Полный текст (696 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
في نفى حكمهما، لكنا قد عدلنا عن الذي علمنا أن الله تعالى تكلم به والنبي ﵇ قد تكلم به، إلى ما لا يعلم أن النبي قاله- وهذا لا يجوز.
وكذلك الكلام إذا ورد معارضاً للإجماع، لأن الإجماع، حجة، بالكتاب والسنة المتواترة.
فأما إذا ورد معارضاً للكتاب على وجه النسخ، [ف] يجوز أن يقبل من جهة العقل، إلا أن الشرع ورد بالمنع عنه عند أصحابنا، وقد عرف في أبواب النسخ.
وقيل إن هذه المسألة مختلفة بين الشافعي وعيسي بن أبان: أن الخبر الواحد إذا ورد على مخالفة الكتاب هل يقبل؟ والصحيح أن الخلاف بينهما في اشتراط العرض على كتاب الله تعالي: فعند الشافعي: لا يجب العرض على كتاب الله تعالى، بل إذا تكامل شرط القبول فيه، يقبل. وعند عيسى بن أبان: يجب العرض، لأن الخبر إنما يجب قبوله بتكامل شرائط القبول فيه، ومن شرائطه أن لا يكون مخالفاً لكتاب الله تعالى، وإنما يعرف ذلك بالعرض.
١١٢ - باب في: الحكم إذا اقتضي عموم الكتاب فيه، خلاف ما اقتضاه خبر الواحد:
اختلف مثبتو ورود التعبد بأخبار الآحاد في جواز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد:
- ذهب معظم الفقهاء إلى جواز ذلك، على كل حال.
стр. 457
- وذهب بعضهم إلى المنع عنه، على كل حال.
- وقال بعضهم: يجوز في حال دون حال. واختلفوا في تفصيل تلك الحالة:
* قال عيسى بن أبان: إن دخلهما التخصيص جاز، وإلا فلا.
* وقال بعضهم: إن خصا بدليل متصل، لا يجوز. وإن خصا بدليل منفصل، يجوز.
والدلالة على جوازه بكل حال- أن خبر الواحد يوجب الظن، والعقل اقتضى وجوب العمل بالظن في المنافع والمضار- على ما مر. فوجب العمل به، وإن خص عموم الكتاب. وإنما قلنا إنه يوجب الطن في هذه الحالة لأن الوجه الموجب للظن، وهو ما ذكرناه في باب التعبد بخبر الواحد، ليس في معارضته عموم الكتاب ما يحيل وقوع الظن بصحته.
فإن قيل: لم قلتم بأنه ليس في معارضة الكتاب له ما يحيل وقوع الظن بصحته، بل فيه ذلك، لأن عموم الكتاب يقتضى العلم بشموله، وخبر الواحد يقتضى الظن بصحته، ولا يجوز ورود التعبد بما يوجب الظن عند معارضة ما يوجب العلم، وإذا لم يجز ورود التعبد به لا يحصل الظن بصحته.
стр. 458
ولا يقال بأن الخبر الواحد، وإن كان يوجب الظن بصحته، لكن العمل به معلوم، كما أن العمل بالكتاب معلوم، والتعارض إنما يقع بين حكم الكتاب وحكم الخبر، فإذا كان حكم كل واحد منهما معلوماً، جاز ورود التعبد به، وإذا جاز ذلك جاز أن النبي ﵇ قال ذلك، لأنا نقول: العمل بالخبر، إن كان معلوماً بدليل آخر، لكنه مبني على الظن، والعمل بالكتاب مبنى على العلم، والعقل يمنع من العدول عن المعلوم إلى المظنون- قلنا: معارضة الحديث عموم الكتاب لا يحتمل وقوع الظن بصحته، لما ذكرنا: أن العمل به معلوم، كما أن العمل بالكتاب معلوم.
وقوله: إن عموم الكتاب معلوم شموله- قلنا: إن أراد بهذا أن عموم الكتاب معلوم شموله حالة الانفراد، فالأمر كذلك. وإن أراد به عند معارضة الخبر له، فلا نسلم، لما ذكرنا: أن العلم بعموم الكتاب لا يمنع من وقوع الظن بصحة الخبر. وإذا لم يمنع من ذلك جاز أن النبي صلي الله عليه وسلم قال ذلك، ومع تجويز أن يكون النبي ﵇ قال ذلك، لا يقع العلم بعموم الكتاب.
فإن قيل: إذا كان العمل بخبر الواحد معلوماً، كالعمل بالكتاب والخبر المتواتر، فلماذا لا يصلح رافعاً لحكم الكتاب، بأن كانا خاصين وقد اقترنا، أو لا يعلم التاريخ بينهما- قلنا: لما ذكرنا: أن فيه عدولاً عما علمناه أن الله تعالى قد تكلم به، إلى ما لا يعلم أن النبي ﵇ قد تكلم به. أما هنا [ف] يؤدى إلى ذلك، لأنا نعتقد أن الله تعالى قد تكلم بالعام وأراد به البعض، فإن ذلك جائز في الكلام.
فإن قيل: فهذا يقتضي إرادة احتمال الخصوص من اللفظ العام، فلا يكون عمومه معلوماً، وأنتم ساعدتمونا على أن حكم العام معلوم- قلنا: حكم العام وهو الشمول معلوم إذا تجرد، فلا يجوز أن يراد به البعض عند تجرده عن القرينة.
стр. 459
وإنما يجوز ذلك عند اقتران القرينة به، وخبر الواحد الذي حكمه معلوم من القرائن بهذا، كاللفظ الخاص من الكتاب: فإنه يوجب العلم بما تناوله، وإن كان جواز إرادة المجاز ثابتاً، لكن عند القرينة، وذا لا يمنع وقوع العلم به عند عرائه عن القرينة- كذا هذا. والله أعلم.
دليل آخر: إجماع الصحابة ﵃ بأنهم خصوا قول الله : [يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ] بقوله ﵇: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" وبقوله ﵇: "لا يرث القاتل". وخصوا هذه الآية بما روى عن النبي ﵇ "أنه جعل للجدة السدس" وهذا تغيير فرض ما تضمنته الآية. وخصوا قوله تعالى: [وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ] بقوله ﵇: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" الحديث. وخصوا قوله تعالى: [فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ] بحديث عبد الرحمن بن عوف في مجوس هجر: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم". وخصوا قوله تعالى: [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ] بما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﵇ "أنه نهى عن بيع الدرهم بالدرهمين. وعن بيع الصاع بالصاعين"- فهذه الأخبار آحاد، وتخصيص الصحابة بها ظواهر الكتاب وعدم إنكار الباقين عليه، أمر ظاهر.
стр. 460
فإن قيل: إنما خصوا هذه الآيات بدليل آخر، لا لأجل هذه الأخبار: دل عليه أن عمر ﵁ رد خبر فاطمة بنت قيس في أمر النفقة والسكنى ولم يجوز نسخ الكتاب به حيث قال: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بحديث امرأة"- قلنا: المروى في التخصيص هذه الأخبار لا دليل آخر، فلا يجوز أ، لا يرووا ما خصرا بها ويرووا ما لم يخصوا بها. وأما رد عمر ﵁ حديث فاطمة بنت قيس فلكونه ناسخاً لكتاب الله تعالى لا لكونه مخصصاً، لأن ظاهر قوله: "لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا" يفيد ترك الكتاب أصلاً، لأن من خص آية من القرآن لا يقال إنه ترك القرآن أصلاً، ولا كلام فيه، إنما الكلام في التخصيص.
فإن قيل: هلا قبلوه في حقها خاصة، فأخرجوها عن حكم الآية، دول غيرها، حتى يكون تخصيصاً لا نسخاً؟ قلنا: إنها روت الحديث ليعمل به في حق غيرها، لا في حق نفسها، لأن حكمها قد تقضي، وإنما ردوه في حق غيرها.
