Полный текст (696 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
فإن قيل: قولكم بأن الجلد كمال الحد أو مجزئ وحده، عبادة، فلا بد من الكشف عنها - فنقول: معنى قولنا ((كمال الحد)) أنه لا يجب ضم شيء إليه. وكذا قولنا ((مجزئ وحده)). وهذا في الحقيقة نفى وإثبات يرجع إلى الزيادة دون المزيد عليه، فلم تكن مغيرة للمزيد عليه، فلا يكون نسخاً. وكذلك زيادة عشرين على ثمانين في حد القذف.
قوله: بالثمانين رد الشهادة - قلنا: هذا مذهبكم، وأما على أصلنا: رد الشهادة يتعلق بالقذف الموجب للفسق، كما يتعلق بسائر الأسباب الموجبة للفسق. على أن رد الشهادة متعلق بما يسمى حداً، فلم يكن نسخاً، كما لو زيد في مدة العدة: لا يكون نسخاً لأحكام العدة، لأنها متعلقة بما يمسي ((عدة))، وبعد الزيادة بقيت كذلك. وكذلك إذا زيد في فرائض الصلاة فرض: لا يكون نسخاً لفرائض الصلاة. وإن كان قبول الشهادة موقوفاً على أداء الصلوات الخمس وبعد الزيادة توقفت على أداء السادسة، لأن قبول الشهادة متعلق بأداء كل الفرائض، وبعد الزيادة هو موقوف على أداء الفرائض، فلا يكون نسخاً.
قلنا: ليس معنى كمال الحد وكنه مجزئاً ما ذكرتم، بل معناه أنه كاف في حصول الغرض المطلوب من الحد، وهو الزجر والتكدير وغير ذلك. ومعنى قولنا ((بعض الحد)) أنه غير كاف في حصول الغرض المطلوب منه، والمجزئ هو الكافي في استيفاء المصلحة المطلوبة من الحكم. وهذا التفسير راجع إلى نفس
стр. 352
المزيد عليه، لأنه حتى الآن كان محصلاً للغرض واستيفاء المصلحة المطلوبة منه شرعاً، والآن لم يبق بهذه الصفة، وهذا حكم شرعي، فإزالته تكون نسخاً. وكذلك زيادة عشرين على ثمانين في حد القذف، وعذره لا يستقيم، لأن الزيادة لما منعت تعلق رد الشهادة بالثمانين، فقد أخرجت الثمانين من أن تكون حداً، فكان نسخاً. وكذلك في مدة العدة: نسخ لأحكامها، على ما مر وكذا في الزيادة على الفرائض، لأن قبول الشهادة متعلق بأداء تلك الفرائض وحدها، والآن تعلق قبولها بأداء الفرض السادس، فكان نسخاً.
فإن قيل: كون الجلد كمال الحد أو كونه مجزئاً وحده، إنما ثبت تبعاً لانتفاء وجوب غيره، بدليل أنه لو وجب مع غيره لم يكن كماله ولا مجزئاً، فلما ثبت هذا الوصف تبعاً لانتفاء غيره، يزول أيضاً تبعاً لانتفاء زوال غيره وإزالته لانتفاء غيره، لا يكون نسخاً، لأنه ليس بحكم شرعي، بل هو معلوم بالبقاء على حكم الأصل. بخلاف ما إذا نص على أن الجلد كمال الحد، لأن التنصيص على ذلك تعرض لبقاء ما عداه، فكان حكماً شرعياً. وكذلك إذا زيدت ركعة في ركعتي الفجر، خرجت الركعتان عن كونهما مجزئتين، ولكن كونهما مجزئتين ثبت تبعاً لانتفاء وجوب الركعة الزائدة، فيزول بزوال انتفائها، فلا يكون نسخاً. وكذلك إذا أسرنا الشرع بفعل ثم أمرنا بفعل آخر على سبيل التخيير، لا يكون نسخاً للأول. وصورت - الأمر بغسل القدمين، ثم أمرنا بالمسح على الخفين: فإنه لا يكون نسخاً لغسل القدمين، لأن الفعل الأول
стр. 353
باق بحكمه من وجوب أو جواز، وحظر تركه على التعيين عن ارتفع، لكن هذا الوصف ثبت تبعاً لانتفاء غيره، وانتفاء وجوب غيره ليس بحكم شرعي، فرفعه لا يكون نسخاً. وكذلك إذا أمرنا بفعلين، على سبيل التخيير، ثم زاد فعلاً آخر، لا يكون نسخاً لقبح تركهما - مثاله: التخيير باستشهاد رجلين أو رجل وامرأتين، [و] وبالقضاء بشاهد ويمين هل يكون نسخاً؟ فهو على الخلاف. وكذلك الزيادة في شرط منفصل عن الصلاة: نحو ما إذا زيد في غسل الأعضاء الأربعة عضواً آخر، والنية المقارنة للوضوء - فإنه لا يكون نسخاً، وإن ارتفع كون الأول مجزئاً، ولكنه ثبت تبعاً لانتفاء غيره، فرفعه بثبوت غيره لا يكون نسخاً.
قلنا: إذا ثبت أن كون الجلد كمال الحد ومجزئاً، [هو] وصف المزيد عليه، وهو الجلد أو الثمانون في حد القذف، وهو حكم شرعي، فرفعه يكون نسخاً ضرورة.
قوله: يثبت تبعاً لانتفاء وجوب غيره - قلنا: ليس كذلك، لأن كونه كمال الحد أو مجزئاً ثبت لاختصاصه بوجه يتقضى كونه كافياً في استيفاء الغرض ومجزئاً في المصلحة المطلوبة منه، لا لانتفاء غيره، لأن انتفاء غيره عبارة عن انعدام غيره، وانعدام غيره كيف يؤثر في ثبوت حقه له؟ إلا أن وجوب غيره لو ثبت يبطل كونه كمال الحد ومجزئاً بطريق المعارضة، لا أن عدمه مؤثر في ثبوته، فصار كما إذا نص على [أن] الجلد أو الثمانين كمال الحد وكونه مجزئاً - وهذا هو الوجه في كون زيادة الركعة الواحدة على الركعتين وفي كون التخيير بين الفعلين بعد الأمر بأحدهما على التعيين، نسخاً، وكل ذلك زيادة فعل بعد الأمر بفعلين على التخيير، وتحقيقه ما مر.
وكذلك الزيادة في شرط منفصل عن الصلاة: نسخ للحكم الأول
стр. 354
وهو الأجزاء بالصلاة بدون الزيادة، إلا أنه لا يسمى نسخاً للصلاة بعينها، كأنه يرتفع أصل الصلاة.
هذا هو الكلام في معنى النسخ في الزيادة.
(ب) - وأما الكلام في الاسم:
هو أن يقال: هل الزيادة على النص تسمى نسخاً أم لا؟ فنقول:
كلامنا في زيادة هي زيادة شرعية. فإن كانت مغيرة حكم المزيد عليه، كما ذكرنا، وكان حكم المزيد [عليه] ثابتاً بدليل شرعي، والدليل الموجب للزيادة متراخيا عنه، يسمى نسخاً.
وإن كان الحكم الذي أزلته الزيادة ثابتاً بدليل [عقلي]، لا يسمى نسخاً.
(جـ) - وأما الكلام في الحكم:
فبأن يقال: إن الزيادة على النص هل يقبل فيها خبر الواحد والقياس أم لا؟ فنقول:
إن كان المزيد ثابتاً بدلالة العقل: يقبل فيه خبر الواحد والقياس.
وإن كان ثابتاً بدلالة سمعية:
[ف] إن كان ثابتاً بالكتاب والسنة المتواترة: لا يقبل فيها خبر الواحد والقياس.
стр. 355
وإن كان ثابتاً بخبر الواحد: يقبل.
