← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133367

الناسخ والمنسوخ - ابن العربي

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (413 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله﴾ الاية. قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ فقال رسول الله ﷺ : (لأزيدن على السبعين) فنزلت ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ فصار هذا ناسخا لما كان قبله . قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذه جهالة عظمى. قال الله في المنافقين خصوصا: ﴿لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ وقال في عموم الخلق ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ وقال النبي ﷺ في الصحيح: لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم، ولا خلاف عند الأمة أن هذه حال كل عبد مذنب عظم ذنبه أو صغر كثر أو قل فأما قوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ ﴿وقوله سواء عليهم أستغفرت لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ ﴿وقوله سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ فإنما ذلك بعد الموت فحينئذ لا ينتفع أحد باستغفار له إن كان كافرا بإجماع وينتفع بذلك إن كان مؤمنا مذنبا عند أهل السنة. وآية النساء هذه إنما نزلت في عبد الله بن أُبي بن سلول

стр. 177

وصنفه، حين سأل أن يستغفر له بعد موته، ونعلقه في ذلك بما سبق من استغفار إبراهيم ﵇ لأبيه وقد بينا ذلك في كتاب الأحكام. الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا﴾ قال بعضهم الثبات الصف المتفرقون، صارت الآية التي في سورة التوبة ناسخة لها، وهي قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم﴾ . قال القاضي محمد بن العربي: قوله تعالى: ﴿فانفروا ثبات أو انفروا جميعا﴾ يقتضي بمطلقه أن يخرج الناس معا أو متفرقين كيفما تيسر لهم وليس فيه خروجهم بكليتهم حتى ينسخه ما يقتضي خروج بعضهم وإنما فيه خروج أصلي، فأما قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ فقد بيناه في موضعه. الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾ نسخها في رأي بعضهم آية السيف . قال القاضي محمد بن العربي ﵁: اختلف المفسرون في هذه الآية على أربعة أقوال: الأول أنها نزلت في قوم من الصحابة استأذنوا النبي ﵇ في قتال المشركين، وهم بمكة فلم يأذن لهم، فلما كتب عليهم القتال، وهم بالمدينة قال فريق منهم ما ذكره الله عنهم، روى عن ابن

стр. 178

عباس، وقتادة، وعكرمة، والسدي، وقد أسنده بعضهم عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحابه أتوا النبي ﷺ فقالوا: كنا في عز ونحن مشركون، فلما أسلمنا صرنا أذلة. فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا. فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال كفوا فنزلت الآية. الثاني: قال مجاهد نزلت في اليهود. الثالث: قال الحسن المراد بها المؤمنون والإشارة بهذا إلى ما طبع عليه البشر من خافة الموت وتقية الحرب قاله الحسن. الرابع: أنها نزلت في المنافقين. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذا منتهى الأقوال: وهي كلها محتملة، خصص المراد منها بقوله تعالى: ﴿إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾ إلى قوله: ﴿من نفسك﴾ وليس هذا من كلام أحد من الصحابة ﵃، وإنما هو من كلام المنافقين أو اليهود. والأول أصح وأقرب إلى مساق الكلام، وليس للكفار فيها مدخل، بين الله فيها حال المبادرة إلى الأمر والوقوف عند الطاعة فمن يطع الرسول فقد أطاع الله كما قال ﷺ : (من أطاع أميري فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله ومن عصى أميري فقد عصان ومن عصاني فقد عصى الله) ومن تولى عن الطاعة بعذر أو إلى المعصية بإفصاح فلست يا رسول الله حافظا إنما أنت رسول مبلغ (والحافظ هو المانع عن الشيء) والمحصي له حسب ما بيناه في

стр. 179

الأمد الأقصى، وليس النبي بمانع من المعصية ولا ذلك في قدرته. وإنما هو لله وحده، وليس هو أياض بمحص للاعمال إنما المحصي لها خالقها سبحانه، وإن كان في إقامة الحدود نوع من المنع عن المعاصي ولكنه ﷺ ، كما قدمنا أمر بالاعراض عن المنافقين وقبول المعذرة منهم. وترك العقوبة لهم، ذلك قوله تعالى بعد ذلك ﴿فأعرض عنهم﴾ في الآية الموفية عشرين وليس بمنسوخ كما قدمناه بل كان باقيا إلى استئثار الله برسوله ﵇. الآية الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك﴾ قال بعضهم نسختها آية السيف . قال القاضي ابن العربي ﵀: هذه غباوة. إن الله تعالى لم يقل، فقاتل في سبيل الله لا تكلف أحدا القتال إلا نفسك فحينئذ كان يمكن لمقصر أن يقول: نسختها آية السيف. ولا يتفوه به محقق. فأما وقد قال تعالى: ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾ فقد علم كل أحد أن المرء لا يكلف إلا فعل نفسه ولا يكلف أحد فعل غيره، لا النبي ولا سواه، لا يجوز ذلك عقلا ولا شرعا، ومعنى الآية ظاهر لكل ذي تأمل صادق صاف: يا محمد قد أمرناك وأمرنا الناس بالقتال ودعوناهم إلى الإجابة وامتثال الأمر بالطاعة فقاتل أنت في سبيل الله، لا تكلف إلا فعل نفسك، وحرض المؤمنين فليس لك إلا دعاؤهم إلى مجاهدة الكفار ووعدهم ووعيدهم. فأما كفاية الأعداء فعسى الله أن يكف بأسهم والله أشد بأسا وأشد تنكيلا.

стр. 180

الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿ستجدون آخرين﴾ الآية. قال بعضهم نسختها آية السيف . قال القاضي محمد بن العربي: هذه غفلة ظاهرة. كيف يقول الله ﴿ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها، فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم، ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ وهذا نص في القتل إن لم يجيبوا إلى ما طلب منهم من العزلة وإلقاء السلم فأي نسخ ها هنا؟ وهذا حكم جميع الكفار، وإنما يبقى هنا أن دليل الخطاب في هذه الآية يقتضي أن من اعتزل وألقى السلم لم يقاتل. وإنما يحكم بالدليل ما لم يقترن به نطق، وقد زال النطق بهذا الدليل في الآيات كلها فلم يكن لذكر هذا وجه. وقد بينا في أصول الفقه دليل الخطاب ومعناه وحكمه المفيد له. ونظيره الذي يكشف لكم قناعه أن النبي ﷺ لما قال: في سائمة الغنم الزكاة، وسكت عن المعلوفة صار الحكم في المعلوفة دليل الخطاب، اختلف الناس فيه، فقال بعضهم: لا زكاة في المعلوفة لتخصيص النبي السائمة بالذكر. وقال آخرون: في المعلوفة الزكاة بما اقتضاه من الأدلة المذكورة في مسائل الخلاف، ولو قال ﷺ لا زكاة في المعلوفة والزكاة في السائمة، لسقط التعلق بالدليل لوجود النطق به. الآية الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ قال بعضهم نسخها: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ .

стр. 181

قال القاضي محمد بن العربي: هذا حرف فيه إشكال، وذلك أن الله تعالى أخبر أنه من له عهد من الكفار تجب بقتله الدية والكفارة. وهذا حكم دائم إلى القيامة بإجماع من الأمة، فأما العهود التي كانت بين النبي ﵇ وبين الكفار فقد اسقطتها براءة فسورة براءة أسقطت عهدا معينا وهو الذي عقده النبي ﷺ للعرب بعموم إسلامها فأما من كان له عقد التزمه الخلفاء والمسلمون، فحكم الآية فيه باق أبدًا على رسم ما بيناه في كتاب الأحكام، القسم الثالث. والله أعلم. الآية الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه﴾ الآية . واختلف الناس في هذه الآية على قولين: أحدهما أنها محكمة لم تنسخ: الثاني أنها منسوخة واختلف في ناسخها على قولين: الأول أن عليا ناظر ابن عباس ﵄ فيها فقال له علي: من أين لك أنها محكمة؟ قال: لتكاثف الوعيد فيها. وقال علي نسختها آية قبلها وهي قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ وآية بعدها وهي قوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله قد ضل ضلالا بعيدا﴾ والثاني: (أن ناسخها آية الفرقان وذلك) قوله تعالى: ﴿إلا من تاب﴾ وذلك أنه روى أن الله أنزل قوله: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾ وحبست خاتمتها في السماء سنة

стр. 182

وفي رواية شتة أشهر ثم أنزلت: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾ ومنهم من قال وروى عن ابن عباس، أن آية الفرقان نزلت بعدها، وقد روى عن الترمذي، وغيره عن ابن عباس، واللفظ للترمذي عن النبي ﷺ قال: يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة وأوداجه تشخب دما، يقول: يارب هذا قتلني. حتى يدنيه من العرش، قال فذكروا لابن عباس التوبة فتلا هذه الآية: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا﴾، قال: ما نسخت هذه الآية ولا بدلت وآنى له التوبة؟ قال أو عيسى: هذا حسن غريب، ومن الناس من تأولها فقال: معناه، ومن يقتل مؤمنا متعمدا، يعني مستحلا لدمه فيكون بذلك كافرا والكافر لا يغفر. وقال آخرون: تأويلها ظاهرها لأنه قال فجزاؤه، يعني إن جازاه، وروى عن ابن عباس وغيره وروى مسندًا إلى النبي ﷺ ومنهم من قال: لم يقرن بالتخليد التأبيد، فهذا يخففها ويلحق المغفرة بها. وقد روى عن ابن عباس ﵁ أن السائل إذا جاءه فذكر له هذه الآية نظر: فإن كان لم يقتل قال لا توبة للقاتل، وإن كان قتل قال: له توبة، فكان يغلظ على من لم يقتل ليكف، وكان يخفف على من قتل لئلا ييأس. وقال بعضهم ممن نسب نفسه إلى التحقيق إن قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ وقوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ خبر، ولا يصح دخول النسخ في الأخبار كيفما ترددت، وإنما معناه جزاؤه إن جازاه، أو يكون معناه، من قتله مستحلا، أو يكون المراد به رجلا بعينه من الأنصار قتل وارتد في قصة طويلة.

стр. 183

قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذا منتهي ما ورد للمفسرين في هذه الآية على الاختصار. وتحقيق القول في هذا الأصل أن الله تعالى غفور ذو انتقام شديد العقاب ذو الطول يعفو وينتقم ويرضى ويغضب، له الصفات العلى والأسماء الحسنى. فالخلق مترددون بين أحكام صفاته وجودًا وعدما رضي وغضبا، عطاء ومنعا، عذابا ونعيما، غني وفقرا، صحة وسقما، جاها وخمولا، خفاء وظهورا، إلى غير ذلك من أصناف الخلق التي ترجع إلى أحكام صفات الخالق، فالوعد والوعيد للرغب والرهب اللذين يتردد بينهما نظام التكليف، ولم يتفطن له إلا أهل الحق، فأما الوعيدية، فقالوا: إن الله لا يغفر ذنبا، وأما المرجئة فقالوا: إن الله تعالى لا يؤاخذ بذنب مع الإيمان. فأبطلت الأولى رسم التوحيد وأبطلت الثانية وجه التكليف وعلطت حكم صفتين عاليتين واسمين حسنين للباري سبحانه، وكأنها لم تقرأ قوله تعالى: ﴿حم تنزل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير﴾ وكذلك لم تفهم شيئا من أحكام الإرادة العالية والمشيئة النافذة والحجة الدامغة والحكمة البالغة. وقد قصر كثير من العلماء في هذا الباب فقالوا: " إن الله تعالى لا يخلف الميعاد وينجز الوعيد ويعد " أشرف المنزلة عند العرب فقد قال شاعرهم. وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وهذا قصور عن معرفة الإله، فإن لكام الباري سبحانه صدق لا يتصور فيه خلف، كيفما ورد من وعد أو وعيد، وأشراف العرب إنما تمدحت بخلف الإيعاد وإنجاز الوعد لما في ذلك من شرف العفو وفضيلة الصفح الذي يغطي على قبح الخلف، وهذا لا يتصور في حق الإله الواجب الصدق. وإنما الآيات وردت مطلقة متشابهات، منها أمهات وبنات: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون

стр. 184

ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾ ولئن جاء قوله تعالى: ﴿ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ ولقد جاء ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وقد كشف القناع في ذلك حديث الشفاعة، في كيفية المغفرة للمذنبين ومراتب إخراجهم من النار عموما، وورد في الحديث الصحيح خصوصا، واللفظ لمسلم قال أبو سعيد الخدري ﵁: قال النبي ﷺ : إن رجلا ممن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض قال فدل على راهب فأتاه فقال له: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل من توبة له؟ فقال: لا فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت ملائكة الرحمة فيه وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتوهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد. فقبضته ملائكة الرحمة: وفي رواية له: فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها" وهذا نص في المسألة، وهو قدر كاف في الإشارة إلى نكتة المسألة، واستيفاؤها، في كتب الأصول والمشكلين.

