Полный текст (413 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
جعلناك عليهم حفظيا وما أنت عليهم بوكيل) وهذا المعنى صحيح لأن النبي ﷺ ليس بحفيظ على من أرسل إليه بحفظ أعماله وإنما هو مبلغ والحساب والعقاب إلى الله .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
الوكيل في اللغة هو من ألقيت إليه مقاليد الأمور وملك المعاني التي تكون للموكل فقال الله تعالى لنبيه ﵇. لم تملك أمورهم ولا ألقيت بيدك مقاليدهم، خبرا عن التخلي عنهم وتركهم والاسترسال على أفعالهم حتى يأتي مستقر النبأ المراد بهم، وعيد مطلق لا إلى غاية، وتهديد بما يجري عليهم من القتل والقهر والاستعلاء والغلبة، وهذا خبر عن حكم من أحكام الشرع. وقد بينا أن الخبر إذا كان عن حكم جاز نسخه فالآية منسوخة على كل حال بكل آية فيها القتل والقتال والله أعلم.
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا﴾ . إلى آخر ا لآية الثالثة وهي قوله تعالى: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء﴾ قال بعضهم في قوله: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء﴾ أباح الله بمكة الجلوس مع المشركين إذ لا يلزمهم من كفرهم شيء. وذكر عن ابن عباس ﵄ أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ والذي عليه أهل التفسير أنه لا ينسخ لأنه خبر والايتان محكمتان ومعنى الآية أنه إذا نهي عن المنكر فليس عليه حساب من فعله.
قال القاضي محمد بن العربي.
هذه غباوة ظاهرة. ليس هذا بخبر بل هو صريح أمر لأن الله تعالى قال لرسوله ﷺ ، وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في
стр. 212
حديث غيره" فإن نسيت فتذكرت فقم ساعة تذكارك عنهم ولا تقعد بعد ذلك معهم. وهذا منسوخ بأمره بالقتل والقتال بلا إشكال، والآية التي في النساء مثلها، فإنه نهاهم الله أن يجالسهم إذا سمعهم يكفرون. وهذه أيضا منسوخة بالأمر بالقتال إذ كان مأمورا أن يقوم عنهم إذا سمعهم يستهزئون بآيات الله ويكفرون وصار بعد ذلك مأمورا بأن يقاتلهم ويقيم الحد بالقتل في ذلك عليهم وهذا نسخ بين.
الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا﴾ .
قال بعضهم: قال قتادة هي منسوخة بآية القتل. وأكثر الناس على أنها محكمة تهديد ووعيد ليس فيها معنى الإلزام وذلك لا ينسخ.
قال محمد بن العربي ﵀:
هذه و الآية الخامسة: ﴿قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ مسنوختان بآيات القتال، لأن القتل المأمور به في آيات القتال يضاد الترك المأمور به في هذه الآيات، لأن من يقاتل ويقتل لا يترك، وحيث وقع ذرهم في القرآن فهو منسوخ، مثل هذا. وهذا أبين من إطناب فيه.
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ .
هذا منسوخ بآية السيف أيضا على الطريقة المتقدمة.
الآية السابعة قوله تعالى: ﴿وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل﴾ .
قال بعضهم: المعنى فيه لم نبعثك، لتحفظ أعمالهم وتجزيهم بها: ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ أي بقيم برزقهم وتعذيبهم، وليس ذلك إلا إلى الله، واختار الطبري ﵀.
стр. 213
قال القاضي ابن العربي:
قد بينا في كتاب الأمد معنى الحفيظ، وحقيقته منع الآفات. والباري تعالى حافظ السماوات والأرض أن تزولا، وحافظ الذكر أن يبدل، وحافظ الأنبياء أن يعصوا، وحافظ المؤمنين أن يزيفوا، والباريء تعالى لم يرسل محمدًا ﵇ ليصدهم عن الكفر أولا، وإنما أمر بالبلاغ، ثم أمره الله تعالى بالقتال والقتل وهو أشد المنع وأبلغ الزحر.
الاية الثامنة: قوله تعالى: ﴿فذرهم وما يفترون﴾ وقد بينا أن الأمر بالقتل والقتال نسخ الترك فإنه ضده .
الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿اعملوا على مكانتكم﴾ .
هذا منسوخ بآية القتال فإنه تهديد وإن كان بصيغة الأمر والوعيد، قد سقط بالفعل.
الآية العاشرة قوله تعالى: ﴿فذرهم وما يفترون﴾ .
نسخ الترك القتل المأمور به.
الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ليست منهم في شيء، إنما أمرهم إلى الله﴾ نسخها الأمر بالقتال. لأن قوله تعالى: ﴿لست منهم في شيء﴾ إخبار بأنه لا يجمعهم معه معنى، لأنهم أضداد هذا اجتماع قلب وفعل وصحة عقيدة وانتظام جملة وأولائك على الرد، فقال الله لنبيه ﵇، أمرهم إلى الله والأمر كله لله، ثم جعل إليه بعد ذلك قتالهم، فرمى
стр. 214
وقتل وما رمي ولكن الله رمى، ولم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، وهذا تحقيق بالغ.
الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿قل انتظروا إنا منتظرون﴾ .
هذا إمهال نسخه تعجيل القتل والقتال، فإن قيل هذا إنما هو وعيد بالقيامة لقوله تعالى قبله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسها إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾ الآية: ﴿قل انتظروا﴾ يعني ذلك ﴿إنا منتظرون﴾ قلنا توعدهم الله بالانتظار وقال لنبيه قل هم: ﴿إنا منتظرون﴾ يعني نفوذ الحكم فيهم في الدنيا، والوعيد في الآخرى، ثم نسخ ذلك كله القتال والقتل. وقد ذكر بعضهم ان الأمر بالقتال نسخ مائة آية وأربع عشرة آية. وإن لم تبلغ في التحقيق هذا فإنها تقاربه وبيان ذلك في هذا الكتاب.
ذكر الآيات الخارجة عن النسخ إلى التخصيص وهي أربع آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق﴾ قال بعضهم: قال عكرمة: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ فأحل لنا طعامهم وهم لا يسمون على ذبائحهم وقيل: هي محكمة ولا توكل ذبيحة لم يذكر عليها اسم الله، وقد أجمع على أكل ذبيحة الناسي لذكر الله عند الذبح، وقيل: الآية مخصوصة محكمة، والمراد بها المتعمد لترك التسمية، وقد انعقد الإجماع، على أن المراد به الذبائح وليس ذلك بنسخ وإنما هو تخصيص .
