Полный текст (696 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
كان ذلك إجماعاً. وإن أدى إلى مخالفته أظهروه، لوجود الداعي إليه، وهو بيان الصواب فيما اجتهد فيه، ووجود الصارف الطبيعي والشرعي عن الانقياد لغير الصواب، فدل سكوتهم، والحالة هذه، على الموافقة والإجماع.
فإن قيل: ما أنكرتم أنهم امتنعوا عن إظهار المخالفة، لموانع:
١ - منها- الخوف والمهابة ممن ظهر قوله. كما سئل ابن عباس ﵄ عن حجته على رد العول في الفرائض، فذكرها، فقيل له: هلا ذكرتها لعمر، فقال: مهابة منه.
٢ - منها- تعلق غرض من الأغراض، لعدم الاعتراض والإظهار.
٣ - ومنها- أن يكون مذهبه تصويب كل مجتهد في الفروع، فمنعه ذلك عن الرد على صاحبه.
قلنا:
أما الأول- إنما ينعقد الإجماع عند زوال التقية- على ما مر. ولأنه لو كان الإخفاء تقية، لأظهر مع أصدقائه وخاصته، فلا يلبث القول أن يظهر ويشيع. ولأنه إن مات المتقي قبل من يتقيه، فقد انعقد الإجماع، لأنه زال الخلاف. وإن مات من يتقيه قبله، يظهر الخلاف لزوال التقية.
وأما حديث ابن عباس، فلم يصح، لأن عمر ﵁ كان يقدمه على كثير من الصحابة، وكان يسأله، ويستحسن اجتهاده، وقد ظهر رده عليه في كثير من المسائل. ولأن ما كان راجعاً إلى أمر الدين لا يظن بابن عباس
стр. 562
الامتناع عن إظهاره، ومن عمر ﵁ من إظهاره، مع اتفاقهم على تجويز الاجتهاد والحكم به.
وأما الثاني- قلنا: الداعي إلى إظهار الخلاف قائم وتعلق الغرض به وهم لا أمارة عليه، فلا يترك العمل بالداعي لأجله. على أنا نقول: إن الله تعالى جعل الإجماع حجة يعرف به الحق، فيجب أن يكون لنا طريق إلى العلم به. ولو اعتبرنا هذا الوهم لا نسد باب العلم إلى معرفة الإجماع، وذا لا يجوز.
وأما الثالث- قلنا: من صوب كل مجتهد، فإنه يصوبه على شرط أنه استوفى شرائط الاجتهاد وتم نظره في الإمارة. وإذا كان الحق عنده، بخلاف ما أظهر صاحبه، جوز أنه لم يتم نظره ولم يستوف شرائط الاجتهاد، فيظهر الخلاف رداً لقوله. على أنه إن صوب خصمه، فالداعي إلى إظهار قوله، لو كان حقاً، ثابت، لأن عنده أن ما اعتقده صواب أيضاً، فيظهر قوله، ليعلم أن في الحادثة حقاً، غير ما قاله خصمه، فدل ترك الإظهار على الموافقة.
والمخالف احتج بأن قال: ١ - إن الإجماع ل ينعقد إلا باتفاق الكل، والموجود من البعض السكوت، وهو محتمل: يحتمل الرضا ويحتمل السخط ويحتمل التوقف، فلا يدل على الموافقة بالشك. و ٢ - لأن من الجائز أن يكون ببعض أطراف العالم مخالف لأقوالهم لم يلغه أقاويلهم، ولم يصل إليهـ[ـم] خلافه، ومع تجويز هذا، لا ينعقد الإجماع.
والجواب:
وأما الأول- فقد ذكرنا أن السكوت في هذه الحالة دليل الرضا والموافقة، وإن كان في نفسه محتملاً، وهو كامتناع الكفار وسكوتهم عن معارضة القرآن
стр. 563
والمعجزات، فإنه دليل على وجود العجز لتحقق الداعي عليه، لولا العجز- فكذا هذا.
وأما الثاني- قلنا: اعتبار هذا يسد باب معرفة الإجماع، بالقول أيضاً، لأن ما ذكرتم من الوهم قائم في كل صورة، على أن المعتبر في ذلك ما توقف عليه، ولنا سبيل إلى العلم به [إذ] إتباع سبيل المؤمنين يقتضى أن يكون لنا طريق العلم- وقد مر هذا في الأبواب المتقدمة.
стр. 564
٤
باب
في: تقليد الصحابي
стр. 565
١٤٣ - اعلم أن الصحابي إذا قال قولاً، وانتشر، ولم يظهر له مخالف ، كان إجماعاً- على ما مر.
ولو عرف له مخالف، لا يكون حجة، إذ لو كان أحدهما حجة، لكان الآخر حجة، لكونه قول الصحابي، فيؤدي إلى التناقض.
فأما إذا قال قولاً، ولم ينتشر، ولم يعرف له مخالف:
- فإن لم يكن من أهل العلم والاجتهاد، لا يكون قوله حجة.
- وإن كان من أهل العلم والاجتهاد:
* فإن كان في حكم لا يدرك بالقياس:
فهو حجة، لأنه لا يظن به القول جزافاً، ولا مجال للقياس فيه، فتعين السماع من النبي ﵇، فيحمل عليه، وعلى هذا التقدير يجب الأخذ به. فإن قيل: هذا باطل، بقول من بعدهم من المجتهدين: فإنه لا يظن به أنه قال ذلك جزافاً، ولا سبيل إل القياس، فتعين سماع حديث فيه. وعلى هذا التقدير يجب الأخذ به- قلنا: علم السماع من النبي ﵇ منقطع في حق غير الصحابي، فلا يمكن الحمل على السماع من النبي ﵇، ولا كذلك الصحابي، لأنه أمكن حمله على السماع من النبي ﵇ بغير واسطة. وهذا لأن المسموع من النبي ﵇ بغير واسطة ليس فيه من الاحتمال ما في المنقول بواسطة، لأن احتمال الكذب والغلط في الواسطة قائم.
فإن قيل: هذا الاحتمال قائم في حق الصحابي، لأنه يحتمل أنه سمع من صحابي آخر، لا من الرسول ﵇ قلنا: هذا خلاف الظاهر، لأنه متى أمكنه الرجوع إلى النبي ﵇ من غير واسطة، والحكم بما لا يهتدي إليه الرأي،
стр. 566
فالظاهر هو الرجوع إليه. وفي الرجوع إليه. وفي الجملة: الاحتمال هنا أقل من الاحتمال في حق غير الصحابي، فالمنع من لزوم تقليد غير الصحابي لا يوجب المنع من لزوم تقليد الصحابي.
* وأما إذا كان في حكم يدرك بالقياس- فقد اختلفوا فيه:
- ذهب أبو الحسين وجماعة من أصحاب الشافعي: [أنه] لا يلزمه تقليده. وهو مذهب الشافعي ﵀.
