Полный текст (413 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فإن قيل إنما يرجع قوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾ إلى أخذ الرهن خاصة في السفر دون ما تقدم من مطلق القول في المداينة والكتابة والشهادة فيها والشهادة عند المبايعة ولا تدخل آية في آية.
قلنا بل يرجع قوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾ إلى جميع ما تقدم في الإشهاد في الإية التي قبلها، وفي الكتابة وفي الإشهاد عند المبالغة مطلقا وإنما هذه الأوامر تحضيض وإرشاد ليس للوجوب فيها أثر، والدليل عليه كثير قد أوردناه في مسائل الخلاف ويختص منها بهذا الموضع ثلاثة أدلة:
الدليل الأول: حديث الإسرائيلي قال النبي ﷺ إن رجلا فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل سأل رجلا أن يسلفه قال له ائتني بالشهود قال له: كفى بالله شهيدًا، قال فائتني بالكفيل، قال كفى بالله كفيلا، قال صدقت: فدفعها إليه إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليها للاجل الذي أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها فأدخل بها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ورجح موضعها ثم أتى إلى البحر بها فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلقت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقالت كفى بالله كفيلا فرضي بذلك وسألني شهيدًا فقلت كفى بالله شهيدا فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر وإني أستودعتكها فرمي بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسفله ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسفله فأتاه بالألف الدينار فقال: والله مازلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي جئت به، قال إن الله قد أدى عنك الذي بعثت والخشبة فانصرف بالألف الدنيار راشدا، فهذا نص في إسقاط الإشهاد في شرع من قبلنا وهو شرع لنا.
стр. 107
الدليل الثاني أن الأئمة رووا أن النبي ﷺ رهن درعه في ثلاثين وسقا من شعير عند يهودي ولم يذكر شهادة.
الدليل الثالث حديث الزهري عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عمه وكان من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ اشترى فرسا من أعرابي ثم استتبعه ليدفع إليه ثمنه فأسرع المشي فساوم قوم الأعرابي بالفرس ولم يعلموا فصاح الأعرابي بالنبي ﵇: اتبتاعه مني أم أبيعه؟ فقال: أليس قد ابتعته منك؟ قال لا والله ما ابتعته مني، فأقبل الناس يقولون: ويحك إن رسول الله ﷺ ، لا يقول إلا حقا، فقال هل من شاهد فقال خزيمة أنا أشهد، فقال النبي بم تشهد؟ فقال أشهد بتصديقك، فجعل النبي شهادته شهادة رجلين، ويعضد هذا ما أخبرنا أبو الحسين الصيرفي بالكرخ، أخبرنا القاضي أبو الطيب الطبري أخبرنا الدارقطني حدثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل قال حدثنا أحمد
стр. 108
بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان حدثنا ابن نمير عن يزيد، زياد بن أبي الجعد حدثنا أبو صخرة جامع بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي قال رأيت النبي ﷺ مر بسوق ذي المجاز وأنا في بياعة لي أبيعها فمر وعليه حلة حمراء وهو ينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. ورجل يتبعه بالحجارة قد أدمى كعبية وعرقوبيه وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه لأنه كذاب، قلت: من هذا؟ قالوا هذا غلام من بني عبد المطلب؟ قلت من هذا الذي يتبعه يرميه؟ قالوا هذا عمه عبد العزي وهو أبو لهب لعنة الله عليه، فلما ظهر الإسلام وقدم المدينة أقبلنا في ركب الربذة وجنوب الربذة حتى نزلنا قريبا من المدينة ومعنا ظعينة لنا فبيا نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان فسلم فرددنا عليه فقال: من أين أقبل القوم قلتا من الربذة وجنوب الربذة قال ومعنا جمل أحمر، قال: تبيعوني جملكم قلنا نعم قال بكم؟ قلنا بكذا وكذا صاعا من تمر، قال فما استوضعنا شيئا وقال: قد أخذته ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا فتلاومنا بيننا وقلنا: أعطيتكم جملكم من لا تعرفونه، فقال الظعينة، لا تلاوموا فقد رأيت وجه رجل ما
стр. 109
كان ليخفركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشى أتانا رجل فقال: السلام عليكم، إني رسول رسول الله إليكم وإنه امركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا، فلما كان من الغد دخلنا المدينة فإذا رسول الله ﷺ قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: يد المعطى العليا وابدأ بمن تعول، أمك وأباك فأختك وأخاك وأدناك فأدناك، فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلانا في الجاهلية فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، وقال: ألا لا يجني والد على ولده.
ولو كان الإشهاد واجبا لكان اعظم الخلق إليه انقيادا رسول الله ﷺ وأولهم امتثالا له وقد كتب النبي ﷺ في البيع ولم يشهد، كما أخبرنا أبو طاهر البغدادي أخبرنا ابن زوح الحرة أخبرنا أبو علي أخبرنا أبو العباس أخبرنا أبو عيسى.
وأخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار أخبرنا ابو الطيب الطبري أخبرنا الدارقطني واللفظ له حدثنا محمد بن أحمد بن أبي الثلج: حدثنا أبو بدر عباد بن الوليد، قال حدثنا عباد بن ليث صاحب الكرابيس وحدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدثنا أبو خالد عبد العزيز بن معاوية القرشي حدثنا عباد بن
стр. 110
ليث صاحب الكرابيس، حدثنا عبد المجيد ابن وهب أبو وهب قال قال لي العداء بن خالد بن هوذة: ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله ﷺ ؟ هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله عبدًا أو أمة شك عباد، ليث لأداء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم، وقال ابن أبي الثلج فأخرج لي كتابا: هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة بن محمد رسول الله اشترى منه عبدًا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم، فهكذا جاء ذكر الكتاب باختلاف الروايات ولم يكن فيه ذكر اشهاد ولكن فيه من الفقه كتب البائع خطه للمبتاع بالبيع.
وإن كتب الكاتب المخصوص بالرجل حكم على صاحب الكتاب فيتعين به عليه الحق فإن أنكره حلف أنه ما أمره به ولو كان خط البائع نفسه أو المقر لكان أصلا. وفي تفصيله خلاف بيانه في كتب المسائل والله أعلم.
стр. 111
سورة آل عمران
مدنية كلها، فيها من النسخ آيتان.
الآية الأولى: ﴿فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن﴾ قال فيها بعضهم إنه مسوخ بقوله: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ قال حاكيه: وهذا إنما يجوز على قول من قال إن قوله في النحل: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا﴾ إلى آخر الأية، مدني قاله قتادة، وأكثر الناس على أن السورة مكية إلا ثلاث) آيات نزلن بين أحد والمدينة فعلى القول بأنها مكية لا يجوز أن ينسخ قوله تعالى: ﴿فقل أسلمت وجهي لله﴾ لأنه مدني وعلى قول قتادة يجوز لأن المدني ينسخ المدني والصحيح أنه لا نسخ فيه لأن قوله: ﴿فقل أسلمت﴾ وهو من المجادلة بالتي هي أحس .
