← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133362

بذل النظر في الأصول

العلاء الأسمندي

Полный текст (696 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وإلى المكروه، وما لا بأس به. - أما المحظور-[ف] كأكل الميتة والدم وكل ما طريق قبحه مقطوع به. - وأما المكروه-[ف] كاستعمال سور كثير من السباع وكل ما طريق قبحه مجتهد فيه. وأما الأولى أن لا يفعل-[ف] كسور الهرة عند أبي حنيفة ﵀. - وأما ما لا بأس به-[ف] هو [ما فيه أدنى شبهة كاستعمال أسآر كثير مما يؤكل لحمه. فأما ما لا شبهة فيه كالماء فإنه لا يقال: لا بأس به]. [٢ - الحسن]: القسم الثاني- وهو ما القادر عليه المتمكن من الفعل أن يفعله- فهو على ضربين: (أ) أحدهما- ما ليس له صفة زائدة على حسنه، وهو المباح، وحده ما مر في صدر الكتاب.

стр. 492

ومعني إباحة الشرع الفعل- أن الله تعالى أعلمنا ذلك أو دلنا عليه. وكذا يوصف بأنه طلق وحلال. ومعناه الإباحة. ولذلك لا يوصف أفعال الله تعالى الحسنة نحو تعذيب من يستحقه- بأنها مباحة. ومن حق المباح أن لا يستحق الثواب على فعله، إذ لو استحق عليه الثواب لكان بصفة يترجح بها فعله على تركه. وما يروى أن الرجل ليثاب على وطء امرأته حيث قال: "أرأيت لو وضعته في الحرام لكنت تعاقب عليه؟ ". فهذا يشير إلى أنه يستحق الثواب بعدوله عن الحرام وقصر نفسه على الحلال. (ب) وأما الضرب الثاني- فعلى ضربين: أحدهما- ما ليس للإخلال به تأثير في استحقاق الذم، وهو المندوب. وحده ما ذكرناه في صدر الكتاب. فقد يوصف بأنه مرغب فيه. ومعناه عند الإطلاق أنه مرغب فيه بالثواب. وقد يوصف بأنه مستحب، ومعناه عند الإطلاق أن الله تعالى أحبه. وقد يوصف بأنه نفل، ومعناه أنه طاعة غير واجبة. ويوصف بأنه تطوع، ومعناه انقياد المكلف لأمره طوعاً من غير لزوم. ويوصف بأنه سنة، ومعناه عند البعض أنه "طاعة" عرفت بفعل الرسول غير واجبة. ولهذا يذكر في مقابلة الواجب- يقال: واجب وسنة. وقال بعضهم: اسم "السنة" لا يختص بما ليس بواجب، بل يطلق على كل ما عرف وجوبه أو كونه مندوباً بأمر الرسول ﵇ وبإدامته عليه، ولهذا يسمى الختان سنة ولا يراد به أنه غير واجب. ومن حق المندوب أن لا يستحق العقاب على الإخلال به، إذ لو استحق لدخل تحت الواجبات. والفقهاء إنما ذموا على ترك السنة، لاستدلالهم بذلك على الاستهانة بالخبر وزهده فيه. وكان الذم على فعل القبيح، لا على ترك المندوب.

стр. 493

والضرب الثاني- ما للإخلال به مدخل في استحقاق الذم، وهو الواجب. وقد ذكرناه في صدر الكتاب. وقد دخل فيه الواجب المعين والمخبر والواجب على الكفاية. لأن الواجب المخير هو المختص بحالة تقتضى استحقاق الذم على الإخلال به ويبدله. ثم الواجبات المعينة لا يقف استحقاق الذم على الإخلال بها على ظن إخلال الغير بها كالصلوات الخمس. وأما الواجبات على سبيل الكفاية [ف] يقف استحقاق الذم على الإخلال بها على ظن إخلال الغير بها، كالجهاد ونحوه. فأما ماهية الوجوب- وهى الصفة المقتضية لاستحقاق الذم على الإخلال به-[ف] ثابتة في الكل. ولما ذكرنا من حد النقل والفرض، يستحيل أن يوصف الفعل الواحد بأنه نفل وفرض. والفقهاء إذا وصفوا الحج والصوم بأنها نافلة، والمضي فيهما واجب، فإنما عنوا به أن ابتداءهما نفل والمضي فيهما واجب، فيرجع وصفهم بأنه نفل وواجب إلى فعلين، لا إلي فعل واحد- والله أعلم. ١٢٠ - باب في: ذكر القادرين الذين يجوز عليهم الفعل الحسن والقبيح: اعلم أن كل قادر- فإنا نجوز وقوع الأفعال الحسنة منه، إلا ما أخبر الله تعالى أو رسوله أنه لا يفعل. وأما الأفعال القبيحة- فإنه لا تجوز على الله تعالى لحكمته واستغنائه. وكذلك لا تجوز على جماعة الملائكة، لأنهم معصومون عن ذلك بإخبار

стр. 494

الله تعالى في قوله: [لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ]. وكذلك لا تجوز على جماعة الأمة، لإخبار الله تعالى ورسوله عن ذلك على ما نحن نقرره في باب الإجماع. وأما الأنبياء- فلا يجوز عليهم ما يوجب خللاً في أداء الرسالة والتعليم والقبول: فالأول- وهو ما يخل بالأداء: هو الكذب والكتمان والسهو فيما يؤدى، لأن تجويز ذلك يوجب ارتفاع الثقة ويؤدى إلى الإغراء بالجهل والقبيح، وذا لا يجوز على الله تعالى. ويجوز عليهم السهو في غير حالة الأداء، لكن على وجه لا يؤدى إلى التباس. والثاني- وهو ما يخل بالتعليم، وهو الجهل. فيجب أن يعرف من أمور الدين [ما] لو سئل [عنه] لكان عنده جوابه، أو يمكنه إبراز جوابه. والثالث- وهو الذي يخل بالقبول: الكبائر والصغائر والكذب في غير ما يؤدى، لأن ذلك ما يوجب التنفير ويرفع الثقة. وكذا الفظاظة والغلظة، لأنه يوجب التنفير. وكذلك المباحات المستخفة القادحة في التعظيم الصارفة عن القبول، إلا ما يشعر باللطف والتواضع ولا يوجب التنفير- يعرف ذلك بدلالة الحال، كما روى عنه ﵇: أنه ركب الحمار معرورياً،

стр. 495

وأردف غيره دابته. ونحو ذلك. وكذلك الكتابة والشعر، إذ كانت معجزته الفصاحة والإخبار عن الغيوب. وقد عرف تمام ذلك في موضعه. * * * ١٢١ - باب في: ذكر معنى: التأسي، والمتابعة، والموافقة، والمخالفة، والائتمام . اعلم أنا متى تعبدنا بالتأسي وإتباع النبي ﵇، وكانت الموافقة والمخالفة تذكران في الاحتجاج في ذلك- فيوجب ذلك أن نذكر هذه الألفاظ وتعلقها- فنقول: التأسي: قد يكون في الفعل، وقد يكون في الترك. أما التأسي في الفعل-[ف] هو أن نفعل مثلما فعل النبي ﵇، في صورته، على الوجه الذي فعله، لأجل أنه فعله. وإنما شرطنا المماثلة- في الصورة- لأن النبي ﵇ إذا صلى فصمنا، أو إذا صام فصلينا، لم نكن متأسين به. وأما اعتبار الوجه- فنعنى به الأغراض. فكل شيء عرفناه في الفعل، اعتبرناه في التأسي، و (إلا فلا نعتبره. ومن جملة ذلك النية: فإن النبي ﵇ إذا تنفل فافترضنا، أو افترض بفعل فتنفلنا، لم نكن متأسين به.

