Полный текст (413 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بمكة بإجماع وهؤلاء الآيات مما نزل بالمدينة بإجماع، في غزوة أحد حين أصيب من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ستة فمنهم حمزة، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما لنربين عليهم، وقال النبي ﷺ ، لأمثلن بسبعين منهم، فنزل. والنبي واقف. في أصح الروايات، جبريل ﵇ بخواتم النحل، فصبر النبي ﵇ وكفر عن يمينه.
стр. 282
سورة بني إسرائيل
فيها آية واحدة من النسخ، وهي قوله تعالى: ﴿ربك أعلم بك إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم، وما أرسلناك عليهم وكيلا﴾ وقد تقدم معناها في الأنعام وغيرها.
ذكر ما فيها من التخصيص: وهي ست آيات:
الآية الأولى قوله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ قال بعضهم هذا منسوخ في الكفار، والصواب أنه مخصوص فيمن كفر مأمور به فيمن آمن حسب ما سبق بيانه في سورة براءة وغيرها .
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ تقدمت .
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ يعني في قول السدي يسأل عن العهد ثم يدخل الجنة، حتى نسخها قوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾ الآية .
قال القاضي محمد بن العربي:
هذا باطل من وجهين: إحدهما أن قوله تعالى: ﴿إن العهد كان مسؤولا﴾ عنه لا يمنع إذا سئل عنه أن يعفي أو يعاقب، ثم جاء العقاب فكان بيانا لمسكوت عنه.
الثاني: أن قوله: (يسأل عن العهد ثم يدخل الجنة، كذلك يقال بعد نزول الوعيد) لا يكلمه الله ولا ينظر إليه وله عذاب أليم ثم يدخل الجنة. وهذا واضح لمن تأمله والله أعلم.
стр. 283
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وزنوا بالقسطاس المستقم ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ قال السدي: نسخ ذلك، بقوله: ﴿ويل للمطففين﴾ الآية .
قال القاضي ابن العربي:
وهذا فاسد بالمعنى المتقدم حرفا بحرف فإن قول القائل الإيمان خير من الكفر والطاعة أفضل من المعصية والوفاء في الكيل خير من البخس، لا يمنع من توجه العقاب عليه من بعد وهذا واضح أيضا والله أعلم.
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ ذكر بعضهم أنه ناسخ لفرض قيام الليل في سورة المزمل .
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
اختلف الناس في دخول النبي ﵇ في خطاب التكليف فمن لم يدخله فيه لم يتصور أن ينسخ ما في سورة المزمل من قوله: ﴿فتاب عليكم﴾ كما قوله له ﵇: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) ومن قال: إنه يدخل وهو الصحيح كما بيناه في الأصول قال إن قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة﴾ معناه زيادة لك في فعلك، لتنال به المقام المحمود عند ربك، إذ لا يصادف ذلك ذنبا يكفر ولا سيئة تغفر، لأن المغفرة قد سبقت وذلك من خصائصه ﷺ على ما بيناه في سورة الأحزاب.
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ قالوا: نسختها الآية التي في الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك
стр. 284
تضرعا وخيفة، قال القاضي محمد بن العربي: قد بينا أن من شروط النسخ معرفة التاريخ والمعارضة، ولسنا نعلم ها هنا للآيتين تاريخا فنحكم فيها بالنسخ، ولا تعارض فإن الكلام على قسمين في النفس وهو الكلام حقيقة، وقسم باللسان وهو على ثلاثة أقسام: قسم خفي، وهو ما يسمع به المرء نفسه وهو السر، وقسم آخر يسمع به من يليه، وقسم عال وهو الجهر. والعالي من هذه الثلاثة هو المذكور في سورة بني إسرائيل هذه وقسم النفس هو المذكور في سورة الأعراف ودون الجهر من القول الذي يسمع به المرء نفسه وهو الثاني المذكور في سورة بني إسرائيل والآيتان واردتان موردًا واحدًا والله أعلم.
стр. 285
سورة الكهف
مكية بإجماع محكمة، جهل بعضهم فقال فيها آية واحدة منسوخة وهي قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ قال بعضهم: الآية عدها تخييرا والجماعة عدتها تهديدا.
قال القاضي محمد بن العربي:
لا خلاف بين العقلاء في أنها تهديد يستحيل التخيير فيها، لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء شرعا ولا يأمر بالكفر عقلا ولا شرعا، لأن الأمر بالكفر محال إذ الأمر بالشيء يقتضي معرفة الأمر ضرورة والكفر هو الجهل، بالأمر والجمع بينهما محال فيستحيل الأمر بهما. أما أن معناها من التهديد هو الذي رفعه الأمر بالقتال لأن الله تعالى قال لنبيه ﵇ قل لهم: هذا الحق من ربكم فمن شاء قبله ومن شاء رده، ورده كفر، ثم قال لهم بعد ذلك، هذا الحق فإن لم تقبلوه قاتلتكم ويقاع المهدد به رفع للتهديد.
