Полный текст (696 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
لا لفظا ولا معنى: أما لفظا فظاهر. وكذا معنى، لأن الذي لم يرو إنما [لم] يرو لغفلة اعترته حين تكلم النبي ﵇، أو لشغل قلبه أو تشاغله عن سماعها بإصغاء [إلى] كلام الناس أو بالعطاس أو غير ذلك.
فإن قيل: لم حمل ترك الزيادة على هذه المعاني، أولى من حمل رواية الزيادة على تصور أنه سمع من غيره لا من الرسول- قلنا: لأن تشاغل الإنسان عن سماع ما جرى بمشهد منه أكثر من توهم الإنسان سماع ما لم يسمع، لأنه لا سبب لذلك، إلا أنه سمع من غيره، فظن أنه سمع معه شيئا له علقة وشبه به. وإما لترك ما جرى بمشهد منه [ل] أسباب كثيرة قد ذكرناها، فكان ترك رواية ما جرى بمشهد منه أكثر من توهم سماع ما لم يجر.
فإن قيل: على قضية ما ذكرتم يجب أن يكون قوله ﵇ "نصف صاع من بر" أولى بالقبول من قوله "صاعا من بر" لأنه تضمن زيادة وهو النصف- قلنا: لو لم يكن في الحديث إلا هذه الزيادة كان أولى بالقبول، إلا أن في الخبرين ما يتعارضان، من إعرابين متنافيين، فلم يكن أحدهما بالقبول أولى من الآخر. فلذلك صرنا إلى الترجيح، وهذا لأنه لا يمكن أن يقال: لهل الذي لم يرو الزيادة إنما لم يروها لأنه سمع قوله "صاعا" ولم يسمع "النصف"، لأنه لو كان كذلك لرواه مجرورا وسمعها مجرورا، وحيث رواه منصوبا علم أنه لم يرو الزيادة لأنها ما كانت ثابتة.
стр. 422
والمخالف احتج بأشياء:
١ - منها- أن ضبط الإنسان إنما يعرف لموافقة المعروفين بالضبط له، فإذا لم يوافقوه في الزيادة، لا يعرف ضبطه، فلا يقبل.
٢ - ومنها- أنه [لو] وافقه ضابط آخر قويت روايته. فإذا خالفه، ضعفت روايته، فلا تقبل.
٣ - ومنها- أن القصر حكم، والزيادة حكم يخالفه، فجرى مجرى خيرين متعارضين، فلا تثبت الزيادة.
والجواب:
أما الأول- قلنا: لو لم يعرف ضبط الإنسان إلا بموافقة ضابط آخر له، يؤدي إلى ما لا نهاية له. ولم يعرف ضبط أحد. وإنما يعرف ذلك لمعنى يوجد فيه، ولأن اختلاف ضبط الإنسان إنما يعرف إذا خالفه [من يضبط] مراراً، فأما في المرة الواحدة والمرتين [ف] لا يمتنع أن يضبط فيهما ويسهو من هو أضبط منه.
стр. 423
وأما الثاني- قلنا: بأنه بإمساكه [عن الزيادة] لا يخالفه، كما لو أمسك عن حديث آخر.
ثم نقول: إذا وجب قوة روايته إذا وافقه ضابط آخر، فإذا لم يوافقه لم تحصل تلك القوة- أما لا تبلغ في الضعف مبلغا لا تقبل أصلا- ألا ترى أن راوي الحديث إذا شارك [هـ] جماعة في الروايات، قويت روايته، وإذا لم يشاركه، لا تبلغ في الضعف حدا لا تقبل أصلا- كذلك هذا.
وأما الثالث- قلنا: لا تعارض بل يجريان مجرى خبرين، تنفرد إحدى الروايتين بنقل أحدهما، ويرويهما الآخر. فلا تعارض من قبل أن راوي الأصل لم يذكر الزيادة. بل أمسك عنها، والآخر روى الأصل والزيادة- فجرى مجرى الخبرين على ما مر.
(ج) - فأما إذا لم يعلم أنهما أسنداهما إلى مجلس واحد أو مجلسين:
فالصحيح أن يحمل على أنهما جريا في مجلسين. إذ لو جريا في مجلس واحد لجريا على لفظ واحد وسمعاهما على لفظ واحد. فالظاهر من ضبطهما وعدالتهما أنهما لا يختلفان.
стр. 424
[ثانيهما] وأما إذا كان الذي [روى]، لم يرو هو مرة أخرى:
- فإن رواه بدون الزيادة مراراً، ورواه مع الزيادة مرة واحدة- لا تقبل هذه الزيادة، ويحمل على أنها سها في إثبات الزيادة في تلك المرة، لأن سهو الإنسان مرة واحدة أكثر من سهوه مراراً.
- فأما إذا رواها مرة وأخل بها مرة:
-[ف] إن كانت مغيرة لبناء الكلام وإعرابه، فلا شبهة في وقوع التعارض.
- وإذا لم تكن كذلك، جاز أن يقال بالتعارض. لأنه يحتمل أنه سمع من النبي ﵇ ونسبها حين لم يروها. وذكرها حين رواها. ويحتمل أنه وهم أنه سمع منه ﵇ ولم يسمع منه، وليس قول الإنسان بأن ضبط الإنسان يمنع من سماع ما لا أصل له بأولى من قول القائل بأن ضبطه يمنع من وهم سماع ما لم يسمع. والصحيح أنه يحمل على النسيان، لأن نسيان ما سمع عند تطاول الزمان أكثر من وهم سماع ما لم يسمع.
- فإذا روى الزيادة مرة ولم يروها مرة أخرى، استهانة [ب] الخبر وقلة التحفظ، سقطت عدالته، فلا تقبل روايته.
والله أعلم.
стр. 425
[٢ - ما له تعلق بالخبر من الرواي]
١٠٤ - باب في: ذكر فصول الرواي:
اعلم أن عدالة الرواي شرط قبوله الرواية.
والمعنى بالعدالة هنا كونه مجتنبا الكبائر والكذب والمستخفات من المعاصي والمباحات.
ولا اختلاف في اعتبار هذه الأمور فيمن يروى عن النبي ﵇، لأن الله تعالى منع من قبول خبر الفاسق، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ - أمر بالتوقف، وإه ينفي القبول. ولأن خلاف ذلك يقدح في الثقة بقوله، لأنه متى أقدم على الكذب، مع علمه بأنه كذب، لا نأمن أن يكذب في جميع ما يرويه عن النبي ﵇.
وكذلك إذا أقدم على كبيرة مع العلم بأنها كبيرة، لا نأمن أن يقدم على الكذب فيما يرويه عن النبي ﵇.
وكذلك إذا أقدم على المستخفات من المعاصي، كالتطفيف. والمباحات كالأكل على الطريق والبول على الطريق، وصحبة الأرذال- فإن من أقدم
стр. 426
على هذه الأفعال، مع أنه يثمر النقص، فلا نأمن من أن يقدم على الكذب، مع أنه أثمر النقص عنده.
وكذلك مشارطة الأجرة على رواية الحديث، بل هو أبلغ في الدناءة من الأكل على الطريق، فجرى ذلك مجرى أخذ الأجرة على صلاة النافلة.
