← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133362

بذل النظر في الأصول

العلاء الأسمندي

Полный текст (696 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وأما الخامس- قلنا: متى ثبت أن ما أجمعوا عليه حق وصواب، فلو أجمعوا على تحريم شيء فقد منعوا من إحلاله. ولو أجمعوا على إحلال شيء، فقد منعوا من تحريمه، فيجب أن يكون ذلك هو الصواب في الطرفين جميعاً، وإنما لا يقولون به. وهكذا نقول في المجتهدات: ما ثبت حقاً وصواباً ثبت كون المنع من ضده حقاً وصواباً- والله تعالى أعلم. والمخالف احتج بأشياء: ١ - منها- أنه لا يمكن إحاطة العلم بالإجماع، لتفرق الأمة في البلدان، فكيف يكون حجة؟ ٢ - ومنها- أن إجماعهم على الباطل غير محال، لأنه مقدور لهم. ٣ - ومنها- أنه يجوز الخطأ على كل واحد، فكذا على الكل، لأن الكل ليس إلا جمع الآحاد عليهم. ٤ - ومنها- أن الأمة في بعض الأحوال كان على النصف مما هم عليه، بل على عشره. فإذا جاز الخطأ على نصف هذا العدد، جاز عليهم. والجواب: أما الأول- قلنا: هذا إنكار الضرورة، لأنا عرفنا إجماعهم على أشياء. ولأن الدواعي متوفرة على نقلها لإظهار الأحكام، ونقل قول العلماء يتعرف الإجماع به. وأما الثاني- قلنا: إن كان الخطأ مقدوراً لهم، ودلائل العصمة ما مرت.

стр. 527

وأما الثالث- قلنا: إنما تثبت لهم العصمة بشرط الاجتماع، لما ذكرنا وحكم الآحاد قد يخالف حكم الجماعة- ألا ترى أنه يجوز أن ينسى كل واحد من الناس أن يومه يوم السبت، ولا ينسى الكل. وأما الرابع- قلنا: امتناع إجماعهم على الضلال مشروط بكونهم كل الأمة وكل المؤمنين، بالنصوص، والعدد القليل في عصرهم كل الأمة، كالعدد الكثير في عصر آخر. فالحجة إجماع الأمة في كل عصر، وهى كل الأمة فيه والله أعلم. ١٣٠ - باب في: أن الإجماع بماذا يكون: اعلم أن الإجماع قد يكون بالفعل. وقد يكون بالقول. وقد يكون بالرضا. ١ - أما الإجماع بالفعل- فبأن يفعلوا بأجمعهم فعلاً، فيدل ذلك على حسنه من وجهين: أحدهما- أن فعلهم بأجمعهم يدل على اعتقادهم حسنه. واعتقادهم حسن ذلك، دليل على كونه حسناً. والثاني- إجماعهم على نفس الفعل- دليل على حسنه، كما مر في الباب الأول. ٢ - وأما الإجماع بالقول- فبأن يجمعوا على القول بوجوب شيء، أو بحسنه. ٣ - وأما الرضا فبطريقين: أحدهما- أن يخبروا عن أنفسهم: أنهم راضون بذلك.

стр. 528

والثاني- أن يشتهر الفعل أو القول في شيء، فسكتوا، ولم يظهروا من أنفسهم كراهة ونكيراً، مع زوال التقية. وهذا مما فيه خلاف نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. ١٣١ - باب في: من يعتبر في الإجماع ممن بعث إليه النبي ﵇: اعلم أن من بعث إليهم النبي ﵇ هم المكلفون، من مؤمن وكافر، ومجتهد وغير مجتهد. ولا اعتبار بقول الكافر، في الإجماع، لأنه لا يعرف الأحكام، ولا تتناوله الأدلة التي ذكرناها. وكذا لا اعتبار بقول جميع المؤمنين إلى انقضاء التكليف، لما مر أنه لا مكلف بعدهم، حتى يكون إجماعهم حجة عليهم. فإن قيل: إجماعهم حجة على من اجتمع معهم ثم يريد مفارقتهم- قلنا: هذا لا يتصور، لأنا لا نأمن أن يحدث بعد كل عصر من يخالفهم، فلم يكن بيع المؤمنين أجمعوا عليه.

стр. 529

وهل يعتبر قول العامة فيه؟ قال بعضهم: يعتبر. ولا يكون إجماع العلماء في كل عصر حجة على العصر الثاني، إلا إذا اتبعهم عوامهم، لأن الإجماع إنما صار حجة لعصمة الأمة عن الخطأ، وهم من جملة الأمة. والصحيح أنه لا اعتبار بذلك، لأن العامة تابعة للعلماء. وهم كالمتصرفين فيهم بتنفيذ الفتاوى والأحكام عليهم. ولأن الإجماع إنما يكون حجة إذا صدر عن دليل، إما اجتهاد أو غيره، لأنه لا يجوز أن تحكم الأمة بلا دليل. والعصمة الثابتة للأمة هي العصمة عن الخطأ في الاستدلال والاجتهاد، لا في القول بلا دليل، وهذا النوع من العصمة لا يتصور ثبوته للعامة. وهذا جواب عن شبهتهم- والله أعلم. ١٣٢ - باب في: أن إجماع أهل كل عصر هل هو حجة وصواب أم لا ؟ ذهب أصحاب الظواهر إلى أن إجماع الصحابة هو الحجة، دون غيرهم. وذهب عامة أهل الأصول إلى أن إجماع أهل كل عصر حجة. والدلالة على ذلك- أن أدلة الإجماع لا تختص بالصحابة، فإن قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] يتناول كل عصر إلى يوم القيامة. وكذلك قوله تعالى: [وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ]. وكذا قوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على الضلالة- وعلى خطأ" [يتناول] أهل كل عصر إلى يوم القيامة- عل ما مر.

стр. 530

والخصوم تعلقوا [بأشياء]: ١ - منها- أن أدلة الإجماع تخص الصحابة. لأن قوله تعالى: [جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] هذا خطاب مواجهة يتناول من كان حاضراً وقت نزول الوحي. وكذلك قوله تعالى: [وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ]. وقوله [صلي الله عليه وسلم] "لا تجتمع أمتي على خطأ" يتناول الصحابة، فأما لا يتناول التابعين وحدهم، لأنهم ليسوا بجميع المؤمنين، بل تناولهم مع [من] تقدمهم من مؤمني الصحابة ﵃، لأنهم وصفوا بأنهم مؤمنون، وليس لهم في ذلك قول. فلم يكن المخالف لإجماع التابعين، داخلاً تحت الوعيد، بخلاف الصحابة، لأنهم في زمانهم وصفوا بأنهم جميع المؤمنين، لأنه لم يتقدمهم مؤمن، فكان إجماعهم جميع المؤمنين، فمخالفتهم تدخل تحت الوعيد. ٢ - ومنها- قوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديهم اهتديتم"، وهذا يدل على أنهم المتعينون بظواهر الإجماع. ٣ - ومنها- أن الصحابة اختصوا بمشاهدة النبي ﵇، وبالحضور وقت نزول الوحي- فكان لهم مزية على غيرهم، فكانت الحجة قولهم دون غيرهم. ٤ - ومنها- أن التابعين ﵏ لو اجتمعوا على حكم، لكان إنما صاروا إليه بنص متواتر، أو بأمارة اجتهدوا فيها. ولو كان في ذلك نص أو أمارة مجتهد فيها، لما ذهب على الصحابة، لأنهم ليسوا بأدنى من التابعين، فلا يذهب عليهم ما ظفر به التابعون.