وقال بعض أصحابنا: يلزمه تقليده. وإليه ذهب الكرخي. والجصاص قال: كثيراً ما رأيت أبا يوسف ﵀ في أثناء مسائله يقول: القياس هكذا، إلا أنى تركت القياس للأثر من الصحابي. وعن محمد ﵀: أن شراء ما باع، بأقل مما باع، قبل نقد الثمن، لا يجوز، واحتج بحديث عائشة ﵂، والقياس يجوزه. وقال: إن الحامل تطلق ثلاثاً للسنة، قياساً.
стр. 567
ولكني تركت القياس لأثر بن مسعود. [و] في هذا إشارة إلى أنهما كانا يريان تقليد الصحابي.
أما من منع منه- فقد احتج بأن قال:
إن الصحابي غير معصوم عن الخطأ، وكان احتمال الخطأ في اجتهاده قائماً، واحتمال أنه قال ذلك باجتهاده ثابت، فلا يلزم تقليده. ولأن الله تعالي متى نصب الأمارات على الأحكام، فقد كلف المجتهد بالاستدلال بها، ولا يختص ذلك ببعض المجتهدين دون البعض، فيجب على كل مجتهد العمل باجتهاده، وذلك يمنع من تقليد غيره. بخلاف العامي، لأنه مكلف بالرجوع إلى قول المفتي- دل عليه أن أحداً من الصحابة لم يدع الناس إلى قوله، ولم يحذر أحداً على ترك مخالفته، بل جوزوا مخالفة قولهم، نحو ما روي عن زيد ﵁ أنه قضى بقضية وقال: " ليس برأيي حقاً على المسلمين" وأمثال ذلك، ولو كان قولهم حجه على غيرهم، لفعلوا لك.
стр. 568
وأما من قال بلزوم تقليد الصحابي- فقد احتج بأشياء:
١ - منها- الأحاديث الواردة فيهم، وهي قوله ﵇: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، وقوله ﵇: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وقوله: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"، وقوله: "الحق من بعدي مع عمر"، وقوله: "اللهم أدر الحق مع على حيثما أداره".
٢ - ومنها- أن بعض الصحابة كان يرجع إلى قول بعض، عن سماعه، من غير أن يسأله عن دليله، نحو ما روى عن عمر ﵁: أنه رجع إلى قول علي ومعاذ ﵄، ولم ينكر عليه أحد.
٣ - ومنها- أن قول الصحابي لا يكون جزافاً، ما لم يكن لحديث سمعه من النبي ﵇، أو قال باجتهاده: فإن كان الأول فهو حجة. وإن كان الثاني فاجتهاده وقياسه أقوى من اجتهاد غيره وقياسه، فالأخذ به أولى.
الجواب:
[الأول]- أما الأحاديث- فالمراد من الحديث الأول: ليس كل الصحابة، فإن فيهم من لا يجوز تقليده، وهم الأعراب العوام. وإنما المراد: الاجتهاد والرأي، معناه: اعلموا بالرأي والاجتهاد، بعد الكتاب والسنة، كما عملت الصحابة، اقتداء بهم، واطلبوا الصواب بالرأي من أقوالهم دون التقليد، ألا ترى أنه شبهم بالنجوم، وإنما يهتدي بالنجوم بعد الاستدلال، فكذا هذا.
стр. 569
على أن نقول: هذا الحديث والثاني والثالث خطاب مواجهة لمن كان في ذلك العصر ممن ليس في الصحابة: أن تقلد الصحابي وتتبعه. ومن لم يكن صحابياً [و] لم يكن من أهل الاجتهاد، فجاز له أن يقلد الصحابي، ولا كلام فيه.
ثم نقول: ليس في هذه الأحاديث بيان وجوه الاقتداء، فيحتمل أن الاقتداء بهم في روايتهم، لأنه يقال لمن اتبع رواية غيره: إنه اقتدي به.
وأما قوله ﵇: "الحق بعدي مع عمر" ودعاؤه لعلي ﵄، فليس فيه ما يدل على لزوم تقليد ما، لمجتهد آخر، فأن قولهما واجتهادهما قد كون حقاً، واجتهاد غيرهما قد يكون حقاً. على أن هذه أخبار آحاد، لا يجوز إثبات أصل من الأصول بها.
وأما الثاني- قلنا: الصحابة كان يرجع بعضهم إلى قول بعض، بعد ظهور الحق في قوله، باجتهاد من رجع، لا تقليداً. ورجوع عمر إلى قول علي ومعاذ ﵃ كان بعد التنبه على وجه قولهما، والصحابة لم ينكروا عليه، مع أنه لم يبين ذلك الوجه لحسن ظنهم به.
وأما الثالث- فهو بناء على أن اجتهاد غير الصحابي دون اجتهاد الصحابي، وهذا مما لا سبيل إليه، لاختلاف الحوادث وأحوال المجتهدين فيه والله اعلم.
تمت أبواب الإجماع وبالله تعالى التوفيق
стр. 570
٥
باب
القياس
стр. 571
١٤٤ - [تعريفات]:
يحتاج إلى:
- بيان معنى الاسم لغة.
- وإلى بيان حده شرعاً.
ليتضح الكلام فيه، نفياً وإثباتاً.
فنقول:
- أما معنى الاسم لغة- فتقدير الشيء بغيره موازنة واعتباراً. من قولهم "قس النعل بالنعل" أي احذه وقدره به.
- وأما حده شرعاً- فقد اختلف الناس فيه:
* قال بعضهم- القياس استخراج الحق. وهذا غير صحيح. لأنه يلزم منه، أن يكون الاستدلال بالنصوص والظواهر، قياساً. وبهذا يبطل قول من يقول بأنه: استدلال على الحكم.
*والصحيح في حد القياس- أنه تحصيل مثل حكم الأصل، في الفرع، لمشاركة بينهما في العلة، رأياً واجتهاداً.
وإنما قلنا: "رأياً واجتهاداً" لأن المجتهد إذا ظن بين الشيئين مشاركة، وأثبت حكم أحدهما في الآخر، ولم يكن بينهما مشاركة، كان ذلك قياساً. وإنما حددنا القياس بهذا، لأن المعقول من القياس الشيء على غيره،
стр. 572
فإنما من قال: " قست هذا الشيء"، يقال: " على ماذا قسته؟ " ومن أثبت حكم الشيء في غيره، من غير مشاركة بينهما في العلة، لا يكون قائساً، بل مبتدئاً في إثبات الحكم. فإذن لا بد في القياس من: أصل، وفرع، وعلة يشتركان فيها، ومن حكم يثبت بهذه المشاركة- فنبين:
معنى كل واحد من هذه الألفاظ.
ثم نبين جواز ورود التعبد به في الشرع.
وما يتصل بذلك من الأبواب، على الترتيب إن شاء الله تعالى.
أما الأصل:
فهو ما يتفرع عليه غيره، كما ذكرنا في صدر الكتاب.
وتكلم العلماء في: أصل القياس:
قال بعضهم: هو الدليل الدال على الحكم، في الموضع المقيس عليه، كحديث الربا في البر.
وقال بعضهم: هو الشيء الذي يثبت حكم القياس فيه بالنص والإجماع. وهو كالبر في حكم الربا.
وقال بعضهم: هو الحكم الثابت في موضع النص، كجرمه الربا في البر.
