Полный текст (696 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
١٤٩ - باب في: أن النبي ﵇ هل كان متعبداً بالقياس والاجتهاد أم لا ؟
ذهب بعض المتكلمين إلى أنه لم يكن متعبداً بالاجتهاد في شيء عن الشرعيات. وحكي عن أبى يوسف ﵀ أنه كان متعبداً به.
وحكي عن الشافعي ﵀ انه جوز أن يكون في الأحكام الشرعية ما قال النبي ﵇ بالاجتهاد.
والمختار من المذهب أنه يجوز أن يتعبد النبي ﵇ بالقياس. ولكنا لا نقطع أنه كان متعبداً به أم لا.
والدلالة على جواز ذلك:
١ - أنه لا يمتنع أن تكون مصلحة النبي ﵇ في العمل بالنص تارة وفي العمل بالاجتهاد أخرى، كما حق الأمة. وهذا لأن الاجتهاد ليس إلا العمل بالأمارة والظن، ولا يمتنع أن تكون المصلحة في العمل به في حق النبي ﵇ ألا ترى أنه يجب عليه العمل بالرأي والاجتهاد في المنافع الدنيوية ومضارها، فكذا في الشرعيات.
فإن قيل: اجتهاد النبي ﵇ اختص بوجه، وهو أن ذلك تنفير عنه- وبيانه من وجهين:
أحدهما- أنه إذا علم أنه يقول برأيه ومن تلقاء نفسه، ففيه تنفير عنه.
والثاني- أنه يجوز لغيره من المجتهدين مخالفته، وهذا أبلغ في التنفير.
قلنا: المجتهد يثبت حكم الله تعالى بتنبيهه، أي تنفير [عند] تنبيه الله تعالى [إيانا] على مراده.
стр. 597
وقوله: يجوز لغيره أن يخالفه- قلنا: لا يجوز ذلك، وإن صدر الحكم عن اجتهاد، على ما مر.
فإن قيل: لو جاز للنبي ﵇ أن يجتهد، يجب علينا القطع على أن ما قاله حق، لأنه يجب علينا أتباعه، ولا يقطع هو على ذلك، لأنه مجتهد- قلنا: كما يقطع أن ما قاله حق وصواب، فهو يقطع على ذلك أيضاً إذا أفضى إليه اجتهاده، لأن ذلك يوجب قيام الدليل على عصمته، وحال الدليل لا يختلف، فكما نعلم كونه معصوماً، فهو يعلم ذلك.
وأما عدم القطع على أن كان متعبداً أو لم يكن- أنه ليس في العقل ولا في السمع ما يدل على [نفي] ذلك، أو على تعبد، وإنما يتضح ذلك بإفساد أدلة القاطعين على أنه كان متعبداً، وأدلة القاطعين على أنه لم يكن متعبداً به. كما احتج به القائلون إنه متعبد: [بـ] أن في الاجتهاد زيادة ثواب، ولا يجوز أن يحرم عنها النبي ﵇.
٢ - ومنها- أن العقل يقتضي العمل بالقياس، فالرسول ﵇ وغير الرسول، فيه سواء.
والجواب- قلنا:
[الأول]- هذا لا يتم إلا بعد بيان أن ثواب المجتهد في الإمارات أكثر من ثواب المستدل بالدلالات، مع أن المشقة موجودة فيهما، وليس إلى ذلك سبيل، لأنا نعلم [أن] التفاضل بينهما في مزيد الثواب.
وأما الثاني- قلنا: العقل إنما يوجب ذلك، إذا لم يكن في الحادثة نص، وإذا لم يدل الشرع على أن في القياس مفسدة، فما يؤمننا أن الله تعالى نص على الأحكام في حقه ونبهه أن في القياس مفسدة؟
стр. 598
وأما المانعون من كونه متعبداً به- احتجوا بأشياء:
١ - منها- قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ولا يقال لما صدر عن اجتهاد، إنه وحي- ألا ترى أنه لا يقال: إن قول المجتهد منا وحي - فكذا هذا.
٢ - ومنها- أنه لو كان في الأحكام ما قاله الني ﵇ عن اجتهاد، جاز أن يجعل أصلاً لغيره، ولجاز لغيره مخالفته، ولا يكفر مخالفه- إذ كل ذلك من حق الاجتهاد، والأمر بخلافه.
٣ - ومنها- أنه لو كان متعبداً به، لأظهره.
٤ - ومنها- أنه لو تعبد بالاجتهاد لما توقف على الوحي، ومعلوم أن كان يتوقف عليه.
والجواب:
أما الأول- قلنا: الآية تناولت ما نطق به، لا ما ظهر عنه فعلاً. ومن أين لكم أن كل ما فعله النبي ﵇ كان وحياً؟
ثم نقول: الحكم بالاجتهاد ليس حكماً عن هوى، بل هو حكم عن دليل نصبه الله تعالي.
وأما الثاني- قلنا: ليس ذلك حكم الاجتهاد مطلقاً، بل حكم اجتهاد
стр. 599
لم يقترن به دليل قطعي، كما أنـ[ـه] في الإجماع الصادر عن اجتهاد- على ما مر.
وأما الثالث- قلنا: لا يمتنع أن تكون المصلحة في عدم الإظهار، ولم يظهر.
وأما الرابع- قلنا: لم يثبت أنه توقف في جميع الأحكام على الوحي، فربما حكم في بعضها بالاجتهاد في الحال- والله أعلم.
١٥٠ - باب في: أن من عاصر النبي ﵇ هل كان متعبداً بالاجتهاد والقياس أم لا ؟
أثبته قوم على الإطلاق.
ومنعه قوم على الإطلاق.
والمذهب المختار- أن من كان بحضرة النبي ﵇ وقدر على سؤال حكم الحادثة عند [هـ] لا يجوز له الاجتهاد، لأنه بمنزلة واجد النص في الحادثة. إلا إذا خصه النبي ﵇ بالأمر به. كما روي عن النبي ﵇ أن أمر عمرو بن العاص بالحكم بين المتخاصمين برأيه ووعده إياه بالثواب عليه، وأخطأ أو أصاب.
стр. 600
أما من غاب عن النبي ﵇، وعجز عن السؤال عنه- فيجوز له ذلك: لمساس الحاجة وفقد النص. ولما روى من حديث معاذ ﵁، وهو حديث صحيح على ما روينا، وقد تلقته الأمة بالقبول- والله أعلم.
١٥١ - باب في: أن القياس- هل هو مأمور به ودين أم لا ؟ :
(أ) - أما كونه ديناً- إن عنى به أنه ليس ببدعة، بل هو من الشرع، فلا شبهة فيه. وإن عنى به تسميته ديناً- فقد اختلفوا فيه:
- ذهب بعضهم إلى المنع من ذلك. لأنهم جوزوا الاختلاف في الدين. ولأن للقياس أحكاماً مختلفة. فلو كان ديناً، لكان لله تعالى أدياناً مختلفة، وهذا لا يجوز.
- وذهب آخرون إلى إطلاق ذلك عليه، لأنه لو لم يكن ديناً، لكان فيه إحلال الفروج، وإباحة الدماء بغير دين الله تعالى، وهذا لا يجوز.
وقولهم: يؤدي إلى أن يكون لله تعالى أدياناً مختلفة- قلنا: يشكل هذا في الأحكام الثابتة بالنصوص، فإنها تختلف باختلاف أحوال المكلفين، كالصلاة في حق المقيم والمسافر والصحيح والمريض، ولا يؤدي إلى ما ذكرتم.
(ب) - وأما كونه مأمورا به:
[فـ] إن عنى به أنه مبعوث عليه بأدلة، فصحيح.