ولو اتفقوا على قبول خبر الواحد في القسم الأول، علمنا أنه ورد مقارناً، فيكون مخصصاً لا ناسخاً - والله أعلم.
٩٢ - باب في: بيان أن نقصان شرط العبادة وجزء منها - هل يكون نسخاً لما عداه أم لا ؟
اعلم أنه لما كان الغرض بهذا الباب بيان حكم نقصان شرط العبادة وجزء منها -[ف] لابد أن نذكر ما شرط العبادة وما جزؤها؟ فنقول:
شرط العبادة ما يتوقف عليه صحة العبادة - وذلك ضربان: أحدهما - منفصل عنها، نحو الوضوء للصلاة والآخر متصل بها [كالتوجه نحو القبلة].
وجزؤها - ما يكون واحداً مما هو المفهوم من جملة ذلك. والمفهوم من الصلاة الأفعال المعهودة، فجزؤها ما يكون واحداً من الأفعال المعهودة من الركوع والسجود وغير ذلك.
ولا خلاف في أن نقصان شرط العبادة، يكون نسخاً لما أسقط.
واختلفوا في أنه هل هو نسخ لما عداه أم لا؟
стр. 356
ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀ إلى أن نقصان شرط العبادة لا يكون نسخاً، منفصلاً كان الشرط أو متصلاً.
وذهب بعض المتكلمين إلى أن نقصان شرط منفصل عن الصلاة لا يكون نسخاً لها، ونقصان جزء منها يكون نسخاً لها.
ونحن نقول: الكلام في المعنى، والاسم.
- أما المعنى - فبأن يقال: هل يتحقق معنى النسخ، وهو إزالة حكم شرعي في نقصان الشرط والجزء أم لا؟ فنقول:
يتحقق فيه ذلك فإن الطهارة التي هي شرط الصلاة لو قدرنا إسقاطها، بتحقق إزالة حكم شرعي، وهو في إجزائها مع فقد الطهارة: فإنها كانت لا تجزئ مع فقد الطهارة، والآن تجزئ مع فقد الطهارة. وكذلك نقصان جزئها، لأنه ارتفع نفى إجزائها بدون الركعة مثلاً: فإنها كانت لا تجزئ مع فقد هذه الركعة، والآن تجزئ. وهذا هو معنى النسخ. وكذلك نسخ التوجه إلى بيت المقدس في الصلاة: لأن الصلاة إليه كانت تجزئ، والآن لا تجزئ.
- وأما الاسم - فبأن يقال: هل يسمى هذا نسخاً للصلاة أم لا؟ فنقول: لا يسمى بذلك، لأن المفهوم من ذلك خروجها من أن تكون عبادة
стр. 357
مجزئة أصلاً، وهذا غير ثابت، بل يسمى نسخاً لحكم من أحكامها أو نسخاً للصلاة على بعض الوجوه، والى بعض الجهات لا على الإطلاق.
والله أعلم.
٩٣ - باب في: الطريق إلى معرفة كون الحكم منسوخاً:
اعلم أن الطريق إلى معرفة كون الحكم منسوخاً شيئان:
أحدهما - لفظ النسخ.
والثاني - التاريخ مع التنافي
(أ) - أما لفظ النسخ:
فهو أن يقول النبي ﵇: اعلموا أن هذا الحكم منسوخ.
أو يقول: هذا نسخ. وهذا كقوله: ((صوم عاشوراء منسوخ بصوم رمضان)).
(ب) - وأما التاريخ:
فقد يعلم بلفظ ينبئ عن التقدم. وقد يعلم بإسناده إلى شيء يعرف تقدمه نحو أن يسند أحدهما إلى السنة الفلانية والثاني إلى السنة الفلانية. أو يسند أحدهما إلى حادثة غير حادثة الآخر ويعرف تقدم إحداهما على الأخرى.
стр. 358
أو كان راوي أحد الحديثين تقدمت رؤيته [للنبي ﷺ ] على رؤية راوي الحديث الآخر. أما إذا دامت رؤيته إلى رؤية راوي الحديث الآخر، فإن ذلك لا يوجب التقدم.
وقال بعضهم: إن كان أحدهما موافقاً للعقل، فإن هذا يوجب التقدم إلا أن هذا ضعيف، لأنه يجوز أن يكون ابتداء الشرع مخالفاً لدليل العقل ثم انتسخ بما هو موافق للعقل. وإذا جاز ذلك، لم يكن هذا دليل التقدم.
وأما الذي استقل في إفادة التقدم، [ف] نحو قوله ﵇: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)).
وأما إذا قال واحد من الصحابة: ((إن هذا ورد متقدماً))، فإنه يقبل قوله، وإن كان لا يقبل في حق أصل النسخ، ولكن يجوز أن يقبل فيما يوقف عليه النسخ، كشهادة الشاهدين: لا تقبل في حق الزنا وإثبات الحد، وتقبل على الإحصان وإن كان الحد متعلقاً به.
ولو قال واحد من الصحابة: ((كان هذا الحكم ثم نسخ)) لا يقبل - نحو قول ابن مسعود رضى الله عنه: ((التحيات الزاكيات - كان مرة ثم نسخ)).
وكذلك إذا قال: ((هذا منسوخ بهذا)) - نحو قول بعض الصحابة: إن قوله ﵇: ((الماء من الماء - نسخ بحديث التقاء الختانين)) فإنه لا يقبل.
стр. 359
قال الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀: لو قال: ((هذا نسخ [هذا])) لا يقبل، لجواز أنه إنما قال ذلك باجتهاده - ولو قال: ((هذا منسوخ)): يقبل، لأنه لولا أنه ظهر عنده دليل الناسخ لما أطلق القول به.
والله أعلم.
стр. 360
[ثم: ٢ - السنة]
٢
الأخبار
[أ] باب الأخبار
[ب] باب الأفعال
стр. 361
[أ]
باب
الأخبار
اعلم أن الكلام في الأخبار ينقسم أقساماً - نذكر كل قسم منها في موضعه إن شاء الله تعالى.
٩٤ - فالقسم الأول - هو الكلام في اسم الخبر، وبما به يصير الخبر خبراً، وفي حده، وأقسامه: الصدق والكذب .
(أ) - أما الكلام في اسم الخبر - فنقول:
بأن اسم الخبر واقع على التكلم بصيغة مخصوصة، وليس يقع على الإشارة والدلالة على سبيل الحقيقة - ألا ترى أن من وصف غيره بأنه ((مخبر)) يسبق إلى الفهم أنه متكلم بصيغة مخصوصة ولا يسبق إلى الفهم أنه فعل الإشارة والدلالة.
(ب) - وأما ما به يصير الخبر خبراً:
فهو الإرادة. لأن صيغة الخبر قد ترد وتكون خبراً. وقد ترد ولا تكون خبراً، بأن ترد من النائم والساهي، فلا بد من محصص بأحد الأمرين، وليس ذلك إلا الإرادة.
دل عليه أنه إذا أراد كونه خبراً، يعنى أراد استعماله في فائدة، يكون خبراً. وإذا لم يرد كونه خبراً لا يكون خبراً.
стр. 362
(جـ) - وأما حده:
فقد قيل فيه: هو ما يدخله الصدق والكذب.
فإن قيل: قول القائل: ((محمد ومسيلمة صادقان)) فهذا خبر، وليس بصدق ولا كذب. والجواب عنه من وجوه:
أحدها - أن هذين خبران في الحقيقة لتعدد المخبر به: أحدهما صدق، والآخر كذب.
والثاني - أن مرادنا بما ذكرنا أنه يصح أن يقال للمتكلم به: ((صدقت - أو - كذبت)) من حيث اللغة - وهذا هو صورة هذا الخبر، فكان داخلاً تحت الحد.
