← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133367

الناسخ والمنسوخ - ابن العربي

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (413 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ما أخذ من الميثاق أولا وقد حققنا ذلك في قسم الأحكام وفي أصول الفقه والله أعلم. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾ . الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ قال بعضهم: قال ابن عباس ﵁: نسخها قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا

стр. 247

كافة﴾ وهذا في قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا﴾ لا يحسن نسخه، لأنه خبر عن الوعيد، والمعنى: إذا احتيج إليهم نفروا كلهم، فهي محكمة. قال القاضي محمد بن العربي ﵀: من لم يعلم أصول الدين لم يحكم فروعه، ولا علم تأويل القرآن. فإن علم الأصول معظم فصوله. ومقصوده. والتكليف إنما ينتظم ويرتبط بالوعيد والوعد، ولا يعرف الوجوب بمجرد الأمر فإنه يتناول الفرض والمندوب وإنما يتعرف بالوعيد والتهديد والذم، فقوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم﴾ أفاد الوجوب والفرضية في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لك إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض﴾ فإن لم تنفروا يعذبكم عذابا أليما. فحقق الوجوب بالتهديد والذم بذكر التثاقل عن امتثال الأمر وبيع الآخرة بالدنيا. وهذه الأخبار التي وقفت على رسم التكليف مترتبة على التكليف تثبت بثبوته وترتفع بارتفاعه. وهذه الآيات كلها إنما نزلت في غزوة تبوك. دعاهم النبي ﵇ إلى الخروج على العموم وألزمهم المشي معه وقصد سفرًا بعيدًا وانتخى زمنا شديدًا يعظم فيه القيظ ويشتد العطش ويحلو الظل، ولم يتخلف عنه فيها إلا منافق خلا الثلاثة الذين تيت عليهم حين صدقوا الله في خبرهم ونزلت بعد ذلك: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ فقسم في هذه الآية النفير إلى عزو وعلم بعد أن كان خلصه للغزو، وقد كان ذلك رفعا للمتقدم، وبعدها للمحقق أن يقول: إن الإمام إذا دعا جميع الناس عند الحاجة إلى الغزو وجبت إجابته على

стр. 248

الجميع وإذا دعاهم لإقامة رسم الجهاد فإن الفرض يتعلق ببعضهم على غير طريق التعيين فتكون الآيتان على حالتين أو يكون ذلك العموم للنبي وحده إذ قال الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ وتكون الحال المنقسمة لغيره من الخلق إذ لا يتعين إجابتهم، وهذا كله يحتمل والله أعلم. الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ الآية قال بعضهم: قال ابن عباس ﵁: نسخ هذه الآيات: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ وقال الحسن وعكرمة، لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله، نسخ قوله تعالى: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ وعن ابن عباس: الآيات الثلاث محكمات وإنما هي تعيير للمنافقين حين استأذنوا النبي في القعود عن الجهاد لغير عذر وعذر الله المؤمنين قال: ﴿فإذا استأذنونك لبعض شأنهم فأذن لمن شيئت منهم﴾ وهذا قول حسن لأن استئذان المؤمنين كان لعذر وفي بعض حاجتهم، واستئذان المنافقين كان لغير عذر ليتخلفوا عن الجهاد . قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذه الآية من الأمهات في الاعتقاد والمشكلات إلا على الآحاد، فإن قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ يوهم ارتكاب المحظور، وقد بينا أنه ﷺ وسائر الأنبياء لا يرتكبون ذلك ولا يقع منهم، وأن ما نسب إليهم من ذلك باطل، وما ورد في القرآن صحيح لا محظور في شيء منه، وإنما هي تأويلات واجتهادات، وقع فيها تقصير منحوا فيه العفو لما تقدم فيه من الصفو وحفظا للمرتبة الخلافية التي وضعها

стр. 249

الله فيهم ونصبها لهم ونصبهم لها، فلينظر في كتاب المشكلين والأصول، وللعلماء في هذه الآية وأمثالها منازع ملخصة ومخلصة. أولها: قال عمرو بن ميمون، فعله بغير أمر كما فعل بالأسرى في يوم بدر فعاتبه الله تعالى في ذلك. ثانيها: قال الطبري قال الله تعالى لنبيه، ﴿عفا الله عنك لما أذنت لهم﴾ حتى تعلم من له عذر صحيح ممن هو كاذب. ثالثها: أمره الله تعالى بإخراج الجميع فأذن للبعض. رابعها: أمرهم الله بالخروج معه فسار إليه بعضهم واعتذر بعضهم فأذن له في التخلف، وهذا خلاف مطلق الأمر، فعفا الله له عن ذلك، ثم عاتبه فيه وقد أتى العفو، قبل العتاب إظهارا لكرامته ومراعاة لطيب نفسه، قاله محمد بن زيد. خامسها أنه ﷺ لم يرتكب محظورا وإنما ترك الأولى فعاتبه الله تعالى وقدم لكرامته العفو عن الخطاب الذي جاء في صورة العتاب، ومن جوز الخطأ على الأنبياء قال: قابله بالعفو قبل أن وقفه للعذر، لمحبته فيه، فإن حسنات الأعداء مردودة وسيئات الأحباب مغفورة وقد قال: من ذا يعاتب من يحب فيذنب ... وله شفيع في الفؤاد محبب. سادسها: أنه يحتمل أنه أمره بعموم الخروج فاجتهد النبي في تخصيص البعض بالإذن على قول من يرى تخصيص العموم بالاجتهاد.