وأما المانعون من ذلك فقد احتجوا وقالوا: إن عموم الكتاب يقتضي العلم بشموله، وخبر الواحد يقتضى الظن بصحته، ولا يجوز ترك العلوم بالظن.
والجواب ما ذكرنا أنه: إن عموم الكتاب معلوم شمول حكمه، وخبر الواحد مظنون ثبوت حكمه، فهذا ممنوع بل خبر الواحد معلوم ثبوت حكمه، لما مر من الإجماع عليه.
стр. 461
وإن عنوا به أن عموم الكتاب معلوم أن الله تعالى قد تكلم به، وخبر الواحد مظنون أن النبي ﵇ قد تكلم به- فهذا مسلم، ولكن ذلك لا يمنع تخصيص الكتاب به- لما مر.
فإن قيل: متى لم يعلم أن النبي ﵇ قال ذلك، بل ظنناه-[ف] لا يجوز أن يعلم وجوب العمل به- قلنا: هذا يقتضى أن لا يعلم وجوب العمل به، بأن لم يعارضه عموم الكتاب.
على أنا نقول: إن الطريق إلى العلم بوجوب العمل به إجماع الصحابة، وشرطه ليس كونه كلام النبي ﵇ مطلقاً، بل ظننا بكونه كلام النبي ﵇، وقد حصل الأمران هنا، فيجب العمل به قطعاً، كما يجب العمل بعموم الكتاب قطعاً، فتعارضا- إلا أنا رجحنا الخبر على عموم الكتاب، لأنه أخص.
وأما من جوز ذلك إذا لحقه التخصيص:
قال: إنه لما دخله التخصيص، صار مجازاً أو مجملاً، فلم يكن في قبول خبر الواحد عدولاً عن ظاهر الكتاب، ولا كذلك إذا لم يدخله التخصيص.
والجواب:
العام الذي خص معلوم صدوره من الحكيم، وتناوله لما تناوله التخصيص، كالذي لم يخص أصلاً، فإجماع الصحابة ﵃ على جواز تخصيص العموم الذي دخله الخصوص إجماع منهم على جواز تخصيص عموم لم يدخله الخصوص.
وقوله: صار مجازاً أو مجملاً- قلنا: ليس كذلك لما مر في أبواب العموم: في العام إذا خص منه شيء، وتحقيقه: أن لفظة العموم موضوعة للاستغراق، وهذا أمر معلوم. ونعلم أن اللفظ إذا صدر من الحكيم يريد به ما وضع له، إلا بقرينة التخصيص.
стр. 462
وأما من فعل بين ما إذا خصا بدليل منفصل وبين ما إذا خصا بدليل متصل:
قال: لفظ العموم إذا اقترن به الاستثناء بمنزلة العدد إذا اتصل به الاستثناء. ثم لفظ العدد إذا اتصل به الاستثاء بقى حقيقة لما عدا المتثني، فكذا هذا. وإذا بقى حقيقة لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد، لأن فيه ترك حقيقة الكتاب بظاهره. بخلاف ما إذا خص بدليل متصل، لأنه صار مجازاً أو مجملاً.
والجواب-[إن دليل] وجوب العمل به إجماع الصحابة. وشرطه ليس كونه كلام النبي ﵇، لأنه لا فرق بينهما. والله أعلم.
١١٣ - باب في: الحكم إذا اقتضي عموم القياس فيه، خلاف ما اقتضاه خبر الواحد:
اعلم أن القياس على أصل من الأصول إذا عارض خبر الواحد لا يخلو:
- إما أن تعذر العمل بهما أصلاً، بأن يكون الخبر اقتضي إيجاب أشياء، والقياس اقتضى حظر جميعها على الحد الذي اقتضى الخبر إيجابها.
- أو يكون الخبر مخصصاً لعلة القياس.
- ففي الوجه الثاني:
من أجاز تخصيص العلة الشرعية جمع بينهما في العمل.
стр. 463
- ومن لم يجز ذلك، أجرى الثاني مجرى الأول، وهو ما إذا كانت المعارضة ثابتة في الكل، فتكلم فيه- فنقول:
الأمر لا يخلو: إما إن كان علة القياس منصوصاً عليها، أو مستنبطة.
والنص عليها لا يخلو: إما إن كان مقطوعاً به، أو لم يكن.
[العلة منصوص عليها]:
- فإن كان [النص عليها] مقطوعاً به: فالأخذ بالقياس أولى، لأن التنصيص على العلة، كالتنصيص على الحكم، ومعلوم أن خبر الواحد لا يعمل به إذا رفع حكماً ثابتاً بدليل مقطوع به، ولا فرق بين التنصيص على الشيء بواسطة، وبين التنصيص عليه بغير واسطة.
- وإن لم يكن النص على العلة مقطوعاً به- فهو على وجهين:
إما إن كان الحكم في أصل القياس ثابتاً بدليل مقطوع به، أو بدليل غير مقطوع به.
ففي الوجه الثاني- هما خبرا واحد تعارضا، والأخذ بالخبر الدال على الحكم أولى، لأنه دال عليه بنفسه وصريحه. والآخر يدل عليه بواسطة العلة.
والوجه الأول- داخل في القسم الذي نريد أن نتكلم فيه الآن: وهو ما إذا كانت العلة مستنبطة، فنقول:
العلة إذا كانت مستنبطة:
لا يخلو الحكم في أصل القياس: إما إن كان ثابتاً بدليل مقطوع به، أو لم يكن ثابتاً بدليل مقطوع.
стр. 464
- فإن لم يكن، كان الأخذ بالخبر أولى، لما ذكرنا.
- وإن كان ثابتاً بدليل مقطوع، ففيه خلاف:
* قال بعض أهل الأصول: إن الأخذ بالخبر أولى، وإليه ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀.
* وقال بعضهم: الأخذ بالقياس أولى. وحكي ذلك عن مالك ﵀.
* وقال بعضهم: إنهما يتساويان ويتعارضان، فيطلب الترجيح بالاجتهاد، وإن كان [في] أمارة القياس. وهو المختار، فكان العمل به أولى. وهو يزيد على ضبط الراوي وعدالته.
أما الذاهبون إلى ترجيح الخبر على القياس-[ف] تعلقوا بأشياء:
١ - منها- إجماع الصحابة ﵃، فإنه روى عن أبي بكر ﵁ [أنه نقض حكماً حكم به برأيه لحديث سمعه من بلال. وعن عمر ﵁]
стр. 465
أنه ترك رأيه في الجنين، وفي تفضيل الأصابع في الدية بخبر واحد، ولم ينكر عليه أحد، فكان ذلك إجماعاً.
ولقائل أن يقول: يحتمل أن حكميهما بالرأي كان قياساً على أصل حكمه غير مقطوع به، فلا خلاف فيه.
٢ - ومنها- أن خبر الواحد أصل القياس، لأن القياس قد يكون على أصل ثبت حكمه بخبر الواحد، ولا يجوز ترك الأصل بالفرع. ولقائل أن يقول: نحن ما تركنا الخبر الذي هو أصل القياس بالقياس، وإنما تركنا خبراً عارض هذا القياس، ولأن هذا إنما يلزم من يرجح قياساً على حكم ثبت بخبر الواحد، ونحن إنما رجحنا قياساً على حكم ثبت بدليل مقطوع به.
٣ - ومنها- أن خبر الواحد قد يجرى مجرى ما ثبت من النبي ﵇، ولو سمعنا من النبي ﵇، كان الأخذ به أولى- فكذا هذا. ولقائل أن يقول له: إنما جرى مجرى ما سمع من النبي ﵇ في حق العمل، فكذا القياس: جار مجرى ما سمع من النبي ﵇ في حق العمل. على أنه إن جرى مجراه في حق العمل، لم يجب أن يجرى مجراه في حق الأمور أجمع- ألا ترى أنه لم يجر مجراه في نسخ الكتاب، فكذا في تقديمه على القياس.