стр. 496

وأما المكان والزمان- إذا عرفناهما غرضين في الفعل اعتبرناها في التأسي. وإذا لم نعرف لا نعتبره. مثال الأول- الوقوف بعرفة وصوم شهر رمضان والجمعة في وقتها. ومثال الثاني- أن اتفق من النبي صلي الله عليه وسلم التصدق في زمان مخصوص في مكان مخصوص بيده اليمني، فإذا تصدقنا في غير ذلك المكان، في غير ذلك الزمان باليد اليسرى، كنا متأسين، لأنا عرفنا أن المكان والزمان لا يعتبر بهما في باب الصدقة. وأما اعتبار المعنى الثالث- فلأن النبي ﵇ إذا صلى، فصلى رجلان من أمته، وصف كل واحد منهما بأنه متأس بالنبي ﵇، لا بصاحبه، لأن كل واحد منهما فعل لأجل أن النبي ﵇ فعل، لا لأجل أن صاحبه فعل. وأما التأسي في الترك-[ف] هو أن النبي ﵇ إذا ترك الصلاة عند طلوع الشمس، فإذا تركنا على الوجه الذي ترك، لأجل أنه ترك، كنا متأسين به، ﵇. وليس شرط التأسي أن يستفيد المتأسي وجوب الفعل وصورته من جهة من يتأسي به، فإنا موصوفون بأنا متأسون بالنبي ﵇ بالصبر على الشدائد والشكر على النعم، إذا كنا فعلنا على الوجه الذي فعل، وإن كنا لا نعرف وجوبه من جهته. وهذا ليس بممتنع: أن نفعل مثلما فعل النبي ﵇، لأجل أنه فعل، لعلمنا حسنه. وإذا لم يمتنع ذلك، فلا يمتنع وقوع التأسي، وإن عرف وجوبه بدليل آخر. وأما المتابعة: [ف] قد تكون في القول، وقد تكون في الفعل.

стр. 497

أما الإتباع في القول- فهو المصير إلى ما اقتضاه القول من وجوب أو ندب أو حظر لأجله. وأما الإتباع في الفعل- فهو إيقاع مثله في صورته، على وجهه الذي فعله، لأجله. وإنما شرطنا في الإتباع ما شرطنا في التأسي، لأنه ﵇ إذا صلى فصمنا، أو صلى فرضاً فتنفلنا بالصلاة، أو صلينا الفرض، لا لأجل أنه فعل، لم نكن متبعين له. وأما الموافقة: فقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل. فالأول- هو المشاركة فيما قيل: "إن الموافقة حصلت فيه"، وإن اختلف دليلهما. فإنه يقال: "وافق زيد عمراً في مسألة كذا": أفاد أنهما اشتركا في المذهب والقول به فقط. وليس شرطه أن يعتقد لأجل أنه اعتقد: فإنه يصح أن يقال: وافق فلان فلاناً في مسألة الرؤية، وإن كان قد يعتقده لقيام الدلالة عليه. و[الثاني]: أما الموافقة في الفعل فهو إيقاع مثله في صورته، على وجهه. ولا يشترط أن يكون لأجله، لأنه يستقيم أن يقال: "وافق فلان فلاناً إذا فعل مثلما فعل على الوجه الذي فعل"، وإن لم يكن فعله لأجله.

стр. 498

وأما المخالفة: [ف] قد تكون في القول، وقد تكون في الفعل. فالأول- هو العدول عما اقتضاه القول من إقدام أو إحجام. و[الثاني]: أما المخالفة في الفعل- فهو العدول عن إتباع مثله في صورته إذا وجب عليه امتثاله. لأنه إذا لم يجب عليه ذلك، لا يوصف بذلك كله- ألا ترى أن إخلال الحائض بالصوم والصلاة لا يسمى مخالفة النبي ﵇، لأنه لم يجب عليها إتباعه في ذلك. وأما الائتمام: فهو الاقتداء والإتباع- يقال: "ائتم فلان فلاناً في الصلاة"- أفاد أنه اقتدى به واتبعه، في فعلها، على الوجه الذي أوقعها عليه. * * * هذا هو معنى هذه الألفاظ- والله أعلم. ١٢٢ - باب في: دلالة أفعال النبي ﵇ على الأحكام: اعلم أنه لا خلاف بين الأمة في جواز الاستدلال بأفعال النبي ﵇ على الأحكام. لكنهم اختلفوا: ١ - فذهب قوم إلى أن مجردها دلالة على الأحكام. ثم اختلفوا فيما بينهم: * قال بعضهم: إنها تدل على الوجوب. * وقال بعضهم: إنها تدل على الندب. * وقال بعضهم: إنها تدل على الإباحة. ٢ - وذهب آخرون إلى أن مجردها لا يدل على الأحكام إلا إذا عرف وجه إيقاعها عليه. فإذا عرفنا [وقوعها على] وجه وجوبها: [فإنها] تدل على

стр. 499

وجوب مثلها علينا. وإذا عرفنا وقوعها على جهة النفل: كنا متعبدين بالتنفل بها. وإذا عرفنا وقوعها على جهة الإباحة: كنا متعبدين باعتقاد الإباحة فيها. أما جهة الحظر- فهي منتفية عن أفعال النبي ﵇ أصلاً، على ما مر، فلا تحتمله. فنتكلم أولاً في: أن مجرده يدل على الوجوب وغيره، مما ذكرنا من الأحكام. ثم [ثانياً] نبين وجوب التأسي به إذا عرفنا وقوعها على جهة من هذه الجهات. أما الأول: (أ) - فالدلالة عليه أن الوجه في وجوب الشرعيات، أو التعبد بها نفلاً، كونه مصالح في حق العبادة، وفعله ﵇ يدل على الحسن، وانتفاء الحظر عنه في حقه لعصمته. أما لا يدل على كونه مصلحة في حق غيره، لأن المصالح تختلف باختلاف أحوال المكلفين- ألا ترى أن المقيم مع المسافر، والحائض مع الطاهر، يختلفان في حكم الشرع، لاختلاف أحوالهما. ومتى لم يعرف كونه مصلحة في حق غيره، لكونه مصلحة في حقه، فلا نعلم وجه الوجوب، أو وجه الندب، والإباحة، في حق غيره، والحكم، في حقه. (ب) - والخصوم تعلقوا بأشياء بعضها عقلي وبعضها سمعي [في القول بالوجوب]: أما العقلي: ١ - فمنه- أنه لو لم يلزمنا إتباعه في الأفعال ولا يجب علينا فعل ما فعله، لكان تنفيراً عنه، وهذا قبيح.

стр. 500

٢ - ومنه- أنه لو لم يكن منا الإتباع في أفعاله، لا يلزمنا الإتباع في أقواله، وذلك تنفير عنه، والجامع بينهما أن في ذلك تجويز مخالفته، فيجب علينا إتباع أفعاله وأقواله، حتى لا نكون مخالفين له. وأما السمعي: ٣ - فمنه- تعلقهم بقوله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ... ] فالله تعالى أوجب التأسي، وهدد على تركه، فدل ذلك على وجوب التأسي به. ٤ - ومنه- قوله تعالى: [فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ]: حذر من مخالفة أمره، وذا يقتضي وجوب ترك المخالفة. واسم الأمر يتناول القول والفعل جميعاً، فيلزمه ترك المخالفة في الأمرين جميعاً. ٥ - ومنه- قوله تعالى: [وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ] أمرنا بطاعة الرسول ﵇، وطاعة الرسول ﵇ في طاعته [ف] قوله وفعله، وذلك بإتباع قوله وفعله. ٦ - ومنه- قوله تعالى: [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]. والإيتاء يقع على القول والفعل جميعاً. ولأن الإيتاء هو الإعطاء،