стр. 215
قال القاضي محمد بن العربي:
هذه الآية نزلت على سبب وهو أن قوما أتوا النبي ﵇ فقالوا أنأكل مما نقتل ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿إنكم لمشركون﴾ رواه الترمذي، عن ابن عباس عن النبي ﵇، قال: والصحيح أنه مرسل فبين الله وجه الحكمة وصحة الحجة فيما فصل مما حلل وحرم فقال: كلوا مما ذكر اسم الله عليه مما ذبحتم وقتلم ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه فحرم الميتة وبين سبب تحريمها، وهذا ظاهر قوي في تحريم الميتة، ويقتضي هذا تحريم ما ذكر اسم غير الله عليه بالعموم في أنه لم يذكر اسم الله عليه، وزاد أنه ذكر عليه اسم غير الله. وهذا تنبيه في أنه إذا كان مالم يذكر اسم الله عليه لا يوكل فأولى أن لا يوكل ما ذكر اسم غير الله عليه، وهذا التنبيه هو المنصوص في قوله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ ولذلك أدخل العلماء فيه تحريم أكل كل متروك التسمية عمدًا حسبما بيناه في الأحكام، وكتب الحديث فإذا العلماء اختلفوا قديما
стр. 216
وحديثا فيمن ذبح من أهل الكتاب. باسم غير الله من نبي أو كنيسة كمن ذبح لعيسى ﵇ أو يذبح لسرجس كنيسة معظمة عندهم فمنهم من منع أكلها لقوله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ ولقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ والآية الأولى أخص بدليله (لكونها نصا) كما قدمنا. ومنهم من قال هي رخصة مستثناه مخصوصة بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ مع علم ربنا بأنهم يذبحون لغيره، ويذكرون على مناسكم سواه، ولكنه سبحانه يحرم ما يشاء ويحلل ما يشاء. وقد سألت عنها شيخنا أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، الإمام الزاهد فقال: يوكل ما ذبحوا وإن سموا غير الله، قد أباح طعام أوائلهم وهؤلاء من أبنائهم. فإن قلنا: إنه لا يوكل من طعام أهل الكتاب ما ذبحوا لغير الله فآية الكتابيين مخصوصة بقوله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ وإن قلنا إنه يوكل فقوله: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ مخصوص بقوله: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾.
وفيه نظر عظيم فإنه عموم خص عموما، وإنما يخص العموم بالمخصوص لا بعموم مثله ولكن العلماء اعتمدوا في هذا المعنى على ما يعضد كل عموم من المعنى، فمن عضد معنى التحريم غلب عمومه، في قوله: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ ومن غلب عموم التحليل فيما يعضده من طريق الرخصة والمعنى وهو الصحيح عندنا، فإن أهل الكتاب وإن دعوا الله فإنهم يعتقدون أنهم ذبحوا لرب له زوجة وولد وذلك ذبح لغير الله، فلما كان مآل جميع ذبحهم لغير الله لم تبال سموا ربهم الباطل أم سموا الرب الحق وهم يعتقدون أنه ذلك، وإليه مرجع قولهم ولهذا قال علماؤنا: إذا قلنا بتكفير القدرية لم تأكل ذبائحهم، فإنهم إذا قالوا باسم الله فإن الله عندهم لعنهم الله هو الذي ليس له علم ولا قدرة ولا كلام، ويخلق عبادة ما أردوا ولا يقدر على
стр. 217
صرفهم عنه. وأما قول هذا المفسر: فإنه أجمع على أكل ذبيحة الناسي لذكر الله، فباطل بل فيه ستة أقوال: الأول أنها توكل، الثاني أنها لا توكل بحال سواء ترك التسمية عمدًا، أو سهوًا قاله ابن سيرين وأحمد بن حنبل، وقد استوفينا الأقوال فيها في كتاب الأحكام.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ .
قال بعضهم قال ابن جبير: هي منسوخة بآية الزكاة. وقال ابن عباس ﵀. هي منسوخة بإيجاب العشر ونصف العشر. وقال أنس بن مالك وجماعة هي محكمة. وقد قال مالك، إن المراد بها الزكاة، والأنعام مكية والزكاة فرضت بالمدينة فكيف يصح هذا.
قال محمد بن العربي ﵀:
هذه آية محكمة لم تنسخ، محكمة لم تشكل وذلك أن قوله تعالى: ﴿وآتوا﴾ مبين في الإعطاء، وقوله: ﴿حقه﴾ مفسر في المعطى نص فيه مجمل في مقداره، حتى بينه النبي ﵇ بقوله: فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بنص أو سانية نصف العشر. وبقوله ﵇: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة فاقتضت الآية وجوب الحق فيما أنعم الله به من بركات الأرض، وبين النبي ﵇ مقدار ذلك الحق كما بين كيفية الصلاة والصيام وأعداد الكل، فإذ قد بين النبي ﵇ ذلك الحق وعينه فلا وجه لذكر حق سواه وقد قال تعالى: ﴿وفي أموالهم حق﴾ ثم قال في موضع آخر ﴿في أموالهم حق
стр. 218
معلوم﴾ ذلك قد علمناه. المبين المبلغ المعلم الثابت، صلوات الله عليه وسلامه، فلا يصح مع هذا أن يقال: إن آية الزكاة نسختها وهي الزكاة بعينها، ولا معارضة بينهما (فإنه قد قال تعالى: ﴿آتوا الزكاة﴾ وهي في أجناس من الأموال، وبين في هذه الآية بعض أجناس الأموال الزكاتية، فاتفقنا واطردنا وانتظمتا ولم تتعارضا. وكما لا يصح أن يقال أنه نسخها إيجاب العشر لأن ذلك بيان للمقدار، فيكف يكون بيان مقدار الشيء نسخا له، وهذا بين لمن تأمله والله أعلم.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾ الآية .
هذه آية مدنية مكية لأنها نزلت بعد الهجرة يوم عرفة في حجة الوداع، فقيل إنه لم ينزل بعدها ناسخ لها. وقيل إنها منسوخة بالسنة، حرم النبي ﵇ لحوم الحمر الأهلية وحرم كل ذي ناب من السياع وذي مخلب من الطير، خرجه الأئمة كلهم. منهم من خرجه: نهي ومنهم من خرجه: حرم كل ذي ناب من السباع على القول بذلك وهو الصحيح.