стр. 250

قال القاضي محمد بن العربي ﵁: والذي يقتضيه النظر في هذا كله، أن الله قال لرسوله يوم الخندق، ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنونك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم﴾ وفي الحديث الصحيح، قال أبو سعيد ﵁: خرجنا مع النبي ﵇ إلى الخندق فكان فتى منا قريب عهد بعرس يستأذن رسوله الله ﷺ بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله. وذكر حديث قتل الجنان بطوله. فلما كان في غزوة تبوك واستنفر الله الناس للخروج إلى الغزو مع رسول الله ﷺ أنزل على رسوله آيات براءة: ﴿يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله﴾ إلى آخرها. قال كعب بن مالك في الصحيح: ولم يكن رسول الله غزا غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان فما رجل يريد ان يغيب إلا ظن أنه سيخفي مالم ينزل، فيه قرآن. وذكر حديثه بطوله ﴿وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم﴾ وقريء المعذرون بإسكان العين وكسر الذال تخفيفا، واختلف في ذلك اختلافا كثيرا بيانه في قسم الأحكام وأفاد ذلك كله أن الناس انقسموا أربعة أقسام: قسم خرج

стр. 251

مع رسول الله وهم الأكثر، وقسم اعتذر صادقا منهم المقداد بن الأسود وكان سمينا ومنهم غني ومن القوم ضعيف، ومنهم مريض، وقسم اعتذر كاذبا ولم يستأذن وهو الأقل نفاقا وكفرا وكراهية لله ولرسوله، كأن يرى أنه على حال قد أذن لمن هو على مثلها بالقعود إن قيل لي: لم قعدت؟ قلت: حالي حال فلان وقد أذن له وقيل النبي ﵇ عذر من اعتذر لحسن أخلاقه وعظم حيائه، وما تقدم من إذن ربه له في قوله تعالى: ﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ ولأنمنهم من كان يكره أن يراه في المدينة موضع الأمن، فكيف أن يكون معه في موضع الخوف؟ يزهد فيه ويرغب عنه ويفشل أصحابه ويرجف به ويعظم أمر عدوه، فاغتنم منه أن يقعد بإذن أو بغير إذن. ولقد سافر معه طائفة من المنافقين تأذى بهم وأرادوا الفتك به، ومنهم من قال ائذن في القعود ولا تفتني بحملك لي إلى بنات الأصفر كما أخبر الله تعالى عنهم النبي ﵇ بظاهر القول وأذن للكل جريا على التأليف وابتدأه تعالى ببيان الحال بعد رجوعه فقال: ﴿لو كان عرضا قريبا﴾ من الدنيا (وسفرًا قاصدًا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون) أنهم لو استطاعوا لخرجوا كاذبين (يهلكون أنفسهم)

стр. 252

باليمين الفاجرة. ثم فاتحه بالتحية مخافة خجلة العتاب فقال تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ لطيب نفسه الكريمة بسماع العفو ويذوق حلاوة المغفرة. وعاتبه بعد ذلك فقال له (لم أذنت لهم) حتى يتبين لك الصادق من الكاذب. وجلى له الحقيقة فقال تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم﴾ وسبقت الكلمة بقعودهم وقيل لهم ﴿اقعدوا مع القاعدين﴾ ثم بين له أن الصواب فيما فعل من الإذن لهم في القعود، فإنهم لو خرجوا ما زادوا إلا خبالا ولسعوا في الفتنة ومشوا في شتات العسكر. وكأنه قوي قلب نبيه ﵇ على الصرامة في الخروج معه بأن يقول لمن استأذنه في القعود وهو غني صحيح: لا آذن لك ولابد لك من الخروج. كما فعل ذلك في تقوية نفسه والتصريح له بأمره ﴿فقل لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين﴾ ولكنه أراد أن يجري الأمر مجرى التمحيص وإخراج ما في القلوب وتمييز الخبيث من الطيب، تعويلا على سابق الإذن له في الإذن لمن شاء منهم فشاء أن يأذن لمن بقي أن يبقى، وشاء الله ذلك صوابا وخيرا بما ظهر من إخبار لله له بأن قعودهم كان أصوب من إخراجهم فأي ذنب ها هنا وأي تقصير؟ بل هو محض التصويب والتمحيص، وأصوب التأويلات ما ذكره الطبري، وتمامه ما شرحناه والله أعلم. الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات﴾ الآية. وقال بعضهم هذه الآية نسخت كل صدقة في القرآن .

стр. 253

قال القاضي محمد بن العربي: هذا ليس بأمر بصدقة فيقابل به غيره من أوامر الصدقات والأنفاق، فيقال هو أو غيره، فيكون تأكيدًا في الأول أو نسخا في الثاني أو زيادة فرض على الأول. وإنما هو بيان مصارف الصدقات وذكر مستحقيها الذين يؤخذ لهم وقد فرضت من أجلهم فإن الله تعالى ضمن للخلق الرزق ونعم الوكيل والكفيل وملك بعضهم دون بعض وأحال الفقير على الغني في الذي ضمن له من الرزق، وقدر الأموال في علمه والمحتاجين، ففرض لهم قدر الكفاية ليبلوا الأغنياء في فضلة المال، ويبلو الفقراء في تدبير المأخوذ على الأقوات، فلا الفقير دبر قوته فربما احتاج اكثر، ولا الغني أفضل من فاضلة ماله فيعطي عشره الفقير في ضعف تدبيره واحتياله، وذلك بتدبير العزيز العليم. فاختلف العلماء: إذا عظمت حاجة الفقراء بعد أخذهم الزكاة هل يجب عليهم إغناؤهم وإنفافهم مما في أيديهم من الفضلات ام لا؟ والصحيح أن ذلك واجب عليهم وكانت هذه المسألة في صدر الإسلام فأما اليوم وقد استأثرت الأملاك بالزكوات وبقي المسكين صفر اليدين فواجب على كافة الخلق إغناؤهم من أموالهم. وقد قررت في نفسي بالاجتهاد مما يلزمني من ذلك. فخصصت به معارف هم أقرب صقبا ولو فعل ذلك غيري لم تر في بلدك بائتا لا يملك بيتا ولا عريانا وجاره كاسيا، والله ولي التوفيق. قال القاضي محمد بن العربي ﵀: أما إنه بقيت في الآية نكتة، وهي أن الله جعل من مصارف الزكوات المؤلفة قلوبهم، وهم في قول، أمة أظهرت الإسلام ولم تعتقده، وأوت إلى النبي عليه السلام

