Полный текст (413 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الثاني: أنها منسوخة، قال الحسن في قوله تعالى: ﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ قال: كان الرجل يعاقد الرجل على أيهما مات ورثه الآخر فنسختها آية المواريث.
وقد قتادة، نسخها قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ ونحوه عن ابن عباس ﵄.
الثالث: أنها محكمة ويكون معناها فآتوهم نصيبهم من العقد والمشورة والرفد قاله سعيد بن جبير.
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
كل من تكلم على هذه الآية إنما نظر إلى أن حكمها ساقط من التوارث فقال: أسقطه قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ وقال آخرون: نسخها (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) وقال قوم: إن حكمها باق وإنه يتوارث بالمعاقدة، والمعاقدة إنما هي اجتماع الاسم في الديوان ..
ولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك شيء يعول عليه، فلم يبق إلا التعويل على ما ذكره ابن عباس ﵁، القدوة في علوم التنزل والموقوف عليه فقه الدين والتأويل.
وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ كان المهاجرون حين قدموا المدينة ترث الأنصار دون ذوي الرحم للاخوة التي آخي النبي ﷺ بينهم حتى نزلت: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾ قال: فنسختها: ﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ من النصح والنصر والرفادة ويوصى له ولا يرث أخرجه
стр. 142
البخاري وغيره من الأئمة واللفظ للنسائي وقال: إسناده صحيح فبين الآية نسخت السنة التي كان النبي ﵇ قررها بينهم وجعل للحلف حقه مر الواصلة والرفد والنصرة، والوصية، وليس بعد هذا مطلع لطالب ولا مرتقى لعالم. وتقدير الأية على فهم ابن عباس وقوله: ولكل جعلنا أولياء يرثونه مما ترك، هم الوالدان والأقربون، وأما الذين عاقدت أيمانكم فآتوهم من الوصية والنصح والرفادة، ليس النصيب الذي شرطتم لهم. ويحقق ذلك قوله ﷺ ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت فهو لأولى عصبة ذكر. وقول ابن عباس هذا خبر عن الشريعة وليس بخير عن نظر وتأويل رآه، فلأجل ذلك لزم الوقوف عنده.
الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ إلى قوله: ﴿سبيلا﴾ .
قال أهل الكلام في هذا الفن: هذا منسوخ: واختلفوا في وجه نسخه، فمهم من قال نسخها قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ قاله ابن عباس ﵄.
الثاني قال قتادة ﵀: كان هذا ثم نبذ إلى كل ذي عهد عهده وأمر أن يقاتل المشركين، حتى يقولوا لا إله إلا الله وقال تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾.
стр. 143
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
لما أمر الله النبي ﵇ بالقتال وانقسمت الحال بالمشركين إلى مباين ومتقارب بالعهد، أمر الله نبيه أن كل من أوى إلى معاهد ووصله فله حكم عهده، وأذن له فيمن أراد الانقراد بنفسه فلا يقاتل المسلمين ولا يصل ذا عهد من الكافرين أن يكف عنهم، واستمر الأمر على ذلك حتى أنزل الله براءة بعد الفتح، فأرسل بها رسول الله ﷺ أبا بكر وعليا وأبا هريرة ﵃ لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وكان ذلك أمرا من الله انقاد إليه الكل ورغمت به نفوس الكافرين وخرست ألسنتهم عن أن يقولوا: إن محمدًا اتفق معنا على العهد وحله وحده من غير حدث.
ذكر آيات العموم والخصوص وعددها ست وعشرون آية .
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ وزعم المتكلمون في هذا الفن أن هذه الآية منسوخة بقوله تعلى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾. وقال أبو يوسف لعله نسخها قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ .
стр. 144
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
هذه الآية محكمة نهى الله تعالى عن أكل الأموال للناس عموما وأكد النهي في أموال اليتامى خصوصا فقال تعالى: ﴿ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا﴾ وعظم أمرها بالوعيد فقال: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ وهذا فيمن كان في حيز منهم، فأما من كان مال اليتيم بيده فتجوز له مخالطته كما تقدم بيانه، وإن كان غنيا فليستعفف عن ماله، وإن كان فقيرا أكل بالمعروف، يريد بمقدار عمله فيه في قول، أو بمقدار الحاجة في قول آخر. ويقضى إذا وجد.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (أنزلت مال الله منى بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت اكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت) وجعلوا على هذا ذكر المعروف عبارة عن القرض، وهو مروي عن ابن عباس ﵀ ايضا، وقد روى عنه أنه قال له رجل: في حجري أموال أيتام وهو يستأذنه أن يصيب منه شيئا. قال ابن عباس ألست تهنأ جرياها وتبغي ضالتها وتلوط حوضها؟ قال بلى: قال ألست تفرط عليها يوم وردها؟ قال بلى؟ قال: فأصب من رسلها يعني من لبنها غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب. واعجب لمن يقول لعل نسختها قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أمواكم بينكم بالباطل﴾ فيحكم على الناسخ بالظن وربما لم يصح عمن نسب إليه. والذي يقتضيه اللفظ ويوجبه الحكم أن يأكل وإلى اليتيم من ماله بمقدار عمله (أما إنه إن كان غنيا فالأفضل أن يعف فإن كان فقيرا لم يجز له أن يأخذ زيادة على مقدار خدمته وهو المعروف) والله أعلم.
стр. 145
وقد بينا في الأحكام كثيرا من معنى هذه الآية، وتحقيقها أن المعروف في الاشتقاق ها هنا العادة فلم يبق إلا أن يحمل على الحسن الجائز الذي يضاد المنكر ذلك بأن يأكل منه على مقدار عمله والله الموفق.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ .
قال من ألف في هذا الشأن: إن الآية نزلت في أم كجة وابنة كجة وثعلبة وأوس بن سويد وهم من الأنصار كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها فقالت: يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته، وفي رواية وابنتيه فلم نورث فقال عم ولدها: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسًا ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا. فنزلت هذه الآية.
стр. 146
وعن ابن زيد: كان النساء لا يورثن في الجاهلية فنزلت الأية. قال ابن نصر: ثم نسخت بعد قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ فبين معناها، وحد القسم كم يكون فيها.
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
هذا لا يصح فإن حكم الجاهلية لا يصح أن يكون منسوخًا فإنه ليس بشرع كما تقدم، ولا يصح أن يكون قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ ناسخًا بتفسيره للنصيب المجمل في تلك الآية لأن المفسر لا يقضى على المجمل بنسخ إنما هو بيان له. ولكن القوم يستعملون ألفاظا ولا يوفونها معانيها حتى توجب الإشكال على من لا بصر له، والله الموفق.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه، وقولوا لهم قولا معروفا﴾ ذكر أصحاب التفسير أن في هذه الآية قولين:
أحدهما أنها منسوخة، والثاني أنها محكمة، والذين قالوا إنها محكمة قال بعضهم إنها واجبة وقال آخرون إنها مستحبة، وقد قال سعيد بن جبير: هذه آيات يتهاون
стр. 147
الناس بها، وإنما هما وليان أحدهما يرث، فالذي يرث هو الذي أمر برزقه، والذي لا يرث هو الذي قبل له القول المعروف.
قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀:
ليس فيها نسخ لأنها لا تعارض آية المواريث أن الله قد أعطى كل ذي حق حقه وقسم لكل حظه ولم يعم الميراث جميع القرابات، وإنما خص به أعيانا منهم، وبقي سائر أهل القربى مسكوتا عنهم في آية المواريث فإن تناولهم قول في آية أخرى حملت على معناها. ووجه الجمع بينهما ظاهر وهو أن يقال: إن الميراث للمعين من ذوي القربى ومن ليس له في آية المواريث اسم كان المراد بالإرضاخ له عند القسمة، وعلى هذا المعنى حمل الآية السلف فقالوا: إن القاسم بن محمد روى أن عبد الله بن عبد الرحمن قسم ميراث أبيه وعائشة حية فلم يبق في الدار أحد إلا أعطاه وتلا هذه الآية.