стр. 501

والنبي ﵇ يعطينا مصالح ديننا بفعله، كما يعطينا ديننا بقوله، فيجب الأخذ به. ٧ - ومنه- أن النبي صلى الله عليه خلع نعله في صلاته، فخلع الناس نعالهم. فلولا أنهم عرفوا وجوب الإتباع في فعله لما فعلوا ذلك. ٨ - ومنه- أن الوجوب أعلى مراتب الفعل، فيجب حمل أفعاله ﵇ عليه- تعظيماً لشأنه. (ج) - وأما من حمله على الندب، فقال: إن للفعل مراتب: وهو الوجوب أو الندب أو الإباحة، والندب هو المتوسط، والحمل عليه أولى من حمله على الإباحة. (د) - وقيل: إن الإباحة أدنى المراتب، وهو المتيقن، فالحمل عليه أولى. والجواب: أما شبه القائلين بالوجوب [فمردودة بما يلي]: أما الأولى- قلنا: مفارقته إيانا لم توجب التنفير، أليس أنا فارقناه في كثير من الأفعال من المناكح وصلاة الليل وغيرهما، ولا يوجب ذلك التنفير- كيف وإنه لو صرح بنفي المساواة وقال: "اعلموا أنى رسول الله إليكم: أعلمكم مصالح دينكم، ولا يلزمكم إتباعي في أفعالي" لا يكون تنفيراً- فهذا كذلك. وأما الثانية- قلنا: المفارقة بين الأفعال والأقوال ظاهرة. وهى أن الأقوال وضعت لمعان: فالأمر وضع للإيجاب، والنهى للحظر، والخبر وضع لإبانة ما جعل خبراً عنه، والحكمة تقتضي أن من خاطب قوماً بلغتهم يعنى بخطابه

стр. 502

ما عنوه، فيجب حمل كل لفظ على ما وضع له. وهذه الطريقة منعدمة في الأفعال، لما أنها غير موضوعة لمعنى من المعاني. وقوله: لو لم يجب إتباعه في الفعلين، كنا محالفين له- قلنا: إنما كنا مخالفين إذا فعلنا ما حرم علينا، أو تركنا ما وجب علينا، لما ذكرنا في بيان معنى المخالفة. فعليهم أن يبينوا أن فعله دل على الوجوب، حتى كنا مخالفين له، إذا لم نفعل- ألا ترى أنا لا نوصف بأنا مخالفين له إذا لم نفعل مثلما فعل من المناكح وغيره، لما أنه لم يجب علينا- فكذا هذا. وأما الثالثة- قلنا: الآية تدل على وجوب التأسي بالنبي ﵇. والتأسي هو أن نفعل مثلما فعله، على الوجه الذي فعله، لأجل أنه فعله، ونحن قائلون به: إذا عرفنا جهة الوجوب في فعله، يجب علينا إتباعه على تلك الجهة. وكذلك إذا عرفنا جهة الندب والإباحة، نفعله على ذلك الوجه. وأما أن يجب علينا أن نفعل كل ما فعله الرسول ﵇، فليس هذا قضية الآية. وهو الجواب عن التمسك بقوله تعالى: [فَاتَّبِعُوهُ]. وأما الرابعة- قلنا: اسم الأمر لا يقع على الفعل إلا مجازاً، لما مر في صدر الكتاب.

стр. 503

ثم نقول: إنه لا يتناوله الفعل هنا، لأنه راجع إلى الدعاء المذكور في صدر الآية، بقوله تعالى: [لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً] واسم الدعاء لا يطلق إلا على القول، على أنا نقول: القول مراد بهذا النص، فلا يبقى الفعل مراداً، كي لا يؤدي إلى اجتماع معنيين مختلفين في لفظ واحد. وأما الخامسة- قلنا: طاعة الرسول هو أن نفعل ما أمر به وأراده منا، فعليكم أن تبينوا أن النبي ﵇ أراد بفعله أن نفعل ما فعله، من غير أن نعقل وجه الوجوب فيه، حتى ندخل تحت ظاهر الآية. وأما السادسة- قلنا: المراد من الآية الأمر، لأنه ذكر بمقابلة النبي، حيث قال: [وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]، ولأن الإعطاء إنما يتحقق في القول دون الفعل، لأن القول يتعدى إلينا بلزوم الفعل علينا، فكأنه أعطانا ذلك، حيث أمرنا به، وكانا بالامتثال نأخذ منه، والفعل لا يتعدى إلينا. فإن قالوا: الفعل يتعدى إلينا بلزوم الفعل علينا، قلنا: هنا موضع النزاع، فدلوا أنه كذلك. وأما السابعة- قلنا: ليس فيه دليل على أنهم فعلوا ذلك، على جهة الوجوب. على أن النبي ﵇ أنكر عليهم ذلك حيث قال: "لن خلعتم نعالكم؟ فقالوا: خلعت فخلعنا- فقال ﵇: أخبرني جبرئيل أن به أذى" فهذا يدل على أنه يجب عليهم أن يعرفوا الوجه الذي يوقع النبي ﵇ الفعل عليه، حتى يجب عليهم مثل ذلك- وهذا دليلنا. وأما الثامنة- ولم إذا كان الوجوب أعلى مراتب الفعل يجب أن يحمل عليه؟ فإن قالوا: لمكان الاحتياط، لأن الفعل إذا كان واجباً: فإذا حملناه على

стр. 504

[غير] الوجوب لزمنا ضرر، فأما إذا لم يدل على الوجوب فقد أمنا من تركه، على أن في حمله على الإيجاب ترك الاحتياط من وجه آخر، وهو التحرز عن اعتقاد لا نأمن كونه جهلاً وقبيحاً على ما عرف. وأما قولهم: إن الندب هو الدرجة المتوسطة، والإباحة هي الأدنى- قلنا: إن كان كذلك، لم يجب الحمل عليه، مع احتمال جهة أخرى فيه؟ بل يجب الرجوع إلى الجهة المقتضية للوجوب أو الندب أو الإباحة، وإلا فنفس الفعل لا يدل على شيء من ذلك، على ما مر- والله أعلم. ١٢٣ - باب في: طريق معرفة الجهة التي تقع أفعال النبي ﵇ عليه: أما الطريق إلى معرفة جهة الوجوب فأشياء: ١ - منها- أن يقول النبي ﵇: هذا الفعل واجب. ٢ - ومنها- أن يقع امتثالاً لدلالة تدل على الوجوب. ٣ - ومنها- أن يكون بياناً لكلام يدل على الوجوب. ٤ - ومنها- أن يضطر إلى قصده: أنه أوقعه واجباً. وأما الطريق إلى معرفة كونه مندوباً إليه: فهذه الأشياء الأربعة. ووجه آخر، وهو أن يدل دلالة، من قول أو غيره، أن له صفة زائدة على أصل الحسن، ولا يدل على وجوبه دلالة. وأما الطريق إلى معرفة كونه مباحاً: فهذه الوجوه الأربعة. ووجه آخر وهو أن يدل دلالة على حسنه، ولا يدل على صفة زائدة عليه.

стр. 505

[والثاني: ] ١٢٤ - باب في: التأسي بالنبي ﵇: - اعلم أن النبي ﵇ إذا فعل فعلاً، وعرفنا وجه وجوبه، يجب علينا أن نفعله مثلما فعله. - وإن عرفنا كونه متنفلاً به، كنا متعبدين بالتنفل به. - وإن عرفنا كونه مستبيحاً له، يجب علينا اعتقاد إباحته، وجاز لنا فعله على الإطلاق. وقال بعضهم- إن التأسي به واجب في الأفعال العبادة، دون المباحة من المناكح وغيرها. والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه: ١ - قوله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]. والتأسي به هو أن يفعل مثلما فعله، على الوجه الذي فعله، لأجل أنه فعله، والله تعالى أمر به مطلقاً من غير تقييد بالعبادات والمباحات. فإن قيل: الآية تفيد وجوب التأسي به مرة واحدة، كقول القائل: "لك في الدار ثوب حسن" يفيد أن له في الدار ثوباً واحداً- كذا هذا. على أن الآية تقتضى كونه قوة لنا على الإطلاق من غير تعيين فعل. والإنسان لا يوصف