ومما يجب أن تحيطوا به علما ما بيناه في كتب الأصول أنه لو ثبت نزول هذه الآية متى ثبت وثبت قول النبي ﷺ بما تقدم لم يكن ذلك نسخا لأن الزيادة في التكليفات بعد حصرها بالنفي والإثبات لا تعد نسخا. قال النبي ﷺ لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث. رجل زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان أو قتل
стр. 219
نفسا بغير نفس)، ثم ذكر علماؤنا أن أسباب القتل عشرة، منها متفق عليه ومنها مختلف فيه ولم يعد ذلك نسخا وإنما هو زيادة بيان، وكما لم تعد الزيادة في التكليفات من أركان الديانات والأجناس المختلفات نسخا، إذ لم تأت الشريعة جملة واحدة وإنما وضعت نوعا نوعا وفوجا فوجا، هذا كما لم يعد جواز أكل الكبد والطحال وتخصيص ذلك من الدم نسخا، مع أن تحريم كل ذي ناب من السباع لم يرد في الصحيح التحريم، وإنما جاء بلفظه نهي المحتملة للتحريم والتنزيه، وفي اختلاف أحوال السباع في الأفتراس دليل على الكراهية، ألا ترى إلى الكلب والهر والضبع فإنها سباع ولكن وقع الأنس بالهر ودعت الحاجة إلى الكلب، وروى جابر ﵁ عن النبي ﷺ في الضبع أنها صيد، وفي قتلها في الحرم في الحرم كبش بيد أنه يبقى إشكال، وهو أنه لو قدرنا على التحقيق نزول الآية يوم عرفة وتحققنا أن ما حرم النبي ﵇ من الأشياء خلا باقيها كان قبل ذلك كان ذلك نسخا وقد قال عمرو بن دينار، قلت لجابر بن زيد، إن النبي ﵇ نهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية قال قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري. ولكن أبي ذلك البحر يعني ابن عباس وقرأ: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طعام يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحًا أو لحم خنزير﴾ وقد روي مثل ذلك عن عائشة، ﵂، وقرأت الآية أيضا. وقد تأول الشافعي الآية على الخصوص فقال: معناها قل لا أجد فيما أوحي إلي مما كنتم تجتنبونه إلا أن يكون ميتة فأما غير ذلك من المحرمات فلا، بدليل أن الله تعالى حرم أشياء، منها المنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة، هذا قوله.، ورأينا
стр. 220
نحن أن الخمر محرمة والآدمي محرم إجماعا، فدارت الآية بين الزيادة على ما فيها قطعا، وبين الاحتمال لما قاله الشافعي والتخصيص كما قدمناه في الدم النقصان الكبد والطحال فيه إلى زيادات معاني من المتممات بيناها في كتاب الأحكام والخلاف فجاء من هذا أن الآية في خل الاجتهاد بالتخصيص بها أو التعميم، والزيادة عليها أو الاقتصار إلى غير ذلك من وجوه الاحتمال، ومع هذا كله لا يصح دعوى نسخ فيها إذ لا يمكن إثباته منها والله أعلم.
الآية الرابعة: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن .
قال بعضهم: نسخها قوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾.
قال القاضي ابن العربي:
هذا تقصير، فإن قوله تعالى: ﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ هو نفسه ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ يعني فإن الإصلاح لمال اليتيم من باب الأحسن مع الخلطة ظاهر، والمصلحة فيه موجودة، فصار معنى الاثنين فيه واحدا، والله أعلم
стр. 221
سورة الأعراف
قال المفسرون: هي مكية إلا قوله: ﴿وسألهم عن القرية﴾ فإنها مدنية، فيها آيتان موضع نظر. الآية الأولى: قوله: ﴿وأملي لهم إن كيدي متين﴾ أي خل عنهم ودعهم نسختها آية السيف.
قال محمد بن العربي ﵀:
قوله تعالى: ﴿وأملي لهم﴾ أي أؤخرهم حينا من الدهر من الملاوة بضم الميم وفتحها وكسرها وهي حين من الزمان، كقوله تعالى: ﴿إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾ يريد بالعقوبة، يريد أؤخرهم بها حتى يظنوا أنها لا تدركهم وهذا هو المكر والكيد يفعل ما يظن المفعول معه أنه خير وهو شر في الباطن، فإن الباريء أنعم على الكفار بالصحة والسلامة وجعلها أسبابًا للمعصية فكانت غاية المضرة، وهو محمود من الباري تعالى، محمود منا إذا فعله المسلم مع الظالم ليتخلص منه به من ظلمه. وهذا كله إذا عرفتم الحقيقة فيه مما لم ينسخ ولا نسخ فإنها مشيئة، نافذة وحكمة بالغة أخبر الله تعالى عنها وأنفذ حكمه بها.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ قال بعضهم: العفو الفضل من أموالهم، نسخ ذلك من الزكاة، وهذه الآية من غريب المنسوخ لأن أولها وآخرها منسوخان ووسطها محكم. آخرها (وأعرض عن الجاهلين) وهو أيضا منسوخ .
стр. 222
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
قد تقدم تفسيرنا لهذه الآية وسردنا أقوال العلماء فيها وما يؤثر من النسخ عنها وبينا أن العفو على أقسام كثيرة وأن المراد به ها هنا الفضل من أموالهم، وما خف عليهم. وهو الزكاة التي بين الله حكمها وأوجب فعلها فالآية محكمة وأما الإعراض عن الجاهلين فإنه مخصوص في الكفار الذين أمر بقتالهم، باق فيمن عداهم. ثبت في الصحيح واللفظ للبخاري عن ابن عباس ﵁ قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قسيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمرو وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر قال: قال فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب، فهو الله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه، ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقافا عند كتاب الله رضوان الله عليه. وروى جابر بن سليم، ﵁ قال: ركبت
стр. 223
قعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله عله السلام فأنخت قعودي بباب المسجد فدلوني على رسول الله صلوات الله عليه فإذا هو جالس، عليه برد من صوف فيه طرائق حمر فقلت: السلام عليك يا رسول الله فقال: عليك السلام، فقلت: إنا معشر البادية قوم فينا الجفاء، فعلمني كلمات ينفعني الله بها قال: أذن منى فدنوت فقال: أعد علي فأعدت: قال اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه منبسط، وأن تفرغ من دلوك، في إناء أخيك، وإن امرؤ سبك بما يعلم فيك فلا تسبه بما تعلم فيه. فإن الله جاعل لك أجرًا وعليه وزرا، ولا تبن شيئا مما خولك الله. فو الذي نفسي بيده ما سببت بعده ولا شاة لا بعيرا.
стр. 224
سورة الأنفال
فيها من النسخ ثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ قال بعضهم: روى عن ابن عباس وغيره، أن هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسة﴾ وقال الأكثر: إنها محكمة على تفصيل طويل فات فيه التحصيل .
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
قد قيل إن سورة الأنفال مدينة إلا قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ و قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ فإنها مكيتان. فإن كان هذا بنقل صحيح فبها ونعمت. وإن كان بحكم الظن فإن هاتين الآيتين جرت قصتهما بمكة فلا يصح هذا. لأن القصة قد تجري بمكة وتذكر بالمدينة. على أن هذا لا يحتاج إليه لأنه ليس في الآيتين حكم يفتقر إلى العمل به فيقال هذا فيه أولا. وإنما الذي نزل بمكة في الصحيح قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حسبك الله﴾ والأصل في هذه الاية ما رواه مصعب بن سعد، عن أبه ﵄ أنه قال: لما كان يوم بدر جئت بسيف، فقلت:
стр. 225
يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من المشركين، أو نحو هذا – هب لي هذا السيف. فقال: هذه ليست لك ولا لي. فقلت: عسى أن يعطي هذا من لا يبلى بلائي. فجاءني الرسول ﷺ فقال: إنك سألتني وليست لي، وقد صارت لي وهو لك، فنزلت: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ - الآية، رواه الترمذي وصححه وجاء من طرق عديدة.