٤ - ومنها- أن إثبات الحكم بخبر الواحد يستند إلى قول النبي ﵇ بلا واسطة. وبالقياس مستند إليه بواسطة، فكان الأخذ بالخبر أولى.
ولقائل أن يقول له: إن كان لإثبات الحكم بالخبر مزية من هذا الوجه، فلإثبات الحكم بالقياس مزية، من حيث إنه يستند إلى أصل معلوم.
стр. 466
وأما الذاهبون إلى ترجيح القياس على الخبر [ف] تعلقوا بأشياء:
١ - منها- أن القياس مما لا يجوز تخصيصه، والخبر يجوز تخصيصه، فكان القياس محكماً في الدلالة، فالأخذ به أولى.
ولقائل أن يقول له: هذا يقتضى تقديم القياس على الكتاب والسنة المتواترة. على أنه إن كان للقياس مزية من هذا الوجه، فللخبر مزية من حيث إن دلالة الألفاظ غير مستنبطة، ودلالة القياس مستنبطة من الألفاظ.
٢ - ومنها- أن القياس أثبت من الخبر، لأن الخبر يجوز فيه الكذب على مخبره. ولقائل أن يقول له: جواز الكذب في الخبر كجواز كون الحكم غير متعلق بأمارة القياس، فإن كل واحد منهما جائز، وإن كان الغالب خلافه.
٣ - ومنها- أن القياس يخص به العموم من الكتاب، فلأن يجوز ترك الخبر به أولى، لأن خبر الواحد أضعف في الدلالة من عموم الكتاب.
ولقائل أن يقول: ليس بأن يترك الخبر بالقياس، لأجل أن القياس مما يخص به عموم الكتاب، بأولى من أن يترك القياس بالخبر، لأجل أن الخبر مما يخص به عموم الكتاب. على أنا إذا خصصنا عموم الكتاب بالقياس، لم نكن تاركين العمل بالكتاب أصلاً، فإنه يبقى معمولاً به فيما وراء التخصيص، ولو رجحنا القياس على الخبر كان فيه ترك الخبر أصلاً.
٤ - ومنها- ما روى عن ابن عباس ﵄ أنه رد حديث أبي هريرة ﵁، وهو قوله ﵇: "إذا استيقظ أحدكم من منامه
стр. 467
فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً" وقال: ما نصنع بمهراسنا؟ والمهراس اسم لحجر عظيم منصوب على رأس البئر يوضع الماء فيه ويتوضأ منه، حتى قال أبو هريرة: "يا ابن أخي، إذا رويت لك خبراً: قال النبي ﵇ فلا تضرب لي الأمثال". وإنما رده، لأنه خالف قياس الأصول، لأن قياس الأصول يقتضى إباحة غسل اليد من الإناء، لأنه لا يمكن غسل الأيدي من هذا الإناء قبل إدخال اليد فيه.
ولقائل أن يقول له: لا نسلم أنه إنما رد هذا الخبر، لأنه خالف قياس الأصول، وأي قياس يقتضى إباحة الغسل في الإناء؟ وإنما رد الأخذ به باستعمال هذا النوع من الإناء [في] غسل اليد.
стр. 468
والصحيح هو المذهب المختار. وهو أن يطلب الترجيح بالاجتهاد، على ما ذكرنا: أن الخبر مع القياس تساويا في أن العمل بكل واحد منهما استند إلى دليل معلوم، وهو ما دل على وجوب العمل بالقياس وخبر الواحد يشترط غلبة الظن بوجود وجه القياس وصحة الخبر.
فإن قيل: العمل بالقياس يفتقر إلى الاجتهاد في أمارة القياس- قلنا: والعمل بخبر الواحد يفتقر إلى الاجتهاد في عدالة الراوي والثقة به، فإذا تساويا يجب المصير إلى الترجيح- والله أعلم.
١١٤ - باب في: فائدة الخبر إذا كان البلوى به عاماً- هل يقبل فيه خبر الواحد أم يرد ؟
ذهب أصحاب أبي حنيفة ﵀ أنه لا يقبل خبر الواحد فيما يعم به البلوى- وإليه ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀.
وجماعة من المتكلمين ذهبوا إلى قبوله- وقيل: هو قول الشافعي.
دليلنا في ذلك- أن عدم اشتهار الحديث فيما يعم به البلوى يدل على عدم ثبوته من النبي ﵇، فلا يعمل به. كما إذا اختل بعض شروطه من إسلام الراوي وعدالته وغير ذلك. وإنما قلنا ذلك لأن ما يعم به البلوى لا بد أن يبينه النبي ﵇ بياناً شائعاً، إذ هو المتعين لذلك، وواجب عليه بيان شريعة الإسلام، فلا يظن به ترك الواجب. وبيانه بطريق الشيوع بطريقين: أحدهما أن يبين النبي ﵇ بملأ من الناس حين سمموه جميعاً، [والثاني] أن يسأله كل من يحتاج إليه فيبينه له، حتى عم الكل بالبيان. وإذا كانت كذلك يشتهر، فلا يبقى في حيز الآحاد.
فإن قيل: لم لا يجوز أن النبي ﵇ بين ذلك بياناً ظاهراً، إلا أنهم لم ينقلوه نقلاً مستفيضاً، فلم يشتهر؟ - قلنا: لا نظن بالصحابة رضي الله عنهم
стр. 469
أنهم تغافلوا عن نقل ذلك، وقد تعلق به حكم الشرع، مع ما قد عرفنا من جدهم في أمر الشريعة وحرصهم على بسطها. ولو كان ذلك جائزاً فما يؤمننا أن من سور القرآن ما تغافلوا عن نقله ومن أصول الدين ما هذا حاله؟ ولما لم يجز ذلك، صح ما قلناه.
فإن قيل: إنما يقدمون على نقله إذا وجب عليهم ذلك، وإنما يجب عليهم ذلك إذا وجب العمل بالحديث، ووجوب العمل بالحديث موقوف عل بلوغ الحديث. فمن لم يبلغه الحديث الواحد لا يجب العمل به، فلا تتوفر الدواعي إلى نقله، فلا يشتهر- قلنا: كما أن وجوب العمل بالحديث داع إلى نقله، فبسط الشريعة ونشر الأحكام داع إليه، على أن البلوى إذا كان عاماً فكل أحد يحتاج إلى معرفة حكم [هـ]، حتى لو وقعت الحادثة يمكنه الخروج عن عهدتها، فينبعث كل واحد إلى نقله، حتى يتمكن من احتاج إليه من معرفة حكمه. وبهذا الطريق تواتر نقل أصول الشريعة، كالصوم والصلاة والحج والزكاة. فمتى لم يشتهر النقل عند توفر الدواعي، علم أنه غير ثابت.
فإن قيل: ما قولكم في الأخبار الواردة فيما يخص به البلوى: أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يبين بياناً ظاهراً مع تعينه لذلك، أو بين ولم ينقله السامعون، فكل ما تذكرونه في ذلك فنحن نذكره في المختلف- قلنا: لكل ذلك وجه، إذ لا يمتنع أن يكون النبي ﵇ بين لمن علم اختصاصه بالحاجة إليه، ولا يكون ذلك كتماناً وتقصيراً في البيان، ولا يمتنع أيضاً أن النبي ﵇ بين بياناً شائعاً إلا أنهم اقتصروا على نقله بسبب الحاجة: فأما ما يعم به البلوى فمحال أن يتقاعدوا عن نقله لتوفر الدواعي إليه- على ما مر.
стр. 470
وأما المخالف فقد احتج في المسألة بأشياء:
١ - منها- أن التعبد بخبر الواحد إنما ثبت بكونه من عند النبي ﵇، وذلك إنما يعرف بعدالة الرواة. فإذا وجدت عدالة الرواة هنا وجد ما يجب به القبول، فيجب القبول بحقيقة أن من نقل الحديث فيما يخص به البلوى، فهو الذي ينقله فيما يعم به البلوى. فإذا وجب قبول روايته في أحدهما، فكذلك في الآخر. ولو لم يقبله فيما يعم به البلوى لاتهمناه، وهذا لا يجوز.