стр. 506

بكونه قدوة لزيد مطلقاً إذا كان ينبغي له أن يقتدي به في أمر واحد، بل في جميع أموره- فكذا هذا- والله أعلم. ٢ - دليل آخر- قوله تعالى: [فَاتَّبَعُوهُ]: أمر بإتباع النبي ﵇ مطلقاً، والإتباع قد يكون في القول وقد يكون في الفعل، فيدخل كل واحد منهما تحت إطلاق الآية. فإن قيل: أليس في الآية عموم، فما الدلالة على أن المراد منه الفعل دون القول أو كلاهما؟ قلنا: نحن نتعلق بإطلاق النص دون عمومه- فنقول: أمرنا بالإتباع المطلق، وهذا إتباع مطلق، فيدخل تحت إطلاق النص. ٣ - دليل آخر- إجماع الصحابة ﵃: فإنهم كانوا يراجعون إلى أفعال النبي ﵇ في تعرف الأحكام، نحو مراجعتهم إلى زوجات النبي ﵇ في القبلة للصائم، وفيمن أصبح جنباً وهو صائم، وفي نكاح ميمونة وهو محرم أو حلال، وغير ذلك؟ وهذا إجماع منهم على وجوب إتباعه في أفعاله المباحة، وإجماع الصحابة حجة- والله أعلم. ١٢٥ - باب في: قسمة أفعال النبي صلي الله عليه وسلم وتروكه: اعلم أن أفعال النبي ﵇ ضربان:

стр. 507

أحدهما- يخصه، كالصوم والصلاة وغيرها. والآخر- يتعلق بالغير، كإقامة الحدود والتعزيز على غيره. وكذلك تروكه على ضربين: أحدهما- يخصه، كترك الجلسة على الركعة الثانية وغيرها. والآخر- يتعلق بالغير، كترك إقامة الحد والتعزيز على مباشرة جريمة، وترك الإنكار على غيره. أما الأول من الأفعال- فقد ذكرنا حكمه: إنه إن عرف وجه وجوبه، كنا متعبدين بمثله، وإلا فلا. وكذلك تروكه. وأما القسم الآخر من الأفعال- فإقامته الحد والتعزيز على غيره: دليل على أنه مقدم على كبيرة، مستحق لذلك. وأما الترك الذي يتعلق بالغير- فهو ضربان: أحدهما- ما تقدمه دليل على قبحه. وأقر النبي صلى الله عليه صاحبه على ذلك. كاختلاف أهل الكتاب إلى كنائسهم، فإن ترك النكير في مثل هذا الموضع لا يدل على استحسانه وجوازه. والآخر- أنه لا يصلح من دين النبي ﵇ الإقرار عليه، فترك النكير في مثل ذلك يدل على استحسانه وجوازه وزوال الحظ، سواء تقدم دليل القبح أو لم يتقدم: * أما إذا لم يتقدم، فلأن الإنكار على القبيح واجب. فإن النهي عن المنكر واجب خصوصاً في حق النبي ﵇، فإن له الحظ الأوفر من ذلك، فدل ترك النكير على استحسانه.

стр. 508

* وأما إذا تقدم دليل القبح: قال بعضهم: إن ذلك لا يدل على زوال الحظر واستحسانه، لأن مع تقدم الحظر لا يحتاج إلى النكير على من شاهد أن يفعله. إلا أن الصحيح أن يدل على ذلك، لأن دليل الحظر يحتمل الزوال، وترك النكير دليل على الزوال من الوجه الذي ذكرنا. فإن قيل: النهى عن المنكر إنما يجب إذا غلب على ظنه أنه يؤثر فيه. فأما إذا غلب على ظنه أن إنكاره لا يؤثر فيه، فمطلق ترك النكير لا يدل على استحسانه- قلنا: الدليل المقتضي للنهى عن المنكر مطلق، وإنكار النبي ﵇ يؤثر لا محالة، لأنه لا يكون كإنكاره غيره، إلا إذا قام دليل معارض يمنع من ذلك. ونحن نقول: إذا دل الدليل أن عدم النكير لا يؤثر أو لعذر آخر، لا يدل ترك النكير على استحسانه. ١٢٦ - باب في: أفعال النبي ﵇ إذا اختلفت أو تعارضت مع أقواله: اعلم أن التعارض بين الشيئين إنما يقع بالتضاد والتنافي ينهما، ولا تضاد ولا تنافى في نفس الأفعال، لأن التضاد بين الشيئين إنما يتصور في وقت واحد، ولا يتصور ذلك في الأفعال. (أ) - وإذا فعل النبي ﵇ فعلاً في وقت، وفعل ضده في وقت آخر، كنا متعبدين بمثله في ذلك الوقت، وبضده في وقت آخر، وإنما يقع التعارض بين الأفعال بغيرها، وهو أن النبي ﵇ إذا فعل فعلاً في زمان، وعرفنا من ظاهر حاله أنه أراد إيجابه علينا، ثم رأينا النبي ﵇ أقر بعض القوم على ضده، فإنا نعلم كونهم مخصوصين عن حكم ذلك الفعل.

стр. 509

وكذلك إذا فعل النبي ﵇ فعلاً وعرفنا وجوب أمثاله عليه في تلك الأوقات، ثم رأيناه فعل ضده في بعض تلك الأوقات- دل على أنه نسخ. ومعنى قوله: إنه نسخ الفعل- هو زوال وجوب مثله في المستقبل من الزمان. ومعنى قولنا: إنه لحقه التخصيص، أن بعض المكلفين غير مراد في حكم ذلك الفعل. (ب) - وأما التعارض بين الأقوال والأفعال: - إن كان من كل وجه- إن عرف التاريخ ينهما، فالمتأخر قاض على المتقدم. وإن لم يعرف، فالمصير إلى القول أولى، لما مر في أبواب الأخبار وأبواب البيان. - وأحكام التعارض من وجه- نحو نهى النبي ﵇ عن استقبال القبلة واستدبارها في بول أو غائط، وجلوسه مستقبلاً إلى بيت المقدس لقضاء الحاجة. فيحتمل أن النبي خاص في الصحارى لكل واحد، والفعل في البيت خاص لكل أحد. ويحتمل أن يكون النهي عاماً في الصحارى والبيوت في حق كل أحد، وفعله خاص في حقه في بيته. واختلفوا في هذه الصورة: ١ - قال الشافعي ﵀: إن النهى يخص بالفعل، فيجعل النبي خاصاً في الصحارى لكل واحد، وفعله خاصاً في البيوت لكل أحد. ٢ - وقال الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀ بأن الفعل يخص بالنهي، فيجعل النهي عاماً في الصحارى والبيوت لكل أحد، وفعله في البيوت خاص في حقه.

стр. 510

وجه القول الأول- أن الفعل أخص، فالعمل به أولى. ووجه القول الثاني- ما ذكرنا في الأبواب المتقدمة: أن الفعل لا يتعدى إلينا بنفسه، والقول يتعدى بنفسه، فالعمل بالقول أولى. والصحيح أنه يتوقف فيه، ويطلب الترجيح بوجه آخر. والدلالة عليه قوله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] وقوله تعالى: [فَاتَّبَعُوهُ]. [و] استقباله إلى بيت المقدس لقضاء حاجته، معارض للنهى، فلا ينبغي أن يعترض على الآخر بأحدهما. وقوله: القول يتعدى بنفسه والفعل لا يتعدى- قلنا: إذا اعترضنا بالنهى على الفعل، كان التخصيص واقعاً في قوله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]. وهذا قول يتعدى إلينا بنفسه. وإذا تعذر الترجيح من حيث هو قول وفعل، بطل الترجيح من وجوه أخر. وفي هذه الصورة وجه ترجيح، وهو أن النهى أخص من قوله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]، والأخص أقوى، فكان أولى. فإن قيل: التخصيص واقع على الفعل، لأن الفعل [هو] الذي دل على وجوب مثله علينا، والفعل أخص من النهى- قلنا: الفعل لا يدل على وجوب مثله علينا بنفسه، بل بغيره، وهو القول- على ما مر. وكان التخصيص واقعاً على القول، بخروج هذا الفعل عن كونه واجب الإتباع فيه بحكم الآية، والنهى أخص منه. [والله أعلم].