قال القاضي محمد بن العربي:
والمعنى إن أتوك بحجة في أن مع الله غيره فقل لهم إني مع الله وحده أسلمت كلي أيه، وذكر الوجه إما لأنه أشرف افيه فإذا انقاد إليه وذل عليه فغيره تبع له وإما لأنه يعبر بالوجه على الجملة وعن هذا وقع التعبير بقول النبي ﷺ في سجود: سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن
стр. 112
الخالقين" ويحتمل أن ذكر الوجه في الموضعين عبارة عن الظاهر وهي الجملة وعن الباطن وهو القصد والنية فإنه يجب إسلام الكل لله وأن لا تكون نية إلا فيه ولا عمل إلا له وذلك قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ هذا في الظاهر بالعمل وفي الباطن بالقصد إليه فهو مقابلة اعتقاد باعتقاد دون معارضة مذهب بمذهب. فأما الدليل فلابد منه لأنه إنما بعث ليدعو إلى الله ويوحد ويدل عليه ببراهينه وآياته ولم يكن هنالك وقت لا يستدل فيه على الكفار ثم نسخ بعد ذلك بالمحاجة والمجادلة وذكر الأدلة وإنما هي آيات مجتمعة المعاني منتظمة المباني وليس يمتنع أن يكون النبي ﷺ قيل له: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ فإن استمروا على محاجتك ومعارضتك بعد سرد دليلك وذكر براهينك ﴿فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلمتم فإن اسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد﴾ ولا يكون على هذا بين الآيات تعارض ويكون ذلك منسوخا بالقتال وهذا يكون إحكام لقول.
أما إن المحاجة لا تنقطع إلى يوم القيامة في موضعين: أحدهما عند ضعف الملل وظهور البدعة، الثاني عند وجوب الدعوة واستحبابها، فإنه يبين لهم الحق ويسرد لهم الدليل ويخلق الله لمن شاء القبول.
مزيد بيان: مما يحقق النسخ فيه أن قوله تعالى: ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ كلمة حصر وإثبات ونفي وتقديره ليس عليك إلا البلاغ، وقد بينا ذلك في أصول الفقه. وكأن الله في صدر الإسلام لم يلزم رسوله إلا البلاغ للخلق
стр. 113
ودليله والإنذار بما أنزل عليه من مذهب وبرهان حتى أعذر في ذلك إلى العباد ولا أحد أحب إليه العذر من الله. فلما قامت الحجة ووضحت المحجة أمر بالقتال وسيأتي في ذلك مزيد بيان في سورة الرعد إن شاء الله تعالى.
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ قال بعضهم: إن هذه الآية ناسخة للقنوت في الصلاة واحتج بما روى سالم عن ابن عمر أن النبي ﷺ لعن في صلاة الفجر بعد الركوع فقال اللهم العن فلانا وفلانا ناسا من المنافقين فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ وهذا إسناد مستقيم .
قال القاضي ﵀:
ترك القنوت في الصلاة مذهب ابن المبارك وأبي حنيفة. وقال أحمد: لا يقنت في الصلاة إلا إذا نزلت نازلة بالمسلمين، وقال مالك والشافعي: يقنت في صلاة الصبح لكن الشافعي يقنت بعد الركوع ومالك يقنت قبل الركوع، كنت بالثغر المحروس حين زحف العدو إلى المسجد الأقصى فجعلت بعد الركوع، في الصبح أقنت جهرًا، وأدعو للمسلمين وعلى الكفار كما كان النبي ﷺ يفعل وقد ثبت في الصحيح واللفظ لمسلم عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة جميعا عن
стр. 114
أبي هريرة كان رسول الله ﷺ يقولحين يفرغ في صلاة الفجر من القراءة وهو يكبر ويرفع رأسه، سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثم يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ووعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله، ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ وعن ابن عمر واللفظ للبخاري قال: إنه سمع رسول الله يقول: حين يرفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر بعدما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد: اللهم العن فلانا وفلانا، فأنزل الله تعالى ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾.
стр. 115
وهذا نص في نسخ هذا الدعاء.
وأما دعاء غيره فإنه حسن لما ورد من الأدلة واستفاض من الأخبار في دعاء النبي ﷺ قديما وحديثا حتى استأثر الله به.
وهذا بين لمن تأمله والقرآن ينسخ السنة بغير شك.
فأما القنوت في صلاة الفجر فقد بيناها في مسائل الخلاف وهو أثر ضعيف ولأجل ضعف خرج مالك في موطئه عن ابن عمر أنه كان لا يقنت في شيء من الصلاة وهو كان من أعظم الصحابة اقتداء برسول الله ﷺ واقتفاء لآثاره وارتساما لأفعاله.
أما أن النبي ﷺ ، كان يدعو مرة في الظهر ومرة في المغرب، ومرة في العشاء حسب ما ورد في الحديث الصحيح.
وقد ذكر بعضهم حديثا ضعيفا عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ جاءه رجل من قريش فحول قفاه إلى النبي ﷺ ، وكشف عن استه في وجه النبي ﷺ فلعنه ودعا عليه فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ والصحيح عن سالم عن ابن عمر ما قد قدمناه من لعنة المنافقين والله أعلم.
стр. 116
ذكر آيات العام والمخصوص
فيها من ذلك عشر آيات:
الآية الأولى قوله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ قال بعضهم نسختها آية السيف .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
في معني هذه الآية أربعة أقوال: الأول لا يظهر لهم اللطف من القول الثاني لا تتخذوهم بطانة.
الثالث قال السدي: أما موالاتهم فيوالي ولكن لا يطلعهم على عورات المسلمين فمن فعل مشرك وقد بريء الله منه ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ فيظهر لهم الموالاة في دينهم والبراءة من المؤمنين قاله ابن عباس ﵁، وذلك في التكلم باللسان لا بالقلب. قال عكرمة ما لم يرق دم مسلم أو يستحل ماله.
الرابع قال قتادة: معناه تقية الرحم من المشرك.
هذا منتهى جملة الأقوال. والمعنى في الآية أن الله تعالى نهى عن اتخاذ الكفار أولياء نعم ونهي عن اتخاذ الهوى وليا فقال: ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ وقال تعالى: ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ فأول من يلزم أن تعادي نفسك فإنها تقول: لي وبي ومني، وليس لها ولا بها ولا منها، وإنما ذلك لله وبالله ومن الله، فإذا خلصت من هذا المقام كنت من أولياء الله وجانبت أعدى الأعداء إليك وأقربهم منك وهو نفسك وهواك، وبعد ذلك تجتنب الأعداء من غيرك
стр. 117
باعتقادك وبقولك ثانيا وبعملك ثالثا وبمخالطتك رابعا إلا أن تحذرهم على نفسك وأهلك ومالك فيجوز لك أن تتكلم بما لا يحل، والقلب مطمئن بالإيمان، وهذا كله محكم فإن الاستثناء ليس بنسخ باتفاق من العقلاء وأرباب اللغة، وكانت التقية في أول الإسلام عمومًا ثم صارت بعد ذلك خصوصا، ولا تزال كذلك إلى يوم القيامة تدعيها كل أمة وتحتج بها كل طائفة، والحق بين فيها واضح منها حتى لقد زعمت الرافضة أن عليا بايع أبا بكر تقية مغلوبا؟ قيل لهم: فلم غزا تحت رايته قالوا: مغلوبا. قيل لهم: فلم أخذ سهمه من الغنيمة وهي حرام عندكم قالوا مغلوبا. قيل لهم فلم استولد من سبي وهي الحنفية فبهتوا.