стр. 531

والجواب: أما الأول- قلنا: قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] خطاب لجميع الأمة، واسم الأمة لا يختص بمن هو في عصر النبي ﵇، فيتناول أهل كل عصر، وقد ذكرناه من قبل. وأما قوله بأن التابعين ليسوا جميع المؤمنين- قلنا: ليس كذلك، بل هم جميع المؤمنين في عصرهم، لأن اسم المؤمن مشتق من التصديق، فلا ينطلق على من ليس بمصدق في الحال، عن تقدم موته. ولا يطلق القول بأنهم ليسوا بمؤمنين، لأنه يوهم أنهم ما كانوا مؤمنين، فلم يكن داخلاً تحت مطلق الاسم في الحال. ولأن الأمر لا يخلو: إما أن يكون المراد بالمؤمنين جميع من كان موجوداً وقت حدوث الحادثة، دون من تقدم موته. أو من كان موجوداً مع من تقدم موته: فإن كان الأول، فهو كلامنا. وإن كان الثاني، فذلك يمنع كون إجماع الصحابة حجة- قلنا: [لما] كان إجماعهم حجة، عرفنا أن المراد به من كان موجوداً وقت حدوث الحادثة. وأما الثاني- قلنا: ما في الحديث من الدليل على أن إجماع غيرهم ليس بحجة، ولأن هذا النص يقتضى أن الاقتداء بكل واحد سبب الاهتداء، وليس كذلك، لأن قول بعض الصحابة ليس بحجة على المجتهدين. فعلم أن المراد من الحديث حث العامة على الاستفتاء من كل واحد من الصحابة. وأما الثالث- قلنا: ولم يجب، إذا كانوا بهذه الصفة: أن لا يكون قول غيرهم حجة؟ فلا بد من دليل آخر.

стр. 532

وأما الرابع- قلنا: يحتمل أن الحادثة لم تحدث في زمن الصحابة، فلم يتفحصوا عن النص والأمارة، وحدثت في زمن التابعين فتفحصوا وظفروا به. ويحتمل أن تكون المسألة مختلفة بين الصحابة، ثم اتفق التابعون [على] أحد القولين، وظفروا بما لم تظفر به الطائفة الأخرى، لأن قول بعض الصحابة ليس بحجة- والله أعلم. ١٣٣ - باب في: اعتبار المجتهدين، كلهم، في العصر الواحد، في الإجماع: هذا الباب يتضمن فصولاً: أحدها- أن إجماع أهل كل عصر هل هو حجة إذا خالفهم واحد أو اثنان؟ . والثاني- اعتبار المجتهد من التابعين إذا عاصر الصحابة. والثالث- اعتبار من لم يشتهر بالفتوى من المجتهدين [في الإجماع]. والرابع- اعتبار أهل الأمصار كلهم. أما الفصل الأول [إجماع أهل كل عصر هل هو حجة إذا خالفهم واحد أو اثنان؟ ]. [ذهب أكثر الناس أن أهل العصر إذا اتفقوا على قول، إلا الواحد والاثنين من المجتهدين، لا يكون حجة]. [و] ذهب بعضهم إلى أنه حجة. والدلالة على صحة المذهب الأول- أن أدلة الإجماع لم تتناول أهل العصر

стр. 533

إذا خالفهم واحد أو اثنان، لأن قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يتناول جميع أهل العصر، لأن اللام في "المؤمنين" لام الجنس، ولأنه لو لم يصرف إلى الجنس كان متناولاً للثلاثة والأربعة، وقول الثلاثة والأربعة ليس بحجة - علم أن النص تناول جميع المؤمنين. ومع خلاف الواحد، لا يكون قول جميع المؤمنين. وكذلك أسم الأمة، لأنه إذا خالفهم واحد لا يطلق القول بأنه قول جميع الأمة، بل يقال هو قول بعض الأمة - دل عليه أن من الصحابة من تفرد بأقاويل لم توافقه الجماعة [عليها]، كتفرد ابن عباس ﵁ بمسائل [في] الفرائض نحو إنكاره العول وغير ذلك، وتفرد ابن مسعود ﵁ [و] غيرهما- ولم ينكر عليه أحد. وكذا لو كان قول الباقين حجة بدونه، لكان قوله ضلالاً ولأنكروا عليه. فإن قيل: اسم المؤمنين يتناول الأكثر على سبيل الحقيقة- ألا ترى أنه يقال: "رأيت بقرة سوداء" وإن كان فيه شعرات بيض. وكذلك " أكلت الرمانة"

стр. 534

وإن كانت قد سقطت منها حبات لم يأكلها، وهذا إطلاق بطريق الحقيقة. وكذلك أسم المؤمنين الأكثر. والجواب- أن اسم المؤمنين لا يتناول الأكثر، إلا على طريق المجاز، بدليل أنه يستقيم أن يقال: في المؤمنين إلا واحداً منهم: إنهم ليسوا جميع المؤمنين، وفي الأمة إلا واحداً منهم: ليسوا كل الأمة. فثبت أن الاسم للأكثر مجاز، حيث صح النفي عنه. وهكذا القول فيما ذكر من المواضع: أنه مجاز، أو استعمل فيه بتعارف الناس. أما هنا فبخلافه. وأما المخالف- احتج بأشياء: ١ - منها - قوله ﵇: "عليكم بالسواد الأعظم" وأهل العصر، إلا واحداً منهم: "السواد الأعظم". وقوله ﵇: "عليكم بالجماعة"، وأكثر أهل العصر"جماعة". ٢ - ومنها- أن الحجة قول المؤمنين. ونحن لا نتبين إيمان الواحد أو الاثنين، ونتيقن بإيقاع الجماعة الكثيرة. ٣ - ومنها- أن خلاف الواحد والاثنين، لو كان مانعاً من الإجماع، لبطل كون الإجماع حجة أصلاً، لأنا لا نأمن أن [يكون] ببعض الأطراف واحد. أو اثنان يخالف قولهم، فيمتنع انعقاد الإجماع أصلاً. والجواب: أما الأول- قلنا: هذه أخبار آحاد، فلا يصح التعلق بها في هذا الباب.

стр. 535

ثم نقول: السواد الأعظم هو جميع أهل العصر، لأنه ليس وراءه سواد أعظم منه- دل عليه: أنه لو لم يكن كذلك، لدخل تحت النص أحد النصفين إذا زاد على النصف الآخر، بواحد أو اثنين. ولما لم يدخل علم أن المراد هو إجماع كل أهل العصر. وكذا" اسم الجماعة": المراد منه جميع الأمة - دل عليه: أنه لو لم يكن كذلك كان متناولاً للثلاثة والأربعة، وقول الثلاثة والأربعة ليس بحجة، فعلم أن المراد كل الأمة. فإن قيل: قوله ﵇: " عليكم بالسواد الأعظم، أو بالجماعة" يقتضي أن يكون قولهم حجة على غيرهم من المجتهدين. وهذا يقتضي أن لا يجمع مع أهل العصر واحد أو اثنان، حتى يكون قولهم حجة- قلنا: ليس كذلك، لأن قولهم يكون حجة على من يأتي بعدهم ممن هو أقل عدداً منهم، أو يكون إجماعهم حجة على آحادهم حتى يمنعهم الرجوع عما قالوه. وأما الثاني- قلنا: إن كان يتناول النص بناء على ظاهر الإيمان، فقد وجد في حق الكل. وإن كان بناء على حقيقة الإيمان، فلا يمكن القول بإيمان كل واحد من الجماعة قطعاً على التعيين، كما لا يمكن القطع بإيمان الواحد أو الاثنين إلا أنا نقطع أن في جملتهم مؤمن قطعاً، وربما يكون ذلك هذا الواحد، أو هذان المختلفان. وأما الثالث- قلنا: إن الله تعالى لما جعل الإجماع حجة وكلفنا العمل به، وذلك يقتضي أن يكون لنا إلى معرفته سبيل، وذلك بأن يكون بحال لو كان لهم مخالف يظهر قوله [فإنه] يجرى ذلك مجرى أن ضمن الله تعالى إظهار قول من يخالف لو كان صواباً. فلما لم يظهر ذلك، دل ذلك على بطلانه. على [أن]