٢ - ومنها- أنه لا يمتنع أن يسأل النبي ﵇ واحد أو نفر يسير من الناس، دون غيرهم، فيبين لهم دون الجميع، ثم نقل ذلك السائل، فبقى خبر واحد ولم يشتهر.
٣ - ومنها- ما قد علم أن النبي ﵇ كان يرسل الرسل والكتب إلى الأمصار لتعليم الشرائع، وكان يلزمهم الحجة، بالآحاد، فيما يعم به البلوى ويحص.
والجواب:
أما الأول-[ف] ما ذكرتم إن كان دليلاً على الثبوت، فعدم الاشتهار دليل على عدم الثبوت من الوجه الذي بينا، فلا يثبت مع الشك.
وأما قوله: إن الناقل للحديث فيما يعم به البلوى هو الناقل له فيما يخص به البلوى- قلنا: تعديله فيما يرويه بغالب ظنوننا، وذلك لا يمنع وقوع الغلط والنسيان في بعض ما يرويه، بل يجوز إنه زور عليه في بعض ذلك.
стр. 471
على أنه يجوز أن يكون ألإنسان عدلاً مقبول القول في بعض أقواله، ولا يكون كذلك في البعض، كشهادة الأب: لا تقبل لابنه وتقبل للأجنبي، لتمكن الشبهة في أحدهما دون الآخر.
وأما الثاني- قلنا: إن كان ما سأل النبي ﵇ عنه ما يعم به البلوى، لا بد أن يعم الكل بيانه، وأن يتكرر منه السؤال، بحسب تكرر الحاجة، فيصير شائعاً، على ما مر.
وأما الثالث- قلنا: حال ابتداء الشرع يخالف حالة الانتهاء في هذا الحكم، لأن الشريعة لم تكن مستقرة حينئذ، ولم يمتنع أن ينتهي خبر البيان إلى البعض دون البعض. فأما اليوم فقد استقرت الشريعة فمحال أن يبقى في خبر الآحاد ما يعم به البلوى، كالحوادث الواقعة فيما بين الناس: يخالف حال ابتدائها وحال انتهائها في الاشتهار- والله أعلم.
١١٥ - باب في: قول الصحابي: "أمرنا أن نفعل كذا" ونحو ذلك:
أولاً- لا بد أن نعرف من الصحابي. وما الطريق إلى معرفة كونه صحابياً- فنقول:
أما الصحابي- فهو الشخص الذي يجتمع فيه أمران:
أحدهما- أن يكون أطال مجالسة النبي ﵇، لأن من رآه من الوافدين عليه وغيرهم ممن لم يطل المكث معه لا يسمى صحابياً.
والثاني- أن يكون أطال المكث معه على سبيل الأخذ منه والإتباع له. لأن من أطال مجالسة عالم، لا على سبيل الاستفادة منه والإتباع له، لا يوجب جريانه مع أصحابه.
стр. 472
وأما طريق معرفة كونه صحابياً-[ف] شيئان:
أحدهما- يوجب العلم، وهو الخبر المتواتر بأنه صاحب النبي صلي الله عليه وسلم.
والآخر- يوجب الظن، وهو إخبار الثقة: إما هو أو غيره.
[ثانياً-] إذا عرفنا ذلك- نقول: هنا فصول:
١ - منها- قوله: "أمرنا أن نفعل كذا" أو "أوجب علينا" أو "أبيح لنا" أو "حظر علينا" أو "من السنة كذا".
٢ - ومنها- أن يقول: "قلت [هذا] عن النبي ﵇". أو يقول: "كنا نفعل كذا". أو يقول: "كانوا يفعلون كذا".
٣ - ومنها- أن يقول قولاً لا مجال للاجتهاد فيه.
أما إذا قال: "أمرنا أن نفعل كذا":
* وذهب بعضهم إلى أنه محتمل: يحتمل أمر النبي ﵇ وأمر غيره- وإليه ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀. وعلى ذلك حمل حديث
стр. 473
الراوي: "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة".
والمختار أن الناقل إن كان أبو بكر ﵁ يحمل على أنه قول النبي ﵇، وإن كان غيره فهو محتمل.
والدلالة عليه أن من لزمته طاعة رئيس أو التزم طاعته ثم يقول: "أمرنا أن نفعل كذا" يفهم منه من جهة العادة أن الآمر هو من التزم طاعته دون غيره، كواحد من أولياء السلطان إذا قال: "أمرنا أن نفعل كذا" فهم منه أمر السلطان دون غيره، ولأن غرض القائل بهذا القول إعلام الشرع وإفادة الحكم، فيحمل على من تعين لذلك. وهو في حق أبي بكر ﵁: ليس إلا الرسول ﵇، فيحمل على أمره. وفى حق غير [هـ]: الرسول والخليفة بعده، وهو أبو بكر، فإنه إمام مفترض الطاعة أو غيره من الأئمة، فإن طاعتهم لازمة وإليهم بيان الأحكام والشرائع، فلا يتعين الحمل على أمر النبي ﵇.
فإن قيل: لم لا يحمل على أمر الله تعالى، أو على أمر الأمة، وهو إجماعهم عليه؟ - قلنا: لأن أمر الله تعالى ظاهر لا نستفيد [هـ] من الصحابي. وأمر الأمة بأمر جميع الأمة، وجميع الأمة لا تأمر نفسها بشيء.
وأما إذا قال: "أوجب علينا" أو "أبيح لنا" أو "حظر علينا" يفيد أن الموجب والمبيح والحاظر هو النبي ﵇، لأن الإيجاب والحظر والإباحة على التحقيق لا يكون من بشر سواه، بخلاف الأمر: فإنه قد يأمر الإمام
стр. 474
بما أوجبه الشرع. أما لا يقال: "أوجب الإمام ما أوجبه الشرع". يقال: "أمرنا السلطان أن نقيم الجمعة". أما لا يقال: "أوجب علينا ذلك".
وأما إذا قال: "من السنة كذا" يحمل عند الإطلاق على سنة النبي ﵇، كما إذا قال: "هذا الفعل طاعة- أو- قربة" فهم منه طاعة الله وطاعة رسوله.
فإن قيل: أليس أنه روى عنه ﵇: "من سن سنة حسنة". وكذا قال ﵇: "سن لكم معاذ سنة حسنة" إلى غير ذلك- فعلم أنه لا يختص بالنبي ﵇ قلنا: نحن لا ننكر إطلاق اسم السنة على غير سنة النبي ﵇، مع ضرب تقييد، لكنا ننكر أن يكون المفهوم من السنة عند الإطلاق سنة غيره، وليس فيما ذكرتم دليل على خلاف ذلك.
وأما من قال: "قلت: عن النبي ﵇، فظاهره يفيد أنه قال ذلك عنه ﵇. ويحتمل أنه سمع منه ﵇. لكن الظاهر ما ذكرنا، نظراً إلى العرف، فإن قائلاً لو قال: "أقول هذا القول من الأستاذ" يفهم منه أنه سمع منه.
وأما إذا قال: "كنا نفعل كذا" وغرضه أن يعرفنا أحكام الشرع، اقتضي ظاهره أن جميع الصحابة فعلوا ذلك على عهد النبي ﵇ عل وجه ظهر عليه النبي ﵇ ولم ينكر عليهم ذلك، لأن تعريف الحكم يقع به.
стр. 475
وأما إذا قال: "كانوا يفعلون كذا" يفيد أنه: جميع الأمة فعلت ذلك- أو: فعل البعض وسكت الباقون- أو: فعلوا بأجمعهم فعلاً على وجه ظهر للنبي ﵇ ولم ينكر عليهم- نحو قول عائشة ﵂: "كانوا [لا] يقطعون الأيدي في الشيء التافه".