стр. 511

٣ أبواب الإجماع

стр. 512

١٢٧ - [تقسيم الكلام فيه]: اعلم أن الكلام في الإجماع في مواضع: أحدها- في معنى الإجماع لغة وشرعاً. والثاني- في كون الإجماع حجة. والثالث- في أن الإجماع: بماذا يقع؟ ثم الكلام في كل وجه من الوجوه على الترتيب الذي نذكره إن شاء الله تعالى. ١٢٨ - أما معنى الإجماع لغة: قال بعضهم- إنه مأخوذ من الجمع والاجتماع. ولا فرق بين قول القائل: "أجمعت على كذا" وبين قوله: "جمعت" وهذا غلط، فإن قوماً لو اجتمعوا في مكان لا يقال: إنهم أجمعوا فيه، وإنما يقال اجتمعوا. وإذا جمعهم فيه جامع لا يقال: أجمعهم، وإنما يقال: جمعهم- دل عليه صحة إضافة الإجماع إلى الواحد وامتناع إضافة الاجتماع إلى الواحد- يقال: "أجمعت عل كذا" ولا يقال: "اجتمعت عليه". والصحيح أنه الإبرام وقطع العزم على إمضاء أمر من الأمور من قولهم: "أجمعت على كذا" أي "قطعت عزمي عليه"- قال الله تعالى: [فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ] معناه: أبرموا وأحكموا. وقال ﵇: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل": يعنى يقطع عزمه على إمضائه. فالجماعة إذا قطعوا عزمهم على إمضاء أمر وأبرموه، فقد اجتمعوا عليه.

стр. 513

هذا هو معنى الإجماع لغة. ويتحقق الإجماع من اليهود والنصارى ومن العوام على هذا. [وشرعاً]: إلا أنه في عرف الشرع اختص بإجماع علماء أمة محمد ﵇ عن أمر من الأصول الشرعية- على ما نذكره إن شاء الله تعالى. والله أعلم. ١٢٩ - باب في: كون الإجماع حجة: اعلم أن إجماع أهل كل عصر من الأمة حق وصواب. وذهب جماعة إلى أن الإجماع ليس بحجة. وقالت الإمامية: الإجماع حجة لوجود الإمام فيه. والحجة قول الإمام دون غيره. (أ) - والدليل على كون الإجماع حجة- قول الله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (الآية)]: الله تعالى أخبر بأنه جعلهم عدولاً، لأن الوسط هو العدل لغة: أوجب قبول قولهم، لأنه سماه شهادة، والشهادة لا تكون إلا واجب القبول، والحكيم لا يخبر بعدالة قوم ولا يوجب قبول قولهم، مع علمه أنهم يرتكبون القبيح ويكذبون في مقالتهم- فدل ذلك على أن ما شهدوا به صدق، وما حكموا به صدق وصواب. فإن قيل: الاعتراض على التعلق بالآية من وجوه: أحدها- أنه ليس فيها لفظ عموم حتى يقتضى أن يكونوا عدولاً في كل ما يشهدون. فما أنكرتم أن المراد منه الشهادة في دار الآخرة، وهو شهادتهم على سائر الأمم بتبليغ الأنبياء الرسالة إليهم، دون شهادتهم في الدنيا.

стр. 514

والثاني- إن كان المراد شهادتهم في الدنيا، فهي الشهادة على من بعدهم بإيجاب النبي ﵇ الشرائع عليهم، لا في غيره، ونزاعنا في غير ذلك، وهو إجماع على حكم حادثة. والثالث- أن الأمة المذكورة في الآية إما أن يكون المراد بها جميع من صدق النبي ﵇ إلى يوم القيامة، أو جميع من كان حاضراً وقت نزول الآية: * فإن كان الأول- فهذا يقتضى أن لا يكون الإجماع حجة، لأنه لا تكليف ولا مكلف بعدهم، ليشهدوا عليهم، بوجوب شيء. * وإن كان الثاني- فهذا يمنع من التعلق بالإجماع، إلا إذا علم أن من كان حاضراً وقت نزول الآية قال بهذا القول، وهذا مما لا يعلم، ولو علم [فإنا] نقول به. والجواب: أما الأول- قلنا: لا يجوز حمل الآية على الشهادة في الآخرة، لوجوه ثلاثة: * أحدها- أنه قال: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً]، ولو كان المراد به ذلك لقال: "سيجعلكم أمة وسطاً" لأنه وصف منتظر. * وثانيها- أن سائر الأمم شاهدوا من الأنبياء تبليغ الرسالة إليهم، فيكون علمهم أقوى، فلا يجوز منهم الاستشهاد على من كان علمه أضعف. * وثالثها- أن الناس كلهم عدول في دار الآخرة، لا يكذبون ولا يقدمون على قبيح، فلا معنى لتخصيص هذه الأمة بالعدالة.

стр. 515

وأما الثاني- قلنا: الله تعالى أخبر أنه جعلهم عدولاً لغرض أن يشهدوا وتقبل شهادتهم، وإخبارهم بإيجاب الشارع لا يفتقر إلى ذلك، فإن الأمة بأسرهم إذا أخبروا عن شيء على سبيل التواتر يحصل العلم به، وإن لم يكونوا عدولاً في ذلك. ولا يجوز أن يكون الغرض من جعلهم عدولاً أن يخبروا بالآحاد لا بالتواتر، لأن كل واحد بالانفراد ليس بعدل، ولا يقبل قوله، فثبت أن المراد شهادتهم على حكم حادثة وإجماعهم أنه من الدين. وأما الثالث- قلنا: ليس المراد منه القسم الأول، لما ذكرنا. وليس المراد منه القسم الثاني أيضاً. لأنه لا سبيل إلى العلم به، والله تعالى طلب منهم الشهادة، وذلك يقتضى وجوب قبول قولهم علينا، ولا يجوز أن يقف وجوب قبول قولهم علينا على ما لا سبيل له إلى العلم به، فكان المراد به عصر الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه، لأن الإجماع حال حياته لا يعتد به، إنما الاعتداد بتوفيقه وتقريره. وكان الإجماع المعتد به الإجماع بعد وفاته ﵇. والله أعلم. (ب) - دليل آخر- قوله تعالى: [وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ]: دلت الآية على قبح إتباع غير سبيل المؤمنين، فدلت على وجوب إتباعه، لأنه لا يمكن التحرز عن هذا القبيح إلا به، فوجب القول بقبوله، وما أجمعوا عليه من الحكم صار سبيلاً لهم، فيجب إتباعهم فيه، ولا يجوز مخالفتهم، لأن في مخالفتهم إتباع غير سبيلهم. وإنما قلنا: إن الآية دلت على قبح إتباع غير سبيل المؤمنين، لأن الله تعالى جمع بين إتباع غير سبيل المؤمنين وبين مشاقة النبي ﵇ في لحوق الوعيد، ولا يجوز من الحكيم الجمع بين المباح والمحظور في إلحاق الوعيد-

стр. 516

ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول لغلامه: "إن زنيت وشربت الماء أعاقبك"، ولما جمع بينهما، دل أن إتباع غير سبيل المؤمنين قبيح. فإن قيل: على وجه التعلق بالآية [اعتراض] من وجوه: أحدها- لا نسلم بأن إتباع غير سبيل المؤمنين قبيح وحرام. أما قوله: إن الله تعالى جمع بينهما في إلحاق الوعيد- قلنا: هذا إلحاق الوعيد بمن اتبع غير سبيل المؤمنين ووجدت قرينة مشاقة النبي ﵇، وهذا لا يدل على إلحاق الوعيد بإتباع غير سبيل المؤمنين بدون مشاقة النبي ﵇. والثاني- أن هذا إلحاق الوعيد بمن اتبع غير سبيل المؤمنين بشرط تبين الهدى له، واللام في الهدى لام الجنس، فتستفيد جميع الهدى. ومما أجمعوا عليه من الحكم، من الهدى، فيجب تبين ذلك بدليل سوى قولهم، كمن قال لغيره: إذا تبين صدق فلان فاتبعه: يقتضى تبين صدقه، بدليل سوى قوله. ونحن نقول: إذا ظهر وتبين أن ما أجمعوا عليه حق وصواب بدليل آخر، يجب القول به. والثالث- إن سلمنا أن إتباع غير سبيل المؤمنين حرام وقبيح، ولكن من أين لكم وجوب إتباع سبيل الدين؟ وهذا لأنه ليس من ضرورة المنع من إتباع غير سبيل المؤمنين، إيجاب إتباع سبيلهم، فإنه يجوز أن لا يتبع غير سبيل المؤمنين، ولا [يتبع] سبيلهم، بل يقف ويشك فيه.