стр. 536

من في الأقطار من المجتهدين يعرف قولهم، بخلاف الإجماع، لو كان تتوفر الدواعي إلى النقل والإظهار، وحيث لم يظهر، علم بالعادة أنه ليس له مخالف. وأما الفصل الثاني وهو أن المجتهد من التابعين إذا حضر وق حدوث الحادثة مع الصحابة - هل يكون قول الصحابة مع مخالفته حجة؟ عندنا- لا يكون حجة. وقال بعض أصحاب الشافعي - حجة. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه- أن أدلة الإجماع تناولت هذا الواحد، لأنه من جملة المؤمنين ومن جملة الأمة، فكان قوله مؤثراُ ومعتبراُ في الإجماع، كما ذكرنا، في الفصل الأول- دل عليه أن الصحابة ﵃ اعتبروا قول التابعي إذا خالفهم: فإن عمر ﵁ استقضى شريحاً وكان يخالفه في مسائل ولم ينكر عليه. وكذا علي رضي الله استقضاه، وكان يخالفه. وسئل أنس بن مالك

стр. 537

عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن. وسئل ابن عمر ﵁ عن مسألة فقال: سلوا سعيد بن جبير، فأنه أعلم منا. وأمثال هذا كثيرة. والمخالف احتج لما روى عن عائشة ﵂ أنها أنكرت على أبى سلمه ابن عبد الرحمن بن عوف خلاف الصحابة في بعض المسائل، ولو لم يكن إجماعهم بدونه حجة، لما أنكرت عليه.

стр. 538

والجواب: يحتمل أنها أنكرت، لأنه لم يكن من أهل الاجتهاد، على أن قول عائشة ﵂ لا يكون حجة. وأما الفصل الثالث وهو اعتبار من لم يشتهر بالفتوى من المجتهدين في الإجماع. فعندنا: الإجماع لا ينعقد مع مخالفت. وقال بعض الناس: ينعقد، ولا اعتبار بقوله. والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن أدلة الإجماع تتناوله، لأنه من جملة المؤمنين ومن جملة الأمة، والدلائل تناولت المؤمنين والأمة مطلقاً، إلا أنا أخرجنا العامة عنها، لأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد الذي هو طريق معرفة الأحكام، فبقى المجتهد داخلاً، وبهذا فارق النحاة، فإنهم ليسوا من أهل الاجتهاد في الإحكام الشرعية فلا يؤثر قولهم في الإجماع. والمخالف احتج بأن قال: إن الواجب في مسائل الاجتهاد الرجوع إلى من هو من أهل الاجتهاد، فمن لم يشتهر بالفتوى، لم يعرف أنه من أهل الاجتهاد، فلا يؤثر قوله، ولا يعتبر في الإجماع- ألا ترى أنا إذا أردنا أن نعرف تقويم شيء، فإنا نرجع في ذلك إلى أهل الخبرة، ومن اشتهر بمعرفة الأسعار- فكذا هذا.

стр. 539

والجواب: قلنا: هذا حجة عليكم، لأن الواجب في مسائل الاجتهاد الرجوع إلى من هو من أهل الاجتهاد، لا إلى من اشتهر بالاجتهاد، كما أن الرجوع في معرفة القيم إلى أهل الخبرة بالأسعار، وإن لم يشتهر بالتقويم، ولا كان قد انتدب للتقويم. وأما الفصل الرابع وهو اعتبار أهل الأمصار كلهم في العصر الواحد في الإجماع: ذهب أكثر الناس إلى أن الحجة أجماع جميع أهل الأمصار من المجتهدين. وحكي عن مالك وجماعة أنهم جعلوا أجماع أهل المدينة وحدهم حجة. وقال بعضهم: إنما جعلوا روايتهم أولى من رواية غيرهم. والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- أن أدلة الإجماع لم تتناول أهل المدينة وحدهم، لأنهم ليسوا بجميع المؤمنين، ولا كل الأمة. ولأن كون الإجماع حجة يبتني على أمور لا تختص ببعض الأماكن، فجعل بعض الأماكن مؤثراً في الإجماع، فيكون باطلاً. والمخالف احتج وقال: بأن المدينة مهبط الوحي، فيجعل إجماع أهلها حجة. ولهذا قلنا: إن روايتهم أولى من رواية غيرهم. وبقوله ﵇: " المدينة طيبة تخرج خبثها كما يخرج الكير خبث الحديد"، وفيه تزكية أهلها، ودلالة كون إجماعهم حجة.

стр. 540

والجواب: أن كونها مهبط الوحي لم يدل على أن إجماعهم وحدهم حجة. وأما الحديث- فظاهره متروك، لأن ظاهر الحديث يقتضي أن يكون الخروج منها مذموماً، وليس كذلك بالإجماع، فإن من كبار الصحابة ﵃ من فارق المدينة ورجع إلى وطنه. ولئن لم يكن متروك الظاهر، فليس فيه ما يدل على إن إجماعهم وحدهم حجة. وأما روايتهم- فعندنا لا فرق بين ما إذا روي الواحد وهو بالمدينة، وبين ما إذا رواه وهو خارج المدينة، لأنه لا تأثير للمكان، في جعل الأقوال حجة, والله أعلم. ١٣٤ - باب في: ما يكون فيه الإجماع حجة: أعلم أن كل ما لا يمكن معرفة صحة الإجماع قبل صحة معرفته- فالإجماع فيه لا يكون حجة. نحو العلم بأن الله تعالى حكيم عادل، وأن محمداً ﵇ صادق- لأنا أنما نعرف صحة الإجماع بعد أن نعرف أن الله تعالى ورسوله شهدا بأنه حق، والله تعالى ورسوله لا يشهدان بشيء إلا وهو كما شهدا به. وإنما يعرف ذلك بعد أن عرف أن الله تعالى حكيم لا يكذب، وأن محمداً ﵇ صادق، وأن القرآن كلام الله تعالى- ليعلم أن ما فيها من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، من الله تعالى. فإذا لم يعرف صحة الإجماع قبل معرفة صحته، لا يكون الإجماع حجة فيه، لأن من شرط الدليل أن يعرفه المستدل على الوجه الذي يدل، قبل معرفته المدلول.