والصحيح أن هذه الآية ناسخة لما سبق من حكم الله، في تحريم الغنائم على الخلق، فأحلها الله على هذه الأمة لما رأي من ضعفها وعجزها. وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله وغيره: أحلت لي الغنائم. وثبت عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ من طرق عديدة، واللفظ للبخاري، قال رسول الله ﷺ غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبنى بها ولما بين بها، ولا أحد بني بيوتا ولما يرفع سقوفها ولا أحد اشترى غنما أو خلفات، وهو ينتظر ولادها. فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا. فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم فجاءت – يعني النار – لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك. فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلت ثم أحل الله لنا الغنائم، رأي ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا، وهذا صحيح لا طعن فيه، وبين لا غبار عليه، وقوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ هو قوله: ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول﴾ لأن المعنى: فإن الحكم لله وحده وللرسول يحكم فيه ﵎ وبحكمه عند الرسول ﷺ بما تبين له.
стр. 226
قوقع فيه القول في أول السورة بمطلق، الحكم لله ولرسوله ووقع البيان في الآية الثانية بوجه الحكم للخمس، وأربع الأخماس: فقال الرسول ﷺ في الصحيح: (مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم) إشارة إلى أنه ﷺ لم يجعل له في الخمس ملك، وإنما جعل إليه فيه النظر، ويحتمل أنه جعل له ﵇ ملكا، ثم صرفه على الناس فضلا. وطرد ذلط وشرحه وتحقيقه ذلك كله في الأحكام.
تتميم: النفل في اللغة هو الزيادة، والغنيمة نفل لأنها زيادة في الحلال. وأما الغنيمة فهي ما أخذ بقهر وغلبة، والفيء ما عاد إلى المسلمين بغير مؤنة إلا بمجرد الرعب. ويصح أن يكون المراد بالنفل جميعه ثم بين بعد ذلك كل حكم، وخص كل واحد باسم، والمعنى واحد في الكل، واسم النفل واقع على الجميع، فأخبر الله أنها لله والرسول، ثم بين كل حكم كما قدمنا لكل اسم كما شرحنا. وخص الغنيمة بالبيان في هذه السورة فقال: فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا. فكان هذا أيضا رافعا لما كان قبل ثابتا وهي الآية الثانية.
ألاية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن تكن منكم مائة يغلبوا ألفا﴾ قال ابن عباس ﵁: لما نزلت ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ الآية، كتب عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ولا عشرون من مائتين. ثم نزلت ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ فكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين قال البخاري في حديثه
стр. 227
وزاد: قال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ذلك، هذا أبين ما يكون من النسخ، فأما قول ابن شبرمة: وأرى المعروف والمنكر مثله، فإنه قياس المعاصي) على الكفر، ويعتضد هذا بالحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: من رأي منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان. فمقامات تغيير المنكر ثلاثة:
الأول باللسان، وذلك في ثلاثة وجوه: الوعظ والتخويف، والسب على الترتيب الذي ذكرنا.
المقام الثاني: اليد، وذلك بكسر آنية الخمر مثلا والدفع أو الضرب، فهذان وجهان أيضا فإن احتاج إلى تغييره بالسلاح فله أن يظهرها وذلك في تخليص امرأة مثلا أو رجل من قتل أو مال عن نهب إن كان كثيرا بلا خلاف، وإن كان نزرا يسيرا فلا فإن احتاج إلى من يعينه في استنقاذ المال والفرج والدم فليبادر إليه أعوانه، وإن كان مع فاعل المنكر أعوان، وإن أدي إلى أن يتقاتل الصفان، فقد اختلف العلماء في ذلك: فمنهم من قال: لابد من إذن الإمام لأنه ربما آل ذلك إلى استبحار الفتنة، وقال آخرون: لا يحتاج إلى إذن الإمام، وهو اختيار الطوسي، وهو الصحيح عندي إذا كان استئذان الإمام يؤول إلى فوت التغيير، وهذا ما كان المنكر من آحاد الناس. فأما إن كان من الوالي فلا يجوز
стр. 228
تغيير عليه بالقتال والخروج. والصبر عليه جائز. وما جرى لابن الأشعث والقول في جهة الحجاج خطأ ظاهر. وقد علمتم مآله وسمعتم على ألسنة الرواة حالة، وقد كان القراء دعوا الحسن ابن أبي الحسن البصري إلى الخروج معهم على الحجاج فقال لهم الحسن: إن الحجاج عقوبة الله في أرضه، وعقوبة الله لا تقابل بالسيف، وإنما تقابل بالتوبة، فهذا ما أراد ابن شبرمة والله أعلم.
المقام الثالث التغيير بالقلب وقد بيناه في موضعه.
ذكر آيات الخصوص
وهي ستة:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة﴾ الآية: قال " عطاء" هي منسوخة بقوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ ثم نسخ أيضا هذا بقوله تعالى: ﴿فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ .
قال بعضهم: والنسخ في هذا لا يجوز لأنه وعيد والوعيد لا ينسخ لأنه خبر.
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
اختلف الناس في المراد بهذه الآية على قولين أحدها، أنها في يوم خاصة، وهو اختيار الحسن وروى عن ابن عباس ﵀، وقيل هي عامة في
стр. 229
الآزمة مخصوصة في العدد، لقوله تعالى: ﴿فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾ والصحيح عمومها لوجهين: أحدهما: أنه ظاهر القرآن قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا فلا تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذ دبره. يعني به يوم الزحف. وثبت عن النبي ﵇، أنه عد الكبائر فقال: والفرار من الزحف وهذا نص لا غبار عليه.
الاية الثانية قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ قال الحسن: قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ ثم نزلت بعدها آية نسختها، وهي قوله تعالى: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
هذا وهم في النقل عنه والقول منه. روى البخاري عن أنس بن مالك ﵀ قال: قال أبو جهل لعنه الله: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ايتنا بعذاب أليم﴾ فنزلت: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. ومالهم ألا يعذبهم الله﴾ الآية. فأخبر أنس أن الايتين نزلتا معا وما نزل في فور واحد لا يصح النسخ من بعضه إلى بعض، وقد روى المفسرون أن النضر بن
стр. 230
الحارث قال هذا، فنزلت: ﴿سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين﴾ الآية. والأول أصح. ورووا عن ابن عباس أنه قال: معنى الآية (وما كان الله ليعذبهم) يعني جميع الكفار وقد علم أن فيهم من يسلم، وما لهم ألا يعذبهم الله إذا أسلم من يسر له الإسلام، وقيل معناها (وما كان الله ليعذبهم) في الدنيا (وهم يستغفرون) لأنهم كانوا يقولون غفرانك. (وما لهم ألا يعذبهم الله) يعني في الآخرة. وقال الضحاك معناه (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) يعني المسلمين، (وما لهم ألا يعذبهم الله) يعني الكفار، فجعل الضمير لمضمرين مختلفين.