стр. 286
سورة كهيعص
مكية فيها من النسخ آية واحدة.
قوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ قد بينا في سورة آل عمران، من هذا القسم وقسم الأحكام أيضا، أن شرع قبلنا شرع لنا، وهذه الآية تدل على أن من قبلنا كان في صومه ترك الكلام ولكن لم يكن ذلك مشروعا عندنا ولا دخل في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ وشرع الله لنا الصوم ابتداء بتحريم الجماع والأكل والشرب في ايام الصوم خاصة، وأباح الكلام، فكان ذلك نسخا لشرب من قبلنا في جعل الصمت من جملة أركان الصوم فارتفع عنا ما كان مفروضا على من قبلنا والحمد لله.
وهم: قال قتادة إنما جعل الله ذلك آية لمريم وابنها، ولا يحل لأحد ينذر صمت يوم.
تذكرة: قال القاضي محمد بن العربي، قوله إنه لا يحل لأحد أن ينذر صمت يوم صحيح، فقد ثبت عن النبي ﷺ ، واللفظ للبخاري عن ابن عباس رضي
стр. 287
الله عنه، قال: (بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو اسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي ﵇ فليتكلم، وليستظل وليتم صومه) فأبطل نذر الصمت، وبين أنه ليس ذلك في شرعنا. وقوله: إن جعل ذلك آية لمريم غير صحيح إنما جعل الله ذلك آية لزكرياء في يحيى حسبما تقدم بيانه في سورة آل عمران، فأما مريم فكان فيها نذرا صحيحا وارتفع ذلك كما بيناه آنفا في سورة آل عمران، والأحكام فلينظر هنالك والله أعلم.
ذكر ما فيها من آيات التخصيص، وهي خمس آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾ قال بعضهم نسخ الإنذار آية السيف .
قال القاضي: الإنذار بالآخرة لا ينسخه الأمر بالقتال، فإنه ينذر ويقاتل وليس التخويف بالآخرة مرفوعا، بشيء، حتى إن الإيمان لا يرفعه والخوف والتخويف من الله لا يرده شيء ولا يرفعه إلى حين لقائه.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فسوف يلقون غيا﴾ قال بعضهم: نسخها قوله تعالى: ﴿إلا من تاب﴾ قال ابن العربي: هذا معنى قد بينا فساده من قبل في مواضع فتكراره عي .
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ الآية .
قال القاضي محمد بن العربي:
ليست هذه الآية من النسخ في شيء، وإنا هي من مشكل آيات الوعيد وذلك لأنا لو قلنا: إن الخلق كلهم يدخلون النار ثم يخرجون منها المتقون لم يكن ذلك
стр. 288
بموجب نسخها لأن النسخ لا يكون إلا في التكليف لا في العذاب، ولو قلنا إن المتقين مستثنون من الواردين، لم يكن ذلك أيضا نسخا، وإنما يكون تخصيصا للعموم المقتضي بظاهره لورد الكل على النار. وبعد هذا فلا بد من الإشارة إليها ببعض كلامنا فيها لئلا يبقى الإيهام في قلوبكم منها.
اختلف الناس في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال:
الأول: قال ابن عباس ﵁، يدخل الخلق بأجمعهم النار ثم يخرجون منها، قال له نافع بن الأزرق، الم يقل الله ﴿لا يسمعون حسيسها﴾ فغضب ابن عباس وقال له: ويلك يا مجنون أين أنت عن قوله تعالى: ﴿فأوردهم النار﴾ وقال تعالى: ﴿حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ وقال تعالى: ﴿يقدم قومه يوم القيام فأوردهم النار﴾ أما أنا وأنت فسند خلها فانظر هل تخرج منها أم لا وما أرى الله بمخرجك منها لتكذيبك، فضحك نافع.
الثاني: قال ابن رواحة وغيره ورودها المرورد عليها.