وأما الفسق بتأويل، فهو الفسق في الاعتقادات، إذا كان فاعله متحرجا في أفعاله:
[ف] بعضهم يمنع قبول الرواية.
وعند عامة الفقهاء لا يمنع.
والدلالة على ذلك: أن السلف ﵃: بعضهم قبلوا رواية البعض بعد الفرقة. وكذلك التابعون: قبلوا رواية كلا الفريقين. ولأن من هذا حاله يقوى الظن بصدق روايته، فتقبل روايته.
والمخالف احتج، فقال: بأن الفسق في أفعال الجوارح إنما يمنع قبول الرواية، لا لأنه من أفعال الجوارح- ألا ترى أن المباحات من أفعال الجوارح ولم يمنع قبولها، وإنما منع لأنه فسق. وهذه العلة موجودة في الاعتقادات إذا كان فسقا. ولأنه إذا فسق وهو يعلم أنه فسق: يمنع قبول الحديث، فإذا فسق وهو لا يعلم أنه فسق: فقد ضم إلى هذه الخطيئة، خطيئة أخرى، فأولى أن يمنع.
стр. 427
الجواب:
أما الأول- قلنا الفسق في أحوال الجوارح إنما يمنع قبول الحديث، لأن فاعله علم أنه فسق، وذل يمنع قوة الظن بصدق روايته. فأما الفسق في الاعتقاد، إذا لم يعلمه فسقا، وهو متحرج في أفعاله، [فإنه] لا يمنع قوة الظن بصدق روايته، فتقبل روايته.
وأما الثاني- قلنا: إذا لم يعتقد أنه فسق، لم يقدح ذلك في تحرجه وتنزهه عن الكذب، فيقوى الظن بصدق روايته، فتقبل. ولا كذلك إذا علم، لما مر.
وأما الكفر الذي يخرج عن جملة المسلمين، كاليهودية والنصرانية-[فإنه] يمنع من قبول الرواية بالإجماع، لأن الخارج عن دين الإسلام يدعوه اعتقاده إلى تحريف ما يرويه، فلا يقوى الظن بصدقه.
وأما الكفر بتأويل- إذا كان فاعله متحرجا في أفعاله:
قال بعضهم: إنه يمنع قبول الرواية بالإجماع، [لاتفاق] الأمة على أن رواية الكافر لا تقبل.
والفقهاء إنما قبلوا لاعتقادهم بأنه ليس بكفر.
стр. 428
والأولى أن فاعله إذا كان متحرجا في أفعاله، لا يمنع قبول روايته إذا لم يخرج عن أهل القبلة، لأن الظن بصدق خبره غير زائل. ودعواهم الإجماع في ذلك عن الإطلاق لا يستقيم، لأن كثيرا من أهل الحديث قبلوا رواية من خالفهم في مذاهبهم مع علمهم بمذاهبهم.
وأكثرهم يقول بقبولها إلا إذا تدين بالكذب، ويفتخر لنصرة مذهبه، كالخطابية من الروافض، فحينئذ لا يقبل، لأن الظن لا يقوى لصحة روايته.
وكذا التساهل في الحديث، وترك التحفظ من الزيادة والنقصان فيه، يمنع قبول الرواية، لما مر.
وأما الرواي إذا كان غير ضابط ويعتريه سهو فيما سمعه- فله ثلاثة أحوال:
إما أن يكون الأغلب من حاله السهو واختلال الضبط. أو يتساوى اختلال ضبطه وحاله ضبطه. أو الأغلب من حاله الضبط وجودة الحفظ.
стр. 429
فالأول-[من الأغلب من حاله السهو واختلال الضبط]:
لا تقبل روايته، لأنه لا يقوى الظن بصحتها. فإن قيل: الأصل في العاقل الضبط، فيجب التمسك به إلى أن يعلم خلافه- قلنا: العقلاء متفاوتون في الضبط، فلا يجوز أن يستدل بظاهر العقل على ذلك، كيف وقد ظهر بخلاف هذا الأصل، وهو الغالب من حاله السهو. فإن قيل: الظاهر من حال المعتدل أن لا يروى وهو يعلم أنه غير ضابط أو ساه- قلنا: إن من لا يضبط يظن أنه ضابط، ومن يسهو يظن أنه لا يسهو، فيروى على حسب ظنه.
وفي الوجه الثاني-[من يتساوى اختلال ضبطه وحاله ضبطه]:
قال بعضهم: تقبل روايته، لأن الأصل في الرواية هو الصحة، فيجب التمسك بالأصل، إلى أن يعلم خلافه.
والصحيح: أنه لا يقبل، لأنه لما تساوى ضبطه واختلال ضبطه، لا يقوى الظن بصدقه، لتعاون الأمارتين.
فإن قيل: الصحابة ﵃ أنكروا على أبي هريرة ﵁ كثرة الرواية، لاختلال ضبطه، ومع هذا قبلت روايته- قلنا: ما أنكروا عليه لقلة ضبطه، بل لكثرة الرواية، لأن كثرة الرواية يعترض فيها السهو والغلط، فاحتاطوا عليه بالإنكار، مع أنه أهل لقبول الرواية.
стр. 430
وفي الوجه الثالث-[من الأغلب من حاله الضبط وجودة الحفظ]:
لا خلاف في قبول روايته إلا إذا علم أنه ساه، فحينئذ لا تقبل- لما مر.
وإذا ثبت أنه يجب اعتبار العدالة وغيرها من الشروط التي ذكرناها.
فإن كان لها ظاهر، يجب التمسك به. وإلا لزم المصير إلى اختبار حاله وما يدل عليه.
ولا خلاف في الزمان الأول، وهو زمن النبي ﷺ : [فقد] كانت العدالة منوطة بظاهر الإسلام، وكان الظاهر أن نسلم عدالته. ولذلك اقتصر النبي ﵇ في قبول خبر الأعرابي في رؤية الهلال على إسلامه. واقتصرت الصحابة في قبول خبر الأعراب على إسلامهم.
فأما في الزمن الذي كثرت الخيانات ممن يعتقد الإسلام-[ف] لم يكن الظاهر من حال المسلم العدالة، فيجب المصير إلى اختبار حاله والفحص عنه.
стр. 431
وأما جهل الرواي بمعنى ما ينقله، كالعجمي يروى الحديث ولا يعلم معناه، فإن ذلك لا يوجب رد خبرة، لأنه لا يمنع من حفظه- ألا ترى أنه يمكن للعجمي حفظ القرآن، وإن لم يعرف معناه. وكذلك الصحابة قبلوا أخبار الأعراب وإن كانوا لا يعرفون كثيراً من معاني الكلام الذي يحتاج فيه إلى أنواع استدلال، ولأن بدون العلم يحفظه. وإذا ثبت الحفظ وقوى الظن بصدقه، يقبل- لما مر.
وأما رواية الصبي إذا سمعه وهو صبي، ورواه وهو صبي، فإنه يقبل، لأن الصحابة ﵃ قبلوا رواية ابن عباس ﵄ ما سمعه من النبي ﷺ وهو صبي، لما كان وراه وهو بالغ، ولأنه لا خلل في حفظه وتحرجه، فتقبل.