стр. 254

طمعا في النيل من جاهه وماله. وفي قول آخر أمة كفار أعطاهم النبي ليرجعوا عنه أو معه على غيره، والصحيح أنهم قوم أظهروا الإسلام وقد بيناهم في قسم الأحكام، وبطلوا بموت النبي ﵇ فكان ارتفاع حكمهم لارتفاع محلهم، ومن حكم المنسوخ إذا ارتفع الحكم أن يبقى محله فإذا ذهب الحكم بذهاب محله لم يكن نسخا والله أعلم. الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ . قال الشعبي دعا الحباب بن عبد الله بن أبي بن سلول رسول الله ﵇ إلى جنازة أبيه فقال له النبي من أنت؟ قال: الحباب: قاله له إن الحباب هو الشيطان. أنت عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، ثم قال النبي ﵇ إنه قد قيل لي: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ فسأزيد عن السبعين، وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: لأستغفرن لهم أكثر من سبعين، لعل الله أن يغفر لهم فقال الله من شدة غضبه: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾.

стр. 255

قال القاضي محمد بن العربي ﵀: هذه أحاديث المفسرين. وأحاديث الصحيح أن النبي ﵇ لما توفي عبد الله بن أبي جاءه ابنه عبد الله بن عبد الله فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه إياه، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﵇، فقال: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله: إنما خيرني ربي فقال: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ وسأزيد على السبعين، فقال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ قال: فعجبت بعد ذلك من جرأتي على رسول الله، والله أعلم. فهذا نص في أن آية براءة الأولى نسخت بالأخرى وآية المنافقين يحتمل أن تكون ناسخة أيضا لأن النبي احتج في الصلاة على ابن أبي بأن قال في الصحيح لعمر: أخر عني يا عمر فإني خيرت فأخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت، فصلى فنزلت، الآيتان من براءة ﴿ولا تصل

стр. 256

على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره﴾ إلى آخرها، وآية المنافقين (إياس والإياس يضاد) التخيير فيرفعه والله أعلم. الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا معه أن يستغفروا للمشركين، ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ . قال القاضي محمد بن العربي ﵁: في الصحيح أن أبا طالب لما دعاه النبي ﵇ فقال له: أنا على ملة عبد المطلب ومات على ذلك قال النبي: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت هذه الآية ناسخة لاستغفار النبي لعمه، فإنه اقتدى في ذلك بأبيه إبراهيم حين قال لأبيه: (سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا) وحين قال لمحمد ﵇: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ فلما كان عنده أن أبا طالب كافر وكان عنده أن إبراهيم ﵇ قد استغفر لكافر، اقتدي به واستغفر لأبيه حنانا وحضانة وعمه نسبا، اقتداء بالأب المكرم المعظم إبراهيم، فنسخ الله ذلك من فعله بالآية المتقدمة وقال لمحمد ﵇: (وما كان استغفار ابراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) وأنت يا محمد قد علمت أن أبا طالب من أعداء الله فتبرأ منه أيضا، ثم رعي الله لمحمد ﵇ مزية النصرة من أبي طالب والحماية، فقال النبي حين قيل له إن عمك أبا طالب كان يحوطك ويحميك فهل نفعته بشيء؟ فقال: سألت له ربي فحذاه نعلين من نار يغلي منها دماغه ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار.

стр. 257

الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ قد تقدم ذكرها في قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ فلا وجه لإعادته . ذكر آيات الخصوص وهي ست آيات . الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ . قال القاضي محمد بن العربي ﵀: قال عمر بن عبد العزيز وغيره: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ فلم يوجب إنفاق الأموال كليا. وقال جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء رضوان الله عليهم فيها أقوالا سردناها في الأحكام، أمثلها قول ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز. وأضعفها قول أبي ذر في الصحيح بشر الكانزين برضف يحمي عليهم في نار جهنم ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نفض كتفه ويوضع على نفض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل. ثم إن رسول الله ﷺ قال: (أحب أن يكون لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير) يقال فرع الكتف ناغض ونفض

стр. 258

وأوسطها قول علي: أربعة آلاف فما دونها نفقة وما زاد عليها فهو كنز وفي الصحيح عن ابن عمر قال في هذه الآية: كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت جعلها الله مطهرة للأموال. فكان هذا تخصيصا للمزكي المفعول من لمزكي المحل، وقد قال النبي ﵇: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وليس فيما دون خمسة أواق صدقة وليس فيما دون ذلك صدقة وفي الصحيح: (إذا قالوا لا إله إلا الله، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ . قال القاضي محمد بن العربي ﵁: قد بينا في كتاب أنوار الفجر تفسير هذه الآية، والأشهر الحرم ومعنى الظلم وتحقيق وقوله فيهن (وتوجيه) خلق السنة اثني عشرا شهرا من أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، وبينا أولها في التعديد وآخرها فيه، وقد قطع ذلك الخلاف وأوضح مدرجة الإنصاف والإنتصاف صاحب الشريعة ﵇ قال في الحديث الصحيح إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب

стр. 259

الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وذلك في حجة الوداع، فأبقي عليها اسمها بعد حل القتال فيها، وبين أن حرمتها تتضاعف بقتل الكفار فيها، وبزيادة حرمتها ينبغي ألا يظلم أحد نفسه فيها. فإن الإثم يتضاعف بحرمة الزمان والمكان إلى حرمة الشهر الحرام، وقد بينا في سورة البقرة نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم، وبينا أن آية براءة وهي قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ نسخ تحريم القتال المشروع في الأشهر الحرم في صدر الإسلام ولم يبق احترام إلا الدين ولا عاصم سوى الإيمان، والأزمان لغو في ذلك. وما كان في الجاهلين وصدر الإسلام منه، قد عوض الله منه كلمة الدين واخوة المسلمين والحمد لله رب العالمين. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر﴾ قال ابن حبيب نسختها الآية التي بعدها: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله﴾ . قال القاضي محمد بن العربي: لقد مني ابن حبيب بالوهم أو بنقل ما لم يقل عنه ومنى بالرد ممن لا يعلم: قال بعضهم: وهذا خبر لا ينسخ. ومتى بلغنا إلى هذا الحد وليست الآية في شيء من هذا الغرض! إنما سميت براءة: الفاضحة، لأنه لم يزل ينزل، ومنهم، ومنهم، .. حتى ظننا أنها لا تبقي احدًا، فقال تعالى: ﴿ومنهم من يقول ايذن لي﴾