وأما إذا قال قولاً بنفسه: فإن كان في محل الاجتهاد، فلا يلزمنا تقليده، لأنه محتمل أنه قال عن اجتهاد، واجتهاده لا يترجح على اجتهاد غيره، لما نذكره في أبواب القياس. وإن كان فيما لا مجال للاجتهاد فيه، فحسن الظن يقتضي أنه ما قال ذلك إلا عن طريق، وإذا بطل الاجتهاد تعين السماع من النبي صلي الله عليه وسلم.
١١٦ - باب في: الراوي إذا روى حديثاً لخلاف مذهبه- هل يترك روايته أم لا ؟
اعلم أن الراوي إذا روى حديثاً وعمل بخلافه- فهذا على وجهين:
أحدهما- أن لا يكون الخبر الذي رواه محتملاً للتأويل.
والثاني- أن يكون محتملاً للتأويل والتخصيص، بما هو مذهبه.
نظير الأول- حديث أبي هريرة ﵁ في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً، ومذهبه الاقتصار على الثلاث.
ونظير الثاني- حديث ابن عمر ﵁: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا"، ومذهبه الحمل على تفرق الأبدان.
стр. 476
ففي الوجه الأول- ظاهر مذهب أصحابنا أن الأخذ بمذهبه أولى، ويحمل ذلك على أنه عرف نسخه أو علم بدلالة الحال أن النبي ﵇ لم يرد به ذلك الحكم، بأن كان [ب] صيغة أمر ولم يرد به الإيجاب إلى غير ذلك من الوجوه. وعلى هذا حملنا حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﵇ أراد به الاستحباب.
[و] ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀ إلى أن الأخذ بروايته أولى.
وفي الوجه الثاني- عندنا: يؤخذ بروايته ولا يلتفت إلى مذهبه. وعند الشافعي: الأخذ بمذهبه أولى. ولهذا اخذ بقول ابن عمر ﵁ في القول بتفرق الأبدان.
أما الكلام في الوجه الأول- فالدليل على صحة ما ذهبنا إليه: أن مذهب الراوي بخلاف روايته، إذا لم يكن للتأويل والاجتهاد فيه مجال، لا يخلو: إما إن كان لسهوه وغفلته، أو لترك العمل به تعمداً، أو لأنه عرف نسخه، أو اضطر إلى العلم بقصد النبي ﵇ انه ما أراد ذلك.
فإن كان الأول- فهو خلاف الظاهر. ولو ثبت صار مغفلاً، ورواية المغفل لا تقبل.
ولا وجه للثاني- لأنه لا يظن بالصحابي ذلك.
فيتعين القسم الثالث والرابع، وأيهما ثبت صح مذهبنا.
ووجه ما ذهب إليه الكرخى ﵀ أن الخبر حجة، ومذهب الراوي ليس بحجة، ولا يجوز العدول عما هو حجة إلى ما ليس بحجة.
стр. 477
والجواب:
أن مذهب الراوي، بخلاف روايته، جرى مجرى روايته النسخ، أو إرادة صرفه عما اقتضاه، وذلك حجة.
فإن قيل: هلا نقل الناسخ، وقصد النبي ﵇ إلى خلاف ذلك صريحاً- قلنا: مذهبه مع روايته إذا كان يجرى مجرى النقل لذلك، جاز الاكتفاء به، من غير صريح النقل.
فإن قيل: يحتمل أنه وهم من قصد النبي ﵇ ما لا أصل له، فظن أنه علم ولم يعلم- قلنا: الظاهر من حاله خلاف ذلك، كما أن الظاهر من حال السامع الضابط المتيقظ أنه لا يخطئ سمعه، وإن جاز أن يكون قد وهم من قول النبي ﵇ خلاف ذلك، ثم لم يعتبر ذلك- فكذا هذا.
وأما الوجه الثاني- فالوجه فيه: أنه متى كان للاجتهاد فيه مجال، يحمل مذهب الراوي على الرجوع إلى ما قامت عنده من الدلالة، وتلك الدلالة مفقودة في حق الغير، والواصل إلى الغير لفظ الحديث، فكأن متعبداً به، ما لم تقم الدلالة بخلافه- والله أعلم.
١١٧ - باب في: تعارض الخبرين:
اختلفوا في جواز تعارض الخبرين، بحيث ينعدم جميع وجوه الترجيح:
أنكره بعض- ونقل ذلك عن الكرخى ﵀، وزعم أنه لا بد من رجحان أحدهما على الآخر، على بعض الوجوه. وإن جاز أن يخفى ذلك على بعض المجتهد [ين].
وجوزه الآخرون.
стр. 478
وقد ثبت من مذهب أبي حنيفة ﵀ جواز ذلك، كما قال في سور الحمار: إنه مشكوك فيه، لتعارض الأخبار فيه.
فمن أنكر ذلك قال: إن ذلك تلبيس من الشرع، وهو محال.
والجواب عنه- أنه إنما يكون تلبيساً إذا لم يكن الحكم فيه معلوماً، وحكم تعارض الخبرين معلوم، فإن عند البعض الحكم هو التوقف، وعندنا الحكم هو التخيير- وقد مر وجه ذلك في أبواب العموم في: العمومين إذا تعارضا. والله أعلم.
١١٨ - باب في: ما يترجح [به] أحد الخبرين على الآخر:
والجملة في ذلك أن ترجح أحد الخبرين على الآخر: إما أن يرجع إلى مسنده، أو إلى حال راويه، أو إلى متن الحديث، أو إلى ما سوى ذلك.
أ- أما الذي يرجع إلى مسنده- فوجوه:
١ - منها- أن يكون أحدهما منقولاً بطريق الاستفاضة، والآخر بطريق الآحاد.
стр. 479
فالذي نقل بطريق الاستفاضة أولى، لما أنه يقتضي العلم أو ظناً قريباً من العلم، فالعمل به أولى.
٢ - ومنها- كثرة الرواة. وقد اختلفوا فيه:
فذهب بعضهم إلى أنه لا يقع بها الترجيح- قالوا: الخبر إذا انحط ناقلوه عن عدد التواتر، فالواحد والأكثر فيه سواء.
وذهب عامة أهل الأصول إلى أنه يقع به الترجيح، وهو مذهب الكرخى والشافعي رحمهما الله.
والدلالة عليه- أن أحد الخبرين إنما يترجح على الآخر بقوة يتميز [بها] أحدهما عن الآخر، والكثرة توجب القوة. وإنما قلنا إن الترجيح يقع بالقوة، لأن خبر الواحد إنما يقع موجباً للعمل بغلبة الظن، والقوة في غلبة الظن توجب قوة في وقوعه موجباً للعمل. وإنما قلنا إن الكثرة توجب قوة الظن، لأن سكون النفس بخبر الجماعة أبلغ منه بخبر الواحد. ولأن الرواة إذا بلغوا التواتر يقع العلم بخبرهم، وكلما قاربوا تلك الكثرة، كان الظن بصدقهم أقوى، لأن السهو والغفلة مع الكثرة أقل، ولأن الإنسان قد يستحى عن الكذب إذا اطلع عليه غيره [و] لا يستحى إذا لم يشعر به غيره.
والمخالف- احتج بأن الخبر إذا لم يوجب العلم، فدرجات الظنون فيه غير معتبرة، وصار كالشهادة. والجامع بينهما أن كل واحد منهما خبر يتعلق به حكم. ثم الشهادة لا تترجح بالكثرة، فكذا الخبر. والدليل عليه أن الفتوى لا تترجح بكثرة المفتين، فكذا الخبر.
والجواب- الظن القوى مع الظن الذي هو أضعف منه، بمنزلة العلم
стр. 480
مع الظن، من حيث إن في كل واحد منهما زيادة ليست في الآخر، فكما يترجح العلم على الظن، فكذا هذا.