стр. 185

تنقيح: فأما ما نسب إلى ابن عباس، ﵁ من أن هذه الآية تكاثف الوعيد فيها فدل ذلك على إحكامها، ففيه قولان أحدهما أن الوعيد لم يتكاثف بل نقص منه التأبيد وهو أكثره. الثاني أن الوعيد وغايته سواء في وجوب الصدق وجواز العفو. وما ينسب من الاحتجاج إلى علي بآيات المغفرة فهو العلم. وآية الفرقان حسن، ولا يضرها إن تأخرت عن آية النساء أو تقدمت عليها فإنها قاضية بقبول التوبة قطعا، وإن قبلت التوبة من الكفر فأحرى أن تقبل من ذنب دونه. أما إنه تبقى ها هنا نكتة: وهي أن الكافر القاتل للمسلم إذا آمن سقط عنه كل ذنب قطعا، والمسلم القاتل للمسلم إذا تاب سقط عنه حق الله قطعا وبقيت قبله حقوق الآدميين يقع القول فيها بين يدي الله في القيامة، وأول ما يتكلم فيه أمر الدماء. بيد أنه من الجائز أن يبقى حق المقتول عنده حتى يطرح عليه من ذنوبه ويعذب عليها، ومن الجائز أن يغفر الله كل ذنب ويرضى عنه غريمه، وعليه يدل حديث مسلم في قبض ملائكة الرحمة لنفس القاتل المائة رجلا، ويحتمل أن يكون قبضته ملائكة الرحمة لأجل الإيمان، ويبقى القول في حق القتل بينه وبين المقتولين، وقول ابن عباس وأنى له التوبة؟ أرد وأنى له بإسقاط التوبة لحق، المقتول: وأما من قال: أراد به مستحلا، فلا معنى له، لأن ذلك يكون كفرا والكفر لا يغفر، واما من قال إن معنى ذلك إن جازاه، فلقد طبق المفصل ولكنه تجاوز حتى ضرب في الأرض وفلل الحديد فإن هذا لا يحتاج إليه، فإن قول القائل جزاء فلان كذا، ليس فيه استيفاؤه وإنما يقتضي ذكر الجزاء مطلقا فإن شاء استوفاه وإن شاء تركه. وأما من قال إنه لم يقرن بالتخليد التأييد فتخففت فلو قرن بها التأييد ما ثقلت مع آيات

стр. 186

المغفرة. فقد قال النبي ﷺ في الصحيح واللفظ لمسلم: من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ، بها في نار جهنم، خالدا فيها مخلدا ابدًا، ومن تحسى سما فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها مخلدا) فهذه أحاديث صحيحة في نظائر لها بالخلود والتأييد على الإطلاق في عموم الآثار ويعارضه في صحيح الآثار جمل من الأحاديث منها من كان آخر كلامه لا إله إلا الله حرمه الله على النار والحكمة في تعارض ذلك تردد القلوب بين الخوف للمعاصي والرجاء للرحمة، وينفذ حكم الله على الكل والعاقبة للمتقين. وهذا كله ليس من الأحكام في شيء، وإنما هو التوحيد. بيد أن المفسرين لما ذكروها في الناسخ والمنسوخ، نسجنا على منوالهم في ذكرها وبينا المراد منها لئلا يغتر مبتديء، أو غافل بها. الآية الخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ قال بعضهم قصر النبي ﷺ الصلاة في الأمن نسخ لقصرها مع شرط الخوف . قال القاضي ﵀: قد بينا أن دليل الخطاب لا يقبل نسخا لو أوجب حكما، فكيف ولا يوجب عند أكثر العلماء؟ وذلك أن للصلاة حالين: حال أمن وحال خوف، فلما شرط الله في القصر حال الخوف قال من يرى دليل الخطاب: إن هذا يقتضي وجوب إتمامها مع الأمن، وقال من لا يرى القول بدليل الخطاب إن حالة الأمن مسكوت

стр. 187

عليها مطلوب حكمها بالدليل. والذي بيناه في الأحكام مغن عن ذكره ها هنا. أما أنه يحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿أن تقصروا﴾ عبارة عن قصر العدد أو عن قصر الصفة. فروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. وغاير النبي ﷺ في صلاة الخوف وصف الصلاة على وجوه كثيرة قد أتينا على المراد منها في شرح الحديث والأحكام فلينظر هنالك ففيه شفاء الغليل وبرء العليل إن شاء الله .

стр. 188

الآية السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ . قال القاضي محمد بن العربي: قد بينا فساد عد الاستثناء في باب النسخ بما يغني عن إعادته.

стр. 189

سورة المائدة فيها آية واحد من النسخ وفيها من التخصيص إحدى عشرة آية. أما آية النسخ فهي قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾ الآية إلى آخرها. قال القاضي محمد بن العربي: قال: قتادة، وابن سيرين: هذه الآية ناسخة لما كان رسول الله ﷺ فعله في أمر العرنيين من التمثل بهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا. وقد روى حديث العرنيين جماعة من الأئمة الصحاح وغيرهم ومنه عن أبي قلابة عن أنس ﵁ أن نفرا من عُكل قدموا على النبي ﷺ فأسلوا فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﵇ أن يخرجوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا فقتلوا راعيها واستاقوها، فببعث النبي ﵇ في

стр. 190

آثارهم قافة فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم ولم يحسمهم وسمل أعينهم وألقوا في الحرة، حتى ماتوا فأنزل الله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا﴾ الآية. ومن صحيح حديث سليمان التيمي عن أنس أن النبي ﵇ إنما سمل أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاء. والحديث متفق عليه من الأئمة. إلا ذكر نزول الآية عليه فلم يخرج في الصحيحين. قال القاضي ابن العربي ﵀: لا خلاف في صحة الحديث بجميع ألفاظه من طريقه، ولم تتفق الرواة على آية الحرابة نزلت لأجل هذا (وإنما الثابت) أن النبي ﵇ فعل هذا بالعرنيين فأنزل الله تعالى آية الحرابة. وقد ثبت من هذا الطريق أن الآية نزلت بعد الفعل فيكون الحد فيه، ناسخًا لما فعله النبي ﵇ بالرعاء. وقد اختار الطبري أن هذه الاية إنما نزلت في اليهود وكانوا أهل موادعة لرسول الله ﵇ فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فأخبر الله نبيه بالحكم فيهم وعرفه ذلك وهذا مما لم يصح، والصحيح حديث أنس ﵁. وقد قال بعضهم: إنها نزلت في المشركين وهو أولى من قول الطبري لأن هؤلاء النفر الذين قدموا على النبي ﷺ واجتووا المدينة لما خرجوا إلى الإبل وشربوا من ألبانها وأبوالها وصحوا ارتدوا وقتلوا الرعاء واحتربوا الإبل ومثلوا برعاتها. ولكن الاحتمال يتطرق إلى قول