فأما من قال لا يظهر لهم اللطف فذلك في المحاربين فأما من أمرت بقتله كيف تلطف به، وأما أهل العهد فلا تظهر لهم الغلظة قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾.
وهذا واضح جدًا، وأما اتخاذهم بطانة فإن ذلك لا يجوز وهي نهاية الولاية فأن أول الولائة ملاطفة في القول وآخرها مصافاة بالقلب، وشيء من الولاية لا يجوز فكيف بنهايتها فتبين أن القول الأول أولى من الثاني وأجلب للمعنى منه وأكثر طبقا له.
وأما إشارة السدي إلى أن معناه لا يظهرونهم على عورات المسلمين فهو شرك وقد بريء الله منه، فلم يصح سندًا ولا يصح متنا فإن المعاصي لا يكفر مرتكبها.
стр. 118
على أصول أهل السنة حسب ما بيناه في كتاب الاعتقاد ورتبناه عليه من الأدلة. وإنما يكون كافرًا باعتقاد الكفر وذلك مثلا بأن يطلعه على عورات المسلمين مستحلا بذلك من حرمتهم مستهينا بهم، فأما مجرد إطلاعه للكفار على عورات المسلمين فإنه لا يكون بذلك مشركًا عند أحد من أهل السنة، لكن اختلفوا هل يكون بذلك مباح الدم أم لا؟ قال مالك: يقتل حدًا وبه قال أصبغ وقال مالك أيضا: يجتد الإمام أيضا فيه، وقال عبد الملك إن كانت تلك عادته قتل وإن كانت فلتة لم يقتل. واختار ابن القاسم وأشهب، أن يجتهد الإمام فيه، وبيان ذلك في سورة الممتحنة من كتاب الأحكام وغيره.
وأما من قال إنه يظهر لهم الولاية والبراءة من المؤمنين عند التقية فذلك جائز من غير خلاف ما لم يكن في ذلك قتل مسلم أو أخذ ماله فلا تحل له
стр. 119
الموالاة فيه إلا أن يخاف على نفسه فيجوز له أن يفديها بأن يطلعه على مال الغير فأما إراقة دم الغير فلا يجوز أن يفدي نفسه بها إجماعًا، وليصبر على ما أصابه.
وأما قول قتادة: (إلا أن تتقوا منهم تقاة)، يعني تقية الرحم من المشرك فليست مواساة الرحم المشرك تقية وإنما ذلك صلة وهو بين في قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ كما تقدمت الإشارة إليه وهو أيضا بين في حديث أسماء قالت يا رسول الله: إن أمي قدمت على راغبة وهي مشركة أفاصلها؟ قال: نعم صلى أمك، وهذا كله يبين لك أن الآية محكمة ليس للنسخ إليها طريق والله أعلم.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿رب إني نذرت لك ما في بطني محررا﴾ ظن بعضهم أنه كان في شرح من قبلنا جواز استرقاق الأحرار باختيارهم وكان الآباء يملكون أبناءهم فيتصرفون فيهم تصرفهم في الذين ملكت أيمانهم بإرادتهم وأن ذلك ليس في شرعنا فكان ذلك نسخا له .
قال القاضي محمد بن العربي:
هذا ظن باطل، إنما حقيقة الآية أن الله سبحانه أخبر عن أم مريم أنها حين بشرت بالولد وتبين لها الحمل به علمت أن الولد أنس الدنيا، وعضد فيها وعون لها، وزينة عليها، فالتزمت أن تتركه لله يتعبد له وينفرد بطاعته ولا يكون لها حظ الوالدة فيه، وقد بينا ذلك على التمام في الأحكام فلينظر هنالك إن شاء الله.
стр. 120
وقد مضى قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار﴾ في آية تأخير المعسر فلا وجه لإعادته.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ .
قال بعضهم كانت شريعة من قبلنا فكان لنا أن نستعملها فنسخت بحديث جابر عن النبي ﷺ " لا صمت يوما إلى الليل.
وقال غيره: هذه الآية حكاية والحكاية لا تنسخ لأن الخبر لا يدخله النسخ ثم قال: إنما يدخل هذا النسخ على قول من قال إن شريعة من قبلنا يلزمنا العمل بها.
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
قوله تعالى: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ اختلف الناس في تأويلها حسب ما أوردناه في الأمالي من أنوار الفجر، لبابة أن زكرياء ﷺ لما دعا في الولد نادته الملائكة بالإجابة فلما سمع زكرياء النداء قال له الشيطان إن هذا الصوت ليس بصوت ملك وإنما هو كلام الشيطان يسخر بك ولو كان من الله أوحي إليك كما يوحي في غيره من الأمور فشك مكانه وقال: ﴿أني يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾ فقال: ﴿رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ فمنع الكلام عقوبة له وأعلمه أن الله يفعل ما يشاء وأنه قد قدر على أكثر من ذلك وهو خلقه ولم يك شيئا.
قال شيخنا أبو عبد الله النحوي ﵀: هذا الذي سمي شكا في رواية السدي ليس يحمل على الشك الصريح الذي يضاد اليقين وإنما هو من باب
стр. 121
الخواطر التي لا تضر الصالحين وقد شكا ذلك الصحابة إلى النبي ﵇ وقالوا: أحدنا يخطر بقلبه الشيء لأن يكون حممة أحب إليه من أن ينطق به أو أن يخر من السماء فتخطفه الطير أحب إليه من أن ينطق به.
قال القاضي ابن العربي:
هذا ضعيف في نفسه لا ينبغي أن يلتفت إليه، وإنما الصحيح ما قاله الطبري وغيره من العلماء أن زكرياء لما دعا ربه في الذرية عجلت له الإجابة ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلى في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحضورا ونبيا من الصالحين﴾ فتيقن الإجابة وتحقق سؤال المسألة مأتيا، ولم يشك قط في وعد الله وصدقه ولا دخله ريب في قدرة الله على خلقه وإنما طلب معرفة الكيفية فقال: أني يكون لي غلام وإنا قد كبرت عن الولد وامرأتي عاقر لم تلد؟ فسأل علم كيفية خرق العادة ومعرفة الطريق إلى وجودها بولادة فكان الجواب أن الله يفعل ما يشاء وأنه عليه هين بدليل أنه خلقك من قبل ولم تك شيئا وهذا كقوله تعالى في قصة إبراهيم ﵇ ﴿آلد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب﴾ فقالوا لها: (أتعجبين من أمر الله، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت أنه حميد مجيد) فسألت المرأة في هذه القصة عما سأل الرجل عنه وقيل لها ما قيل له فقال زكرياء ﷺ اجعل لي آية على وقت تيسير ذلك وتهيئته قال له: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ سويا متواليات قدرات عليه الأوقات حتى أراد أن
стр. 122
يتكلم على عادته في حواره فمنع وبقي ذكر الله ممكنا فكان لا يستطيع كلام الناس إلا بالرمز وهي الإشارة وكان ذكر الله يجري على لسانه سويا كما كان ..
وهكذا نقل أهل التفسير أن موسى ﵇ كان إذا أراد أن يتكلم في شأن تعقد لسانه فإذا قرأ أو بلغ عن الله انطلق لسانه كيف شاء. فهذا تحقيق القول فيه.