الثالث: أن المراد بورود الكل لها عموم أخذ الحمى لكل أحد وهي حظه من النار. وقد روي عن ابن عباس ﵁ أن الورود هو المرو عليها وهو الصحيح، فأما الدخول فلا سبيل إليه من جهة الشرع، وقد قال الله تعالى:
стр. 289
﴿أنتم لها واردون﴾ ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ فخصت الآية الثانية الأولى، وبينت السنة ذلك: ففي الصحيح أن أهل بدر والحديبية لا يدخل أحد منهم النار. وقال فيه ﷺ يوضع الصراط على متن جهنم أرق من الشعر وأحد من السيف، عليه كلاليب مثل شوك السعدان يخطف الناس بأعمالهم فيمر عليه الخلق كالريح المرسلة وكالبرق الخاطف وكاجاويد الخيل فناج مسلم ومخدوش مرسل، ومكردس في النار وذكر حديث الشفاعة وأنه يخرج منها من قال لا إله إلا الله، وآخر رجل يخرج منها صاحب الشجرة، وقد قال الله العظيم لنبيه ﵇: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ ومن أخذ القرآن دون السنة أو السنة دون القرآن فقد جهل وهما نور على على نور يهدي الله لنوره من يشاء هذا وكلمة ورد إنما تقتضي الوصول إلى المكان لا دخوله وأبعد الوجوه أن الكلمة تقتضي الدخول وهي مجاز في الوصول فإن لم تقتض الدخول فلا حجة فيها وإن اقتضت الدخول كنا بين مسألتين واضحتين إحداهما أن تحمل الكلمة على المجاز بدليل السنة أو تبقى حقيقتها وتخص هذا العموم في المتقين بقوله تعالى: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ وبقوله: ﴿لا يسمعون حسيسها﴾ وبنصوص أحاديث الشفاعة الجلية المفسرة للمشكل. هذا لباب النظر وبالله التوفيق.
الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا﴾ قال قوم: نسختها آية السيف .
стр. 290
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
ليس يخفي على كل متأمل أن قوله تعالى: ﴿فليمدد له الرحمن مدا﴾ دعاء المعنى من كان في الضلالة فطول الله في طغيانه، ولا خلاف بين الأمة أن الدعاء لا ينسخ بالقتال إنما ينسخ بدعاء يخالفه فإن قيل: فما معنى دعائه بذلك وبمثله قال نوح ﵇ في زوال الشفاعة عنه يوم القيامة: إني دعوت على قومي فالجواب أن نوحًا ﵇ لم يدع حتى قال تعالى: ﴿لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ ومع هذا فإنه حمله الغضب عليهم، بما كانوا تولوا من إذايته واستمروا عليه من الكفر المدد الطويلة أن دعا عليهم ولم يصبر حتى ينفذ حكم الله فيهم، فكأنه استحي من أن يكون عليهم قاسيًا ثم سعود شافعًا، كما استحي عيسى ﵇ من أن يشفع لهم وقال إني عبدت مندون الله فكره أن يكون شافعا لمن كان على الله مقدما أدبا يليق بمرتبته ويقتضيه شريف منزلته والله أعلم.
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿فلا تعجل عليهم﴾ قال قوم: نسختها آية السيف .
قال القاضي محمد بن العربي:
ليس في قوله تعالى: ﴿فلا تعجل عليهم﴾ معنى أكثر من أن الله تعالى أمره (بتأخير غرضه من) العذاب فيهم، وأعلمه أنه يعد أنفاسهم كما يعد سنيهم وآجالهم، وهو بعد ذلك آخذهم ومواخذهم يوم يحشر المتقين إليه في كرامة وشرف منزلة. أو
стр. 291
أو يتم الكلام عند قوله تعالى: ﴿نعد لهم عدا﴾ فتكون فائدته إخباره أن ما يستعجله فيهم ويريده بهم أولهم، له وقت محدود وأجل معدود، فلا تعجل به قبل وقته. وقد أعرف النبي ﷺ عن ذلك نفسه بأمر ربه فقال: (ما عندي ما تستعجلون به) لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين. وهذا واضح لمتأمله والله أعلم.
стр. 292
سورة طه
هي مكية عنده بإجماع وفيها من النسخ ثلاث آيات.
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ قال بعضهم: نسخها فرض الصلاة لأنه كان قبل أن تنزل الفرائض ثم نزلت بعد .
قال القاضي محمد بن العربي:
هذه غباوة وهذا أمر يتعلق بوصفين أحدهما بالتسبيح وهذا لا يجوز نسخه عقلا ولا شرعا، الوصف الثاني: التأقيت فيه وذلك مما يجوز نسخه، ولكن النبي ﷺ قد أخبر في رواية جرير هو من آخر من أسلم من الصحابة رضوان الله عليهم قال: كنا جلوسا مع النبي ﵇ ليلة فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته (فإن استطعتم أن لا تناموا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، وفيه وقرأ جرير فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ولعله أراد بالمنسوخ الأر بالصبر وهذا صحيح والله أعلم.
стр. 293
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قل كل متربص فتربصوا﴾ قال بعضهم: هي منسوخة بآية السيف .
قال القاضي محمد بن العربي:
هذا المعنى، ومعنى قوله تعالى: ﴿فلا تعجل عليهم﴾ سواء، فإن التربص هو ترك العجلة بعينه ولا وجه لإعادته.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ .
قال القاضي ابن العربي: هذه آية أولى في الترتيب النظامي الذي سطرنا قبلها ثالثة في الترتيب المعنوي لإشكال النسخ فيها وكونها سنة نسخت قرآنا، وذلك أن الله تعالى أخبر عن قوله لموسى أقم الصلاة لذكري، ومهما اختلفت الناس في أن شرع من قبلنا شرع لنا فلم يختلف أحد في هذه الآية أنها متوجهة إلينا لقول النبي ﷺ في الصحيح يوم الوادي: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ وهذا نص صريح في الزامنا العمل بها: ثم إنه ﷺ لما استيقظ وقد طلعت الشمس وخرج وقت صلاة الصبح فلم يبادر إلى الوضوء والصلاة لكنه أمر بالإرتحال ومشى حتى تعالى النهار وابيضت الشمس وذلك تأخير عن وقت الذكر المأمور به في الآية، فقال قوم:
стр. 294
ذلك نسخ من الحديث للقرآن، وقال آخرون، لا ينسخ خبر الأحاد القرآن، وقال آخرون إنما آخرها لعذر، واختلفوا في العذر فنهم من قال إنما أخرها للشغل بالرحيل وكانت فائدة الرحيل احتراسا من العدو وخوفا مما أصابه من الناس من نائم لم يستيقظ بعد أو لأن هذا واد به شيطان كما قال في الحديث. وقد بينا في الأحكام أن معنى الآية أقم الصلاة لذكري فيها وذكري لديها، وقال أصحاب أبي حنيفة إن الآية مخصوصة بقوله ﷺ لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وقال إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع. وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب وقد بينا فساد ذلك من قولهم في شرح الحديث ومسائل الخلاف. وأما علماؤنا فقالوا إن تأخير النبي ﵇ الصلاة بعد الذكر نسخ لما في الآية ولا علينا لأي وجه كان التأخير ولا ينتفع به في التعليل لثبوت الحكم يقينا بفساد تأخير الصلاة بعد ذكر، وذلك مشهور مستفيض تلقته الأمة بالقبول حتى صار كالتواتر للإتفاق عليه.
ذكر آيات التخصيص: وهما آيتان:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقي﴾ قال بعضهم: هذا ناسخ لقيام الليل المفروض عليه في سورة المزمل .
قال القاضي ابن العربي:
وذكر بعد ذلك تخليطا ليس من هذا الباب أعرضنا عن ذكره وهذا جهل، يروى عن مجاهد أن هذا في الصلاة مثل قوله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر
стр. 295
منه﴾ كانوا يعلقون الحبال لصدورهم في الصلاة. وهذا لو صح أخف من الأول في الخطأ. وأجله قوله قتادة ما جعل الله القرآن شقاء وإنما جعله شفاء ورحمة ونورا ودليلا إلى الجنة. والذي عندنا أنه مثل قوله تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ فالقرآن منزل ليرتفع شقاء الدنيا الذي كان في رهبانية الكفر وشقاء الآخرة، في النار وأما الشقاء بقيام الليل فلا يقال فيه شقاء بحال. وقد كان ﷺ يقوم حتى تورم قدماه فيقال له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبدًا شكورًا. فجعله شكرا ورحمة ولم يجعله شقاء وكلفة.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولا تجعل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ قال بعضهم هذا محكم وذلك أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه وقرأ لهم سورة النجم فانتهت قراءته إلى قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى﴾ فقال تلك الغرانقة العلى وشفاعتهن ترتجي ثم مضى في قراءته حتى ختم السورة فقالت قريش: قد صبأ إلى ديننا. فسجد وسجدوا حتى لم يبق بمكة إلا ساجد غير الوليد
стр. 296
بن المغيرة فإنه أخذ كفا من حصى المسجد فرفعه إلى وجهه تكبرا وأنزل الله جبريل ﵇ فقال للنبي: ما هكذا أنزلت عليك؟ فقال: كيف أنزلت علي فأخبره بالقرآن على حقيقته. فاغتم ﷺ وحزن لذلك فأنزل الله تعالى يسليه ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم﴾ بأمره إلى بعيد فينسخ الله ما يلقي الشيطان فيرفعه، ثم يحكم الله آياته، ويبينها ويثبتها والله عليم بأمره حكيم بصنعته وتدبيره. فكان النبي إذا جاء جبريل بالقرآن يسابقه بلفظه ليقرأه على جبريل مرتين فأنزل الله، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ونزل ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرآناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه﴾ فبقي بين بين، لا يقدر أن يقرآه مع جبريل، ولا يمكن أن يخالف الأمر حتى أنزل الله الأمان الأعلى سنقرئك فلا تنسى فصار هذا ناسخا لما كان قبله فلم ينس شيئا حتى لقي ربه.