وأما رواية الأعمى والمرأة والعبد- فإنها تقبل، لأن الظن يقوى بصحتها، ولم يرد الشرع بالمنع من قبولها، بل ورد الشرع بقولها. فإن الصحابة ﵃ قبلوا رواية ابن عباس ﵁ وكان ضريراً، وقبلوا رواية أزواج النبي ﷺ ، ورواية العبيد من الصحابة.
وأما رواية من لم يكاثر أهل العلم، ولا أطال مجالسة أهل النقل، فهي مقبولة، لأن كل خصلة لم تقدح في ظننا صدق الرواية، لا تمنع من قبولها: وكونه غير مجالس لأهل العلم لا يقدح في ذلك.
стр. 432
ولا يلزم على هذا: الاستفتاء، لأن جواز الاستفتاء موقوف على كون المفتى من أهل الاجتهاد، ولن يصير الإنسان من أهل الاجتهاد إلا بالتعلم ومجالسة أهله.
غير أن الخبرين إذا وردا، وأحدهما برواية من جالس أهل العلم، والآخر برواية من لم يجالس أهل العلم، كانت رواية من جالسهم أولى، لأن المكثر من مجالسة أهل الصنعة أعرف بها وأعلم بتفاصيلها، فكان أولى بقبول روايته.
وأما من اختلف في اسمه: [ف] تقبل روايته، بعد أن عرفت عدالته لما مر.
وأما إذا روى زيد عن عمرو خبرا، وقال عمرو: "إني لا أذكر أني رويت لك"- فهذا على وجوه:
١ - إما أن يقول: إني لا أذكر أني رويت لك.
٢ - أو يقول: ما رويت لك.
٣ - أو يقول: أعلم أني ما رويت لك.
ففي الوجه الأول- اختلفوا:
ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀ أنه لا يقبل. ولذلك رد حديث "فنكاحها باطل باطل"- لأن الزهري أنكر أنه رواه.
стр. 433
وذهب غيره من أهل الأصول إلى قبوله، وهو مذهب الشافعي ﵀. والدلالة على أن ثقة الراوي توجب قبول خبره إذا أمكن، وهنا أمكن، لأن المروي عنه يحتمل أنه رواه ثم نسيه. ولا يقال بأنه لو كان كذلك لتذكر إذا روى عنه وذكره، لأنا نقول: يحتمل أنه نسيه ولا يتذكر روايته، كما في الشاهد: فإن الإنسان قد يحدث بأمر من الأمور الدنيوية، ثم ينسي ذلك، فيذكر له، فلم يذكر إلا بعد زمان، وربما لا يذكر أصلا. وإذا جاز ذلك، والراوي يروى من غير شك، يقبل منه.
وفى الوجه الثاني- يقبل أيضاً، لأن المروى عنه جاز أنه قال ذلك على حسب ظنه، وقد نسى روايته.
وفى الوجه الثالث- تعارض القولان، فلا يقبل بهما. لأن كل واحد منهما ثقة، فيحتمل أنه رواه ثم نسيه. فيحتمل أنه لم يرو، والراوي سمع من غيره ممن ليس بثقة، فأسند إليه تشهيراً للحديث، أو سمع من ثقة غيره فظن أنه سمع منه- والله تعالى أعلم.
١٠٥ - باب في: - ما يراد الخبر إذا كان رواية واحد:
ذهب جل القائلين بقبول أخبار الآحاد إلى قبول الخبر إذا رواه واحد.
وذهب جماعة منهم أن الخبر إذا رواه عدلان يحمل عليه.
стр. 434
وقيل: إذا رواه واحد لم يحمل عليه. ولم يقبل إلا بشرط: أن يعضده دليل ظاهر، أو اجتهاد، أو عمل به بعض الصحابة، أو كان منتشراً.
وحكي عنهم أنه لا يقبل في باب الزنا إلا خبر أربعة، كما في الشهادة. ولا تقبل شهادة القابلة الواحدة.
والدلالة على صحة المذهب الأول- قياس هذا الخبر على الأخبار الواردة في المعاملات، وقد ذكرنا الكلام فيه على الاستقصاء. ولأن الصحابة ﵃ أجمعوا على العمل بخبر الواحد، فإنه روي عن أبي بكر ﵁ أنه قبل خبر بلال ﵁ ونقض حكمه. وقبل عمر ﵁ خبر حمل بن مالك في الجنين، وعملت الصحابة ﵃ حديث أبى سعيد الخدرى، وحديث رافع بن خديج ﵄ في المخابرة. ولا يقال إنهم إنما قبلوا ما قبلوا، لأنه عاضده اجتهاد، لأنهم كانوا يتركون اجتهادهم ببعض هذه الأخبار، فإنهم كانوا لا يرون بالمخابرة بأساً حتى روى لهم نهى النبي ﵇ عن ذلك.
стр. 435
وأما المخالف فقد احتج في ذلك بأن النبي ﵇ لم يقبل خبر ذي اليدين حتى سأل أبا بكر وعمر. وكذا الصحابة ﵃ اعتبروا العدد في باب الأخبار: فإنه روى أن أبا بكر ﵁ لم يقبل خبر مغيرة بن شعبة ﵁ في ميراث الجد [ة] حتى أخبر بن محمد بن مسلمة. ولم يقبل عمر ﵁ خبر أبي موسى الأشعرى في الاستئذان حتى شهد معه أبو سعيد الخدرى ﵄. وكذلك لم يقبل خبر فاطمة بنت قيس في السكنى.
стр. 436
ولم يقبل أبو بكر وعمر ﵄ حديث عثمان بن عفان فيما رواه من استئذانه رسول الله صلي الله عليه وسلم في رد الحكم بن العاص وطالباه. لمن شهد له بذلك فقالا له: "أنت شاهد واحد". ولأن هذا إخبار عن الغير، يجب العمل عنده، فيشترط العدد فيه، كالشهادة.
والجواب:
أما توقف النبي صلي الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين: لو دل، [في] إنما يدل على اعتبار الثلاثة، وإنه لا يقول به.
стр. 437
ثم نقول: إن توقف النبي صلي الله عليه وسلم لظهور أمارة الغلط فيه، وهو تفرده بذلك من الجمع الكثير- ونحن نقول به.
وأما طلب الصحابة مخبراً ثانياً-[في] لا يدل على أنهم اعتقدوا أن العمل بخبر الواحد لا يجوز، بل طلبوا ذلك لقوة الظن، أو لإزالة الوهم الثابت لبعض العوارض- دل عليه أن الذين طلبوا مخبراً ثانياً هم الذين لم يطلبوا ذلك وعملوا بخبر الواحد على ما ذكرنا.
ثم نقول:
أما توقف أبي بكر ﵁ في حديث مغيرة-[ف] يحتمل أنه كان ليعلم أنه مستقر أو منسوخ، أو ليعلم: هل عند غيره مثله أو خلافه.
وأما خبر أبي موسى الأشعري ﵁ في الاستئذان- فقد كان محتاجاً إليه، ليدفع سياسة عمر ﵁ عن نفسه لما انصرف عن بابه بعد أن تقع ثلاثاً كالمرتفع- دل عليه أنه لما رجع مع أبي سعيد الخدري وشهد له، قال له عمر: إني لم أتهمك لكنى خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلي الله عليه وسلم- يعنى يروى كل إنسان حديثاً على حسب غرضه.