وكل ذلك صحيح: جاز أن يراد بذكر أصل القياس.
أما الحديث الدال على قبح بيع الربا في البر- فلأن قبح بيع الأرز متفرع عليه.
стр. 573
وكذلك وصف البر بأنه " أصل"- لأن حكم الأرز متفرع على حكم البر على معنى أنا إذا نظرنا فيه وظننا، أمكننا إثبات الحكم في الأرز، ثم البر "أصل" لحكمه، لأن الشيء أصل لوصفه.
وكذلك وصفنا الحكم بأنه "أصل"، لأن حكم الأرز متفرع على حكم البر. وكل واحد من هذه الأقاويل صحيح، وإن كان الأولى أن يكون " الأصل" هو " الحكم".
وأما الفرع:
قال بعضهم: هو الشيء الذي طلب حكمه بالتعليل. وهو نحو الأرز في الربا.
وقيل: هو الشيء الذي يعتدي حكم غيره إليه.
وقيل: هو الشيء الذي يتأخر العلم بحكمه، عن العلم بحكم غيره.
والأولى- أن يكون"الحكم" هو: الفرع، لأن نفس الأرز لا يتفرع على غيره، وإنما يتفرع حكمه.
وأما العلة:
ففي اللغة- ما أثر في أمر من الأمور، نفياً كان أو إثباتاً، كقولهم: مجيء زيد علة لخروج عمرو، أو في أن لا يخرج عمرو. ولهذا يسمون المرض علة، لأنه يؤثر في فقد قدرة التصرفات.
وفي عرف الفقهاء: ما أثرت حكماً شرعياً. وإنما يعرف ذلك إما بالتنصيص عليه، كالطوف في الهرة، أو بالمناسبة والملائمة، بأن يكون بحال لو عرض
стр. 574
على العقل، يغلب على الظن الحكم بوجوده، في الجملة.
وأما الحكم:
فالمراد به الأحوال الثابتة لأفعال المكلفين، ككون الفعل حلالاً وحراماً، وكون البيع جائزاً وفساداً، ونحو ذلك.
١٤٥ - باب: جواز ورود التعبد بالقياس، عقلاً وشرعاً .
- منع بعضهم جواز ورود التعبد بالقياس. واختلفوا فيما بينهم:
*فمنهم- من منع منه عقلاً.
*ومنهم- من جوزه عقلاً، ومنع منه شرعاً.
- وعامة أهل الأصول- جوزوا التعبد به عقلاً، وشرعاً.
والدلالة على ذلك- أن القياس إذا تم أوجب غلبة الظن. أما مشاركة الفرع الأصل في علة الحكم، وكوننا ظانين مشاركة الفرع الأصل، حالة من حالاتنا فلا يمتنع ورود التعبد به، إذ لا يمتنع أن يتعلق مصلحتنا بذلك، لما عرف أن المصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، كما في السفر والإقامة، وغير ذلك. وإذا جاز تعلق المصلحة به، جاز ورود الشرع بالتعبد به.
- أما عقلاً-فلأن العقل يوجب القيام من تحت حائط مائل يخشى سقوطه لفرط ميله، وإن جاز أن تكون السلامة في القعود والهلاك في النهوض.
стр. 575
وكذلك العقل: يمنع من الخروج إلى السفر عند ظن الخسران وغلبة اللصوص، وإن جاز خلافه.
-وأما شرعاً- فلأن الشرع ورد بالعمل بالشهادات عند ظننا صدق الشاهد، وبالأيمان. وكذلك شرعاً: ورد بالعمل بالظن في تقدير النفقات وقيم المتلفات وأروش الجنايات والتحري في أمر القبلة، وإن جاز خلاف ما ظنناه في هذه المواضع.
وأما المخالف- فقد احتج في المسألة بأشياء:
١ - منها- أنه لو جاز التعبد بالقياس في الفروع الشرعية، لجاز في أصولها، لأن الكل بني على المصالح، وهذا محال.
٢ - ومنها- أنه لو جاز إثبات الشرعيات، التي هي المصالح، بالظن الذي يجوز فيه الخطأ، لجاز الإخبار عن كون زيد في الدار بالأمارات لتي [ق] تخطئ- وذلك غير جائز.
٣ - ومنها- أن الأمارة والظن قد يخطئان، ولا يجوز من الحكيم أن يتعبدنا في المصالح بما [قد] يخطئ المصالح.
٤ - ومنها- أن القياس فعلنا، ولا يجوز أن يتوصل إلى المصلحة، بفعلنا.
٥ - ومنها- أنه لو كانت للشرعيات علل، لكانت كالعلل العقلية، في استحالة انفكاكها عن الأحكام. وفي ذلك إثبات الشرع قبل الشرع.
стр. 576
٦ - ومنها- أنه لو جاز أن يتعبدنا الشرع بتحريم [شيء لـ] ظننا شبهه بأصل محرم عن أمارة، لجاز أن يتعبدنا بتحريم شيء [إذا] ظننا شبهه بأصل محرم من غير أمارة، أو اشتهينا تحريمه، أو اخترنا تحريمه، أو شككنا في تحريمه، لأنه كما جاز أن يكون العمل على حسب الظن مصلحة، جاز أن يكون العمل بما اشتهيناه أو اخترناه، أو شككنا [أن] فيه مصلحة، وذلك باطل.
٧ - ومنها- أن القياس لو كان حجة في نفسه، لكان حجة مع النص، وليس كذلك، بالإجماع.
والجواب:
أما الأول- قلنا: هذا الكلام يحتمل وجوهاً:
- جاز أن يراد به إلزام قياس بيع البر بالبُر متفاضلاً، الذي هو أصل، على أصل آخر عرف حكم الربا فيه بالنص.
- وجاز أن يراد به إلزام قياس بيع البُر لا على أصل.
- وجاز إلزام استعمال القياس في أصول الدين كالتوحيد والنبوات.
فإن أراد به الأول- فنحن نلزمه ونجوزه. غير أن قبح بيع البُر متفاضلاً والحالة هذه، فرع لغيره، لأنه عُرف بالرد على غيره.
стр. 577
وإن أراد به الثاني- فقد ألزم ما لا يعقل، لأنه قياس شيء لا على شيء معقول.
وإن أراد به الثالث- قلنا: الفرق أن فائدة القياس في الفروع العمل. ويجوز أن يكون العمل عند الظن مصلحة إذ المصالح تختلف بأحوال الأفعال، على خلاف ما هو به. فأما فائدته في الأصول-[فـ] الإقرار والاعتقاد. وذا لا يحسن إلا على حسب العلم. وهذا لأن الإقرار والاعتقاد قبحه (؟ )، لكون المقر به والمعتقد على خلاف ما هو به. ولا يقع الأمن عن ذلك إلا بالعلم واليقين. فأما قبح الفعل وحسنه لجهات تختلف، فجاز أن يثبت حسنه عند الظن.
