Полный текст (696 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وبعضهم شرطوا أن يكونوا سبعين- وهذا باطل، لما مر. ومن شرط ذلك تعلق باختيار موسى ﵇ سبعين رجلا من قومه ليصيروا معه إلى مناجاته. وفائدة ذلك ليخبروا قومهم، فيحصل لهم العلم- والجواب: لا يمتنع أنه إنما اختار ذلك لغرض لا يحصل فيما دونهم.
وبعضهم شرطوا أن يكونوا ثلاثمائة- وهو باطل، لما مر. واحتجوا بأن عدد أهل بدر كانوا ثلاثمائة، لأن العلم بشرع النبي ﵇ يقع بخبرهم- والجواب: أنه لا يمتنع أن اختيار النبي ﵇ اتفق على ذلك، أو من يقوى على الجهاد ويتفرغ له لم يكن أكثر من ذلك.
هذا هو الكلام في شرط التواتر.
* * *
ومن حكمه- أنه إذا حصل العلم بخبر جماعة، يحصل بخبر من يساويهم في العدد. ومتى حصل العلم لعاقل يحصل العلم لكل عاقل.
أما الأول- فلأن خبر المخبرين إنما يوجب العلم، لأنهم اختصوا بشرائط تؤدي إلى العلم بصدق خبرهم. فإذا حصلت هذه الشرائط في غيرهم، يجب أن تؤدي إلى العلم بصدق خبرهم أيضاً. ولأنه لو جاز خلاف ذلك، لجاز أن يخبر جماعة بمكة فيحصل لنا العلم به، وجماعة منهم تخبرنا عن بلدة أخرى، فلا يحصل لنا العلم به، [و] في ذلك وقوع الشك في العلم بالبلدان، وهذا باطل.
стр. 387
وأما الثاني- فلأن ما يوجب العلم للعاقل من الشروط قائم في كل عاقل ولأنه لو جاز أن يحصل العلم بخبرهم لعاقل ولا يحصل لكل عاقل، لكان من العقلاء من لا يحصل له العلم بالخبر المتواتر، وفي ذلك أن يكون من العقلاء منا من لا يعلم وجوده له مع سماعه الخبر المتواتر كسماعنا، وهذا باطل- والله أعلم.
٩٩ - باب في: أن خبر الواحد هل يوجب العلم أم لا ؟ :
- ذهب أكثر الناس إلى أنه لا يوجب العلم أصلاً.
- وذهب أصحاب الظاهر إلى أنه يوجب العلم.
[و] اختلف هؤلاء فيما بينهم:
- قال بعضهم: يوجب العلم من غير اقتران قرينة به.
- وقال بعضهم: لا يوجب إلا إذا اقترنت به قرائن. ومثال القرائن نذكرها من بعد.
- وقال بعضهم: يوجب علم الظاهر. وعنوا به غلية الظن.
(أ) - أما من قال بأنه لا يوجب العلم أصلاً:
فحجته أن خبر الواحد لو كان يقتضي العلم، لكان كل خبر واحد اقتضاه، كما في الخبر المتواتر. فلما لم يقتضه كل خبر واحد، علمنا أنه لا يوجب العلم.
إلا أن لقائل أن يقول: هذا اقتصار على مجرد الدعوى، فلابد من علة جامعة بينها:
فإن قالوا: إن العلة، في وقوع العلم بالمتواتر، هي أنه من قبيل ما يقع العلم عنده، وهذه العلة موجودة في أخبار الآحاد لو كان فيها ما يوجب العلم-
стр. 388
قيل له: لا نسلم أن العلة ما ذكرتم، وما أنكرتم على قائل يقول إن العلة الواقع ثمة إن كان ضرورياً، فهو من فعل الله تعالى، فما يؤمنكم أن الله تعالى اختار فعله عند كل خبر متواتر لاقتضاء المصلحة لذلك، ولم تقتض المصلحة فعله عند كل خبر واحد، وإن كان مكتسباً، فشروط الاستدلال به تتساوى فيه الأخبار المتواترة دون الآحاد.
فإن قالوا بأن العادة مستمرة بأن ما اقتضى وقوع العلم بالخبر المتواتر، اقتضى وقوعه بكل خبر متواتر، ولو كان في الآحاد ما يفيد العلم لأفاده كل خبر، استدلالاً بالعادة- قيل لهم: ولم يجب إذا استمرت العادة في الخبر المتواتر أن تستمر في أخبار الآحاد؟
والوجه الصحيح في ذلك أن نقول لهم: أتزعمون أن خبر كل مخبر يوجب العلم أم بعض منها؟ :
فإن قالوا: كل خبر واحد- فذلك ظاهر البطلان، لأن كثيراً من الناس من يخبرنا بما لا نظنه فضلا من أن نعلمه.
وإن قالوا: بعض منها- فنقول لهم: عرفتم ذلك اضطراراً أو استدلالاً؟ :
فإن قالوا: اضطراراً، فباطل، لاختلاف حال العقلاء فيه. ولأن مجرد الخبر لا يوقفنا على المخبر به من غير أن يلاحظ أموراً كثيرة فيه، وما وقف حصوله على ملاحظة أمور كان مستدلاً عليه لا محالة.
وإن قالوا: بالاستدلال باقتران قرائن، ومثال القرائن نحو: ما إذا أخبر إنسان بموت زيد وبسمع الصراخ من داره وترى الجنازة على بابه ويعلم أنه ليس في الدار
стр. 389
مريض سواه. أو كان رجلاً شديد التحفظ عن الكذب نافرا عنه فيخبر بخبر يعلم صدقه استدلالا بظاهر حاله من تجنب الكذب. أو كان رجلا مهتما بأمر مشتغلا به فيسأل عن غيره فأجابه من غير تفكر، فإنه يعلم أنه لم يتعمد الكذب لداع. أو كان المخبر رسولا من جهة السلطان يخبر الجيش بأنه أمرهم بالخروج إليه [و] علمنا أنه لم يتعمد الكذب، لأن عقوبة السلطان مانعة من الكذب عليه- قلنا: ليس لهم فيما ذكروه من القرائن ما يقتضى العلم، لأنه: يجوز أن يكون غرض أهله من الصراخ وإحضار الجنازة إيهام السلطان موته ليسلم منه. ويجوز أن أغمى عليه فظنوا موته. ويجوز أن يكون غيره مات ممن في الدار فجاءة. وقد يكون الرجل شديد التحفظ عن الكذب في الظاهر دون الباطل، وقد يعدل عنه في بعض الأشياء دون البعض، وقد يكون الرجل مهتما بما سئل عنه مشتغلا به فيظهر من نفسه أنه مشتغل بغيره، وإذا سئل عنه أظهر من نفسه أنه نبه عليه وكان ساهيا قبل ذلك، ليعلم أنه لم يتعمد الكذب، أو لأن اشتغاله بغير ذلك وشدة اهتمامه يمنعه عن التأمل في المسئول عنه، فأخبر جزافا عن غفلة، فوقع كذبا لا على التعمد. وقد يرغب رسول السلطان بمال جزيل ليخبر الجيش أنه يأمرهم بالخروج إليه، وقد يأمره السلطان بالكذب عليه استهزاء واختبارا لطاعته- وإذا احتمل هذه الوجوه، لم يكن موجبا للعلم، لأن العلم لا يحصل مع جواز الكذب.
стр. 390
(ب) - وأما أصحاب الظاهر- فقد احتجوا بأن الله تعالى منعنا أن نقول عليه بما لا نعلم، بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم تعبدنا بالعمل بخبر الواحد. فلو لم يقع العلم به، لكان في جواز التعبد به جواز القول على الله بما لا نعلم.