وأما من قال إن الشيطان شككه، وقال: من أين تعلم أن هذا صوت ملك إنما هو الشيطان سخر بك؟ فقد بينا في كتاب الأصول والمشكلين وغيرهما أن النبي لا يجوز أن يلتبس عليه الملك بالشيطان في طريق البلاغ عن الله ، ولو جاز ذلك ما وثقنا بالشريعة، وإنما يخلق الله العلم للنبي بالملك ووحيه ضرورة أو دليلا.
وأما قول شيخنا أبي عبد الله أن ذلك من الخواطر التي لا تدفع فلو كان ذلك ما أجيب بأن يجعل له آية عليه لأن الخواطر المذكورة لا يتعلق بها حكم ولا يكون عليها جواب.
تتميم للمقصود: وأما من قال إن هذه شريعة من قبلنا فإنما يصح هذا لو كانت هذه الآية مكتسبة لزكرياء ﵇، وقد بينا أنها كانت ملقاة عليه قهرا فلا يصح التكليف بها. ولو كانت شريعة لقيل له آتيك إذا أمرناك ألا تكلم الناس، وهو إنما قيل له (آيتك ألا تكلم الناس) فالآية إنما جعلت في نفي الكلام لا في الأمر بتركه.
وأما حديث " جابر" فضعيف جدا في السند ضعيف في المعنى لأنه لا صمت يوما إلى الليل ولا أقل منه ولا أكثر.
وأما من قال إنه خبير والأخبار لا تنسخ، فقد بينا أن الخبر ينسخ إذا دخله التكليف لأنه يكون حينئذ خبرا عن الشرع فينسخ الخبر بنسخ المخبر وإنما يمتنع نسخ الذي لا ينسخ مخبره.
стр. 123
وأما قوله لا يدخله النسخ إلا على قول من قال إن شريعة من قبلنا شريعة لنا، فهذا يناقض قوله قبله وها هنا أن الخبر لا يدخله النسخ لذاته. وهو كله تسور منه على العلوم وتصور بصورة العلماء، ولا يصح ذلك بالادعاء.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿كيف يهدي الله قومًا كفروًا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق﴾ الآيات الثلاث: زعم بعضهم أن ما استثنى الله منهم بقوله ﴿إلا الذين تابوا﴾ ناسخ لما تقدم .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
هذا باطل فإن الاستثناء ليس بنسخ، وقد حققنا ذلك في السابق من القول ها هنا وفي غيره. وسبب هذه الآية فيما ذكره المفسرون أن رجلا يقال له الحارث بن سويد من بني عمرو بن عوف كان أسلم ثم لحق بأرض الروم وتنصر ثم أرسل إليه قومه فندم وسأل قومه رسول الله ﷺ هل له توبة؟ فتزلت هذه الآيات. وقيل نزلت في أبي عامر الراهب والحارث بن سويد ووحوح بن الأسلت. وقيل هم أهل الكتاب الذين آمنوا بمحمد وبشروا به واستفحوا به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين إلا من تاب. وهذا يصح أن يكون متناولا للآيات ومعناه أن الباري تعالى يقلب الأفئدة والأبصار كما يقلب الليل والنهار ويغير الحالات ولا يتغير في الذات والصفات فلا ثبات إلا كل
стр. 124
ما يثبت لمن يثبت ولهذا كان يدعو ﵇ في دعائه بأن يهدي لما اختلف فيه من الحق ويقول في يمينه: " لا ومقلب القلوب" وقال تعالى معلما لنا: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة﴾ يعني تثبيتا (ويديم ذلك لنا) وبين تعالى بعد النجعة في قوم قد كفروا بعد المعرفة وجحدوا بعد الإقرار وارتدوا على الأدبار ثم تدارك من سبق في علمه النجاة له ورزقه الهداية بفضله فأخبر أنه يغفر للذين تابوا بردهم إلى ما سبق لهم ومبدأ التوبة منه وذلك بين في قوله: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا والكل منه وله عدلا وحكما فصلا ومنة وفضلا، فهذا تفصيل الأحوال وتأصيل في تقلب القلوب والأعمال وليس مما نسخ ولا مما ينسخ.
الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ قال السدي قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ عموم ثم استثني من استطاع إليه سبيلا فصار ناسخا لها .
قال القاضي محمد بن العربي:
وهذا وهم عظيم فإن قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ في حكم اللغة بدل من قوله (الناس) وهو بدل البعض من الكل أحد الأقسام التي ضربها أهل اللغة للبدل، وليس هذا في حكم اللغة من النسخ في ورد ولا صدر. هذا وقد كان استقر في الشريعة أن الله لا يكلف أحدا إلا ما استطاع ولا كان مالا يطاق مما يدخل تحت التكليف شرعا. فكانت هذه الصفة والبدلية بيانا لما قد تقرر أصله في
стр. 125
الشريعة تأكيدًا له فكيف يعد هذا من التخصيص فضلا عن أن يقال فيه إنه من النسخ؟ وقد قال الشافعي: إن الحج يلزم من استطاع إليه سبيلا ومن لم يستطع للحديث الصحيح واللفظ للبخاري، ومداره على ابن عباس ﵁ قال: أردف رسول الله ﷺ يوم النحر الفضل بن العباس خلفه على راحلته وكان الفضل رجلا وضيئا، فوقف للناس يفتيهم وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ﷺ فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها فالتفت النبي والفضل ينظر إليها فأخلف يده وأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضى أن أحج عنه؟ قال: نعم، فرأى لذلك وجوب الحج عليه. وليس في لفظ الحديث الصحيح ما يوجب ذلك. وقد بيناه في كتاب الأحكام ومسائل الخلاف فلينظر هنالك إن شاء الله تعالى.
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ .
стр. 126
قال قتادة والسدى وابن زيد والربيع بن أنس هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾.
وقال أكثرهم على أنها محكمة لأن الأمر بتقوى الله لا ينسخ، قال بعضهم: وهو أحسن لأن معنى ﴿اتق الله حق تقاته﴾ اتقوه بغاية الطاقة فهو قوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ بعينه إذ لا يجوز أن يكلف الله أحدًا إلا ما يطيقه وتقاه الله واجبة فلا يجوز نسخها لأن في ذلك إجازة التقصير من الطاعة وهذا لا يجوز.
وقال قتادة قوله: ﴿حق تقاته﴾ أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر، وقال ابن عباس ﵁ قوله: ﴿حق تقاته﴾ معناه أن يجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم وأن تقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين من الآباء والأبناء فمن سواهم. وهذا كله لا يحسن النسخ فيه.