وأما الثاني- قلنا: بعض أهل الأصول سووا بينهما، فقالوا: كما جاز أن يتعبدنا الله بإثبات الحكم في الفرع عند ظننا شبه الفرع بالأصل، جاز أن يتعبدنا بالإخبار عن كون زيد في الدار إذا ظننا كونه فيها. ثم الفرق ما ذكرنا: أن حسن الخبر لكونه متناولاً للمخبر به على ما هو به، وذا لا يختلف بالظن، وحسن الفعل قد يحصل عن الظن.
وأما الثالث- قلنا: لا نقول إن المصلحة ما ظنناه، فلزمنا ذلك، بل نقول: المصلحة هو العمل على ظننا، وهو ثابت، بدلالة التعبد بالقياس.
فإن قيل: الإلزام قائم، لأن كون العمل، على ما ظنناه مصلحة، مبني على الظن، والظن قد يخطئ، والمصلحة أيضاً جاز الخطأ فيها- قلنا: التعبد على
стр. 578
العمل بالظن مبني على نفس الظن، لا على ما ظنناه. ولا تردد في الظن، سواء كان المظنون على ما ظنناه أو لم يكن.
وأما الرابع-قلنا: فعلنا في القياس النظر في الدلالة والأمارة، ولا يمتنع أن يتوصل بذلك إلى المصلحة، كالنظر في النصوص والدلائل العقلية. على أن من أفعال العباد ما نثبته بالمصلحة، كالنكاح والعتق والبيع ونحوها.
وأما الخامس- قلنا: هذا جمع بين العلل العقلية والشرعية، من غير جامع. ثم نقول: العلة العقلية موجبة للحكم بذاتها، فلا يجوز أن يقف إيجابه على شرط. وأما العلل الشرعية [فـ] مصالح تتعلق بالأفعال أو الأمارة على المصلحة، وذلك يقف على تعريف الشرع.
وأما السادس- قلنا: كما تقرر في العقول حسن التصرف في منافع الدنيا ومضارها إذا ظنناه بأمارة صحيحة، تقرر فيها قبح ذلك بناء على مجرد الشهوة، وهو الاختيار والظن، لا عن إمارة وعند الشك في وجه القبح والحسن. ووجه ذلك أن الظن، عن أمارة مبنية على المصلحة على بعض الوجوه، ولا كذلك هذه الأشياء والظن لا عن أمارة.
وأما السابع- إن عني به أنه يجب أن يكون حجة مع النص بخلافه في الفرع،
стр. 579
فالكلام فيه في الخبر الواحد إذا ورد على خلاف قياس الأصول. وإن عنى به أنه، مع النص على مثل حكمه في الفرع: فإن كان ذلك النص خبر الواحد، فهو حجة معه مطلقاً. وإن كان الكتاب أو الخبر المتواتر فهو حجة على معنى أنه لولا النص لا يمكننا إثبات الحكم به.
١٤٦ - باب في: أنه هل يجوز أن يجب العمل بالقياس في جميع الشرعيات أم لا:
لا خلاف في أنه يجوز أن يجب العمل بالنص في جميع الشرعيات. بأن ينص الله تعالى على صفات المسائل في الجملة، فندخل تفاصيلها فيها. نحو أن ينص على حكم الربا في كل موزون. ويجوز أن تكون مصلحتنا في ذلك.
فأما العمل بالقياس في جميع الشرعيات، فيمتنع. لأنه: أما أن يقاس بعضها على بعض، أو يقاس على غيرها: لا وجه إلى الأول، بأن يقاس شيء على شيء، ويقاس ذلك على فرعه، لأنه فيه تبيين الشيء بنفسه، وهو محال. ولا وجه للثاني، لأن غير الشرعيات، العقليات، ونحن لا نجد، في العقليات، أصلاً، كوجوب الصلاة وأعداد الركعات وشروطها وأوقاتها، فتعذر القياس فيها.
стр. 580
١٤٧ - باب في: أنا متعبدون بالقياس الشرعي:
- ذهب الأكثرون إلى إثبات التعبد بالقياس:
-[و] منهم من منع من التعبد. واختلف هؤلاء:
* فمنهم من قال: إن السمع والعقل لا يدلان عليه.
* ومنهم من قال: إن السمع يدل عليه دون العقل.
[دلالة العقل]:
والدلالة على [أن] العقل يقتضي التعبد بالقياس. أنا إذا ظننا، بأمارة شرعية، علة حكم الأصل، ثم علمنا، بالعقل أو الحس، ثبوتها في شيء آخر، فالعقل يوجب قياس ذلك الفرع، على ذلك الأصل، بتلك العلة. أما جواز قيام أمارة شرعية على حكم الأصل، [فـ] هو أنا إذا علمنا أن تحريم شرب الخمر يثبت، عند شدتها، ويتنفى عند عدم شدتها، كان ذلك أمارة تقتضي الظن بكون الشدة علة تحريمها، والشدة معلوم ثبوتها في النبيذ. وإنما قلنا: إن العقل يوجب قياس النبيذ على الخمر عند ذلك، لأن العقل يقتضي تحريم ما ظننا فيه أنه أمارة المضرة، وأمارة التحريم أمارة المضرة. ألا ترى أن العقل يقتضي تحريم الجلوس عند حائط مائل، لوجود أمارة المضرة، وهو فرط الميل.
فإن قيل: العقل إذا انفرد يقتضي إباحة شرب النبيذ، فلا يجوز الانصراف عنه لأجل الأمارة.
стр. 581
قيل له: العقل لو انفرد يقتضي إباحة الجلوس تحت الحائط، فيجب أن لا ينتقل إلى التحريم بالأمارة، ومع ذلك انتقلنا.
فإن قيل: العقل لا يقتضي إباحة الجلوس تحت الحائط مطلقاً، بل مشروطاً بشرط أن لا يحصل فيه أمارة المضرة، فإذا حصلت المضرة لا يقتضي ذلك - قلنا: كذلك نقول في النبيذ: إن العقل يقتضي إباحة شربه، بشرط أن لا يحصل فيه أمارة المضرة، فإذا حصلت، لا يقتضي ذلك.
وأما الأدلة السمعية:
(أ) - فمنها- إجماع الصحابة. فإنها قالت بالاجتهاد في مسائل اختلفت فيها، ولم يوجد من بعضهم نكير. وما قالت الصحابة من غير نكير، كان حقاً. فمن ذلك:
١ - قول الزوج لامرأته"أنت على حرام": قال أبو بكر وعمر ﵄: هذا يمين. وقال زيد بن ثابت ﵁: هو طلاق ثلاث. وقال ابن مسعود: هو طلقة واحدة. وقال ابن عباس: هو ظهار. وقال غيرهم: إنه إيلاء- هذا اختلاف مشهور. وإنما قالوا فيها، قياساً، لأنه لا يخلو: إما إن قالوا فيها عن طريق أو لا عن طريق: لا وجه إلى الثاني، لأن ذلك اتفاق منهم على الخطأ، لأنه من أعظم الخطأ أن يقال في دين الله من غير طريق، فتعين الأول. والطريق إما: النص الجلي أو الاستدلال بالنص أو القياس- لا وجه إلى الأول والثاني، لأنه لو كان كذلك لاحتج البعض به، وأظهره، ليقيم عذر نفسه وليرد غيره عن الخطأ- هذا هو العادة فيمن قال قولاً خالفه في ذلك من يريد مباحثته بطل الحق فيه. ولأنهم كانوا يكرهون مخالفة النصوص ومخالفة الاستدلال بها، ويعظمون موقعها، وذلك يدعوهم إلى الإظهار والاحتجاج.