стр. 260

﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ ﴿ومنهم الذين يوذون النبي﴾ ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ ومن الأعراب من يكره الغزو يرى أن الذي ينفقه مغرم، ومنهم من يرى أن الذي ينفقه قربة. ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ خاتمة بالثناء وتشريف الأولياء، فأي نسخ في هذا لولا التسور على الدين والتصور بصورة علماء المسلمين والله ينصرنا بالحق ويشرح صدورنا للعلم برحمته. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ قال قوم: نسخت كل صدقة في القرآن، وقال آخرون: نسختها الزكاة . قال القاضي محمد بن العربي ﵀: اختلف الناس في هذه الصدقة على أقوال: الأول أنها صدقة الفرض أجملها الله وبينها رسوله. الثاني أنها صدقة مطلقة زيادة على الفرض كما كان النبي ﵇ يندب إليها حين كان يرد عليه المحتاجون. الثالث أنها عبارة عن قوم تيب عليهم فرأوا أن من توبتهم أن يتصدقوا. ومع هذا الاحتمال لا يصح دعوى النسخ فيه، وقد بينا معنى الاية في الأحكام والله أعلم.

стр. 261

الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ قال بعضهم: هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم﴾ . قال القاضي محمد بن العربي وفقه الله: يستحيل هذا أن يكون منسوخًا فإنه لا تعارض بينهما، ولكنه يحتمل أن يكون مخصوصا في المنافقين، قيل له: ولا تصل على أحد منهم مات لكفره، فكذلك إذا جاء أحد منهم بصدقة فلا تصل عليه أياض للعلة التي سبقت من الصلاة عليه إذا مات، وهو الكفر. الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ الآية، قال ابن زيد: نسخها قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ الآية . قال القاضي محمد بن العربي: قال قوم: يحتمل أن يكون النفير في هؤلاء خاصة دون غيرهم فعوتبوا لتخلفهم. وقيل إنه (إنما خصوا لقرب دارهم) ومصاقبة جوارهم وأنهم أحق برسول الله ممن بعد عنه، فيجوز أن يقول لهؤلاء: لا تتخلفوا عن رسول الله، ويقال لغيرهم، انفروا للتفقه في دين الله. وأعجب منه أنه يحتمل أن يكون قوله/ ﴿ما

стр. 262

كان لأهل المدينة﴾ الآية هي بعينها قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ وهم الذين، لم يتخلفوا عن رسول الله فيكونون معه يسمعون العلم، فإذا رجعوا أنذروا قومهم بما سمعوا منه، ويحتمل أن يكون نسخت الآية المقتضية للتفقه والإنذار قوله: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ ولم يتعرض لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب، والله أعلم.

стр. 263

سورة يونس مكية كلها، فيها من النسخ أربع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم﴾ نسختها آية السيف . قال القاضي محمد بن العربي: قدمنا أن هذا الكلام ونحوه يقتضي التخلي والترك، فبذلك المعنى هو المنسوخ بالأمر بالقتال، فقيل له أولا: إن كذبوك فتبرأ منهم وأسلمهم إلى أنفسهم وعرفهم أنه لا يجزي أحد بعمل أحد، وقيل له بعد ذلك: إن كذبوبك فقاتلهم واقتلهم. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ وهذا نحو من الأول والقول فيه قريب منه، فإن الله تعالى أعلمنا بأنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعا بهداه لهم وخلقه للقدرة على الإيمان فيهم، فلا تنس أنه ليس لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله، وأنت يا محمد من وراء النصرة فلم يجعل إليك الإيمان ولا كلفناك الإكراه والإلجاء، ثم أمره بعد ذلك بالقتال والقتل حتى يؤمنوا وذلك هو الإلجاء المحض، والإكراه الخالص . الاية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فمن اهتدي فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل﴾ قد تقدم شرحه وأنه منسوخ . الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿واصبر حتى يحكم الله﴾ هذا مثله في النسخ، وقد بيناه من نسخ الصبر والإعراض والصفح والترك، والله أعلم .

стр. 264

وهم: قال بعضهم: قوله تعالى: ﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ نسخها قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ يريد فقد أمن النبي ﵇ من العذاب. قال القاضي محمد بن العربي: قوله تعالى: ﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ كلام صحيح ثابت محكم معلوم، وذلك أن قريشا قالت للنبي ﵇: هذا كلام تسب فيه آلهتنا وتعاب آباؤنا، فأتنا بقرآن غيره لا يكون فيه هذا فنكون أقرب إلى اتباعك فقال له سبحانه قل ليس لي أن أفعل ذلك فإني ﴿أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ وهذا كما قال: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين﴾ وهذا لا يدفعه ما وعد به من المغفرة فإن من قيل له: غفرنا لك ما فعلت وما تفعله لكرمك إنما يقابل هذا بعظم الطاعة والوعد بالامثال أبدًا ما بقي من عمره، فأما أن يقول إني قد أمنت فالآن أعصي لأن ذلك مغفور، فذلك سبب هلاكه وحط منزلته، ولهذا قيل للنبي ﵇ وقد قام حتى تورمت قدماه: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: (أفلا أكون عبدًا شكورا) وإنما غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر مع عصمته فيما يستقبل من عمره وموافاته على أفضل أحواله. وقد تكلم

стр. 265

علماء المعاني في ذلك علي أقوال عمادها أن الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه (وما تأخر من ذنبك) وما تأخر. لشرفك على جميع الخلق، ويكون سيد ولد آدم (في يوم) الحق. وتحقيقه أن الباريء (غفور) ومن الناس من يغفر له جميع الذنوب وهو محمد، ﷺ والناس بعده درجات في ذلك والله أعلم.