وأما رد حديث فاطمة بنت قيس- قلنا: ذكر عمر ﵁ أنه معارض بالكتاب: إما بالنسخ أو بالتخصيص، حيث قال: " لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندرى صدقت أم كذبت".
стр. 438
وأما رد حديث عثمان ﵁ في حق الحكم بن العاص- فلأنه خبر عن إثبات حق لشخص، كالشهادة. ولذلك سمياه شاهداً وقالا: "أنت شاهد واحد"، ويشترط فيه العدد. أو يحتمل أنهما توقفا لأجل قرابة عثمان للحكم، وقد كان معروفاً بأنه كلف بأقاربه، فتوقفا تنزيهاً لعرضه أن نقول: متعنت، إنما قال ذلك لقرابته.
وأما قياس رواية الخبر على الشهادة- قلنا: هذا باطل: بالفتوى، فإنه لا يشترط فيه العدد، وإن وجد فيه ما ذكرتم. وباطل باشتراط الحرية والذكورة في الشهادة دون الرواية. وهذا لأن الشرع شرط في الشهادة شروطاً لم يشترطها في غيرها، احتياطاً لصيانة حقوق الناس.
٣ - ما يرجع إلى كيفية النقل
١٠٦ - باب في: نقل الحديث بالمعنى:
اعلم أن اللفظ المنقول عن النبي ﵇ نوعان:
стр. 439
أحدهما- ما يشتبه الحال فيه، حتى يكون فيه موضع اجتهاد.
والثاني- ما لا يشتبه الحال فيه.
فالأول- لا يجوز العدول عنه إلى غيره، لأنه لا يمتنع أن الراوي لو نقل لفظ النبي ﵇ إلى غيره، لكان يقع في اجتهاد غيره، خلاف ما يقع في اجتهاده. فلا يدين فيه من اعتقاد زيادة أو نقصان، ولأنه لا يجوز.
والثاني- جاز العدول عنه إلى لفظ يسد مسده، كقوله: "جلس" مع قوله: "قعد" وقوله: "علم" مع قوله: "عرف". بشرط أن يكون الراوي فقيهاً عالماً بمواقع الخطاب وحقائق الألفاظ.
إليه ذهب أصحابنا وعامة أهل الأصول.
وحكي عن بعض أصحاب الشافعي ﵀ أن ذلك لا يجوز بحال.
والدلالة على جواز ذلك ما اشتهر من الصحابة ﵃ نقل الحديث بالمعنى، نحو قوله ﵇: "نهى عن بيع وشرط" و"نهى عن بيع غرر" و"نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان" و"أمر النبي ﵇ بكذا" و"رخص في كذا" وكل ذلك نقل بالمعنى، لأنهم لم ينقلوا اللفظ الذي تلفظ به النبي ﵇ دل عليه أن النبي ﵇ قال في هذا "إذا أصبتم المعنى فلا بأس". وعن عائشة ﵂ نحو ذلك. وعن ابن مسعود ﵁ أنه كان يروى ويقول: "قال النبي ﵇ أو نحوه". ولأن المتعبد به في الأخبار العمل به، دون تلاوة الألفاظ: دل عليه أن سفراء النبي ﵇ ينقلون أوامره ونواهيه بلغاتهم المختلفة، إذ لا يفهمون إلا ذلك. وإذا جاز ذلك، فلأن يجوز بقرينة، أولى وأحرى.
والمخالف احتج بقوله ﵇: "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها. فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه- ورب حامل فقه ليس بفقيه".
стр. 440
وإنما يكون مؤدياً ما سمع كما سمع إذا نقل لفظ النبي ﵇. ولأن احتمال الخطأ في النقل بالمعنى ثابت، والنقل بعين اللفظ ممكن، فيجب التحرز عنه.
والجواب- قلنا: فيه ترغيب في نقل ألفاظ النبي ﵇، ونحن به نقول: إن الأولى ذلك. وهذا لا يمنع جواز النقل بالمعنى.
ثم نقول: الحديث حجة لنا، فإنه قال: "فوعاها وأداها كما سمعها" أي ضبطها، وذلك يكون للمعنى دون الألفاظ [إذ] لا يقال "وعى اللفظ".
وأما قوله "أدى كما سمعها"- قلنا: الناقل للحديث بالمعنى ناقل لما سمع كما سمع، كالمترجم من لغة إلى لغة: مؤد لما سمع كما سمع. ولأن الحديث لو منع من نقل الحديث بالمعنى فإنما يمنع إذا كان يشتبه الحال فيه، ويختلف اجتهاد الناس فيه- ألا ترى أنه قال: "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه- ورب حامل فقه غير فقيه" وهذا إشارة إلى ما يختلف بالاجتهاد. فأما الذي لا يشتبه الحال فيه، فقد يستوي فيه الكامل الفقه والناقص الفقه، والفقيه وغير الفقيه.
وأما قوله: احتمال الخطأ ثابت فيه- قلنا: إنما يحتمل الخطأ فيما يشتبه ويختلف الاجتهاد فيه، ونحن لا نجوز النقل بالمعنى في مثل ذلك- والله أعلم.
١٠٧ - باب في: طريق رواية الحديثة:
وهى على خمس مراتب:
الأولى- سماعه من الشيخ، بأن قرأ الشيخ عليه في معرض الإخبار.
стр. 441
ويجوز للراوي أن يقول: "أخبرنا" و"حدثنا" و"قال فلان" و"سمعته يقول"- وهذا ظاهر.
والثانية- وهو أن يقرأ على الشيخ، وهو ساكت. وهذا جار مجرى قوله: "هذا صحيح" فتجوز الرواية، لأنه لو لم يكن صحيحاً لكان سكوته وتقريره فسقاً قادحاً في عدالته. ولو جاز ذلك، لجاز في صريح قوله. وهذا يجوز للراوي أن يقول: "حدثنا- وأخبرنا- فلان، قراءة عليه". أما قوله: "حدثنا" مطلقاً و"سمعته"- اختلفوا فيه. والصحيح أنه لا يجوز، لأنه يشعر بالنطق والتصريح بالقول وهو كذب، إلا إذا قرنه بقرينة دالة أنه يريد به القراءة عليه. أو يقول عند الفراغ: "هو كما قرأناه"- فقال الشيخ: "نعم" إلا أن يجوز أن يقول: "حدثنا".
والثالثة: الإجازة- وهو أن يقول: "أجزت لك أن تروى عني الكتاب الفلاني-أو- ما صح عندك من مسموعاتي" وهذا يجوز للراوي أن يقول: "حدثنا- وأخبرنا إجازة" إذا كان المجيز والمجاز له يعلمان ما في الكتاب. أما قوله: "حدثنا- وأخبرنا" مطلقاً- فهو على نحو ما ذكرنا في القراءة على الشيخ.
وهذا كله عند أصحابنا.
ومنع مالك ﵀ صحة الإجازة وقال: لو صحت الإجازة لارتفعت الرحلة.
والصحيح ما ذكرناه، والوجه فيه ما بينا.
والرابعة- الكتاب، وهو أن يرى خطه في كتاب، وهذا على ثلاثة أوجه:
١ - إما أن يعلم أنه سمع أو يظن أنه سمع.