стр. 541

وأما ما يمكن معرفة صحة الإجماع، قبل معرفة صحته-[فـ] نوعان: أحدهما أمور دنيوية، والآخر أمور دينية. -فالأول- نحو أن يجمعوا أن الحرب أو التجارة في مكان، لا يجوز. قال بعضهم: أنه لا يجوز مخالفتهم، ولا يكون ذلك حجة، لأن حالهم في ذلك ليس بأعلى من حال النبي ﵇، ولو أن رسول الله ﷺ رأى في الحرب رأياً جازت مراجعته، والنقض عليه- فهذا أولى. وقال بعضهم: يكون حجة، ولا يجوز مخالفتهم، لأن الدلائل على صحة الإجماع، تمنع مخالفتهم من غير فصل. وأما رأي النبي ﵇ في الحرب، فإنما جاز خلافه، لأن الذي يمنع من ظهور الخطأ عليه، قيام المعجزة على يده، وذا لا يتعلق بالأمور الدنيوية. - وأما الثاني- فلا يجوز مخالفة الإجماع فيه، وأنه حجة: عقلياً كان نحو رؤية الله تعالى لا في جهة، ونفي ثان له. أو شرعياً كأحكام الحل والحرمة- لأنه يعلم صحة الإجماع قبل معرفة صحته، فإن الشك في هذه الأشياء لا يخل بالعلم بأن الله تعالى حكيم، وأن محمد ﵇ رسوله- والله أعلم. ١٣٥ - باب في: الإجماع الصادر عن اجتهاد: زعم بعضهم أن أهل العصر إذا أجمعوا على حكم عن اجتهاد، لا يكون حجة،

стр. 542

وجاز لغيرهم مخالفتهم- ونقل عن الحاكم الشهيد صاحب المختصر. وعندنا- ذلك حجة لا يجوز مخالفتهم. والدلالة على صحة مذهبنا- أن دلائل الإجماع تناولته، نحو قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" من غير فصل. فإن قيل: خلاف ما أجمعوا عليه إنما يكون غير سبيل المؤمنين، إذا كان قولاً لا عن اجتهاد. أما إذا كان عن اجتهاد، كان سبيل المؤمنين، لأن ما اتصل به الاجتهاد سبيل المؤمنين، لأن اجتهادهم غير اجتهاد العصر الأول- قلنا: هذا شرط لا دليل عليه، بل إنما صار غير سبيل المؤمنين، لأنه خلاف ما أجمعوا عليه. وبعد ما أدى الاجتهاد إليه، بقى خلاف ما أجمعوا عليه، فكان أتباع غير سبيلهم. أما المخالف- فقد قاس القول المتفق عليه عن اجتهاد، على القول المختلف فيه عن اجتهاد، لعلة أن كل واحد منهما صدر عما لا يوجب العلم، وهو الاجتهاد، فإذا جازت مخالفة أحدهما، تجوز الأخرى. والجواب: العلة في الأصل أنه قول لم يتصل به دليل مقطوع به، وهو الإجماع. وهنا قد اتصل به الإجماع. وهذا لأنه يجوز أن يكون الحكم غير لازم، ثم يصير لازماً إذا اتصل به دليل مقطوع به، كالاجتهاد إذا اتصل به

стр. 543

حكم الحاكم، يصير لازماً- كذا هذا. على أنا نعارضه بمثله، بأن نقيس القول المتفق عليه عن اجتهاد، على القول المتفق عليه عن استدلال، بعلة أن كل واحد منهما متفق عليه، فلما حرمت المخالفة في أحدهما، حرمت في الآخر. ١٣٦ - باب في: الاختلاف بعد الاتفاق. والاتفاق بعد الاختلاف: أما الأول: أعلم أن أهل العصر إذا اتفقوا على حكم من الأحكام، جاز أن يتفق من بعدهم عليه، وذلك هو الواجب- على ما مر. ويجوز من بعض من بعدهم أن يخالفهم في ذلك، لأنه لا يستحيل من بعض الأمة العدول عن الحق، ولكن لا يحل لهم ذلك. ولا يجوز أن يجتمع جميع أهل العصر الثاني على مخالفتهم، لأنه إتباع غير سبيل المؤمنين، وإنه حرام. وذلك لا يجوز على جميع الأمة- على ما مر. وأما الثاني: وهو أن أهل لعصر إذا اختلفوا في المسألة على قولين: ١ - هل لأهل العصر الثاني أن يجمعوا على أحدهما. و٢ - هل كان إجماعهم محرماً للأخذ بالقول الآخر؟ ففي كل واحد منهما خلاف. أما [الفصل] الأول فقد منع بعضهم من جواز اتفاقهم على أحد القولين. وعندنا- يجوز ذلك.

стр. 544

والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- أن كل واحد من القولين مجتهد فيه، ويجوز أن يكون الحق فيه، وهو الصواب. فإذا قامت الدلالة على أحدهما أنه الحق، حسن من الأمة الإجماع عليه- دل عليه أن الصحابة ﵃ توقفوا في الإمامة زماناً ثم اتفقوا على إمامة أبى بكر ﵁. فكما لم يكن إجماعهم في التوقف مانعاً من الإجماع بعد ذلك. فكذا اختلافهم: لا يكون مانعاً من إجماعهم على أحد القولين. وكذلك التابعون: أجمعوا على تحريم بيع أمهات الأولاد، مع أن الصحابة اختلفوا في ذلك. وأما المخالف فقد احتج بوجهين: -أحدهما- أن في ضمن اختلاف المختلفين في المسألة على قولين، إجماع منهم على جواز الأخذ بكل واحد منهما. فلو صح الإجماع الثاني بعد ذلك، وحرم القول بالآخر-[فـ] لا يخلو: إما أن يكشف عن تحريمه في الماضي، أو في المستقبل. وإن كان يكشف عنه في المستقبل، كان نسخاً، والنسخ بعد انقطاع الوحي ممتنع. وإن كان يكشف عنه في الماضي [فإنه] يدل على خطأ من تقدم في إجماعهم، وهذا لا يجوز. - والثاني- أنه لو جاز لأهل العصر الثاني أن يجمعوا على أحد القولين مع أنه في ضمن اختلاف المختلفين اتفاق على جواز الأخذ بكل واحد من القولين،

стр. 545

لكان إذا اختلفت الصحابة في المسألة على قولين، ثم اتفقوا على أحدهما، جاز لأهل العصر الثاني أن يجمعوا على القول الآخر، فيؤدي إلى أن لا يستقر الإجماع، وهذا فاسد. والجواب: -أما الأول- قلنا: القائلون بأن الحق في واحد منهما، لم يجمعوا على جواز الأخذ بكل واحد منهما، بل أوجبوا على المجتهد الأخذ بالحق منهما، وعلى العامي تقليد من يُفتيه. فإذا أجمعوا تبين أن الحق فيه، ولم يبق من يفتي بالآخر. وأما القائلون بأن "كل مجتهد نصيب"، فإنما سوغوا الأخذ بكل واحد من القولين، بشرط أن تكون المسألة اجتهادية- ألا ترى أنهم لو سئلوا عن علة جواز الأخذ بكل واحد، لعللوا بكون المسألة من مسائل الاجتهاد، فعلى الخصم أن يبين أن المسألة بعد الإجماع على أحد القولين من مسائل الاجتهاد، لتتم الدلالة، ونحن بينا أنهم لما أجمعوا، تناولتهم أدلة الإجماع، فلم تبق المسألة من مسائل الاجتهاد، وزوال الحكم بزوال شرطه، فلا يكون نسخاً. فإن قيل: نعارضكم بمثله- فنقول: كون الإجماع حجة مشروطة بشرط أن لا يتقدمه اختلاف- قلنا: ما ادعيناه من الشرط مدلول عليهم من جهتهم، فإنهم يعللون ذلك. وما ادعيتم لا دليل عليه لأنهم لم يصرحوا بذلك عند الإجماع. - وهذا هو الجواب عن الثاني، لأن المختلفين في المسألة إنما أجمعوا على جواز الأخذ بكل واحد من القولين، بشرط كون المسألة اجتهادية، وبعد إجماع أهل العصر الثاني، لم تبق اجتهادية. ولا كذلك أجماعهم على أحد القولين، لأن أجماعهم على أحد القولين غير مشروط بشرط، ولو صح الإجماع الثاني، تضمن بطلان الأول، فيكون باطلاً- والله أعلم.