стр. 601
وإن عنى أن صيغة الأمر تناولته- فصحيح أيضاً، عند من يحتج بقوله تعالى: "فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ". ومن لم يحتج إلا بأدلة العقل وأحكام الصحابة، فلا يقول به.
ثم القياس الشرعي ضربان: أحدهما واجب، والآخر مندوب:
- والواجب ضربان: أحدهما على التعيين، والآخر على الكفاية.
والأول- هو قياس من نزلت به الحادثة من المجتهدين، إذا كان قاضياً أو مفنياً، ولم يقم غيره مقامه.
والثاني- قياس من يقوم غيره مقامه.
- وأما المندوب- فهو القياس فيما لم يحدث من المسائل مما يجوز حدوثه، ليكون الجواب بعد وقت السؤال.
١٥٢ - باب: شروط القياس وما يصححه ويفسده:
اعلم أن جملة شروط القياس، الصحيح- أربعة:
أحدها- أن يكون الأصل غير مخصوص حكمه بنص آخر.
وثانيها- أن يكون الحكم موافقاً للقياس، غير معدول به عن القياس.
وثالثها: أن يتعدى الحكم الشرعي الثابت في الأصل، إلى فرع هو نظيره، ولا نص فيه من غير زيادة ونقصان.
ورابعها- أن يبقى الحكم في الأصل بعد التعليل، كما كان قبل التعليل.
стр. 602
أما الأول- فلأنه متى ثبت اختصاص الحكم بالأصل بالنص، كان في استعمال القياس إبطال تلك الخصوصية بالقياس، والقياس ليس بحجة في معارضة النص.
مثاله- قضاء رسول الله ﷺ بشهادة خزيمة وحده، مع أن عموم قوله تعالى: "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ" يقتضى اشتراط العدد، فلما كان ذلك بتخصيص النبي ﵇ إياه بهذه الكرامة، لا يجوز غيره عليه، لأنه إبطال هذه الخصوصية بالرأي.
وأما الثاني- فلأن حكم النص متى ثبت على وجه يرده القياس الشرعي، لا يجوز مخالفته، إلا فيما ورد فيه دليل فوقه وهو النص.
مثاله- بقاء الصور مع الأكل ناسياً: ثبت بخلاف القياس، إذ القياس ينفي بقاءه معه، لأن الأكل ضد الصوم، ويستحيل بقاء الشيء مع وجود ضده، وهو كترك الصلاة والحج والزكاة ناسياً، وكان معدولاً به عن القياس، فلا يجوز قياس المكره والخاطئ عليه.
стр. 603
فإن قيل: أليس قد جوزتم قياس الجماع ناسياً عليه، فإنه لا يوجب فساد الصوم أيضاً، فجوزوا قياس المكره والخاطئ عليه. والعلة في الكل أن الفاعل ما قصد به الإفطار- قلنا: ما حكمنا ببقاء الصوم مع الجماع ناسياً بالقياس، بل بالاستدلال بالمنصوص. لأن الكف عن الأمل الوقاع ركن واحد للصوم، فكان حكمهما واحداً، كالأكل ناسياً مع الشرب ناسياً، ولا كذلك الخطأ مع النسيان. وما ذكر من العلة- قلنا: الحكم ببقاء الصوم مع الأكل ناسياً ما كان لعدم القصد، بل لمعنى آخر.
وأما الثالث- قلنا: ما ذكرنا أن المقايسة اعتبار الشيء بغيره والمحاذاة بينهما، ولا يتصور ثبوته في شيء واحد، ومتى لم يتعد حكم الأصل إلى الفرع، لا يكون النظر فيه لإثبات الحكم مقايسة.
وأما كون الحكم شرعياً- فلأن القياس على الأصول الشرعية لا يكون بإثبات أحكام اللغة وغيرها.
وأما عدم النص في الفرع، فهو شرط عندنا.
وعند الشافعي ليس بشرط.
والخلاف فيه موضعين:
(أ) - أحدهما- أنه قال: يجوز أن يكون في الفرع نص ويزداد بالقياس بيان حكم النص، ولا يجوز أن يكون مخالفاً للنص، لأن الكلام، وإن ظهر معناه، يحتمل البيان الزائد ولا يحتمل الخلاف. فإذا جاء موافقاً قبل، وإن جاء مخالفاً بطل.
стр. 604
ونحن نقول: القياس اعتبار الشيء بغيره. فإذا كان في الفرع نص، فالقائس إما أن يثبت ذلك الحكم أو خلافه:
الأول- لا يجوز، لأنه ثابت. قبله بدليل فوقه، فكيف يتصور إثباته بدليل هو دونه.
ولا وجه إلى الثاني- لأن مخالفة النص بالقياس، لا يجوز- دل عليه حديث معاذ وغيره من الأحاديث التي فيها توقيف الاجتهاد على عدم النص بقوله: "فإن لم تجد كتاباً ولا سنة"- لم يجز الاجتهاد إلا عند عدم النص.
(ب) - والموضع الثاني- أنه يجوز تعليل حكم الأصل، لا للتعدية، بل على وجه يقتصر الحكم عليه.
وعندنا: لا يجوز المقايسة إلا للتعدية بحكم التعليل، [و] الأصل عندنا تعدية الحكم إلى الفرع عند تعلق الحكم بتلك العلة في الأصل، والتعدية من ثمراته.
ومنهم من فرق بين العلة المنصوصة والعلة المستنبطة، فجوز كون العلة المنصوصة موقوفة، وأوجب كون المستنبطة متعدية.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه ما ذكرنا أن المقايسة والاعتبار لا يتحقق إلا بإثبات حكم الشيء في غيره، فإذا لم يتعد حكم الأصل إلى غيره لا يكون مقايسة. ولأن حكم المقايسة والاجتهاد إما أن يكون وجوب العلم أو وجوب العمل. والتعليل بالرأي لا يوجب العلم، وكان حكمه وجوب العمل. فإذا لم يتعد، لا يثبت له حكم أصلاً، لا فيما تناوله النص، لأن ثابت بدليل فوقه، ولا في غير ما تناوله النص، لأنه لم يتعد.
стр. 605
فإن قيل: لهذا التعليل فائدة أخرى غير ما ذكرتموه- بيانه من وجهين:
أحدهما- الوقوف على علة الحكم. وهي فائدة مخصوصة للعقلاء. فإن من عرف وتحصل [له] معناه يزداد قلبه بذلك طمأنينة [إلى] الحكم والمعنى في المنصوص لما ذكرنا من الفائدة. وإنما الكلام في التعليل وبيان وجه العلة للحكم، وفائدته ما ذكرناه. على أن نقول: التعليل لا يفيد العلم وإنما يفيد الظن، والتعليل لفائدة الظن بدون الحكم لم يرد به الشرع، فلا يجوز التعليل لأجله.
وأما الثاني- قلنا: هذه الفائدة تحصل إذا لم نعلل النص أصلاً، ولأن التعليل بعلة قاصرة، لا يمنع التعليل بعلة أخرى متعدية، فلا يفيد هذه الفائدة.
احتج الشافعي ﵀ وقال بأن تعلق الحكم بالعلة لا يعرف بالتقدم، وإنما يعرف لاختصاصها بوجه يوجب تعلق الحكم. فإذا دل الدليل على اختصاصها بذلك الوجه، يجب تعليله وتعليقه به.
والجواب:
نعم، تعلق الحكم بالعلة لما ذكرتم. لكن التعليل واستخراج العلة إنما يجوز لوجوب العلم والعمل، فكان ذلك متيقناً هنا، على ما مر.
стр. 606
وأما من فرق بين العلة المنصوصة والمستنبطة، قال: لا فائدة في استخراج العلة واستنباطها إلا تسويغ القياس والتعدية. فأما المنصوص ففائدتها تعلق الحكم بها في الأصل، فلا يلزم التعدية فيها.
