ما مر. وأما وقوع النسخ بالقياس: اعلم أن النسخ بالقياس لو وقع: [ف] إما أن ينسخ كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو قياساً. أما نسخ الإجماع بالقياس أو نسخ القياس بالقياس - فعلى ما مر.

стр. 346

وأما نسخ الكتاب والسنة بالقياس، فلا يجوز، لأنه رفع المعلوم بالمظنون. ولأن الصحابة رضى الله عنهم كانت تترك آراءها بكتاب أو سنة. وكذلك صوب النبي ﵇ معاذاً في رجوعه إلى الاجتهاد بعد أن لم يظفر بكتاب أو سنة. وهذا هو الجواب عن قياسهم النسخ بالقياس على التخصيص بالقياس، لأن الصحابة رضى الله عنهم منعت من أحدهما ولم تمنع من الآخر. وكذلك الجواب عن قياسهم نسخ النص بالقياس، على نسخ الخبر بالخبر. وأما فحوى الخطاب: جاز نسخه ووقوع النسخ به، لأن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ إما إن دل على حرمة الضرب والشتم من جهة اللغة، أو من جهة العرف بطريق الأولى. فكل لفظ موضوع للشيء لغة يجوز ورود النسخ عليه. وإن كان الثاني، فكذلك. لأنه أقوى في الدلالة من النص، لأنه لا يحتمل التخصيص والنص يحتمله، ويجوز نسخ الأصل والفحوى إذا كان مما يجوز ورود النسخ عليهما. وورود النسخ على الأصل يوجب ارتفاع الفحوى، لأنه ثابت تبعاً له. ويجوز نسخ الأصل وبقاء الفحوى، لكن بدليل مستأنف. وهل يجوز نسخ الفحوى مع بقاء الأصل؟ الصحيح أنه لا يجوز، لأنه يؤدى إلى نقض الغرض بالكلام. وبيانه أن الغرض من حرمة التأفيف إعظام الوالدين، وفي إباحة الضرب مع حرمة التأفيف نقض هذا الغرض - والله أعلم.

стр. 347

٩٠ - باب: النسخ بالإقرار [من الرسول ﷺ ]: وصورة المسألة أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ يفعل فعلاً بخلاف أصل من الأصول، بمشهد الرسول ﵇، ولم ينكر النبي ﵇ فهل يكون ترك الإنكار عليه نسخاً لذلك الحكم، بالأصل المعلوم أم لا؟ . قال قوم: لا يكون نسخاً. وقال آخرون: يكون نسخاً. ونحن نقول: إن كان ترك الإنكار على وجه التقرير والتصويب، بأن عرى عن الموانع، نحو اشتغاله بما هو أوجب من الإنكار عليه وأهم منه، أو أن يخاف على الفاعل الوقوع في حرام آخر هو أقوى منه، بأن كان الحال حالة الغضب فيما يريد النبي ﵇ إنكاره ولا يمتنع بمنعه، وغير ذلك من الموانع - يكون نسخاً للحرمة الثابتة قبله. والدلالة عليه - أنا إذا عرفنا كون الفعل حراماً، ثم رأينا أحداً يفعل ذلك بمشهد النبي ﵇[ف] لا يخلو: إما إن كان الفعل مباحاً في حقه، أو حراماً. فإن كان مباحاً، فقد وقع الانتساخ. ولو كان حراماً لأنكر النبي ﵇ ذلك، لأن الإنكار واجب عليه، لكون مبعوثاً لبيان الحلال والحرام، ولكونه آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، ولا يظن به صلوات الله عليه أنه يترك الواجب - فدل ترك إنكاره، على انتساخ الحرمة، من هذا الوجه. وهذا لأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى بوحيه، إلا أن بيانه يفوض إليه ﷺ : تارة يبينه بتلاوة القرآن، والأخرى بسنته قولاً، ومرة بسنته فعلاً، فلا يمتنع أن يبين ذلك بترك الإنكار والتقرير، ووجه البيان فيه ما مر.