стр. 191

الراوي أنهم ارتدوا وذلك أن الكفرة لا يلزم صلبهم ولا تقطع أيديهم وأرجلهم ولا ينفون، وإن تابوا قبل القدرة بالإسلام سقط عنهم القتل، بخلاف المحارب في ذلك كله. ولعله رآهم قد فعلوا هذا كله فحكم بالردة، لما رأى من قبيح الفعل الذي لا يرضى به مسلم وإنما هو فعل الكفار. فإن قيل فقد قال تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ وذلك حال الكافرين، فأما المؤمنون فليسوا لله بمحاربين. فالجواب أن الحرابة تكون بالعقيدة الفاسدة بالكفر، وتكون بالفعل الفاسد بالمعصية، وقد قال الله تعالى في أكلة الربا: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ ومحاربة المربي جائزة إذا فعله وإن لم يعتقد جوازه، وإذا كانوا سملوا أعين الرعاء فيكون سمل أعينهم قصاصا، وكذلك لو كانوا قطعوا ايدي الرعاء وأرجلهم لكان ذلك أيضا قصاصا فيهم، وكذلك تركهم في الحرة حتى ماتوا عطشا مما يجوز أن يكون قصاصا لعلهم فعلوا كذلك بالرعاء، فإن من قتل بالغرق أو بالحرق أو بالعطش قتل بمثله وهي مسألة بديعة في رزمة الجراح قد بيناه في مسائل الخلاف والأحكام: ولهذا متى حارب أحد وفعل من القتل والقطع ما فعل امتثل فيه مثل ذلك وصلب آخرا والله أعلم. ذكر آيات التخصيص وهي إحدى عشرة آية الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام﴾ الآية قال الشعبي وقتادة: لم تنسخ من المائدة إلا هذه الآية: ﴿لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد﴾ زاد قتادة: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من

стр. 192

السمر فلم يعرض له فإذا رجع تقلد قلادة شعر فلا يعرض له وكان المشركين يومئذ لا يصد عن البيت وأمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت فنسخها: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (وقيل لم ينسخ) منذلك إلا القلائد التي كان يتقلد أهل الجاهلية من السمر. قال الطبري: والصحيح أن المنسوخ ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام، لإجماع جميعهم على أن قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها جائز، وكذلك المشرك لو تقلد ما تقلد ولم تكن له ذمة، مأمور بقتله في قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾. قال القاضي محمد بن العربي ﵀: اختلف الناس في المائدة وبراءة أي السورتين نزلت قبل صاحبتها فعلى هذا إذا جهلنا التاريح أو لم نقطع به، لم يصح الكلام في النسخ، ويبقى القول في معنى الآية وقد بيناه في الأحكام، ومختصره أن شعائر الله معالمه وحدوده في الحج وغيره فهذه مما لا يستحل بحال ما احترم الله منها وقوله تعالى: ﴿ولا الشهر الحرام﴾ لا خلاف في جواز القتال وأنه صار حلالا بعد أن كان حراما. لكن بقيت حرمة

стр. 193

الشهر في نفسه محترمة معظمة، وكذلك حرمة الهدى والقلائد باقية إلى يوم القيامة، لكنها لا تعصم أحدا ممن وجب عليه حد أو قتل. وقوله تعالى: ﴿ولا أمين البيت الحرام﴾ خص منه المشركون الذين كانوا يخرجون باسم الحج فلا يعرض لهم، وبقيت حرمة كل قاصد للبيت معظمة زيادة على حرمة إيمانه، ووجب قتل المشرك، كان آما للبيت أو غير أم أو جاز على حسب حاله. فإن قيل وكيف يدخل الكفار في هذه الآية مع قوله تعالى في آخرها: ﴿يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا﴾ والكافر لا يبتغي فضل الله ولا رضوانه؟ قلنا أما فضل الله فهي التجارة ها هنا، وقد روى عن ابن عمر ﵄ في الرجل يحج ويحمل معه متاعا، قال لا بأس وتلا هذه الآية: ﴿يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا﴾ وأبين من هذا قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ فأما قوله ورضوانا فإن كل أمة فيما تأتيه تعتقد أنه رضي الله وطاعته، فخرج الكلام على المقاصد والباري تعالى، يمييز الخبيث من الطيب ويفصل الحق من الباطل ويقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام﴾ الآية قال ابن زيد، هذا منسوخ بآية القتال، وقتلهم وجهادهم من اعظم الاعتداء وهو مأمور به فيهم. وقال مجاهد وغره: الآية مخصوص محكمة، نزلت في مطالبة المسلمين للمشركين بدخول الجاهلة لأجل أن صدوهم عن المسجد الحرام أن تطالبوهم بما مضى في الجاهلية. وقد قال النبي ﵇: (لعن الله من قتل بذحل كان في الجاهلية) وهذا القول بالآية أولى .

стр. 194

قال القاضي محمد بن العربي ﵁: قوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم﴾ آية نزلت على سبب بيناه في كتاب الأحكام، من أن قوما من الصحابة ﵃ هموا بأن يغيروا على قوم بسبب آخرين جنوا عليهم، فمنعهم الله من ذلك، وهذا مما لا يتطرق إليه نسخ بحال لأنه حكم اقتضته الحكمة واتفقت عليه الملل، فلا يأمر الله بغيره لأنه من الفحشاء، والله لا يأمر بالفحشاء إنما فيه نكتة لطيفة: وهي أن غارة الصحابة على القوم الذين أرادوا أن يغيروا علهم بسبب الغير الذي اعتدى عليهم، كانت محرمة في ذلك الوقت ثم انتسخها إحلال القتال في الشهر الحرام فصار من معنى الآية وجه منسوخ بتضمين لا يقصد تعد به في ذلك القسم وليس قول مجاهد بصحيح، لأن المطالبة بذحول الجاهلية ليس مما ينسخ لأنه لم يكن حكما فيرتفع بغيره. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ قال بعضهم روى عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت، ﵄، أنهما قالا: هذا ناسخ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ .

стр. 195

قال القاضي محمد بن العربي: هذه الآية محكمة في قسم الأحكام، فلتنظر هنالك ففيها غاية الإعلام ونخبة القول ها هنا: إن قلنا إن طعام أهل الكتاب يؤكل وإن ذكر عليه غير الله فهو مخصوص من آية الأنعام، وإن قلنا لا يوكل إلا ما سمى أهل الكتاب عليه الله، فالآية التي في الأنعام على عمومها، ويكون فائدة تخصيص أهل الكتاب بالذكر في أكل طعامهم الرخصة في ذلك مع عدم توقيهم لنجاسات الدم ونحوه مما يرونه في ديهم حلالا، فأذن لنا فيه منهم ومعهم، وحرم علينا مفردًا عنهم، وهذه نكتة الآية والله أعلم. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ من الناس من قال: إنها ناسخة لقوله تعالى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ ومنهم من قال: إنها ناسخة لما كانوا عليه، لأن النبي عله السلام إذا أحدث لم يكن أحدا حتى يتوضأ وضوءه للصلاة فنسخ هذا وأمرنا بالطهارة عند القيام إلى الصلاة، ومنهم من قال: هي منسوخة لأنه لو لم تنسخ لوجب على كل قائم إلى الصلاة الطهارة وإن لم يكن محدثا، ومنهم من قال: كتب على كل قائم إلى الصلاة أن يتوضأ، كان محدثا أو طاهرا، يروى هذا عن علي وعكرمة، وابن سيرين ومنهم من قال: الآية مخصوصة بمن قام من النوم. ومنهم من قال: ذلك محمول على الندب، ومنهم من قال: المراد بالآية المحدثون .