стр. 266

سورة هود ﵇ مكية كلها غير عشر آيات: نزلت في نبهان التمار وقيل في أبي اليسر كعب بن عمرو في الصحيح عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة حرام فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فنزلت (هذه الآية) ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾، فقال الرجل: إلى هذه؟ قال: بل (لمن عمل بها من أمتي) فيها من النسخ ثلاث آيات. الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إنام أنت نذير والله على كل شيء وكيل﴾ قالوا: نسختها آية السيف .

стр. 267

قال القاضي محمد بن العربي ﵀: قد تقدم القول في أمثالها ويحق لكم وعليكم أن تعلموا أن الله خلع على عبده من صفاته، فهو سبحانه رؤوف وعبد رؤوف وهو تعالى رحيم وعبده رحيم، وهو سبحانه يعفو ويصفح وكذلك في صفة عبده أنه يعفو ويصفح، وهو سبحانه غافر الذنب شديد العقاب. وعبده هو الضحوك القتال، وهو نبي الرحمة وهو نبي الملحمة، فأخبر عن أحواله بصفاته وكل صدق وصحيح في صفته مضاف إلى وقته، وقد كان نذيرا في وقت وصار بعد ذلك محاسبا، وكان عفوا صفوحا وصار بعد ذلك منتقما قالت عائشة ﵂: ما انتقم رسول الله لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله فيكون أشد الناس انتقاما له" .. الآية الثانية والثالثة: قوله تعالى: ﴿اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون﴾ قالوا: نسختها آية السيف، وقد تقدم القول في نظيرها وهذه مثلها فلا وجه لإعادة القول فيها . وهم وتنبيه: قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها﴾ قالوا نسختها قوله تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة علجنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾. قال القاضي محمد بن العربي ﵀: ليس هذا بنسخ وإنما هو تخصيص عموم في غير تكليف، فلا يدخل في عرضنا وإنما يقتضي أن الباريء تعالى ينعم على العباد مومنهم وكافرهم بنعم الدنيا، وأما نعم الآخرة بالنيات الخالصة والأعمال الصالحة فيخص بها المؤمنين، وقوله تعالى: ﴿نوف إليهم أعمالهم فيها﴾ إخبار من الله لنا بأنه يعد نعمه عليهم في جزاء

стр. 268

أعمالهم التي هي بصورة الأعمال الصالحة حتى لا يلقي أحد منهم ربه وله حجة في حسنة. لا في طريق المعنى لعدم النية ولا من طريق الصورة لأنه يعد النعم في مقابلتها. وعلى هذا خرج قوله ﷺ لحكيم بن حزام وقد قال له: (يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة وصلة رحم أفيها أجر؟ فقال رسول الله: أسلمت على ما أسلفت من خير) المعنى أن الإسلام جاء على ما تقدم أي غلبه وظهر عليه، وتلك النية المتقدمة في فعل الخير فأدت إليه وهو أصل الخير كله.

стр. 269

سورة يوسف ذكر بعضهم أن قوله تعالى: ﴿توفني مسلما وألحقني بالصالحين﴾ منسوخ بقوله ﷺ لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به. وهذا فاسد من القول وجهل من أشد الجهل فإن يوسف ﵇ رمي في الجب فلم يقل توفني مسلما ونودي عليه بالبيع فيمن يزيد فلم يقل توفني مسلما، وحبس في السجن سنين، فلم يقل: توفني مسلما، فلما حصل له الملك واستقام الأمر واجتمع الشمل وسجد الإخوة ورفع أبويه على العرش وصدقت الرؤيا وظهرت المزية وتبين للإخوة أن الذين سعوا في رده جاء المقدار به على حده، علم أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فقال ﵇: (توفني مسلما) أخبرنا الشيخ المعدل أبو الفضل ابن طوق أخبرنا الأستاذ جمال الإسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن، وسمعت أبا علي الدقاق يقول: قال يوسف ليعقوب ﵉: علمت أنا نلتقي في الآخرة بعد الموت فلم بكيت ذلك البكاء كله؟ فقال: يا بني إن هناك طريقين فخفت أن تسلك طريقا وأسلك طريقا فقال عند ذلك يوسف ﵇: توفني مسلما وألحقني بالصالحين.

стр. 270

قال القاضي محمد بن العربي: عجبت للأستاذ أبي القاسم مع جلالة قدره في العلم يعول على مثل هذا الخير الذي فيه الجهل بأحكام الأنبياء. وقد بينا في كتبنا معلوما وأوضحنا مفهوما أن الأنبياء إذا كوشفوا بالرسالة واصطفاهم الله بالوحي وبعثهم إلى الخلق يعلمون قطعا حسن الخاتمة، أما أن يعقوب حين فارق يوسف ﵉ صغيرا فيجوز، في العقل أن يخاف عليه مما يجري على الصغار من التبديل فأما وقد أتم الله عليه نعمته وضاعف حرمته فلا يصح توقي ذلك فيه، والله أعلم، وقد حققنا القول في ذلك في كتاب المشكلين، وبينا وجه خوف الأنبياء من الخاتمة مع منزلتهم التي نزلوها.