والجواب: كما لابد في المسنبطة من فائدة سوى الاستنباط، لابد في المنصوصة من فائدة سوى النص عليها، لأن ثبوت حكم النص لا يستفاد من العلة، لما مر، فبطل الفرق.
وأما شرطنا التعدية من غير زيادة ولا نقصان في الحكم، [فـ] لأنه لو زاد أو نقص، صار الفرع مخالفاً للأصل.
وأما الرابع- فلأنه [إ] لم يبق الحكم في الأصل بعد المقايسة، أو تغير عما كان عليه، كان فيه إبطال النص أو تغييره بالقياس، الذي هو دونه، وهذا لا يجوز.
١٥٣ - باب: الطريق إلى معرفة العلل الشرعية، وبيان أقسامه:
اعلم أن الطريق معرفة العلل الشرعية هو الشرع. لأن أحكام الشرع وكيفية ثبوتها بحسب العلل، لا يحصل إلا بالشرع.
ثم الطرق الشرعية في نفسها إما لفظ أو استنباط. و [إذا] كانت الطرق الشرعية إما لفظاً أو استنباطاً- فنبين كل واحد منها.
أما اللفظ- فنقول:
الألفاظ الدالة على صحة العلة إما صريحة، أو منبهة.
(أ) - فالصريحة- إما أن يكون لفظها لفظ العلة، أو ما يقوم مقام لفظ العلة.
стр. 607
فالأول- كقول القائل: أوجبت عليك كذا بعلة كذا.
والثاني- قوله: كذا لأنه كذا، أو لأجل كذا، أو لكي لا يكون كذا، قال الله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾.
(ب) - وأما الألفاظ المنبهة فأربعة أقسام:
أحدهما- أن يكون في الكلام لفظ غير لفظ التعليل، ولكن يقتضي تعلق الحكم بعلته، كتعليق الحكم بحرف الفاء، سواء دخل على السبب والعلة، أو على الحكم-[الأول] كقوله ﵇ في ذلك المحرم: " لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيباً فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً". والثاني- كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. وكقول الراوي: " سها النبي ﵇ فسجد"- و " ماعز زنى فرجم".
стр. 608
والقسم الثاني- أن يصدر القول من النبي ﵇ عند علمه بصفه المحكوم فيه فيعلم أنها علة، نحو: أن يسأل النبي ﵇ عن شيء ويذكر السائل صفة لذلك الشيء مما يجوز كونه علة مؤثرة فيه، فيجيب النبي ﵇، فيعلم أنها لو لم تكن مؤثرة في ذلك لم يجب. كقول القائل: "أفطرت يا رسول الله"، فيقول النبي ﵇: " عليك الكفارة" فعلم أن الكفارة وجبت لأجل الإفطار. ولو لم يكن الإفطار مؤثراً في ذلك، لما أوجبها عند سماعه.
والقسم الثالث- هو أن تكون الصفة مذكورة على حد [فـ] لولا كونها علة، لم يكن في ذكرها فائدة- وهو على أنواع:
١ - منها- أن يكون مذكوراً بلفظ"إن" كما روى أن النبي صلى الله عليه امتنع من الدخول على قوم عندهم [كلب]، فقيل: "إنك تدخل على آل فلان وعندهم هرة"- فقال ﵇: " إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" فلو لم يكن للطواف تأثير في طهارتها، لم يكن لذكرها فائدة، عقيب حكمه بطهارتها.
٢ - ومنها- أن يوصف المحكوم فيه بصفة قد كان يمكن الإخلال بذكرها وذكر ما يجرى مجراها، فيعلم أنها ما ذكرت إلا لأنها مؤثرة، كما في قوله ﵇: " تمرة طيبة، وماء طهور".
٣ - ومنها- التقرير على وصف الشيء. وهو نوعان:
* أحدهما- أن يقرر النبي ﵇ وصف الشيء المسئول عنه، كقوله
стр. 609
عليه السلام عقيب السؤال عن بيع الرطب بالتمر: " أو ينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم- فقال ﵇: لا إذن" فهذا يدل على كونه علة.
- وأما الثاني- أن يقرر النبي عليه السلاك ما يشبه المسئول عنه ويثبته عل وجه التشبيه، كقوله ﵇ لعمر حين سأله عن القبلة للصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته؟ " فعلم أنه إنما لم يفسد الصوم في المضمضة والقبلة، لأنه لم يحصل بهما ما يتبعهما من الإنزال والإرواء.
٤ - ومنها- أن يفرق النبي ﵇ بين شيئين في الحكم بذكر صفة، فيعلم أن لو لم تكن الصفة علة لم يكن لذكرها في موضع الفرق معنى، نحو قوله ﵇: " القاتل لا يرث"، ففرق بينه وبين جميع الورثة بذكر القتل الذي يجوز كونه مؤثراً في نفي الإرث- علمنا أنه علة نفي الإرث. وكقوله ﵇ عقيب أمر القاضي بالقضاء: " لا يقضي القاضي وهو غضبان" يدلنا أن الغضب علة المنع منه.
وأما القسم الرابع- فهو النبي عن فعل يمنع الواجب، فيعلم أن العلة من كونه محرماً، كونه مانعاً من الواجب، وإن لم يصرح به. وهو كقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾: يعلم أن علة كونه مانعاَ من [البيع] وجود واجب تقدم وجوبه. وكقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ"
стр. 610
لما نهى عن ذلك بعد وجوب إعظام الأبوين، وإنه مناف له- علم أن العلة فيه ذلك، فيقتضي تحريم الضرب بطريق الأولى، لأن المنافاة بينه وبين الإعظام أكثر. وبعض الناس قالوا بأن المنع من ضربهما معقول من جهة اللفظ، لا من جهة القياس، وهذا غير صحيح، لأنه لو كان كذلك، لكان اللفظ موضوعاً له لغة، ولا يجوز أن يكون موضوعاً له عرفاً، لأن العلم بحرمة ضربهما بهذه الآية موقوف على قياس الأولى، وهو ما ذكرنا من وجوب الإعظام، ومناقاة الضرب إياه أكثر من منافاة التأفيف، فمن لم يحصل هذه الجملة، لا يحصل له العلم بحرمة ضربهما بهذه الآية- إلا أن لقائل أن يقول: نحن لا نقول بأن حرمة الضرب مستفادة بصريح اللفظ، حتى يشترط كونه موضوعاً له لغة أو عرفاً بطريق الدلالة، لما نذكره في حد الاستدلال.
وأما طريق العلل المستنبطة- فقد تكلم الناس فيها:
بعضهم اعتبر المشابهة بين الأصل والفرع طريقاً وعلة للحكم.
وبعضهم اعتبر الإخالة.
وبعضهم اعتبر الاطراد في جميع المعلولات.
وعندنا- طريق معرفة العلة المستنبطة ثلاثة أشياء: التأثير، والملازمة بين الحكم والوصف، وإبطال جميع الأوصاف إلا الوصف الذي هو علة.
ونحن نبطل أقاويل المخالفين، ثم نقرر كل واحد من هذه الطرق الثلاثة.
стр. 611
[أ- إبطال أقوال المخالفين]
١ - أما من اعتبر مجرد الشبه:
يقال له: اعتبرت الشبه في وصف هو علة، أو في وصف ليس بعلة؟
[فـ] إن قال بالأول- لزمه بيان كونه علة بالدليل.
وإن قال بالثاني- فهو باطل، لأنه ما من شيء من المحدثات إلا وبينها مشابهة في وصف ما، حتى المختلفات والمتضادات، فيصح قياس كل شيء على طل شيء، وهذا باطل.
٢ - وأما من اعتبر الإخالة:
يقال له: إن الإخالة أمر باطن لا يمكن تعليق الحكم به. ولأنه في حيز المعارضة، لأن المجيب لو قال قائل لي: إن علتي صحيحة وعلة السائل باطلة.