стр. 348

ومثال هذا - ما روى عن معاذ رضى الله عنه أنه دخل المسجد وكان النبي ﷺ قد صلى بالناس بعض صلاته، فاقتدى به معاذ وأتم الصلاة مع الإمام ثم أخذ في قضاء ما سبق به. فكان الحكم في ذلك الوقت قضاء ما سبق به أولاً، ثم الإتمام بالإمام فيما بقي، فلما فرغ النبي ﵇ من الصلاة قال: ((سن لكم معاذ سنة حسنة فاتبعوه)) - ولا شك أن ذلك إنما نسخ بوحي من الله تعالى، إلا أنه فعل [هـ] معاذ قبل نزول الوحي - فلو لم يقل النبي ﵇ ذلك، ولم ينكر على معاذ ما فعله، كان ذلك بياناً للنسخ، على ما مر. فإن قيل: ما فعله معاذ رضى الله عنه: إن كان عن اجتهاد فكيف يباح له ذلك مع وجود النص بخلافه؟ وإن كان على وفاق ما نزل من الناسخ فكيف وقف ولم يسمعه من النبي ﵇ قلنا: يحتمل أن معاذاً رضى الله عنه لم يكن علاماً أن الحكم قضاء الفائت قبل الإتمام، لأنه كان مواظباً على الجماعات مع النبي ﵇، ولم يسبق في شيء من الصلوات قبل ذلك، فعمله باجتهاده، واتفق نزول الناسخ عند فعله، أو يحتمل أنه فعل ذلك إلهاماً من الله تعالى [و] وافق ذلك نزول الناسخ على النبي ﵇. ٩١ - باب: الزيادة على النص هل هو نسخ أم لا ؟ : ذهب الشافعي ﵀ وجماعة من المتكلمين إلى أن الزيادة على النص لا تكون نسخاً على كل حال. وذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي وجماعة من أصحابنا إلى أن الزيادة

стр. 349

على النص: إن كانت مغيرة حكم المزيد عليه تكون نسخاً. وإن لم تكن مغيرة حكم المزيد عليه، بل تكون مقررة له، لا تكون نسخاً. وجعلوا إيجاب التغريب مع الجلد، وإيجاب زيادة عشرية جلدة على الثمانين في حد القذف، نسخاً. وذهب بعضهم: إن الزيادة إن غيرت حكم المزيد عليه تغيراً شرعياً، بحيث لو فعل على حد ما كان يفعل قبله لم يكن معتدا به بل يجب استئنافه، يكون نسخاً، نحو ضم ركعة إلى ركعتي الفجر. وإن لم تغير حكم المزيد عليه بحيث لو فعل على حد ما كان يفعل قبلها يكون معتداً به ولا يجب استئنافه، لم يكن نسخاً. ولم يجعلوا إيجاب التغريب مع الجلد، وإيجاب عشرين جلدة زائدة في حد القذف - نسخاً. وكذا إثبات زيادة شرط ينفصل عن العبادة، لا يكون نسخاً، نحو إيجاب الوضوء في شرائط الصلاة. ولو خير الله تعالى بين فعلين وزاد فعلاً ثالثاً، يكون نسخاً، لصحة تركهما. ولم يختلفوا أن إيجاب زيادة عبادة على عبادة، كإيجاب الزكاة بعد إيجاب الصلاة، لا يكون نسخاً. ولم يختلفوا أيضاً أن إيجاب صلاة سادسة على الصلوات الخمس لا يكون نسخاً. ونحن نقول: إن الكلام في الزيادة في ثلاثـ[ـة] مواضع: أحدها في المعنى. والثاني في الاسم. والثالث في الحكم.

стр. 350

(أ) - أما الكلام في المعني: فبأن يقال: هل الزيادة على النص تفيد معنى النسخ؟ . فنقول: إنه يفيده، لأن معنى النسخ هو الإزالة، وكل زياد تزيل حكماً عن المزيد عليه، وهو كونه معتداً به على وجه لا يجب استئنافه، كما في زيادة ركعة في ركعتي الفجر. أو كونه كل الحكم ومجزئاً وحده، على مثال زيادة التغريب في حد الزنا، وزيادة عشرين جلدة على ثمانين في حد القذف، فيتحقق معنى النسخ. فإن قيل: إيجاب زيادة التغريب على الجلد، وزيادة عشرين على ثمانين في حد القذف، لا تغير حكم المزيد عليه ولا أزالت عنه حمكاً شرعياً من وجوب أو جواز، فإن الجلد يبقى على ما كان عليه من وجوب أو جواز، إلا أنه ارتفع نفى وجوب التغريب، وهذا ليس بحكم شرعي، لأن إيجاب الجلد لا يتعرض لما عداه، لا بنفي ولا إثبات، بل هو معدوم بالبقاء على حكم العقل، لأن الأصل عدم الوجوب، لوم ينقل عنه بدليل، فبقي على ما كان. وإذا لم يكن انتفاء غيره حكماً شرعياً لم تكن إزالته نسخاً - قلنا: لا، بل هو مغير لحكم المزيد عليه ويزيل حكم الثابت بالشرع، لأن الجلد قبل زيادة التغريب كان كمال الحد وكان مجزئاً وحده، وبعد الزيادة لم يبق كمال الحد مجزئاً وحده، وهذا حكم شرعي، لأن كل الحد أو بعضه وكونه مجزئاً وحده، فالزيادة عليه تكون نسخاً - فكذا هذا. وكذلك الزيادة على ثمانين جلدة في حد القذف لما ذكرنا - دل عليه أنه تعلق بالثمانين رد الشهادة، وبعد الزيادة لم يبق رد الشهادة متعلقاً به، فيكون نسخاً.