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
هذا الكلام كله فاسد، منه باطل قطعا وهو مازعم أن النبي ﷺ قاله من مدح الآلهة، ومنه باطل مطلقا، وهو هذا الترتيب في نزول الآيات وأسبابها فليس لشيء منه أصل وقد بينا في كتاب المشكلين وفي رسالة تنبيه الغني على مقدار النبي ما يغني عن كل أحد ولا يجد إليه سبيلا ملحد. والنبي ﷺ معصوم بإجماع الآمة عن الخطأ في التبليغ والكذب مطلقا لا سيما في القرآن منزه عن التباس الملك
стр. 297
بالشيطان، أما إن الذي وقع أن النبي ﵇ كان يترسل في قراءته كما كان يتمهل في حديثه حتى لو شاء العاد أن يعده لأحصاه، فلما قرأ ﷺ النجم ألقي الشيطان في تلاوته وحاكاه فافتتن المشركون دون المؤمنين، وظنوا أن ذلك من كلامه ﵇ فحزن النبي لذلك فسلاه الله تعالى بأن قال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى﴾ أي تلا القى الشيطان في تلاوته أي زاد على ما يتلوه، وهذا نص في أنه لم يقله ولكن الشيطان ألقاه في كلامه وزاده عليه. فتسلى النبي بذلك حين أتته الحقيقة فيه، وكشف الغطاء عنه، وانقضى الحديث كما وقع من غير زيادة فيه. فأما قوله تعالى: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه﴾ فليس من هذا في شيء بل معناه: لا تمله على أحد حتى نبينه لك، في قول الطبري وغيره. ولو كان معناه معنى لا تحرك به لسانك، لتجل به" فليس في ذلك معارضة لقوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ في ورد ولا صدر، روى ابن عباس ﵁ في الصحيح كان النبي ﵇ يقاسي في التنزيل شدة مما يحرك شفتيه، فأنزل الله: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه﴾ أي علينا جمعه في صدرك وتقرأه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أي استمع قراءته ثم علينا بيانه أي نبينه لك، فكان رسول الله ﷺ يستمع إلى جبريل فإذا انطلق قرأه كما وعده الله تعالى فلعل، الله تعالى قال له أيضا: ﴿لا تعجل بالقرآن حتى يتم الملك من قراءته﴾ وأما قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾ فلا يصح أن يكون ناسخا لشيء من ذلك كله، لأنه لم يتقدم أنه نسى فيرفعه
стр. 298
أو يدفعه قوله تعالى: ﴿فلا تنسى﴾ وإنما أخبر الله تعالى أنه سيقرئه وأنه لا ينسى إذا قرأه إلا ما شاء الله أن يرفعه من صدره، مما يذكره به بعد ذلك كما روى أنه قال في قاريء استمع إليه: لقد أذكرني كذا وكذا آية نسيتها. وما لا يذكره بعد فيكون رفعا محضا كنسيانه لليلة القدر ونحوها، وهذا إكرام منه له ومنة وتشريف له ﷺ .
стр. 299
سورة الأنبياء ﵈
نزلت بمكة، قالوا: ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
قال القاضي محمد بن العربي:
فيها آية منسوخة وهي قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء﴾ وهذه مسالمة نسختها الأر بالقتال. وقد أشكل فيها على الضعفاء معنى آيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما﴾ قال بعضهم: هذا منسوخ بقوله ﷺ جرح العجماء جبار .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
هذا نبأ على معرفة حكم سليمان وداوود ﵉ في النازلة ولا سبيل إلى معرفته إلا بطريق صحيحة، وإذا لم يصح الطريق فلا وجه للقول فيه بحال، ثم نقول: لو صح لنا أن حديث ابن عباس ﵁ ثابت وهو أن الغنم أفسدت الكرم فقضي داوود ﵇، بالغنم لصاحب الكرم، لقرب ثمنها مما أفسد، فقال سليمان ﵇ غير هذا أرفق، وهو أن تكون الغنم بيد صاحب الكرم يستغلها ويأخذ صاحب الغنم الكرم فيقوم عليها حتى يعود إلى حاله ويرجع إلى كل أحد ماله، لم يعترض عليه قول محمد ﷺ جرح العجماء جبار لإجماع الأمة على أن جرحها لا يكون جبارا مع كون صاحبها معها، راكبا أو قائدا أو سائق. وإنما يكون جبارا مع انفرادها على وجه الإنفراد دون أن ينفرد على وجه التعدي
стр. 300
والإهمال، ألا ترى إلى ما روى مالك في الموطأ وغيره أن ناقة لآل البراء أفسدت حائطا لقوم فقضى رسول الله ﷺ أن على أصحاب الثمار حفظها بالنهار وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل اختلف الناس في ذلك اختلافا كثيرا بيناه في كتاب الأحكام، ومسائل الخلاف. فإن كان داوود وسلمينا صلوات الله عليهما ضمنا على وجه، فقد ضمن محمد ﷺ على وجه، فيكون النسخ لو صح وجه حكم سليمان وداوود بخلاف حكم محمد ﵈. فأما وقد خفي علينا لعدم الطريق الصحيحة بكيفية ذلك فلا نقول فيه بنسخ ولا موافقه والله أعلم.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ الآيات الثلاث قال بعضهم: نسختها الآيات الثلاث بعدها: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ وذلك أن قريشا لما سمعت الآيات الثلاث الأولى إلى قوله تعالى: ﴿وهم فيها لا يسمعون﴾ قالت قريش قد خصمنا محمدًا فإن عيسى والملائكة قد عبدت من دون الله. فأنزل الله: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ إلى قوله: ﴿توعدون﴾ فبين
стр. 301
الله تعالى المراد وأفسد الانتقاد وحسم داء العناد، وأذعنت لذلك قريش وهذا يبطل أن يكون ناسخا من وجهين ظاهرين:
أحدهما: أن الأول عموم والثاني خصوص، والخصوص لا ينسخ العموم وإنما يخصه كما بيناه في غير موضع، الثاني أن هذا ليس بتكليف بحكم ولا بفعل تعلق بأمر ونهي، وإنما هو وعيد ووعد وليس فيها نسخ إلا على الوجه الذي قدرناه من ارتفاع سبب الوعيد ليرتفع الوعيد بارتفاع سببه، وهذا بين لمن تأمله، والله أعلم.