فللسائل أن يقول: مثل ذلك.
٣ - وأما من اعتبر الاطراد:
يقال له: عنيت بالاطراد ملازمة الحكم الوصف الذي هو علة على ما نذكره، أو شيئاً آخر؟
[فـ] إن قال بالأول- فهو الملازمة، وهي طريق صحة العلة، لما نذكر.
стр. 612
وإن قال بالثاني- فلابد من بيانه، وبيان كونه طريقاً لمعرفة العلة، ولا سبيل إليه.
[ب- طريق معرفة العلة المستنبطة]
وأما الدلالة على صحة ما ذهبنا إليه:
١ - أما التأثير:
فالمعني به اختصاص الوصف بحالة تناسب الحكم، ولو عرض على العقل، فالعقل يقضي بثبوت الحكم به. ولا نعني بالعلة إلا هذا.
والتأثير بهذا التفسير تارة يثبت بالنص على طريقة الإجمال، وتارة يثبت بالإجماع، وتارة بنظر العقل بطريق التفصيل.
فالثابت بالنص- كتأثير الطوف في سقوط نجاسة الهرة، فيقاس عليه سائر سكان البيوت.
والثابت بالإجماع- كتأثير التهمة في منع قبول الشهادة. فإنهم أجمعوا على رد الشهادات بالتهم، فيقاس عليه شهادة أحد الزوجين لصاحبه.
والثابت بنظر العقل- كقياس التفاوت بين اليد الصحيحة واليد الشلاء، في منع وجوب القصاص، فإن استيفاء الزيادة ظلم، وهو ضرر، وذلك منفى عقلاً، فيقاس عليه التفاوت بين الأيدي واليد الواحدة، من حيث العدد، فيمنع وجوب القصاص بطريق الأولى.
٢ - أما الملازمة:
فالمعنى بها أن الحكم، ويوجد عند وجود الوصف، وينتفي عند انتفائه عادة. وذا يقتضي كون الوصف علة للحكم، لأن علل الشرع أمارات،
стр. 613
والأمارة ما تقتضي غلبة الظن. والملازمة على هذا التفسير تقتضي غلبة الظن.
٣ - وأما إبطال سار الأوصاف:
فإن الوصف الذي هو علة هذا- هو أن تجمع الأمة أو القائون على تعليل أصل، ويختلفون في علته، ونبطل جميعها إلا وصفاً واحداً، فيكون هو العلة، لأنه لو لم يكن كذلك، لخرج الحق عن أقاويل الأمة.
فإذا لم يجمعوا على تعليل الأصل، بل علل بعضهم، واختلف من علل، فمنهم من علل بعلة ومنهم من علله بأخرى، وفسدت إحداهما، لا يجب صحة الأخرى، لأنه ليس في فسادها ذهاب جميع الأمة عن الحق.
١٥٤ - باب في: تعليل أصول العبادات والتقديرات وغير ذلك. والفرق بين القياس والاستدلال:
اختلف الناس في إثبات أصول العبادات وغيرها من المقدرات، كالحدود والكفارات، بالقياس:
[فـ] ذهب الكرخي وجملة من المتكلمين- إلى المنع منه. وحكاه الكرخي عن أبى حنيفة ﵀.
وذهب الشافعي وأصحابه- إلى جواز ذلك كله، بالقياس.
وحكي عن أبى يوسف ﵀ أنه قبل خبر الواحد في إثبات الحدود، كما تقبل الشهادة. وهذا يقتضي أنه يثبت الحد بالقياس أيضاً لأنه كخبر الواحد، في إفادة الظن- فإن لم يمنع إثباته بأحدهما، وإن كان يدرأ بالشبهة، فكذلك الآخر.
стр. 614
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- أن القياس إثبات الحكم بأمارة يغلب على الظن ثبوت الحكم بها إذا عرض على العقل، والعقل لا يهتدي إلى إيجاب صلاة سادسة، وإلى كون نصاب الإبل مقدراُ بخمس، ونصاب الغنم بأربعين، وإلى كون الزنا موجباً لمائة جلدة، وإلى كون الكفارة مقدرة بإطعام عشرة مساكين، من غير زيادة ونقصان، فلا يمكن إثباتها بالقياس.
فإن قيل: نحن نثبت أصل المقدر بالقياس، وأصل هذا المقدر مما يعرف بالعقل، فأما التقدير [فـ] يثبت بالنص، لا بالقياس. كإيجاب الجلدات مثلاُ بالزنا: معقول، لأنه جناية، وهذه عقوبة، فكان ملائماً له، إلا أن كونه مقدراً بمائة لا يدرك بالقياس. فنحن نعلل أصل الحد المقدر بالقياس، دون التقدير. وكذا في سائر المقدرات - قلنا: أثبتم بالتعليل والمقايسة أصل العقوبة، أو هذه العقوبة المقدرة المعينة؟
(أ) - إن قال بالأول- فنحن نقول: كل جناية تستحق بها العقوبة إما عاجلاً أو آجلاً، ولا كلام فيه. إنما الكلام في إيجاب هذه العقوبة المعينة المقدرة، وهذا لأن الجنابة إن كانت مؤثرة في استحقاق العقوبة، وقد وجبت هذه العقوبة المقدرة، ولكن يحتمل أنها وجبت، لأن هذه الجناية ما أوجبت إلا هذا القدر من العقوبة، ويحتمل أنها أوجبت عقوبة ما مقدرة بمقدار ما، إلا أن تعيين هذه العقوبة والتقدير بهذا لمصلحة أخرى لا نقف عليها، فلا يمكن إثبات التعليل بكونها جناية. وكذا هذا الكلام في تكفير اليمين بإطعام عشرة مساكين، وغير ذلك. وكذا هذا في كون النصاب المقدر سبباً لمال مقدر، بعلة كونه شكراً: يحتمل أن شكر هذا المقدار من النعمة [يكفيه] هذا القدر، ويحتمل أن التقدير بهذا القدر لمصلحة أخرى، فلا يمكن إيجاب شيء من ذلك، بالقياس.
فإن قيل: أليس أن أبا حنيفة وأصحابه ﵏ أثبتوا الكفارة على المفطر. بالأكل والشرب في رمضان بالقياس، وأنهم قالوا إنما وجبت الكفارة بالوقاع
стр. 615
في حديث الأعرابي، لأنه مفسد للصوم بجهة التعمد، وهذا المعنى موجود في الأكل والشرب، فيوجب الكفارة، وهذا محض قياس- قلنا: لا نوجب الكفارة بالقياس، بل بالاستدلال بموضع النص:
بيانه- أنا لا نقول إن الكفارة ثمة وجبت بهذه العلة، وهي موجودة هنا- لكنا نقول: النص تناول إفساد الصوم، وهذا إفساد الصوم. بيانه- أن الكفارة تعلقت بمواقعه هي إهلاك، فإن الأعرابي قال: هلكت وأهلكت، فقال ﵇: "ماذا صنعت؟ " فقال: واقعت امرأتي في نهار رمضان. والمواقعة ما كانت متعلقة بإفساد الصوم، وهذا بعينه إفساد الصوم. وهو على مثال الضرب مع التأفيف في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فإن النص لا يقتضي حرمة التأفيف لذاته، بل من حيث أنه إيذاء أحد الأبوين، وترك إعظامهما، والضرب في ذلك أعظم، فيجب تحريمه بطريق الاستدلال لا بالقياس.