قال القاضي محمد بن العربي:
الذي أوجب هذا الاختلاف في التفسير عدم فهم الآية، ومعناها على التحقيق (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) (بتمنيهم العذاب) كما فعل (في سائر) الأمم قبلهم، مراعاة لك. فإنا أرسلناك رحمة للعالمين. فرفع العذاب عن كفار هذه الأمة في سؤالها إياه لحرمة محمد ﷺ ثم قال: وإذا راعيناهم في حرمتك فإنا نراعيهم في استغفارهم. فإذا استغفروا لم يعذبهم، يريد به الاستغفار الصحيح الصادر عن الاعتقاد الصريح، فإنه الذي ينتفع به المستغفر، أنشدني بعض علمائنا:
أستغفر الله من أستغفر الله ... لفظة صدرت خالفت معناها
وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد ... سددت بالذنب عند الله مجراها
وقد سمع الربيع بن خيثم، رجلا يقول: أستغفر الله، فقال: هذه كذبة، وهذه لأنه خفي عليه لسان العرب فإن استفعل في لسان العرب ينطلق على
стр. 231
معاني منها استفعلت بمعنى سألت الفعل كقولك استقيت ماء أي سألت السقيا، وكذلك استغفرت سألت المغفرة، وقد بينا ذلك في كتاب الأحكام، في سورة هود بيانا شافيا، إن شاء الله، قد روى عن أبي موسى الأشعري نحو من هذا قال قال رسول الله ﷺ : أنزل الله علي أمانين لأمتي: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة. وهذا معنى صحيح في سند ضعيف يحققه الحديث الصحيح لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) فوعده بالمغفرة مع الاستغفار. ومن غفر له لم يعاقب. ثم قال تعالى: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ المعنى أنهم مستحقون العذاب لصدهم عن المسجد الحرام ولكن صرفناه عنهم لكونك فيهم، فعندهم سبب موجب للعذاب وهو صدهم عن المسجد الحرام، ولهم وسيلة مقتضية لصرفه وهي كونك فيهم. وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأن الصد عن المسجد الحرام معصية، فبين تعالى أن الكفار معاقبون على المعاصي وهذا نص.
стр. 232
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ قال قتادة: هذا ناسخ لقوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ فإن الغنيمة في صدر الإسلام كانت تعطي في الأصناف الذين في سورة الحشر ثم نزلت: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ فقسمها الله على الوجه المذكور فيها، وهذا فاسد قد بينا أن الفيء نوع والغنيمة نوع وأنهما مالآن مأخوذان بشيئين مختلفين جعل الله لهما اسمين مختلفين: فالغنيمة ما أخذ بقهر وهو لمن سمى الله، والفيء ما أخذ بغير قتال وهو للنبي ﷺ . ثم قال تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ وهي آية معضلة خفيت على العلماء وتباينت فيها الأقوال بين المحدثين والقدماء. وقد حققنا القول في معناها في الأحكام. وذلك أنها ثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ فهذه بنو النضير وما جرى مجراها فهي لرسول الله خالصة، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ في الحديث الصحيح والآية الثانية قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ فهذه آية القتال الذي يؤخذ بالقهر والاستعلاء والغلبة بالمدافعة والمحاربة فالخمس منها لمن ذكر الله تعالى والأربعة الأخماس لمن تناول ذلك فيها، على تفصيل بيانه في كتاب الأحكام ومسائل الفقه .
стр. 233
قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ وفيها ثلاثة أقوال: الأول أنها ملحقة بآية بني النضير، والثاني أنها ملحقة بآية الأنفال، الثالث أنها منفردة بنفسها. والذي يقول إنها ملحقة بالأولى يسمى السورة سورة بني النضير، وقد ترددت فيها مرارا وتفاوضت فيها مع النظار والافتكار سرا وجهارا، والإشكال يجذبها حينا والبيان يجلوها حينا.
وقد اختلف فيها قول إمام العلماء مالك بن أنس، فروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك: أن الأولى من سورة الحشر في بني النضير، والثانية في بني قريظة وكانت قريظة والخندق في يوم واحد، وهي آية ثانية، ومعنى ثان غير الأول لمستحق غير الأول، معقبة بالناس إلى يوم القيامة، يشترك فيها من حضر ومن غاب، مملوكة لمن وجد وعدم، ولأجل هذا قال كثير من العلماء: (إن الأرض لا تقسم) وقال مالك تارة: تقسم. وهي محل الاجتهاد والله بمنه يوافق فيها للسداد.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ قيل نسختها آيات القتال، وروى عن ابن عباس ﵁، أنه قال: ينسخها قوله تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم﴾ .
قال ابن العربي: قد بينا في غير موضع أن من شروط النسخ التعارض وهو الأول من شروط، والأولى، وليس بين هاتين الآيتين تعارض لأن تقدير الكلام فيها يجيء على صورة صحيحة لا تعارض معها، وهو بأن يقال: قاتلوهم (ولا تهنوا بدعائهم) إلى الصلح فإن طلبوا هم ذلك فأجبهم. وبعد ذلك اختلف العلماء
стр. 234
في العقد للصلح على أقوال بيانها في أصول الفقه مجتمعة. وتحقيقه عندنا أن السلمين إذا احتاجوا إلى الصلح جاز لهم عقده حتى على مال يبذلونه كما بذله النبي ﵇ يوم الخندق حين قال لعيينة يوم الأحزاب أعطيك نصف ثمار المدينة على أن تتخلي عن قريش. وإن كانت يد المسلمين عالية ونجدتهم ظاهرة فليس للصلح وجه. فإنه إنما يعقد لحاجة. إذ المقصود عموم الدعوة وإعلاء كلمة الإسلام إلا بعارض وبيان ذلك في كتب الفقه.
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ .
قال القاضي محمد العربي:
وهذا قول من لم يفهم كلام من تقدم. روى عن ابن عباس ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿حتى يثخن في الأرض﴾ ذلك يوم بدر والمسلمون قليلون فلما كثروا قال الله: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ فخيرهم تعالى، ولو صح هذا لما كان فيه جلاء للمراد الذي حاولوه من النسخ. والذي جرى من الأمر أنه لما
стр. 235
كان يوم بدر وجيء بالأسرى فقال رسول الله ﵇: (ما يقولون فيهم؟ فقال أبو بكر ﵁: قومك فاستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم. قال عمر ﵁: كذبوك وأخرجوك قربهم واضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة ﵁: يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب فاجعلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا. قال له العباس ﵁: قطعت رحمك. فدخل رسول الله ولم يجبهم، فقال الناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال آخرون: يأخذ بقول عمر، وقال ناس يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله ﷺ ، فقال: (إن الله ليلين قلوب قوم حتى تكون ألين من اللين ويشد قلوب قوم حتى تكون أشد من الحجارة. وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم إذ قال: (فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم) ومثل عيسى حين قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) ومثل موسى إذ قال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) ثم قال النبي ﵇: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن رجل منهم إلا بفداء أو ضربة عنق، قال عبد الله بن مسعود ﵁: فقلت يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام. قال فسكت رسول الله عليه
стр. 236
السلام قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع على حجارة (من السماء من ذلك اليوم) حتى قال رسول الله ﷺ : إلا سهيل بن بيضاء. قال: ونزل القرآن بقول عمر: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، تريدون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة، والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم، فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا، واتقوا الله إن الله غفور رحيم) وهذا ينفي النسخ لصورة القصة ونزوله جملة.