والثالث - أن هذا الخبر كذب، لأنه يفيد إضافة الصدق إليهما، والصدق غير مضاف إليهما بل إلى أحدهما - ألا ترى أنه إذا قال قائل: ((جميع الناس سود))، كان ذلك كذباً، لما ذكرنا: أنه يفيد حصول السواد في الكل، وإنه غير حاصل في الكل، فالخبر المقيد حصوله في الكل يكون كذباً.
فإن قيل: أنتم إذا حددتم الخبر بما يدخله الصدق والكذب، وحددتم الصدق والكذب بما هو الخبر عن الشيء على ما هو به، والخبر عن الشيء على خلاف ما هو به، فقد حددتم المجهول بالمجهول، وإنه باطل، لأن الغرض من التحديد هو التعريف - قلنا: مرادنا بذلك أنه إذا قيل للمتكلم به ((صدقت)) أو ((كذبت)) لا يخطئه أهل اللغة، وهذا المعنى لا يتوقف على معرفة الصدق والكذب، بل يرجع إلى ما تعارفه أهل اللغة من الصيغة.
стр. 363
هذا هو تقرير هذا القول - إلا أن القائل إن يقول: أهل اللغة إنما سوغوا آن يقال للمتكلم به: صدقت أو كذبت، بعد أن عرفوا معنى الصيغة وميزوها عما لا يصح أن يقال فيه ذلك، فيجب أن يكون الحد لما ينبئ عن تلك الصفة.
وقال بعضهم: إن حقيقة الخبر هو الصدق دون الكذب، لأنه مأخوذ من الخبر وهو العلم الذي يتناول الشيء على ما هو به، والإخبار هو الإعلام، والخبير هو العالم، والكذب لا يقع به الإعلام، وإنما يقع بالصدق - إلا أن هذا غير صحيح، وهو خلاف عرف أهل اللغة، فإنهم يصفون الكذب بأنه خبر، كما يصفون الصدق به - يقولون: ((أخبر صادقاً - وأخبر كاذباً - وهذا خبر صدق - وهذا خبر كذب)) ولأن قول القائل: ((زيد في الدار)) وهو ليس فيها خبر، لأنه قسم من أقسام الكلام، وأقسام الكلام محصورة في الأمر والنهى والاستخبار والإخبار والفتى -وليس هذا داخلاً في الاستخبار والتمني والأمر والنهى، وكان خبراً ضرورة.
وقوله بأنه ((مشتف من الخبر والإعلام)) - قلنا: الجواب عنه من وجوه: أحدها - أن استعمالهم إياه فيما لا يتحقق فيه العلم دليل على أنه غير مأخوذ منه.
والثاني - إن كان كذلك، لكن معنى كونه إعلاماً، كونه نبئاً عنه مفضياً إلى العلم بالمخبر به. وقوله: ((زيد في الدار)) ينبئ عن كونه فيها، مقتضياً حصول العلم به، وإن كان كذباً في نفسه.
والثالث - إن لم يتحقق معنى الإعلام في الكذب، فلا يتحقق فيه معنى الخبر على قضية أصل اللغة، لكن تعارف أهله وجعلوه حقيقة لهما جميعاً،
стр. 364
على مثال قول القائل: يقال أمر بالحركة من سفل إلى علو في أصل اللغة، ثم في العرف جعل ذلك أمراً بالحركة من أية جهة كانت - فكذا هذا.
والصحيح في حد الخبر أنه: كلام يفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أم امن الأمور، نفياً كان أو إثباتاً.
وإنما قلنا: ((بنفسه)) فإن الأمر يفيد وجوب الفعل وحسنه، وليس بخبر، لأنه لا يفيد ذلك بنفسه، بل بواسطة استدعاء الفعل لا محالة، ولا كذلك قول القائل: هذا الفعل واجب وحسن، لأنه بنفسه وصريحه يفيد ذلك.
(د) - وأما أقسام الخبر:
فهو الصدق والكذب عند عامة العلماء.
وقال بعضهم: إن الخبر المتناول للشيء على ما هو به من شرط كونه صدقاً، أن يعتقد فاعله أنه كذلك أو يظنه. والخبر المتناول للشيء، على خلاف ما هو به - من شرط كونه كذباً أن يعتقد فاعله أو يظن أنه كذلك. ومتى لم يعتقد أنه على ما هو به، أو على خلاف ما هو به ولم يظنه، فهذا خبر، ولا يوصف بأنه صدق ولا كذب.
وحجتهم - أن قائلاً لو قال: ((زيد في الدار)) وهو فيها، وهو يعتقد أنه خارج الدار، يوصف في العرف بأنه كاذب. ولو قال: ((زيد في الدار)) وهو فيها، وهو يعتقد أنه فيها، يوصف بأنه صادق. ولو قال: ((ليس زيد في الدار)) وهو فيها، ويعتقد أنه فيها، فهو يوصف بكونه كاذباً - فبان أن الخبر عن الشيء على ما هو به، ليس بصدق على كل حال، بل يشترط في ذلك الظن أو الاعتقاد.
стр. 365
إلا أنا نقول بأن الخبر عن الشيء على ما هو به لا يكون إلا صدقاً في نفسه، والخبر عن الشيء على خلاف ما هو به لا يكون إلا كذباً في نفسه. لأن كل من سمع خبراً، ويعلم أن الخبر به كما أخبر يقول: ((صدق)). ولو علم أنه على خلافه يقول: ((كذب))، ولا يخطر بباله كونه معتقداً أو غير معتقد، ولا يتفحص عن حاله في ذلك -دل عليه أنه لا يثبت بأحد اللفظين، وينتفى بالآخر. [و] لا يصح أن يقال: هذا خبر تناول مخبراً كما هو تناوله وليس بصدق وكذا على القلب.
والدليل على أن الاعتقاد والظن ليس بشرط أن يهودياً لو قال: ((محمد ليس بنبي)) لم يمتنع أحد من وصفه بأنه كاذب، وإن جاز أن يكون معتقداً خلاف ما قال أو ظاناً له. ولو قال مسلم: ((محمد رسول الله)) لم يمتنع أحد
стр. 366
من وصفه بأنه صادق، وإن جاز أن يكون معتقداً خلاف ما قال.
وأما ما ذكر من العرف - قلنا: معنى ذلك أنه ليس بصادق عن قصد، وليس بكاذب عن قصد. أو لم يقصد الصدق وغيره ولم يقصد الكذب به، لا أن خبره صدق وكذب حقيقة، كمن رأى طائراً فقال: ((هو غراب)) وقال آخر: ((هو حمام)) ولا يقال لأحدهما صادق أو كاذب، لأنه أخطاء في ذلك ولم يقصد إليه.
فلو قال قائل: إن المخبر عن الشيء على ما هو به إذا ظن خلاف ذلك، والمخبر عن الشيء على خلاف ما هو به إذا اعتقد خلاف ذلك، لا يوصف بأنه صادق ولا كاذب، بهذا المعنى توسعاً، فنحن لا نأبى ذلك - والله تعالى أعلم.
٩٥ - باب في: الأخبار التي يعلم صدقها، والتي يعلم كذبها، والتي لا يعلم كلا الأمرين فيها [- في أخبار الآحاد]:
(أ) - أما التي يعلم صدقها - فوجوه:
منها - ما يعلم صدقها باضطرار، كالخبر بأن السماء تعلو الأرض.
ومنها - ما يعلم صدقها باستدلال عقلي، أو سمعي. مثال الأول: الخبر بحكمة الله تعالى. ومثال الثاني: الخبر بوجوب الصوم والصلاة ونحو ذلك.
ومنها - ما يعلم بأمر راجع إلى المخبر. نحو أن يكون المخبر ممن لا يجوز عليه الكذب وذلك ضربان:
أحدهما - لا يجوز عليه الكذب أصلاً.
والآخر - لا يجوز عليه الكذب فيما أخبر، ويجوز في غيره.