فإن قيل: هذا لا يخليكم عن عهدة الإلزام، لأنا نقول: المنصوص عليه في حديث الأعرابي الوقاع، دون الأكل والشرب، والجماع بعين النص،
стр. 616
أو لأنه شاركه في المعنى، وهو كونه إفساداً للصوم ومنافياً تعظيم الوالدين؟ إن قال بالأول- فقد أبعد، لأن اللفظ غير موضوع له لغة ولا عرفاً.
(ب) - وإن قال بالثاني- فهو عين القياس.
قلما: نحن نثبت حرمة الضرب والكفارة بالأكل والشرب بالنص، لا بالمقايسة، لكن لا بصريح النص، ليحتاج فيه إلى كونه موضوعا له لغة أو عرفاً؟ بيانه- هو بيان طريق الاستدلال: أن الكفارة في حديث الأعرابي ما تعلقت بعين الوقاع لما مر، وإنما تعقلت بالإهلاك بإفساد الصوم، فصار كأن النبي ﵇ قال: عليك الكفارة بإفساد الصوم. هذا هو المفهوم من النص عند وجود هذه القرائن، وإن لم يكن اللفظ موضوعاً له. وهذا إفساد الصوم، فيكون متناولاً بالحديث. وكذا قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ لم يتناول عين التأفيف، بل أذى الوالدين وترك إعظامهما، فصادر كأن الله تعالى قال: " ولا تؤذوهما ولا تفعلوا فعلاً ينافي إعظامهما"، ولو قال ذلك، كان الضرب متناولاً بالنص، إلا أن هذا النوع من التناول يعرف بنظر دقيق ويبتني على مقدمات خفية، فسميناه " استدلالاً"، وجعلنا الثابت به ثابتاً بدلالة النص، لا بالقياس. ولهذا لم يجز دفع حرمة الضرب مع بقاء حرمة التأفيف. وفي القياس يجوز أن يرتفع حكم الفرع ويبقى الأصل، كحرمة البيع في الأرز مع الحرمة في البر.
وأما المخالف- احتج بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وغيره من الدلائل الموجبة للقياس، على سبيل الإطلاق.
والجواب أن هذه الدلائل تقتضي التعبد بالقياس، فيما تعرف علة القياس فيه، وأمكن تعديته فيه بالمشاركة في العلة، وهنا لا يمكن- والله أعلم.
стр. 617
١٥٥ - باب في: تعليل الأصل الواحد بعلل مختلفة:
ذهب أصحاب الشافعي ﵀ إلى المنع من ذلك.
و[نحن] نجوزه، سواء كان لحكم واحد أو لأحكام مختلفة.
مثال التعليل لحكم واحد- تعليل الله تعالى حرمة الخمر بإيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله تعالى والصلاة.
ومثال التعليل لأحكام- تعليل الصلاة بكونها عبادة، لاشتراط النية في الوضوء وبكونها حق الله تعالى.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- أن العلة إما إن كانت أمارة على الحكم أو وجه المصلحة في الحكم:
- فإن كانت أمارة- جاز اجتماع الأمارات على حكم واحد وعلى أحكام، كاجتماع الأدلة على وحدانية الله تعالى وعلمه وقدرته.
- وإن كان وجه المصلحة- جاز أن يكون الشيء الواحد صلاحاً من وجهين بل من وجوه كثيرة. دل عليه أن الله تعالى علل تحريم الخمر بعلل على ما ذكرنا-[و] دل عليه العرف، فإنه يصح أن يقول القائل: أعط درهماً فلاناً لأنه فقير ولأنه متعفف ولأنه قريبي. وهذه علل مختلفة.
فإن قيل: إذا عرف الحكم بعلة واحدة، فالتعليل بالأخرى لا يفيد- قلنا:
- إن كان التعليل لحكم واحد، [فهو] كالأدلة المتظاهرة على مدلول واحد.
- وأن كان لأحكام كثيرة، [فهو] يفيد تعدد الحكم في الفروع- مثاله ما قلنا: إذا قال لغيره: أعط فلاناً لأنه فقير ولأنه فاضل ولأنه متعفف،
стр. 618
يثبت حكم الإعطاء في أشخاص اتصفوا بهذه الصفات.
١٥٦ - باب في: حكم الفرع إذا تقدم على الأصل:
مثاله- قياس الوضوء على التيمم، في اشتراط النية- لأن الوضوء وجب بمكة، والتيمم بعد الهجرة.
وقد منع من ذلك قوم، لأن شرط ما تقدم وجوبه، [لا] يجوز أن يكون بما تأخر وجوبه، لأن الدليل [لا] يتأخر عن المدلول [عليه].
ونحن نقول ذلك على التفصيل:
- إن كان الفرع الذي تقدم حكمه بحال لم يدل الدليل على ثبوت حكمه إلا القياس على ذلك المتأخر- لا يصح ذلك القياس، لأنه لا يكون على الحكم الذي تعبدنا به دليل في الحال.
- وإن دل على حكم الفرع دليل آخر متقدم- لا يبطل ذلك القياس، لأنه يجوز أن يدلنا الله تعالى على حكم بأدلة مترادفة، كالمعجزة المقارنة بابتداء الدعوة- والله أعلم.
١٥٧ - باب في: العلة هل هي دلالة على اسم الفرع، ثم تعلق به حكم شرعي- أم تدل ابتداء على الحكم ؟
قال بعضهم: الثابت بالقياس في الفروع، الأسامي، ثم تعلق بها حكم شرعي-
стр. 619
قالوا: ثبت بالقياس أن الشفعة تركة ثم تبث الإرث فيها. وأن اللواطة زنا ثم تعلق بها الحد. وثبت بالقياس كون خمراً ثم يحرم بالآية.
وأكثر الفقهاء متفقون على أن العلل تثبت بها الأحكام- فهم:
- إن منعوا من إثبات الأحكام في الفروع بالقياس، فذلك باطل، لما ذكرنا من كون العلل أمارات على الأحكام.
- وإن أرادوا بالعلل العلل الشرعية، وبالأسماء اللغوية، فهو باطل، لأن اللغة سابقة على الشرع، [و] لتقدمها خاطبنا الشرع بها، فلا يجوز أن تثبت [بـ] ما يتأخر عنها.
стр. 620
وإن أرادوا أن الأسامي اللغوية تثبت بقياس [غير] شرعي، فهذا جائز، لما مر في صدر الكتاب.
وإن أرادوا أن [من] الأسماء الشرعية ما يثبت بعلل، فهو غير بعيد أيضاً، لأنا نعلم أن الشريعة إنما سمت هذه الأفعال المخصوصة"صلاة" لاختصاصها بصفة متى انتفت عنها لم تسم بهذا الاسم، فما شاركها في تلك الصفة يسمى صلاة- والله أعلم.
١٥٨ - باب في: تخصيص العموم ونسخه، بالقياس:
- ذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز ذلك أصلاً.
- وذهب الشافعي ﵀ إلى جواز ذلك على كل حال. وهو قول أكثر الفقهاء ومذهب أبى الحسن الكرخي.
- وقال بعضهم: يجوز في حال دون حال. واختلفوا في تفصيل تلك الحالة:
* بعضهم جوزوا بالقياس الجلي دون الخفي
* وبعضهم جوزوا ذلك إذا خص منه شيء، ولو يجوزوا إذا لم يخص منه شيء. أما جواز نسخه بالقياس، فنذكره في تضاعيف التعبد.
стр. 621
وأما جواز تخصيصه به- فالدلالة على ذلك، على كل حال: فإن الصحابة ﵃ أجمعوا على تخصيص قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ بالقياس، لأنهم اختلفوا في مسألة الجد: فمنهم من جعل الجد أولى بالمال من الأخ بنوع قياس. وبعضهم قاسم بين الجد والأخ بنوع قياس، فلم يعط جميع المال للأخ، وهو تخصيص بهذه الآية، ولم يعط الأخت نصف مال الأخ مع الجد.