стр. 351

فإن قيل: قولكم بأن الجلد كمال الحد أو مجزئ وحده، عبادة، فلا بد من الكشف عنها - فنقول: معنى قولنا ((كمال الحد)) أنه لا يجب ضم شيء إليه. وكذا قولنا ((مجزئ وحده)). وهذا في الحقيقة نفى وإثبات يرجع إلى الزيادة دون المزيد عليه، فلم تكن مغيرة للمزيد عليه، فلا يكون نسخاً. وكذلك زيادة عشرين على ثمانين في حد القذف. قوله: بالثمانين رد الشهادة - قلنا: هذا مذهبكم، وأما على أصلنا: رد الشهادة يتعلق بالقذف الموجب للفسق، كما يتعلق بسائر الأسباب الموجبة للفسق. على أن رد الشهادة متعلق بما يسمى حداً، فلم يكن نسخاً، كما لو زيد في مدة العدة: لا يكون نسخاً لأحكام العدة، لأنها متعلقة بما يمسي ((عدة))، وبعد الزيادة بقيت كذلك. وكذلك إذا زيد في فرائض الصلاة فرض: لا يكون نسخاً لفرائض الصلاة. وإن كان قبول الشهادة موقوفاً على أداء الصلوات الخمس وبعد الزيادة توقفت على أداء السادسة، لأن قبول الشهادة متعلق بأداء كل الفرائض، وبعد الزيادة هو موقوف على أداء الفرائض، فلا يكون نسخاً. قلنا: ليس معنى كمال الحد وكنه مجزئاً ما ذكرتم، بل معناه أنه كاف في حصول الغرض المطلوب من الحد، وهو الزجر والتكدير وغير ذلك. ومعنى قولنا ((بعض الحد)) أنه غير كاف في حصول الغرض المطلوب منه، والمجزئ هو الكافي في استيفاء المصلحة المطلوبة من الحكم. وهذا التفسير راجع إلى نفس

стр. 352

المزيد عليه، لأنه حتى الآن كان محصلاً للغرض واستيفاء المصلحة المطلوبة منه شرعاً، والآن لم يبق بهذه الصفة، وهذا حكم شرعي، فإزالته تكون نسخاً. وكذلك زيادة عشرين على ثمانين في حد القذف، وعذره لا يستقيم، لأن الزيادة لما منعت تعلق رد الشهادة بالثمانين، فقد أخرجت الثمانين من أن تكون حداً، فكان نسخاً. وكذلك في مدة العدة: نسخ لأحكامها، على ما مر وكذا في الزيادة على الفرائض، لأن قبول الشهادة متعلق بأداء تلك الفرائض وحدها، والآن تعلق قبولها بأداء الفرض السادس، فكان نسخاً. فإن قيل: كون الجلد كمال الحد أو كونه مجزئاً وحده، إنما ثبت تبعاً لانتفاء وجوب غيره، بدليل أنه لو وجب مع غيره لم يكن كماله ولا مجزئاً، فلما ثبت هذا الوصف تبعاً لانتفاء غيره، يزول أيضاً تبعاً لانتفاء زوال غيره وإزالته لانتفاء غيره، لا يكون نسخاً، لأنه ليس بحكم شرعي، بل هو معلوم بالبقاء على حكم الأصل. بخلاف ما إذا نص على أن الجلد كمال الحد، لأن التنصيص على ذلك تعرض لبقاء ما عداه، فكان حكماً شرعياً. وكذلك إذا زيدت ركعة في ركعتي الفجر، خرجت الركعتان عن كونهما مجزئتين، ولكن كونهما مجزئتين ثبت تبعاً لانتفاء وجوب الركعة الزائدة، فيزول بزوال انتفائها، فلا يكون نسخاً. وكذلك إذا أسرنا الشرع بفعل ثم أمرنا بفعل آخر على سبيل التخيير، لا يكون نسخاً للأول. وصورت - الأمر بغسل القدمين، ثم أمرنا بالمسح على الخفين: فإنه لا يكون نسخاً لغسل القدمين، لأن الفعل الأول