стр. 367
- أما الذي لا يجوز عليه الكذب أصلاً -[ف] نحو أن يكون المخبر حكيماً لا يجوز عليه الكذب، لعلمه بقبحه واستغنائه عنه، وهو الله سبحانه. أو كان معصوماً عن الكذب كالنبي المؤيد بالمعجزة، والأمة التي يشهد الله ورسوله لها بالعدالة.
- وأما الذي لا يجوز عليه الكذب فيما أخبر به -[ف] نحو أن يكون المخبر مما لا داعي له إلى الكذب. وإنما يعلم أنه لا داعي له إلى الكذب، بأن يكون المخبرون كثرة لا يتصور معها أن ينظمها داع واحد إلى الكذب.
ومنها - ما يعلم صدقه من جهة السامع. نحو أن يخبر بحضرة من أدعى عليه العلم ولم ينكر عليه، فإن ذلك يدل على صدقه من جهة الحكمة ومن جهة العادة: أما من جهة الحكمة، فبأن يكون من أدعى عليه العلم يصدقه تبياً، فإن الحكمة تقتضي الإنكار عليه. وأما من جهة العادة فبأن يكون من أدعى عليه العلم بصدقة جماعة [كثيرة] لا يمسكها عن الإنكار رغبة ولا رهبة، فإن العادة في مثلها الإنكار على من يخبر بالكذب بحضرتهم.
(ب) - وأما التي يعلم كذبها فوجوه:
منها - ما يعلم كذبه بأضرار.
ومنها - ما يعلم كذبه باستدلال عقلي أو سمعي، على مثال ما قلنا في الصدق.
стр. 368
ومنها - ما يعلم كذبه بأمر راجع إلى الخبر، وهو كيفية النقل بأن ينقل نقلاً خفياً، وكان من حقه أن ينقل نقلاً ظاهراً، وقد قويت دواعي الدين أو العادة أو كلاهما، إلى نقله.
مثال الأول - الخبر عن أصول الشرائع.
ومثال الثاني - نحو أو وقعت واقعة في الجامع يوم الجمعة، فلم ينقلها إلا واحد أن اثنان، فإنه يدل على كذبه، لأن داعي العادة قد قوى بنقل مثل هذا.
[والثالث]- وأما ما اجتمع فيه كلاهما، [ف] كمجزة النبي ﷺ ، فإنه قوى الداعي إلى نقله عادة وديناً. فأما داعي العادة فإنه أمر عجيب. وأما داعي الدين فلأنه أصل الدين.
وأما كون المخبر به ظاهراً، فليس بموجب نقل الخبر. فإنه ليس شيء أظهر من ارتفاع الشمس، ولم تجر العادة بنقله. فأما أن لا ينقل الشيء نقل نظيره، فليس بموجب كذب الخبر، إلا إذا كانت [الدواعي] قوية إلى نقله، أما إذا لم تكن كذلك فلا يمتنع أن ينقل نقلاً ظاهراً، ولا ينقل هو مثل ذلك.
مثال الأول - نقل جهر النبي ﵇ [ب] ((بسم الله)): فإنه لو كان على حد جهره بالفاتحة لنقل، كما نقل جهره بالفاتحة، لأن الداعي إلى نقلهما واحد، وحيث لم ينقل، علم أن الأمر بخلافه.
стр. 369
وأما الخبر إذا فتش عن أهل العلم فلم يظفروا به في جملة الأخبار، كان ذلك دليلاً على كذبه، لأن الأخبار قد دونت وسطرت، فبعد ذلك رواية الأخبار [تكون] لما دون وسطر. فإذا لم يظفروا به، كان ذلك دليل كذبه.
وأما إذا ورد الخبر الواحد فيما يعم به البلوى: فإن كان متضمناً للعلم، فالكلام فيه قد تقدم. وإن كان غير متضمن للعلم، فالكلام فيه سيأتي من بعد.
(جـ) - وأما التي لا يعمل صدقها ولا كذبها - فهي أخبار الآحاد المروية ن النبي ﵇، وإنها لا تخلو: إما إن وردت متضمنة للعمل أو العلم.
فإن وردت متضمنة للعمل: فإن لم يتكامل فيها الشروط التي معها يجب العمل بها، لا يجب العمل بها. وإن تكاملت الشروط التي معها يجب العمل [بها، يجب العمل بها]، سواء ورد [الخبر] موافقاً لمتقضي العقل كخبر المعاملات، أو ورد
موافقاً لمتقضي السمع كخبر الشرائع والشهادات.
أما إذا ورد متضمناً للعلم: فإن ورد موافقاً لمتقضي العقل: [يجوز أن يكون النبي ﷺ قاله. وإن ورد غير موافق لمتقضي العقل]: [ف] إن أمكن تأويله من غير تعسف، يجوز أن يكون النبي ﵇ قد قال ذلك.
стр. 370
وإن لم يمكن تأويله إلا بتعسف شديد، لم يجز أن يكون النبي ﵇ قد قاله على ذلك الحد [وإنما] يجوز أن يكون النبي ﵇ قد قال ذلك بزيادة أو نقصان أو حكاية عن غيره.
والحاصل أن جملة أخبار الآحاد المروية عن النبي ﵇: لا يجوز أن تكون كلها كذباً، لأن العادة تمنع، في الأخبار الكثيرة، من الكذب من رواتها، مع كثرتهم واختلافهم. ولا يجوز أن تكون كلها صدقاً أيضاً، لما روى عن النبي ﵇ أنه قال: ((سيكذب على من بعدي))، ولأن السلف كانوا ينكرون كثرة الرواية، حتى روى شعبة أنه قال: ((ثلث الأخبار كذب))، ولأن كثيراً من الأخبار وردت متضمنة للجبر والتشبيه،
стр. 371
ولا يمكن تأويله إلا بتعسف شديد، [و] لا يتعذر مثل ذلك في كل كلام متناقض. ولأنه لا يمتنع أن يكون من رواه من المتأخرين قد تعمد فيه الكذب. ولا يمتنع أيضاً أن يثبت أن الصحابة رضى الله عنهم [الذين] رووا أن يدخلهم الغلط والسهو. وحكى النبي ﷺ عن غيره فظن الراوي أنه قال بنفسه. أو خرج على سبب يغير فائدته. وكذلك كان النبي ﵇ إذا دخل عليه داخل وهو في الحديث يبتدئ، لأن فائدة الحديث تتغير بحسب أوله. ولما قلتاه. قالت عائشة رضى الله عنها فيما روى عن النبي ﷺ أنه قال: ((التاجر فاجر وولد الزنا)) [إنما عن النبي ﷺ : تاجراً دلس، وولد زنا سب أمه]. وقالت عائشة رضى الله عنها فيما روى عن النبي ﵇ أنه قال: ((الشؤم في الثلاث: الزوجة والدار والفرس - وقيل: في الدابة)) إنما قال ذلك حكاية عن غيره. فظن الراوي أنه قال بنفسه. ولهذا أنكرت عائشة رضى الله عنها ما يورى عنه ﵇ أنه قال: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)).
فثبت أنه لا يجوز أن تكون كلها صدقاً ولا كذباً.
هذا الذي ذكرنا في أخبار الآحاد.
وأما الخبر المتواتر - فموجب للعلم على ما نذكر - والله أعلم.
стр. 372
٩٦ - باب في: وقوع العلم بالتواتر. وبيان صفة العلم الواقع بالتواتر:
اعلم أن خبر الله تعالى وخبر رسوله وخبر الأمة أن يكون موجباً للعمل. لأن حكمة الله تعالى تقتضي صدقه في خبره، وصدق خبر من ظهرت المعجزة على يديه، وصدق من شهد له بالعدالة.
(أ) - واختلفوا في وقوع العلم بالتواتر:
حكى عن قوم - أنهم منعوا من وقوع العلم إلا بالحواس الخمس، دون الإخبار.