قال القاسم فذكرت ذلك لابن عباس فقال ما أصاب إنما هذه الوصية. يريد أن يوصي الميت لقرابته. وقال ابن زيد: القسمة ها هنا الوصية.
والقول ما فعله عبد الله بن عبد الرحمن لا ما أشار إليه ابن زيد ولا ما روى عن ابن عباس فإن القسمة هي فصل المال المتروك بين أهل الميراث والعادة جارية بحضور، القرابة والناس لذلك، فيستحب لهم أن يواسوهم ويجملوا القول ويحسنوه لهم.
وأما من قال إن ذلك واجب فلو كان واجبا ما خص به من حضر من القرابة دون من غاب والله أعلم.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا﴾ .
стр. 148
قال بعضهم إن الله تعالى أمر الأوصياء بإمضاء الوصية على ما رسم الموصى ثم نسخها الله بالآية التي في سورة البقرة فقال تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما﴾ أي علم من موص جورا أو إثما فلا إثم عليه أي لا حرج عليه يعني إليه أن يأمر الوصي بالعدل في ذلك فكانت هذه ناسخة لقوله: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم﴾.
قال القاضي ابن العربي ﵀:
قوله خاف يحتمل أن يريد به تيقن وعلم وقد ورد بذلك القرآن، واللغة معنى، ويحتمل أن يكون المراد به توقع أي انتظر أن يقع ولم يقع بعد، فإن وجد الموصى قد جار ردت وصيته وإن خيف منه الجور مثل أن يوصي لزوج ابنته أو لولد ولده فالصلح بين الورثة إن اختلفوا خير من تخاصمهم وتقاطهم، حتى تتصل رحمهم ويرتفع شغبهم. وما يجري من القول في مراوضة الصلح إنما ينبغي أن يكون سديدًا كان ورثة الميت ضعافا صغارا أو أقوياء كبارا لا يختص سداد القول بإحدي الحالتين دون الأخرى بل هو عام فيهما وفي كل معنى سواهما فلا تعارض بين الآيتين، والخطاب بالإصلاح هو لكل أحد من وصي أو أمير أو ساع في خبر مبتدأ.
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ قال بعضهم: لما نزلت قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ عزل الأنصار اليتامى فلم يخالطوهم فأضر ذلك بهم لأن اللبن إذا لم يحلب والدابة إذا لم تركب إدى ذلك إلى الاضرار بصاحبها فنزلت: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف﴾ الآية، فرخص الله فيما فيه الضرورة ولم يرخص في الظلم .
стр. 149
قال القاضي ابن العربي ﵀:
هذا تهافت من القول في تفاوت من المعنى، لأن الآيات الثلاث محكمات كل واحدة مستقلة بمعناها لا تعارض الأخرى، والظلم معلوم حده وحقيقته وطريقته، وكذلك الإفساد والإصلاح، وكذلك المعروف وقد بينا كل واحد منهما في موضعه، والله يعلمنا ما لم نكن نعلم برحمته فلا يحل لأحد أن يأكل مال أحد ظلما وذلك متأكد من النهي في اليتيم حسب ما سبق بيانه، ولا يحل لأحد أن يفسد على أحد والنهي في الإفساد على اليتيم أشد، والإصلاح محمود شرعا وفي مال اليتيم ومعه أوكد والله أعلم.
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ آيات الفرائض: قال بعضهم هي منسوخة في الكوافر إذ قال النبي ﷺ : لا يرث المسلم الكافر .
قال القاضي ابن العربي:
لا يقال في هذا نسخ وإنما هو تخصيص للعموم، وكذلك قال أهل التحقيق من علمائنا، ومن متحققي المتأخرين من قال: إن الكافرين لم يدخلوا تحت هذا الخطاب قط لأن قطع المواريث وإيجاب السهام صلات بين المسلمين ولا صلة بين المسلم والكافر ولا موالاة فلا يدخلون في ذلك، وقد حققنا، هذا المقصد في أصول الفقه.
الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ إلى قوله سبيلا ﴿رحيما﴾ ذكر علماؤنا فيها أربعة أقوال:
стр. 150
الأول: أن قوله تعالى: ﴿واللذان يأتيانها﴾ نسخت قوله: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾ ثم نسخ ذلك بالجلد والرجم.
الثاني: أن الحبس للثيب والأذى للبكر ثم نسخ ذلك. قاله قتادة واختاره الطبري.
الثالث: أن الآية الأولى للنساء والثانية للرجال، وهو قول مجاهد وروى عن ابن عباس.
الرابع: الآية الأولى منسوخة بحديث عبادة والثانية منسوخة بآية النور.
قال القاضي ابن العربي ﵀:
هذه الآية عضلة بجميع متعلقاتها ونحن نشرح القول فيها شرحا كافيا بعون الله إن شاء الله فنقول: لو صح نقل صريح كيف كانت الحال في الزناة قبل البيان للحدود لكنا على صبر أمر يحلو لنا ورده ويشتد عقده بيد أن الحال فيها مجهولة وإنما أخذت بالظنون، بدليل اختلاف السلف على قرب عهد الأولية في الدين، ولو كنا مفتقرين إلى ما كانت عليه الحال قبل بيان الحدود لأسفنا أن يفوتنا بيان ذلك، فأما ونحن غير مفتقرين إلى معرفة ذلك في ترتيب حكم أو إثبات معنى فلا معنى لتعب القلب في البحث عنه، وهذا نموذج نفيس فيما يفتقر إليه الطالب لمسالك الإجتهاد، إنما المشكل الذي يفتقر إلى بيانه حديث عبادة قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة
стр. 151
والرجم، فاقتضي مطلق هذا القول أن البكر إذا زني بالبكر جلد مائة، والثيب إذا زني بالثيب رجم، وبقي زنا البكر بالثيب أو الثيب بالبكر مفهوما من متضمن اللفظ فإن البكر بالبكر يجلد مائة لأنه بكر والثيب بالثيب يرجم لأنه ثيب فإذا وجد ثيب ببكر أخذ كل واحد حكمه ولم يتغير بما اقترن به وهذه قوة لفظية عربية فهمتها الصحابة بالفصاحة. وقد قال بعضهم إن الحكم الذي كان للزناة كان ممدودا إلى غاية فبينت السنة تلك الغاية وهي السبيل، ولا يكون النسخ في حكم بينت نهايته ومد إلى غاية ثباته، فإن قيل هذا حكم كل منسوخ بأن يمتد، إلى غاية، ثم يبين انقطاعه. قلنا هذا الذي ذكرتموه في حكم كل منسوخ مستفاد من الدليل، وهذا الحكم في هذه الآية مستفاد من اللفظ وإنما المعتمد في ذلك على اللفظ ألا ترى أن النسخ هو تخصيص الأزمان كما أن المخصوص تخصيص الأعيان وحكمهما مختلف لاختلاف اللفظ والدليل؟
قال القاضي ابن العربي ﵁:
كل حكم من الشريعة معرض في حياة النبي للزوال جائز عليه فيها النسخ، وإنما يرتفع هذا التجويز بموت النبي ﷺ فلا فرق في هذه الحقيقة بين أن يكون الحكم إلى غاية أو مطلقا، وإنما انتفى في الغاية حكم النسخ إذا كانت بيانا لمقدار الحكم كقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾.