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
قد بينا في غير ما موضع حقيقة التقوى وأنها من: وقي يقي أي يجعل بين نفسه وبين المعاصي حاجزًا وهي الوقاية، وذلك كما قال ابن مسعود في قوله حق تقاته. أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر. وقد أسندوه إلى النهي ﷺ ولم يصح، وقد استبعد ذلك قوم من الأولين والآخرين فجاءوا مستأخرين وظنوا في أنفسهم أن هذا لا يقوم به أحد ورأوا أن قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ملائم في الظاهر لكل أحد فحملوا الأمر عليه ونسبوا النسخ إليه. وحقيقة ذلك أن الله تعالى أمرنا بأشياء، ونهانا عن أشياء، فلزم
стр. 127
امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهي عنه، وجعل الامتثال في الأوامر وقاية دون العقاب على الترك، والاجتناب في النواهي وقاية دون العقاب على الفعل، وذلك هو تقوى الله حق تقاته، وتقواه بما استطاع لأنه تعالى أخبر أنه لا يكلف أحدًا ما لا طاقة له به كما بيناه، فإذا امتثل ما أمر به في كل شيء إلا في واحد واجتنب كل ما نهى عنه إلا واحدًا لم يتقه حق تقاته، وإلى هذا المعنى مرجع الآيتين وعليه يتركب قوله: ﴿أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر﴾ يعني عند الأمر والنهي، فلا ينسى وأن يشكر باستعمال النعم في الطاعة ولا تكفر النعمة بتصريفها في المعاصي. ومن قال من الناس: إنها منسوخة إنما حمل الأمر فيها على أنها نزلت في معرض قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ ثم رفع بقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ وقد بينا أنها ليست منها، وما ذكرنا عن ابن عباس في تفسير حق التقاة ممكن فلا وجه لرفعه والآية تناولت ذلك كله. وأما من قال: إن تقاة الله واجبة فلا يجوز نسخها فقول جاهل: لا إشكال في أن تقاة الله عما نهي عنه، ويجوز أن يأمر بما نهى عنه بعد النهي وينهى عما أمر به بعد الأمر به، ويكون ذلك نسخا للمتقى فينسخ بذلك التقوى.
غواية: قال بعضهم: هذه الآية ليست بمنسوخة للدلائل الدالة على ذلك، إذ غير جائز في حكمة الله وعدله ورأفته وفضله أن يتعبد خلقه بما لا تبلغه قدرتهم لأن هذا جور لا عدل، تعالى الله عن ذلك، بل قد أخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، فالآيتان متفقتان وكيف يأمرنا أن نطيعه ولا نعصيه والنبي المعبر عن الله يقول: استقيموا ولن تحصوا، أي لن تحيطوا بالاستقامة إلى جميع الطاعات فإذا كان هو لا يطيق أن يتقي الله حتى لا يعصيه فمن ذا الذي كان يقدر على ذلك؟
стр. 128
وقد أخبر الله أنه كانت له ذنوب متقدمة ومتأخرة بقوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ والله يتعالى بفضله عن تكليف مالا يطاق لخلقه.
هداية: لقد أصاب هذا البائس قدر سوء فإنه رحل إلى ديار المشرق معدن العلم، وحظيرة المعرفة فقيض له بسابق القدر السيء أبو هاشم الجبائي في الاعتقاد وهو أرذل المبتدعة وأدناهم اعتقادا ولقي في المسائل أصحاب داوود فزاد اعتقاده لجهالة الجميع وسخافة الكل، وعاد إلى هذه البلاد وقد ملأ حقائبه بدعا وسخافات معتزليا في الاعتقاد داوديا في العمل لم يتحقق بفهم ولا حصل على علم.
أما قوله أن الآية ليست بمنسوخة فياليته سكت ها هنا ولم يتعرض لدليل فإنه جاء ببدعة وتضليل.
وقوله غير جائز في حكمة الله وعدله ورأفته وفضله أن يتعبد خلقه بما لا تبلغه قدرهم باطل. بل جائز أن يكلف الله عباده ما لا يطيقون وذلك عين الحكمة ونفس العدل. وجمعه بين الحكمة والعدل والرأفة والفضل جهل لأن أحكامها متغايرة:
الحكمة هي علم الله بما حكم، والعدل فعله لما يشاء، والرأفة هي إرادة الإنعام، والفضل هو جلال الصفات أو منح الهبات فكيف تجع هذه الأحكام في منع تكليفه بما لا يطاق مع تغايرها وكيف يعلق حكم واحد بمعان متغايرة؟
стр. 129
وقوله: لأن هذا جور في الاعتقاد وجهل أن الله سبحانه لو خلق جميع الخلق للنار لكان عدلا كما لو خلقهم أجمعين للجنة لكان فضلا، وإذا قسمهم فريقين كانت حكمة ولا يبالي، بالأحوال كلها. إنما الجائز من فعل ما لم يؤمر به وليس فوقه، أمر يخالفه فيكون بذلك جائزا وخارجا عن العدل بفعله ما لم يجز له، وقوله قد أخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها حق، ولكن علمنا ذلك بخبره وفضله وقد كان له أن يفعل ذلك بعدله وهو جائز في حكمه ثم رفعه فضلا من عنده وكان ذلك أوقع في المنة، وأعظم في النعمة وقد كلف بني إسرائيل أن تقتل أنفسها عند التوبة، ولم يكن ذلك جورا وهو أعظم من هذا التكليف. وقوله ﷺ استقيموا ولن تحصوا فيه فائدة عظيمة ليس هذا البائس لها أهلا، وهي إخبار الله تعالى بأن العباد أمروا بالاستقامة وأنه لا يخلق لهم القدرة عليها فإن الباري تعالى يأمر العبد بالفعل ويخلق له القدرة عليه فيوجد الفعل وقد يأمره ولا يخلق له القدرة عليه فلا يوجد أبدا، كما أنه ينهي عن الفعل ويخلق له القدرة على الاجتناب فيكون التقوى وقد يخلق له القدرة على فعل المنهى عنه فتكون المعصية ألا ترى أنه أمر إبليس بالسجود لآدم ولم يخلق له القدرة عليه فلم يوجد منه، ونهى آدم عن أكل الشجرة، وخلق له القدرة على المنهي عنه، وهو الأكل؟ وإنما يأمر الله العبد بالفعل لتقوم عليه الحجة ولا يخلق له القدرة لينفذ فيه القدر ويكون ممن يسر للعسىرى، فالباري خالق القدرة وخالق المقدور وإليه تصير الأمور. وقد قال النبي ﷺ سيد الاستغفار اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت
стр. 130
خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
وقوله: فإذا كان هو ﷺ لا يطيق أن يتقى الله حتى لا يعصيه فمن ذا الذي يقدر على ذلك؟ طامة كبرى وعدم توقير للنبي ﵇، وكيف تنسب إليه المعصية ويسلب التقوى وهو يقول: إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم بحدوده، وما نسبه الله قط إليه والأنبياء عبيد الله، فإذا قال عن أحد منهم إنه عصى فلا نقوله نحن إلا إذا تلونا قرآنا عن النبي ﷺ أو ذكرنا عن النبي ﷺ أثرا، فإما أن نصرح بذلك في كلامنا ونطلقه على ألسنتنا ونخبر به في محاورتنا فذلك لا يحل لنا، ولا يعيد في جملة الأدب أن يخبر بذلك الرجل عن أبيه أو عن شيخه فكيف عن نبيه؟ نعم كان النبي ﷺ يقول: اغفر لي خطئي وعمدي وكل ذلك عندي" وكان يقول" إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله مائة مرة" وقال ﷺ : إني لأتوب إلى الله في اليوم مائة مرة، رواه مسلم، وهذا لم يكن فيما اشترك فيه معنا من الأوامر والنواهي وساوانا في الأفعال وانتظم معنا فيه من التكليف إنما كان ذلك فيما يختص به مما يقتضيه شريف منزلته ويوجبه رفيع درجته، ولا يعد في ذنوب الأنبياء إلا ما كان من حسناتنا ألا ترى ما عد نوح ﵇ ذنبا لنفسه، من دعائه على قومه ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ وإلى ما عنده إبراهيم ﵇ ذنبا لنفسه من حجته على قومه في قوله: ﴿هذا ربي﴾ وفي قوله: ﴿بل
стр. 131
فعله كبيرهم هذا﴾ وفي دله امرأته بقوله: (هذه أختي) وعد لموسى ﵇ قتله لنفس لم يؤمر بقتلها، وليس لعيسى ﵇ ذنب مذكور، فكيف يجوز لمسلم بعد هذا أن يعد لمحمد ذنبا، وهو معصية وهو أفضل من هؤلاء؟ وقد قال في قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (هي أمته) عبر عنهم به لقربه منهم وكونه بينهم كما قالوا ذلك في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ فيكون معنى الآية ليغفر الله ذنوب من سلف قبلك من الناس وذنب من يأتي بعدك من الأمة في حرمتك، وقال غلاة الصوفية: إن ذنب آدم إنما غفر له مجرمة محمد ﵇، فأين هؤلاء في التعظيم للنبي من هؤلاء في وصفه بالمعصية، لقد ساء أدبه وضل عقله وعزب حلمه، وإذا تأدب رسول الله صلى الله عليه وسلممع ربه والتزم حكم العبودية ونسب الذنب إلى نفسه، يريد الجاهل أن ينسب ذلك إليه، وإنما بعد في ذنوب النبي ﵇ ميله يوم بدر إلى الفداء ومخالفته رأي من رأي القتل في الأسرى حتى قال (لو نزلت نار من السماء لأحرقتنا إلا عمر) وقد قال المحققون من علمائنا إنما قيل للنبي ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ ليلقى الله طيب النفس رفيع المقدار سليما من الخجل مقلا في المسألة مجيرا للأمة.