وهذه الدلالة تفسد قول من أجاز تخصيصه إذا خص، ولم يجوزوا إذا لم يخص. ولأنا قد ذكرنا في باب الأخبار أن العام إذا خص منه كالذي لم يخص، فإجماعهم على جواز تخصيص أحدهما، إجماع على جواز تخصيص الآخر.
فإن قيل: التخصيص في معنى النسخ، من حيث إن كل واحد منهما يخرج بعض ما تناوله الخطاب. ثم إجماعهم على جواز تخصيصه بالقياس، لا يكون إجماعاً نسخه، فكذا هذا - قلنا: كل مسألتين إذا كان معناهما واحداً ولا تفاوت بينهما، فالإجماع على جواز أحدهما يكون إجماعاً على جواز الآخر. وهو كإجماعهم على جواز القياس في مسألة: يدل على صحة القياس في مسألة أخرى تجرى مجراها. فإجماعهم على جواز التخصيص [بالقياس، دليل على جواز نسخه بالقياس] الذي هو بمعناه. ويجوز أن يرد التعبد بأحدهما دون الآخر لمصلحة يفترقان فيها، لا يعلمها إلا الله تعالى.
стр. 622
دلالة أخرى- إن وجوب العمل بالقياس مقطوع به، كما أن وجوب العمل بالعموم مقطوع به. وإذا كان أحدهما أخص من الآخر، يجوز أن يخص الأعم به.
وقد مر تقرير هذه الأدلة في باب الأخبار في جواز تخصيص العام بخبر الواحد.
والمخالف احتج بأشياء:
١ - منها- أن عموم الكتاب دليل معلوم، والقياس أمارة مظنونة، فلا يجوز أن يعترض بالمظنون على المعلوم.
٢ - ومنها- أن القياس إنما يعمل به لضرورة، ومع عموم الكتاب لا ضرورة.
٣ - ومنها- أن عموم الكتاب أصل والقياس فرع. ولا يجوز أن يعترض بالفرع على الأصل.
٤ - ومنها- قوله عليه اليلام لمعاذ ﵁: "بم تقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسوله. قال: فإن لم تجد؟
стр. 623
قال: أجتهد فيه برأيي- جعل رسول الله الاجتهاد مشروطاً بأن لا يجد الحكم في كتاب الله ولا في السنة. والحكم الذي تناوله العموم موجود في كتاب الله تعالى والسنة.
٥ - ومنها- أن شرط صحة القياس أن لا يرده النص. فإذا كان عموم الكتاب يرده، لا يصح.
والجواب:
أما الأول- فالجواب عنه ما مر في باب تخصيص الكتاب بخبر الواحد.
وأما الثاني- قلنا: إنما يكون العمل بالقياس لضرورة: أن لو لم يكن القياس حجة عند معارضة عموم الكتاب- وهذا نفس المسألة.
فإن قيل: تناول لفظ العموم الحادثة يدل على أنها مراده بالنص. وثبوت الحكم بالنص يغني عن القياس. قلنا: إنما يمكنكم أن تعلموا أن تناول اللفظ الحادثة دالة على ذلك، إذا أثبتم أنه ليس من شرط كون اللفظ دلالة على ذلك: أن لا يعارضه قياس مخصوص، وإنما يمكنكم ذلك إذا أثبتم أن القياس العارض ليس بحجة، وهذا نفس المسألة.
وأما الثالث- قلنا: أصل القياس ما يقع رد الفرع إليه، كالبر في باب الربا، أو ما يدل على ثبوت الحكم في الأصل، أو ما يدل على صحة القياس. وتخصيص بيع الأرز عن عموم قوله تعالى: "وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ"
стр. 624
لا يكون اعتراضاً على شيء من ذلك، فلا يكون اعتراض الفرع على الأصل.
وأما الرابع- قلنا النبي ﵇ أراد بذلك أن لا يجد الحكم في كتاب الله تعالى الذي ليس بعام، وفي سنة الرسول التي ليست بعامة- عرفنا ذلك بدلالة متصلة ودلالة منفصلة:
أما المنفصلة- فما ذكرنا أن العمل بالقياس واجب عند معارضة عموم الكتاب.
وأما المتصلة ٠ فما ذكرنا أنه كما جعل الاجتهاد مشروطاً، بأن لا يجد الحكم في كتاب الله تعالى [ولا سنة رسول الله و] جعل العمل بالسنة مشروطاً بأن لا يجد الحكم في الكتاب الذي ليس بعام، لإجماعنا أنه يجوز تخصيص عموم الكتاب بالسنة القاطعة- كذا هذا.
وأما الخامس- قلنا: إن عنى برد النص أن القياس يرفع حكم النص أصلاً، فغير موجود هنا- وإن عنى به أنه يرفع بعض ما تناوله اللفظ، ففساد هذا القياس غير مجمع عليه.
стр. 625
١٥٩ - باب في: تخصيص العلة. وتخريج النقوض التي ترد على العلل المستنبطة:
صورة تخصيص العلة أن توجد العلة بحدها تامة بركنها، مختصة بالوجه الذي لأجله يقتضي ثبوت الحكم، ولا يثبت الحكم في بعض المواضع.
(أ) - عقلية- وهي التي توجب الحكم بذاتها قطعاً. وهذا النوع لا يجوز تخصيصه بالإجماع. وهو محال عقلاُ، فإن الحركة متى كانت علة لتحرك الجوهر، والسواد علة كون الجسم أسود، لا يتصور وجودهما ولا يصير الجوهر متحركاً والجسم أسود.
(ب) -[و] علة شرعية- وهذا الوصف المختص بحالة يقتضي ثبوت الحكم الشرعي. نحم كون الفعل واجباً وحراماً، وكون العقد جائزاً وفاسداً، وغير ذلك. وهو على نوعين: منصوص عليها، ومستنبطة:
- فالأولى- يجوز تخصيصها، لأن كونها علة يعرف بالنص، والنص يقبل التخصيص. وهو نظير قوله ﵇: "الهرة ليست نجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات"- جعل الطواف علة لسقوط النجاسة، ثم يجوز أن يخص منه بعض الطوافين، كالكلب ونحوه.
стр. 626
والثانية- اختلفوا في جواز تخصيصها:
قال أصحابنا ﵏: لا يجوز تخصيصها.
وذهب أصحاب الشافعي وبعض المتكلمين إلى جوازه. ونسبوا ذلك إلى أبى حنيفة ﵀. قالوا: روى الكرخي عن أبى حنيفة رحمهما الله أنه جوز تخصيص العلة، إلا أنه غير صحيح.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- وجوه أربعة قريب بعضها من بعض:
أحدها- إن جواز تخصيص العلة طريق معرفة الأحكام الشرعية من أن يكون [طريقاً] إليها، وذا لا يجوز- بيانه: إنا نعرف ثبوت الأحكام الاجتهادية بوجود وصف يقتضي غلبة الظن بثبوتها. فلو جوزنا وجود الوصف المقتضي لغلبة الظن، على الحد الذي اقتضى غلبة الظن بثبوتها في الأصل، في بعض المواضع، ولا يثبت الحكم خرج من أن يكون طريقاً إلى معرفة الحكم، وهو مما لا يجوز القول به، مع ورود التعبد بالقياس وإثبات الأحكام بالاجتهاد.
وثانيها- إن تجويز تخصيص العلة، يمنع تعلق الحكم بالوصف الذي تعلق به الحكم، والأصل الذي توافقنا على كونه علة فيها- بيانه: أن الحكم إنما تعلق بالعلة الشرعية في الموضع الذي ثبت الحكم به، لكونه على الظن ثبوته، لا بكونه موجباً له، لأن العلل الشرعية أمارات لا موجبات. فإذا وجدت العلة مقتضية غلبة الظن، وغلب على الظن ثبوت الحكم به ولم يثبت، فقد بطل تعلق الحكم بهذا الوصف، وهذا لا يجوز.