стр. 271

سورة الرعد فيها آية واحدة من النسخ، قوله تعالى: ﴿وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ قالوا نسختها آية السيف. قال القاضي ابن العربي: قوله تعالى: ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ حصر لكل ما ألزمه الله فيهم ومعهم، لأن كلمة إنما للحصر كما بيناه في غير موضع من (شرح الحديث والأحكام) وهي مقتضية لنفي ما ليس عليه وإثبات ما عليه: تقول العرب إنما الكريم يوسف وإنما الشجاع عنتر إثباتا لكرمهما وشجاعتهما ونفي ما عداهما إما على الأصالة وإما على الكمال. وعبارة أهل سمر قند فيها: إنها لتحقيق المتصل وتمحيق المنفصل. كأنه قال: إن البلاغ عليك ما عليك غير البلاغ فطال الكلام مجمعا في وصل واحد وربط بالجملة فقوي المعنى على المراد، وأفاد من ذلك ما افاد، فنسخ هذا النفي من غير البلاغ آية السيف وصار المعنى عليك البلاغ وغيره من الإلزام والإلجاء والإكراه واستخراج ذلك بالسيف، وقوله تعالى: ﴿وعلينا الحساب﴾ كلمة صحيحة المعنى لم يتطرق إليها نفي ولا دخلها نسخ، قال تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء﴾ قالوا يريد بالحساب الجزاء، وبناء، (ح، س، ب) للعدد في أصالة الوضع ومقتضي الاشتقاق، تقول حسبت أي (ظننت فإنه يعد ما) حصل له من العلم أو الاعتقاد، وحسبت بمعنى قدرت وهي تعديد وحاسبت أي عددت ماله وما عليه، وفلان حسيب لأنه يعدد مآثره، والجزاء حساب لأنه تعد أعماله ويركب عليها ثواب.

стр. 272

وفيها أية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ على شركهم. قالوا نسختها ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. قال القاضي محمد بن العربي: الذي أوجب هذا الكلام على قائله الحديث الصحيح أنه لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ شق ذلك على أصحاب محمد ﵇، فنزلت ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ وإن كان الشرك ظلما فإنه غاية الظلم، وهو درجات، وأصله وضع الشيء في غير موضعه، فكل من كفر هو ظالم وكل من أذنب فهو ظالم، وكل درجات. وقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن﴾ من كونهم أصحاب النار وليس لهم الأمن من أصل العقاب وقوله تعالى: ﴿إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ قال بعضهم أراد بالناس أهل مكة وأوقعه في هذا أنه فسر الظلم بالشرك. وفسر الناس بأهل مكة لأنهم كفار ولو أتبع كلامه أصله لقال: يريد بالناس الكفار. ويحتمل أن يريد ما قال، ويحتمل أن يريد بالناس المذنبين ويحتمل أن يريد بالمغفرة ها هنا الإمهال بالعقوبة، ويحتمل أن يريد به ما مضى بإصلاح العمل فيما يأتي. وإذا احتمل هذا كله لم يكن للتخصيص معنى، وما احتملته الآية من ذلك كله، فإن السنة خصته بأحاديث الشفاعة وغير ذلك من أخبار المغفرة وقد حققنا ذلك في كتاب المشكلين.

стр. 273

سورة إبراهيم فيها آية واحدة وهي من قوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ إلى قوله: ﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾ . قالوا: نسختها من قوله في سورة النحل ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. إن الله لغفور رحيم﴾. قال القاضي محمد بن العربي: هذا باطل من وجهين: الأول أنه لا تعارض بينهما فإن الله غير الإنسان، الثاني أن الجمع بينهما ممكن فإن الإنسان ظلوم لنفسه كفور بنعمة ربه، وفي الصحيح قال ﷺ : واطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء بكفرهن. قيل أيكفرون بالله؟ قال يكفرون الإحسان ويكفرون العشير، وفي كتاب مسلم صلى النبي الصبح على إثر سماء كانت بالحديبية. ثم قال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي شاكر لي وكافر، أما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك شاكر الحديث وتصريف الإنسان لنعمة ربه في غير طاعة ظلم، لأنه وضع النعمة في غير موضعها وسترها عن وجهها بما عدل به عن طريقها، ومع هذا فإن الله يغفر له فإنه لا يسلبها ويرحمه بإمهاله بالعقوبة عليها، فأي نسخ في هذا والكلام محقق والنظام متسق؟ فقد وهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فيما قال من ذلك، إن صح النقل عنه به. والسورة مكية عندهم والله أعلم.

стр. 274

سورة الحجر فيها من النسخ ثلاث آيات: الأية الأولى: قوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا﴾ الاية هذه الآية منسوخة بالأمر بالقتال على ما تقدم بيانه. أخبر الله تعالى أن همتهم في نهمتهم وأنهم في الأنام بمنزلة الأنعام لاستيلاء الغفلة عليهم، والختم بالكفر على قلوبهم، فأمر الله ورسوله بتركهم ووعده بالظفر بهم. وأوعدهم بما يؤول في العاقبة إليه أمرهم . الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ الصفح العفو، حيثما وقع في القرآن منسوخ كله بالأمر بالقتال. وقد كان ﷺ يعفو عفوا جميلا، ويصفح صفحا كريما وهو الصفح الذي لا يذكر معه الذنب. وقيل هو الذي يعتذر به عن الذنب. ولقد بالغ في ذلك ﷺ حين قال ذلك بعد أن أمر بالقتال. فإنه لما شج يوم أحد وجهه وكسرت رباعيته، جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟ ) وذكر نحوا منه عن بعض الأنبياء فعله به قومه وهو يقول اللهم: اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وقد بينا تأويله في شرح الحديث . الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ وقد تقدم ذكره في مثله، وهذه آية غريبة لأن نصفها محكم وهو قوله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ ونصفها منسوخ وهو قوله: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ نسختها آية الأمر بقتالهم .