والجواب: ليس في جواز التعبد بخبر الواحد، جواز القول على الله بما لا نعلم. لأنا وإن ظننا صدق الراوي، لكنا علمنا وجوب العمل به، بدليل قاطع، وهو الإجماع. فإذا قلنا إن الله تعالى تعبدنا بخبر الواحد، فقد قلنا على الله تعالى ما نعلمه لا ما لا نعلمه- والله أعلم.
١٠٠ - باب في: ما يقبل فيه خبر الواحد، وما لا يقبل فيه ذلك:
اعلم أن الخبر لا يخلو: إما إن تضمن إضافة شرع إلى النبي ﵇، أو لا يتضمن ذلك.
(أ) - فإن تضمن إضافة شرع إلى النبي ﵇[ف] لا يخلو: إما إن ورد التعبد به بالعلم، أو بالعمل.
فإن ورد التعبد [فيه] بالعلم- فلا يقبل.
وإن ورد التعبد بالعمل فيه-[ف] يجب العمل به إذا تكاملت فيه شرائط العمل، سواء كان التعبد به ابتداء عبادة، أو ركنا في عبادة، أو ابتداء نصاب، أو تقديرا، أو حدا- وهو المروى عن أبي يوسف ﵀.
стр. 391
وحكى عن بعضهم أنه منع قبول خبر الواحد فيما يندريء بالشبهات.
وقال بعضهم: لا يقبل خبر الواحد في إيجاب الحد، وفي أركان العبادة، وفي ابتداء النصاب. ويقبل في سقوط الحد، وليتوافى النصاب. فيقبل خبر الواحد فيما زاد على خمس أواق وهو قوله: "وفي الزيادة بحساب ذلك". ولم يقبل في الفصلان وفي العجاجيل، لأن هذا ابتداء النصاب، وذلك زيادة على النصاب.
стр. 392
والأظهر أنه يقبل في جميع ذلك، لأنه لا وجه يفصل به بين البعض والبعض إلا من حيث إنه ينفي الشبهة، وهذا غير مانع، كما في الشهادة: فإنه يقبل الشهادة في ذلك، فكذا هذا.
وكذا ما يجرى مجرى إضافة شرع إلى النبي ﵇، كإضافة الفتوى إلى المفتي.
(ب) - وأما ما لا يتضمن إضافة شرع إلى النبي ﵇ فهو على ضربين: إما إن كان يفتقر إلى حكم حاكم، أو لا يفتقر إليه.
- فإن كان لا يفتقر إلى حكم حاكم- فهو على وجهين: إما إن كان من أمور الدنيا أو من أمور الدين.
- مثال الأول- كالهدايا والخبر في المعاملات: فيقبل فيه خبر الواحد إذا غلب على ظننا صدقه، سواء كان المخبر بالغا أو غير بالغ، عدلا كان أو فاسقا.
وكذا ما يجرى مجرى الخبر في اقتضاء [غالب] الظن، كوضع الماء
стр. 393
على الطريق على بعض الوجوه: فإنه يبيح شربه، كالخبر عن إباحته. وكوضع الصدقة على يد الفقير.
- وأما [الثاني]: إذا كان من أمور الدين- كالخبر عن نجاسة الماء، وكون الشيء ميتة، فإنه يقبل فيه خبر الواحد. ولتعلقه بالدين، لا يقبل فيه خبر المشرك.
- واختلفوا في خبر الفاسق- بعضهم قالوا: يقبل. وبعضهم قالوا: لا يقبل. لأن له شبها بأمور الدين وبأمور الدنيا، فلذلك اختلفوا فيه.
- وأما الذي يفتقر إلى حكم حاكم- فإن لم يكن حكما على شخص معين، ولا يتعلق به الخصومة، كالخبر عن هلال رمضان وهلال شوال:
قال بعضهم: لا يقبل فيه خبر الواحد، بل يشترط فيه العدد، لأن له شبها بأمور الدين، وشبها بأمور الدنيا، من حيث إنه بدخل تحت حكم الحاكم.
وقال بعضهم: يقبل:
وإن كان حكما على شخص معين ويتعلق به الخصومة- فإنه لا يقبل خبر الواحد إلا لضرورة أنه لا يمكن الوقوف عليه للأكثر من واحد، كإخباره المرأة بانقضاء العدة في مدة تحتمل. أو كان يمكن الوقوف عليه ف بالجملة، لكن يشق ذلك، كشهادة القابلة على الولادة. فأما ما سوى ذلك، فإنه لا يقبل فيه إلا خبر الاثنين.
стр. 394
١٠١ - باب في: جواز ورود التعبد بخبر الواحد:
ذهب أكثر الناس إلى جواز ذلك، ومنه منه آخرون.
والدلالة على جواز ذلك- أن الفعل الشرعي إنما يجب لكونه مصلحة. ويجوز أن يكون الفعل مصلحة إذا فعلناه ونحن على صفة وحالة مخصوصة، ولا يكون مصلحة إذا فعلناه ونحن على خلاف تلك الحالة. كما في المسافر مع المقيم، والمريض مع الصحيح، والحائض مع الطاهر. وكوننا ظانين صدق الراوي حالة من حالاتنا، فدخلت تحت جملة أحوالنا التي يجوز أن يكون الفعل مصلحة عندها.
وإذا جاز كونه مصلحة، جاز ورود الشرع بالتعبد به.
والذي يؤيد ما ذكرناه- من حيث العقل والشرع:
- أما العقل- فهو أن المسافر إذا اشتبه عليه حال الطريق، فأخبره من غلب على ظنه صدقه بسلامة الطريق، يباح له سلوك ذلك الطريق في العقل. ولو أخبره باختلاف حال الطريق، لزمه الامتناع عن سلوكه.
- وأما الشرع- فلأن الإمام يجب عليه إقامة الحد والقطع والقتل إذا شهد بالزنا أو السرقة أو القتل اثنان أو أربعة ظاهرهم العدالة. فلما جاز أن يقف ثبوت الحكم على الظن في باب الشهادة، جاز أن يقف على ذلك الظن في باب الخبر.
فإن قيل: الفرق بين الشهادة والخبر: أن في باب الشهادة الحكم يثبت عند الشهادة بدليل قاطع، والشهادة شرطه، ولا كذلك الخبر: فإنكم تجعلونه دليلا على ثبوت الحكم، لا شرطا له- والجواب: لا فرق عندنا. كما أن هناك الحكم
стр. 395
يثبت عند الشهادة بدليل قاطع، فكذلك في باب الخبر: الحكم يثبت عنده بدليل قاطع. وتسمية الخبر دليلا أو شرطا كلام في العبارة.
وقوله: إنكم جعلتم دليلا لا شرطا- قلنا: لا فرق، فإنه كما لا بد في وجوب العمل بالشهادة من دليل قاطع، لابد في وجوب العمل بالخبر من دليل قاطع. ولا يضرنا لو امتنعنا من تسمية الخبر دليلا إذا كان الغرض ما ذكرنا، وهو توقف الحكم على الظن.
فإن قيل: الفرق بين الشهادة والخبر أنه: ليس في الشهادة على زيد بأنه قتل أو سرق إثبات ابتداء، فإن شرع القتل كان متقدما على ذلك. أما في تعليق الحكم بخبر الواحد، [ف] إثبات شرع ابتداء- قلنا: لا فرق، فإنا نعلم أن نقتل المشهود عليه شرع بالشهادة. والدليل على ذلك هو ما دل على وجوب العمل بالشهادات. كما نعلم ثبوت التعبد بخبر الواحد. والدليل على ذلك هو ما دل على وجوب العمل بأخبار الآحاد، فلا فرق بينهما في توقف ثبوت الحكم على الظن.