وهذا باطل. لأنا نجد أنفسنا معتقدة من وجود مصر وخراسان ساكنة، [وما] إليها، لتواتر الخبر عليها، وجرى ذلك مجرى وقوع العلم بالمشاهدة. ومن منع ذلك فقد دفع ما يجده من نفسه، فلا وجه لمكالمته.
فإن قيل: العلم يقع بتكرار الخبر على السمع - فوجب أن يقع بأول المرة، كما في المدركات - قلنا: من قال إن العلم الواقع بالمتواتر مكتسب، شرط التواتر في كونه سبباً. ومن قال: إنه ضروري - قال: إن الله تعالى أجرى إيقاع العلم عند التواتر. على أن ما ذكروه يجرى مجرى الشبهة، والعلم الحاصل قطعاً لا ينتفي بالشبة، كالعلم الحاصل بالمشاهدة.
стр. 373
(ب) - ثم اختلفوا في صفة العلم الحاصل بالتواتر:
فذهب بعضهم إلى أن العلم الواقع به مكتسب.
وقال بعضهم: هو ضروري.
وموضوع الاستقصاء فيه أصول الكلام، إلا أنا نذكر هنا طرفاً منه.
- أما من قال إنه مكتسب - فحجته في ذلك أن العلم المكتسب ما يحصل بالاستدلال، والاستدلال ترتيب علوم يتوصل به إلى العلم الآخر، وما يتوقف حصوله على ترتيب علوم، كان مستدلاً عليه لا محالة، والعلم الحاصل بالتواتر هذا سبيله.
وإنما قلنا: إن الاستدلال ترتيب علوم، لأن الاستدلال هو ما يتوصل به إلى العلم بالمدلول، وما وقف حصوله على علوم مرتبة، كان طريق معرفته ترتيب تلك العلوم.
وإنما قلنا: إن العلم الحاصل بالتواتر هذا سبيله، لأنا إنما نعلم ما أخبرنا به إذا كنا نعلم أن المخبر لم يخبر عن رأى، وإنما أخبر عما لا لبس فيه، فإنه لا داعي له إلى الكذب، لأنا إذا علمنا أنه لا داعي له إلى الكذب، علمنا أن لا يعتمد الكذب. وإذا علمنا أنه لا لبس فيه، لا يقع منه الكذب من غير عمد، وإذا زال توهم الكذب، علم كونه صدقاً، لأن الخبر إما أن يكون صدقاً أو كذباً. وإذا اختل شرط من هذه الشروط لم يحصل العلم، فعلم أنه مكتسب.
- وأما من قال بأنه ضروري - قال: ١ - بأن الواحد منا يعلم وجود الصين، وإن لم يعلم أن من أخبره بذلك جماعة كثيرة يمتنع معها اتفاق الكذب منهم، وأنه لا داعي لهم إلى الكذب. فلو كان مكتسباً لتوقف حصوله على ذلك.
стр. 374
٢ - وأيضاً- قالوا: إن العلم الحاصل بالبلدان لا ينتفي بالشك والشبهة - وهذا هو أمارة كون العلم ضرورياً.
٣ - وأيضاً - إن العلم الحاصل بالبلدان حاصل لمن ليس من أهل النظر والاستدلال، نحو العوام والمراهقين. فلو كان نظرياً، لتوقف على النظر.
٤ - وأيضاً - فإن من قال بأنه ضروري يعتقد الاستغناء عن النظر، وذلك بصرفه عن النظر، ويوجب انعدام النظر. وفي ذلك استحالة كونهم عالمين بالبلدان، والمعلوم بخلافه، فإن الكل مشتركون في ذلك.
والجواب:
أما الأول - قلنا: الاستدلال ليس إلا ترتيب علوم بأحوال المخبرين. ومن علم وجود الصين، علم أن من أخبره بذلك لا داعي له إلى الكذب، وإن لم يعرف أعيانهم، وعلم أنهم أخبروا عما لا لبس فيه، فلذلك علم به.
وأما الثاني - قلنا: من العلوم المكتسبة ما لا ينتفي بالشك والشبهة.
وأما الثالث - قلنا: لا يمتنع أن يجد هؤلاء من نفوسهم ترتيب علوم يحصل به علم آخر، وإذا جاز ذلك، جاز أن يكونوا عالمين بها بناء على ذلك.
وأما الرابع - قلنا: الاستدلال ما هو إلا ترتيب علوم بأحوال المخبرين على ما مر. ومن سمع الخبر عن البلدان، علم أنه لا داعي لهم إلى الكذب، وعلم [أنهم] كثرة يمتنع اتفاق الكذب منهم، وعلم أنهم أخبروا عما لا لبس فيما أخبروا عنه، من غير استئناف نظر، فبذلك حصل العلم بها.
هذا هو وجه الدلالة في الجانبين.
стр. 375
ونحن نقول: هذه العلوم تشبه سائر العلوم الضرورية في أنه لا يحتاج كل أحد فيه إلى كثير تأمل واستئناف نظر، ولو شكك فيه نفسه لا يتشكك، ولا يمكنه دفعه عن نفسه، [و] لو سماه البعض بأنه ((ضروري)) فله ذلك. ويشبه العلوم الاستدلالية في أنا لو أزلنا عن أنفسنا هذه المقدمات، وهي أن لا داعي إلى المخبرين إلى الكذب لكثرتهم، ولا لبس في المخبر عنه، وغير ذلك، لا يحصل لنا العلم بالخبر، وكان حصوله بسبب ودليل. ولو سماه البعض بأنه ((استدلالي)) فله ذلك - فهذا اختلاف في العبارات، ولا مشاحة في العبارات - والله اعلم.
٩٧ - باب في: ما الحق بالمتواتر من الأخبار:
١ - منها:
إذا أخبر الواحد بحضرة جماعة لا يعتمد مثلها الكذب، وادعى مشاهدتها لذلك، وليس لها صارف يصرفها عن تكذيبه، من دين أو رغبة أو رهبة، فتسكت عن تكذيبه - فإن ذلك يدل على صدقه، لأن استشهاده بها طلب لإخبارها بمثل ما أخبر، أو طلب لسكوتها عن تكذيبه، فسكوتها عن تكذيبه، كالخبر بصدقه. وكما لا يجوز أن تخبر بصدقه مع علمها بأنه كاذب، لا يجوز أن تسكت عن تكذيبه مع علمها أنه كاذب. ولأن النفوس محمولة على تكذيب الكذاب سيما إذا استشهادها به، فإن كفت وامتنعت، وجدت في نفسها ضرراً وأذى، فلا بد من وجود التكذيب إذا لم يكن في مقابلته صارف، إما من الكل أو من البعض. وأما إذا دعها، بدين أو رغبة، فإن الجماعة العظيمة لا يتساوون في إيثارها على الخبر الكذب. وألأما رهبة السلطان، فإنها إن منعت في الحال، فإنها لا تمنع في المستقبل. وأيضاً لا تمنع من إظهاره لإخوانه وأصدقائه، فلا يلبث القول إن يشيع ويظهر. وكذلك لا يطمع السلطان في أهل بغداد
стр. 376
أن تستمر بهم الحال بتركه تكذيب من أخبر أن بين بصرة وبغداد بلدة أعظم منها.
٢ - ومنها:
- إذا أخبر بحضرة النبي ﷺ : وادعى مشاهدته لذلك، فسكت النبي ﵇ عن تكذيبه، فإن ذلك يدل على صدقه. لأن سكوته عن تكذيبه يوهم صدقه، ولا يجوز ذلك، مع علمه أنه كاذب. لأن في ذلك إيهام الباطل، ولأن فيه ترك ما وجب عليه فعله من إنكار المنكر، فلا يجوز ذلك.