стр. 275

وهم: في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم﴾ قال بعضهم هذا المعنى نسخ بالأمر بالقتال. قال القاضي محمد بن العربي: هذا كلام من بينه وبين فهم القرآن حجاب. قال ابن عيينة في قوله ﵇: ليس منا من لم يتغن بالقرآن: ألا تراه قد قال: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم. لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم﴾ فأمره بالاستغناء عن المال بالقرآن ولله در هذا الإمام فلقد استقبل المعنى من الامام، ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة طه: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه﴾ فبين أنه نهاه عن امتداد عينيه إلى متاعهم لأنه دنيا لا لأنه لهم، ولعمر الهكم لقد نهي المكلف عن الامتداد إلى متاع غيره بالنظر في انتقاله إليه نهيا جزما ونهي عن الامتداد بالنظر إليه على وجه التمني لمثله نهيا جزما ونهي عنه النبي ﷺ تشريفا وتكريما لرفع المنزلة وجلالة المرتبة وتمكين المكانة فإنه ملك الآخرة، وقيل لنا نحن نصحا وتنبيها: كونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا. فلما جهل المغبون هذا كله قال إن معنى الآية منسوخة وأنه لما أمر ﷺ بقتالهم جاز أن يتمنى انتقالهم أموالهم إليه. وهذا فاسد فإن النهي باق كما كان بدليل سورة طه، لأن هذا التمنى لم ينه قط عنه لا قبل القتال ولا بعده لأمر يتعلق بالملاك، وإنما كان يتعلق بالأملاك وهي كونها زينة الحياة الدنيا، قال لنا الفقيه أبو الفضائل بن طوق

стр. 276

المعدل: قال لنا الأستاذ الإمام جمال الإسلام أبو القاسم الصوفي: غار على عينه أن يستعملها في النظر إلى المخلوقات وأين هذا من مرتبة موسى ﵇ حين قال له: ﴿أرني أنظر إليك، قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل﴾ فأباح له النظر إلى الجبل، ومنع محمدًا من النظر إلى المخلوقات. قال القاضي محمد بن العربي: عجبا لهذا الإمام مع جلالته في علم الإسلام كيف جازت عليه هذه النكتة أن محمدا وموسى في هذه الأمر سواء؟ نهي محمد عن النظر إلى المخلوقات لذاتها وأمر بالعبرة فيها والاستدلال على الله تعالى بها. وكذلك موسى ﵇ إنما أحيل على الجبل ليستدل به على ما سأل، وقيل له: فإن استقر مكانه فسوف تراني (والله أعلم). وهم في تأويل: قوله تعالى: ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾ قال بعضهم نسخها الأمر بالقتال. قال القاضي ابن العربي ﵀: هذا وهم شنيع، إن النذارة لو نسخت لانتسخت النبوة فإنها خطط لازمة كريمة قائمة ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ ولقد أنذر وحذر وبشر (وأوعد ووعد) وتهدد، وأمر بعد ذلك بالقتال والقتل، فبقي ذلك كله موجودا فكان ﵇ ينذر، ويقتل ويحذر ويبشر ويعد ويوعد ويتهدد، والقتل المفعول المشاهد كان ذلك كله فيه موجودًا وبه مقتضي، والقول نذير، والفعل نذير، ولذلك قال ﷺ : (إني أنا النذير العريان) فأخبر أنه نذير بقوله نذير بحاله. وقال الشاعر: ونشتم بالأفعال لا بالتكلم

стр. 277

سورة النحل فيها من النسخ آيتان: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين﴾ وقد تقدم . الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ نسختها آية القتل في قولهم . قال القاضي محمد بن العربي: اختلف في قوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ على ثلاثة أقوال: الأول جادلهم بكتاب الله. الثاني: جادلهم بحجة لاتخالفها كما قال تعالى: ﴿مخبرا﴾ عن شعيب ﵇: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ الثالث هي المجالة بالصفح عمن نالوا من عرضه وإذايته. والمجادلة هي المحاجة، وهي مأخوذة من الجدل وهو الشد والقتل كأنه يحاجه بأقوى ما عنده. وقيل من الجدالة. وهي الأرض كأن كل واحد منهما يريد أن يغلب صاحبه مصارعة فيلقيه بالجدالة. وكانت المجادلة في صدر الإسلام كل عمل النبي ﵇ فلما أمر الله بالقتال نسخت المجادلة الأصلية وبقيت المحاجة مع من دعا إلى ذلك. قال الله تعالى في آخر ما نزل من القرآن. ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ وحاج النبي ﷺ بأمر الله تعالى النصارى فقال: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم ققال له كن فيكون﴾ وحاج اليهود والنصارى فقال سبحانه: ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء

стр. 278

الله وأحباؤه، قل فلما يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق﴾ وحاج النبي ﷺ حصينا أبا عمران، فقال له: (يا حصين، كما إلها تعبد اليوم؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال له الذي في السماء) وذكر الحديث وسيأتي بقية التحقيق في سورة العنكبوت إن شاء الله. ذكر ما فيها من آيات التخصيص: وهي ثلاث آيات . الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقا حسنا﴾ قال بعضهم نسخا آية المائدة ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصار والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ . قال القاضي محمد بن العربي ﵀: هذا بناء على أن السكر الخمر وقد اختلف العلماء فيه في تأويله على خمسة أقوال: الأول: أن معناه تتخذون منه ما حرم الله قاله ابن عباس، ﵀، الثاني: أنه الخل، قاله الحسن، الثالث: أنه كل ما يتطعم منه. الرابع: أنه خمور الأعاجم، الخامس: أنه ما يسد الجوع. وأما الرزق الحسن ففيه ثلاثة أقوال:

стр. 279

الأول: أنه ما أحل الله. الثاني: الأول بعينه. الثالث: أنه النبيذ الحلو والخل. فإذا لم يقل إن السكر الخمر لم يتصور في الآية نسخ، وإذا قلنا إن المراد به الخمر وتقديره، وتتخذون منه ما حرم الله، فيكون معناه التوبيخ تقديره، أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب فاتخذتم منه الخمر التي حرم الله وإذا قلنا إن المنة وقعت بالخمر، فحينئذ يكون النسخ، ولا أقول به ولا أصوبه لقائله فإنه لو أراد، الخمر لصرح باسمها وكان أولى من أن يقول ذلك بلفظ السكر المذموم، والمنة لا تقع بمكروه، وما يذهب العقل لا يقع فيه مدح ولم يكن السكر محللا في ملة وسكت الله عنه مدة في صدر الإسلام لفساد جميعه ودعاء قليله إلى كثيره فسكت عنه إلى أن رأوا فساده واستدعوا تحريمه فجاء كما أرادوا مع هذا كله، فقد تهافتوا عليه تهافت الفراش وسقطوا فيه سقوط الذباب.