стр. 582
ولو احتجوا وأظهروا لما أنكتم ولنقل أيضاً، لشدة الحاجة إلى النقل، لما يتعلق به من الحكم الشرعي. ولا يلزم على هذا ما أجمعوا عليه، فإنهم لا يجمعون إلا عن طريق. ثم لم ينقل إلينا ذلك، لأن إجماعهم أغناهم عن نقل ما أجمعوا على الحكم لأجله، لأن الإجماع حجة، ولو تعلق لاشتهر ولما خفي على الفقهاء، مع شدة اهتمامهم في طلبه. وحيث لم يشتهر، دل أنهم قالوه عن اجتهاد.
فإن قيل: لو حكموا فيه بالاجتهاد والقياس، لصرحوا بعلة القياس. كما يجب عليهم أن ينقلوا النص إذا حكموا فيها بالنص- قلنا: إن ذلك واجب في النص من جهة الدين والعبادة، لأن مخالفة النص حرام. فأما القياس فالتنبيه عليه يكفى، لأن مخالفته ليس بحرام على غيره. وكذلك الفقهاء: اقتصروا في جواب المسائل على ذكر مواضع القياس، ولم يصرحوا بذكر العلة، وقد وجد التنبيه من كل واحد منهم على العلة.
- أما من قال: "أنه طلاق ثلاث" فإنما قال ذلك، لأن التحريم المطلق يقتضي غاية الحرمة، ثم ألحقها بالثلاث، لأن كل واحد منهما يفيد غاية الحرمة.
- ومن قال: "إن طلاق واحد" فلأن هذا يقتضي التحريم، وهي نفس موصوفة بالحرمة، بأقل الحرمة، ثم ألحقه بالطلاق الواحد، لأنه يفيد أقل الحرمة.
- ومن قال بأنه"إيلاء" قال: لأنه يقتضي المنع من الوطء، فكان إيلاءً.
- ومن قال بأنه"ظهار" قال: بأنه تحريم لا بالإيلاء، ولا بالطلاق، فكان ظهاراً.
- وإنما قلنا: إنه ليس منهم نكير، لأنه لو كان منهم نكير، لظهر لما أنكتم.
- وإنما قلنا: إن ما قالوه من غير نكير يكون حقاً، لأنه لو لم يكن حقاً لكان باطلاً، فيجب عليهم الإنكار. وحيث لم ينكروا، فقد أجمعوا على ترك الواجب،
стр. 583
وذلك اتفاق على الخطأ، والأمة لا يجوز أن تجتمع على الخطأ.
٢ - ومما اختلفوا فيه وشبهوه بغيره- مسألة الجد:
قال ابن عباس: "أما يتقي الله زيد بن ثابت حيث يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً".
ولم يذهب ابن عباس إلى تسمية الجد أباً حقيقة، لأنه، مع تقدمه في اللغة، لا يذهل عليه ذلك، وإنما أراد به جعل أب الأب بمنزلة الأب، كما جعل ابن الابن بمنزلة الابن. وهذا قياس منه واعتبار من حيث إن كل واحد منهما يدلى إلى الميت بالولاد، بواسطة، وأن لا فرق في الولادة من جهة العلو والسفل.
وعن علي وزيد بن ثابت ﵄ أنهما شبها الجد مع الأخ بغصني شجرة وبجدولي نهر، ليعرفا قربهما من الميت، فيشركاهـ[ـما] في الميراث.
فإن قيل: من أين صح هذا التشبيه منهم؟ قلنا: من نقل فتاويهم، نقل معها، هذا التشبيه. فلما صار أحدهما معلوماً، صار الآخر معلوماً. ولأن المتقدمين من المخالفين بين متأول لهذا التشبيه وبين مخطئ لهما، وليس فيهم من يجحد [ها]. وإنما تجاسر أهل زماننا على جحدها. ولو عرفوا أن الإقرار
стр. 584
بفتاويهم يضرهم، لجحدوها. ولأنهم لو لم يقرنوا ذلك بما ذكرنا من التشبيه، لقالوا ذلك عن طريق آخر، وذلك غير ثابت- على ما مر.
٢ - وعن عمر ﵁ في المسألة الحمارية: أن أعط الميراث للإخوة لأم دون الإخوة لأب وأم، حتى قالوا: "هب أن أبانا كان حماراً ألسنا من أم واحدة" فرجع ﵁ وشركهم في الميراث. وهذا قياس واعتبار، فإنهم قالوا: إنما أعطيت الإخوة لأم لولادة الأم، ونحن شاركناهم في ولادة الأم وزدنا عليهم بولادة الأب. ولا يقال: إنما ورث عمر ﵁ الإخوة لأب وأم بدخولهم تحت قوله تعالى ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ لا لأجل الاعتبار، لأن قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ منصرف إلى الإخوة لأم بدليل قوله تعالى: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.
стр. 585
(ب) - ومما يدل على ورود التعبد بالقياس ما ظهر من الصحابة ﵃ من غير نكير:
- ما روى عن أبي بكر ﵁ أن قال: " أقول في الكلالة برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان" وعن عمر ﵁ أن كتب إلى بعض عماله وقال: "هذا ما رأى عمر" وعن علي ﵁ انه قال: "رأيي ورأى عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، ثم رأيت
стр. 586
بعد ذلك [أن] يبعن". وعن ابن مسعود ﵁ أن قال في بروع بنت واشق الأشجعية: "أقول برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن ابن أم عبد".
والرأي عبارة عن ظن أو اعتقاد، يتوسل إليهما، باستنباط أو اعتبار بدلالة عقلية أو أمارة ظنية. فأما ما يتوسل إليه بالاستدلال بنص جلي أو خفي لا يسمى رأياً-[فـ] لا يقال إن حرمة الميتة ثبتت برأي المسلمين. ولا يقال إن أبا حنيفة ﵀ أثبت الربا في الأشياء الستة برأيه، ويقال أثبت الربا في الجص برأيه. ولهذا مخالفونا يذمون الرأي وأهله، وإنما يذمون القائمين من دون القائلين بالنقل. فثبت أن الرأي عبارة عن ظن أو اعتقاد يتوسل إليه باستنباط أو اعتبار، بدلالة عقلية أو أمارة ظنية، وليس على الأحكام الشرعية دلالة قطعية، فتعينت الأمارة الظنية.
وعن عمر ﵁ أنه قال في الرسالة المشهورة إلى أبى موسى الأشعري:
стр. 587
" [ثم] اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك" وهذا صريح في الأمر بالقياس.