وأما قول البائس: تعالى الله عن تكليف عباده ما لا يطاق فكلام باطل منكور وهو مذهب المعتزلة والقدرية، ونحن تقول: تعالى الله ألا يكلق عباده ما لا يطيقون ويعذبهم كما يريد ويبتليهم كما يشاء ويقضي عليهم من القضاء السيء بما أراد فإن الكل ملكه لا يتألم ولا يتضرر بضرهم ولا يتلذذ بنفعهم
стр. 132
وليس فوقه من يأمره ويحجر عليه ولو شاء لم يخلقهم وإذ خلقهم فلو شاء لم يكلفهم وإذ كلفهم فلو شاء لحملهم ما لا يطيقون. وقد قال علماؤنا: إن الباريء تعالى ما كلف الخلق إلا ما لا يطيقون فإذا شاء خلق لهم القدرة فأطاقوا ما كلفوا، وقد كلف الله الملائكة الإنباء لآدم بأسماء المسميات وأمر أبا لهب أن يجمع بين الإيمان والعلم بأنه لا يؤمن.
قال القاضي أبو بكر بن الطيب، إذا قيل لنا هل كلف الله عباده ما لا تطيقون؟ قيل له: سؤلك محتمل، فإن اردت بعدم الطاقة عدم القدرة على الفعل فلذلك جائز، وإن أردت به وجود ضدها من العجز فلا وجه له. وقال ابن فورك ﵀: قد كلف الله العدل بين النساء ثم أخبر أنه لا يستطاع فقال تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ ولله الحجة البالغة والحكمة الماضية والنعمة السابغة ولولا حسن تكليف ما لا يطاق وجوازه ما حسن دعاء الباري في أن لا يفعله، وإنما سئل في صرف ما امتحن به وما له الامتحان به. وهذا كله قاطع بين في معرفة المسألة، واستيفاؤه، في كتب الأصول وفي كتاب شرح المشكلين فليطلب هنالك بحول الله.
الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ .
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
قوله تعالى: ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ يعني به اهل الكتاب الذين قد تقدم ذكرهم. وقال قوم إن إذايتهم بألسنتهم في قولهم عزير بن الله، والمسيح بن الله
стр. 133
وتعظيمهم للصليب وسبهم إذا سمعوا نداء الصلاة، والذي عندي أن المراد به في الأصل يهود المدينة أخبر الله تعالى عنهم أنه لا يصل منهم إلى المؤمنين ضرر إلا ما يلحقهم من الإذاية بألسنتهم، يريد بالسب للدين ولهم كما قال تعالى: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ فإذا جاء القتال ولوا الأدبار، وليس يمنع قتالهم سبهم لنا حتى يكن ذلك نسخا. والذي يوجب أن يكون المراد به يهود الحجاز قوله تعالى: ﴿وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار﴾ وخبر الله صدق لا محالة، والذين ولونا الأدبار اليهود بالحجاز، فأما غيرهم من الكفار فلم يوجد ذلك فيهم، فلا تحمل الآية إلا على ما يصح فيها ويوجب الصدق لها ويتوجه المعنى فيها.
الاية الثامنة: قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء، أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ زعم بعضهم أن هذه الآية ناسخة للقنوت في الركوع بحديث ابن عمر الله عنهما أن رسول الله ﷺ لعن في صلاة الفجر بعد الركوع في الركعة الآخرة فقال: اللهم العن فلانا وفلانا، ناسا من المنافقين، فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم﴾ الآية .
قال القاضي ابن العربي ﵀:
هذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وجعله الشافعي سنة وخفف مالك الآمر فيه، وقد بينا أن القرآن ينسخ السنة وأن السنة تنسخ القرآن بما يغني عن إعادته ويغني من تحصن بالعلم من جهالته على ترتيب ذلك ودرجاته، وهذه الآية ناسخة من غير شك لما كان النبي ﷺ يفعله في الصلاة من الدعاء بعد الركوع. ففي الصحيح، واللفظ لمسلم، قال أبو هريرة ﵁: كان رسول الله ﷺ يقول: حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة يكبر ويرفع رأسه من الركوع يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم يقول وهو قائم، اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام، وعياض بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على
стр. 134
مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله" ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ وفي رواية: ثم رأيت رسول الله ترك الدعاء بعد فقلت: أي رسول الله ترك الدعاء لهم فقيل أو ما تراهم قدموا؟ وفي رواية ذلك كان في صلاة العشاء وفي رواية وفي الظهر، وعن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ قنت شهرًا يلعن رعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله) وكذلك ثبت عن النبي ﷺ واللفظ للبخاري: (قال سالم عن أبيه: إنه سمع رسول الله إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من صلاة الفجر يقول: اللهم العن فلانا وفلانا بعدما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. فأنزل الله تعالى: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) وهذا أصح من قوله يدعو على ناس من المنافقين فإنه لم يثبت وهذا نص في أن رسول الله ﷺ دعا مرة على الكفرة في الصلاة ثم تركه لقوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ فتركه لما كان يفعله نسخ له بشروطه كاملا لما فيه من المعارضة وتحقيق التاريح/ فإن قيل هو نسخ فعل بقول. قلنا: قد حققناه في موضعه والفعل كان بأمر، وتركه بأمر، والترك نسخ الفعل، والفعل نسخ الترك، فأما القنوت في الصلاة فقد بيناه في موضعه.