وأما المخالف- فقد احتج في المسألة بأشياء:
١ - منها- أن الأفعال الشرعية كلها مصالح، ولا يمتنع أن يكذب الواحد فيما يخبر عنه من فعل أو قول. وإذا لم يمتنع ذلك لا نأمن أن يكون ما تضمنه الخبر مفسدة. وإذا لم نأمن ذلك، لا يجوز ورود التعبد به، لأن التعبد بما لا نأمن من كونه مفسدة قبيح. وليس لكم أن تقولوا: إن قيام الدلالة على وجوب العمل بأخبار الآحاد دلالة على صدق الراوي، لأن على هذا يلزمكم أن تقطعوا بصدقه، ولا تجوزوا كذبه. ويلزمكم أن تجوزوا قيام الدلالة على وجوب العمل بكل ما يريده الإنسان. فإن قلتم: ليس يجب أن يتفق الصواب في كل ما يريده الإنسان- فنقول: ليس يجب أن يتفق الصواب في كل ما يظن فيه صدق المخبر من فعل أو ترك.
стр. 396
٢ - ومنها- أنه لو جاز أن يجب العمل بما يخبر به الواحد عن النبي ﵇، ويحكم بكونه مصلحة إذا غلب على الظن صدقه، لجاز أن يجب العمل بما يخبره الواحد أن الله تعالى أوجب عليكم هذا الفعل إذا غلب الظن [صدقه]، إذ لا فرق بينهما إلا أن المخبر يخبر عن الله تعالى بلا واسطة، والمحدث يخبر عن الله تعالى بواسطة [نبي].وليس لكم أن تقولوا إنه لابد في وجوب العمل بخبر الواحد من دليل قاطع، وهذا لا يتم إذا كان صدق المدعين للنبوات مظنوناً غير مقطوع به. لأن الدليل القاطع إما كتاب الله تعالى أو سنة متواترة أو إجماع الأمة. وإجماع الأمة لابد أن يستند إلى قول الله تعالى أو إلى قول الرسول، وقول الله تعالى إنما يعرف بقول الرسول. فإذن الدليل الشرعي لا يكون مقطوعا به، إلا إذا عرف صدق المدعى للنبوه، [ويكون] ثابتا بالمعجزة، لأنا ما ألزمناكم أن يكون صدق جميع المدعين للنبوة مظنونا، وإنما يلزمكم أن يكون صدق بعضهم مظنونا، وصدق بعضهم ثابتا بمعجزة، ثم يخبر ذلك الرسول [الذي] تثبت نبوته بالمعجزة أن لو أخبركم إنسان "أن الله تعالى بعثه بالشرائع" وغلب على ظنكم صدقه، فاعلموا بأن ذلك مصلحة لكم واعملوا به.
стр. 397
فإذن تصور أن يكون الدليل على وجوب العمل بأخبار الآحاد مقطوعا في هذه الصورة.
٣ - ومنها- أنه لو جاز أن يجب العمل بأخبار الآحاد في الفروع، لجاز أن يجب العمل بها في الأصول والأدلة والأخبار. حتى لو أخبر واحد أن أهل اللغة وضعوا هذا الاسم للعموم، جاز لنا أن نقطع بأنه موضوع للعموم. وكذلك لو أخبر واحد بكون زيد في الدار، جاز لنا أن نخبر بكونه في الدار قطعاً.
كما جاز لنا أن نخبر بوجوب الفعل إذا أخبر النبي ﵇ بوجوبه- فلما لم يخبر ذلك، فلا يجوز هذا.
والجواب:
أما الأول- قلنا: قد ذكرنا أنه يجوز أن يكون الفعل مصلحة إذا فعلناه ونحن على حالة مخصوصة، وكوننا ظانين صدق الخبر، بأمارة حالة من حالاتنا، فجاز كون الفعل عندنا مصلحة، صدق الراوي أو كذب. إذا ثبت هذا لم يجب ما قالوه من أن تجويز كذب الراوي يجوز كون ما تضمنه الخبر مفسدة، لأن كوننا ظانين صدق الراوي ثابت في الحالتين جميعاً، وجواز كون الفعل مصلحة مبنى على هذه الحالة، كما في الحكم بالبينات: فإن تجويز كذب الشاهد لا يقتضي تجويز إقدام الإمام على ما لا يحل له فعله من قطع يد لا يستحق قطعها وغير ذلك.
فإن قيل: ظنكم صدق الراوي لا يخلو: إما أن جعلتموه طريقاً إلى العلم بكونه مصلحة، أو شرطا في جواز كون الفعل مصلحة: [ف] إن جعلتموه طريقا، لا يجوز أن يجعل طريقا إلى القطع على أن الفعل مصلحة. ولو جاز ذلك، لجاز أن يجعل ذلك طريقا إلى العلم بالاعتقادات، ولجاز ورود التعبد بها
стр. 398
بخبر الواحد. وإن جعلتموه شرطا في جواز كونه مصلحة، لزمكم أن تحكموا بجواز كون الفعل مصلحة إذا ظننا كذب الراوي أو ااشتهينا فعله أو اخترناه لأن هذه حالة من حالاتنا- قلنا: بعضهم قالوا: يجوز أن يكون الفعل مصلحة عند هذه الحالة، كما يجوز أن يكون مصلحة عند ظننا صدق الراوي- إلا أنا نجيب بجواب آخر، وهو أنا إنما جوزنا أن يكون الفعل مصلحة إذا فعلناه ونحن على هذه الحالة، لأنها من جملة الأحوال التي شهد العقل بجواز كون الفعل مصلحة عندها بما ذكرنا من التصرف في الأسفار والعمل بالبينات. وكما أن العقل يشهد بجواز كون الفعل مصلحة عند هذه الأحوال، [فإنه] يشهد بأنه لا يجوز أن يكون الفعل مصلحة عند ظننا كذب الراوي، أو اشتهينا فعله أو اخترناه- مثاله: المسافر إذا خاف على نفسه سلوك طريق فإخبره من يثق بقوله بسلامة بعض الطريق، لزمه العمل بما ظنه صلاحا دون ما ظنه فسادا. ولو أخبره من يغلب على ظنه كذب، لا يباح له سلوك ذلك الطريق. وكذلك عند الخوف واشتباه حال الطريق. ولا يجوز له أن يعمل بما يشتهيه ويختاره- فبأن أن العقل فصل في الحالين.
وأما الثاني- قلنا: قد ذكرنا أن العقل إنما يجوز أن يكون مصلحة إذا غلب على ظننا صدق الراوي، وهذا لا يمتنع فيما إذا أخبر أنه شاهد النبي ﵇ وسمع كلامه، لأن ذلك كثير جرت به العادة. وأما سماع كلام الله تعالى بغير واسعله [ف] لم تجر العادة به، وما يحصل في النبوة من الرئاسة العظيمة
стр. 399
التي لا تدانيها رئاسة قد يدعو الإنسان إلى ادعائها. فإذا اجتمع للعاقل تجويز كذب مدى النبوة مع أنه مخبر بما لا تجرى العادة بذلك، فلا يغلب على ظن العاقل صدقه، كان في الاقتصار على الظن في باب النبوة أعظم مفسدة، لما فيها من الرئاسة العظيمة التي يطلبها كل أحد. فلو تعبدنا بالأخذ بالظن لتعمد أكثر الناس التظاهر بالصدق والصلاح ليحصل له هذه الرئاسة، فيكثر المدعون للنبوة الواردون بالشرائع المختلفة، فيؤدي إلى تغير الشريعة في كل حال، وفيه من الفساد ما لا يخفى. ولا كذلك إذا أخبر الواحد عن النبي ﵇، لأنه ليس في ذلك مثل هذه الرئاسة، لان كلام النبي ﵇ لا يتجدد بعد وفاته، وما تكلم به في حال حياته منحصر لا يحتمل الزيادة.
فلو زيد على ذلك لعلم كذبه، ورد-[وهذا] بيان الفرق بين الخبرين.
وأما الثالث- قلنا: ماذا تريدون بالأصول؟
إذا ردتم به أصول الشرع، كالصوم والصلاة وغير ذلك، فنقول: كان يجوز ورود التعبد بها بأخبار الآحاد، لكن حينئذ لا تكون [من] أصول الشرع، لأن أصول الشرع ما ثبت وجوبها بدليل مقطوع به.