فإن هذا بيان لمقدار العبادة فإنه قال: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ فصار حكم الفطر والصوم مقدرين بما حد فيهما، وكذلك قال تعالى: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ حسب ما بيناه فجعل التحريم مقدرا. فأما قوله تعالى: ﴿أو
стр. 152
يجعل الله لهن سبيلا﴾ فليس بمقدار للحكم وإنما هو خبر عما كان يجوزحكمه ويثبت علمه لو لم يعلمه، والله أعلم. فإن قيل فقوله تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ ليس موضوعا لمقدار العبادة وقد قلتم: إنه ليس بنسخ: قلنا كان هذا امرًا منتظرا متوقعا، موعودا به قد جاءهم الله في مواضع منها قوله: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾ ومنها قوله هنا: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ ثم أنجزه بقوله: ﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم﴾ الآية.
وهم: قال بعض الناس الحبس منسوخ بآية الرجم ثم نسخت آية الرجم لفظا وبقي حكمها علما، روى عن عمر ﵁ أنه قال: (لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت على حاشية المصحف) الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فإنا قرأناها على عهد رسول الله ﷺ .
تنبيه: قد بينا أن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد في ذاته ولا يثبت به غيره فلا وجه للتعلق به إذ طريق القرآن النقل المتواتر به صحت المعجزة وقامت لله الحجة.
تكلمة: ليس في الآية إشكال لا فيها ولا في دليلها حسب ما أشرنا إليه وإنما وقع النسخ في الحديث المتعلق بها إذ قال في حديث عبادة (خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم).
стр. 153
فجمع للثيب بين الجلد والرجم، ثم إنه ﷺ رجم ماعزا من أسلم والعامرية والجهنية وغيرهم ولم يجلدوهم. وما روى عن علي ﵁ أنه جلد شراحة الهمذانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال: رجمتها بكتاب الله وجلدتها بسنة رسول الله، فيحتمل أن يكون رجمها يوم الجمعة ثيبا وقد كان جلدها يوم الخميس بكرا. وقد خالف لعلي عمر. وحديث النبي وفعله أولى من فعل علي فهذا نسخ خبر بخبر وسنة بسنة وفعل بقول وقد قال النبي ﷺ في حديث العسيف، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها وذلك بين، والله أعلم
فإن قيل: وكيف ينسخ الفعل القول ولا معارضة بينهما، قلنا قد تكلمنا في أصول الفقه على مسألة تعارض الأقوال والأفعال وبينا أن الحكم إذا اختلف من قول
стр. 154
النبي وفعله في نازلة واحدة فإنه تعارض يقضي بآخره على أوله لا سيما إذا تكرر ذلك من خلاف الفعل للقول فإنه أقوى وأولى، وقد قال النبي ﵇ إن حد البكر جلد مائة وتغريب عام وإن حد الثيب جلد مائة والرجم، ثم لم يحكم بالرجم على أحد إلا ولم يجلده فدل على أنه حكم مرتفع.
الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار، أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما﴾ .
قال بعضهم: روى أنه قيل للنبي ﵇ ما حد التائبين؟ قال من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته. ثم قال: ألا وإن ذلك لكثير، من تاب قبل موته بنصف سنة تاب الله عليه، ثم قال: ألا وإن ذلك لكثير، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه. ثم قال: ألا وإن الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه، ثم قال: الا وإن ذلك لكثير، من تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته، ثم قال: ألا وإن اليوم كثير، من تاب قبل موته بساعة؛ تاب الله عليه، ثم قال: ألا وإن ذلك لكثير، من تاب قبل أن يغرغر؛ تاب الله عليه. ثم تلا قوله تعالى: ﴿ثم يتوبون من قريب﴾ كل ما كان قبل الموت فهو قريب". فكان في هذه الآية عاما ثم احتجر التوبة ف الآية الأخرى فصارت ناسخة لبعض حكمها في اهل الشرك ثم قال: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما﴾ فنسخت لأهل الشرك وبقيت محكمة في أهل الإيمان.
وقال قوم قوله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات﴾ الآية منسوخة على أهل التوحيد بقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن
стр. 155
يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فحرم المغفرة على أهل الشرك وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته.
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
ذكر المفسرون في هاتين الآيتين أقوالا مختلفة. أما الآية الأولى وهي قوله ﴿ثم يتوبون من قريب﴾ ففيها ثلاثة أقوال:
الأول: ثم يتوبون في صحتهم.
الثاني: قبل المعاينة لملك الموت.
الثالث: قبل الموت.
وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وليست التوبة﴾ فقيل إنها في غضاة المسلمين وقيل في المنافقين والكافرين، وهذه الأقوال التي ذكرت في معنى النسخ مع أتبعناها به في معنى التأويل قاصرة عن المراد فاسدة في العمل والاعتقاد. وتحقيق القول فيه إن شاء الله أن الله تعالى نصب الأدلة على المعرفة وشرع التكليف للتعبدات وأوعز بذلك على ألسنة الرسل وغيرهم وآخرهم محمد ﷺ فبشر به وأنذر ونهي وأمر وتوعد وألزم والتزم، وسبق في علم الله وحكمه أن الخلق يتقاعدون عن القبول ويتعامون عن الدليل ففسح لهم في المهل وأرخي لهم الطول وأعلمهم بأقالة العثرة لمن كبا وبقبول التوبة لمن خالف وأبى، وجعل مدة قبول الإنابة وصحة التوبة مدة الدنيا، فقال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك، يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ فأخبر الله تعالى ان الإيمان لا ينفع ولا كسب الخير معه لا ينفع إذا ظهر بعض آيات الله، يعني المؤذنة بانقراض الدنيا وبين ذلك في الحديث الصحيح من طريقين: أحدهما من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة عن النبي ﵇، قال: (ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: الدجال،
стр. 156
والدابة، وطلوع الشمس من مغربها) أخرجه مسلم، وغيره. والثاني من طريق مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : منتاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه، وروى زر عن صفوان بن عسال حديثه في المسح على الخفين والهوى قال زر: فما زال يحدثني حتى حدثني أن الله تعالى جعل بابا بالمغرب عرضة مسيرة سبعين عاما للتوبة، لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله وذلك قوله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها﴾ وهذا حديث صحيح غريب. وكانت الحكمة في ذلك أن الله إنما وعد الثواب للذين يؤمنون بالغيب فمن تاب من كفر أو ذنب في غيب من أمر الاخرة قبل ذلك منه، ومن شاهد أمر الآخرة ولم يكن مؤمنا بالغيب فلا يستحق عليه ثوابا وينفذ فيه حكم المقدار. والمعاينة العامة لجميع الخلائق بظهور الآيات، والمعاينة الخاصة ظهور من يقبض الروح للعبد، فبين الله هذا في هاتين الآيتين بيانا شافيا فقال إنما التوبة المضمونة على الله يعني قبولها بوعده الصادق لمن تاب من قريب يعني من وقت القبول فأولئك يتوب الله عليهم أي يقبل توبتهم، والباري سبحانه هو التواب أولا بخلق التوبة وثانيا بقبولها، ثم بين وقت القبول العام لجميع الخلائق وهو إلى ظهور الآية حسب ما أشار إليه في القرآن مجملا وفي الحديث مفصلا، وبين ها هنا وقت القبول الخاص بكل إنسان قبل ذلك الوقت وهو إلى حضور الموت بمشاهدة الملك القابض للنفس ويعبر بالموت عن سببه كما قال:
стр. 157
يا أيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذا الصوت
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا ... قولا يبن لكم أني أنا الموت
فإذا كان كذلك لم تقبل توبة عاص ولا قبلت توبة كافر وهؤلاء أعد الله لهم العذاب الأليم. فإن قيل فالمعاصي يعذب العذاب الأليم، قلنا هذا عموم في العصاة والكفار لكن خصصته آية المغفرة في قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وخصصته أحاديث الشفاعة على ما بيناه في كتب الأصول وشرح الحديث وهذا غاية في البيان ليس وراءها مرمى للأذهان، والله أعلم.