стр. 517

والرابع- أن ظاهر النص إن كان يقتضى ذلك، لكن ما سبيل المؤمنين الذي يجب الإتباع فيه؟ فإن السبيل هو الطريق، وليس المراد هو ما استطرقوه من الطرق التي يمشون فيها، لأنه لا يحرم على الإنسان أن يمشي في طريق لا يمشون فيه، وكان المراد منه ما استطرقوه من الطرق التي [دلتهم] إلى ما يحكمون به، وهو الاجتهاد. ونحن نقول: على كل من هو أهل الاجتهاد والاستدلال، الاستدلال- والاجتهاد واجب إذا لم يظفر بالنص. والخامس- إن سلمنا أن اسم السبيل يقع على الحكم، لكنه يقع على الاستدلال أيضاً، لأن المجمعين لما صاروا إليه فيما أجمعوا، فإن ذلك سبيل لهم. كما أن الحكم الذي حكموا به صار سبيلاً لهم، فلم كان الحمل على وجوب إتباعهم في الحكم أولى من الحمل على وجوب إتباعهم في الاستدلال على الحكم. السادس- أن المراد من هذا السبيل سبيلهم في أصل الإيمان، لأن سبيل المؤمنين ما صاروا به مؤمنين، وهو الإيمان بالله تعالى. وهذا كمن يقول لغيره، "اتبع سبيل الصالحين": يفهم منه: اتبع سبيلاً صاروا به صالحين. والسابع- أن المراد منه إتباع سبيلهم في ترك مشاقة النبي ﵇، لأن سبيلهم ترك مشاقة النبي ﵇، فيفهم منه ذلك، كقول القائل: "من منع المال وسلك طريقة البخلاء، فعليه كذا وكذا": يفهم منه سلوك طريقهم من منع المال، فكذا هذا. ونحن نقول: إن إتباعهم في ترك مشاقة النبي ﵇ والانقياد واجب.

стр. 518

والجواب- قلنا: [الأول]- فيما ذكرتم وجوب إتباع سبيل المؤمنين مع مشاقة النبي ﵇. ومع مشاقة النبي ﵇ لا يمكن معرفة وجوب إتباع سبيل المؤمنين، لأن وجوب إتباع سبيل المؤمنين إنما يعرف لصحة السمع، ولا يمكن معرفة صحة السمع مع مشاقة النبي ﵇ ومعاندته وتكذيبه وإنكار نبوته. ومع ذلك لا يمكن معرفة صحة السمع. وإذا لم يعرف ذلك، لا يعرف وجوب إتباع سبيل المؤمنين. ومن لا يعرف وجوب إتباع سبيلهم لا يجوز أن يؤمر بإتباع سبيلهم- على أنا نقول: المراد منه إلحاق الوعيد بكل واحد منهما على الانفراد، لأنه عطف إتباع غير سبيل المؤمنين على مشاقة الرسول ﵇، ثم ألحق الوعيد. وليس المراد تعليق الجزاء بهما جميعاً، بل بكل واحد منهما، فإنا أجمعنا على أن مشاقة النبي ﵇ وحدها يدخله في ... الوعيد، ولا يقف على شيء آخر. فعطف إتباع غير سبيل المؤمنين عليه مع استقلاله في إلحاق الوعيد دليل على أن المراد إلحاق الوعيد بكل واحد منهما. وأما الثاني- فالجواب عنه من وجوه: * أحدها- أن تبين الهدى شرط في لحوق الوعيد بمشاقة الرسول، لا في إتباع غير سبيل المؤمنين، لأنه دخل عليها لا غير، فإنه قال: [وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى] ومشاقة الرسول ﵇ لا تتحقق إلا بعد تبين الهدى ومعرفة أصل الإيمان، أما إتباع غير سبيل المؤمنين [ف] ممكن من غير تبين الهدى، فيجب أن يكون هذا الشرط مقصوراً على مشاقة الرسول ﵇.

стр. 519

* والثاني- أن الشرط في لحوق الوعيد بمشاقة النبي ﵇ تبين الهدى بعرفة الله تعالى وصفاته ومعرفة النبي وصدقه، دون العلم بأحكام الفروع- ألا ترى أن من عرف الله تعالى بصفاته وعرف النبي ﵇ وصدقه ثم حاد عن نبوته كان مشاقاً للنبي صلي الله عليه وسلم، وإن لم يعرف أحكام الفروع، فلما كان الشرط هذا في لحوق الوعيد، لمشاقة النبي ﵇، فكذلك في إتباع غير سبيل المؤمنين، لأن الشرط واحد فيهما. * والثالث- أن الآية خرجت إعظاماً للمؤمنين- فلو شرطنا تبين ما أجمعوا عليه من الحكم في وجوب الإتباع، لبطل معنى الإعظام. فإن غير سبيل المؤمنين إذا عرفنا قولاً من أقاويلهم هذا حاله، يجب علينا القول بذلك. وأما الثالث- قلنا: كلمة "غير" إما أن تكون بمعنى كلمة "إلا"، أو بمعنى "الصفة". فإن كان الأول: صار معنى الآية: ومن يتبع إلا سبيل المؤمنين- فدخل تحت الآية: من لم يتبع سبيلهم بأن يشك ويقف في ذلك، ومن اتبع غير سبيلهم أيضاً- فصارت الآية حجة من هذا الوجه. وإن كان الثاني: فالآية تقتضى المنع من القول بإباحة ما أجمعت الأمة على حظره، ويحظر ما أجمعت الأمة على إباحته. [و] الخصم لا يقول به. قوله: بأنه يشك ويتوقف- قلنا: بالشك يتبع غير سبيل المؤمنين، لأن سبيلهم القطع دون الشك، على أن المفهوم من النهى عن إتباع غير سبيل المؤمنين، الأمر بإتباع سبيلهم، كالنهى عن إتباع غير سبيل الصالحين: أمر بإتباع سبيل الصالحين.

стр. 520

وأما الرابع- قلنا: نحن لما أمرناهم بالمصير إلى ما يحكمون به، فقد أوجبنا عليم الإتباع في الحكم الذي هو سبيلهم، وفى الاجتهاد أيضاً. لأن كل من يتبع الإجماع فقد استدل به على الحكم واجتهد. إلا أن المستدل به مختلف، فيجب الحمل عليه عملاً بإطلاق النص. وهو الجواب عن الخامس: أن الآية بإطلاقها تقضى إتباع سبيلهم، في الحكم والاجتهاد جميعاً. وأما السادس والسابع- قلنا: هذا عدول عن ظاهر الآية لأنها تقتضى المنع من إتباع سبيل غير سبيل المؤمنين، على العموم والإطلاق، كمن قال لغيره: "إن دخلت غير دارى عاقبتك" كان هذا منعاً من دخول كل دار غير داره هو، على العموم- كذا هنا. وقوله: إن المفهوم منه ذلك- قلنا: عند الإطلاق ممنوع، إلا إذا قام الدليل الصارف عن الإطلاق، فمن ادعاه فعليه البيان- والله أعلم. (ج) - دليل آخر- قوله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على الخطأ" وفي رواية "على ضلالة" فالنبي ﵇ نفى جميع الخطأ عما اجتمعت عليه الأمة، لأن هذه نكرة في موضع النفي، فتعم. فالحديث يقتضى أن كل ما اجتمعت عليه الأمة حق وصواب. فإن قيل: قبل أن نجيء إلى الاعتراض على وجه التعلق بالحديث، هذا خبر واحد في موضع العلم والاعتقاد، فلا يكون حجة. وبيانه: أن ظاهره لا يقتضى