стр. 442
٢ - أو يجوز من نفسه سماعه وعدم سماعه على سواء.
٣ - وإما أن لا يذكر أنه سمع أو قرأ، ولكنه غلب على ظنه سماعه أو قراءته.
ففي الوجه الأول: يجوز له الرواية والأخذ بروايته. وهذا مما لا شبهة فيه.
وفي الوجه الثاني: لا يجوز. لأنه لا يجوز للإنسان أن يخبر بما يعلم كذبه أو يشك في ذلك.
وفى الوجه الثالث، اختلفوا:
روى عن أبي حنيفة ﵀: أنه لم يجوز روايته والأخذ بها.
وعن أبي يوسف ومحمد والشافعي ﵏: أنهم جوزوا روايته والأخذ بها.
وهو على مثال اختلافهم في الشاهد: إذا رأى خطه في صك، وهو لا يتذكر.
والصحيح ما قاله أبو حنيفة ﵀، لأن الرواية عن الغير حكم عليه أنه حدثه به، فلا يجوز ذلك إلا عن علم. ولأن الخط يشبه الخط، فكان احتمال الكذب ثابتاً، فيجب التحرز عنه.
والخامسة- الوجود. وهى كالتصانيف المعروفة والكتب المشهورة إلى أقوام مشهورين معروفين، ككتب محمد بن الحسن ﵀ ونحوها. وهذا مما يجوز لمن وقف عليه أن يقول: "هذا مذهب فلان"، و"قال فلان كذا" لأنه ثابت بالتواتر.
стр. 443
١٠٨ - باب- القول في المراسيل:
اعلم أن الخبر المرسل- ما أضرب الراوي عن ذكر من سمعه منه، وقال: قال رسول الله.
واختلفوا في قبوله إذا فعل ذلك من يقبل روايته مسنداً.
ذهب أبو حنيفة ومالك رحمهما الله وعامة من المتكلمين إلى أنه يقبل على كل حال.
وذهب أصحاب الظاهر وأهل الحديث إلى أنه لا يقبل على كل حال.
وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه لا يقبل إلا بشرط، وهو أن يكون قد أسند [هـ] غيره، أو هو مرة أخرى، أو عمل به الصحابة أو أكثر أهل العلم.
وذهب عيسي بن أبان إلى أنه لا يقبل إلا إذا كان المرسل صحابيا أو تابعياً. وحكي ذلك عن الشافعي ﵀.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن إرسال الراوي الحديث مع عدالته جار مجرى أن يذكر الراوي ويقول: "هو عدل عندي" في الدلالة على العدالة. ولو ذكر الراوي وقال ذلك، يجب قبوله والعمل به- فكذا هذا.
وإنما قلنا: إن إرساله مع العدالة جار مجرى ما ذكرنا، لأن الإنسان مع عدالته لا يستجيز من نفسه أن يخبر عن النبي ﵇، وفيه إلزام الناس عبادة أو اطراح عبادة، إلا إذا علم ذلك أو ظن ثبوته، لأنه حرام وقبيح.
стр. 444
وقال ﵇: "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو عند الله أحد الكاذبين". وذا لا يحصل إلا بعدالة من سمع منه، وكذا الثاني والثالث إلى أن يتصل بالرسول ﵇.
وأما إذا ذكر الراوي وقال: "هو عدل عندي"، فالقبول متفق عليه بين أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله. ويجب أن يكون مقبولاً، لأنه ثبت الحديث من النبي ﵇، غالباً وظاهراً، فيجب العمل به.
فإن قيل: العدالة إنما تثبت باستجماع أسباب العدالة وانتفاء أسباب الجرح، وذا لا يعرف إلا بالذكر- قلنا: هذا مذهب الشافعي ﵀: أن ذكر أسباب العدالة والجرح شرط التزكية. والصحيح خلاف ذلك، لأن أصحاب الحديث وغيرهم يزكون الرجل من غير أن يذكروا أسباب العدالة والجرح، ولأن أسباب العدالة إنما تتم باجتناب الكبائر وعدم الإخلال بالواجبات. وذكر أعيان ذلك في طول الزمان مخافة أن يكون فيها ما لا تسلم معه العدالة عند الشافعي ﵀، يؤدى إلى إيجاب ما يشق علينا إحصاؤه بل يتعذر ذلك، وهذا لا يجوز.
فإن قيل: إذا كان في ذكر أسباب العدالة مشقة يسقط، أما لا مشقة في ذكر الراوي فلا يسقط ذكره- قلنا: ذكر الراوي غير مقصود لذاته، بل ليعرف كونه عدلاً، فيثبت الحديث من النبي ﵇، وذا يحصل بعدالة الراوي عنه، لما مر.
стр. 445
فإن قيل: الراوي يخبرنا على عدالة تثبت عنده، وذا لا يوجب سقوط النظر، في حاله، عمن سمعه. لأنه مما يختلف فيه حال الناس، وصار كشهود الفرع، إذا شهدوا على شهادة الأصول: يجب ذكر الأصول وتعديلهم، ولا يكتفي بعدالة الفروع. وكذلك إذا ثبتت عدالة الشهود عند قاض وحكم بشهادتهم: يجب على قاض آخر النظر في حالهم وعدالتهم، ولا يسقط وجوب النظر عنه، كذا هذا- قلنا:
العدالة متى تثبت عند شخص تثبت عند الكل ظاهراً، لأن الراوي إنما يعتقده عدلاً، لأنه وجده مجتنباً الكبائر مقدماً على الواجبات، ولولا ذلك لما حل له الرواية عنه. وإذا ثبت ذلك تثبت عدالته عند السامع ظاهراً وغالباً.
وهذا بخلاف شهادة الفروع على شهادة الأصول، لأنه لا يجرى مجرى تعديلهم، لأن الشهادة على الشهادة، نقل الفروع شهادة الأصول وإخبارهم أنهم شهدوا بذلك، ونقل شهادة الغير لا يكون تعديلاً له. أما هنا بخلافه- على ما مر. على أنا نقول: قضية ما ذكرنا من الدليل أن يجب على الحاكم الحكم بشهاداتهم، وإن لم يذكروا له الأصول شهود الفروع ولم يعدلوهم، إلا أن الدلالة قد قامت على اشتراط ذكرهم وتعديلهم، وذا لا يدل على الاشتراط هنا،
стр. 446
كاشتراط الحرية والذكورة وغيرهما- دل عليه أنه يشترط تحميل شهود الأصول الفروع شهادتهم والأمر بأدائها ولم يشترط التحميل هنا- فكذا الراوي. وأما إذا حكم الحاكم بشهادة شاهد- قلنا: نحن نسعى في إلحاق الإرسال من العدل يذكر اسم الراوي وتعديله. وثمة لو ذكر الشاهد وعدالته لا يسقط عن القاضي الآخر النظر في حاله، وهنا يسقط إذا ذكر ذلك- فعلم أن بين الرواية والشهادة مفارقة في الشروط. ثم الفارق بينهما أن من كان مقدم العصر
стр. 447
يتعذر معرفة عدالته بالاجتهاد في أقواله وأفعاله، بل الرجوع في ذلك إلى أخبار غيره، ورواية العدل عنه جار مجرى ذلك، على ما مر. فأما الحاكم [ف] لم يمكنه النظر في حال الشاهد والتعرف عن أحواله وأفعاله وأقواله- والله أعلم.