فإن قيل: فقد روي عن الصحابة ﵃ ذم الرأي- فإنه روي عن أبى بكر ﵁ انه قال: " أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي". وعن عمر ﵁ أن قال: " أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي". وعن علي ﵁ أن قال: " لو كان الدين رأياً لكان المسح بباطن لخف أولى من المسح ظاهره". وعن ابن مسعود ضي الله عنه: " يذهب قراؤكم وصلحاؤكم فيتخذ الناس رؤساء جهالاً فيقيسون الأمور برأيهم"- فوقع التعارض في أقاويلهم فلا يصح الاحتجاج بها- قلنا:
لما كان الذين ذموا الرأي هم الذين قالوا به، يجب حمل ذمهم الرأي، على رأي مع وجود النص أو مع تركهم طلب النص، كما يجب ذلك إذا روي عن النبي ﵇ ذم الرأي والقول به- كيف وإن قول كل واحد منهم ينبه على ما ذكرنا. أما حديث أبى بكر ﵁: أراد به تفسير القرآن. ولعمري ينبغي للإنسان أن يفسر القرآن بما تعارفه أهل اللغة، وبما نقل عن النبي ﵇ [وأما قول عمر غنما هو ذم لم عدل إلى الرأي ولم يطلب الأحاديث ولم يحفظ ما وجد منها]. وأما حديث علي ﵁: [فقد] أراد
стр. 588
به جميع الدين. وغرضه بذلك أن يبين أنه ليس كل ما جاءت به السنة مما يقتضيه الرأي وبين ذلك بالمسح على الخف. وكذلك حديث ابن مسعود ﵁ محمول على ما ذكرنا [فإنما ذم بذلك الرأي قبل طلب السنن والنظر فيها].
(جـ) - ومما يدل على كون القياس حجة: ما روي عن النبي ﵇ أنه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: " بم تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال: فإن لم تجد. قال: فبسنة رسوله. قال: فإن لم تجد. قال: أجتهد فيه رأيي. فقال ﵇: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله": صوبه النبي ﵇ في اجتهاد بعد الانتقال من الكتاب والسنة، وإنما أراد به الحكم بالاجتهاد.
وعنه ﵇ أنه قال لمعاذ ولأبى موسى الأشعري حين أنفذهما إلى اليمن"بم تقضيان؟ قالا: إن لم نجد الحكم في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله قسنا الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق، قلنا به".
وعنه ﵇ أنه قال لابن مسعود ﵁: "فإن لم تجد في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله، اجتهد رأيك".
فإن قيل: إنما عني قول معاذ: "أجتهد رأيي": أجتهد [في] الاستدلال بمعنى النصوص، أو معناه: اجتهد في طلب الحكم من الكتاب والسنة- قلنا:
[أولاً] من اجتهد في الاستدلال بالنصوص، لا يقال اجتهد رأيه، ولأنه علق الاجتهاد بنفي وجدان النص مطلقاً، الجلي والخفي جميعاً، فلا يمكن حمله على ذلك.
стр. 589
وأما الثاني- قلنا: طلب الحكم من الكتاب والسنة لا يقال فيه: إنه اجتهاد للرأي. ولأن علق ذلك بنفي وجدان الكتاب والسنة، وذلك لا يكون إلا بعد الطلب.
فإن قيل: أتقطعون بصحة خبر معاذ ﵁، أو لا تقطعون به وتنزلونه منزلة أخبار الآحاد؟
فإن قلتم بالأول- فهو غير ثابت. واحتجاج بعض العلماء به وتأويل بعضهم، لا يدل على صحته قطعاً، لأن من تأول فإنما تأول لأنه لم يعرف وجه البطلان. والمخالف إذا أمكنه تأويل الخبر [و] لا يعرف وجهة للبطلان، يجب تأويله ولا يجب رده، فلا يدل ذلك على صحة الحديث عند الكل.
وإن قلتم بالثاني- نقول: كيف تستدلون بخبر الواحد على صحة القياس قطعاً، وهو غير مقطوع به؟ - قلنا: لا نقطع على صحة خبر معاذ. ومع هذا يجوز إثبات صحة القياس به، لأن القياس من باب العمل، وخبر الواحد مقبول في باب العمل. ونقطع بوجوبه، لأجل الدليل الدال على وجوب العمل بأخبار الآحاد. كما نقطع به على وجوب العمل بأخبار الآحاد لما تتضمنه الأخبار من فروع الشريعة. ولا فرق بين أن يظن أن النبي ﵇ أمرنا باستعمال ما يفضى إلى وجوب النية في الوضوء وبين أن كل واحد منهما واجب- ألا ترى أنه لا فرق بين أن يخبرنا إنسان بوجود سبع أو لص في الطريق في وجوب تجنبه علينا إذا ظننا صدقه، وبين أن يأمرنا من ظاهره النصح والسداد بسؤال رجل، ويقول هو أعرف بحال الطريق في أنه يجب علينا سؤاله إذا خفنا الطريق، وإذا أخبرنا بشيء وظننا صدقه، يجب العمل به- كذا [هذا].
стр. 590
وعن النبي ﵇ انه قال لعمر ﵁ حين سأله عن القبلة للصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته": شبه القبلة من غير إيلاج بمضمضة من غير ابتلاع، في نفي فساد الصوم. وهذا محض قياس [إذ] كان قوله: "أرأيت" يدل على أنه يمهد أمر القياس.
وعنه ﵇ أنه قال للخثعمية حين سألته عن الحجة عن أبيها: " أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه؟ فقالت: نعم. قال ﵇: دين الله أحق" وهذا يدل على تمهد أمر القياس.
(د) - ومما استدل به على التعبد بالقياس قول الله تعالى: "الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ" هكذا نقل عن ثعلب وغيره من أئمة اللغة. وقال ابن عباس ﵁ في الأسنان: " اعتبرها بالأصابع" في أن ديتها متساوية.
стр. 591
يقال: إن فيه عبرة- أي ما يقتضي حمل غيره عليه، وإجراء حكمه عليه، نحو أن يعاجل من ظلم بالهلاك، فيقال: "إن فيه عبرة". ولا يقال إن معنى قوله: "فيه عبرة" أي اتعاظ وانزجار، لأنا نقول: لا كذلك، فإنه يقال: اعتبر لتتعظ وتنزجر، فيجعل الاتعاظ والانزجار غاية للاعتبار، فكان غيره.
فإن قيل: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ" فصار المعنى منصوصاً عليه وهو مخالفة الله ورسوله، ولا كلام فيه، إنما الكلام فيما ظنه المجتهد وظفر برأيه- قلنا: النص مطلق لا تقييد ظهور المعنى وخفائه. بل الاعتبار بحالة الخفاء أليق، فتصرف إلى كل اعتبار. وإن وجود النص في حادثة، ظهر فيه المعنى، لإطلاق اللفظ.
هذا وجه التعليق بهذه الآية. إلا أن لقائل أن يقول: قوله"فاعتبروا" ليس فيه ما يقتضي جميع وجوه الاعتبار. ونحن نعتبر الفروع بالأصول المنصوص عليها. فكما لا يثبت الحكم في الأصول إلا بالنص أو بالبقاء على حكم العقل، فكذلك لا يثبت الحكم في الفروع إلا بالنص أو بالبقاء على حكم العقل.