استرسال:
لما كثر القول من المتسورين على علوم القرآن فيها انتهى ذلك بقوم إلى أن يقولوا إنه روي عن النبي ﷺ أنه قال لقريش: عجبت من جهلكم بلغتكم أن حملتكم على كفركم، قال الله: ﴿إنكم وما تعبدون﴾ ولم يقل إنكم ومن تعبدون، لأن ما خطاب لما لا يعقل، ومن خطاب لمن يعقل.
تقييد: هذا خبر موضوع لا أصل له في السقيم فكيف في الصحيح، ولا في الضعيف فضلا عن القوي، ويدفعه القرآن، فإنه لو كان كما وضع هذا الملحد لما افتقرنا إلى الجواب بالآيات الثلاث، ولكان فيما وبخهم به كفاية. وأيضا فإنه كان يجب أن يقال، إن من سبقت لهم منا الحسنى، فتكون الآية مطابقة للحديث، ولكنه جاء بكلمة الذين التي هي معنى كلمة ما فيكون معنى الآية الأولى أنكم والذين تعمدون من دون الله وتكون الآية الثانية تخصيصا صحيحا باللفظ للفظ وبالمعنى للمعنى، ونحن لا نحتاج إلى هذا كله ونعوذ بالله من التكلف للحق فكيف بالتكلف للباطل؟
стр. 302
سورة الحج
من فواضل القرآن وغرائبه، جمعت من أنواع القرآن ليليا ونهاريا ومكيا ومدنيا وسفريا وحضريا وحربيا وسلميا وناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها فيها سجدتان، واختلف في عدد آيها اختلافا كثيرا بيانه في موضعه، فيها من النسخ آيتان.
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾ .
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
هذه الآية ناسخة لكل آية في القرآن تقتضي التوقف على القتال من ترك وإعراض وصفح ونحوه. ويروى عن الصديق ﵁ أنه قال: لما سمعت هذه الآية علمت أنه سيكون هناك قتال " خرجه أهل السنة والتفسير.
غفلة: روى بعضهم عن ابن زيد أنه قال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾.
تنبيه: قال القاضي محمد بن العربي: بل الآية بإذن في القتال نسخت هذه الآية لأنها نسخت أمثالها بإجماع من الأمة، ويستحيل أن يبقى الترك مع الأمر بالقتال فكل ما في القرآن من نظائره فإنه جميعه منسوخ به حتى قوله: ﴿ذرهم
стр. 303
يأكلوا ويتمتعوا﴾ وقوله تعالى: ﴿ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ كله منسوخ بالإذن في القتال والأمر به.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون﴾ .
قال القاضيك هذه مسالمة نسختها آية القتال.
ذكر آيات الخصوص وهي:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾ قال بعضهم ذبح الضحية ناسخ لكل ذبح كان قبله، حتى قال محمد بن الحسن، إنه ناسخ لذبح العقيقة الذي كان في صدر الإسلام وقال بعضهم: إن الأمر بالأكل نسخ ما كانوا عليه مما يعتقدونه من تحريم لحوم الضحايا على أنفسهم .