دليل آخر- إجماع الصحابة ﵃، فإنه روى عن البراء بن عازب أنه قال: "ليس كل ما حدثناكم [به] سمعناه من النبي ﵇ ولكنا لا نكذب". وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يروى عن النبي ﵇ أنه قال: "من أصبح جنباً فلا صوم له". ثم سئل عن ذلك فأسنده إلى الفضل بن عباس. وعن ابن عباس ﵁ أنه كان يروى عن
стр. 448
النبي ﵇ أنه قال: "إنما الربا في النسيئة". ثم سئل عن ذلك فأسنده إلى أسامة بن زيد. وروى عنه أنه كان يروى عن النبي ﵇: "أنه كان لم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة" ثم أسنده إلى أخيه الفضل بن عباس- فلو لم تكن المراسيل حجة يجب العمل بها، لكان المرسل، إذا لم يبين، جارياً مجرى من يروى، عمن لا تقبل روايته، على وجه يوهم أنه يجب قبوله. وكونه منكراً [يوجب] الإنكار، ولا يجوز أن يجمعوا على ترك الإنكار. ومعلوم أنه لم [يحصل] الإنكار ممن أرسل و [ممن] لم يرسل، فكان إجماعاً.
فإن قيل: أليس روى عن على ﵁ أنه كان يستحلف الراوي، فكان هذا إنكاراً معنى؟ ثم نقول: ما رويتم أخبار آحاد، فلا يصح التمسك بها في موضع العلم.
قلنا: [الأول]- أما استحلاف على ﵁[ف] ما كان على أنه سمعه من النبي ﵇ أو من غيره، بل يكتمل أنه استحلف أنه: هل سمع [الحديث] في الجملة؟ ويحتمل أنه استحلف استظهاراً وطلباً لقوة الظن،
стр. 449
ولذلك لم يستحلف أبا بكر ﵁. على أن هذا لا يعارض دليلنا، لأن دليلنا أنهم عرفوا أن بعض الصحابة أرسلوا ولم ينكروا عليه [م]، ولم يرو عن على ﵁ إنكاره. وأما الثاني- قلنا: كل واحد من هذه الأخبار، إن كان خبر واحد، لكن مجموعها في المعنى صار في معنى التوتر.
ولقائل أن يقول: إن هذه الأخبار يسيرة، و [و] لا يصير المعنى متواتراً بهذا القدر- ألا ترى أن الخبر الواحد إذا رواه ثلاثة أو أربعة لا يصير متواتراً، فالأخبار الثلاثة أولى. إلا أن يقال: يجب قبوله فيما يوجب العمل دون العلم.
وأما من أبي قبول المراسيل فقد احتج بأشياء:
١ - منها- أن ترك الراوي ذكر من يروى عنه يتضمن جهالة عينه وصفته. ولو عرف السامع عين الراوي وجهل صفته، بأن يقول: "حدثني فلان، ولم يقل: "هو عدل عندي" فإنه لا يجب قبوله، فكذا إذا جهل عينه وصفته، بل أولى.
وقولهم- إن عدالته تعرف برواية العدل- قلنا: [الأول] ليس كذلك، فإن العدل قد يروى عن غيره، ثم إذا سئل عنه يتوقف في عدالته. والثاني- أن روايته تدل على كونه عدلاً عنده. ويجوز أن يكون الإنسان عدلاً عند إنسان، ولا يكون عدلاً عند غيره.
٢ - ومنها- أنه لو وجب العمل بالمراسيل، لم يكن في ذكر أسماء الرواة والفحص عن عدالتهم معنى وفائدة.
стр. 450
٣ - ومنها- أنه لو وجب العمل بالمراسيل، لوجب العمل بإرسال من أرسل في عصرنا، بأن [قال]: قال النبي صلي الله عليه وسلم، والأمر بخلافه.
والجواب:
أما الأول- قلنا: لا نسلم بأن ترك الراوي ذكر من يروى عنه، يتضمن ما قلتم، لما ذكرنا أن ثقة الراوي تشهد بعدالة من يروى عنه.
وقوله- بأن العدل قد يروى عن عدل، أو يجوز أن يكون عدلاً عنده ولا يكون عدلاً عند غيره- قلنا: إن جاز ذلك، لكنه خلاف الظاهر والغالب، لما ذكرنا. والغالب لا يبطل بالجواز النادر- ألا ترى أنه لو ذكر الراوي، وقال: هو عدل عندي، لا يمتنع، لو تفحصنا عن حاله، أن لا يكون عدلاً في نفسه، ولا يمنع ذلك قبول روايته- كذا هذا.
وقوله: إن ذكر اسمه ولم يقل هو عدل عندي، لا يقبل. قلنا: بعضهم قالوا: يقبل، وذكر اسمه والرواية عنه تعديل. إلا أن هذا غير صحيح، لأنه يوجب سقوط النظر في أحوال المحدثين، لأن عدالة الراوي تشهد بعدالة من يروى عنه، وعدالة من يروى عنه تشهد بعدالة من روى عنه، إلى أن يتصل بالنبي ﵇، وفى ذلك سقوط النظر في أحوال المحدثين مع الفساد فيما بينهم- وهذا مذهب رديء. والصحيح أنه إذا أرسل سقط وجوب النظر.
стр. 451
وإذا ذكر الراوي لا يسقط. ووجه الفرق أنه إذا أرسل وقال: "قال رسول الله صلي الله عليه وسلم" هذا حكم على النبي، وإلزام الناس تلك العبادة، وليس له ذلك إلا إذا علم أو ظن. ولأنه إذا أرسل لا يمكننا النظر في أحوال الراوي، سقط وجوب النظر. ولا كذلك إذا ذكر الراوي، لأنه إذا لم يحكم [به] على النبي ﵇، ولا فوت إمكان النظر في أحوال الراوي، فلا يسقط وجوب النظر في حاله.
وأما الثاني- قلنا: فيه فائدة من وجهين:
أحدها- أنه إذا ذكر أسماء الرواة أمكن للسامع النظر في عدالتهم والفحص عن حالهم، فيكون ظنه بعدالتهم أقوى، لأن طمأنينة الإنسان وسكون النفس إلى ما حصل له لخبرته وفحصه أقوى من طمأنينته وسكونه إلى ما حصل له الخبرة غيره. وهذا الوجه يقتضى أن تكون المسانيد أقوى من المراسيل.
والثاني- أنه قد يشتبه على الراوي حال من روى عنه، فلا يقدم عل تزكيته ولا على جرحه، فيذكر اسمه ليفحص السامع عن حاله. وإذا عرفه أرسل الحديث. وهذا الوجه يقتضى أن يكون المرسل أقوى من المسند أيضاً.
стр. 452
وأما الثالث- قلنا: إن كان الحديث معروفاً، وقد عرفت رواته، يجب قبوله. وإن لم يكن، لا يجب قبوله، لا لأنه مرسل، بل لأن الأخبار دونت وسطرت وضبطت، فما لم يعرفه أهل النقل، كان كذباً. وإن [كان] عصراً لم تضبط فيه السنن يقبل ويعمل به.