стр. 400
وإن أردتم إثبات القديم تعالى وصفاته- فنقول: بأنه لا يقبل فيه خبر الواحد، لأنا لو قبلناه فيه لقبلناه في الاعتقادات، ولا يجوز قبول خبر الوحد في الاعتقادات، لأن الواحد إذا أخبر أنه سمع النبي ﵇ قال: "إن الله تعالى على صفة كذا" فنحن لا نعلم أن الله تعالى على تلك الصفة، لأنا لم نكن عالمين بدليله، فلو اعتقدنا كونه على تلك الصفة لا نأمن من أن يكون هذا الاعتقاد جهلاً وقبيحاً، والإقدام على الاعتقاد قبح، ولا نأمن كونه جهلاً.
ولا كذلك الفرع. لأنها ليست اعتقادا ليكون المقدم عليها مقدما على اعتقاد لا نأمن كونه جهلا قبيحا بل هو من قبيل العمل فجاز أن يقبل فيه خبر الواحد.
فإن قيل: أليتم تقطعون وتعتقدون وجوب العمل عليكم عند خبر الواحد، وهذا رجوع إلى الخبر الواحد في الاعتقادات- قلنا: هذا اعتقاد نأمن كونه جهلا، لان الدليل قد دل على وجوب العمل بخبر الواحد، ولا يجوز أن يدل دليل قاطع على وجوب العمل بخبر الواحد في الاعتقادات، لما ذكرنا أن الفعل يجوز أن يكون مصلحة إذا فعلناه ونحن على حالة مخصوصة، وهو كوننا ظانين صدق المخبر، فإذا جاز أن يكون مصلحة فإذا الدليل على وجوب العمل به
стр. 401
قطعنا على كونه مصلحة. فأما كون القديم على صفة، فليس مما يحصل بحسب ظننا، بل هو أمر حاصل في نفسه، ظننا صدق الراوي أو لم نظنه، فليس يجب إذا أخبر الواحد أنه سمع النبي ﵇ يقول: "إن الله تعالى على صفة كذا" أن تكون تلك الصفة ثابتة له. ومتى لم يجب ذلك لو اعتقدنا كونه على تلك الصفة لا نأمن أن يكون هذا الاعتقاد جهلاً، والإقدام على اعتقاد لا نأمن كونه جهلا قبيح، ولا كذلك الفرع على ما مر- وهو الجواب عما إذا أخبر إنسان عن كون زيد في الدار، فإنا لا نعلم أنه فيها قطعا، لأن كونه في الدار ليس مما يحصل بحسب ظننا، بل هو أمر حاصل في نفسه، ظننا صدق المخبر به أو لم نظن. فلوا اعتقادنا كونه في الدار قطعا لا نأمن من أن يكون هذا الاعتقاد جهلا، وذلك قبيح، فيجوز أن يرد التعبد بالخبر، [كما يرد] عن كونه في الدار، على حسب الظن. وكذل لو أخبر الواحد أن أهل اللغة وضعوا هذا الاسم للعموم، لأنا لا نعلم أنهم وضعوه قطعا، لان كونهم واضعين ليس مما يحصل بحسب ظننا، بل هو أمر حاصل في نفسه على ما مر. فلو اعتقدنا أنهم وضعوه للعموم قطعا لا نأمن كونه جهلا وقبيحا. ويجوز أن يرد التعبد بالاستدلال به على شمول الحكم وعمومه، لأنه من باب العمل، فجاز كونه مصلحة إذا ظننا صدقه- والله أعلم.
١٠٢ - باب في: ورود التعبد بأخبار الآحاد:
اختلف مجيزو ورود التعبد بأخبار الآحاد في الشرعيات، في ورود التعبد بها:
-
стр. 402
[ف] قال بعضهم: ورد التعبد بها.
- وقال بعضهم: لم يرد. واختلف هؤلاء:
-[ف] قال بعضهم: لم يرد التعبد بها، ولا ورد التعبد بالمنع منها.
- وقال بعضهم: ورد التعبد بالمنع منها.
واختلف الأولون:
- قال بعضهم: العقل يدل على التعبد بها.
- وقال بعضهم: لا يدل.
والدليل على أن العقل يدل على وجوب العمل بأخبار الآحاد- أن العقلاء يعرفون بعقولهم وجوب العمل بأخبار الآحاد في العقليات، لعلة: وهي أنهم ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل، وهذه العلة موجودة في الشرعيات.
بيانه: أنا نعلم بعقولنا وجوب التحرز عن المضار وحسن اجتلاب المنافع في الجملة، فإذا أخبر واحد أن علينا مضرة إذا لم نفتصد ولم نشرب الدوار أو لم نسلك في سفرنا هذا طريقة مخصوصة، وغلب على ظننا صدقه، فقد ظننا تفصيل جملة معلومة بالعقل، وهو وجوب التحرز على المضار-[و] هذه العلة موجودة في الشرعيات: فإننا نعلم وجوب الانقياد للنبي ﵇ فيما دعانا إليه فيما أخبر أنه مصلحة، والتحرز عن ضرر مخالفته في الجملة. فإذا أخبرنا واحد أن النبي ﵇ دعانا إلى فعل أخبر أنه مصلحة، وظننا صدق الراوي، فقد ظنن تفصيل جملة معلومة.
стр. 403
وبيان أن العلة في الأصل هدا: أن الحكم يوجد بوجوده وينعدم بعدمه، فإنا إذا علمنا وجوب التحرز عن المضار، وظننا أن في هذا الفعل مضرة، بخبر الواحد إذا ظننا صدقه، ولا يمكننا الوقوف على ذلك- حصل لنا العلم بوجوب التحرز، إذا أزلنا عن أنفسنا اعتقاد ما سوى ذلك، وإذا لم نعلم وجوب التحرز، أو علمنا ذلك ولكن لا نظن صدق الراوي، لا يحصل لنا العلم بوجوب التحرز. وكذلك إذا ظننا صدقه، لكن لنا طريق إلى معرفة ذلك قطعا، لا يجب التحرز- ثبت أن العلة في الأصل هذا، وإنها موجودة في المتنازع فيه.
فإن قيل: قياسكم قبول خبر الواحد في الشرعيات على قبوله في العقليات لا يستقيم، لأن بينهما مفارقة مع وجوه:
أحدها- أن الخبر في العقليات إنما ورد بما نعلم جملته بالعقل، وفي الشرعيات إنما يرد بما نعلم جملته بالشرع.
وثانيها- أن في الشرعيات أمكن يفضى إلى العلم بها، وهو الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة، أو البقاء على حكم العقل، فلا يجوز الاقتصار على الظن. ولا كذلك العقليات، لأن هناك تعذر طريق يفضى إلى العلم بها، فجاز الاقتصار على الظن.
وثالثها- أن الشرعيات تبتنى على المصالح، فجواز كذب المخبر يدل على كون ماتضمنه الخبر مفسدة. وذلك مانع من قبول الخبر، إلا إذا ورد التعبد به شرعا. ولا كذلك العقليات، لأنه لا يمكن أن يرد التعبد به شرعا، فاقتصرنا على الظن.
قلنا:
أما الأول- قلنا: وجوب الانقياد للنبي ﵇ فيما دعانا إليه، والتحرز عن ضرر مخالفته معلوم بالعقل والشرع. كما أن وجوب التحرز عن المضار
стр. 404
الدنيوية معلوم بالعقل والشرع. ثم إن كان التحرز عن المضار الدنيوية معلوما بالعقل فقط، فالتحرز عن المضار الشرعية معلوم بالشرع فقط- فهذا الاختلاف راجع إلى طريق العلم بوجوب التحرز، فلا يقدح في الاستدلال، لأن الجملة إذا صارت معلومة بأي طريق كان، فيما يظن تفصيلا للجملة، كان داخلا في الجملة.