стр. 196

قال القاضي محمد بن العربي: أما من روى أو قال بأنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فقد بينا فساده فيما تقدم، وحققنا أن من وكيد شروط النسخ أولادها التاريخ والمعارضة، ولا تاريخ يعلم ها هنا، ولا معارضة بينها، فدعوى النسخ لا معنى لها. وأما من قال إنها ناسخة لما كانوا عليه من ترك الكلام إلا على وضوء، فهذا مما لم يكن قط ولا روي، إنما الذي ثبت في الصحيح، واللفظ للبخاري قال أبو جهيم، أقبل النبي ﵇ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه ثم رد ﵇. قال القاضي ﵀: وهذا من باب أن لا يذكر الله إلا على طهارة لا من باب أن لا يتكلم إلا على طهارة، وفي صحيح مسلم أن ابن عامر قال لابن عمر ﵁: ألا تدعولي؟ فقال له ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول. وفي الصحيح واللفظ للبخاري أن أبا موسى

стр. 197

الأشعري ﵁ قال: قال يعني أبا عامر الأشعري حين قتل يوم اوطاس: يا ابن أخي، اقرأ على النبي ﵇ وقل له استغفر لي. قال فجئت النبي فأخبرته فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه وقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر. الحديث. أما أنه روى عن علقمة بن الفغواء قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يسلم علينا حتى يأتي منزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة، حتى نزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ والمعنى فيه مبادرة النبي ﵇ إلى العبادة، فأما كلامه على غير طهارة، فقد كان كثيرا في كل وقت. وأما من قال إنها منسوخة عن كل قائم إلى الصلاة إلا المحدث، فإن قلنا المراد به المحدثون لم يصح ذلك. وقد ذكرناه في الأحكام وإن قلنا إنها عامة في كل قائم. فلا يقال، إن خروج المتطهرين عنها أنه نسخ، إنما هو تخصيص، وأما من قال إنه يجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدثا كان أو طاهرا فلم يصح ذلك عن علي، ﵁ وقد سقط بإجماع الأمة. وأما من قال إنه محمول على الندب فصحيح فإن الوضوء على الوضوء نور على نور، ولكن إذا توضأ وصلى به نفلا أو فرضا، ولو لم يصل بالوضوء لكان تحديده بدعة، والله أعلم. الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ قال بعضهم: زعم قوم أن هذا نسخ للمسح على الخفين. وقال قوم في قراءة الخفض: إنها منسوخة بفعل النبي ﷺ وقوله .

стр. 198

قال القاضي محمد بن العربي ﵀: هذا الحرف بعض آية ولكن عظم قدره فأفرد بآية، وبعض الآية آية، وقد جمعنا فيها جزءا، وإنما كان كذلك لأني ابتليت بها كثيرا سافرت في النيل ومعنا بعض الشيعة فكان يتوضأ فيمسح رجليه ويديه بواحدة، فرأيت أمرا ما كنت عهدته فأعظمته ثم تافنت الناس وقرأت مع العلماء فعقرني حين رأيت الطبري يسوي بين المسح والغسل ويخير بينهما، على عظم قدره في العلم وسعة روايته في الحديث. وما كان ينبغي لو شاء الله أن يخفى عليه فساد مثل هذه البدعة، وربكم أبى أن يعطي الكمال لأحد، وفي هذه الآية ثلاث قراءات: وأرجلكم برفع اللام، قرأناها لنافع. وأرجلِكم بالخفض: قرأنها لأنس وأبي جعفر وعاصم والأعمش وحمزة، ورويناها لابن عامر، وأرجلك بنصب اللام مشهور قراءة ورواية، ولا يعد ذلك في شيء من النسخ ولا له إليه

стр. 199

طريق، إنما هو من باب التأويل للمعاني المشكلة. فأما من قرأها بالرفع فقد قطعها عن جميع ما تقدم وأبقاها للبيان. فقد بين الشارع صلوات الله عليه فيها الغسل. وأما من قرأها بالنصب فقد عطفها على الوجه واليدين وحمل الرأس بينهما لفظا لدخوله بينهما عملا، فجاء بالترتيب ذكر للترتيب عملا ولكل عضو سنته، وأما من قرأها بالخفض فهي بحر إشكال: قال الطبري ﵀: القراءتان كالخبرين يعمل بهما جميعا. وهذا إنما يصح إذا تساوتا، وقراءة الخفض محتملة وأحاديث النبي ﵇ نص في تحريم المسح وإيجاب الغسل، إذ رأي قومًا توضأوا وعراقيبهم تلوح فقال: (ويل للعراقيب من النار) ويحتمل من قرأ بالخفض أن يريد به حالة للرجلين وهي كونهما في الخفين، فيكون ذلك معنى الآية لا ناسخًا لها ولا منسوخًا ويحتمل أن يعطفها لفظا ويخرجها معنى كماجاء في لغة العرب قال الشاعر: أعلفتها تبنا وماء باردا وشراب ألبان وتمر وأقط ورأيت زوجك في الوغا متقلدا سيفا ورمحا وأطفلت بالجهلتين ظباؤها ونعامها والماء لا يعلف، والأقط لا يشرب، والرمح لا يتقلد، والنعام تفرخ لا تطفل، ولكنه حمل الثاني على الأول لفظا، اتكالا على المعنى المفهوم، وها هنا يعطف عليه تعويلا على بيان المبلغ، ولقد بين وأوعد ووعد صلوات الله عليه وسلامه.

стр. 200

الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾ الآية. قال بعضهم فيها خمسة أقوال: الأول قال قتادة هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ الآية . الثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة﴾. الثالث: قال ابن عباس: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾. الرابع: أنها مخصوصة نزلت في قوم من اليهود أرادوا الغدر بالنبي ﷺ فنجاه الله منهم وأمر بالعفو ما داموا على الذمة، وهو الصواب. الخامس: أنها مخصوصة في الزمان، التقدير فاعف عنهم ما دام بينكم وبينهم عهد. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: لا إشكال في أن هذه الآية نزلت في اليهود من قوله: ﴿ولقد أخذ افلله ميثاق بني إسرائيل﴾ إلى قوله تعالى: ﴿المحسنين﴾ ولا خلاف أن النبي ﷺ لما ورد المدينة عقد العهد بينه وبين قريظة والنضير وبني قينقاع يهود المدينة بأجمعهم وبعد أن نفذت العهود بينه وبينهم كان منهم من يفي بعهده ومنهم من يخيس به وينافق عليه كما فعل من أظهر الإسلام من الأنصار، فقد كان جلهم مخلصا في إيمانه وقد كان منهم من ينافق بدينه فأمر النبي ﷺ بالصبر على خيانة