стр. 546

وأما الفصل الثاني وهو أنهم إذا أجمعوا على أحد القولين- هل يصير إجماعهم حجة محرمة للأخذ بالقول الآخر؟ ذهب بعضهم إلى أنه ل يجوز الأخذ بالقول الآخر. وذهب أبو الحسن وجماعة من المتكلمين إلى أن لا يحرم الأخذ بالقول الآخر. والدلالة عليه- فإنهم لما أجمعوا على أحد القولين، تناولتهم أدلة الإجماع. وهو قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على الخطأ" وغير ذلك. والأخذ بالقول الآخر أتباع غير سبيل المؤمنين وتخطئة الأمة. فإن قالوا: كما أجمع هؤلاء على أحد القولين، فقد اتفق المختلفون على تجويز الأخذ بكل واحد من القولين - فالجواب عنه ما مر. والله تعالى أعلم. ١٣٧ - باب في: انقراض العصر هل هو شرط في كون الإجماع حجة أم لا ؟ -ذهب بعض الناس إلى أنه شرط. واختلفوا فيما بينهم: * فمنهم من جعله شرطاً لانعقاد الإجماع. * ومنهم من جعله شرطاً في كونه حجة، لا في نفس الإجماع. - وعندنا: إذا اتفق فتوى الأمة، على حكم واحد، ولو في لحظة، كان إجماعاً وحجة.

стр. 547

أما الكلام في نفس الإجماع- فتقول: انقراض عصر المجتهدين لا يقف عليه إطلاق اسم الإجماع على فتواهم، لأن أهل اللغة والعرف يقولون: هؤلاء أجمعوا على هذا الحكم، ولا يقف عليه تحقق معنى الإجماع، لأنه مأخوذ من الاجتماع أو العزم والإبرام- على ما مر. وهو حاصل قبل انقراض العصر. وإذا لم يقف عليه، تحقق ذات الإجماع- لا يقف عليه كونه حجة، لأن دلائل الإجماع تناولته مطلقاً- على ما مر. فإن قيل: ماداموا في الأحياء، فرجوعهم متوقع، وفتواهم غير مستقر [ة]، فلا يتم الإجماع- قلنا: الكلام في رجوعهم، فنحن لا نجوز رجوع جميعهم، لأنه يؤدي إلى خطأ أحد الإجماعين، ودلائل الإجماع تمنع منه، ورجوع البعض متصور، وهو حرام، ومخالفة للحجة- على ما مر. فإن قيل: دلائل الإجماع تناولت سبيل كل المؤمنين وكل الأمة، لا أهل عصر واحد- قلنا: وبانقراض هذا العصر لا يصير هؤلاء كل الأمة وجميع المؤمنين، ومع هذا يكون حجة. على أن المراد منه جميع المؤمنين وكل الأمة في كل عصر لا في جميع الأعصار- على ما مر في الأبواب المتقدمة. وقد استدل بوجه آخر- وهو: اشتراط انقراض العصر في كون الإجماع حجة، يخرج الإجماع من أن يكون حجة أصلاً، لأنا نعلم أن عصر الصحابة ﵃ لا ينقرض إلا وقد وجد من التابعين من هو أهل الاجتهاد، فتجوز مخالفتهم، لأنه لو لم ينقرض عصرهم، لم يعلم أن عصر التابعين لا ينقرض إلا وقد وجد من تابعهم ممن هو من أهل الاجتهاد، فكذا إلى يوم القيامة، فلا يكون الإجماع حجة أصلاً. إلا أن لقائل أن يقول: إنا نشترط انقراض عصر من كان مجتهداً وقت حدوث الحادثة، فلا يؤدي إلى ما ذكرتم.

стр. 548

وأما المخالف- فقد استدل بما روي عن علي ﵁ أنه سئل عن بيع أمهات فقال: "رأيي ورأي عمر أن لا يبعن، ثم رأيت جواز بيعهن" فقال عبيدة السلماني: "رأيك مع الصحابة أحب إلى من رأيك وحدك". وقوله: "رأيك مع الصحابة" دليل على سبق الإجماع، ثم استجاز على مخالفيه. وبما روى عن أبى بكر ﵁ أن كان يرى تسوية العطايا في القسمة، ولو ينكر عليه أحد، فيكون إجماعاً. ثم لما آل الأمر إلى عمر ﵁ فضل ولم ينكر عليه أحد، فجل أن انقراض العصر شرط كونه حجة. والجواب- أن جابراً ﵁ كان يرى بيع أمهات الأولاد،

стр. 549

ومع مخالفته ل ينعقد الإجماع، وقول عبيدة: " رأيك مع الجماعة أحب إلي" يدل على أنه كان معه جماعة من الصحابة، فرجح قولهم بكثرة القائلين. وأما الثاني- قلنا: إن عمر ﵁ خالف أبا بكر ﵁ وناره، فإنه قال: " أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه كمن دخل في الإسلام كرهاً"، فقال أبو بكر ﵁: " إنما عملوا لله وإنما أجرهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ"، فلم يكن إجماعاً، إلا أن انقراض العصر شرط كونه حجة. ١٣٨ - باب في: ما أخرج من الإجماع، وهو منه: اعلم أن أهل العصر إذا اختلفوا في الحادثة على قولين أو أكثر، اختلفوا في جواز إحداث قول آخر خارج عن أقاويلهم: بعضهم - جوزوا ذلك مطلقاً وبعضهم- منعوا ذلك مطلقاً ونحن نفصل الكلام فيه، فنقول: إن اختلافهم على قولين: إما إن كان في مسألة واحدة أو في مسألتين: مثال الأول- اختلافهم في الجد مع الأخ في الميراث: بعضهم قال: المال كله للجد. وبعضهم قال: الجد يقاسم الأخ. فلو قال قائل: كله للأخ، فهو إحداث قول ثالث في مسألة واحدة.

стр. 550

ومثال الثاني- اختلاف العلماء في فساد الصوم بالأكل ناسياً وبالجماع ناسياً: قال بعضهم بالفساد فيهما. وقال بعضهم بمنع الفساد فيهما. فمن قال أن الأكل ناسياً لا يوجب فساد الصوم، والجماع ناسياً يوجب، فقد أحدث قولاً ثالثاً. أما الأول [في مسألة واحدة] فلا يجوز إحداث القول الثالث فيه، لأنه أتباع غير سبيل المؤمنين. وإتباع غير سبيل المؤمنين ممنوع عنه لما مر. ووجه آخر- أن اختلافهم على هذه الأقاويل إجماع منهم على المنع من قول ثالث، لأن كل طائفة توجل الأخذ بقولهـ[لـ]، وتمنع الأخذ بغيره. فقد أجمعوا على المنع من القول الثالث. وقد قال ﵇: "لاتجتمع أمتي على الخطأ". فإن قيل: إن المختلفين في المسألة [منعوا] من الأخذ بغير ما قالوه، لأنه لو يؤد اجتهاد غيرهم إليه. فإذا أدى اجتهاد غيرهم إليه، زال المنع، كما قلتم: إنهم سوغوا الأخذ بكل واحد من القولين، بشرط أن تكون المسألة اجتهادية، فإذا أجمعوا على أحدهما زال الشرط- قلنا: كما منعوا من القول الثالث، أجمعوا أن القول الثالث مما لا يقتضيه الاجتهاد أولاً، ولكن لما منعوا الأخذ به، فالأخذ به مخالف للإجماع. والمخالف استدل في المسألة بأشياء: ١ - منها- أن الممنوع عنه مخالفة الإجماع، ولا إجماع مع الاختلاف. دل عليه: ما روى عن ابن سيرين أنه قال في امرأة وأبوين: للأم ثلث جميع المال،