- وأما من لم يدع مشاهدته لذلك، فلا يخلو: إما إن علم من شرعه خلاف ذلك، أو لم يعلم:
* فإن لم يعلم من شرعه خلاف ذلك، فإن ذلك يدل على صدقه، لما ذكرنا من المعنيين.
* وإن علم من شرعه خلاف ذلك -[ف] لا يخلو: إما إن كان مما يجوز أن يتغير، أو لا يجوز.
فإن كان مما يجوز أن يتغير وسكت عن تكذيبه، فإن ذلك يدل على أنه قد تغير، لأن سكوته عن تكذيبه يوهم تغيره، فلا يجوز ذلك، مع أنه لم يتغير. لأن فيه إيهام الباطل. ولما فيه من ترك إنكار المنكر.
وإن كان مما لا يجوز أن يتغير:
فإن علم أن إنكاره لا يؤثر: [ف] لا يجب عليه الإنكار. لأنه ليس في ذلك
стр. 377
إيهام الباطل. لأنه مما لا يجوز أن يتغير، ولا ترك ما وجب عليه فعله من إنكار المنكر، لأن إنكاره لا يؤثر فيه - ألا ترى أنه لا يجب عليه ولا على غيره مواصلة الإنكار على اليهود والنصارى عما يتعاطون، بخلاف دين الإسلام، لأنه لا يؤثر.
وإن علم أن إنكاره يؤثر فيه: يجب عليه الإنكار، كإنكاره بعض المعاصي على أمته، لأنه لا بد أن يؤثر إنكاره [على من] اعتقد نبوته.
- وإن كان من أمور الدنيا، فسكت عن تكذيبه، فإن ذلك يدل: إما على أنه عالم بصدقه، أو غير عالم بصدقه ولا بكذبه، فإنه لو كان عالماً بكذبه يجب عليه الإنكار، لما مر.
٣ - ومنها:
إذا أخبر الواحد خبراً، وأجمعت الأمة على العمل بموجبه، وحكمت بصحته - فإنه يدل على أن النبي ﵇ قال ذلك، لأنه لا يجوز أن تجمع الأمة على الخطأ.
وأما إن عمل بموجبه، ولم يحكم بحصته:
ذهب جماعة من المتكلمين: أنه يقطع على أن النبي ﵇ قد قال ذلك - وهو قول الشيخ أبى الحسن الكرخى ﵀.
وقال غيرهم: إنه لا يقطع على ذلك.
стр. 378
وقالوا بأن الأمة بأجمعها اعتقدت وجوب العمل بخبر الواحد، فلا يمتنع أن يروى لهم خبر كامل، فيه شرائط العمل، فعمل به، لأن العمل تابع للاعتقاد - ألا ترى أنها لما اعتقدت وجوب العمل بالاجتهاد، جاز أن يعمل على موجب الاجتهاد.
فإن قيل: لما اجتمعت على وجوب الاجتهاد، قطعنا على الاجتهاد - فكذلك إذا أجمعت على موجب الخبر، يجب أن يقطع عليه - قلنا: إن أردتم بهذا أن الأمارة قبل الإجماع مقطوع على حكمها، فهذا باطل، لأنه حينئذ تصير الأمارة دلالة، والأمارة لا تكون دلالة. وإن أردتم به أن الأمارة، بعد الإجماع، مقطوع على تعلق الحكم بها، فهذا ما ليس [له] معنى سوى أن حكم الأمارة ثابت مقطوع به لا يجوز خلافه - وهكذا نقول فيما إذا أجمعوا على موجب الخبر: صار حكم الخبر مقطوعاً به لا يجوز خلافه.
وأما من قال: يقطع على ثبوته، وعلى أن النبي ﵇ قد قال ذلك -[ف] احتجزا بأن العادة من الاجتهاد أنها لا تجتمع على خبر إلا وقد قامت الحجة به، وما لم تقم الحجة به ما أجمعوا على موجبه - ألا ترى أن خبر عائشة رضى الله عنها عن النبي ﵇ ((أنه كان يطيب لإحرامه قبل أن يحرم)) - لما لم تقم
стр. 379
الحجة به، [وخبر] بروع بن واشق الأشجعية لما لم تقم الحجة به، ما أجمعوا على موجبه، بل قبله ابن مسعود، ورده على رضى الله عنهما. والأخبار الواردة في الصلوات والزكوات لما قامت الحجة بها أجمعت على موجبها. وهنا لما أجمعت على موجب الخبر علم أن الحجة قامة على أن النبي ﵇ قد قال ذلك - والجواب: لا نسلم أن العادة مستمرة بأن الخبر إذاً لم يقم به الحجة لا يجمع على موجبه، وإنا يجمع إذا قامت الحجة - ألا ترى أن كثيراً من الأخبار أجمعت على موجبها وإن لم تقم بها الحجة، نحو خبر عبد الرحمن في أخذ الجزية من اليهود والمجوس، ونحو خبر حمل بن مالك في الجنين،
стр. 380
ونحو قوله ﵇: ((لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها (الحديث))).
فإن قيل: إن هذه الأخبار قد قامت الحجة بها، بأن ذهب ذلك على الصحابة رضى الله عنهم. فإذا روى الراوي يذكر ذلك عن النبي ﵇ قلنا: هذا باطل، لأنه لا دليل عليه، وكيف يستمر هذا، وأنهم أجمعوا على موجب هذه الأخبار عند سماعها من غير تجدد سبب آخر. ولأنهم لو كانوا أجمعوا على موجب هذه الأخبار وقيام الحجة بها، لما جاز أن يستدل بإجماعهم على العمل بموجب هذ الأخبار، على وجوب العمل بأخبار الآحاد، لأن إنما يعرف وجوب العمل بأخبار الآحاد، استدلالاً بإجماعهم على العمل، بموجب هذه الأخبار - لما نذكره.
стр. 381
وأما إذا ورد خبر الواحد وعمل به أكثر أهل العصر وعابوا على من لم يعمل به، كعيبهم على ابن عباس في ترك العمل بحديث أبى سعيد الخدري:
قال بعضهم: يقطع على أن النبي ﵇ قال ذلك.
والصحيح أنه لا يقطع، لأن قول بعض أهل العصر لا يكون إجماعاً، فلا يكون حجة.
وكذلك إذا عمل به البعض وتأوله الباقون، فإنه لا يقطع عليه، لأنهم ما أجمعوا على أن النبي ﵇ قد قال ذلك، وإنما أجمعوا على ترك الرد. وذلك يرجع إلى تجويز أن النبي ﵇ قال ذلك، لأن الخبر إذا جاز أن يكون النبي ﵇ قد قاله، يجب على الأمة العمل به أو تأويله، ولا يجوز رده - والله اعلم.
٩٨ - باب في: بيان شرط وقوع العلم بالتواتر:
اعلم أن من شرط وقوع العلم بالتواتر:
- أن يكون للمخبرين كثرة يمتنع معها اتفاق الكذب منهم أو التواطؤ عليه.
- وأن يكونوا مخبرين عما علموه بالضرورة عن مشاهدة.
стр. 382
وإنما شرطنا [الأول]: ذلك لأنه لو جاز أن يشترك الكل في الكذب، اتفاقاً أو تواطؤاً أو مراسلة لم نأمن أن يكونوا كاذبين.
وإنما شرطنا الثاني - لأنه لو جاز أن يكونوا قد ألبس عليهم ما أخبروا عنه، فظنوا أنهم محقون ولم يكونوا محقين، فلا نثق بصحة قولهم - دل عليه أن المسلمين بأجمعهم أخبروا اليهود بنبوة محمد ﵇ ولم يحصل لهم العلم. ولو أخبر بعضهم عن مشاهدة يحصل لهم العلم، ولا فرق إلا فيما ذكرناه.
وإنما قلنا: إن ما كان فيه هذه الشرائط يوجب العلم، لأن خبر المخبرين لو كان كذباً لا يخلو: إما إن اعتقدوا ذلك وتعمدوا كذبه، أو لم يتعمدا ذلك، ولكن ظنوا أنه صدق وهو على خلاف ذلك.