стр. 201

من أظهر الإيمان فدام إلى الموت) وأما صبره الذي أمر به على خيانة يهود فكانت إلى حين فأجلى جماعة من المدينة وقتل جماعة ولم يبق حالهم إلى نزول الآيات اللواتي ذكر أشياخنا المتقدمون بل نفذ القتل والجلاء عليهم قبل نزول الآيات بسنوات ولا يصح أن يقال إن فيها نسخا إنما كان القوم أولى عهد فلما نقضوا العهد زال عهدهم. ومثل هذا لا يكون نسخا، وكان النبي ﷺ أمر بالصبر على دفائن خوائن كان بعضهم يأتيها. حتى إذا خفت المعاني الكلية المؤثرة لم يكن صفح، كقتله لابن الأشرف، ولأبي رافع اليهوديين، وحكم على بني النضير بنقض العهد لما هموا بوضع الحجر عليه. وأما من قال إنها نزلت في قوم من اليهود أرادوا الغدر بالنبي ﵇ فنجاه الله منهم وأمره بالعفو عنهم ما داموا على عهدهم فلم يصح ذلك نقلا ولا معنى، فإنهم إذا غدروا لم يبق لهم عهد فلا يصح أن يقال يعفو عنهم ما داموا في عهدهم. الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ قال بعضهم قال ابن عباس ﵁" هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿وأن أحكم بينهم بما أنزل الله﴾ وإنما كان ردهم إلى أهل دينهم في أول الإسلام باتساقهم، وهذا قول مجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وعكرمة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز والكوفيين وأحد قولي الشافعي .

стр. 202

قال القاضي محمد بن العربي ﵁: الذي أعرف يقينا أن السدي قال: إن النبي ﵇ كان مخيرًا بين أن يحكم بين أهل الكتاب إن تحاكموا إليه، وهذا قول ضعيف جدًا كما أن القول في الآية بأنها منسوخة ضعيف أيضا، وكيف يصح دعوى النسخ فيها ويمكن الجمع بينهما، فإن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : " إن حكموك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، والقسط هو الذي أنزل الله، وهو قوله بعينه: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ فإن قيل: فإذا حكم بينهم بما أنزل الله، فكيف قضى بالرجم على اليهوديين وهما عندكم غير محصنين فإن المالكية لا ترى مع الكفر إحصانا؟ فهذا يدل على أنه حكم عليهم بدينهم ثم أمر بعد ذلك بأن يحكم بما أنزل الله أي بما يقتضيه شرعه. قلنا: هذا ظن باطل، لا يجوز أن يقال: إن النبي حكم بغير ما أوجبه شرعه: وذلك قول عظيم من ذاكره نبرأ إلى الله منه، فإنه لا يجوز لأحد أن يحكم إلا بدين الإسلام فكيف بالنبي الذي هو الإمارة نبوة وحكما؟ فإن قيل: فارجموا الكافرين إذا زنيا كما رجمهما قلنا قال محمد من علمائنا: إنما حكم النبي بينهم لأن الحدود لم تكن نزلت بعد، ولا يحكم الحاكم اليوم إلا بحكم الإسلام، وقال عيسى عن ابن القاسم حكم النبي صلى الله عليه عليهم بشريعة موسى النبي ﵇، إذ شريعة من قبلنا شرع لنا يلزم العمل بها حتى يقوم الدليل على تركها، وقد بينا ذلك في أصول الفقه وهو الصحيح.

стр. 203

الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ قال بعضهم: هذا ناسخ لقوله تعالى: ﴿ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها﴾ فعم كل يمين أن تنقض ثم أجاز نقضها بالكفارة تخفيفا ورحمة في أحد القولين . قال القاضي محمد بن العربي ﵁: أما قوله تعالى: ﴿ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها﴾ فقد اختلف الناس فيها وقد بيناه في كتاب الأحكام فقيل: إن المراد به العهود، والعهود التي لم تشرع فيه كفارة وقد قال النبي ﵇ فيها ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته فيقال: (هذه غدرة فلان) ويسمى يمينا لأنه عقد واليمين هي العقد بالقلب كما قررناه في الخلاف والأحكام، وقد يحتمل أن يريد به كل يمين لا كفارة فيها تعقد على الفعل والإقدام على مذهب المحققين من أهل الإسلام، خلافا للعامة الأغنبياء، الذين يرون أنه لا ينعقد يمين إلا بالله سبحانه. ويحتمل أن يريد لا تخالفوا اليمين دون أن تفعلوا الكفارة التي جعلها الله تعالى بدلا عن البراء

стр. 204

وغاية لها. ومن العجب ما يأتي به هذه الطائفة من ذكر النسخ في موضع لا تعارض فيه. الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ قال بعضهم: ظن ظان أن قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ ناسخ لقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ وليس كذلك، وإنما هو تبيين له وتخصيص لقوله: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ . قال القاضي محمد بن العربي: هذا جهل من وجهين، أحدهما: أن الآية الأولى في النهي عن قتل الصيد لا عن صيده، والآية الثانية في حل صيد البحر وتحريم صيد البر، فالأولى أفادت النهي عن قتل الصيد، والثانية أفادت تحريم أصل الصيد، فهو بيان في وجهين إذ كان من الجائز أن يجوز صيد وتحرم ذكاته فمنع الله، الوجهين وحرم الفعلين، فكان بيانا لحكمين، فأما صيد البحر فهو مبين في الجواز قبل ذكر تحريم صيد البر، والله أعلم. الآية العاشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا هتديتم﴾ زع بعضهم أن هذه الآية منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وقال آخرون: لم يأت زمان هذه الآية بعد: وقيل إن الآية مسقطة لفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) .

стр. 205

قال القاضي محمد بن العربي ﵁: روي عن النبي ﵇ حديثان: أحدهما رواه قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق، رضوان الله عليه أنه قال: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الناس إذا راوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب) وهو حديث صحيح صححه الترمذي الحديث الثاني: روى الترمذي وغيره عن أبي أمية الشعباني أنه قال لأبي ثعلبة الخشني كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت رسول الله ﷺ عنها فقال: (بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام فإن من ورائكم أياما، الصبر فيهن كالقبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم) قال عبد الله بن المبارك، وزادني غير عتبة، قيل: يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم؟ وهذا حديث حسن غريب، وقد روى عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: لم يجيء تأويل هذه الاية بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل ومنه ما

стр. 206

مضى تأويله قبل أن ينزل، ومنه ما مضى تأويله على عهد النبي ﵇، ومنه ما وقع تأويله بعد النبي ﵇، ومنه ما يقع تأويله عند الساعة ومنه ما يقع تأويله عند الحساب، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء فأمرؤ نفسه عند ذلك. وقال بعض الناس: إن آخر هذه الآية نسخ أولها وهو قوله تعالى: ﴿إذا اهتديتم﴾ نسخ ﴿عليكم أنفسكم﴾ ولا يكون الاهتداء إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتحقيق القول في ذلك كله، أن قوله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم﴾ أمر بإصلاح النفس وتقواها وتزكيتها وهدايتها، وذلك بأن يمتثل ما أمر به ويجتنب ما نهى عنه، ومن جملة ما أمر به هو ركن الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا امتثل أمر ربه واجتنب نهيه ووفي هو بعهده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جملة ما وظف عليه فقد اهتدى فلا عليه من ضل إذا لم يقبله منه، ومعاني الآية منتظمة، وآخرها يعضد أولها، وهكذا فسرها الصديق، رضي اللهل عنه حسبما تقدم بيانه وكذلك روى عن حذيفة رضي الله في تفسيرها، قال لا يضركم من ضل إذا أمرتم ونهيتم، وقد يكون من معناها حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ فإن الباطل إذا غلب والحق إذا اندثر وخاف الأمر بالمعروف على نفسه أو ماله جاز له السكوت، وقيل له اهتديت في نفسك ودع إلى ربك غيرك: فتكون الآية عامة بمعنى هو الأول في حديث أبي بكر، وتكون خاصة في زمان دون زمان بالمعنى الثاني في حديث أبي ثعلبة.