стр. 627
وثالثها- إن جواز تخصيص العلة يسد باب إثبات الأحكام في الفروع الاجتهادية- بيانه: أنا إذا جوزنا امتناع ثبوت الحكم في بعض المواضع، مع وجود ما هو علة في الأصل، وفي كل موضع يعلل المجيب لإثبات الحكم- فلقائل أن يقول: جواز امتناع الحكم هنا مع وجود العلة، لأنه متى جاز ذلك في موضع، فلا وجه لفرق بينه وبين موضع آخر. فلابد من دليل آخر يوجب اتصال الحكم بها في هذا الموضع، مع جواز انفصاله عنها، وذلك مما لا سبيل إليه.
ورابعها- إن جواز تخصيص العلة يبطل كونها علة- بيانه: أنه إذا وجد الوصف الذي أدعى المجيب كونه علة للحكم بحده في موضع، ولم يثبت الحكم، علم أنه ليس بعلة، لأن العلة ما يقتضي ثبوت الحكم، أو المؤثر في ثبوته. والأصل أن المقتضي والمؤثر إذا وجد، يوجد المقتضي والأثر، فإذا امتنع ثبوت الحكم هنا، دل ذلك على أن [الوصف] الذي ذكره المجيب ليس بعلة، وإن أبرز المجيب وجه الاقتضاء والتأثير، فهذا يبطل كونه علة، بطريق المعارضة، فيبطل كونه علة.
فهذه الوجوه الأربعة مختلفة الصور، وإن كانت معانيها متقاربة. ولهذا أمثلة أوضحها أن واحداً لو أخبر بعشرة أشياء، والمعلوم من اله في الظاهر السداد والأمانة والتجنب عن الكذب، يغلب على ظننا وجود كلها، وتثبت الحكم المتعلقة بها، ومحال أن يغلب على ظنوننا بعضها دون بعض، وحاله في السداد والأمانة ما ذكرناه.
فإن قبل: تجويز تخصيص العلة لا يؤدي إلى ما ذكرتم، لأن للمجيب أن يقول: هذه العلة إنما تثبت الحكم عندي بشرائط أخر، أو عند أوصاف غير ما ذكرته-
стр. 628
عرف ذلك معقول المعنى أو غير معقول المعنى، كاشتراط العدد ولفظة الشهادة في العمل بها، فإنما ذكرت هذه الأوصاف وقيدت العلة بها، ولم توجد هذه الأوصاف فيما أوردته من النقض، وخصت العلة فيه، فلا يؤدي إلى ما ذكرتم- قلنا: الوصف الذي قيدت العلة به، أو الشرط الذي وقف عمل العلة عليه-[هل] من الأوصاف المؤثرة في ثبوت الحكم، أو المؤثرة في جعل العلة علة للحكم أو هو من قيبل ما لا أثر [له] في الحكم والعلة أصلاً؟ .
إن قال بالأول- فهو من أوصاف العلة ويقف عليه تمام العلة عليه، فلا تكون العلة بدونه علة، وامتناع الحكم عند فقده في موضع لا يكون تخصيص العلة، والكلام فيه.
وإن قال بالثاني- فهذا لا يدفع ما ذكرناه من المحالات، لأنه متى وجد ما هو المؤثر في الحكم والمغلب على الظن، ولا يثبت الحكم، أدى إلى ما ذكرناه من المحالات وذكر أوصاف لا تأثير لها في الحكم أصلاً، ضائع ولغو، وما هو إلا كقول القائل: إن الزنا علة الرجم، بشرط كون الزاني محصناً، والفضل على المساواة علة تحريم الربا لكون المبيع برا، وغير ذلك. فلو فتحنا هذا الباب لامتنع إيراد النقض أصلاً، لأن الفرع المختلف فيه لابد أن يكون مفارقاً للأصل بوصف ما، وإلا يكون عينه، فيذكر المجيب تلك المفارقة مع أنه لا دخل لها في إثبات الحكم أصلاً. وهذا واضح البطلان جداً.
فإن قيل: هذا باطل بجواز تخصيص النص العام، لأن الحكم إنما يعرف ثبوته، بكونه عاماً، فإذا جوزنا تخصيصه لا يمكن معرفة الأحكام، أو يمتنع تعلق
стр. 629
الحكم بما هو متعلق به، كما ذكرتم هنا- قلنا: لا كذلك، لأن النص إنما يثبت الحكم، لكونه دلالة على مراد المتكلم، فقبل اقتران المخصص به دليل إرادة الكل، فيفيد الحكم في الكل، وعند اقتران المخصص به دليل إرادة الباقي، فيفيد الحكم. فأم العلة-[فـ] تفيد الحكم لاختصاصها بوجه يقتضيه، وهذا لا يتخصص ببعض المواضع دون البعض.
والمخالف احتج بأشياء:
١ - [منها- أن العلة الشرعية أمارة، فجاز وجودها قبل الشرع وليس معها ذلك الحكم].
٢ - [و] منها- أن العلة الشرعية إنما صارت علة بجعل جاعل، فجاز أن يجعله علة في بعض المواضع دون البعض.
٣ - ومنها- أن العلة الشرعية أمارة على الحكم، فوجودها من دون حكمها لا يخرجها عن كونها أمارة، لأن الأمارة لا يجب أن يوجد حكمها معها على كل حال، بل الغالب مواصلة الحكم لها، وهذا الحكم لا يبطل بتخلف الحكم عنها في موضع- ألا ترى أن وقوف مركوب القاضي على باب دار الأمير أمارة كونه فيها، ولا يخرج من كونه أمارة، بأن لا يكون فيها على بعض الأحوال، حتى لو شهدنا كونه على باب الأمير مرة أخرى، نظن كونه فيها- فكذا هذا.
والجواب:
أما الأول- قلنا: إن جاز وجودها من دون حكمها، قبل أن صارت
стр. 630
أمارة-[فـ] لم جاز ذلك بعد أن صارت أمارة؟ ومتى أنكرتم أنها متى صارت أمارة ثارت طريقاً، والتخصيص يمنع كونه طريقاً على ما مر. ألا ترى أن قبل الشرع [جاز] أن يوجد ولا يتعلق به حكم أصلاً، وبعد ما صارت أمارة لا يجوز ذلك.
وأما الثاني- قلنا: لا نسلم أن العلة الشرعية إنما صارت علة بجعل جاعل- بيانه: أن وجه كونها علة: إما وجه المصلحة فيها، أو كونها أمارة في وجه المصلحة وذا لا يقف على جعل جاعل.
وأما الثالث- قلنا: جواز انفصال الحكم عنها، يبطل كونها أمارة، أو يمنع تعلق الحكم بها على الوجه الذي ذكرنها. وهكذا نقول فيما ذكر من المثال، والوجه فيه ما مر ..
فإن قيل: فإذا لم يجز تخصيص العلة- فما طريق الدفع النقوض التي ترد على العلل المستنبطة- قلنا: طريقه من وجوه ستة:
أحدها- أن يبين المجيب أن بعض الأوصاف التي تركبت منها العلة وصارت بمجموعها مؤثرة في الحكم، لم توجد في مسألة النق، لتكون مفارقة بينه وبين الفرع، فيما هو علة مؤثرة- مثاله: إنا أجرينا الربا في الجص لعلة القدر والجنس، لأنهما مؤثران في ظهور الفضل على المساواة، فلو أورد علينا التفاحة بالتفاحتين نقول: ثم لم يوجد الوصفان، وهو القدر، لعدم المعيار الشرعي.