وأما الثاني- قلنا: لو كان في المسألة نص أو خبر متواتر أو إجماع يخالف قضية خبر الواحد، لا يجوز العدول عنها إلى مقتضى خبر الواحد، وإنما مسألتنا في خبر لا يخالف شيئا من ذلك. وأما البقاء على حكم العقل فممكن في العقليات والشرعيات جميعا، فإنا نعلم بعقولنا التحرز عن إيلام النفس بالافتصاد وشرب الأدوية الكريهة والسلوك في الطريق، فإذا أخبرنا واحد أن في ترك هذه الأشياء مضرة، وغلب على ظننا صدقه- لا يجوز البقاء على حكم العقل، فثبت أن البقاء على حكم العقل مما يجوز تركه إذا غلب على ظننا صدق المخبر به.
وأما الثالث- قلنا: كما أن المصالح هي المعتبرة في الشرعيات، فكذلك المنافع والمضار هما المعتبران في العقليات، لأنا إنما نقصد بما نفعله في العقليات تحصيل المنافع والخلاص عن المضار، كما نقصد في الشرعيات تحصيل المصالح.
فلما جاز أن يقام الظن مقام العلم في المضار العقلية مع تجويز الكذب في الخبر، جاز ذلك في المصالح الشرعية.
وقوله: إن ورود التعبد يدل على المصلحة- قلنا: لما جاز ذلك، مع تجويز الكذب في الخبر، لم يكن كذب المخبر دليلا على أن مصلحتنا غير ذلك، فلا يجوز التعويل عليه، لمنع قبول خبر الواحد. فإن قال: إن المخبر به إن جاز كونه مصلحة، لكن لا نعرف ذلك إلا بتعبد شرعي.
стр. 405
قلنا:
ألسنا نعرف كون المخبر به مصلحة في باب العقليات بدون تعبد شرعي، فما بالنا لا نعرف هنا بدون تعبد شرعي؟ فإن قال أحدهما عقلي والآخر شرعي، فهذا فرق يرجع إلى نفس المسألة.
على أنا نقول:
إن جاز لكم أن تقولوا: إن قيام الدلالة الشرعية يدلنا على أن مصلحته هي العمل بما تضمنه الخبر، جاز لنا أن نقول إن قياسنا الشرعيات على العقليات يدلنا على أن مصلحتنا هي العمل بما تضمنه الخبر.
دليل آخر: قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ فالله تعالى تعبدنا بقبول خبر طائفة خرجت للتفقه في الدين ثم أنذروا قومهم، وهذا صورة خبر الواحد. بيانه- أن الله تعالى تعبد كل طائفة من كل فرقة بالخروج إلى التفقه، والثلاث فرقة والطائفة من الثلاث واحد أو اثنان. فإذا رجعت إليهم وأخبرتهم بوجوب العبادات وحذرتهم على تركها، فقد أنذرتهم، فصاروا متعبدين بالرجوع إلى قولهم. وإذا صاروا متعبدين بالرجوع إلى قولهم. وإذا صاروا متعبدين بالرجوع إلى قولهم إذا خرجت للتفقه، صاروا متعبدين به إذا خرجت لغرض آخر، لأن أحدا من الأمة لم يفصل بينهما، وإنما قلنا إنهم صاروا متعبدين بالرجوع إلى قولهم، لأن الله تعالى لما تعبد كل طائفة بإنذار قومها لكي يحذروا، لزمهم الحذر بإنذارها، وذلك بالرجوع إلى قولها.
стр. 406
فإن قيل: الاعتراض على الاستدلال من وجوه:
أحدها- أن المراد من الحذر هو الحذر بالفحص عن أحوال الخبر، بالخروج عن الأوطان، ليعرفوا الخبر الصحيح من الفاسد.
وثانيها- أنه ليس المراد منه خبر الواحد، لأن الله تعالى تعبد مجموع الطوائف بالإنذار، وليس بممتنع أن يخبر مجموع الطوائف، فيتواتر الخبر بنقلهم.
وثالثها- أن المراد بالإنذار هو الإنذار بالفتوى، لأنه علق الإنذار بالتفقه، والإنذار الذي يتعلق بالتفقه هو الإنذار بالفتوى.
ورابعها- يحتمل أن المراد بالتفقه في الدين التفقه في الأصول، فلا يصح الاحتجاج به.
وخامسها- لا يمتنع أن يجب على الطائفة إنذار قومهم ثم لا يجب على القوم الرجوع إلى قولهم، كما في قول الشاهد الواحد، فإنه يجب على الشاهد الواحد أداء الشهادة ولا يجب على الحاكم قبولها والحكم بها. وكذلك كل واحد من المتواترين يجب عليه أن يخبر، ولا يجب على من سمع أن يقول على خبرة [وحده] فيما طريقه العلم. وكذلك من خوف بالقتل لدفع المال، يجب عليه المبادرة إلى الدفع، وحرام على المخوف أخذه. وكذلك الذي يجب عليه دعوة الخلق إلى الإقرار بنبوته، ولا يجب عليهم، بل لا يجوز الإقرار به قبل إقامة المعجزة- كذا هذا.
وسادسها- لا يمتنع أن يجب على الطائفة الإنذار، ولا يجب عليهم أن يحذروا ما لم ينضم إلى المنذر غيره، فيتواتر الخبر، فيجب عليهم قبوله.
стр. 407
قلنا:
أما الأول- فهو باطل، لأن أحدا من الأمة في عصر النبي ﵇ ولا من بعده لم يوجب على أهل القرى ولا على أكثرها، الخروج من الأوطان، لاشتباه الخبر في الآفاق، ولأن هذا يؤدي إلى أنهم لا يستقرون في أوطانهم قبل استقرار السنن وانتشارها، فكلما سمعوا حديثا خرجوا عن أوطانهم في الآفاق لفحصها، وفيه من الفساد ما لا يخفى.
وأما الثاني- قلنا: لا يجوز أن يكون المراد منه أن ينذر مجموع الطوائف كل فرقه، لأن مجموع الطوائف، لا يكون عند كل فرقة، لتكون راجعة إليها.
وكان مقتضى الآية أن كل طائفة تنذر قومها، وهذا إنما يتم في كل طائفة مع فرقتها.
وأما الثالث- قلنا: ليس من منع قبول خبر الواحد، منع العامي الأخذ بالفتوى. فهذه الشبهة غير لازمة والآية حجة. ثم نقول: التفقه قد يكون بسماع الأخبار وتدبرها. وهكذا التفقه في الزمن الأول، والله تعالى لم يفصل بين الإنذارين، فيحمل عليهما. كقول القائل: "فلنضربهم": هذا شائع في الضرب بكل خشبة على أي صفة كانت من اللين والشدة، لأن الله تعالى لم يفصل بين ما إذا كان في القوم مجتهد وبين ما إذا لم يكن، فالإنذار بالفتوى
стр. 408
إنما يلزم قبوله غير المجتهد، فيجب أن يصرف إلى إنذار يشترك فيه المجتهد وغير المجتهد، وليس ذلك إلى الإنذار بالخبر.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ يدل على أنه ليس في القوم مجتهد، إذا لو كان فيهم مجتهد، لم يجب على بعضهم أن ينفر للتفقه- قلنا: حصول المجتهد في القوم لا يغنى من أن ينفر طائفة للتفقه وسماع الأحاديث التي لم تبلغهم، خصوصاً في عصر النبي ﵇، والأعصار المتقاربة منه قبل استقرار السنن، فإن الأخبار تحدث في زمان النبي ﵇ حالا فحالا ومنها الناسخ والمنسوخ.