وأما المخالف فقد احتج بأشياء:
١ - أحدها- أن الله تعالى دل بوضع الشريعة على منعنا من القياس، حيث فرق بين المتفقين، وجمع بين المختلفين في الحكم فإنه أباح النظر إلى شعر الأمة الحسناء وحرم النظر إلى شعر الحرة الشوهاء. وأوجب الغسل في المنى دول البول والمذى. وأوجب على الطاهرة من الحيض قضاء الصيام دون الصلوات.
стр. 592
ولا يقال بأن القياس إنما يقتضي الجمع بين الشيئين إذا اشتركا في علة الحكم، ولم توجد المشاركة في هذه المواضع، لأنا نقول: الشريعة لو حظرت النظر إلى شعر الحرة ولم تذكر شعر الأمة، لعلم أنها حظرت لخوف الفتنة، وهذه العلة قائمة في شعر الأمة، ولكان أقوى ما يذكرون من الأمارة في القياس. فلما شهدت الشريعة بإبطال هذه الأمارة، علمنا أن وضعنا يمنع القياس.
٢ - ومنها- أنه لو ورد التعبد بالقياس، [فإنه] يؤدي إلى أحكام متضادة، لأن الفرع قد يشبه أصلين متضادي الحكم، فاقتضي إثباتهما في الفرع، وذلك محال.
٣ - ومنها- أن ورود التعبد بالقياس باعتبار الحاجة، ولا حاجة بنا إلى ذلك، لأن النصوص العامة والخاصة متناولة للحوادث كلها. وكذلك دليل العقل شامل للحوادث كلها.
والجواب:
أما الأول - فليس فيه أكثر من وجود الأمارة وعدم حكمها. وبهذا تخرج عن كونها دلالة. أما لا يخرج عن كونها أمارة، كالغيم الرطب في زمان الشتاء: أمارة المطر، ثم ليس ينقض كونه أمارة بوجود غيم في زمان الشتاء ولا مطر معه- فكذا هذا. ونحن لا ندعي إلا كونه أمارة.
وأما الثاني- الفرع إذا أشبه أصلين مختلفين. فإما أن يختبر في الفرع في العمل بأيهما شاء، والتخيير حكم من الله تعالى، كما في أخبار الآحاد إذا تعارضت. أو نقول: لابد أن يكون شبه الفرع بأحدهما أقوى،
стр. 593
والله تعالى جعل لنا طريقاً إلى معرفته، فعلى المجتهد أن يراجع النظر حتى ظفر بالأقوى، فلا يؤدي إلى تعطيل الأمارة.
وأما الثالث- قلنا: لا نسلم أن النصوص متناولة للحوادث كلها، إذا لو كانت متناولة للحوادث كلها، لكانت متناولة للحوادث التي اختلف فيها الصحابة، ولاحتجوا بها. وحيث لم يحتجوا، علم أنها لم تتناول كل الحوادث.
وأما دليل العقل، فإنما يعمل به لو لم ينقل عنه دليل شرعي، فبينوا أن القياس ليس بدليل شرعي- والله أعلم.
١٤٨ - باب في: أن النص على علة الحكم في الأصل- هل هو تعبد بالقياس بها أم لا ؟
- ذهب بعضهم إلى أنه لا يكون تعبداً بالقياس. ويجوز من الله تعالى أن ينص على علة حكم، ثم ينهي عن القياس عليه وإن شاركه غيره في علته.
- وذهب أكثر الفقهاء وبعض المتكلمين إلى أنه تعبد بالقياس.
- وذهب بعض المتكلمين إلى أن التنصيص على علة الحكم، يجري مجرى التنصيص على كل ما وجدت فيه علة الحكم، وهو محكي عن أبى الحسن الكرخي ﵀.
стр. 594
وذكر بعضهم أن المنصوص إذا كان علة للتحريم يكون تعبداً بالقياس بها. وإن كان علة للإيجاب أو الندب لا يكون [النص عليها تعبداً بالقياس بها].
(أ) - والدلالة على صحة مذهبنا- أن العمل بالإشارة واجب- على ما مر. وعلة القياس أمارة، فدل التنصيص عليها، على وجوب تعليق الحكم بها. دل عليه العرف. فإن من قال لعبده: "لا تدخل دار فلان لأنه عدوى" فدخل دار غيره من أعدائه لامه العقلاء عليه. ولو قال له: "أوجبت عليك أو أبحت لك الدخول دار فلان لأنه صديقي" فدل دار صديق آخر، لا يلام عليه، ولو لامه غيره، يلومه العقلاء على ذلك.
(ب) - أما المخالف- فقد استدل بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ علل وجوب الصلاة بكونها مانعة عن الفحشاء والمنكر. وهذه العلة قائمة في صلاة الضحى، ولا يجوز قياسها عليها في الوجوب- دل عليه العرف، فإن من قال: "أعتقت سالماً من عبيدي لأنه أسود" لا يعتقد السامعون عتق جميع السود. وكذلك لو وكل وكيلاً بأن يعتق سالماً من عبيده لأنه أسود، لا يجوز أن يعتق جميع عبيده السود فكذا هذا.
والجواب:
- أما الآية فمعنى كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر، كونها لطفاً
стр. 595
في التقريب إلى فعل الواجبات والتجنب عن القبائح. وهذا مما لا يستيقن بوجوده في صلاة الضحى، فلهذا لم يجز قياسها على غيرها.
-وأما العرف- لو قال قائل: "أعتقت زيداً من عبيدي، لأنه أسود" ناقضه كل عاقل فيقول له: إن عبيدك الأخر سود، فلم خصصته بالعتق؟ وكذلك في الدليل: هذه المناقضة ثابتة- ألا ترى [أنه] لم يجز للوكيل الإقدام على إعتاق أعبد له، لأن الوكالة لا تثبت إلا بتنصيصه، والشرع منع من إبطال ملك الغير إلا بصالح القول. ولأن الموكل جاز عليه البدوات والمناقضات، فالاحتياط المنع من الحكم بعتق مماليكه إلا بصريح الإعتاق. ومنع الوكيل من إتلاف ماله إلا بصريح القول.
(جـ) - وأما من فرق بين علة التحريم والإيجاب- قال: أن تعليل الفعل بعلة تنبئ عن حسنه، فليس كل حسن واجب التحصيل. فأما تعليل الترك [بعلة] تنبئ عن قبحه، فكل قبيح يجب تركه.
والجواب:
إن تعليل الوجوب ينبئ عن جهة مقتضية للوجوب. كما أن التعليل للحرمة ينبئ عن جهة مقتضية للحرمة، فتجب المقايسة في كل واحد منهما والله أعلم.
стр. 596
١٤٩ - باب في: أن النبي ﵇ هل كان متعبداً بالقياس والاجتهاد أم لا ؟
ذهب بعض المتكلمين إلى أنه لم يكن متعبداً بالاجتهاد في شيء عن الشرعيات. وحكي عن أبى يوسف ﵀ أنه كان متعبداً به.
وحكي عن الشافعي ﵀ انه جوز أن يكون في الأحكام الشرعية ما قال النبي ﵇ بالاجتهاد.