стр. 280

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ قال بعضهم: نسخ آخرها وهو الاستثناء أولها وقيل نسختها آية السيف . قال القاضي ﵁: هذه غباوة والاستثناء لا يعد نسخا بإجماع من العقلاء وإنما هو نوع من التخصيص وقد بينا ذلك في موضعه والله أعلم. ومن قال نسختها آية السيف، فقد أبعد المقال عن الصواب جدًا، لأن الآية لم تأت لبيان حكم فيدخلها النسخ، وإنما تهديد بعذاب الآخرة ووعيد بعقاب القيامة على ذنب هو الكفر، وذلك محتوم قطعا قال الله تعالى: ﴿فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾. الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ قالوا نسختها آية السيف . قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذا وهم، ليس من باب الصبر على إذاية المشركين قبل الأمر بالإنتصار وإنما هو من باب الصبر على المصائب التي تنزل بالمرء، والأصل في ذلك أن القتال نزل

стр. 281

بمكة بإجماع وهؤلاء الآيات مما نزل بالمدينة بإجماع، في غزوة أحد حين أصيب من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ستة فمنهم حمزة، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما لنربين عليهم، وقال النبي ﷺ ، لأمثلن بسبعين منهم، فنزل. والنبي واقف. في أصح الروايات، جبريل ﵇ بخواتم النحل، فصبر النبي ﵇ وكفر عن يمينه.

стр. 282

سورة بني إسرائيل فيها آية واحدة من النسخ، وهي قوله تعالى: ﴿ربك أعلم بك إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم، وما أرسلناك عليهم وكيلا﴾ وقد تقدم معناها في الأنعام وغيرها. ذكر ما فيها من التخصيص: وهي ست آيات: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ قال بعضهم هذا منسوخ في الكفار، والصواب أنه مخصوص فيمن كفر مأمور به فيمن آمن حسب ما سبق بيانه في سورة براءة وغيرها . الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ تقدمت . الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ يعني في قول السدي يسأل عن العهد ثم يدخل الجنة، حتى نسخها قوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾ الآية . قال القاضي محمد بن العربي: هذا باطل من وجهين: إحدهما أن قوله تعالى: ﴿إن العهد كان مسؤولا﴾ عنه لا يمنع إذا سئل عنه أن يعفي أو يعاقب، ثم جاء العقاب فكان بيانا لمسكوت عنه. الثاني: أن قوله: (يسأل عن العهد ثم يدخل الجنة، كذلك يقال بعد نزول الوعيد) لا يكلمه الله ولا ينظر إليه وله عذاب أليم ثم يدخل الجنة. وهذا واضح لمن تأمله والله أعلم.

стр. 283

الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وزنوا بالقسطاس المستقم ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ قال السدي: نسخ ذلك، بقوله: ﴿ويل للمطففين﴾ الآية . قال القاضي ابن العربي: وهذا فاسد بالمعنى المتقدم حرفا بحرف فإن قول القائل الإيمان خير من الكفر والطاعة أفضل من المعصية والوفاء في الكيل خير من البخس، لا يمنع من توجه العقاب عليه من بعد وهذا واضح أيضا والله أعلم. الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ ذكر بعضهم أنه ناسخ لفرض قيام الليل في سورة المزمل . قال القاضي محمد بن العربي ﵀: اختلف الناس في دخول النبي ﵇ في خطاب التكليف فمن لم يدخله فيه لم يتصور أن ينسخ ما في سورة المزمل من قوله: ﴿فتاب عليكم﴾ كما قوله له ﵇: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) ومن قال: إنه يدخل وهو الصحيح كما بيناه في الأصول قال إن قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة﴾ معناه زيادة لك في فعلك، لتنال به المقام المحمود عند ربك، إذ لا يصادف ذلك ذنبا يكفر ولا سيئة تغفر، لأن المغفرة قد سبقت وذلك من خصائصه ﷺ على ما بيناه في سورة الأحزاب. الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ قالوا: نسختها الآية التي في الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك

стр. 284

تضرعا وخيفة، قال القاضي محمد بن العربي: قد بينا أن من شروط النسخ معرفة التاريخ والمعارضة، ولسنا نعلم ها هنا للآيتين تاريخا فنحكم فيها بالنسخ، ولا تعارض فإن الكلام على قسمين في النفس وهو الكلام حقيقة، وقسم باللسان وهو على ثلاثة أقسام: قسم خفي، وهو ما يسمع به المرء نفسه وهو السر، وقسم آخر يسمع به من يليه، وقسم عال وهو الجهر. والعالي من هذه الثلاثة هو المذكور في سورة بني إسرائيل هذه وقسم النفس هو المذكور في سورة الأعراف ودون الجهر من القول الذي يسمع به المرء نفسه وهو الثاني المذكور في سورة بني إسرائيل والآيتان واردتان موردًا واحدًا والله أعلم.

стр. 285

سورة الكهف مكية بإجماع محكمة، جهل بعضهم فقال فيها آية واحدة منسوخة وهي قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ قال بعضهم: الآية عدها تخييرا والجماعة عدتها تهديدا. قال القاضي محمد بن العربي: لا خلاف بين العقلاء في أنها تهديد يستحيل التخيير فيها، لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء شرعا ولا يأمر بالكفر عقلا ولا شرعا، لأن الأمر بالكفر محال إذ الأمر بالشيء يقتضي معرفة الأمر ضرورة والكفر هو الجهل، بالأمر والجمع بينهما محال فيستحيل الأمر بهما. أما أن معناها من التهديد هو الذي رفعه الأمر بالقتال لأن الله تعالى قال لنبيه ﵇ قل لهم: هذا الحق من ربكم فمن شاء قبله ومن شاء رده، ورده كفر، ثم قال لهم بعد ذلك، هذا الحق فإن لم تقبلوه قاتلتكم ويقاع المهدد به رفع للتهديد.
следующие страницы →