وأما الشهادة-[ف] من الفقهاء من رجح بالكثرة، وهو مالك ﵀. على أن العمل بالشهادة لا يقف على الظن فقط، فإن خبر الواحد قد يكون أغلب في تغليب الظن من خبر جماعة. وشهادة النساء وحدهن، وإن كثرن، لا تكون حجة مع غلبة الظن، بل يشترط فيها شرائط أخر، نحو لفظ الشهادة والعدل وغير ذلك، فجاز أن يعدل عنها عن درجات الظنون، أما هنا فبخلافه.
وأما الفتوى- قلنا: لو قال قائل: إن الفتوى تترجح بكثرة العدد، فله وجه. ولو قيل بعدم الترجيح بالكثرة، فهو خارج عن قضية ما ذكرنا من الدليل. فإن قوة الفتوى بقوة الاجتهاد والأمارات، لا بالعدد، أما هنا [ف] بخلافه.
٣ - ومنها- أن يكون أحدها منقولاً من جهة السماع، والآخر من جهة الكتاب. فالمنقول من جهة السماع أولى، لأن الكتاب يحتمل من التغيير والزيادة ما لا يحتمله السماع، ولأن الخط يشبه الخط.
٤ - ومنها- أن يكون أحدهما متفقاً عليه: أنه قول الرسول ﵇، والآخر مختلف فيه: أنه قول الرسول أو قول الصحابي. فالمتفق عليه أن قول الرسول ﵇ أولى، لأنه أقوى.
٥ - ومنها- أن يكون أحدهما مرسلاً والآخر مسنداً.
قال بعضهم: ها سيان، لأن الراوي ما لم يعرف عدالته لا يسند، كما أنه ما لا يعرف عدالته لا يرسل.
стр. 481
وقال بعضهم: المسند أولى، لأنه متى ذكر اسم الراوي أمكن للسامع الفحص عن عدالته، فيقوى ظنه به.
وقال بعضهم: المرسل أولى. وهو المنقول عن مالك ﵀. وإليه ذهب عيسى بن أبان.
والدلالة عليه- أن من أسند الحديث فقد قلد العهدة غيره. ومن أرسل فقد تقلد العهدة. فالظاهر أنه لا يقول "قال النبي ﵇" إلا وقد علم أنه ﵇ قد قاله.
٦ - ومنها- أن أحدهما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، والآخر يحتمل وجهين: فالذي لا يحتمل إلا وجهاً واحداً أولى، لأنه أقوى. مثاله: ما روى أنس ﵁ "أن النبي ﵇ كان يلبى بحجة وعمرة" فهذا يقتضي أن يكون القرآن أفضل. وروى ابن عمر ﵁ "أن النبي ﵇ أفرد بحجة" وهذا يقتضى أن الإفراد أفضل. ورواية أنس أولى، لأنه لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، ورواية ابن عمر ﵄ تحتمل وجهين، لأنه يجوز أن الراوي لم يسمع الزيادة، ويحتمل أنه سمع النبي ﵇ قال: "لبيك بحجة" والقارن قد يقول ذلك.
ب- وأما الذي يرجع إلى حال الراوي- فوجوه:
١ - أحدهما- وحاصله: إن "كمل" حال الراوي، كان الظن بروايته أقوى، والسهو والغلط عنه أبعد، [ف] كان أولى.
стр. 482
٢ - ومنها- أن يكون أحدهما أعدل وأورع وأضبط، لأن غلبة الظن بروايته أقوى.
٣ - ومنها- أن يكون أحدهما أفقه وأصلح. وهذا إذا كان يروى الحديث على المعنى. فأما رواية اللفظ فيستوي فيه الفقيه وغيره، لأنه مما لا يلتبس الحال فيه.
٤ - ومنها- كون الراوي من أكابر السلف. وكونه أقدم هجرة. فقد رجح قوم الراوية بهذا، لأن من هذا سبيله كان أعرف بأحوال النبي ﵇ وأشد خبرة من غيره.
٥ - ومنها- الذكورة والحرية. أما الحرية: فلا تأثير لها في قوة الضبط. وأما الذكورة: [ف] إن كان الضبط معها أشد يقع بها الترجيح، وإلا فلا.
ج- وأما الذي يرجع إلى متن الحديث:
فوجوه أيضاً:
١ - منها- أن [يكون] في أحدهما اختلال في اللفظ أو المعنى، والآخر سليماً- فالأخذ به أولى، لبعده عن الخطأ والسهو.
فإن قيل: ما اختل لفظه أو معناه ينبغي أن لا يقبل، ولا معنى للترجيح عليه- قلنا: قد يقبل ذلك، إذا أمكن تصحيحه بالتأويل، على بعض الوجوه.
٢ - ومنها- أن يكون أحدهما قولاً، والآخر فعلاً، فالقول أولى، لأن الفعل قد يتفق لمصلحة اتفقت. وأما القول فيفيد الحكم مطلقاً- مثاله ما روى عن النبي
стр. 483
عليه السلام أنه قال: "أسفروا بالفجر" فهذا يقتضى أن الإسفار أفضل. وروى عنه، أنه يصلى بغلس" وهذا يقتضى أن التغليس أفضل، لما ذكرنا.
٣ - ومنها- أن يكون أحدهما مما عمل به الخلفاء الراشدون أو أحدهم، والآخر لم يعمل به، نحو ما روى أن أبا بكر ﵁ أسفر بالفجر ودوام عليه، فذلك يدل على أن النبي ﵇ داوم عليه، وقد علم ذلك، فيجب الترجيح به.
٤ - ومنها- أن يكون أحدهما متفقاً على استعماله، والآخر مختلفاً فيه. فزعم بعض أن المتفق على استعماله أولى.
والأصح أن يقال: إن أمكن بناء أحد الخبرين على الآخر، بأن يجعل أحدهما مخصصاً للآخر أو ناسخاً له، يجعل كذلك، لما فيه من أعمالهما جميعاً، وإلا فالمتفق على قوله أولى، لأنه أقوى [من المختلف فيه].
٥ - ومنها- أن يعمل أكثر السلف بأحد الخبرين ويعيبوا على من خالف- كخبر الربا. وقد رجح به عيسى بن أبان وجماعة، لأن الأغلب أن يكون
стр. 484
الصواب مع الأكثر. والأصح أنه لا يترجح به، لأن عمل الأكثر ليس بحجة، ويجوز الغلط عليهم، كجوازه على الأقل.
٦ - ومنها- أن يوافق أحد الخبرين حكم العقل الذي لا يجوز الانتقال عنه، كحرمة ذبح الحيوان وغير ذلك. وقد رجح به قوم. والأصح أنه لا يترجح به، لأن العقل لا يقتضى قبحه إلا بشرط أن لا يوجد فيه مصلحة بدليل شرعي وأحد الخبرين يدل عليه، فلا يترجح الآخر عليه.
٧ - ومنها- أن يكون أحد الخبرين مقتضياً إيجاب حد، والآخر يقتضى نفيه. فالمسقط للحد أولى، لأن الحد يسقط بالشبهات وبتعارض البينتين، فوجب إسقاطه بتعارض الخبرين.
٨ - ومنها- أن يكون أحدهما متضمناً للحرية والآخر متضمناً للرق- قال بعضهم: إنهما سيان. والصحيح أن المثبت للحرية أولى، لأن الحرية لا يعرض فيها من الأسباب المبطلة لها ما يعرض للرق، فلا تبطل الحرية بعد ثبوتها، كما يبطل الرق بعد ثبوته، فكانت الحرية آكد.
٩ - ومنها- أن يقتضى أحدهما الحظر والآخر الإباحة، فقد اختلفوا فيه: قال بعضهم: بالتساوي والتساقط، فيطرحان، ويرجع المجتهد إلى غيرها من الأدلة الشرعية أو البقاء على حكم العقل، وإليه ذهب عيسى بن أبان.
وقال بعضهم: المبيح أولى.
стр. 485
وقال بعضهم: الخاطر أولى.