والمختار من المذهب أنه يجوز أن يتعبد النبي ﵇ بالقياس. ولكنا لا نقطع أنه كان متعبداً به أم لا.
والدلالة على جواز ذلك:
١ - أنه لا يمتنع أن تكون مصلحة النبي ﵇ في العمل بالنص تارة وفي العمل بالاجتهاد أخرى، كما حق الأمة. وهذا لأن الاجتهاد ليس إلا العمل بالأمارة والظن، ولا يمتنع أن تكون المصلحة في العمل به في حق النبي ﵇ ألا ترى أنه يجب عليه العمل بالرأي والاجتهاد في المنافع الدنيوية ومضارها، فكذا في الشرعيات.
فإن قيل: اجتهاد النبي ﵇ اختص بوجه، وهو أن ذلك تنفير عنه- وبيانه من وجهين:
أحدهما- أنه إذا علم أنه يقول برأيه ومن تلقاء نفسه، ففيه تنفير عنه.
والثاني- أنه يجوز لغيره من المجتهدين مخالفته، وهذا أبلغ في التنفير.
قلنا: المجتهد يثبت حكم الله تعالى بتنبيهه، أي تنفير [عند] تنبيه الله تعالى [إيانا] على مراده.
стр. 597
وقوله: يجوز لغيره أن يخالفه- قلنا: لا يجوز ذلك، وإن صدر الحكم عن اجتهاد، على ما مر.
فإن قيل: لو جاز للنبي ﵇ أن يجتهد، يجب علينا القطع على أن ما قاله حق، لأنه يجب علينا أتباعه، ولا يقطع هو على ذلك، لأنه مجتهد- قلنا: كما يقطع أن ما قاله حق وصواب، فهو يقطع على ذلك أيضاً إذا أفضى إليه اجتهاده، لأن ذلك يوجب قيام الدليل على عصمته، وحال الدليل لا يختلف، فكما نعلم كونه معصوماً، فهو يعلم ذلك.
وأما عدم القطع على أن كان متعبداً أو لم يكن- أنه ليس في العقل ولا في السمع ما يدل على [نفي] ذلك، أو على تعبد، وإنما يتضح ذلك بإفساد أدلة القاطعين على أنه كان متعبداً، وأدلة القاطعين على أنه لم يكن متعبداً به. كما احتج به القائلون إنه متعبد: [بـ] أن في الاجتهاد زيادة ثواب، ولا يجوز أن يحرم عنها النبي ﵇.
٢ - ومنها- أن العقل يقتضي العمل بالقياس، فالرسول ﵇ وغير الرسول، فيه سواء.
والجواب- قلنا:
[الأول]- هذا لا يتم إلا بعد بيان أن ثواب المجتهد في الإمارات أكثر من ثواب المستدل بالدلالات، مع أن المشقة موجودة فيهما، وليس إلى ذلك سبيل، لأنا نعلم [أن] التفاضل بينهما في مزيد الثواب.
وأما الثاني- قلنا: العقل إنما يوجب ذلك، إذا لم يكن في الحادثة نص، وإذا لم يدل الشرع على أن في القياس مفسدة، فما يؤمننا أن الله تعالى نص على الأحكام في حقه ونبهه أن في القياس مفسدة؟
стр. 598
وأما المانعون من كونه متعبداً به- احتجوا بأشياء:
١ - منها- قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ولا يقال لما صدر عن اجتهاد، إنه وحي- ألا ترى أنه لا يقال: إن قول المجتهد منا وحي - فكذا هذا.
٢ - ومنها- أنه لو كان في الأحكام ما قاله الني ﵇ عن اجتهاد، جاز أن يجعل أصلاً لغيره، ولجاز لغيره مخالفته، ولا يكفر مخالفه- إذ كل ذلك من حق الاجتهاد، والأمر بخلافه.
٣ - ومنها- أنه لو كان متعبداً به، لأظهره.
٤ - ومنها- أنه لو تعبد بالاجتهاد لما توقف على الوحي، ومعلوم أن كان يتوقف عليه.
والجواب:
أما الأول- قلنا: الآية تناولت ما نطق به، لا ما ظهر عنه فعلاً. ومن أين لكم أن كل ما فعله النبي ﵇ كان وحياً؟
ثم نقول: الحكم بالاجتهاد ليس حكماً عن هوى، بل هو حكم عن دليل نصبه الله تعالي.
وأما الثاني- قلنا: ليس ذلك حكم الاجتهاد مطلقاً، بل حكم اجتهاد
стр. 599
لم يقترن به دليل قطعي، كما أنـ[ـه] في الإجماع الصادر عن اجتهاد- على ما مر.
وأما الثالث- قلنا: لا يمتنع أن تكون المصلحة في عدم الإظهار، ولم يظهر.
وأما الرابع- قلنا: لم يثبت أنه توقف في جميع الأحكام على الوحي، فربما حكم في بعضها بالاجتهاد في الحال- والله أعلم.
١٥٠ - باب في: أن من عاصر النبي ﵇ هل كان متعبداً بالاجتهاد والقياس أم لا ؟
أثبته قوم على الإطلاق.
ومنعه قوم على الإطلاق.
والمذهب المختار- أن من كان بحضرة النبي ﵇ وقدر على سؤال حكم الحادثة عند [هـ] لا يجوز له الاجتهاد، لأنه بمنزلة واجد النص في الحادثة. إلا إذا خصه النبي ﵇ بالأمر به. كما روي عن النبي ﵇ أن أمر عمرو بن العاص بالحكم بين المتخاصمين برأيه ووعده إياه بالثواب عليه، وأخطأ أو أصاب.
стр. 600
أما من غاب عن النبي ﵇، وعجز عن السؤال عنه- فيجوز له ذلك: لمساس الحاجة وفقد النص. ولما روى من حديث معاذ ﵁، وهو حديث صحيح على ما روينا، وقد تلقته الأمة بالقبول- والله أعلم.
١٥١ - باب في: أن القياس- هل هو مأمور به ودين أم لا ؟ :
(أ) - أما كونه ديناً- إن عنى به أنه ليس ببدعة، بل هو من الشرع، فلا شبهة فيه. وإن عنى به تسميته ديناً- فقد اختلفوا فيه:
- ذهب بعضهم إلى المنع من ذلك. لأنهم جوزوا الاختلاف في الدين. ولأن للقياس أحكاماً مختلفة. فلو كان ديناً، لكان لله تعالى أدياناً مختلفة، وهذا لا يجوز.
- وذهب آخرون إلى إطلاق ذلك عليه، لأنه لو لم يكن ديناً، لكان فيه إحلال الفروج، وإباحة الدماء بغير دين الله تعالى، وهذا لا يجوز.
وقولهم: يؤدي إلى أن يكون لله تعالى أدياناً مختلفة- قلنا: يشكل هذا في الأحكام الثابتة بالنصوص، فإنها تختلف باختلاف أحوال المكلفين، كالصلاة في حق المقيم والمسافر والصحيح والمريض، ولا يؤدي إلى ما ذكرتم.
(ب) - وأما كونه مأمورا به:
[فـ] إن عنى به أنه مبعوث عليه بأدلة، فصحيح.
следующие страницы →