تنبيه: أما من ظن أن هذا نسخ القنوت ففي غفلة، إنما نسخ دعاء كان على معينين ولقوم معينين من المستضعفين، فأما ما نسخ القنوت في الجملة فلا يقتضيه هذا الحديث، لقوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم﴾ فأمر أن يسلم أمرهم إلى الله، فأما سنة الدعاء في القنوت فقد روى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: لأقربن لكم صلاة رسول الله ﷺ فكان يقنت في الظهر والعشاء الآخرة والصبح ويلعن الكفرة ويدعو للمؤمنين. وعن البراء أنه صلى
стр. 135
الله عليه كان يقنت في الصبح والمغرب. فهذا تجويز للعنة الكفرة في الجملة مطلقا ودعاء للمؤمنين وبيان أن النهي إنما كان عن قوم معينين وأن والمتروك كان ذلك الخصوص والله أعلم.
الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها﴾ قال بعضهم: نسخها قوله تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ .
قال القاضي ابن العربي رحمة الله:
قال علماؤنا قوله تعالى: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا نؤت منها﴾ يعني ما قسم له من رزق، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ما سبق له من وعد. وأما قوله: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ فمن قرأ ما نشاء، بالنون فذلك يوجب أن يؤتى منها ما شاء الله وهو الذي قسم له فيعطي ما شاء الله تعالى لا ما شاء العبد، ومن قرأها بالياء كان معناه أعطيناه ما يريد أردناه نحن وهو الذي قسم له بعينه، فالقراءتان بمنى واحد والآيتان بمعنى واحد وليس فيها تعارض ولا فيها عموم ولا خصوص، وقد بسطناها في سورة سبحان، وكذلك تناسب أيضا الآية التي في سورة حم عسق فإن الله يؤتي الذي يريد حرث الآخرة زيادة في عمله إذ الحسنة مضاعفة. وعد الصدق ويؤتى الذي يريد ثواب الدنيا ما قسم له منها.
الآية العاشرة قوله تعالى: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من
стр. 136
عزم الأمور﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخرة﴾ آية السيف.
قال القاضي ابن العربي ﵁:
إنما كان حقه أن يقول على طريقته: نسخها آية الجزية وآية السيف أما أية الجزية فنسخت حكم أهل الكتاب وأما آية السيف فهي قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ فنسخت الحكم في قوله: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ وهذه الآية نزلت في بني قينقاع وفي كعب بن الأشرف وما كان المسلمون يسمعون منهم وهم أهل عهد فأمر الله تعالى بالصبر على ما يسمع منهم حتى يثبت ذلك فيهم فيقام الحكم عليهم. فأما بنو قينقاع فنقضوا عهدهم بالحديث المعروف في غزوتها وأما كعب فبإذايته للنبي وهجائه له حتى قال النبي ﷺ : (من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله)؟ فخرج النفر من الأنصار منهم محمد بن سلمة، وأبو عبس فقتلوه. والله أعلم.
стр. 137
سورة النساء
فيها تسع وعشرون آية، ثلاث نسخ، وباقيها تخصيص:
قوله تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ الآية. اعلموا علمكم الله من علمه وأوسعكم من حلمه أن هذه الآية على مذهب جماعة من الفقهاء ناسخة ما كانوا عليه في الجاهلية وبرهة من الإسلام، يتزوج الرجل ما شاء من الحرائر فنسخ الله ذلك بالقرآن والسنة والعمل فلا يحل للرجل أن يتزوج فوق أربع. فسألوا رسول الله ﷺ عن اليتامى فنزلت: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ أي كما خفتم في اليتامى فخافوا في نكاح النساء. وقال آخرون: هذا مما لا يجب أن يذكر في الناسخ والمنسوخ لأنها لم تنسخ قرآنا وإنما نسخت أمرا كانوا عليه في الجاهلية وفي اول الإسلام قبل أن يؤمروا بشيء، وعلى هذا يكون القرآن ناسخًا لكفرهم وعبادتهم الأصنام.
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
روى الأئمة الأثبات واللفظ للبخاري أن رجلا كانت له يتيمة فأنكحها من نفسه وكان لها عذف وكان يمسكها، عليه ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ أحسبه قال: وكانت تشركه في ذلك العذق والمال. رواه هشام عن عروة. وروى عن ابن شهاب عن عروة
стр. 138
أنه سأل عائشة ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه جمالها ومالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية آخرى: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ هي رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى النساء إلا أن يقسطوا من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلا المال والجمال.
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
فكان المقصود بهذه الآية في البيان حكمين: أحدهما أن ينكح الرجل اليتيمة من نفسه إذا أقسط فيه فإن لم يرد ذلك فله نكاح ما سواها من النساء من واحدة إلى أربع، وهو الحكم الثاني وهو ناسخ لما كانوا عليه في صدر الإسل من الاسترسال في نكاح النساء من غير حصر بعدد، لا لما كانوا عليه في الجاهلية فإن أحكام الجاهلية ليست بشرع حتى يأتي بعده ما ينسخه. فأما الذي أقر عليه الشرع ولم يغيره ثم جاء بعده غيره فإنه ناسخ له، والأول منسوخ، لأن سكوت النبي عن الشيء والإقرار له بعد المبعث عد له في الجملة الشرع حتى يأتي عليه النكير وذلك فيما تتغير فيه الأحكام ويتقلب عليه الحلال والحرام بله الكفر. وعبادة الأصنام، فإنه لا يأتي شرع إلا بإنكارها ولا يصح في المعقول أن يأتي نبي بها، وهذا القدر هو الذي جهلته هذه الطائفة القاصرة فاسترسلت عليه في قولها وقالت بالتسوية بين ما يجوز أن يكون شرعا من قبيل الأحكام وبين ما لا يصح أن يكون شرعا من الكفر والباطل وهو جهل عظيم. وكذلك سوت بين ما كانت الجاهلية تفعله قبل المبعث وبين ما أقر
стр. 139
عليه الشرع بعد وروده وهو أيضا جهل بين، فإن ما كانت العرب تفعله وإن كان من طريق الأحكام لا يعد من الشرع، وما كان الناس يفعلونه بعد المبعث ولا ينكره النبي فإنه شرع إذ سكوت النبي ﷺ كإذنه، وتركه النكير كقوله لا حرج، وجات هذه الفرقة بطامة فقالت إن الله نسخ ما كانوا عليه في الجاهلية وبرهة من الإسلام من الأحكام بالقرآن والسنة والعمل.
فأما قولها إن القرآن نسخ فصحيح وهو الناسخ الأول الأولى ولكن إنما نسخ ما كان شرعا فأما ما تصرف الناس فيه بعقولهم فلا نسخ، بينه وبينه إذ لا ينسخ المنقول إلا المنقول.
وأما قولهم: والسنة فصحيح على الوجه الذي تقدم بيانا له في القرآن فإن السنة شرع والشرع ينسخ الشرع.
وأما قولها: والعمل، فإن كل قول وعمل كان بعد النبي فإنه لا يجوز أن يكون ناسخا ولو كان إجماعا كما بيناه في السوابق.