وبعد هذا فاعرض ما سبق من الأقوال للطائفتين النسخة والمفسرة، تر من التقصير ما لا يخفى على بصير والحمد لله الذي علم.
وأما الحديث الذي أوردوه في تقدير آماد التوبة من سنة إلى ساعة فضعيف، وكذلك حديث يقبل الله توبة العبد ما لم يغرغر، ضعيف ومعناه صحيح ولا يغرغر حتى يعاين جذب الملك لروحه أو سلها من بدنه على حال الرفق أو العنف في الإيمان أو الكفر وعلى صفة الرضي أو الغضب.
وأما من قال: إن قبلو التوبة مشروط بالصحة فقول مردود بإجماع الأمة، وأما من قال إن الآية الآخرة نزلت في الكافرين والمنافقين فهو تحكم بغير دليل فلا يلتفت إليه. بلى إن التوبة مع القدرة والصحة أكمل وأفضل من التوبة مع المرض والمعجزة وذلك مبين في شرح الحديث والله الموفق.
الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين
стр. 158
بفاحشة مبينة﴾ قال بعضهم عن عطاء: هذا منسوخ بالحدود فإن الرجل إذا تزوج بالمرأة فأتت بفاحشة كان له أن يأخذ منها ما ساقه إليها.
قال القاضي ابن العربي:
قد شرحنا في سورة البقرة موقع هذه الآية ومعناها وهو أن المعنى فيها: لا يحل لأحد أن يكره امرأة على الحبس دون نكاح حتى يأخذ مالها، أو كانت زوجة لا غرض له فيها فلا يحبسها قسرا لتفتدي منه إلا أن يطلع منها على فساد فراشه أو تسيء عشرته فجائز له أن يتمسك بها حتى تفتدي منه، وبيانها على التمام في الأحكام، والله أعلم.
الآية العاشرة: قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤك من النساء إلا ما قد سلف﴾ قال بعضهم: الناس قائلان: قالت طائفة هي محكمة وقيل هي منسوخة. فمن جعلها محكمة قال: معناها لكن ما سلف فقد عفوت عنه، ومن قال إنها منسوخة، قال: يكون معناها ولا ما قد سلف فأنزلوا عنه، وعلى هذا القول العمل .
قال القاضي محمد بن العربي:
هذه الآية لا نسخ فيها بحال لأن الاستثناء لا يكون نسخا كما قدمناه فيما قررناه وإنما يكون النسخ بشروطه التي فصلتها. وإنما إشكالها من طريق الأحكام في ثلاثة مواضع:
الأول: قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا﴾.
الثاني: قوله تعالى: ﴿ما نكح آباؤكم﴾.
الثالث: قوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ وهو أشكلها لأجل أنها استثناء لا يظهر وجهه بداهة النظر حتى تنضجه نار الفكر وتنقده يد الاعتبار والسبر. وقد قال علماء هذا الفن: إن معناه إلا ما قد سلف فإنه عفو لكم وأنتم غير مؤاخذين به
стр. 159
وليس هذا بمنعطف على ما تقدم لأن استثناء الماضي من المستقبل محال والنهي عن المستقبل محال والنهي عن الماضي محال فوجب أن يكون النهي في قوله: ﴿ولا تنكحوا﴾ للاستقبال ووجب أن يكون الثنيا في الماضي بنصها في لفظها. ولأجل هذا الإشكال قال المتكلمون في التفسير: هذا استثناء منقطع ولم يلوكوه هذا اللوك ولا لفظوه هذا اللفظ ولا حبروه هذا التحبير. ولقد وهم فيه عالمان في فنين أحدهما القاضي أبو إسحاق في فنه والثاني أبو العباس بن يزيد في فنه وقد بينا ذلك في ملجئه المتفقهة وفي كتاب الأحكام فهناك ترونه إن شاء الله ولكنه في غريب من مقاطع الكلام لتركيب المعنى على المعنى على اللفظ فإن قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ نهي عن النكاح على نحو ما كانت الآباء تفعله والنهي مقتض للقبح المقتضي للاجتناب ولما يلحق في ذلك الأبناء من عار فعل الآباء ومقتهم، قيل فيه تطيبا لأنفسهم ﴿إلا ما قد سلف﴾ فعاد ذلك من الاستثناء إلى ما يتعلق بمعنى اللفظ
تكرمة: وكان ذلك لأجل ما جرى من ذلك في عمود نسب رسول الله ﷺ فإن برة أخت تميم بن مر كانت تحت خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر فخلف عليها ابنة كنانة بن خزيمة فولدت له النضر بن كنانة وغيره من ولده إلا عبد مناة بن كنانة. وكذلك كانت ناجية بنت جرم بن زبان من قضاعة تحت سامة بن لؤي فولدت له غالب بن سامة ثم هلك عنها فخلف عليها ابنه الحارث بن سامة. وكذلك كانت واقدة من بني مازن بن صعصعة عند عبد مناف، ولدت له نوفلا وأبا عمرو فهلك عنها وخلف عليها ابنه هاشم بن عبد مناف فولدت له ضعيفة وخلدة، فأنبأنا الله تعالى أن ما جرى من ذلك لا يذكر قولا ولا
стр. 160
يمثل فعلا لا أنه عفو، بل هو مأخوذ به كل من فعله كائنا من كان، إلا أن يراد بكونه عفوا إسقاط ذكره وامتثال فعله فربما كان ذلك صحيحا وهذا هو مراد العلماء والله أعلم.
وفي ذلك من آيات النبي ﵇ وخصائصه ما أوردناه في كتاب المعجزات، من أن الواقع من ذلك في عمود نسب النبي ﷺ من الآباء، كان ما يتعلق منه بالأبناء ساقطا وإنما وقع في خالفه عمود النسب لا في سالفته، حتى لا يرتقي النبي ﵇ إلى آدم صلوات الله عليه إلا عن صلب نقي ورحم طاهرة، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بن هاشم بن عبد مناف، بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
فالنضر بن كنانة ولد برة بنت مر أخت تميم بن مر هو المقصود بقوله: ﴿إلا ما قد سلف﴾ وغيرها من ناجية وواقدة وما شاكلها تبع لذلك وزيادة عليه، وليس في تزويج من لا يجوز تزويجه درك من عار أو نار إلا من جهة الشرع، فإن العقول لا تحسن ولا تقبح لذواتها وإنما الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه. ولو كان الحسن حسنا لذاته والقبيح قبيحا لذاته لكان الزنا حسنا والنكاح قبيحا والقتل اعتداء حسنا والقتل قصاصا قبيحا، فإن القتل الواقع اعتداء يجانس القتل المستوفي قصاصا في الذات والصفات بدليل أن الغافل عن السبب فيهما لا يميز بينهما وكذلك الزنا والنكاح، مثلهما في ذلك كله، وإنما فرق بينهما في الحسن والقبح الشرع، الأمر والنهي لا الذوات والصفات فدل على أن المعتبر في ذلك الأمر
стр. 161
والنهي فإذا نهي الشرع عما نهي فمن وقت نهيه كان المنهي عنه قبيحا وما وقع قبل ذلك مما لا نهي عنه لا يتعلق به حكم والله أعلم.
الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ قال بعضهم: معناه ولا ما قد سلف ولم يزد على ذلك في آيات النسخ .
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
حرم الله تعالى الجمع بين الأختين مطلقا، وكثير من الناس على كراهة ذلك لم يحرموه، وقال قتادة: إذا أراد أن يطأ الأخرى اعتزل الأولى فإذا انقضت عدتها وطيء الثانية، ويعتقد بقلبه ألا يطأ الأولى.