стр. 631
والثاني- أن في وجود الأوصاف التي هي علة، خلل. ومعنى ذلك أنه موجود من وجه دون وجه، ليكون مفارقة فيما هو المؤثر من وجه. مثاله: إنا أثبتنا حل الوطء بعد الطلاق الرجعي لقيام النكاح، فلو أورد علينا الطلاق البائن في العدة. فنقول: النكاح قائم ثم أيضاً، ولهذا قلتم إنه يحرم عليه نكاح أختها، لأنه جمع بينهما في النكاح، أو نقول: ثم النكاح زائل من وجه، فامتنع حل الوطء.
وثالثهما- أن نبين أن وصف العلة موجود في مسألة النقض بأصله، لا بقدره. فتكون مفارقة في الوصف المؤثر أيضاً، لأن المؤثر هو المقدر بالمقدار الموجود في موضع التعليل. مثاله: إنا أوجبنا الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب في نهار رمضان، لكونه جنابة إفساد الصوم. فإذا أورد علينا الإفطار بالحصاة والنواة، نقول: ثمة وجدت جناية إفساد الصوم بأصله، لا بقدره، لأنه لم يوجد إفساد معنى الصوم. وكذا قلنا بوجوب الزكاة في الحلي بوصف كونه نعمة وبوصف كونه شكراً، فإذا أورد علينا ما دون النصاب أو [كونه] مالاً غير نام، كثياب البذلة، فنقول: ثم وجد أصل النعمة، لا قدرها.
ورابعها- أن نبين أن الوصف الذي ذكره في معرض العلة لم يختص بالوجه الذي لأجله يؤثر في ثبوت الحكم، أو فيه ضرب خلل ونقصان، لأن العلة الشرعية إنما تكون علة، لوقوعها على وجه يقتضي غلبة الظن، بثبوت الحكم.
стр. 632
فإذا لم يقع مختصاً بتلك الجهة لا يكون علة- مثاله: لو أخبرنا مخبر بعشرة أشياء، وهو معروف بالسداد والديانة والتجنب عن الكذب، يغلب على الظن [عدم] ذلك، لأنه لم يقع على وجه يقتضي غلبة الظن بصدقه، لأن مهتم فيه. ومثاله في الشرعيات: أنا عللنا قبول شهادة الذمي على الذمي بكونه مؤثراً في تغليب الظن، لصدروه عن عقل ودين يعتقد فيه قبح الكذب. فلو أورد علينا شهادته على المسلم، نقول خبر [هـ] عليه لا يؤثر في تغليب الظن، لأنه متهم في حقه، إلى غير ذلك من النظائر.
وخامسها- أن نبين الوصف الذي هو علة مع وجوده واختصاصه بذلك الوجه حقيقة، وأعدمه الشرع أي ألحقه بالعدم، فلا تكون العلة موجودة حكماً، إن كانت موجودة حقيقة. مثاله- قول القائل: إن كون الشخص حياً مكلفاً علة لبقاء أملاكه وعصمة نفسه وأمواله، ليتمكن به من دفع حوائجه. فلو أورد علينا المرتد والحربي، نقول هو حي حقيقة لكن الشرع جعله ميتاً حكماً وألحقه بالأموات. ومعنى ذلك انه خصه بحالة: تقتضي تلك الحالة أن تجري عليه أحكام الأموات، وأبطل عليه الحالة التي تقتضي إجراء أحكام الأحياء عليه، لأنه أجرى عليه أحكام الأموات فقط، فلا تكون العلة موجودة حكماً، فلا يكون تخصيص العلة. وكذا قلنا: إن شهادة الفاسق مقبولة، لكونها مؤثرة في تغليب الظن، لصدروها عن عقل ودين، فيورد علينا شهادة المستأمن والعبد فنقول: الشرع ألحق أهلية المستأمن والعبد وخبرهما بالعدم حكماً- إلى غير ذلك من النظائر- إلا أن في هذا الوجه نظراً.
وسادسها- أن نبين أن الوصف الذي ذكره موجود حقيقة وحكماً، لكنه عارضه علة فوقها وأقوى منها في موضع النقل في تغليب الظن، فيجب تعليق
стр. 633
الحكم بتلك العلة، ويخرج هذا من أن يكون علة في ذلك الموضع. مثاله- لو أخبرنا مخبر بعشرة أشياء وحاله في السداد والأمانة ما ذكرناه، يغلب على الظن ثبوت كلها، فلو كان بعض ذلك محالاً أو مخالفاً للعادة، كصعود السماء ونحو ذلك، أو أخبرنا صادق، لا يثبت ذلك الحكم، لا لخلل في الخبر أو في أوصاف الخبر، لكن لمعارضة دليل فوقه وهو استحالة الفعل في العادة وفى الشرعيات، فلا نعرف ذلك بطريق التفصيل.
مثال الأول- أنا عللنا جواز شراء ما لم يره ونحو ذلك بكون البيع مشتملاً على المصلحة، فلو أورد علينا البيوع المشتملة على الربا- فنقول: ثم وجد فساد أقوى من هذه المصلحة، فألحقت هذه المصلحة بالعدم: عرف ذلك بطريق الإجمال، بتحريم الشرع للربا.
ومثال الثاني- أنا عللنا ثبوت الملك للكافر في أموالنا في دار الحرب بكونه مصلحة دافعة للحاجة. فإذا أورد علينا الغصب في دار الإسلام، نقول: ثم مفسدة عارضة، وهى إزالة إمكان المالك المسلم وتفويت مصلحته، ولم يوجد هذا المعنى هنا، لأن المسلم لا يتمكن من الانتفاع به بعد الإحراز بدار الحرب. وهذا كثير النظير في الشرع. وهو، كما قاله محمد ﵀ في القياس والاستحسان في الكتب- معناه: ليس إلا هذا، وهو أن العلة الفاسدة عارضتا علة أقوى منها، فيمنع العمل بها، إلا أن هذا الوجه فيه نظر أيضاً.
فهذه طرق دفع النقوض إن أمكن للمجيب شيء منها. وإلا فالنقض واقع وتخصيص العلة لازم.
فإن قيل: يمكن دفع النقوض بوجه آخر، وهو أن يقول المجيب ما ذكرته علة مؤثرة في إثبات الحكم، إلا أن الشرع متى لم يثبت الحكم مع وجودها
стр. 634
في ذلك الموضع وانعقد الإجماع عليه- دل ذلك، على الإجمال، أن ثم مفسدة أقوى من هذه المصلحة، أو معارض آخر، أو شيء من الوجوه المانعة للحكم، ولم يوجد الإجماع في الفرع، فيجب العمل به- قلنا: لا يمكن دفع النقض بهذا الطريق، ولا التقصي عما يوجب فساد العلة، لأن للسائل أن يقول: لا نسلم انعقاد الإجماع على امتناع الحكم، يدل على ما ذكرتم، بل يدل على فساد العلة، وأن هذا القدر ليس بمؤثر فيه. وليس ما قاله الخصم أولى من هذا- لما مر: أن عدم الأثر المختص بالشيء يدل على عدم ذلك، إلا إذا بين شيئاً من الوجوه التي ذكرناها: إما بطريق الإجمال أو بطريق التفصيل، كما ذكرنا من البيع المشتمل على الربا، وغير ذلك. فأما الإجماع على عدم الحكم من غير أن يستند إلى ما ذكرنا من الوجوه، مجملاً أو مفصلاً، فمردد بين أن يكون دليلاً على ذلك وبين أن يكون دليلاً على فساد العلة.
والله أعلم.
стр. 635
٦
أبواب
أ- الاستحسان.
ب- تعارض العلل وتنافيها. وترجيح البعض على البعض.
ج- اعتدال الأمارات عند المجتهد في مسألة. وحكمه.
د- في القول بالقولين.
هـ- في الحظر والإباحة.
следующие страницы →