стр. 551

وفي زوج وأبوين: للأم ثلث ما بقى. ومن تقدمه من الصحابة: بعضهم قالوا: إن لها ثلث ما بقى في المسألتين جميعاً، وبعضهم قالوا: لها ثلث جميع المال فيهما جميعاً- فهذا قول ثالث، ولم ينكر عليه أحد. وعن سفيان أنه قال: الأكل ناسياً لا يفطر، والجماع ناسياً لا يفطر، ومن تقدمه من الصحابة: منهم من فطره فيهما، ومنهم من لم يفطره فيهما- وهذا إحداث قول ثالث، ولم ينكر عليه أحد. ٢ - ومنها- أنه وحرم إحداث قول ثالث: إما أن يحرم من حيث إنه خلاف للمخطئ، أو من حيث أنه خلاف للمصيب. لا وجه إلى الأول، لأن خلاف المخطئ واجب. ولا وجه إلى الثاني، لأنه لو كان كذاك، لوجب أن يحرم الخلاف على أهل العصر، وليس كذلك. ٣ - ومنها- أن إحداث القول الثالث مما أباحه كل واحد من الفريقين، لأن الذي ذهب إلى هذا القول، أباح ترك ذلك القول. والذي ذهب إلى ذلك القول، أباح ترك هذا القول, فإذا ترك القولين فقد ترك ما أباحه الفريقان جميعاً. والجواب: أما الأول - فما ذكرنا أنه مخالفة الإجماع، لأن اختلافهم على قولين يتضمن أجماعهم على أبطال القول الثالث. وأما ما روى عن ابن سيرين وسفيان، فدال [على] إحداث قول ثالث في مسألتين، وسنذكر الكلام فيه.

стр. 552

وأما الثاني- قلنا: إنما يحرم إحداث قول ثالث، لأنه مخالفة الإجماع، لا كما ذكر. وأما الثالث- قلنا: هذا مصير إلى ما حرمه جميع الأمة، على ما مر. وما ذكر من البيان ضرب تلبيس، لأن كل فريق لا يجوز ترك قول صاحبه ابتداء، بل يوجب الأخذ بقول نفسه، فيتضمن ذلك ترك قول صاحبه. فأما إحداث قول ثالث، [فـ] ترك الأخذ بقوله وقول صاحبه، وقد أجمعوا على المنع منه. وأما الثاني [في مسألتين]: وهو إحداث قول ثالث في مسألتين، فبعض الناس جوزوا ذلك مطلقاً. وبعضهم منعوه مطلقاً. ونحن نفصل فنقول: بعض أهل العصر إذا قالوا بتحليل شيئين، وبعضهم قالوا بتحريمهما- لا يخلو: إما إن علم أنهم قصدوا التسوية بينهما، وأثبتوها بعلة واحدة، إما بالتنصيص أو بما يجري مجرى التنصيص، أو لم يعلم ذلك- مثال الأول: الحكم في المسكر التمري والزبيبي: حرمهما بعض، وأحلهما بعض، فلا يجوز لغيرهم أن يحرم أحدهما ويحلل الآخر. وهذا لأن الفريقين أجمعوا على الجمع بين المسألتين في الحكم وعلة الحكم- فالتفريق بينهما خلاف الإجماع. ومثال الثاني- الحكم بإرث القاتل والعبد: لو حكم بعض بإرث القاتل والعبد جميعاً، وبعضهم منعوا من إرثهما، فلو حكم غيرهما بإرث أحدهما دون الآخر، كان جائزاً، لأنهم ما أجمعوا على التسوية في الحكم وفي العلة، إذ لا تعلق لأحدهما بالآخر، بل اتفق الحكم فيهما، لأن الدليل اتفق على هذا الوجه. ولهذا كما لو أوجب بعض الأمة النية في الوضوء، وأوجب غسل النجاسة عن الثوب- لا يقال: إنهم اعتقدوا التسوية بينهما.

стр. 553

وأما ما حكي عن ابن سيرين في التفريق بين زوج وأبوين وامرأة وأبوين، وعن سفيان الثوري من التفريق بين الجماع ناسياً والأكل ناسياً: فإن كان طريقة الذين جمعوا بينهما متغايرة، فيما فعلاه، جاز، وإلا لم يجز. وعلى أن ابن سيرين عاصر بعض الصحابة، فلا يمتنع أن يكون حاضراً حين اختلفوا، فلا ينعقد الإجماع مع مخالفته- والله أعلم. ١٣٩ - باب في: أن أهل العصر إذا أولوا الآية بتأويل ، أو استدلوا على المسألة بدليل، أو اعتلوا بعلة- هل يجوز لم بعدهم إحداث تأويل أو دليل أو علة أخرى؟ فنقول: الأولون لا يخلو: ١ - إما أن نصوا على فساد تأويل، أو دليل آخر، أو علة أخرى. أو ٢ - نصوا على صحته. أو ٣ - لم ينصوا على الصحة ولا على الفساد. ففي الأول- لا يجوز إحداثه، لأنه خلاف الإجماع. وفي الوجه لثاني- يجوز ولا يشكل. وفي الوجه الثالث- اختلفوا: منعه قوم، وجوزه الأكثرون.

стр. 554

والدلالة عله أن الناس في كل عصر يستخرجون عللاً وأدلة، والتابعون من بعدهم يحدثون تأويلات لم يذكرها السلف، ولم ينكر عليهم ذلك- فدل على صحتها. ولأنه لو امتنع، إنما يمتنع لأجل مخالفة الإجماع، وهم ما نصوا على فساده، ولا في صحة ما اعتلوا به وأولوه فساد غيره، إذ لا يمتنع أن يكون على حكم واحد أدلة، وله علل أخرى. [و] يجوز أن كون كلا التأويلين مراد الله تعالى: أراد من عباده أن يقيموا إما هذا وإما ذاك أو كلاهما. فإذا فهم أحدهما، سقط عنه التكليف به، وبقى التكليف الثاني على سبيل التطوع. والمخالف احتج بأشياء. ١ - منها- قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾: الآية دلت على أنهم أمروا بكل معروف، لأنه دخل لام الجنس، ولو كان الثاني صحيحاً لأمروا به. ٢ - ومنها- قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذا غير سبيلهم. ٣ - ومنها- قوله ﵇: " لا تجتمع أمتي على خطأ"، والأمة بأجمعهم ذهبت عن الدليل الثاني، فيجب أن لا يكون خطأ، وإنما يقتضي الخطأ إذا كان الدليل الثاني باطلاً. ٤ - ومنها- أن الدليل الثاني والتأويل الثاني، لو كان صحيحاً لما ذهب على الصحابة، مع تقدمهم في العلم.