وقال الآخرون: يخرج الأولى عن ملك ويطأ الثانية.
والصحيح عند المحصلين من أهل العلم أنه إذا وطيء إحداهما لم يحل له ان يطأ الأخرى على حال حتى يحرم الأولى ببيع أو نكاح
وقوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ إخبار عن أن ما سلف من الجمع بين الأختين لم يكن حرامًا إنما كان بشرع مبيح لذلك، وقد جمع يعقوب ﵇ بين أختين: إحداهما راحيل أم يوسف ﵉، وقد وقفنا على قبرها ما بين إيلياء وبين لحم، والثانية أم يهوذا، وقيل غيره .. جينل ﵉، فأنبأ الله تعالى أن ذلك كان على شرع ودين ولم يكن تعديا. أو يكون معناه كما تقدم إلا ما قد سلف فلا ذكر لكم فيه. وليس هذا من باب النسخ في ورد ولا صدر فلا معنى لذكر الآية في عدده وصنفه ولا في تسطيرها في موضعه ورقمه.
стр. 162
وأما قوله: إن معناه ولا ما قد سلف فهو ساقط لغة ومعنى: أما جهة اللغة فلا يصح أن يكون فيها معنى (إلا) معنى (ولا) لتضادهما وضعا وإعرابا، وأما من جهة المعنى فإن قوله: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ معطوف على ما سبق من المنهيات، كلفناه وحملنا عليه، والماضي لا يتعلق به تكليف وكان هذا القول لغوا ساقطا من الجهتين.
الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ قال بعضهم: لولا ما جاء فيه من النسخ لم يكن تحريم سوى ما في الآية، ولكن حرم الله على لسان رسوله من لم يذكر في الآية وذلك تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها، ومن حرم من جهة الرضاع غير الأم والأخت .
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
قد بينا في قسم الأحكام هذه الآية بغاية البيان إملاء في أنواع الفجر وجمعا في الأحكام، وذكرنا خفاءها على العلماء وعلى من تعاطي التفسير في القرآن حتى لقد قال بعضهم: إنه أراد بقوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ القرابة. وقال آخرون: أراد ما دون الأربع وقال ثالثون: أراد ملك اليمين، وهذه كلها أقوال ضعيفة صدرت عن رأي ضعيف. فإن المحرمات في الشريعة أكثر من هذا الذي حصروا وأضعاف ما ذكروا، وليس يقتضي عموم، قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ منع تحريم غيره وتخصيص هذا العموم به كما لم يتقض قوله ﷺ : " لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث" زنا، بعد إحصان، أو كفر، بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس. قتل المسلم بغير ذلك من الأسباب، بل هذا
стр. 163
أولى بتأكيد المنع، لأن ذلك عموم محتمل للتخصيص وهذا نفي وإثبات فيقتضي بظاهره استغراق النفي وتخصيص المنفي، لم لم يمنع ذلك من قتله بغير ذلك من أسباب القتل العشرة التي عددها علماؤنا فكيف يمنع تحريم ما وراء من ذكر من المعينات في هذه الآيات؟ وقد قال لي بعض الجهابذة: إن المعدد في هذه الآية هو الذي تأبد تحريمه لعينه، لا جرم ما وراءه حلال بحال في وقت وعلى وجه، . وهذا كان يحسن لولا أنه تعترض عليه معان: أقواها أن المعين في المعدد من جهة الصهر في الرضاع أم وأخت وقد قال النبي ﷺ في صحيح الحديث (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وهذا عموم في إلحاق فرع الرضاع بأصل النسب لم يدخله تخصيص بحال، وهو مخصص بعموم قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ قطعا في البنت من الرضاع والعمة والخالة وبنات الأخ وبنات الأخت منه، وكانت الحكمة في ذلك على ما سطره (النظار أن أصل التحريم إنما هو في مراعاة البعضية) فمن كان بعضا للمرء حرم عليه نكاحه وللبعضية مراتب قريبة وبعيدة ومتأكدة وضعيفة، وأصل البعضية، ما يختلف من جرم، الرجل وأجزائه وهو ماؤه، وفرعها ما ينشر من الارتضاع لحمه وعظمه، فالمنى سبب وجود أصله واللبن سبب وجود وصفه، وكلاهما بعضية فألحق الشرع الفرع في التحريم بالأصل، ويصح في التدقيق أن يقال: إن ذكر الأم والأخت من الرضاع كاف لإلحاق للفرع في المحرم من اللبن بالأصل من الاستيلاد، فلو لم يبين النبي ﷺ أن الارتضاع يحرم ما يحرم الاستيلاد لاقتضاه ذكر الأم والأخت لما فيه من التنبيه على بعض الأصل في الأم والفرعية في الأخت، والأول أقرب إلى الإفهام وأجرى في مأزق الكلام وأبعد في النظر عن الملام.
تقص واستيفاء: وأما قوله: وذلك تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها فذلك عائد إلى مقصود الزيادة على قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ فإن الله قسم التحريم في هذه الآية إلى ثلاثة أقسام:
стр. 164
الأول: تحريم نكاح في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ وقوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾.
الثاني تحريم العين لذاتها وهو قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ إلى آخرهن.
الثالث: تحريم جمع محللتين وهو قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ ثم ألحق بتحريم العين بسبب نكاح غيرها أعيانا كالخامسة والمتزوجة والمستبرأة وما يشاكل ذلك. وألحق بالجمع بين الأختين ما روى في الحديث الصحيح الذي أخرجه الأئمة: مالك والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهي عن اربع نسوة أن يجمع بينهن المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵀ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تنكح العمة على ابنة الأخ ولا ابنة الأخت على الخالة) وفي كتاب أبي داود والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها، لا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى". وهذا الاختلاف آت في سياق الحديث مما يحتمل أن يكون أبو هريرة ﵁ سمعها في أوقات مختلفة فنقل لفظ كل وقت، أو سمع ما فهم منه ما اختلفت عبارته عنه، ونقله لما فهم بما يرى من العبارة جائز عند أكثر العلماء وبه أقول. ولكن للصحابة
стр. 165
خاصة، فأما من سواهم فلا يجوز له نقله على المعنى، لأن العيان له معنى في فهم المسموع بقرائن الأحوال والأقوال لا يلحق غير الشاهد فيها بالشاهد أبدًا. ولذلك لم يكن الخبر كالمعاينة، ولذلك أنشدنا القاضي المرشد النسوي، بالمسجد الأقصى طهره الله.
لئن أصبحت مرتجلا بشخصي ... فروحي عندكم أبدًا مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم
والمقصود من هذا أنه قد التحق بالجمع المحرم في القرآن جمع محرم بالسنة ولم يكن هذا نسخا ولكنه تخصيص لعموم قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ وأما المعدد المعين المحرم لذاته فقد وقع مستوفي في الكتاب العزيز فلم يلتحق به سواه، وقد استوفينا ذلك بتفصيله في الأحكام والحديث والفقه بما يراه الراغب فيه هناك إن شاء الله تعالى.
تفريع: ومما يلحق بهذا المنصوص عليه في الحديث، الجمع بين العمتين، والجمع بين الخالتين، والجمع بين العمة، والخالة فإنه محرم أيضا وحقيقته في الأولى وهي العمية بأن يتزوج أم رجل ويتزوج الآخر أمه ويولد لكل واحد منهام ابنة فابنة كل واحد منهما عمة الأخرى.