стр. 353

باق بحكمه من وجوب أو جواز، وحظر تركه على التعيين عن ارتفع، لكن هذا الوصف ثبت تبعاً لانتفاء غيره، وانتفاء وجوب غيره ليس بحكم شرعي، فرفعه لا يكون نسخاً. وكذلك إذا أمرنا بفعلين، على سبيل التخيير، ثم زاد فعلاً آخر، لا يكون نسخاً لقبح تركهما - مثاله: التخيير باستشهاد رجلين أو رجل وامرأتين، [و] وبالقضاء بشاهد ويمين هل يكون نسخاً؟ فهو على الخلاف. وكذلك الزيادة في شرط منفصل عن الصلاة: نحو ما إذا زيد في غسل الأعضاء الأربعة عضواً آخر، والنية المقارنة للوضوء - فإنه لا يكون نسخاً، وإن ارتفع كون الأول مجزئاً، ولكنه ثبت تبعاً لانتفاء غيره، فرفعه بثبوت غيره لا يكون نسخاً. قلنا: إذا ثبت أن كون الجلد كمال الحد ومجزئاً، [هو] وصف المزيد عليه، وهو الجلد أو الثمانون في حد القذف، وهو حكم شرعي، فرفعه يكون نسخاً ضرورة. قوله: يثبت تبعاً لانتفاء وجوب غيره - قلنا: ليس كذلك، لأن كونه كمال الحد أو مجزئاً ثبت لاختصاصه بوجه يتقضى كونه كافياً في استيفاء الغرض ومجزئاً في المصلحة المطلوبة منه، لا لانتفاء غيره، لأن انتفاء غيره عبارة عن انعدام غيره، وانعدام غيره كيف يؤثر في ثبوت حقه له؟ إلا أن وجوب غيره لو ثبت يبطل كونه كمال الحد ومجزئاً بطريق المعارضة، لا أن عدمه مؤثر في ثبوته، فصار كما إذا نص على [أن] الجلد أو الثمانين كمال الحد وكونه مجزئاً - وهذا هو الوجه في كون زيادة الركعة الواحدة على الركعتين وفي كون التخيير بين الفعلين بعد الأمر بأحدهما على التعيين، نسخاً، وكل ذلك زيادة فعل بعد الأمر بفعلين على التخيير، وتحقيقه ما مر. وكذلك الزيادة في شرط منفصل عن الصلاة: نسخ للحكم الأول

стр. 354

وهو الأجزاء بالصلاة بدون الزيادة، إلا أنه لا يسمى نسخاً للصلاة بعينها، كأنه يرتفع أصل الصلاة. هذا هو الكلام في معنى النسخ في الزيادة. (ب) - وأما الكلام في الاسم: هو أن يقال: هل الزيادة على النص تسمى نسخاً أم لا؟ فنقول: كلامنا في زيادة هي زيادة شرعية. فإن كانت مغيرة حكم المزيد عليه، كما ذكرنا، وكان حكم المزيد [عليه] ثابتاً بدليل شرعي، والدليل الموجب للزيادة متراخيا عنه، يسمى نسخاً. وإن كان الحكم الذي أزلته الزيادة ثابتاً بدليل [عقلي]، لا يسمى نسخاً. (جـ) - وأما الكلام في الحكم: فبأن يقال: إن الزيادة على النص هل يقبل فيها خبر الواحد والقياس أم لا؟ فنقول: إن كان المزيد ثابتاً بدلالة العقل: يقبل فيه خبر الواحد والقياس. وإن كان ثابتاً بدلالة سمعية: [ف] إن كان ثابتاً بالكتاب والسنة المتواترة: لا يقبل فيها خبر الواحد والقياس.

стр. 355

وإن كان ثابتاً بخبر الواحد: يقبل. ولو اتفقوا على قبول خبر الواحد في القسم الأول، علمنا أنه ورد مقارناً، فيكون مخصصاً لا ناسخاً - والله أعلم. ٩٢ - باب في: بيان أن نقصان شرط العبادة وجزء منها - هل يكون نسخاً لما عداه أم لا ؟ اعلم أنه لما كان الغرض بهذا الباب بيان حكم نقصان شرط العبادة وجزء منها -[ف] لابد أن نذكر ما شرط العبادة وما جزؤها؟ فنقول: شرط العبادة ما يتوقف عليه صحة العبادة - وذلك ضربان: أحدهما - منفصل عنها، نحو الوضوء للصلاة والآخر متصل بها [كالتوجه نحو القبلة]. وجزؤها - ما يكون واحداً مما هو المفهوم من جملة ذلك. والمفهوم من الصلاة الأفعال المعهودة، فجزؤها ما يكون واحداً من الأفعال المعهودة من الركوع والسجود وغير ذلك. ولا خلاف في أن نقصان شرط العبادة، يكون نسخاً لما أسقط. واختلفوا في أنه هل هو نسخ لما عداه أم لا؟
следующие страницы →