والآخر لا يتأتى فيما إذا كن المخبر به معلوماً باضطرار لا لبس فيه ولا اشتباه.
وأما إذا تعمدوا الكذب، [ف] لا يخلو: إما إن تعمدوا ذلك لداع أو لغير داع. والآخر باطل لأن العاقل المخبر، لا سيما الجماعة العظيمة، لا يفعل فعلاً إلا لداع. وأن تعمدوا ذلك لداع [ف] لا يخلو: إما أن يرجع الداعي إلى نفس الخبر أو إلى غيره. أما الذي يرجع إلى الخبر فهو كونه كذباً، وكونه كذباً ليس بداع، بل هو صارف، بخلاف الصدق فإنه داع. وأما الراجع إلى غيره [ف] لا يخلو: إما إن كان ديناً أو دنيا من رغبة أو رهبة. فلا يخلو: إما إن تعمدوا ذلك لداع واحد، أو بعضهم لداع وبعضهم لآخر:
أما الدين المؤدى إلى الخبر عن النبي ﵇ أو على خلاف ما هو به وعلموه، فهو ظاهر الفساد، ولا يشترك الخلق الكثير في إثبات ما هو ظاهر
стр. 383
الفساد على ما في قلوبهم من عيب الكذب والنفرة عنه، ولا فرق بين ما إذا دخلت عليه شبهة أو لم تدخل، لأن الجماعات العظيمة لا يتساوون في ترجيح الشبهة على ما ظهر في عقولهم من استقباح الكذب، كما لا يتساوون في مأكل واحد وسلوك طريق واحد.
وأما الرغبة واعتقاد المنفعة- فقد يكون رجاء عوض عن الكذب أو غير ذلك، ولا يشترك الخلق العظيم في إيثار هذا الداعي على تجنب الكذب، لأنهم لا يتساوون في الافتقار إلى ما وقعت الرغبة فإن كثيراً منهم لا يحتاجون، وكثيراً منهم يحتاجون ولا يؤثرون، وكثيراً منهم يحتاجون ويؤثرون، فلا يتصور اشتراكهم في إيثار هذا الداعي على الصدق.
وأما الرهبة- فإنها لا تجمع العظيم على الكذب لوجوه: أحدها- أنهم مع كثرتهم لا يجتمعون على إيثار الكذب على ذلك. وثانيها- أن الرهبة لا تمنحهم عن التحدث بحقيقة الأمر بين الأصدقاء والخاصة، فلا يلبث القول أن يشيع ويظهر. وثالثها- أن الجمع العظيم لا يحيط بهم أخذ السلطان، فلا يتصور أن يصير كل واحد منهم مضطراً إلى الكذب، ورابعها- أن السلطان لو دعاهم إلى الكذب بالرهبة لظهرت الرمية. وحيث لم تظهر علمنا أنه لا رهبة، إلا أن هذا الوجه ضعيف، لأنه لا يمتنع أنه كما دعاهم إلى الكذب بالرهبة، دعاهم إلى كتمان الرهبة بالرهبة. وكذلك لا يتصور اشتراكهم في الكذب وفي قوة الداعي وإيثاره على الصدق.
стр. 384
فثبت بما ذكرنا أنه لا يشترط في وقوع العلم بالتواتر، أن يكون المخبرون كلهم مؤمنين أو بعضهم مؤمنين، لأن خبر المخبرين إنما يوجب العلم، لأنه لا داعي لهم إلى الكذب، ولا لبس فيما أخبروا عنه، ومجموع هذين الشرطين يمكن حصوله في الكفار، ولأن أهل بلاد الكفر يعرفون بتواتر أهل مقالاتهم في طلبهم، ويعرفون أحوال البلدان كما نعرفه نحن، فلا معنى لاشتراط الإيمان.
فإن قيل: يلزم هذا صدق النصارى في نقل التثليث عن عيسى ﵇ وصدقهم في قتله- قلنا: أما الثليث فلم ينقلوه عن عيسى ﵇ بنص صريح لا يحتمل التأويل، لكنهم توهموا ذلك بألفاظ موهمة اتفقوا عل معناها، كما فهم المشبهة من آيات وأخبار لم يفهموا معناها، والتواتر ينبغي أن يصدر عن محسوس، كما ذكرنا. وأما قتل عيسى ﵇، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
فإن قيل: لا يجوز التشبيه في المحسوس، ولو جوزنا ذلك لشك كل واحد منا في زوجة وولده إذا رآهما، فلعله شبه لهم- قلنا: يجوز ذلك في زمان خرق العادة، وهو زمان النبوة، لإثبات صدق النبي ﵇، وذلك لا يورث الشك في غير ذلك الزمان، إذ لا خلاف في قدرة الله تعالى على قلب العصا حية،
стр. 385
وقد فعله لتصديق موسى ﵇، ونحن لا نشك في ذلك في زماننا، ولا نخاف من أخذ العصا ثقة العادات- كذا هذا.
* * *
ولا يشترط في التواتر عدد معين. وبعضهم قطعوا على أنه لا يقع التواتر بخبر أربعة، لتكليف الشرع القاضي بالسؤال عنحالهم إذا شاهدوا بالزنا. وتوقفوا في الخمسة، وهو الحكم، إذ لا معنى يوجب التوقف وعدم العلم بخبر الأربعة والخمسة إلا وهو قائم في خبر الستة والعشرة وكل عدد معين. وإنما المعتبر جماعة يعلم استحالة تواطؤهم وتواقفهم على الكذب.
فإن قيل: كيف نعلم حصول العلم يخبر عدد، ونحن لا نعلم العدد الذي يحصل العلم بخبرهم- قلنا: كما نعلم أن الخبز مشبع والماء مرو والخمر مسكرة، وإن كنا لا نعلم أقل مقدار يحصل له منه ذلك. ونعلم أن القرائن تفيد العلم بالأحوال، وإن لم نقدر على حصر أجناسها.
وبعضهم شرطوا أن يكون المخبرون عشرين. وهذا باطل أيضاً، لأنه دليل عليه. ولأن الأظهر أنه لا يمكن تحقيق شروط الاستدلال في العشرين. واحتجوا في ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾: أوجب الجهاد على عشرين. وفائدة تخصيصهم أن يخبروا المشركين شرع محمد ﷺ فيحصل لهم العلم- والجواب: أن في الآية إيجاب الجهاد على عشرين، لا نفيه عما نقص عنه، فإن الأمة مجمعة على وجوب الجهاد على عشرين لكن لا يمتنع أن تخصيصهم بذلك لوجوه من وجوه المصلحة التي علم الله تعالى، لا لوقوع العلم بخبرهم.
стр. 386
وبعضهم شرطوا أن يكونوا سبعين- وهذا باطل، لما مر. ومن شرط ذلك تعلق باختيار موسى ﵇ سبعين رجلا من قومه ليصيروا معه إلى مناجاته. وفائدة ذلك ليخبروا قومهم، فيحصل لهم العلم- والجواب: لا يمتنع أنه إنما اختار ذلك لغرض لا يحصل فيما دونهم.
وبعضهم شرطوا أن يكونوا ثلاثمائة- وهو باطل، لما مر. واحتجوا بأن عدد أهل بدر كانوا ثلاثمائة، لأن العلم بشرع النبي ﵇ يقع بخبرهم- والجواب: أنه لا يمتنع أن اختيار النبي ﵇ اتفق على ذلك، أو من يقوى على الجهاد ويتفرغ له لم يكن أكثر من ذلك.
هذا هو الكلام في شرط التواتر.
* * *
ومن حكمه- أنه إذا حصل العلم بخبر جماعة، يحصل بخبر من يساويهم في العدد. ومتى حصل العلم لعاقل يحصل العلم لكل عاقل.