وفسره أن يتزوج بشر بن الخنساء الشماء أم يزيد، ويتزوج يزيد بن الشماء أم بشر فتلد الشماء من بشر البيضاء وتلد الخنساء من يزيد الرباب فكل واحدة منهما عمة الأخرى وهذه صورته:
الخنساء أم بشر الشماء أم يزيد
أبو البيضاء من الشماء، أبو الرباب من الخنساء.
стр. 166
وحقيقته في الثانية وهي الخالية أن يتزوج رجل ابنة رجل ويتزوج الآخر ابنته ويأتي لكل واحد من زوجه بنت، فكل واحدة منهما خالة الأخرى وفسره أن يكون لخالد ابنة تسمى سعاد فيتزوجها بكر فتلد له بثينة. ويكون لبكر بنت اسمها أمامة فيتزوجها خالد فتلد له بنتا تسمى ليلى، فإن كل واحدة منهما خالة الأخرى، وهذه صورته:
خالد
سعاد ابنة خالد زوج بكر
أم
بثينة
==
بكر
أمامة بنت بكر زوج خالد
أم
ليلى
وحقيقته في الثالثة وهي الجمع بين العمة والخالة، أن يتزوج رجل وابنه امرأتين تكونان بنتا وأما فيتزوج الأب البنت الصغرى ويتزوج الابن الأم الكبرى عكس العادة ويولد لكل واحد منهما بنت، فابنة الأب عمة ابنة الابن، وابنة الابن خالة ابنة الاب.
وفسره أن يكون زيد أبا عمرو وتزوج عاتكة بنت هند، وتزوج عمرو هندا أم عاتكة فولدت عاتكة أسماء وولدت هند زينب، فأسماء عمة زينب لأنها أخت عمرو للأب، وزينب خالة أسماء لأنها أخت عاتكة لأمها، وهذه صورتها:
زيد = أبو = عمرو
عاتكة زوج زيد = بنت = هند زوج عمرو
أسماء بنت عاتكة = زينب بنت هند
من زيد = من عمرو
ولما طال ذلك عليهم بالتفريع والتصوير والدليل، حرروا ذلك عقدا يجمع التأصيل والتفصيل فقالوا: كل امرأتين لو قدرنا إحداهما رجلا لم يجز التناكح بينهما فإنه لا يجوز في الحل جمعهما وأول من نطق بهذا العقد وفصل هذا الحكم سفيان
стр. 167
الثوري ﵁ بعظيم علمه) وقد روي في هذا حديث مرفوع إلى النبي ﷺ عن ابن عباس ﵁ أنه نهي أن يجمع بين العمة والخالة وبين العمتين والخالتين. فقال بعضهم: إن قوله بين العمتين أراد بين المرأة وعمتها وبين الخالتين أي المرأة وخالتها وإن كان هذا بعيدًا من المجاز وتكرارا في اللفظ، وقال بعضهم: أراد به بين امرأتين إحداهما عمة الأخرى والأخرى خالة الأخرى وفسروه بما ذكرناه، والحديث موضوع مركب على التفسير الذي ذكرناه، لا أصل له فلا يعول عليه إلا من ليست له بصيرة في الآثار بالزيف المردود من المختار، وإنما ركب العلماء هذا كله على قوة لفظ الذي أوتى جوامع الكلم صلوات الله عليه وسلامه في قوله: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها" وهذا بقوته في التقدير يعطي ما أشرنا إليه من التصوير، ويشهد له عند العلماء ما شببوا به من التعليل في أن المراعي في ذلك تقطع الأسباب بين القرابات بالاجتماع في الغيره على الأزواج، وأعطيت الزوجة في ذلك فضل منزلة على زوجها في لحاقها به، حين حرم عليه عين بنت الأخ وعين بنت الأخت فصينت المرأة عن مشاركة بنت اختها وأخيها لها نوعا من الإلحاق به. وهذا كله من باب التخصيص والتعليل ليس للنسخ فيه مجال، وقد أفضنا فيه نفسا واضأنا عليه قبسا يبصر به ذو البصيرة ما وراءه، والله أعلم.
الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾ .
стр. 168
قال القاضي محمد بن العربي:
هذا حكم من آية أفردناه للاختلاف في العدد ولكونه خارجا عما تقدمه من المعنى. وقد قال قوم إن هذه الآية منسوخة. وقال قوم هي محكمة. والذين قالوا إنها منسوخة قالوا إنها نسخها ثلاث آيات: آية الطلاق في قول، وآية الميراث في آخر، وآية حفظ الفرج في آخر وهو قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ وهذه ليست بزوجة ولا ملك يمين فوجب حفظ الفرج عنها قالها الشافعي. ومن جعل الطلاق والميراث ناسخا نزع بأن نكاح المتعة ساعة أو يوما أو شهرا ليس فيه طلاق ولا ميراث، وإنما ينقطع بمضى المدة. وقد قال أبو إسحاق القرطبي من علمائنا: إن الذين أجازوا نكاح المتعة من الصحابة رضوان الله عليهم: جابر بن عبد الله، وزيد بن ثابت وأبو مسلم سلمة بن الأكوع الأسلمي وعمران بن الحصين، وابن عباس وابن مسعود ومعاوية ﵃. ومن التابعين عطاء وطاوس وسعيد بن جبير وجابر بن زيد.
стр. 169
قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵁:
وقد روي ذلك عن أبي بن كعب قال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفا وقال هذه قراءة أبي ومصحفه، فقرأت: ﴿فما استمتعتم به منهن إلى أجل فأتوهن أجورهن فريضة﴾ وكذلك روى أنه قرأ بها ابن عباس. وقد بينا في غير موضع أن هذه الرواية ضعيفة وأن القراءة شاذة لا تعتبر في رسم ولا يبنى عليها حكم. وإنماشغف بها الذين أرادوا الاشتغال عن التفقه في القرآن بحروفه الصحيحة، فما أقنعهم ذلك حتى صور عليهم من لا يتقى الله كل ما يجوز في اللغة. وقد كان ذلك جائزا حياة النبي ﷺ على ما بيناه في المشكلين وغيره، عند الأكثر. فأما وقد استقر القرآن بنقل الصحابة أجمعين لفظا وكتبهم خطا فما وراء ذلك مطرح قرآنا وحكما بما حفظ الله علينا كتابنا وفضلنا به على جميع الأمم، وقد كنت أيام الطلب جمعت من ذلك عظيما وياليتني أفنيت الزمان في غيره وتركته ولكن الرشد لا يتبين ببادي الرأي لكل أحد حتى تحكمه المعرفة وتحنكه التجربة.