стр. 555

أما الأول- فهو معارض بقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَر﴾، ولو كان الثاني باطلاً لأنكروا. وأما الثاني- قلنا: المراد بإتباع [غير سبيل المؤمنين ما] نصوا على فساده أو حكم حكموا بخلافه، لأن الآية خرجت مخرج الذم، وذلك فيما قلناه- دل عليه أن الحادثة إذا لم تحدث في زمنهم وحدثت في زمن هؤلاء، جاز أن يكون لهم قول في ذلك. ولا يقال أنه إتباع لغير سبيلهم- كذا هذا. وأما الثالث- قلنا: إن عني بذهابهم عنه، ترك الاستدلال به، فعندنا هو ليس بخطأ، لاستغنائه عنه بدليل آخر، وهذا لا يوجب بطلانه. وأما الرابع- قلنا: إنما ذهبوا عنه، لأنه لم يطلبوه، لاستغنائهم بما ظفروا به. فإن قيل: أو كلف الأول طلب الدليل الثاني أم لا؟ إن قلتم: كلفوا، فلم قصروا في طلبه؟ وإن قلتم: لم يكلفوا، دل على فساده- قلنا: كلفوا الدليل على سبيل البدل، فإذا ظفروا بالواحد سقط التكليف، وصار طلب الآخر تطوعاً، وترك التطوع جائز- والله أعلم. ١٤٠ - باب في: أن الأمة لا تجتمع إلا عن طريق: ذهب أكثر الناس إلى أنه لا يجوز إجماع الأمة إلا عن دلالة أو أمارة وأجاز بعضهم ذلك توفيقاً، بأن يوفقهم الله تعالى الإجماع على الصواب.

стр. 556

والدلالة على منع جواز ذلك- أن الوصول إلى الحق مع فقد الدلالة أو الأمارة غير واجب، بل هو اتفاقي، وكان جواز الخطأ ثابتاً، والإجماع لا ينعقد على ما يجوز فيه الخطأ، لأن حالهم لا يكون أعلى من حال النبي ﷺ ، والنبي ﵇ لا يجوز أن يحكم من غير وحي أو دلالة، فغيره أولى. والمخالف: احتج بأن قال: ١ - " الإجماع بنفسه حجة". فلو لم ينعقد إلا عن دلالة، كانت الدلالة هي الحجة، ولم يكن في الإجماع فائدة. و ٢ - لأنا وجدنا الإجماع قد انعقد بلا دليل، وهو بيع المراضاة وأجرة الحمام والاستصناع. والجواب: أما الأول- فهو باطل، بقول النبي ﵇، فإنه حجة، ولا يقول إلا عن دليل. ثم نقول: يجوز أن يكون الإجماع حجة، والذي صدر عنه الإجماع حجة، فيكون في المسألة حجتان. وأما الفائدة في الإجماع-[فـ] أن يسقط عنا وجوب البحث وطلب الدليل،

стр. 557

ونقل الدليل إلى من بعده، وأن تحرم المخالفة، وإن كانت المسألة اجتهادية، وقبل ذلك لا يحرم. وأما الثاني- قلنا: لما دللنا على أن الإجماع لا يقع إلا عن دليل، ففي كل موضع انعقد الإجماع، علمنا أنه انعقد عن دليل، إلا أنه لم ينقل إلينا، اكتفاءً بالإجماع. على أن بيع المراضاة كان في زمن النبي ﵇ ولم ينكر عليهم، وذلك دليل جوازه، على أن الأخذ والإعطاء دلالة الرضا بالتمليك والتملك، فجرى ذلك مجرى القول، وكذلك أجرة الحمام. ١٤١ - باب في: جواز الإجماع عن اجتهاد: منعه قوم. وجوزناه. والدلالة على جوازه- أن الاجتهاد طريق إلى الحكم، كالدلالة والخبر، فجاز أن يحكم كلهم بأمارة واحدة، أو كل واحد بأمارة على حدة.

стр. 558

والدلالة على جوازه- وقوعه: فإن الصحابة ﵃ أجمعوا على أن حد شارب الخمر ثمانون عن اجتهاد. لأنه لو كان فيه نص لنقل، على أنهم بينوا وجه الاجتهاد، وقالوا: إذا شرب السكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفترين في كتاب الله تعالى ثمانون. وكذلك أجمعوا على قتل المرتدين ومانعي الزكاة، حتى روي عن أبى بكر ﵁ أن قال: " لا نفرق بين ما جمع الله في كتابه" وقاس الصلاة على الزكاة. وأوجب القتل على من أخل بهما. وكذلك أجمعوا على إمامة أبى بكر ﵁ عن اجتهاد بتقديم النبي ﵇ إياه في الصلاة، وبينوا العلة فيه، فقالوا: "رضينا لدنيانا ما رضيه النبي ﵇ لديننا". وأما المخالف فقد احتج بأشياء: ١ - منها- أن الجماعة العظيمة، مع كثرتهم واختلاف هممهم وأغراضهم، يتعذر أن تستجمعهم أمارة واحدة، مع خفاء وجه الدلالة فيها، واختلافهم وتفاوتهم في الوقوف عليها. ٢ - ومنها- أن الأمة: منهم من يعتقد بطلان القياس والاجتهاد، وذلك يصرفهم عن الحكم بالأمارة، فلا يتصور منهم الاتفاق على ذلك.

стр. 559

٣ - ومنها- أن الحكم الصادر عن اجتهاد يجوز خلافه، ولا يفسق مخالفه، ولا يجعل أصلاً لغيره. والحكم الثابت بالإجماع على ضد ذلك. فلو جوزنا انعقاد الإجماع عن الاجتهاد، لاجتمعت هذه الأحكام المتنافية، وذلك لا يجوز. والجواب: أما الأول- قلنا: لا يمتنع أن الأمارة الواحدة أو الأمارات داعية لجميعهم إلى الحكم بها، لأنهم اتفقوا على اعتقاد وجوب العمل بالأمارة. فإذا ظهرت لهم الأمارة، وقد اعتقدوا وجوب العمل بها، حكموا [بها]. ولذلك جاز اتفاق الجمع العظيم على الخروج إلى الأعياد، لأنه تقرر في اعتقادهم الخروج إليها. أما الثاني- قلنا: الخلاف في صحة القياس لم يكن في زمن الصحابة، وحدث بعدهم، فيلزمهم جواز أجماع الصاحبة عن اجتهاد. ثم نقول: لا يمتنع فيمن يعتقد بطلان الحكم [بالأمارة أن] يعتقد في الأمارة أنها دلالة، فيحكم بها، كما لا يمتنع أن يحكم بعض الأمة في الأصول والفروع بالشبهة، لاعتقادهم أنها دلالة. وكذلك لا يمتنع أن يناقض هذا القائل مذهبه، فيحكم بالأمارة إذا لم يجد غيره. وأما الثالث- فلا نسلم أنه يؤدي إلى اجتماع هذه الأحكام، فإن جواز الخلاف ليس حكم الاجتهاد مطلقاً، بل هو حكم اجتهاد لم يقترن به الإجماع.