تكملة: وقد عضدت السنة ذلك فروى ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أن غيلان الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي ﷺ : أمسك أربعا وفارق سائرهن. وروى خميصة بن الشمردل عن قيس بن الحارث قال: أسلمت وتحتى في الجاهلية ثمان نسوة فأتيت رسول الله ﷺ وأخبرته فقال: اختر منهن أربعا وخل سائرهن، خرجه النسائي وغيره، وما أذن الله تعالى لأحد في نكاح
стр. 140
فوق أربع إلا لرسول الله ﷺ خاصة فإنه اجتمع عنده عدد كثير منهن ومات عن تسع نسوة لأن الله تعالى قال للخلق حين قصرهم على الأربع: ﴿ذلك أدن أن لا تعولوا﴾ وكان النبي قادرا عليهن فخص لذلك بهن، وقد كان ابن أبي هاشم القائم بمكة تزوج أكثر من أربع نسوة كلهن علويات ويقول: ما جاز لحدي جاز لي، ومن الجهال من أجاز ذلك وقد بيناه في أحكام القرآن ومسائل الخلاف وأوضحنا إجماع الأمة فقها، وأهل اللغة نقلا على بطلانه.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانك فأتوهم نصيبهم﴾.تكلم علها محاولو هذا الشأن بكلام طويل لبابه في ثلاثة أقوال:
الأول: أنها ناسخة قاله سعيد، ومعناها عنده الخلفاء في الجاهلية والذين كانوا يتبنون في الجاهلية فكانوا يرثون على ذلك حتى نزلت: ﴿والذين عاقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم﴾ فنزع الله ميراثهم وأثبت لهم الوصية ..
стр. 141
الثاني: أنها منسوخة، قال الحسن في قوله تعالى: ﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ قال: كان الرجل يعاقد الرجل على أيهما مات ورثه الآخر فنسختها آية المواريث.
وقد قتادة، نسخها قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ ونحوه عن ابن عباس ﵄.
الثالث: أنها محكمة ويكون معناها فآتوهم نصيبهم من العقد والمشورة والرفد قاله سعيد بن جبير.
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
كل من تكلم على هذه الآية إنما نظر إلى أن حكمها ساقط من التوارث فقال: أسقطه قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ وقال آخرون: نسخها (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) وقال قوم: إن حكمها باق وإنه يتوارث بالمعاقدة، والمعاقدة إنما هي اجتماع الاسم في الديوان ..
ولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك شيء يعول عليه، فلم يبق إلا التعويل على ما ذكره ابن عباس ﵁، القدوة في علوم التنزل والموقوف عليه فقه الدين والتأويل.
وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ كان المهاجرون حين قدموا المدينة ترث الأنصار دون ذوي الرحم للاخوة التي آخي النبي ﷺ بينهم حتى نزلت: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾ قال: فنسختها: ﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ من النصح والنصر والرفادة ويوصى له ولا يرث أخرجه
стр. 142
البخاري وغيره من الأئمة واللفظ للنسائي وقال: إسناده صحيح فبين الآية نسخت السنة التي كان النبي ﵇ قررها بينهم وجعل للحلف حقه مر الواصلة والرفد والنصرة، والوصية، وليس بعد هذا مطلع لطالب ولا مرتقى لعالم. وتقدير الأية على فهم ابن عباس وقوله: ولكل جعلنا أولياء يرثونه مما ترك، هم الوالدان والأقربون، وأما الذين عاقدت أيمانكم فآتوهم من الوصية والنصح والرفادة، ليس النصيب الذي شرطتم لهم. ويحقق ذلك قوله ﷺ ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت فهو لأولى عصبة ذكر. وقول ابن عباس هذا خبر عن الشريعة وليس بخير عن نظر وتأويل رآه، فلأجل ذلك لزم الوقوف عنده.
الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ إلى قوله: ﴿سبيلا﴾ .
قال أهل الكلام في هذا الفن: هذا منسوخ: واختلفوا في وجه نسخه، فمهم من قال نسخها قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ قاله ابن عباس ﵄.
الثاني قال قتادة ﵀: كان هذا ثم نبذ إلى كل ذي عهد عهده وأمر أن يقاتل المشركين، حتى يقولوا لا إله إلا الله وقال تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾.
стр. 143
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
لما أمر الله النبي ﵇ بالقتال وانقسمت الحال بالمشركين إلى مباين ومتقارب بالعهد، أمر الله نبيه أن كل من أوى إلى معاهد ووصله فله حكم عهده، وأذن له فيمن أراد الانقراد بنفسه فلا يقاتل المسلمين ولا يصل ذا عهد من الكافرين أن يكف عنهم، واستمر الأمر على ذلك حتى أنزل الله براءة بعد الفتح، فأرسل بها رسول الله ﷺ أبا بكر وعليا وأبا هريرة ﵃ لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وكان ذلك أمرا من الله انقاد إليه الكل ورغمت به نفوس الكافرين وخرست ألسنتهم عن أن يقولوا: إن محمدًا اتفق معنا على العهد وحله وحده من غير حدث.
ذكر آيات العموم والخصوص وعددها ست وعشرون آية .
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ وزعم المتكلمون في هذا الفن أن هذه الآية منسوخة بقوله تعلى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾. وقال أبو يوسف لعله نسخها قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ .
стр. 144
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
هذه الآية محكمة نهى الله تعالى عن أكل الأموال للناس عموما وأكد النهي في أموال اليتامى خصوصا فقال تعالى: ﴿ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا﴾ وعظم أمرها بالوعيد فقال: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ وهذا فيمن كان في حيز منهم، فأما من كان مال اليتيم بيده فتجوز له مخالطته كما تقدم بيانه، وإن كان غنيا فليستعفف عن ماله، وإن كان فقيرا أكل بالمعروف، يريد بمقدار عمله فيه في قول، أو بمقدار الحاجة في قول آخر. ويقضى إذا وجد.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (أنزلت مال الله منى بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت اكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت) وجعلوا على هذا ذكر المعروف عبارة عن القرض، وهو مروي عن ابن عباس ﵀ ايضا، وقد روى عنه أنه قال له رجل: في حجري أموال أيتام وهو يستأذنه أن يصيب منه شيئا. قال ابن عباس ألست تهنأ جرياها وتبغي ضالتها وتلوط حوضها؟ قال بلى: قال ألست تفرط عليها يوم وردها؟ قال بلى؟ قال: فأصب من رسلها يعني من لبنها غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب. واعجب لمن يقول لعل نسختها قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أمواكم بينكم بالباطل﴾ فيحكم على الناسخ بالظن وربما لم يصح عمن نسب إليه. والذي يقتضيه اللفظ ويوجبه الحكم أن يأكل وإلى اليتيم من ماله بمقدار عمله (أما إنه إن كان غنيا فالأفضل أن يعف فإن كان فقيرا لم يجز له أن يأخذ زيادة على مقدار خدمته وهو المعروف) والله أعلم.
стр. 145
وقد بينا في الأحكام كثيرا من معنى هذه الآية، وتحقيقها أن المعروف في الاشتقاق ها هنا العادة فلم يبق إلا أن يحمل على الحسن الجائز الذي يضاد المنكر ذلك بأن يأكل منه على مقدار عمله والله الموفق.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ .
قال من ألف في هذا الشأن: إن الآية نزلت في أم كجة وابنة كجة وثعلبة وأوس بن سويد وهم من الأنصار كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها فقالت: يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته، وفي رواية وابنتيه فلم نورث فقال عم ولدها: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسًا ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا. فنزلت هذه الآية.
следующие страницы →