وأما الرابع- قلنا: التفقه إذا أطلق يفهم منه التفقه في الفروع، فيحمل كلام الله تعالى عليه، إذ هو المتفاهم.
وأما الخامس- قلنا: في الآية بيان أن الإنذار لأجل القبول والعمل به، فإنه قال: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أي لكي يحذروا، والأمر بالإنذار للقبول، إيجاب القبول. على أنا لا نستدل بوجوب الإنذار على وجوب الحذر وإنما نستدل بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ فإن هذا يجري مجرى الأمر بالحذر بالإنذار.
стр. 409
وأما الإقرار عند دعوة النبي ﵇، قلنا: النبي لا تلزمه الدعوة، إلا إذا كانت له معجزة بها يلزم الخلق الإقرار به، وعند ذلك يجب الإقرار به.
وأما السادس- قلنا: الله تعالى علق الحذر بالإنذار وحده، فظاهره يقتضى وقوع الحذر بالانذار وحده، كقول القائل: "جالس فلانا لعلك تصلح": ظاهره يقتضى أن المجالسة سبب للصلاح، ويقع الصلاح بها وحده، وفيما ذكرتم تعليق الحذر بالإنذار، وبتواتر الخبر، فكان مخالفا للنص- والله أعلم.
دليل آخر- إجماع الصحابة ﵃. فإن الصحابة بأجمعهم علموا بأخبار الآحاد، وإجماع الصحابة حجة قاطعة- بيانه:
أنه لما اشتبه عليهم حكم الغسل في التقاء الختانين، رجعوا إلى أزواج النبي ﵇ وعملوا بما سمعوا منهن.
وعن أبي بكر ﵁ أنه قبل خبر المغيرة بن شعبة في توريث
стр. 410
الجد [ة] بعد ما طلب الحكم فيه:
وعند رضى الله عنه أنه حكم في حادثة، فروى له بلال عن النبي ﷺ خلافه، فنقض حكمه ورجع إلى قوله.
وعن عمر ﵁ أنه قال: لا أدري ما أقول في أمر المجوس، وكثر مسألته، فروي له عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﵇ في مجوس هجر:
"سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم" فرجع إلى قوله.
وعنه ﵁ أنه كان يرى في الجنين "أن لا شيء إذا خرج ميتا وفيه الدية إذا خرج حيا"، حتى روى له حمل بن مالك حديث الغرة إلى آخرة.
وعنه ﵁ أنه كان يرى في الأصابع نصف الدية ويفصل بينها
стр. 411
فيجعل للإبهام خمسة عشر من الإبل وللخنصر ستة وللبنصر تسعة وللباقيتين عشرا عشرا، فلما روى له الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم وجعل في الأصابع نصف الدية، في كل إصبع عشرا عشرا رجع عن ذلك.
وعنه ﵁ أنه كان لا يرى توريث المرأة من دية زوجها، فروى ضحاك بن [سفيان] له خبرا بخلافة، فرجع.
وعن علي ﵁ أنه قال: إذا سمعت حديثا من النبي ﵇ نفعني الله به ما شاء الله أن ينفعني، وإذا حدثني به غيره استحلفه، فإذا حلف لي صدقته. وحدثني أبو بكر فصدق.
وعنه ﵁ أنه أمر مقداد بن الأسود ليسأل النبي ﵇ عن الذي فسأله وأخبر بجوابه فعمل به.
ولأن الصحابة ﵃ بأجمعهم قبلوا حديث أبي سعيد الخدري
стр. 412
رضي الله عنه [في ربا الفضل].
فكل واحد من هذه الأخبار واحد في نفسه، لكن جملتها متواترة، لأنه مع كثرتها لا يتصور أن تكون كذبا، كالأخبار الواردة في سخاء حاتم:
فإن تفاصيلها آحاد وجملتها متواترة.
والذي يتوجه على هذا الدليل من الاعتراض وجهان:
أحدهما- لم قلتم: إن الصحابة ﵃ عملوا على موجب هذه الأخبار لأجلها، وما أنكرتم أنهم إنما عملوا لأمر آخر من اجتهاد حدث لهم، أو ذكروا شيئا [سمعوه] من النبي ﷺ فعملوا به- ألا ترى أنهم ردوا الأخبار الواردة بطريق الآحاد في الحوادث الشرعية، فإن أبا بكر ﵁ لم يقبل حديث مغيرة بل طلب منه شاهدا آخر. وعن عمر ﵁ أنه رد حديث فاطمة بنت قيس وقال: "لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بحديث امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت". وعن علي ﵁ أنه رد حديث
стр. 413
معقل بن يسار وقال: "ما نصنع بحديث أعرابي بوال على عقيبه". ولستم بأن تقولوا: إنهم إنما ردوا لأمر آخر لا لأنه خبر واحد، بأولى من أن نقول: إنهم إنما قبلوا ما قبلوا لأمر آخر لا لأنه خبر واحد.
والوجه الثاني: لم قلتم إن الصحابي ﵃ بأجمعهم عملوا على موجب خبر الواحد، فما لم تبينوا ذلك لا تتم حجتكم لأن الحجة هو الإجماع.
والجواب:
الدليل على أنهم عملوا على موجب هذه الأخبار، لأجلها، أنهم لو عملوا لأمر آخر، لكان يجب من جهة العادة والدين أن ينقلوا ذلك الأمر:
- أما العادة: فلأن الجماعة العظيمة إذا اشتد اهتمامهم بأمر قد التبس عليهم فزال الالتباس بأمر، ذكروا [هـ] عن النبي ﵇، أو برأي حدث لهم، فلابد من إظهارهم الاستبشار بما ظفروا به. والتعجب من ذهاب ذلك عليهم. وإن كان يجوز تركه من واحد منهم ولكن لا يجوز من كل واحد من آحاد الجماعة.
- وأما الدين: فلأنهم لما سكتوا وحملوا على موجب هذه الأخبار، يوهم الناس أنهم علموا لأجل هذه الأخبار، وهذا الإيهام باطل قبيح، كما قال لهم قائل:
стр. 414
"احكموا لشهوتي" فحكموا بأمر ذكروه عن النبي ﷺ ، فلا يحسن من جهة الدين أن لا يثبتوا ذلك الأمر الذي سمعوا من النبي ﷺ وحكموا لأجله.
وحيث لم ينقل، عرفنا أنهم إنما عملوا على موجب هذه الأخبار لأجلها، ولأنه يبعد من الجماعات العظيمة أن يتفق لهم ذكر شيء من النبي ﷺ أو حدوث اجتهاد في حالة السماع، وإن جاز ذلك في الواحد. والدليل عليه أن أبا بكر ﵁ لما طلب من المغيرة شاهداً آخر ما كان يعلم أنه سيحدث لهم رأي، أو يذكر شيئاً من النبي ﵇ بخبر شاهد آخر، إلا أنه طلب ذلك للتأكيد وزيادة الظن بثبوت الحديث. وأما رد عمر ﵁ حديث فاطمة بنت قيس إنما كان لأنه ورد معارضاً لكتاب الله تعالى إما بالنسخ أو بالتخصيص، وكثير من قال: خبر الواحد لا نقبله في تخصيص الكتاب.
ولأن قوله: "لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا" يدل على ترك الكتاب أصلاً وذلك النسخ، ولأن قوله: "ما ندري أصدقت أم كذبت" يدل على أنه اعتقد فيما أنها غير ضابطة. وأما علي ﵁ إنما رد الخبر لأمر يختص بالراوي، وهو كونه جاهلاً.
فإن قيل: أليس أنهم قبلوا خبر الواحد لنسخ حكم معلوم، فإن أهل قباء قبلوا خبر الواحد لنسخ توجه القبلة إلى بيت المقدس، ولا يجوز أن يستدل به لإثبات النسخ- كذا هذا- قلنا: عنه جوابان:
стр. 415
أحدهما- أن نسخ الكتاب بخبر الواحد جائز عقلا، وقد كان يجوز ذلك في الصدر الأول، [و] لولا منع الصحابة من ذلك، لكنا نجوزه.