стр. 207

الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ . قال ابن العربي: هذه الآية في التفسير عضلة من العضل. وقد أفضنا في القسم الثالث من الأحكام القول فيها على غاية البيان ونصرنا فيها قول جمهور الفقهاء في نفي شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر، وبينا أنه لا نسخ فيها، وإنما هو تأويل معناها وشرح المقصود منها والمراد بها قال أحمد بن حنبل من الفقهاء والطبري من المفسرين: إن هذه الآية دليل على قبول شهادة أهل الذمة في السفر في الوصية ضرورة عند عدم المسلمين وأن الله ألزم الوصيين اليمين في هذه القضية حين ادعى عليهما ورثة الميت ما ادعوا ثم لم يلزم المدعي عليهما شيئا إذا حلفا حتى اعترف

стр. 208

الورثة في أيديهما، الجام فزعما أنهما اشترياه من ميتهم، فحينئذ ألزم النبي ﵇ ورثة الميت اليمين لأن الوصيين صارا مدعيين للشراء فاحتاجا إلى بينة وصار ورثة الميت أولى منهما باليمن، وذلك قوله: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثما﴾. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذا جهل بالآية ومعناها، وإنما المراد بالآية في ذكر الشهادة اليمين، واليمين تسمى شهادة في كتاب الله، وذلك في مسألة اللعان نص. وما تأوله الطبري من أنهما صارا بعد أداء الشهادة مدعيين إنما يصح على إحدى الروايات، وسائر الروايات بخلافه حسب ما سردناه في الأحكام. وينبغي أن ينظر إلى ما جاء من الروايات فما ساعده ظاهر القرآن فهو أولى مما يخرج عن ظاهره. فحفظ الظاهر من كتاب الله لصحته أولى من حفظ رواية لم يصح طريقها، والباري تعالى قد أتانا بحكمة عظيمة في هذه الآية وهو أنه ساقها في البيان مساق الإشارة إلى قصة تميم، ولذلك قال: (حين الوصية اثنان) وربما كان الوصي واحدًا، وقال: (فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما) وقد يكون المدعي واحدًا وقد يكون عشرة فليس قوله اثنان ولا قوله فآخران جاريا مجرى الشرط، وإنما هو كناية عا جرى من العدد في القصة، والواحد كالاثنين في ذلك. فالذي اقتضي الإشكال على النظار في هذه الآية طلبهم الاقتصار على ظاهر العدد في الآية. وكذلك ذكر العدالة تنبيها على ما يجب في الشهادة إن كانت، وفي الوصية إن احتيج إليها، فإن إسناد الوصية إلى غير العدل لا تجوز ولو أسندها إلى مسخوط عزله الحاكم ولم يقره، فإن أسندها إلى عبد أو ذمي فقد اختلف العلماء في ذلك، والصحيح ردها وقد بيناه في

стр. 209

المسائل وفي كتب الخلاف، والعجب أنه ليس في الآية ما يدل على قبول شهادتهم في الوصية حسبما أشار إليه أحمد والطبري، ونحن إنما قلنا شهادة العدول في الوصية واشترطنا ولايته فيها بغير هذه الآية من الأدلة وإن تعجبوا فعجب قول أصحاب أبي حنيفة أن هذه الآية تدل على جواز شهادة الكفار على وصايا المسلمين، فكان ذلك دليلا على شهادتهم على وصاياهم من طريق الأولى، ثم نسخت شهادتهم عنا بانقطاع الولاية بيننا وبينهم وبقيت فيما بينهم لأن بعضهم أولياء بعض، قلنا: ولا يصح أن نقول إن انقطاع الولاية بيننا وبين الكفار نسخ قبول شهادتهم علينا، لأنا لا نعلم أي الآيتين جاءت بعد الأخرى. جواب آخر: وذلك أن الانقطاع في الآية عموم، وقبول شهادة الكفار علينا في السفر في الوصية خصوص. جواب ثالث: وذلك أن الفرع إذا ترتب على أصل ونسخ الأصل استحال بقاء الفرع بعده، فإن قيل: فقولوا بجواز ذلك، قلنا: قد بينا وجه رد شهادتهم عنا وحققنا تأويل الآية، وكلما يعرضكم من الأشكال بعد هذه فشفاؤه في كتاب الأحكام: القسم الثالث، والله أعلم.

стр. 210

سورة الأنعام مكية كلها إلا آيات تسعا نزلت بالمدينة، وهي سورة عظيمة القدر نزلت جملة ليلا على النبي ﷺ معها سبعون ألف ملك يحفون بها لهم زجل بالتسبيح تضمنت التوحيد، من حدوث بالعالم إلى القول في الخلافة. والأحكام فيها قليل لعارض بينا وجهه في ترتيب أي القرآن وهو كتاب أخفيناه بعد أن جمعناه لما رأينا فيه من علوه على أقدار أهل الزمان، وأنه ليس له في هذه الأقطار حفي فوضعناه في سرب خفي. وفيها من الناسخ والمنسوخ اثنتا عشرة آية. الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قل لست عليكم بوكيل﴾ . قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ وروى ذلك عن ابن عباس ﵁، قال/ وفي ذلك ضعف لأن هذا خبر ومثله وما