قال القاضي محمد بن العربي:
لم تكن شريعة من لدن آدم إلى محمد ﵉ إلا والذبح فيها مشروع حتى جاءت ملة إبراهيم فشرع الله فيها القربان يوم عشر من ذي الحجة، فصارت سنة إلى يوم القيامة، ثم اتخذ الناس ذبائح في أوقات مختلفة منها ذبيحة رجب. واختلف العلماء في ذلك ففي صحيح مسلم عن النبي ﵇ أنه قال: على أهل كل بيت في كل عام (اضحاة وعتيرة) وشرعت الهدايا حتى في ملة الإسلام، وصارت ذبائح الإسلام أربعا: أضحية، رجيبة، هدي، نذر. فأما الأضحية فاختلف العلماء فيها على قولين: أحدهما أنها واجبة وقيل مستحبة، وأما الرجبية فمنسوخة بما بيناه في كتاب الأحكام، والعمدة فيه قوله ﷺ : لا فرع ولا عتيرة أتدرون ما العتيرة؟
стр. 304
هي الرجيبة. وأجمعت الأمة على نفيها فكان عملا بأحد الحديثين فسقط الآخر ويعتضد هذا بأن النبي ﷺ وأصحابه لم يذبحوا رجيبة قط. وأما العقيقة فهي سنة مؤكدة. قال النبي ﵇ واللفظ لأبي داوود: مع الغلام عقيقته فأهرقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى، وعن أم كرز الكعبية في المصنفات: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عقوا عن الغلام بشاتين متكافيتين وعن الجارية بشاة، لا يضركم اذكرانا كن أم إناثا) وقد روى النسائي عن علي ﵁ أن النبي ﵇ عق عن الحسن بشاة.
وأما الأكل من الضحايا فروى علي وابن عمر ﵄ أن النبي ﵇ نهى عن أكل الضحايا بعد ثلاث. وروت عائشة أن النبي قال: إنما نهيتكم من أجل الدافة فكلوا وتصدقوا وادخروا، وقال جابر عن النبي ﵇ مثله، فثبت النهي وثبت النسخ وعلة النهي الذي زال بزوالها وهي الدافة التي دفت. وروى ثوبان أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع وقد ذبح ضحيته: أصلح لحم هذه. فلم أزال أطعمه منها حتى قدم المدينة". وهذا صحيح كله ولفظه لمسلم.
стр. 305
وأما الهدايا فهي أقسام: منها ما يوكل باتفاق ومنها ما لا يوكل باتفاق، ومنها مختلف فيه. وقد بينا ذلك في الأحكام والمسائل وليس هذا من باب النسخ في الآية بحال، والله أعلم.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ نسختها قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ .
قال القاضي محمد بن العربي:
قد تكلمنا عن قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ بما يغني عن إعادته، فأما قوله تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ فحق جهاده أن يفعل ما أمره به ويتجنب ما نهى عنه، فهذا هو حق الجهاد، وهذا مما لا يصح أن ينسخ وذلك معنى يتحقق، فإن العبد كسلان والنفس خوانة والقلب رواغ، فيجب على العبد أن ينشط لما كلف ويتحرز من خائنة الغرور ونفوذ الرواغ إلى الحق قودا لا يوجد سبيلا إلى العدول عن الظاهر، وهي غاية التوفيق ومنه من الله تعالى على عبده.
وتحتمل هذه الآية أن تكون مكية ويكون حق الجهاد في مجاهدة الأعداء بالجدال، ويحتمل أن تكون مدنية فتكون مجاهدة الكفار بالقتال. ومجاهدة الأعداء بالجدال لم يزال ولا يزال، وأعدى عدو لك نفسك وزوجك وولدك. والمرء مفتقر إلى مجاهدة الجميع وسياستهم على الطاعة وليهم على الاسترسال على الشهوات والإنهماك في اللذات والخلود إلى الراحات: وفي الأثر: ليس عدوك الذي إن قتلك أدخلك الجنة، إنما أعدى الأعداء إليك نفسك، ويقال: الجهاد الأصغر جهاد الكفار، والجهاد الأكبر جهاد الأنفس، وهو عندهم قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ والله أعلم.
стр. 306
سورة المؤمنين
فيها من المنسوخ آيتان:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾ هذا منسوخ بآية القتال .
الآية الثانية: ﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون﴾ هذا منسوخ بآية القتال وفيه رد على القدرية الذين يجعلون الحسن والقبيح صفتين ذاتيتين للشي، وهو فاسد فإن الإعراض والصفح عن الكفار كان حسنا، ثم لما أمر بالقتال صار قبيحا، فدل على أن الحسن والقبح صفتان شرعيتان، وأن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه .
ذكر آيات الخصوص: وهي آية واحدة:
قوله تعالى: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ ذكروا عن ابن سيرين أن النبي صلى الله عله وسلم كان ينظر إلى السماء في صلاته فلما نزلت هذه الآية ترك ذلك ونظر حيث يسجد. وروى عن غيره أن المؤمنين كانوا يلتفتون في الصلاة ويتكلمون فنسخ الله ذلك.