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكممن ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ الآية، قال بعضهم هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
(لا خلاف ولا إشكال في) أن الميراث كان في صدر الإسلام بالولاية ثم صار في آخره بالقرابة، إلا أن هذه الآية محتملة أن يكون المراد بنفي الولاية نفي النصرة ويحتمل أن يكون المراد بها نفي الميراث، فتكون منسوخة والأول أظهر لقوله فيها: ﴿والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ فمزج الهجرة والنصرة بالولاية، فهي ولاية. ذلك في الظاهر
стр. 237
فلا تبالوا أي ذلك كان، لأن من كان مهاجرًا وكان مقيما بمكة لم يكن ذلك معتدا له به ولا مثابا عليه، حتى نسخ الله ذلك بالفتح فجرت الأحكام في ذلك بما هي اليوم عليه وبين ذلك قوله في آخر الآية: ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾ يعني في الولاية والوفادة والنصرة وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث والله أعلم.
стр. 238
سورة براءة
مدنية فيها من النسخ تسع آيات:
قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ قال بعضهم: هذه السورة من آخر ما نزل، فقوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض أبعة أشهر﴾ هذه الآية والتي تليها نزلت فيمن كان بينه وبينهم موادعة، جعل الله مودتهم من يوم النحر إلى عشرين من ربيع الآخر وجعل مودة من لم يكن له عهد خمسين يوما من يوم النحر إلى آخر المحرم، وهو تفسير قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ يعني المحرم. ثم صار ذلك منسوخًا بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حين وجدتموهم﴾.
الآية الثالثة وهي ناسخة لمائة وأربع وعشرين آية، ثم صار آخرها ناسخا لأولها وهي قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتهم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ ثم نسخت بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾.
стр. 239
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
لم يبق أحد من أرباب التأليف ممن جمع في هذا الفن إلا وقد حطب ليلا وجر على العلم ذيلا واستوجب ويحا أو قل ويلا. ونحن بتوفيق الله تعالى نتتبع بالبيان جميع الآيات ونظهر في أثناء ذلك ما أتى به هؤلاء القوم من الغفلات فنقول: قد بينا في كتاب قانون التأويل، وجوب تنزيل الألفاظ على معانيها الظاهرة فيها اللائقة بها فإن، جاء من الحديث الصحيح ما يبين المراد منها فهي السبيل المهيع والمراد الأنجع فننظر إلى الآيات ونركب علىها أظهر المعاني المحتملات. قال الله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ وهذا يقتضي ألا يبقى مشرك له عهد إلا وقد بريء الله منه بالعموم الظاهر التعميم ولا يدخل في هذا العموم اليهود لما بيناه في أصول الفقه فإن الله تعالى إنما بريء من العهد الذي كان على موادعة في الحرب وكف عن القتال وهو عهد المشركين من العرب. فأما عهد اليهود فإنما كان عهد قهر وغلبة وصغار وذلة حين رأيت من كان حليفا لها قد صار عدوا لها واليا مع النبي ﷺ عليها. ثم قال تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ فسحة لهم في المهل وإرخاء في الطول ونبذ على سواء حسبما وقع الأمر من الله له به، وهي غاية الآجال عند العلماء في استيفاء الحقوق. ثم قال وهذا الأذان من الله ورسوله إلى الناس يكون يوم الحج الأكبر، يريد: يوم النحر عند اجتماعهم بمنى لتقوم الحجة عليهم بالسماع ويقوم العذر في الإبلاغ. ثم قال: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾.
فأخبر الله تعالى في الآية الأولى أنه بريء من المشركين ثم قال في الآية التي بعدها ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾ فلو وقف ها هنا بالكلام لدفع
стр. 240
أخره أوله، وكان بمنزلة قول القائل: جاء القوم إلا القوم ورأيت قريشا إلا قريشا فلما قال تعالى: ﴿ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا﴾ فكان تقدير الآية: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ممن تخافون خيانتهم بنقص عهد أو مظاهرة أحد عليكم إن وقع ذلك منهم فخصت الآية الثانية وبينت المراد منها وبقي من أوفي من المشركين بعهده لنص القرآن على حكم عصمته إلى مدته ثم تلحقه البراءة بعد ذلك ثم قال بعد ذلك (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) وفيها أربعة أقوال:
الأول أنها الأشهر المعلومة: رجب، والثلاثة المتصلة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. الثاني أنها سوال من سنة تسع إلى المحرم من سنة عشر. الثالث أنها أربعة من يوم النحر من سنة تسع. الرابع: أنها تمام تسعة أشهر كانت بقيت من عهدهم.
فأما الأول ففاسد بالإجماع وبالمعنى على ما تقدم من نسخ تحريم القتال فيها، وأما من قال أنها من شوال سنة تسع فباطل لأن الأجل إنما يكون من يوم الإنذار قطعا ويقينا، وأما القول الرابع. فباطل قطعا، لأن الله تعالى يقول: ﴿أربعة أشهر﴾ وهذا يقول تسعة أشهر، مع أنه لا يقتضيه نظر ولا يعضده خبر. وأما الثالث فهو الصحيح لأنه قال: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ فاقتضي ذلك أن تكون المدة عقيب الإعلام، فيه وقع وعليه ترتب حل العهد وتبين منتهى الأجل، واقتضي عموم قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ قتل كل مشرك بعد تمام مدة السياحة المضروبة إعذارا، ولحق به الأمر بقتل من بقي عهده إلى مدته مالم يتب. فإن تاب فهو خير له، ومن تولي فلن يعجز الله حيث ساح ولا أين سار، فإن الله تعالى يصبح أمام الساري ويمنح كل سائح ومسيح وهو قوله بعد
стр. 241
ذلك ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ ونحوه ﴿فإخوانكم في الدين﴾ ومن نكث عهده قبل تمام مدته وجب قتله قال: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع﴾ ما عندك (فإن قبله) وإلا رده إلى موضع يأمن فيه منك ثم قال تعالى: ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم﴾ والمراد بهذا الاستثناء قوم فووا بعهدهم يقال منهم خزاعة وبنو مدلج، وإلا فيكون الكلام عاريا عن الفائدة لأنه إن لم يكن ذلك تقديره، يقال لمن قال كيف يكون للمشركين عهد عند الله ورسوله: نعم يكون له عهد عنده بالعقد لذلك والالتزام له فنقول فقد خاس بعهده.