والثاني- يحتمل أن النبي ﵇ أخبرهم بأنه سينسخ التوجه إلى بيت المقدس وأنه يبعث إليهم فلانا ويعلمهم بصدقه، فكانوا قاطعين على صدقه.
وكان نسخا لحكم معلوم بدليل معلوم.
وأما الجواب عن الوجه الثاني- قلنا: الصحابة ﵃ كانوا بين عامل بأخبار الآحاد وبين ساكت عن التنكير على عامليها، فدل سكوتهم على كذبهم، [على كونهم] راضين بالعمل بها.
فإن قيل: لعل الساكت ناظر ومتوقف، فلا يثبت الرضا بذلك- قلنا: لو لم يكن ثمة دليل على كون الخبر الواحد حجة لكان العمل به منكرا، ومن لا يترك قيام الدلالة عليه، فالعمل به منكر عنده، وترك النكير عليه حرام، فلا يجوز أن يتفق الصحابة بأجمعهم على ذلك. وحيث اتفقوا على ترك النكير، دل أن العمل بخبر الواحد غير منكر.
دليل آخر- ما تواتر به النقل من إنفاذ النبي ﵇ سعاته ونوابه إلى المدن والقبائل لتعليم الشرائع وأخذ الزكوات، كإنفاذه معاذا إلى اليمن ليبين لهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم وأخذ زكواتهم وأوجب عليهم الرجوع إلى روايته. وإنقاذه عليا ﵁ إلى البحرين. وإنفاذه عتاب بن أسيد إلى مكة.
стр. 416
وكان يرى الحجة قائمة بقولهم، كقيامها المشافهة. وقد يرد اثنان [و] واحد إلى النبي ﷺ ويخبرانه عن إسلامهما وإسلام قومهما ويسألانه ﵇ أن ينفذ إليهم من يعلمهم الشرائع. ورسول الله ﵇ كان ينفذ الرجل الواحد، كإنفاذه [أبا] عبيدة بن الجراح. وهذا ظاهر لمن قرأ الأخبار والسنن [و] لا يمكن رده، والنبي ﵇ ما كان ينفذ الجماعات، إذ لو فعل كذلك لم يكن أهل المدينة ليفوا لذلك، وما كان يوجب عليهم الرجوع إلى نفسه، ليعرفوا شرعه، بل أوجب عليهم الرجوع إلى ما يرويه رسله عنه.
стр. 417
فإن قيل: أليس أن العمل بخبر الواحد لا يجوز إلا عند قيام الدلالة عليه، ولم تقم الدلالة عندهم، فكيف عملوا به؟ فإن قلتم: بأنه تواتر عندهم العمل بأخبار الآحاد فما يؤمنكم أن بتواتر شرعه فلم يكونوا عملوا على موجب الآحاد؟ - قلنا: لو كان العمل بخبر الواحد معلوما بالعقل، كانت الحجة معهم. وإن لم يكن معلوما بالعقل، فقد تواتر عندهم إنفاذ النبي ﷺ آحاد الناس إلى القبائل، لأنه تواتر ذلك عندنا، فتواتره عندهم أولى، ولا كذلك الشرع، لأنه [لو] تواتر شرعه لما احتاجوا إلى إنفاذ آحاد الناس.
فإن قيل: في أول ما أنفذ النبي ﵇، من أين عملوا أن النبي ﵇ أوجب عليهم الرجوع إلى قول الرسول.- قلنا: بخبر قومهم الذين وفدوا على رسول الله ﷺ ، لأنه لا يمتنع أن يكونوا عددا يحصل لهم العلم بخبرهم: أن النبي ﵇ تعبدهم بقبول قول رسوله.
هذا من تقرير هذا الوجه.
إلا أن لقائل أن يقول: نحن إنما نمنع المجتهد من الرجوع عن حكم العقل إلى خبر الواحد، أما لا نمنع العامي من الرجوع إلى قول العالم المفتي والأخذ بقوله، وهل تواتر عندكم أن الذين بعث إليهم الرسل كانوا من أهل الاجتهاد وأن الرسل كانوا يخبرونهم أو يكلون إليهم الاجتهاد فيما أخبروا، وليس معكم على ذلك دليل، بل الظاهر أن من تجدد إسلامه لم يكن من أهل الاجتهاد، فإن الرسل كانوا يعلمونهم الشرائع كما يعلم العالم العامي، والوالد الولد لصلاة وغيرها.
стр. 418
فإن قال: بم عرفتم لزوم العامي الأخذ بفتوى العالم. قلنا: بتواتر إنفاذ النبي ﵇ آحاد الناس إلى القبائل، كما قلتم أنتم في الخبر: إذا قيل لكم بم عرفتم وجوب قبول خبر الواحد؟ قلتم: بتواتر إنفاذ النبي ﷺ آحاد الناس إلى القبائل والمدن.
فإن قيل: متى لزم العامي، لزم المجتهد قبول خبر الواحد؟ قلنا: هذا رجوع إلى المقايسة، وانتقال عما ذكرتم من الاستدلال بإنفاذ النبي ﵇ آحاد الناس. ثم لابد من علة جامعة بينهما.
١٠٣ - باب في: ما يرد له الخبر وما لا يرد:
خبر الواحد إنما يقبل إذا استجمع شرائط القبول. ويرد لفقدها. وقد يحصل الاشتباه فيه.
وجملة ذلك ترجع إلى:
١ - نفس الخبر.
٢ - أو إلى ما له تعلق بالخبر من الرواي.
٣ - وكيفية النقل.
٤ - والمخبر عنه.
стр. 419
١ - أما ما يرجع إلى نفس الخبر
١٠٣ - مكررا-[فـ] بأن يرد الخبر بزيادة لم تذكر في رواية أخرى:
اعلم أن الخبر إذا ورد بزيادة لم يتضمنه [ب] غيره:
[ف] لا يخلو: إما إن لم يرو الزيادة غيره. أو هو لم يروها مرة أخرى.
[أولا] فإن كان الذي لم يرو الزيادة غيره.
[ف] لا يخلو: إما إن أسنداه إلى مجلس، أو أسنداه إلى مجلسين، أو لا يعلم ذلك:
(أ) - فإن أسنداه إلى مجلسين:
تقبل الزيادة، لأنه لا يمتنع أن النبي ﷺ قيد كلامه بزيادة في مجلس، ولم يقيده في مجلس آخر، والراوي ممن يقبل روايته، فوجب قبولها.
(ب) - وإن أسنداه إلى مجلس واحد:
[ف] لا يخلو:
- أما إن كان الراوي الذي لم يرو الزيادة [عددا لا يجوز أن يغفلوا عن تلك الزيادة التي رواها الواحد.
- وإما أن يكون الراوي لها] عددا كثيرا لا يجوز عليهم توهم رواية ما لم يكن.
- وإما أن يجوز على كلا الفريقين ذلك. [ويجوز] خلافه.
стр. 420
ففي الوجه الأول- لا تقبل الزيادة، ويحمل على أن الراوي الزيادة سمع من غير النبي ﵇، فظن أنه سمع من النبي ﵇.
وفي الوجه الثاني- تقبل الزيادة. ويحمل على أن من لم يرو الزيادة اعترته غفلة، فلم يسمع الزيادة أو نسيها.
وفي الوجه الثالث- الأمر لا يخلو: إما إن كانت الزيادة مغيرة لبناء الكلام وإعرابه، أو لم تكن مغيرة:
ففي الوجه الأول: وهو نحو قوله ﵇: "نصف صاع من بر" مع قوله: "أو صاعا من بر" وكل واحد من الراويين بروى ما ينفي رواية الآخر، لأن أحدهما رواه منصوبا والآخر رواه مجرورا، وهما إعرابان، فيتنافيان: [ف] الحكم فيه أنه: إن علم تفاضلهما في الضبط، يحمل على رواية الأضبط منهما، لأنه مما يوجب الترجيح. وإن علم تساويهما في الضبط أو لم يعلم ذلك. يصار إلى الترجيح من وجه آخر.