стр. 211

جعلناك عليهم حفظيا وما أنت عليهم بوكيل) وهذا المعنى صحيح لأن النبي ﷺ ليس بحفيظ على من أرسل إليه بحفظ أعماله وإنما هو مبلغ والحساب والعقاب إلى الله . قال القاضي محمد بن العربي ﵁: الوكيل في اللغة هو من ألقيت إليه مقاليد الأمور وملك المعاني التي تكون للموكل فقال الله تعالى لنبيه ﵇. لم تملك أمورهم ولا ألقيت بيدك مقاليدهم، خبرا عن التخلي عنهم وتركهم والاسترسال على أفعالهم حتى يأتي مستقر النبأ المراد بهم، وعيد مطلق لا إلى غاية، وتهديد بما يجري عليهم من القتل والقهر والاستعلاء والغلبة، وهذا خبر عن حكم من أحكام الشرع. وقد بينا أن الخبر إذا كان عن حكم جاز نسخه فالآية منسوخة على كل حال بكل آية فيها القتل والقتال والله أعلم. الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا﴾ . إلى آخر ا لآية الثالثة وهي قوله تعالى: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء﴾ قال بعضهم في قوله: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء﴾ أباح الله بمكة الجلوس مع المشركين إذ لا يلزمهم من كفرهم شيء. وذكر عن ابن عباس ﵄ أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ والذي عليه أهل التفسير أنه لا ينسخ لأنه خبر والايتان محكمتان ومعنى الآية أنه إذا نهي عن المنكر فليس عليه حساب من فعله. قال القاضي محمد بن العربي. هذه غباوة ظاهرة. ليس هذا بخبر بل هو صريح أمر لأن الله تعالى قال لرسوله ﷺ ، وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في

стр. 212

حديث غيره" فإن نسيت فتذكرت فقم ساعة تذكارك عنهم ولا تقعد بعد ذلك معهم. وهذا منسوخ بأمره بالقتل والقتال بلا إشكال، والآية التي في النساء مثلها، فإنه نهاهم الله أن يجالسهم إذا سمعهم يكفرون. وهذه أيضا منسوخة بالأمر بالقتال إذ كان مأمورا أن يقوم عنهم إذا سمعهم يستهزئون بآيات الله ويكفرون وصار بعد ذلك مأمورا بأن يقاتلهم ويقيم الحد بالقتل في ذلك عليهم وهذا نسخ بين. الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا﴾ . قال بعضهم: قال قتادة هي منسوخة بآية القتل. وأكثر الناس على أنها محكمة تهديد ووعيد ليس فيها معنى الإلزام وذلك لا ينسخ. قال محمد بن العربي ﵀: هذه و الآية الخامسة: ﴿قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ مسنوختان بآيات القتال، لأن القتل المأمور به في آيات القتال يضاد الترك المأمور به في هذه الآيات، لأن من يقاتل ويقتل لا يترك، وحيث وقع ذرهم في القرآن فهو منسوخ، مثل هذا. وهذا أبين من إطناب فيه. الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ . هذا منسوخ بآية السيف أيضا على الطريقة المتقدمة. الآية السابعة قوله تعالى: ﴿وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل﴾ . قال بعضهم: المعنى فيه لم نبعثك، لتحفظ أعمالهم وتجزيهم بها: ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ أي بقيم برزقهم وتعذيبهم، وليس ذلك إلا إلى الله، واختار الطبري ﵀.

стр. 213

قال القاضي ابن العربي: قد بينا في كتاب الأمد معنى الحفيظ، وحقيقته منع الآفات. والباري تعالى حافظ السماوات والأرض أن تزولا، وحافظ الذكر أن يبدل، وحافظ الأنبياء أن يعصوا، وحافظ المؤمنين أن يزيفوا، والباريء تعالى لم يرسل محمدًا ﵇ ليصدهم عن الكفر أولا، وإنما أمر بالبلاغ، ثم أمره الله تعالى بالقتال والقتل وهو أشد المنع وأبلغ الزحر. الاية الثامنة: قوله تعالى: ﴿فذرهم وما يفترون﴾ وقد بينا أن الأمر بالقتل والقتال نسخ الترك فإنه ضده . الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿اعملوا على مكانتكم﴾ . هذا منسوخ بآية القتال فإنه تهديد وإن كان بصيغة الأمر والوعيد، قد سقط بالفعل. الآية العاشرة قوله تعالى: ﴿فذرهم وما يفترون﴾ . نسخ الترك القتل المأمور به. الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ليست منهم في شيء، إنما أمرهم إلى الله﴾ نسخها الأمر بالقتال. لأن قوله تعالى: ﴿لست منهم في شيء﴾ إخبار بأنه لا يجمعهم معه معنى، لأنهم أضداد هذا اجتماع قلب وفعل وصحة عقيدة وانتظام جملة وأولائك على الرد، فقال الله لنبيه ﵇، أمرهم إلى الله والأمر كله لله، ثم جعل إليه بعد ذلك قتالهم، فرمى

стр. 214

وقتل وما رمي ولكن الله رمى، ولم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، وهذا تحقيق بالغ. الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿قل انتظروا إنا منتظرون﴾ . هذا إمهال نسخه تعجيل القتل والقتال، فإن قيل هذا إنما هو وعيد بالقيامة لقوله تعالى قبله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسها إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾ الآية: ﴿قل انتظروا﴾ يعني ذلك ﴿إنا منتظرون﴾ قلنا توعدهم الله بالانتظار وقال لنبيه قل هم: ﴿إنا منتظرون﴾ يعني نفوذ الحكم فيهم في الدنيا، والوعيد في الآخرى، ثم نسخ ذلك كله القتال والقتل. وقد ذكر بعضهم ان الأمر بالقتال نسخ مائة آية وأربع عشرة آية. وإن لم تبلغ في التحقيق هذا فإنها تقاربه وبيان ذلك في هذا الكتاب. ذكر الآيات الخارجة عن النسخ إلى التخصيص وهي أربع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق﴾ قال بعضهم: قال عكرمة: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ فأحل لنا طعامهم وهم لا يسمون على ذبائحهم وقيل: هي محكمة ولا توكل ذبيحة لم يذكر عليها اسم الله، وقد أجمع على أكل ذبيحة الناسي لذكر الله عند الذبح، وقيل: الآية مخصوصة محكمة، والمراد بها المتعمد لترك التسمية، وقد انعقد الإجماع، على أن المراد به الذبائح وليس ذلك بنسخ وإنما هو تخصيص .

стр. 215

قال القاضي محمد بن العربي: هذه الآية نزلت على سبب وهو أن قوما أتوا النبي ﵇ فقالوا أنأكل مما نقتل ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿إنكم لمشركون﴾ رواه الترمذي، عن ابن عباس عن النبي ﵇، قال: والصحيح أنه مرسل فبين الله وجه الحكمة وصحة الحجة فيما فصل مما حلل وحرم فقال: كلوا مما ذكر اسم الله عليه مما ذبحتم وقتلم ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه فحرم الميتة وبين سبب تحريمها، وهذا ظاهر قوي في تحريم الميتة، ويقتضي هذا تحريم ما ذكر اسم غير الله عليه بالعموم في أنه لم يذكر اسم الله عليه، وزاد أنه ذكر عليه اسم غير الله. وهذا تنبيه في أنه إذا كان مالم يذكر اسم الله عليه لا يوكل فأولى أن لا يوكل ما ذكر اسم غير الله عليه، وهذا التنبيه هو المنصوص في قوله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ ولذلك أدخل العلماء فيه تحريم أكل كل متروك التسمية عمدًا حسبما بيناه في الأحكام، وكتب الحديث فإذا العلماء اختلفوا قديما
следующие страницы →