وحكي عن الكرخي ﵀ أن الحاظر أولى، فيما كان أصله الإباحة.
وقيل: المبيح أولى فيما كان أصله الحظر.
ونحن نقول: إذا اقتضي أحد الخبرين الحظر واقتضي الآخر الإباحة، فإن أحدهما لابد أن يكون مطابقاً لما يقتضيه العقل، فيكون الناقل عنه أولى، لكونه متأخراً، لأن الظاهر أن الأول هو المقرر لقضية النقل، لأن فيه تقليل النسخ، لأنه نسخ بقضية الأصل والخبر المطابق له مرة واحدة. ولو كان الناقل عن قضية العقل هو المتقدم كان ناسخاً لها، ثم الموافق لقضية العقل يرد بعد ذلك، فيكون ناسخاً للناقل عنها فيؤدى إلى النسخ مرتين، ولا شك أن الأول أولى.
стр. 486
فإن قيل: قد يكون قضية العقل الوجوب، وأحد الخبرين مبيح والآخر حاظر، فلا يكون أحدهما بأن يجعل ناقلاً أولى من الآخر- قلنا: ليس كذلك، لأن الخبر الحاظر هو الناقل عن قضية العقل الذي هو الوجوب، لأن المبيح لا يقتضى إلا مجرد الحسن، وإنه لا ينافى الوجوب. وأما الحاظر فإنه ينافى الوجوب- هذا هو تقرير هذا الوجه، إلا أنا نتكلم مع هذا: إن الحظر هل هو وجه مرجح كما أن كونه ناقلاً وجه مرجح- فنقول: الدلالة على ذلك أن العمل على الحاظر أحوط، لأن الفعل إن كان محظوراً فقد تجنبه المكلف، وإن كان مباحاً لم يضره تركه. ولا كذلك إذا استباحه وفعله، لأنه يحتمل أنه محظور، فيلزمه بفعله ضرر.
فإن قيل: في حمله على الحظر ضرر، لأنه ربما يكون مباحاً، فإذا اعتقده محظوراً كان مقدماً على اعتقاد هو جهل وقبيح- قلنا: إذا كان الفعل محظوراً كان بحمله على الإباحة مقدماً على قبيحين: أحدهما فعله، والآخر اعتقاده. وإن كان مباحاً يكون تركه قبيحاً وكان مقدماً على قبيح واحد، وكان التجنب عنه أولى. وإذا ثبت أن تجنب الفعل أولى من الإقدام عليه، وهو الذي تعارض فيه الخبران قطعاً، دل على أن اعتقاد تجنبه وحظره ليس بجهل ولا قبيح.
وأما من قال بالتساقط- قال: بأنا علمنا تقدم أحد الخبرين على الآخر، ولم نعلم أيهما المتقدم، جاز كون كل واحد منهما هو المتأخر الذي يجب العمل به بدلاً عن صاحبه، ولا يمكن استعمالهما لتنافى حكميهما، ولا يجوز
стр. 487
العمل بأحدهما، لأنه ليس بأولى من الآخر، فلم يبق إلا اطراحهما وجريا مجرى [عقدي وليين على امرأة] ولا نعلم تقدم أحدهما، فإنهما يبطلان. ومجرى موت الغرقى من أنه إذا لم يعلم تقدم موت أحدهم على الآخر، يبطل حكم الإرث بينهم.
والجواب- أنه إذا جاز أن يكون كل واحد من الخبرين هو المتأخر، [ف] لم يكن العمل بأحدهما أولى من الآخر، هو نفس الخلاف، لأن المخالف يقول: بل العمل بالحاظر أولى. ووجهه ما مر. ولا يشبه ذلك عقدي الوليين، لأنه ليس أحد الفعلين حاظراً والآخر مبيحاً، فلا تعارض بينهما، بل وقع الشك في سبب الحل في كل واحد منهما، فلا يثبت. وكذلك الغرقى لما تدافع موتهم، لأنه ليس فيهم جهة ما، تخصه [ب] الإباحة، وجهة ما تخصه [ب] الحظ، بل وقع الشك في سبب الإرث في كل واحد منهما.
وأما من قال إن المبيح أولى- قال: إن الأصل في الأشياء الإباحة، فقد عاضده الأصل، وفيه كلام: إن الحظر هو الأصل، أو الإباحة؟ وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
١٠ - ومنها- أن يكون أحدهما مثبتاً والآخر نافياً.
وقال بعضهم: إنهما سواء.
وإنا نقول: الكلام فيه على نحو ما ذكرنا في الحاظر والمبيح، لأنه لا بد أن يكون أحدهما مطابقاً لحكم العقل، لأنه لا فعل من الأفعال إلا وله في العقل
стр. 488
حكم: إما الحسن أو القبح أو الوجوب، فلا يكون أحد الخبرين نفياً والآخر إثباتاً، إلا والنفي منهما نفى لواحد من هذه الأحكام، والإثبات منهما إثبات لبعضهما، وإذا كان أحدها مطابقاً لقضية العقل، كان الناقل أولى- على ما مر.
د- وأما الذي رجع إلى ما سوى ذلك:
فهو قياس الأصول إذا شهد بما دل عليه أحد الخبرين، لأن قياس الأصول إذا تفرد بنفسه يعمل به. فإذا ثبت الترجيح بما لا يكفى في نفسه لإثبات الحكم، فلأن يثبت، بما يكفى بنفسه لإثبات الحكم، أولى.
فإن قيل: هذا ترجيح بكثرة الدليل، والترجيح لا يثبت بكثرة الأدلة- قلنا: القياس ليس بحجة في مقابلة الحديث، فجاز أن يجعل كالصفة الزائدة، فيتقوى به. على أن الترجيح يثبت بكثرة الأدلة إذا اختلف جنس الدليل، وهنا اختلف.
والله أعلم.
стр. 489
[ب]
باب
الأفعال
١١٩ - [أقسامها]:
اعلم أن الفرض من الكلام في الأفعال أن ينظر: إن أفعال رسول الله صلي الله عليه وسلم هل تدل على حكم ما؟ وإن دلت [فهل] على حكم فعل أو حكم ترك؟ وذلك يقتضى أن نقسم الأفعال أقساها على حسب أحكامها في الحسن والقبح، وما يتفرع عليهما- فنقول:
الأفعال الصادرة عن الإنسان لا تخلو: إما إن صد [ت] وهو ليس على حكم التكليف، أو صدر [ت] وهو على حالة التكليف.
فالأول- نحو أفعال النائم والساهي والطفل والمجنون. وهذه الأفعال لا حكم لها في المدح والذم. وربما يتعلق بها الضمان عند الإتلاف في المال والنفس. والمخاطب بإخراج المال، في حق الصبي والمجنون، الولي.
والثاني- ضربان:
أحدهما- ما صح للقادر عليه المتمكن من فعله أن يفعله، وهو الحسن. والآخر- ما ليس للقادر عليه، المتمكن من فعله أن يفعله، وهو القبيح.
стр. 490
وقد ذكرنا حد الحسن والقبيح في صدر الكتاب.
[١ - القبيح]:
ولا نحد القبيح بأنه فعل يستحق عليه الذم والعقاب، لأن الفعل قد لا يستحق عليه الذم والعقاب لمانع، مع كونه قبيحاً.
وقد يوصف القبيح بأوصاف:
منها- وصفنا إياه بأنه محظور- هو عند الإطلاق يفيد أنه خلاف موجب أمر الله تعالى أو ما يجرى مجرى الأمر.
ومنها- وصفنا إياه بأنه محظور. وقد ذكرنا معناه في صدر الكتاب. وكذلك المحرم.
ومنها- وصفنا إياه بأنه ذنب. وهو فعل يتوقع عليه العقاب. ولهذا لا يوصف فعل الصبي والمجنون بأنه ذنب، لأنه لا يتوقع عليه العقاب. أما فعل المراهق فقد يوصف بأنه ذنب، لما يلحقه من التأديب.