وفي الوجه الثاني- وهو قوله ﵇: "صاعا من بر" مع قوله: " [أو صاعا] من بر بين اثنين"- الحكم فيه: أنه مقبول عندنا، وعند أصحاب الحديث غير مقبول.
دليليا في ذلك- أن راوي الزيادة ممن تقبل روايته، ولا معارض لروايته- فتقبل، كما لو تفرد بالحديث. وإنما قلنا إنه "ممن تقبل روايته"، لأنه اختص بالعدالة والضبط وجميع الصفات المطلوبة في باب الرواية. وإنما قلنا إنه "لا معارض لروايته" لأن رواي الزيادة قد رواها، والذي لم يروها لم ينفها
стр. 421
لا لفظا ولا معنى: أما لفظا فظاهر. وكذا معنى، لأن الذي لم يرو إنما [لم] يرو لغفلة اعترته حين تكلم النبي ﵇، أو لشغل قلبه أو تشاغله عن سماعها بإصغاء [إلى] كلام الناس أو بالعطاس أو غير ذلك.
فإن قيل: لم حمل ترك الزيادة على هذه المعاني، أولى من حمل رواية الزيادة على تصور أنه سمع من غيره لا من الرسول- قلنا: لأن تشاغل الإنسان عن سماع ما جرى بمشهد منه أكثر من توهم الإنسان سماع ما لم يسمع، لأنه لا سبب لذلك، إلا أنه سمع من غيره، فظن أنه سمع معه شيئا له علقة وشبه به. وإما لترك ما جرى بمشهد منه [ل] أسباب كثيرة قد ذكرناها، فكان ترك رواية ما جرى بمشهد منه أكثر من توهم سماع ما لم يجر.
فإن قيل: على قضية ما ذكرتم يجب أن يكون قوله ﵇ "نصف صاع من بر" أولى بالقبول من قوله "صاعا من بر" لأنه تضمن زيادة وهو النصف- قلنا: لو لم يكن في الحديث إلا هذه الزيادة كان أولى بالقبول، إلا أن في الخبرين ما يتعارضان، من إعرابين متنافيين، فلم يكن أحدهما بالقبول أولى من الآخر. فلذلك صرنا إلى الترجيح، وهذا لأنه لا يمكن أن يقال: لهل الذي لم يرو الزيادة إنما لم يروها لأنه سمع قوله "صاعا" ولم يسمع "النصف"، لأنه لو كان كذلك لرواه مجرورا وسمعها مجرورا، وحيث رواه منصوبا علم أنه لم يرو الزيادة لأنها ما كانت ثابتة.
стр. 422
والمخالف احتج بأشياء:
١ - منها- أن ضبط الإنسان إنما يعرف لموافقة المعروفين بالضبط له، فإذا لم يوافقوه في الزيادة، لا يعرف ضبطه، فلا يقبل.
٢ - ومنها- أنه [لو] وافقه ضابط آخر قويت روايته. فإذا خالفه، ضعفت روايته، فلا تقبل.
٣ - ومنها- أن القصر حكم، والزيادة حكم يخالفه، فجرى مجرى خيرين متعارضين، فلا تثبت الزيادة.
والجواب:
أما الأول- قلنا: لو لم يعرف ضبط الإنسان إلا بموافقة ضابط آخر له، يؤدي إلى ما لا نهاية له. ولم يعرف ضبط أحد. وإنما يعرف ذلك لمعنى يوجد فيه، ولأن اختلاف ضبط الإنسان إنما يعرف إذا خالفه [من يضبط] مراراً، فأما في المرة الواحدة والمرتين [ف] لا يمتنع أن يضبط فيهما ويسهو من هو أضبط منه.
стр. 423
وأما الثاني- قلنا: بأنه بإمساكه [عن الزيادة] لا يخالفه، كما لو أمسك عن حديث آخر.
ثم نقول: إذا وجب قوة روايته إذا وافقه ضابط آخر، فإذا لم يوافقه لم تحصل تلك القوة- أما لا تبلغ في الضعف مبلغا لا تقبل أصلا- ألا ترى أن راوي الحديث إذا شارك [هـ] جماعة في الروايات، قويت روايته، وإذا لم يشاركه، لا تبلغ في الضعف حدا لا تقبل أصلا- كذلك هذا.
وأما الثالث- قلنا: لا تعارض بل يجريان مجرى خبرين، تنفرد إحدى الروايتين بنقل أحدهما، ويرويهما الآخر. فلا تعارض من قبل أن راوي الأصل لم يذكر الزيادة. بل أمسك عنها، والآخر روى الأصل والزيادة- فجرى مجرى الخبرين على ما مر.
(ج) - فأما إذا لم يعلم أنهما أسنداهما إلى مجلس واحد أو مجلسين:
فالصحيح أن يحمل على أنهما جريا في مجلسين. إذ لو جريا في مجلس واحد لجريا على لفظ واحد وسمعاهما على لفظ واحد. فالظاهر من ضبطهما وعدالتهما أنهما لا يختلفان.
стр. 424
[ثانيهما] وأما إذا كان الذي [روى]، لم يرو هو مرة أخرى:
- فإن رواه بدون الزيادة مراراً، ورواه مع الزيادة مرة واحدة- لا تقبل هذه الزيادة، ويحمل على أنها سها في إثبات الزيادة في تلك المرة، لأن سهو الإنسان مرة واحدة أكثر من سهوه مراراً.
- فأما إذا رواها مرة وأخل بها مرة:
-[ف] إن كانت مغيرة لبناء الكلام وإعرابه، فلا شبهة في وقوع التعارض.
- وإذا لم تكن كذلك، جاز أن يقال بالتعارض. لأنه يحتمل أنه سمع من النبي ﵇ ونسبها حين لم يروها. وذكرها حين رواها. ويحتمل أنه وهم أنه سمع منه ﵇ ولم يسمع منه، وليس قول الإنسان بأن ضبط الإنسان يمنع من سماع ما لا أصل له بأولى من قول القائل بأن ضبطه يمنع من وهم سماع ما لم يسمع. والصحيح أنه يحمل على النسيان، لأن نسيان ما سمع عند تطاول الزمان أكثر من وهم سماع ما لم يسمع.
- فإذا روى الزيادة مرة ولم يروها مرة أخرى، استهانة [ب] الخبر وقلة التحفظ، سقطت عدالته، فلا تقبل روايته.
والله أعلم.
стр. 425
[٢ - ما له تعلق بالخبر من الرواي]
١٠٤ - باب في: ذكر فصول الرواي:
اعلم أن عدالة الرواي شرط قبوله الرواية.
والمعنى بالعدالة هنا كونه مجتنبا الكبائر والكذب والمستخفات من المعاصي والمباحات.
ولا اختلاف في اعتبار هذه الأمور فيمن يروى عن النبي ﵇، لأن الله تعالى منع من قبول خبر الفاسق، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ - أمر بالتوقف، وإه ينفي القبول. ولأن خلاف ذلك يقدح في الثقة بقوله، لأنه متى أقدم على الكذب، مع علمه بأنه كذب، لا نأمن أن يكذب في جميع ما يرويه عن النبي ﵇.
وكذلك إذا أقدم على كبيرة مع العلم بأنها كبيرة، لا نأمن أن يقدم على الكذب فيما يرويه عن النبي ﵇.
وكذلك إذا أقدم على المستخفات من المعاصي، كالتطفيف. والمباحات كالأكل على الطريق والبول على الطريق، وصحبة الأرذال- فإن من أقدم
следующие страницы →