وأما ما ذكره القرطبي وغيره عن الصحابة رضوان الله عليهم فلقد كان نكاح المتعة فيهم فاشيا جائزا ثم نسخ. وأمر نكاح المتعة من غريب الشريعة فهو من ناسخ الحديث ومنسوخه لا من ناسخ القرآن ومنسوخه، فإنه ليس له في القرآن ظاهر يعول عليه، وخذ هذه الآية مثلا في التبين فإن قوله تعالى في القرآن: ﴿فما استطعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾ لا يقتضي جواز التأجيل وإنما فيه ذكر الاستمتاع والأجر من المرأة مطلقا لكن على سبيل النكاح وله شروط شرعية قد استقرت فيه وانتظمت به قرآنا وسنة. فأما شأنها في
стр. 170
الحديث فقد كانت المتعة في النكاح الأجلي مباحة صدر الإسلام ثم نسخت يوم خيبر بالحديث الصحيح، ثم ثبت بالحديث الصحيح أن النبي ﵇ أباحها في غزوة حنين ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ حرمها بعد ذلك. فروى الأئمة مسلم والنسائي وغيرهما أن سبرة الجهني كان مع النبي ﷺ يعني غزوة أوطاس فقال: (يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في المتعة بالنساء وإن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا) وقد بينا ذلك في شرح الحديث بيانا مرتبا شافيا فلينظر هنالك إن شاء الله، والذي يصح أن يقال فيما تقدم من قول المفسرين أن المراد بهذا الاستمتاع استمتاع وقع فيه الميراث وانتظم به الطلاق. فأما أن يكون ذلك نسخا فليس بصحيح وإنما هو بيان للمراد به. وقد أجمعت الأمة على تحريم نكاح المتعة بعد موت النبي ﷺ ، وهذا يدل على أنه أمر ثابت عنه ﷺ دينا
стр. 171
أو نقلا. حتى لقد بالغ في ذلك العلماء منهم مالك قال: لا يجوز نكاح المتعة بالنية مثل أن يتزوج الرجل المرأة يقصد بذلك في نفسه مدة وإن لم يتلفظ بذلك في قوله وأجازه سائر العلماء. وعلى هذا النية هو نكاح المسافرين في بلاد الغربة فإنهم لا يقصدون به الأبدية وإنما هو للعصمة مدة إقامتهم. وعندي أن النية لا تؤثر في ذلك. فأما لو ألزمناه أن ينوي بقلبه النكاح الأبدي حتى لا مثنوية فيه لكان نكاحا نصرانيا، فإذا سلم لفظه لم تضره نيته. ألا ترى أن الرجل يتزوج على حسن العشرة ورجاء الأدمة فإن وجدها وإلا فارق؟ كذلك يتزوج على تحصيل العصمة فإن اغتبط ارتبط وإن كره فارق، والله أعلم.
الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ الآية. قال بعضهم هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم﴾ فأباح الله لك أن تأكل من مال غيرك من قريب أو صديق، وروى مثله عن ابن عباس ﵄ .
قال القاضي ابن العربي:
قد بينا أن الباطل هو الذي لا يفيد شيئا فالعدم باطل حقيقة لأنه لا يفيد شيئا شرعا. وما لا يفيد شيئا شرعا فهو باطل، فنهى الله الخلق عن أن يأخذوا من أحد على وجه لا يجوز من التعدي عليه ابتداء أو من التسبب إليه بما لا يحلله الشرع ولا يعززه وإن طابت به أنفسهما معا. فالمقصود في
стр. 172
هذه الآية نهي الناس عن اخذ مال الغير بغير إذنه إلا بمعاملة يرتضون بها. كما نهى في سورة البقرة من أن يأخذ مال الغير بغير إذنه بما لا يجوز ثم إنكار ذلك عند الحكام عند المرافعة والطلب، وإنما كان يصح ما زعمه هذا القائل لو كان معنى قوله بالباطل بغير إذن خاصة، وبشرط أن تكون تلك الآية في النور نزلت بعد هذه في النساء. وقد قال قوم إن آية النور منسوخة بهذه. ولما لم يعلم التاريخ أستوي القولان. والتحقيق أن هذه الآية جاءت لبيان التجارة، ونفي أكل مال الغير بالشرع مأخوذ من أدلة أخر ليست هذه الآية في التي في النور منها في ورد ولا صدر. منها قوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ وقوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون، قل العفو﴾ وقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ وقوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ وأمثاله وتمام الكلام تراه في سورة النور، إن شاء الله تعالى.
الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ قال بعضهم: حرم الله الخمر على الناس في أوقات الصلاة، ثم نسخ ذلك بآية المائدة، وقال آخرون: نسخها ما روى النسائي عن ابن عباس أنه نسخها قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ لأنهم أمروا بأن لا يقربوا الصلاة وهم سكارى ،
стр. 173
ثم أمروا بالصلاة، وإن كانوا لا يعقلون ما يقرؤون وما يفعلون فعليهم الإعادة، وإن كانوا يعقلون صلوا، وهذا قبل التحريم فأما بعد التحريم فينبغي أن لا يشربوا فإن شربوا فالحكم في الصلاة واحد إلا في المضمضة من المسكر لأنه لما حرم صار نجسا.
وقال الضحاك، وغيره: أراد وأنتم سكارى من النوم.
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
أما هذه الآية فلا يصح نسخها بحال لأن التكليف مقرون بصحة العقل، والصلاة من أجل وظائف التكليف فلا يمكن إقامتها إلا مع وجود العقل الذي يرتبط معه الأقوال والأفعال وينعقد بالنيات والمقاصد، ومن أصاب أقل من ذلك مما يشغل البال ولا يذهب التحصيل كالغثيان والقرقرة والحقنة، لم تجز الصلاة معه. فكيف بما يذهب أصل التحصيل؟ وقد روى جماعة واللفظ للترمزي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، قال فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
وكان هذا إبان حلت الخمر فلما حرمت بقي النهي عليها، في هذه الآية واشتد أصل النهي بما زاد من تحريم شربها في كل الأحوال. فالتحريم عضد هذا النهي ولم ينسخه.
стр. 174
وأما من قال إنه نسخها آية المائدة فقول ضعيف جدًا لأنا قد بينا مما لا يخفى على أحد أن أقوى شروط النسخ أولاها أولها المعارضة ولا معارضة في آية المائدة وهي قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ وبين هذه الآية التي نحن فيها، في شيء بحال، وهذا مما لا يفتقر إلى بيان، وأما قول الضحاك وأنتم سكارى من النوم، فبعيد لفظا صحيح معنى: أما بعده من جهة اللفظ فلأن النائم لا يسمى سكرانا. وأما صحته من جهة المعنى فلأن سبب الآية ما بيناه من أن النهي إنما وقع عن سكر الخمر.
تكملة: قال أصحاب الشافعي: المراد بهذه الآية لا تقربوا موضع الصلاة يعني المسجد، وهي مسألة اختلف فيها الصحابة ﵃ فمنهم من أضمر هذا ومنهم من حمله على ظاهر الآية وقد بينا ذلك في كتاب الأحكام وفي مسائل الخلاف، والذي يتعلق بقسم النسخ الذي نحن فيه الآن أن القول بالنسخ لا يتصور فيها كان المراد به نفس الصلاة أو موضعها حسب ما أشرنا إليه والله أعلم.
الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم﴾ إلى قوله بليغا. قال بعضهم: هذا مؤخر ومقدم تقديره فعظهم وأعرض عنهم، وقل له، ثم صار ذلك كله منسوخا بآية السيف .
стр. 175
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
تحصيل معنى هذه الآية يتبين في مأخذين من النظر: المأخذ الأول في معناها المطلق وهو أن الآية نزلت في المنافقين، وفي سبب نزولها قولان: أحدهما أن منافقا لم يرض بحكم النبي فقتله: عمر، فجاء أولياؤه طالبين لدمه، ثم حلفوا ما أردنا بالمطالبة بدمه إلا إحسانا إلينا وما يوافق الحق في أمرنا. القول الثاني: (أنهم لما طلبوا القود) من صاحبهم اعتذروا إلى رسول الله ﵇ في المحاكمة إلى غيره، في قصة طويلة دخل في ذكر بعضها اليهود فقالوا ما أردنا في العدول عنك إلا توفيقا بين الخصوم وإحسانا في الحكم دون الحمل على مر الحق، فقال سبحانه لرسوله: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم﴾ يعني من النفاق. فلما جمع الله بين الإعراض عنهم والوعظ لهم وهما يتنافيان في الظاهر تكلم في ذلك علماؤنا على خمسة أقوال:
الأول: أن فيه تقديما وتأخيرا معناه، فعظهم وأعرض عنهم
الثاني: معناه أعرض عنهم بالعداوة لهم وعظهم.
الثالث: أعرض عن عقابهم إلى وعظهم.
الرابع: أعرض عن قبول الأعذار منهم وعظهم.