стр. 521

وجوب العمل علينا، وإنما يقتضى العلم بنفي الخطأ عما اجتمعت عليه الأمة، ثم لزوم العمل بناء عليه. ثم الاعتراض على وجه التعلق بالحديث من وجوه: أحدها- أن المراد من نفى الخطأ، السهو الذي هو ضد القصد، لا الخطأ الذي هو ضد الصواب. وثانيها- أن معنى قوله: "لا تجتمع أمتي على الخطأ "أي" لا يجمعهم الله على الخطأ". كما روى في بعض الراويات مصرحاً "لم يكن الله ليجمعكم على الخطأ"، ونحن نقول به: إن الله تعالى لا يدعو عباده إلى الخطأ، ولا يجمعهم عليه. وثالثها- أن المراد من هذا الخطأ والضلال، الكفر والخطأ في أصول الدين، دون الفروع، لأن الضلال المطلق ذلك. ورابعها- أن المراد من الأمة المذكورة فيه: إن كان جميع من بعث النبي ﵇ إليهم من المؤمنين والكافرين جميعاً، فإجماعهم على الأحكام لا يتصور. وإن كان المراد هو من صدقه، كان المراد بيع من صدقه إلى يوم القيامة، وهذا يقتضى أن لا يكون الحديث دليلاً على كون الإجماع حجة، لأنه لا تكليف ولا مكلف بعدهم، فكان فائدة الحديث تمييز هذه الأمة من بين سائر الأمم من حيث إن سائر الأمم يجتمعون على الخطأ، وهذه الأمة لا، فصار كأنه قال: لا يجتمع جميع من صدقني إلى يوم القيامة على الخطأ، ولو قال ذلك لم يكن إجماعهم حجة، لأنه لا تكليف ولا مكلف بعدهم. وخامسها- إن سلمنا أن ما اجتمعت عليه الأمة حق وصواب، لكن لم يجب أن لا يجوز مخالفت [هـ]، وهذا لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء وما خالفه حقاً وصواباً، كما في سائر المجتهدات عند البعض.

стр. 522

قلنا: - أما الجواب عن كلامه الأول فمن وجوه: * أحدها- أن الحديث بصيغه إن نقل بالآحاد، لكن معناه منقول على سبيل التواتر. فإن معنى هذا الحديث نقله الثقات من الصحابة بألفاظ مختلفة على وجه يبلغ حد التواتر. أما الصحابة [ف] نحو عمر وابن مسعود وأبى سعيد الخدرى وأنس بن مالك وأبى هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم ممن يطول ذكرهم. وأما الألفاظ [ف] نحو قوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على الخطأ- ولا تجتمع أمتي على الضلال- وسألت الله تعالى أن لا يجمع أمتي على الضلالة وأعطانيها- ومن سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد- ويد الله مع الجماعة- ولا يبالي الله بشذوذ من شذ-

стр. 523

ولا يزال طائفة من أمتي على الحق حتى يظهر أمر الله- ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم خلاف من خالفهم- ومن خرج عن الجماعة وفارق الجماعة قيد شبر فقد خلع الله الإسلام من عنقه- ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية- عليكم بلزوم الجماعات- عليكم بالسواد الأعظم- وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن"- فجرت هذه الأخبار على التفاصيل، مجرى ما نقل من الآحاد، من تفاصيل سخاء حاتم وشجاعة على ﵁، في أن مجموع ذلك ومعناه منقول بالتواتر، وإنه يوجب العلم. * والثاني- أن التابعين أجمعوا على صحة هذا الخبر، لأنهم على صحة الإجماع، وعلى كونه حجة، وإنما أجمعوا لأجل هذا الخبر. ومن عادة الأمة أنها لا تجتمع على موجب خبر إلا إذا قامت الحجة بصحته. أما إجماعهم فمعلوم، لأنه لم ينقل عنهم خلاف ذلك. والدلالة على أنهم أجمعوا لأجل هذا الخبر- فلأنه قد ظهر هذا الحديث عندهم، وظهر العمل على موجبه، فيجب أن يحال عليه. إذ لو جاز أن يقال إنهم عملوا على موجب الكتاب، لا لأجل الكتاب، وعلى موجب الخبر الواحد لا لأجله- وهذا ظاهر الفساد. وأما بيان أن من عادتهم أن لا يجتمعوا على موجب الخبر إلا إذا قامت الحجة بصحته- أنا رأيناهم أجمعوا على موجب بعض الأخبار، ولم يجمعوا على موجب البعض، وما أجمعوا [ف] لأنه قامت الحجة بصحته، وما لم يجمعوا فإنما لم يجمعوا لأنه لم تقم الحجة بصحته. وههنا أجمعوا على الكل، [و] به علم أنهم إنما أجمعوا، لقيام الحجة على صحته.

стр. 524

فإن قيل: إنكم بنيتم صحة الإجماع على الإجماع، وأثبتم كون الإجماع حجة بالإجماع، وهذا ظاهر البطلان- قلنا: ليس كذلك، لأنا [لا] نثبت كون الإجماع حجة بالإجماع، بل نستدل بالإجماع على صحة الحديث من الوجه الذي بينا، ثم نثبت كون الإجماع حجة بالحديث وبقول النبي ﵇. * والثالث- إن كان هذا من أخبار الآحاد، لكن لما رواه العدول والثقات، غلب على ظننا صدق الراوي. وظننا أن ما اجتمعت عليه الأمة حق وصواب. فلو جاز مخالفتهم مع ذلك، لحقهم الضرر من جهة العدول عن الحق، بحكم غالب الحق، فيجب المصير إلى ما أجمعوا عليه تحرزاً عن الضرر، لأن الضرر المظنون بمنزلة الضرر المقطوع به، في وجوب التحرز عنه. كمن خرج إلى سفر فأخبره ثقة أن في الطريق لصاً أو سبعاً، أو حائطاً مائلاً [و] غلب على ظنه سقوطه- يجب عليه التحرز عن ذلك، فكذا ههنا. إلا أن هذا الوجه يصح التعلق به لإيجاب العمل بموجب الإجماع، لإفادت [هـ] العلم بكونه حقاً وصواباً. وأما الجواب عن الاعتراضات: أما الأول- قلنا: لا يجوز الحمل على نفى السهو لوجهين: * أحدهما- أنه لا يفيد، لأن الجماعة العظيمة لا يتصور إجماعها على السهو عادة، كما لا يتصور إجماعها على مأكل واحد، ويصير كأنه قال: "لا تجتمع أمتي على مأكل واحد" وإنه لا يفيد.

стр. 525

* والثاني- أنه كما لا يتصور إجماع هذه الأمة على السهو، لا يتصور إجماع سائر الأمم عليه. فلو حملناه على نفى السهو، لم يكن لتخصيص هذه الأمة معنى. وأما الثاني- الخطأ هو العدول عن الصواب، والضلال هو العدول عن الحق. وهذا يكون بالكفر وغيره. ويتحقق في الأصول والفروع جميعاً، فيحمل على نفى الكل: إما لأنه نكرة في محل النفي، أو لأنه مذكور بلام الجنس. وأما الثالث- قلنا نعمل بظاهر الحديث، فنقول: لا تجتمع الأمة على الخطأ، فلم يكن الله ليجمعهم عليه. على أن الله تعالى كما لا يشرع الخطأ والضلال، ولا يحمل عليه في حق هذه الأمة، لا يفعل ذلك في سائر الأمم، فلم يكن لتخصيص هذه الأمة فائدة. وأما الرابع- قلنا: قال بعضهم: أمة النبي ﵇ كل من بعث إليه. وقال بعضهم: هو من صدقه. وهذا هو الصحيح، لأن المفهوم من الأمة عند الإطلاق هذا- ألا ترى أنا ندعو لأمة محمد ﵇، وإنما ندعو لمن صدقه، لا لمن كذبه. فهذا يقتضى أن إجماع من صدقه ﵇ ممن كان موجوداً في ذلك الوقت حجة، لا من يكون بعدهم، لأنه لم يوجد التصديق منهم في الحال، فالأمة، في كل زمان، كل من صدقه في ذلك الزمان، فكان ما أجمعوا عليه في ذلك الزمان حقاً وصواباً.