وأما ما قال الشافعي ﵀: إن المرسل يقبل إذا أسنده غير مرسله، أو هو بنفسه مرة أخرى- قلنا:
إن أراد به أن الحجة هو المسند، فهو صحيح على مذهبه، ولا تأثير للمرسل في ذلك.
وإن أراد به أن المرسل يصير حجة عند المرسل، فباطل، لأن ما ليس بحجة لا يصير حجة بضم الحجة إليه، كخبر الواحد: لما لم يكن طريقاً إلى العلم، لا يصير طريقاً إليه إذا عضدته آية أو خبر متواتر.
وكذا قوله: إن المرسل يصير حجة إذا عضده قول بعض الصحابة أو فتوى أكثر أهل العلم- لأن قبول بعض الصحابة وفتوى أكثر أهل العلم ليس بحجة، وإن كان قول بعض الصحابة حجة عنده. فما ليس حجة لا يصير حجة بضم الحجة إليه.
وأما من خص مراسيل الصحابة بالقبول-[ف] يقال له: لم خصصتم الصحابة بذلك؟ .
فإن قال: لأن ظاهر حال الصحابي أن لا يقول: "قال النبي ﵇" إلا وقد سمعه منه، أو حدثه عنه من هو ثقة عنده- قلنا: ومن أين نخبر بذلك؟ : فإن قال: لأنه عدل، قلنا: هذه العلة موجودة في غيره، فلا معنى لتخصيصه.
стр. 453
فإن قال: الظاهر أن الصحابي لا يطلق القول بأن النبي ﵇ قال ذلك إلا وقد سمعه منه، قلنا: هذا قبول المسند دون المرسل. على أنه يمكن للصحابي أن يقول: "بلغني أن النبي ﵇ قال ذلك- أو سمعت أن النبي ﵇ قال كذا"، وهذا اللفظ لا يدل على أنه قد سمعه من النبي ﵇.
١٠٩ - باب في: التدليس:
اعلم أن التدليس هو أن يروى عن رجل له اسم يعرف به ولا يذكره بذلك الاسم، بل باسم لا يعرف به. أو يذكر راوياً ويترك راوياً بينه وبين ذلك الراوي. وهذا:
- إن فعله لضعف الراوي ولكونه ممن لا تقبل روايته، فقد غش الناس وخانهم، وذلك يقدح في أمانته، فلا تقبل روايته.
- وإن فعل ذلك لصغر منه، ولغير ذلك من الوجوه:
* فمن لا يقبل المراسيل- لا يقبل هذا الحديث، لأنه لا يتمكن من الفحص عن عدالته مع جهالة عينه، كما لا يتمكن من ذلك مع الإرسال.
* ومن قبل المراسيل- يقبل هذا الحديث، لأن إرساله مع عدالته يدل على أنه ما ترك ذكر اسمه المعروف ومنع من الفحص عن عدالته إلا لاعتماده على عدالته وثقته في ذلك، فجرى ذلك مجرى تعديله صريحاً.
стр. 454
٤ - ما يرجع إلى المخبر عنه
وأما الذي يرجع إلى المخبر به مما لا يؤثر في الخبر، ففيه أبواب أيضاً- والله أعلم:
١١٠ - باب في: الخبر الواحد إذا كان مقتضاه خلاف ما اقتضى العقل:
اعلم أن العقل إذا منع من شيء فإما أن يمنع بشرط، أو بغير شرط.
- فإن منع بشرط- نحو إيلام الحيان، فإن إيلام الحيوان يمنع منه، بشرط أن يكون ضرراً محضاً لا نفع فيه. فإذا ورد الخبر الواحد بإباحته يجب قبوله، ويعلم أن الشرط زائل، وهو كونه ضرراً محضاً.
- وإن منع من غير شرط- كمنعه من جنس الظلم وتكليف ما لا يطاق:
فإذا ورد الخبر فيه بالإباحة أو بحسنه- فإن أمكن تأويله من غير تعسف شديد، جاز أن يكون النبي ﵇ قال ذلك، وعنى به التأويل الصحيح. وإن لم يكن تأويله من غير تعسف شديد، لا يجوز قبوله وتأويله، لأنه لو جاز قبوله وتأويله مع التعسف، لبطل التناقض عن الكلام أصلاً، فيجب القطع في مثل هذه الصورة: أن النبي ﵇ لم يتكلم به، وإنما تكلم به على سبيل الحكاية عن الغير، أو بزيادة أو نقصان يخرج الكلام به عن الإحالة.
стр. 455
وإنما قلنا ذلك، لأنا علمنا بعقولنا قبح الظلم، فلو قبلنا خبر الواحد بإباحته لا يخلو: إما أن نعتقد صدق النبي ﵇ في ذلك، أو لا نعتقده: فالأول- يؤدى إلى اجتماع النقيضين أو دفع ما علمناه قطعاً، وهو قضية العقل، وذلك محال. والثاني- يؤدى إلى العدول عن مدلول المعجزة، وذلك محال أيضاً- والله أعلم.
١١١ - باب في: خبر الواحد إذا ورد رافعاً لحكم الكتاب والسنة المتواترة:
اعلم أن الخبر إنما يكون رافعاً لحكم الكتاب إن لم يقم ما أثبته الكتاب على الحد الذي أثبته، أو أثبت ضد ما أثبته على الحد الذي أثبته.
مثال الأول- أن يقول في أحدهما: ليصل فلان اليوم الفلاني.
ومثال الثاني- أن يأمر بذلك، في مكان آخر، في ذلك الوقت بعينه.
إذا عرفنا هذا- نقول:
- إذا ورد خبر الواحد رافعاً لحكم الكتاب-[لا] على وجه النسخ، بأن يكون مقارناً أو لا يعرف التاريخ بينهما- لا يقبل، لأنا علمنا أن الله تعالى قد تكلم بالآية، والنبي ﵇ قد تكلم بما تواتر به النقل. فلو قلنا بقبول خبر الواحد
стр. 456
في نفى حكمهما، لكنا قد عدلنا عن الذي علمنا أن الله تعالى تكلم به والنبي ﵇ قد تكلم به، إلى ما لا يعلم أن النبي قاله- وهذا لا يجوز.
وكذلك الكلام إذا ورد معارضاً للإجماع، لأن الإجماع، حجة، بالكتاب والسنة المتواترة.
فأما إذا ورد معارضاً للكتاب على وجه النسخ، [ف] يجوز أن يقبل من جهة العقل، إلا أن الشرع ورد بالمنع عنه عند أصحابنا، وقد عرف في أبواب النسخ.
وقيل إن هذه المسألة مختلفة بين الشافعي وعيسي بن أبان: أن الخبر الواحد إذا ورد على مخالفة الكتاب هل يقبل؟ والصحيح أن الخلاف بينهما في اشتراط العرض على كتاب الله تعالي: فعند الشافعي: لا يجب العرض على كتاب الله تعالى، بل إذا تكامل شرط القبول فيه، يقبل. وعند عيسى بن أبان: يجب العرض، لأن الخبر إنما يجب قبوله بتكامل شرائط القبول فيه، ومن شرائطه أن لا يكون مخالفاً لكتاب الله تعالى، وإنما يعرف ذلك بالعرض.