فيقال له: فكيف يكون له عهد عندنا وهو خاس بعهده معنا؟ ثم قال تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ تقديره: فإنهم وفوا لكم وكانوا أبدا معكم ولم يظاهروا عليكم أحدا ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ فبين أن هذه المدة المضروبة نسخت كل مدة، وأن الأمر بالقتل نسخ كل عفو وصفح وإعراض وترك حيث وقع في القرآن. وفي الحديث الصحيح آخر سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت، ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ فأما الحديث الصحيح، ففيه عن أبي هريرة ﵁ قال بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم، يوم النحر يؤذنون بمنى: ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف رسول الله ﷺ بعلي بن أبي طالب
стр. 242
رضي الله عنه فأمره أن يؤذن ببراءة، قال فأذن علي معنا يوم النحر في أهل منى ألا يحج، بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، وروى الناس عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: لما نزلت براءة على رسول الله ﵇، كان بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله لو بعثت به إلى أبي بكر؟ فقال: لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، ثم دعا عليا فقال له: أخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى لأنه لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدته. فخرج على ناقة رسول الله ﷺ حتى أدرك أبا بكر فقال له أبو بكر حين رآه: أمير أم مأمور؟ فقال بل مأمور. ثم مضى" قال الأستاذ أبو المظفر شاه فور الأسفرايني": كانت العرب لا يحل عقدها إلا رجل منها، فقطع النبي ﵇ معاذيرهم بأن أرسل بحل عقده رجلا من أهل بيته. وهذا نفيس في المعنى وقد بينه سماك بن حرب فروي الترمذي عنه عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعث النبي ﵇ براءة مع أبي بكر ثم دعاه، قال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ عني إلا رجل من أهلي، فدعا علي بن أبي طالب فاعطاه إياه" وهذا حديث حسن غريب، وقد روى الترمذي وغيره أيضا عن زيد بن يثيغ قال سألت عليا ﵁ بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: ألا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن
стр. 243
له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا، رواه عنه ابو إسحاق وقد رواه أبو إسحاق عن بعض أصحاب علي عن علي ﵁ والحديث مشهور برواية سفيان بن عيينة وشعبة معا عن أبي إسحاق.
قال القاضي ابن العربي: فذكر في هذه الأحاديث ما في سورة براءة وزاد ألا يطوف بالبيت عريان وبين الأربعة أشهر لمن لا عهد له بنقضه إياه (ومن بقي عهده فوفي به استوفاه إلى أقصى أمده) فأما قول هذا المفسر من لم يكن بينه وبيننا موادعة فجعل أجله خمسين يوما فدعوى لم تصح وقد بينا فساد قول من جعل آخر الأربعة المحرم، وأما قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ فناسخ لا إشكال فيه كما بيناه. وأما قوله أن آخرها نسخ أولها بقوله: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ فهذا جهل محض بل هو تحقيق لكم القتل وبيان لسببه وهو الكفر وتعريف بوجه التكليف. ثم زاد جهلا فقال: إن قوله تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ منسوخ بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ وقد بين سبحانه أن الله ورسوله بريء من المشركين من كل مشرك. إلا من عاهد إلى مدة حدها أربعة أشهر فإذا انقضت قتل كل مشرك ثم لم يقل أحد بأن المستثني داخل في حكم المستثنى منه ولاتخليط اعظم من هذا.
قال القاضي ﵀: وقد قال بعض من تكلم في هذا المعنى بأن حق هذا أن لا يدخل في الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآنا متلوا وإنما نسخ أمرا رأه النبي ﷺ ، وهذا ساقط فإن القرآن ينسخ السنة، وما رآه النبي ﵇ هو
стр. 244
السنة فإنه لا يعتقد ولا يعهد ولا يأمر ولا ينهي ولا يفتي ولا يقضي إلا بوحي من الله سبحانه. ومن الغريب ما روى عن الحسن أنه قال إن قوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ وقال: لا يحل قتل أسير صبرا، ومن شروط النسخ معرفة التاريخ، ومن له بأن آية سورة محمد نزلت بعد براءة، وقد ثبت أن براءة من آخر ما نزل؟ ومع الاحتمال يسقط هذا المقال، وأغرب منه ما روي بعضهم عن ابن حبيب أنه قال قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ منسوخة بقوله: ﴿فإن تابوا﴾ وقد بينا فساده في قول (غير) وإنما تعجبنا لخفاء هذا عليه مع علمه ﵀.
الاية الثانية قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ قال بعضهم هذه الآية ناسخة للعفو عن المشركين من أهل الكتاب وغيرهم، وقيل: هي ناسخةلقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ فأمر بقتال المشركين خاصة دون أهل الكتاب ثم أمر بقتال المشركين من أهل الكتاب وغيرهم. فنسخت تخصيص الأمر بالقتال للمشركين، وهذا القول غير صواب لأنه يلزم فيه ترك قتال المشركين، ولكن إنما نسخت مفهوم الخطاب في قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ فمفهومه ترك قتال أهل الكتاب ثم نسخ ذلك بهذه الآية وأباح قتال أهل الكتاب. فالمفهوم في الآية الأولى ترك قتالهم حتى يطعوا الجزية فكل كتابي مشرك وليس كل مشرك كتابيا فالمراد بقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ يعني الذين ليسوا من أهل الكتاب .
قال القاضي محمد بن العربي:
الذي تقتضيه هذه الآية في التحقيق الأصولي الجاري على القانون الكلي قتال أهل الكتاب، وليس لغيرهم ذكر لا في قتالهم ولا في نفي قتالهم إلا على القول بدليل الخطاب، فإنه يقتضي الكف عن قتالهم، ولا نرتضي ذلك ولا تقول به فهي موجبة للعفو عن بعض الكفار وهم أهل الكتاب فيكون ذلك تخصيصا في التحقيق لا نسخا فيه. وإيضاحه أن المشرك اسم ينطلق على كل كفر وهما على اختلاف ألفاظهما يرجع إلى أصل معنى الجهل بالله والإنكار له الموجبين إباحة الدم والمال في
стр. 245
الدنيا والخلود في النار في الآخرة، فإن الكفر هو الستر والتغطية والحجب، والشرك هو التسوية بين الموجودين في المعنى (وإذا كان التشريك) بينهما معدوما فهو جهل. فما قولك فيما إذا كان التشريك بينهما مستحيلا؟ فبين أن ذلك كله يرجع إلى معنى اوحد ويعبر أن بمعنى واحد معا فلا فرق بين قوله: ﴿قاتلوا المشركين﴾ أو قاتلوا الكفار وإنما خصص العرب الكفار بالشرك لأنهم كانوا يقولون في تلبيتهم:
لبيك لا شريك لك ... إلا شريكا هو لك
تملكه وما ملك
ولهذا قلنا: (إن المعتزلة) والقدرية كفار، فإنهم يقولون إن العباد شركاء الله يخلقون كما يخلق، إلا أنه يملك خلقهم بخلق القدرة لهم. فهو شركاؤه بما ملكهم وجعل إليهم. وأما القول بأن الآية نسخت مفهوم الخطاب فقد قلنا إن الخطاب لا مفهوم له كما يزعمون فإن قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ ليس مفهومه: لو لم يكن أهل الكتاب مشركين ترك قتالهم، إنما مفهومه السكوت عنهم حتى يطلب دليل للحكم فيهم، فكيف وهم مشركون كما بيناه؟ بل نقول إن قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ عموم بين في العرب واليهود والنصاري والمجوس والصليبيين وكل جاهل بالله سبحانه، وتقول إن كافة حال من المشركين المفعول من ضمير قاتلوا الفاعل وتقدير الكلام قاتلوا المشركين كلهم كما يقاتلونكم كلهم، لا معنى له غيره. ومعنى قاتلوا المشركين، واقتلوا المشركين، اقتلوا كل كافر كان ذا كتاب او غير ذي كتاب. وقوله تعالى: ﴿من أهل الكتاب﴾ تخصيص لمن أوتى الكتاب بتأكيد الحجة عليه حين رأى ذكر النبي فه، فكان أحق بسرعة الإجابة له وفسح له في أحد الأقوال دون غيره من الكفار بأخذ الجزية منه وتركه في الدار معنا مهلة ما لعله يعود إلى الأولى، ويتذكر
стр. 246
ما أخذ من الميثاق أولا وقد حققنا ذلك في قسم الأحكام وفي أصول الفقه والله أعلم.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾ .
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ قال بعضهم: قال ابن عباس ﵁: نسخها قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا
стр. 247
كافة﴾ وهذا في قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا﴾ لا يحسن نسخه، لأنه خبر عن الوعيد، والمعنى: إذا احتيج إليهم نفروا كلهم، فهي محكمة.
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
من لم يعلم أصول الدين لم يحكم فروعه، ولا علم تأويل القرآن. فإن علم الأصول معظم فصوله. ومقصوده. والتكليف إنما ينتظم ويرتبط بالوعيد والوعد، ولا يعرف الوجوب بمجرد الأمر فإنه يتناول الفرض والمندوب وإنما يتعرف بالوعيد والتهديد والذم، فقوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم﴾ أفاد الوجوب والفرضية في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لك إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض﴾ فإن لم تنفروا يعذبكم عذابا أليما. فحقق الوجوب بالتهديد والذم بذكر التثاقل عن امتثال الأمر وبيع الآخرة بالدنيا. وهذه الأخبار التي وقفت على رسم التكليف مترتبة على التكليف تثبت بثبوته وترتفع بارتفاعه. وهذه الآيات كلها إنما نزلت في غزوة تبوك. دعاهم النبي ﵇ إلى الخروج على العموم وألزمهم المشي معه وقصد سفرًا بعيدًا وانتخى زمنا شديدًا يعظم فيه القيظ ويشتد العطش ويحلو الظل، ولم يتخلف عنه فيها إلا منافق خلا الثلاثة الذين تيت عليهم حين صدقوا الله في خبرهم ونزلت بعد ذلك: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ فقسم في هذه الآية النفير إلى عزو وعلم بعد أن كان خلصه للغزو، وقد كان ذلك رفعا للمتقدم، وبعدها للمحقق أن يقول: إن الإمام إذا دعا جميع الناس عند الحاجة إلى الغزو وجبت إجابته على
стр. 248
الجميع وإذا دعاهم لإقامة رسم الجهاد فإن الفرض يتعلق ببعضهم على غير طريق التعيين فتكون الآيتان على حالتين أو يكون ذلك العموم للنبي وحده إذ قال الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ وتكون الحال المنقسمة لغيره من الخلق إذ لا يتعين إجابتهم، وهذا كله يحتمل والله أعلم.
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ الآية قال بعضهم: قال ابن عباس ﵁: نسخ هذه الآيات: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ وقال الحسن وعكرمة، لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله، نسخ قوله تعالى: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ وعن ابن عباس: الآيات الثلاث محكمات وإنما هي تعيير للمنافقين حين استأذنوا النبي في القعود عن الجهاد لغير عذر وعذر الله المؤمنين قال: ﴿فإذا استأذنونك لبعض شأنهم فأذن لمن شيئت منهم﴾ وهذا قول حسن لأن استئذان المؤمنين كان لعذر وفي بعض حاجتهم، واستئذان المنافقين كان لغير عذر ليتخلفوا عن الجهاد .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
هذه الآية من الأمهات في الاعتقاد والمشكلات إلا على الآحاد، فإن قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ يوهم ارتكاب المحظور، وقد بينا أنه ﷺ وسائر الأنبياء لا يرتكبون ذلك ولا يقع منهم، وأن ما نسب إليهم من ذلك باطل، وما ورد في القرآن صحيح لا محظور في شيء منه، وإنما هي تأويلات واجتهادات، وقع فيها تقصير منحوا فيه العفو لما تقدم فيه من الصفو وحفظا للمرتبة الخلافية التي وضعها
стр. 249
الله فيهم ونصبها لهم ونصبهم لها، فلينظر في كتاب المشكلين والأصول، وللعلماء في هذه الآية وأمثالها منازع ملخصة ومخلصة.
أولها: قال عمرو بن ميمون، فعله بغير أمر كما فعل بالأسرى في يوم بدر فعاتبه الله تعالى في ذلك.
ثانيها: قال الطبري قال الله تعالى لنبيه، ﴿عفا الله عنك لما أذنت لهم﴾ حتى تعلم من له عذر صحيح ممن هو كاذب.
ثالثها: أمره الله تعالى بإخراج الجميع فأذن للبعض.
رابعها: أمرهم الله بالخروج معه فسار إليه بعضهم واعتذر بعضهم فأذن له في التخلف، وهذا خلاف مطلق الأمر، فعفا الله له عن ذلك، ثم عاتبه فيه وقد أتى العفو، قبل العتاب إظهارا لكرامته ومراعاة لطيب نفسه، قاله محمد بن زيد.
خامسها أنه ﷺ لم يرتكب محظورا وإنما ترك الأولى فعاتبه الله تعالى وقدم لكرامته العفو عن الخطاب الذي جاء في صورة العتاب، ومن جوز الخطأ على الأنبياء قال: قابله بالعفو قبل أن وقفه للعذر، لمحبته فيه، فإن حسنات الأعداء مردودة وسيئات الأحباب مغفورة وقد قال:
من ذا يعاتب من يحب فيذنب ... وله شفيع في الفؤاد محبب.
سادسها: أنه يحتمل أنه أمره بعموم الخروج فاجتهد النبي في تخصيص البعض بالإذن على قول من يرى تخصيص العموم بالاجتهاد.
стр. 250
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
والذي يقتضيه النظر في هذا كله، أن الله قال لرسوله يوم الخندق، ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنونك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم﴾ وفي الحديث الصحيح، قال أبو سعيد ﵁: خرجنا مع النبي ﵇ إلى الخندق فكان فتى منا قريب عهد بعرس يستأذن رسوله الله ﷺ بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله. وذكر حديث قتل الجنان بطوله. فلما كان في غزوة تبوك واستنفر الله الناس للخروج إلى الغزو مع رسول الله ﷺ أنزل على رسوله آيات براءة: ﴿يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله﴾ إلى آخرها. قال كعب بن مالك في الصحيح: ولم يكن رسول الله غزا غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان فما رجل يريد ان يغيب إلا ظن أنه سيخفي مالم ينزل، فيه قرآن. وذكر حديثه بطوله ﴿وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم﴾ وقريء المعذرون بإسكان العين وكسر الذال تخفيفا، واختلف في ذلك اختلافا كثيرا بيانه في قسم الأحكام وأفاد ذلك كله أن الناس انقسموا أربعة أقسام: قسم خرج
следующие страницы →