стр. 526

وأما الخامس- قلنا: متى ثبت أن ما أجمعوا عليه حق وصواب، فلو أجمعوا على تحريم شيء فقد منعوا من إحلاله. ولو أجمعوا على إحلال شيء، فقد منعوا من تحريمه، فيجب أن يكون ذلك هو الصواب في الطرفين جميعاً، وإنما لا يقولون به. وهكذا نقول في المجتهدات: ما ثبت حقاً وصواباً ثبت كون المنع من ضده حقاً وصواباً- والله تعالى أعلم. والمخالف احتج بأشياء: ١ - منها- أنه لا يمكن إحاطة العلم بالإجماع، لتفرق الأمة في البلدان، فكيف يكون حجة؟ ٢ - ومنها- أن إجماعهم على الباطل غير محال، لأنه مقدور لهم. ٣ - ومنها- أنه يجوز الخطأ على كل واحد، فكذا على الكل، لأن الكل ليس إلا جمع الآحاد عليهم. ٤ - ومنها- أن الأمة في بعض الأحوال كان على النصف مما هم عليه، بل على عشره. فإذا جاز الخطأ على نصف هذا العدد، جاز عليهم. والجواب: أما الأول- قلنا: هذا إنكار الضرورة، لأنا عرفنا إجماعهم على أشياء. ولأن الدواعي متوفرة على نقلها لإظهار الأحكام، ونقل قول العلماء يتعرف الإجماع به. وأما الثاني- قلنا: إن كان الخطأ مقدوراً لهم، ودلائل العصمة ما مرت.

стр. 527

وأما الثالث- قلنا: إنما تثبت لهم العصمة بشرط الاجتماع، لما ذكرنا وحكم الآحاد قد يخالف حكم الجماعة- ألا ترى أنه يجوز أن ينسى كل واحد من الناس أن يومه يوم السبت، ولا ينسى الكل. وأما الرابع- قلنا: امتناع إجماعهم على الضلال مشروط بكونهم كل الأمة وكل المؤمنين، بالنصوص، والعدد القليل في عصرهم كل الأمة، كالعدد الكثير في عصر آخر. فالحجة إجماع الأمة في كل عصر، وهى كل الأمة فيه والله أعلم. ١٣٠ - باب في: أن الإجماع بماذا يكون: اعلم أن الإجماع قد يكون بالفعل. وقد يكون بالقول. وقد يكون بالرضا. ١ - أما الإجماع بالفعل- فبأن يفعلوا بأجمعهم فعلاً، فيدل ذلك على حسنه من وجهين: أحدهما- أن فعلهم بأجمعهم يدل على اعتقادهم حسنه. واعتقادهم حسن ذلك، دليل على كونه حسناً. والثاني- إجماعهم على نفس الفعل- دليل على حسنه، كما مر في الباب الأول. ٢ - وأما الإجماع بالقول- فبأن يجمعوا على القول بوجوب شيء، أو بحسنه. ٣ - وأما الرضا فبطريقين: أحدهما- أن يخبروا عن أنفسهم: أنهم راضون بذلك.

стр. 528

والثاني- أن يشتهر الفعل أو القول في شيء، فسكتوا، ولم يظهروا من أنفسهم كراهة ونكيراً، مع زوال التقية. وهذا مما فيه خلاف نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. ١٣١ - باب في: من يعتبر في الإجماع ممن بعث إليه النبي ﵇: اعلم أن من بعث إليهم النبي ﵇ هم المكلفون، من مؤمن وكافر، ومجتهد وغير مجتهد. ولا اعتبار بقول الكافر، في الإجماع، لأنه لا يعرف الأحكام، ولا تتناوله الأدلة التي ذكرناها. وكذا لا اعتبار بقول جميع المؤمنين إلى انقضاء التكليف، لما مر أنه لا مكلف بعدهم، حتى يكون إجماعهم حجة عليهم. فإن قيل: إجماعهم حجة على من اجتمع معهم ثم يريد مفارقتهم- قلنا: هذا لا يتصور، لأنا لا نأمن أن يحدث بعد كل عصر من يخالفهم، فلم يكن بيع المؤمنين أجمعوا عليه.

стр. 529

وهل يعتبر قول العامة فيه؟ قال بعضهم: يعتبر. ولا يكون إجماع العلماء في كل عصر حجة على العصر الثاني، إلا إذا اتبعهم عوامهم، لأن الإجماع إنما صار حجة لعصمة الأمة عن الخطأ، وهم من جملة الأمة. والصحيح أنه لا اعتبار بذلك، لأن العامة تابعة للعلماء. وهم كالمتصرفين فيهم بتنفيذ الفتاوى والأحكام عليهم. ولأن الإجماع إنما يكون حجة إذا صدر عن دليل، إما اجتهاد أو غيره، لأنه لا يجوز أن تحكم الأمة بلا دليل. والعصمة الثابتة للأمة هي العصمة عن الخطأ في الاستدلال والاجتهاد، لا في القول بلا دليل، وهذا النوع من العصمة لا يتصور ثبوته للعامة. وهذا جواب عن شبهتهم- والله أعلم. ١٣٢ - باب في: أن إجماع أهل كل عصر هل هو حجة وصواب أم لا ؟ ذهب أصحاب الظواهر إلى أن إجماع الصحابة هو الحجة، دون غيرهم. وذهب عامة أهل الأصول إلى أن إجماع أهل كل عصر حجة. والدلالة على ذلك- أن أدلة الإجماع لا تختص بالصحابة، فإن قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] يتناول كل عصر إلى يوم القيامة. وكذلك قوله تعالى: [وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ]. وكذا قوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على الضلالة- وعلى خطأ" [يتناول] أهل كل عصر إلى يوم القيامة- عل ما مر.

стр. 530

والخصوم تعلقوا [بأشياء]: ١ - منها- أن أدلة الإجماع تخص الصحابة. لأن قوله تعالى: [جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] هذا خطاب مواجهة يتناول من كان حاضراً وقت نزول الوحي. وكذلك قوله تعالى: [وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ]. وقوله [صلي الله عليه وسلم] "لا تجتمع أمتي على خطأ" يتناول الصحابة، فأما لا يتناول التابعين وحدهم، لأنهم ليسوا بجميع المؤمنين، بل تناولهم مع [من] تقدمهم من مؤمني الصحابة ﵃، لأنهم وصفوا بأنهم مؤمنون، وليس لهم في ذلك قول. فلم يكن المخالف لإجماع التابعين، داخلاً تحت الوعيد، بخلاف الصحابة، لأنهم في زمانهم وصفوا بأنهم جميع المؤمنين، لأنه لم يتقدمهم مؤمن، فكان إجماعهم جميع المؤمنين، فمخالفتهم تدخل تحت الوعيد. ٢ - ومنها- قوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديهم اهتديتم"، وهذا يدل على أنهم المتعينون بظواهر الإجماع. ٣ - ومنها- أن الصحابة اختصوا بمشاهدة النبي ﵇، وبالحضور وقت نزول الوحي- فكان لهم مزية على غيرهم، فكانت الحجة قولهم دون غيرهم. ٤ - ومنها- أن التابعين ﵏ لو اجتمعوا على حكم، لكان إنما صاروا إليه بنص متواتر، أو بأمارة اجتهدوا فيها. ولو كان في ذلك نص أو أمارة مجتهد فيها، لما ذهب على الصحابة، لأنهم ليسوا بأدنى من التابعين، فلا يذهب عليهم ما ظفر به التابعون.
следующие страницы →