١١٢ - باب في: الحكم إذا اقتضي عموم الكتاب فيه، خلاف ما اقتضاه خبر الواحد:
اختلف مثبتو ورود التعبد بأخبار الآحاد في جواز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد:
- ذهب معظم الفقهاء إلى جواز ذلك، على كل حال.
стр. 457
- وذهب بعضهم إلى المنع عنه، على كل حال.
- وقال بعضهم: يجوز في حال دون حال. واختلفوا في تفصيل تلك الحالة:
* قال عيسى بن أبان: إن دخلهما التخصيص جاز، وإلا فلا.
* وقال بعضهم: إن خصا بدليل متصل، لا يجوز. وإن خصا بدليل منفصل، يجوز.
والدلالة على جوازه بكل حال- أن خبر الواحد يوجب الظن، والعقل اقتضى وجوب العمل بالظن في المنافع والمضار- على ما مر. فوجب العمل به، وإن خص عموم الكتاب. وإنما قلنا إنه يوجب الطن في هذه الحالة لأن الوجه الموجب للظن، وهو ما ذكرناه في باب التعبد بخبر الواحد، ليس في معارضته عموم الكتاب ما يحيل وقوع الظن بصحته.
فإن قيل: لم قلتم بأنه ليس في معارضة الكتاب له ما يحيل وقوع الظن بصحته، بل فيه ذلك، لأن عموم الكتاب يقتضى العلم بشموله، وخبر الواحد يقتضى الظن بصحته، ولا يجوز ورود التعبد بما يوجب الظن عند معارضة ما يوجب العلم، وإذا لم يجز ورود التعبد به لا يحصل الظن بصحته.
стр. 458
ولا يقال بأن الخبر الواحد، وإن كان يوجب الظن بصحته، لكن العمل به معلوم، كما أن العمل بالكتاب معلوم، والتعارض إنما يقع بين حكم الكتاب وحكم الخبر، فإذا كان حكم كل واحد منهما معلوماً، جاز ورود التعبد به، وإذا جاز ذلك جاز أن النبي ﵇ قال ذلك، لأنا نقول: العمل بالخبر، إن كان معلوماً بدليل آخر، لكنه مبني على الظن، والعمل بالكتاب مبنى على العلم، والعقل يمنع من العدول عن المعلوم إلى المظنون- قلنا: معارضة الحديث عموم الكتاب لا يحتمل وقوع الظن بصحته، لما ذكرنا: أن العمل به معلوم، كما أن العمل بالكتاب معلوم.
وقوله: إن عموم الكتاب معلوم شموله- قلنا: إن أراد بهذا أن عموم الكتاب معلوم شموله حالة الانفراد، فالأمر كذلك. وإن أراد به عند معارضة الخبر له، فلا نسلم، لما ذكرنا: أن العلم بعموم الكتاب لا يمنع من وقوع الظن بصحة الخبر. وإذا لم يمنع من ذلك جاز أن النبي صلي الله عليه وسلم قال ذلك، ومع تجويز أن يكون النبي ﵇ قال ذلك، لا يقع العلم بعموم الكتاب.
فإن قيل: إذا كان العمل بخبر الواحد معلوماً، كالعمل بالكتاب والخبر المتواتر، فلماذا لا يصلح رافعاً لحكم الكتاب، بأن كانا خاصين وقد اقترنا، أو لا يعلم التاريخ بينهما- قلنا: لما ذكرنا: أن فيه عدولاً عما علمناه أن الله تعالى قد تكلم به، إلى ما لا يعلم أن النبي ﵇ قد تكلم به. أما هنا [ف] يؤدى إلى ذلك، لأنا نعتقد أن الله تعالى قد تكلم بالعام وأراد به البعض، فإن ذلك جائز في الكلام.
فإن قيل: فهذا يقتضي إرادة احتمال الخصوص من اللفظ العام، فلا يكون عمومه معلوماً، وأنتم ساعدتمونا على أن حكم العام معلوم- قلنا: حكم العام وهو الشمول معلوم إذا تجرد، فلا يجوز أن يراد به البعض عند تجرده عن القرينة.
стр. 459
وإنما يجوز ذلك عند اقتران القرينة به، وخبر الواحد الذي حكمه معلوم من القرائن بهذا، كاللفظ الخاص من الكتاب: فإنه يوجب العلم بما تناوله، وإن كان جواز إرادة المجاز ثابتاً، لكن عند القرينة، وذا لا يمنع وقوع العلم به عند عرائه عن القرينة- كذا هذا. والله أعلم.
دليل آخر: إجماع الصحابة ﵃ بأنهم خصوا قول الله : [يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ] بقوله ﵇: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" وبقوله ﵇: "لا يرث القاتل". وخصوا هذه الآية بما روى عن النبي ﵇ "أنه جعل للجدة السدس" وهذا تغيير فرض ما تضمنته الآية. وخصوا قوله تعالى: [وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ] بقوله ﵇: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" الحديث. وخصوا قوله تعالى: [فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ] بحديث عبد الرحمن بن عوف في مجوس هجر: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم". وخصوا قوله تعالى: [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ] بما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﵇ "أنه نهى عن بيع الدرهم بالدرهمين. وعن بيع الصاع بالصاعين"- فهذه الأخبار آحاد، وتخصيص الصحابة بها ظواهر الكتاب وعدم إنكار الباقين عليه، أمر ظاهر.
стр. 460
فإن قيل: إنما خصوا هذه الآيات بدليل آخر، لا لأجل هذه الأخبار: دل عليه أن عمر ﵁ رد خبر فاطمة بنت قيس في أمر النفقة والسكنى ولم يجوز نسخ الكتاب به حيث قال: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بحديث امرأة"- قلنا: المروى في التخصيص هذه الأخبار لا دليل آخر، فلا يجوز أ، لا يرووا ما خصرا بها ويرووا ما لم يخصوا بها. وأما رد عمر ﵁ حديث فاطمة بنت قيس فلكونه ناسخاً لكتاب الله تعالى لا لكونه مخصصاً، لأن ظاهر قوله: "لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا" يفيد ترك الكتاب أصلاً، لأن من خص آية من القرآن لا يقال إنه ترك القرآن أصلاً، ولا كلام فيه، إنما الكلام في التخصيص.
فإن قيل: هلا قبلوه في حقها خاصة، فأخرجوها عن حكم الآية، دول غيرها، حتى يكون تخصيصاً لا نسخاً؟ قلنا: إنها روت الحديث ليعمل به في حق غيرها، لا في حق نفسها، لأن حكمها قد تقضي، وإنما ردوه في حق غيرها.
وأما المانعون من ذلك فقد احتجوا وقالوا: إن عموم الكتاب يقتضي العلم بشموله، وخبر الواحد يقتضى الظن بصحته، ولا يجوز ترك العلوم بالظن.
والجواب ما ذكرنا أنه: إن عموم الكتاب معلوم شمول حكمه، وخبر الواحد مظنون ثبوت حكمه، فهذا ممنوع بل خبر الواحد معلوم ثبوت حكمه، لما مر من الإجماع عليه.
следующие страницы →