أما الأول- فلأن خبر المخبرين إنما يوجب العلم، لأنهم اختصوا بشرائط تؤدي إلى العلم بصدق خبرهم. فإذا حصلت هذه الشرائط في غيرهم، يجب أن تؤدي إلى العلم بصدق خبرهم أيضاً. ولأنه لو جاز خلاف ذلك، لجاز أن يخبر جماعة بمكة فيحصل لنا العلم به، وجماعة منهم تخبرنا عن بلدة أخرى، فلا يحصل لنا العلم به، [و] في ذلك وقوع الشك في العلم بالبلدان، وهذا باطل.
стр. 387
وأما الثاني- فلأن ما يوجب العلم للعاقل من الشروط قائم في كل عاقل ولأنه لو جاز أن يحصل العلم بخبرهم لعاقل ولا يحصل لكل عاقل، لكان من العقلاء من لا يحصل له العلم بالخبر المتواتر، وفي ذلك أن يكون من العقلاء منا من لا يعلم وجوده له مع سماعه الخبر المتواتر كسماعنا، وهذا باطل- والله أعلم.
٩٩ - باب في: أن خبر الواحد هل يوجب العلم أم لا ؟ :
- ذهب أكثر الناس إلى أنه لا يوجب العلم أصلاً.
- وذهب أصحاب الظاهر إلى أنه يوجب العلم.
[و] اختلف هؤلاء فيما بينهم:
- قال بعضهم: يوجب العلم من غير اقتران قرينة به.
- وقال بعضهم: لا يوجب إلا إذا اقترنت به قرائن. ومثال القرائن نذكرها من بعد.
- وقال بعضهم: يوجب علم الظاهر. وعنوا به غلية الظن.
(أ) - أما من قال بأنه لا يوجب العلم أصلاً:
فحجته أن خبر الواحد لو كان يقتضي العلم، لكان كل خبر واحد اقتضاه، كما في الخبر المتواتر. فلما لم يقتضه كل خبر واحد، علمنا أنه لا يوجب العلم.
إلا أن لقائل أن يقول: هذا اقتصار على مجرد الدعوى، فلابد من علة جامعة بينها:
فإن قالوا: إن العلة، في وقوع العلم بالمتواتر، هي أنه من قبيل ما يقع العلم عنده، وهذه العلة موجودة في أخبار الآحاد لو كان فيها ما يوجب العلم-
стр. 388
قيل له: لا نسلم أن العلة ما ذكرتم، وما أنكرتم على قائل يقول إن العلة الواقع ثمة إن كان ضرورياً، فهو من فعل الله تعالى، فما يؤمنكم أن الله تعالى اختار فعله عند كل خبر متواتر لاقتضاء المصلحة لذلك، ولم تقتض المصلحة فعله عند كل خبر واحد، وإن كان مكتسباً، فشروط الاستدلال به تتساوى فيه الأخبار المتواترة دون الآحاد.
فإن قالوا بأن العادة مستمرة بأن ما اقتضى وقوع العلم بالخبر المتواتر، اقتضى وقوعه بكل خبر متواتر، ولو كان في الآحاد ما يفيد العلم لأفاده كل خبر، استدلالاً بالعادة- قيل لهم: ولم يجب إذا استمرت العادة في الخبر المتواتر أن تستمر في أخبار الآحاد؟
والوجه الصحيح في ذلك أن نقول لهم: أتزعمون أن خبر كل مخبر يوجب العلم أم بعض منها؟ :
فإن قالوا: كل خبر واحد- فذلك ظاهر البطلان، لأن كثيراً من الناس من يخبرنا بما لا نظنه فضلا من أن نعلمه.
وإن قالوا: بعض منها- فنقول لهم: عرفتم ذلك اضطراراً أو استدلالاً؟ :
فإن قالوا: اضطراراً، فباطل، لاختلاف حال العقلاء فيه. ولأن مجرد الخبر لا يوقفنا على المخبر به من غير أن يلاحظ أموراً كثيرة فيه، وما وقف حصوله على ملاحظة أمور كان مستدلاً عليه لا محالة.
وإن قالوا: بالاستدلال باقتران قرائن، ومثال القرائن نحو: ما إذا أخبر إنسان بموت زيد وبسمع الصراخ من داره وترى الجنازة على بابه ويعلم أنه ليس في الدار
стр. 389
مريض سواه. أو كان رجلاً شديد التحفظ عن الكذب نافرا عنه فيخبر بخبر يعلم صدقه استدلالا بظاهر حاله من تجنب الكذب. أو كان رجلا مهتما بأمر مشتغلا به فيسأل عن غيره فأجابه من غير تفكر، فإنه يعلم أنه لم يتعمد الكذب لداع. أو كان المخبر رسولا من جهة السلطان يخبر الجيش بأنه أمرهم بالخروج إليه [و] علمنا أنه لم يتعمد الكذب، لأن عقوبة السلطان مانعة من الكذب عليه- قلنا: ليس لهم فيما ذكروه من القرائن ما يقتضى العلم، لأنه: يجوز أن يكون غرض أهله من الصراخ وإحضار الجنازة إيهام السلطان موته ليسلم منه. ويجوز أن أغمى عليه فظنوا موته. ويجوز أن يكون غيره مات ممن في الدار فجاءة. وقد يكون الرجل شديد التحفظ عن الكذب في الظاهر دون الباطل، وقد يعدل عنه في بعض الأشياء دون البعض، وقد يكون الرجل مهتما بما سئل عنه مشتغلا به فيظهر من نفسه أنه مشتغل بغيره، وإذا سئل عنه أظهر من نفسه أنه نبه عليه وكان ساهيا قبل ذلك، ليعلم أنه لم يتعمد الكذب، أو لأن اشتغاله بغير ذلك وشدة اهتمامه يمنعه عن التأمل في المسئول عنه، فأخبر جزافا عن غفلة، فوقع كذبا لا على التعمد. وقد يرغب رسول السلطان بمال جزيل ليخبر الجيش أنه يأمرهم بالخروج إليه، وقد يأمره السلطان بالكذب عليه استهزاء واختبارا لطاعته- وإذا احتمل هذه الوجوه، لم يكن موجبا للعلم، لأن العلم لا يحصل مع جواز الكذب.
стр. 390
(ب) - وأما أصحاب الظاهر- فقد احتجوا بأن الله تعالى منعنا أن نقول عليه بما لا نعلم، بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم تعبدنا بالعمل بخبر الواحد. فلو لم يقع العلم به، لكان في جواز التعبد به جواز القول على الله بما لا نعلم.
والجواب: ليس في جواز التعبد بخبر الواحد، جواز القول على الله بما لا نعلم. لأنا وإن ظننا صدق الراوي، لكنا علمنا وجوب العمل به، بدليل قاطع، وهو الإجماع. فإذا قلنا إن الله تعالى تعبدنا بخبر الواحد، فقد قلنا على الله تعالى ما نعلمه لا ما لا نعلمه- والله أعلم.
١٠٠ - باب في: ما يقبل فيه خبر الواحد، وما لا يقبل فيه ذلك:
اعلم أن الخبر لا يخلو: إما إن تضمن إضافة شرع إلى النبي ﵇، أو لا يتضمن ذلك.
(أ) - فإن تضمن إضافة شرع إلى النبي ﵇[ف] لا يخلو: إما إن ورد التعبد به بالعلم، أو بالعمل.
فإن ورد التعبد [فيه] بالعلم- فلا يقبل.
وإن ورد التعبد بالعمل فيه-[ف] يجب العمل به إذا تكاملت فيه شرائط العمل، سواء كان التعبد به ابتداء عبادة، أو ركنا في عبادة، أو ابتداء نصاب، أو تقديرا، أو حدا- وهو المروى عن أبي يوسف ﵀.
следующие страницы →