стр. 560

كما أن ذلك حكم الاجتهاد إذا لم يقترن به تصويب النبي ﵇، حتى إن من غاب عن النبي ﵇ وحكم باجتهاده، جاز خلافه، ولو بلغ النبي ﵇ فصوبه لا يجوز خلافه. ولأن الخصم يجوز وقوع الإجماع عن خبر الواحد، وإن كان يجوز خلافه. وهو الجواب عن قوله: إنه لا يفسق مخالفه، ولا يجعل الحكم الثابت به أصلاً. فإن ذلك حكم اجتهاد لم يقترن به الإجماع- والله أعلم. ١٤٢ - باب في: الطريق إلى معرفة الإجماع: أعلم ان الطريق إلى معرفة الإجماع قد يكون الإدراك بالسمع، بأن نسمع أقاويلهم المتفقة، عنهم أو ممن ينقل عنهم ممن نثق به. وقد يكون الإدراك بالبصر، بأن نراهم فعلوا، بأجمعهم، فعلاً واحداً، يدل على أن اعتقادهم ذلك. وأما إذا قال بعض الأمة قولاً وسكت الباقون- هل هو طريق إلى معرفة الإجماع؟ قال بعضهم: ليس بطريق أصلاً. وعندنا: هو طريق يقع به الإجماع إذا كان السكوت مع زوال التقية، وبشرط اشتهار ذلك القول عند الكل، ومضى زمان التأمل. إلا أن هذا الإجماع ليس بحجة قطعية، لاختلاف الأمة في صحته. والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه، أن العادة من أهل الاجتهاد، أنهم إذا سمعوا الحادثة وطال بهم الزمان، تفكروا فيها: فإن أدى اجتهادهم إلى موافقة قولهم،

стр. 561

كان ذلك إجماعاً. وإن أدى إلى مخالفته أظهروه، لوجود الداعي إليه، وهو بيان الصواب فيما اجتهد فيه، ووجود الصارف الطبيعي والشرعي عن الانقياد لغير الصواب، فدل سكوتهم، والحالة هذه، على الموافقة والإجماع. فإن قيل: ما أنكرتم أنهم امتنعوا عن إظهار المخالفة، لموانع: ١ - منها- الخوف والمهابة ممن ظهر قوله. كما سئل ابن عباس ﵄ عن حجته على رد العول في الفرائض، فذكرها، فقيل له: هلا ذكرتها لعمر، فقال: مهابة منه. ٢ - منها- تعلق غرض من الأغراض، لعدم الاعتراض والإظهار. ٣ - ومنها- أن يكون مذهبه تصويب كل مجتهد في الفروع، فمنعه ذلك عن الرد على صاحبه. قلنا: أما الأول- إنما ينعقد الإجماع عند زوال التقية- على ما مر. ولأنه لو كان الإخفاء تقية، لأظهر مع أصدقائه وخاصته، فلا يلبث القول أن يظهر ويشيع. ولأنه إن مات المتقي قبل من يتقيه، فقد انعقد الإجماع، لأنه زال الخلاف. وإن مات من يتقيه قبله، يظهر الخلاف لزوال التقية. وأما حديث ابن عباس، فلم يصح، لأن عمر ﵁ كان يقدمه على كثير من الصحابة، وكان يسأله، ويستحسن اجتهاده، وقد ظهر رده عليه في كثير من المسائل. ولأن ما كان راجعاً إلى أمر الدين لا يظن بابن عباس

стр. 562

الامتناع عن إظهاره، ومن عمر ﵁ من إظهاره، مع اتفاقهم على تجويز الاجتهاد والحكم به. وأما الثاني- قلنا: الداعي إلى إظهار الخلاف قائم وتعلق الغرض به وهم لا أمارة عليه، فلا يترك العمل بالداعي لأجله. على أنا نقول: إن الله تعالى جعل الإجماع حجة يعرف به الحق، فيجب أن يكون لنا طريق إلى العلم به. ولو اعتبرنا هذا الوهم لا نسد باب العلم إلى معرفة الإجماع، وذا لا يجوز. وأما الثالث- قلنا: من صوب كل مجتهد، فإنه يصوبه على شرط أنه استوفى شرائط الاجتهاد وتم نظره في الإمارة. وإذا كان الحق عنده، بخلاف ما أظهر صاحبه، جوز أنه لم يتم نظره ولم يستوف شرائط الاجتهاد، فيظهر الخلاف رداً لقوله. على أنه إن صوب خصمه، فالداعي إلى إظهار قوله، لو كان حقاً، ثابت، لأن عنده أن ما اعتقده صواب أيضاً، فيظهر قوله، ليعلم أن في الحادثة حقاً، غير ما قاله خصمه، فدل ترك الإظهار على الموافقة. والمخالف احتج بأن قال: ١ - إن الإجماع ل ينعقد إلا باتفاق الكل، والموجود من البعض السكوت، وهو محتمل: يحتمل الرضا ويحتمل السخط ويحتمل التوقف، فلا يدل على الموافقة بالشك. و ٢ - لأن من الجائز أن يكون ببعض أطراف العالم مخالف لأقوالهم لم يلغه أقاويلهم، ولم يصل إليهـ[ـم] خلافه، ومع تجويز هذا، لا ينعقد الإجماع. والجواب: وأما الأول- فقد ذكرنا أن السكوت في هذه الحالة دليل الرضا والموافقة، وإن كان في نفسه محتملاً، وهو كامتناع الكفار وسكوتهم عن معارضة القرآن

стр. 563

والمعجزات، فإنه دليل على وجود العجز لتحقق الداعي عليه، لولا العجز- فكذا هذا. وأما الثاني- قلنا: اعتبار هذا يسد باب معرفة الإجماع، بالقول أيضاً، لأن ما ذكرتم من الوهم قائم في كل صورة، على أن المعتبر في ذلك ما توقف عليه، ولنا سبيل إلى العلم به [إذ] إتباع سبيل المؤمنين يقتضى أن يكون لنا طريق العلم- وقد مر هذا في الأبواب المتقدمة.

стр. 564

٤ باب في: تقليد الصحابي

стр. 565

١٤٣ - اعلم أن الصحابي إذا قال قولاً، وانتشر، ولم يظهر له مخالف ، كان إجماعاً- على ما مر. ولو عرف له مخالف، لا يكون حجة، إذ لو كان أحدهما حجة، لكان الآخر حجة، لكونه قول الصحابي، فيؤدي إلى التناقض. فأما إذا قال قولاً، ولم ينتشر، ولم يعرف له مخالف: - فإن لم يكن من أهل العلم والاجتهاد، لا يكون قوله حجة. - وإن كان من أهل العلم والاجتهاد: * فإن كان في حكم لا يدرك بالقياس: فهو حجة، لأنه لا يظن به القول جزافاً، ولا مجال للقياس فيه، فتعين السماع من النبي ﵇، فيحمل عليه، وعلى هذا التقدير يجب الأخذ به. فإن قيل: هذا باطل، بقول من بعدهم من المجتهدين: فإنه لا يظن به أنه قال ذلك جزافاً، ولا سبيل إل القياس، فتعين سماع حديث فيه. وعلى هذا التقدير يجب الأخذ به- قلنا: علم السماع من النبي ﵇ منقطع في حق غير الصحابي، فلا يمكن الحمل على السماع من النبي ﵇، ولا كذلك الصحابي، لأنه أمكن حمله على السماع من النبي ﵇ بغير واسطة. وهذا لأن المسموع من النبي ﵇ بغير واسطة ليس فيه من الاحتمال ما في المنقول بواسطة، لأن احتمال الكذب والغلط في الواسطة قائم. فإن قيل: هذا الاحتمال قائم في حق الصحابي، لأنه يحتمل أنه سمع من صحابي آخر، لا من الرسول ﵇ قلنا: هذا خلاف الظاهر، لأنه متى أمكنه الرجوع إلى النبي ﵇ من غير واسطة، والحكم بما لا يهتدي إليه الرأي،
следующие страницы →