الخامس: أعرض عنهم بعدم المبالاة بعلمك بهم وعظهم بلسانك لهم. والتحقيق فيها أن الله تعالى أمره ﷺ بدعاء المنافقين إلى الدين ووظائفه والإعراض عما يرى من ردهم وإبايتهم، حتى لا يكسله ذلك عن دعائهم ولا يزهده في ترغيبهم، وقوله تعالى: وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾، يعني وعيدهم بالقتل إن أظهروا ما يضمرون أو الزجر بأبلغ وجوهه.
المأخذ الثاني: أنكم إذا علمتم أن المراد بالآية المنافقون فإن الإعراض عنهم والصبر عليهم لم ينسخ قط بشيء إلى أن توفي رسول الله ﷺ ولا يجوز نسخ حكم من الشريعة بعد استئثار الله به، فلم يبق لتطرق النسخ إلى هذه الآية وجه، والحمد لله وحده.
стр. 176
الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله﴾ الاية. قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ فقال رسول الله ﷺ : (لأزيدن على السبعين) فنزلت ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ فصار هذا ناسخا لما كان قبله .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
هذه جهالة عظمى. قال الله في المنافقين خصوصا: ﴿لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ وقال في عموم الخلق ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ وقال النبي ﷺ في الصحيح: لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم، ولا خلاف عند الأمة أن هذه حال كل عبد مذنب عظم ذنبه أو صغر كثر أو قل فأما قوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ ﴿وقوله سواء عليهم أستغفرت لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ ﴿وقوله سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ فإنما ذلك بعد الموت فحينئذ لا ينتفع أحد باستغفار له إن كان كافرا بإجماع وينتفع بذلك إن كان مؤمنا مذنبا عند أهل السنة. وآية النساء هذه إنما نزلت في عبد الله بن أُبي بن سلول
стр. 177
وصنفه، حين سأل أن يستغفر له بعد موته، ونعلقه في ذلك بما سبق من استغفار إبراهيم ﵇ لأبيه وقد بينا ذلك في كتاب الأحكام.
الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا﴾ قال بعضهم الثبات الصف المتفرقون، صارت الآية التي في سورة التوبة ناسخة لها، وهي قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم﴾ .
قال القاضي محمد بن العربي:
قوله تعالى: ﴿فانفروا ثبات أو انفروا جميعا﴾ يقتضي بمطلقه أن يخرج الناس معا أو متفرقين كيفما تيسر لهم وليس فيه خروجهم بكليتهم حتى ينسخه ما يقتضي خروج بعضهم وإنما فيه خروج أصلي، فأما قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ فقد بيناه في موضعه.
الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾ نسخها في رأي بعضهم آية السيف .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
اختلف المفسرون في هذه الآية على أربعة أقوال: الأول أنها نزلت في قوم من الصحابة استأذنوا النبي ﵇ في قتال المشركين، وهم بمكة فلم يأذن لهم، فلما كتب عليهم القتال، وهم بالمدينة قال فريق منهم ما ذكره الله عنهم، روى عن ابن
стр. 178
عباس، وقتادة، وعكرمة، والسدي، وقد أسنده بعضهم عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحابه أتوا النبي ﷺ فقالوا: كنا في عز ونحن مشركون، فلما أسلمنا صرنا أذلة. فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا. فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال كفوا فنزلت الآية.
الثاني: قال مجاهد نزلت في اليهود.
الثالث: قال الحسن المراد بها المؤمنون والإشارة بهذا إلى ما طبع عليه البشر من خافة الموت وتقية الحرب قاله الحسن.
الرابع: أنها نزلت في المنافقين.
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
هذا منتهى الأقوال: وهي كلها محتملة، خصص المراد منها بقوله تعالى: ﴿إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾ إلى قوله: ﴿من نفسك﴾ وليس هذا من كلام أحد من الصحابة ﵃، وإنما هو من كلام المنافقين أو اليهود. والأول أصح وأقرب إلى مساق الكلام، وليس للكفار فيها مدخل، بين الله فيها حال المبادرة إلى الأمر والوقوف عند الطاعة فمن يطع الرسول فقد أطاع الله كما قال ﷺ : (من أطاع أميري فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله ومن عصى أميري فقد عصان ومن عصاني فقد عصى الله) ومن تولى عن الطاعة بعذر أو إلى المعصية بإفصاح فلست يا رسول الله حافظا إنما أنت رسول مبلغ (والحافظ هو المانع عن الشيء) والمحصي له حسب ما بيناه في
стр. 179
الأمد الأقصى، وليس النبي بمانع من المعصية ولا ذلك في قدرته. وإنما هو لله وحده، وليس هو أياض بمحص للاعمال إنما المحصي لها خالقها سبحانه، وإن كان في إقامة الحدود نوع من المنع عن المعاصي ولكنه ﷺ ، كما قدمنا أمر بالاعراض عن المنافقين وقبول المعذرة منهم. وترك العقوبة لهم، ذلك قوله تعالى بعد ذلك ﴿فأعرض عنهم﴾ في الآية الموفية عشرين وليس بمنسوخ كما قدمناه بل كان باقيا إلى استئثار الله برسوله ﵇.
الآية الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك﴾ قال بعضهم نسختها آية السيف .
قال القاضي ابن العربي ﵀:
هذه غباوة. إن الله تعالى لم يقل، فقاتل في سبيل الله لا تكلف أحدا القتال إلا نفسك فحينئذ كان يمكن لمقصر أن يقول: نسختها آية السيف. ولا يتفوه به محقق. فأما وقد قال تعالى: ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾ فقد علم كل أحد أن المرء لا يكلف إلا فعل نفسه ولا يكلف أحد فعل غيره، لا النبي ولا سواه، لا يجوز ذلك عقلا ولا شرعا، ومعنى الآية ظاهر لكل ذي تأمل صادق صاف: يا محمد قد أمرناك وأمرنا الناس بالقتال ودعوناهم إلى الإجابة وامتثال الأمر بالطاعة فقاتل أنت في سبيل الله، لا تكلف إلا فعل نفسك، وحرض المؤمنين فليس لك إلا دعاؤهم إلى مجاهدة الكفار ووعدهم ووعيدهم. فأما كفاية الأعداء فعسى الله أن يكف بأسهم والله أشد بأسا وأشد تنكيلا.
стр. 180
الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿ستجدون آخرين﴾ الآية. قال بعضهم نسختها آية السيف .
قال القاضي محمد بن العربي:
هذه غفلة ظاهرة. كيف يقول الله ﴿ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها، فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم، ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ وهذا نص في القتل إن لم يجيبوا إلى ما طلب منهم من العزلة وإلقاء السلم فأي نسخ ها هنا؟ وهذا حكم جميع الكفار، وإنما يبقى هنا أن دليل الخطاب في هذه الآية يقتضي أن من اعتزل وألقى السلم لم يقاتل. وإنما يحكم بالدليل ما لم يقترن به نطق، وقد زال النطق بهذا الدليل في الآيات كلها فلم يكن لذكر هذا وجه. وقد بينا في أصول الفقه دليل الخطاب ومعناه وحكمه المفيد له. ونظيره الذي يكشف لكم قناعه أن النبي ﷺ لما قال: في سائمة الغنم الزكاة، وسكت عن المعلوفة صار الحكم في المعلوفة دليل الخطاب، اختلف الناس فيه، فقال بعضهم: لا زكاة في المعلوفة لتخصيص النبي السائمة بالذكر. وقال آخرون: في المعلوفة الزكاة بما اقتضاه من الأدلة المذكورة في مسائل الخلاف، ولو قال ﷺ لا زكاة في المعلوفة والزكاة في السائمة، لسقط التعلق بالدليل لوجود النطق به.
الآية الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ قال بعضهم نسخها: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ .
следующие страницы →