ومنها- وصفه بأنه مكروه. وهو عند الإطلاق يفيد أن الله تعالى كرهه. وفقهاء العراق يقسمون القبيح إلى: المحظور، وما الأولى أن لا يفعل،
стр. 491
وإلى المكروه، وما لا بأس به.
- أما المحظور-[ف] كأكل الميتة والدم وكل ما طريق قبحه مقطوع به.
- وأما المكروه-[ف] كاستعمال سور كثير من السباع وكل ما طريق قبحه مجتهد فيه.
وأما الأولى أن لا يفعل-[ف] كسور الهرة عند أبي حنيفة ﵀.
- وأما ما لا بأس به-[ف] هو [ما فيه أدنى شبهة كاستعمال أسآر كثير مما يؤكل لحمه. فأما ما لا شبهة فيه كالماء فإنه لا يقال: لا بأس به].
[٢ - الحسن]:
القسم الثاني- وهو ما القادر عليه المتمكن من الفعل أن يفعله- فهو على ضربين:
(أ) أحدهما- ما ليس له صفة زائدة على حسنه، وهو المباح، وحده ما مر في صدر الكتاب.
стр. 492
ومعني إباحة الشرع الفعل- أن الله تعالى أعلمنا ذلك أو دلنا عليه. وكذا يوصف بأنه طلق وحلال. ومعناه الإباحة. ولذلك لا يوصف أفعال الله تعالى الحسنة نحو تعذيب من يستحقه- بأنها مباحة. ومن حق المباح أن لا يستحق الثواب على فعله، إذ لو استحق عليه الثواب لكان بصفة يترجح بها فعله على تركه. وما يروى أن الرجل ليثاب على وطء امرأته حيث قال: "أرأيت لو وضعته في الحرام لكنت تعاقب عليه؟ ". فهذا يشير إلى أنه يستحق الثواب بعدوله عن الحرام وقصر نفسه على الحلال.
(ب) وأما الضرب الثاني- فعلى ضربين:
أحدهما- ما ليس للإخلال به تأثير في استحقاق الذم، وهو المندوب. وحده ما ذكرناه في صدر الكتاب. فقد يوصف بأنه مرغب فيه. ومعناه عند الإطلاق أنه مرغب فيه بالثواب. وقد يوصف بأنه مستحب، ومعناه عند الإطلاق أن الله تعالى أحبه. وقد يوصف بأنه نفل، ومعناه أنه طاعة غير واجبة. ويوصف بأنه تطوع، ومعناه انقياد المكلف لأمره طوعاً من غير لزوم. ويوصف بأنه سنة، ومعناه عند البعض أنه "طاعة" عرفت بفعل الرسول غير واجبة. ولهذا يذكر في مقابلة الواجب- يقال: واجب وسنة. وقال بعضهم: اسم "السنة" لا يختص بما ليس بواجب، بل يطلق على كل ما عرف وجوبه أو كونه مندوباً بأمر الرسول ﵇ وبإدامته عليه، ولهذا يسمى الختان سنة ولا يراد به أنه غير واجب.
ومن حق المندوب أن لا يستحق العقاب على الإخلال به، إذ لو استحق لدخل تحت الواجبات.
والفقهاء إنما ذموا على ترك السنة، لاستدلالهم بذلك على الاستهانة بالخبر وزهده فيه. وكان الذم على فعل القبيح، لا على ترك المندوب.
стр. 493
والضرب الثاني- ما للإخلال به مدخل في استحقاق الذم، وهو الواجب. وقد ذكرناه في صدر الكتاب. وقد دخل فيه الواجب المعين والمخبر والواجب على الكفاية. لأن الواجب المخير هو المختص بحالة تقتضى استحقاق الذم على الإخلال به ويبدله. ثم الواجبات المعينة لا يقف استحقاق الذم على الإخلال بها على ظن إخلال الغير بها كالصلوات الخمس. وأما الواجبات على سبيل الكفاية [ف] يقف استحقاق الذم على الإخلال بها على ظن إخلال الغير بها، كالجهاد ونحوه.
فأما ماهية الوجوب- وهى الصفة المقتضية لاستحقاق الذم على الإخلال به-[ف] ثابتة في الكل.
ولما ذكرنا من حد النقل والفرض، يستحيل أن يوصف الفعل الواحد بأنه نفل وفرض. والفقهاء إذا وصفوا الحج والصوم بأنها نافلة، والمضي فيهما واجب، فإنما عنوا به أن ابتداءهما نفل والمضي فيهما واجب، فيرجع وصفهم بأنه نفل وواجب إلى فعلين، لا إلي فعل واحد- والله أعلم.
١٢٠ - باب في: ذكر القادرين الذين يجوز عليهم الفعل الحسن والقبيح:
اعلم أن كل قادر- فإنا نجوز وقوع الأفعال الحسنة منه، إلا ما أخبر الله تعالى أو رسوله أنه لا يفعل.
وأما الأفعال القبيحة- فإنه لا تجوز على الله تعالى لحكمته واستغنائه.
وكذلك لا تجوز على جماعة الملائكة، لأنهم معصومون عن ذلك بإخبار
стр. 494
الله تعالى في قوله: [لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ].
وكذلك لا تجوز على جماعة الأمة، لإخبار الله تعالى ورسوله عن ذلك على ما نحن نقرره في باب الإجماع.
وأما الأنبياء- فلا يجوز عليهم ما يوجب خللاً في أداء الرسالة والتعليم والقبول:
فالأول- وهو ما يخل بالأداء: هو الكذب والكتمان والسهو فيما يؤدى، لأن تجويز ذلك يوجب ارتفاع الثقة ويؤدى إلى الإغراء بالجهل والقبيح، وذا لا يجوز على الله تعالى. ويجوز عليهم السهو في غير حالة الأداء، لكن على وجه لا يؤدى إلى التباس.
والثاني- وهو ما يخل بالتعليم، وهو الجهل. فيجب أن يعرف من أمور الدين [ما] لو سئل [عنه] لكان عنده جوابه، أو يمكنه إبراز جوابه.
والثالث- وهو الذي يخل بالقبول: الكبائر والصغائر والكذب في غير ما يؤدى، لأن ذلك ما يوجب التنفير ويرفع الثقة. وكذا الفظاظة والغلظة، لأنه يوجب التنفير. وكذلك المباحات المستخفة القادحة في التعظيم الصارفة عن القبول، إلا ما يشعر باللطف والتواضع ولا يوجب التنفير- يعرف ذلك بدلالة الحال، كما روى عنه ﵇: أنه ركب الحمار معرورياً،
стр. 495
وأردف غيره دابته. ونحو ذلك. وكذلك الكتابة والشعر، إذ كانت معجزته الفصاحة والإخبار عن الغيوب. وقد عرف تمام ذلك في موضعه.
* * *
١٢١ - باب في: ذكر معنى: التأسي، والمتابعة، والموافقة، والمخالفة، والائتمام .
اعلم أنا متى تعبدنا بالتأسي وإتباع النبي ﵇، وكانت الموافقة والمخالفة تذكران في الاحتجاج في ذلك- فيوجب ذلك أن نذكر هذه الألفاظ وتعلقها- فنقول:
التأسي:
قد يكون في الفعل، وقد يكون في الترك.
أما التأسي في الفعل-[ف] هو أن نفعل مثلما فعل النبي ﵇، في صورته، على الوجه الذي فعله، لأجل أنه فعله.
وإنما شرطنا المماثلة- في الصورة- لأن النبي ﵇ إذا صلى فصمنا، أو إذا صام فصلينا، لم نكن متأسين به.
وأما اعتبار الوجه- فنعنى به الأغراض. فكل شيء عرفناه في الفعل، اعتبرناه في التأسي، و (إلا فلا نعتبره. ومن جملة ذلك النية: فإن النبي ﵇ إذا تنفل فافترضنا، أو افترض بفعل فتنفلنا، لم نكن متأسين به.
следующие страницы →