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
الخشوع هو سكون القلب على المقصود من غير التفات إلى غيره، وسكون الجوارح عن التقلب في غير المفعول قصد القربة في الوجهين. وليس النظر إلى السماء
стр. 307
مما ينفي الخشوع، لأنه محل الأرزاق وقلبه الدعاء، والنظر إلى السماء في الصلاة ممنوع شرعا، قال النبي ﷺ في الصحيحين لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم، قال: علماؤنا: لأن السماء قبلة الدعاء، والكعبة قبلة الصلاة، فإذا رفع رأسه إلى السماء في الصلاة فقد نبذ قبلته وخالف عقد نيته في أول صلاته، وسمعت بعض الأشياخ يقول: إن خطف البصر هو صرفه عن الإعتبار. وحديث ابن سيرين باطل، وما روى غيره لا أصل له، إنما روى في الصحيحن: إنا كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت. فالقتوت هو ترك الكلام، والخشوع هو ترك التلفت بقلبه أو بجوارحه إلى غير ما هو بسبيله. فلم تنسخ الآية شيئا ولكنها بينت أصلا. وقد روى الترمذي والنسائي أن النبي ﷺ كان يلتفت في صلاته ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقد نظر إلى خميصة ونظر إلى قدام عائشة ﵂. وهذا كله مما لا يؤثر في الخشوع وقد بيناه في المسائل وشرح الحديث.
стр. 308
سورة النور
فيها من النسخ آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾ هذا منسوخ بآيات القتال، المعنى: قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل من التبليغ وعليكم ما حملتم من القبول. وقد جعل عليه بعد ذلك أكثر من التبليغ وهو القتال، فقال ﵇: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.
ذكر آيات الخصوص: وهي تسع آيات.
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ وقال أيضا ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ فأجمعت الأمة على تخصيص قوله الزانية والزاني في المماليك بإسقاط نصف العدد عنهن، وعلى إسقاط الرجم عنهن لأنه لا ينتصف .
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين﴾ قال ابن المسيب نسخت هذه الآية التي بعدها ﴿وأنكحوا الأيامي منك والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ .
стр. 309
قال القاضي محمد بن العربي:
هذه الآية من مفضلات القرآن. فإنه بلفظ الخبر، وإذا أخبر الله عن أمر فلا يقع إلا كما أخبر، فلما رأى الناس الزاني يتزوج العفيفة والزانية تتزوج العفيف أعظموا أن يتعارض الوجود والخبر، فقالوا إن معناها الأمر، إذ يوجد مأمور الله بخلاف أمره ولا يصح أن يوجد خبره بخلاف مخبره وقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين﴾ عام في إنكاح كل أيم كانت زانية أو لم تكن فرفع ذلك الأمر ذلك النهى. ومن عجب القضاء وكله عجب، أنه لا يعلم أي آية نزلت قبل الأخرى، ولا يصح نسخ إلا بعد هذا، وأعجب منه: وأغرب أن قوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ عام وقوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية﴾ خاص فكيف يصح في معقول أحد أو ينتظم على لسان محصل أن العام يرفع الخاص ويدفعه وينفيه ويزيله لولا الحرمان. وهذا الإشكال هو الذي أوقع ابن مسعود ﵁ في أن يرى أنه إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها فهما زانيان ما عاشا، وأوقع الحسن في أن يقول إن الزاني المحدود لا ينكح إلا زانية محدودة وقد شرحنا في الأحكام معناها، وتحريره أن النكاح ها هنا لا يخلو أن يراد به العقد أو يراد به الوطء، كما روي عن ابن عباس الحبر البحر فإن معناه لا يكون زنا إلا بزانية ويعد أنه زنى من الجهتين. فإن قيل فإن زنى عاقل بمجنونة أيكون زنى من الجهتين؟ قلنا: نعم لكن يسقط الحد من الجهة الواحدة والأثم. فإن قيل: فبأي وجه يكون زنى وقد زالت فائدته؟ قلنا بالاسم، ويبقى الحكم على بابه، وإن أريد به العقد كان معناه أن يتزوج الزاني زاني ويتزوج الزاني زان. وتزويج الزانية إما أن يكون قبل استبراء رحمها فيكون زنى لا حد فيه لاختلاف العلماء، أو يكون بعد الإستبراء فذلك جائز ولا يكون زنى، فيحمل الآية على أن النكاح بمعنى الوطء أو بأحد معنى العقد والله أعلم.
стр. 310
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ الآية: قالوا: نسخها الله بقوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الآية .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
ليس هذا بنسخ إنما هو إخراج بعض ما يتناوله العموم لصلاحية اشتماله عليه أو بوجوب اشتماله عليه عند آخرين. والصحيح خروجه بعد تناوله. ثبت في الصحيح واللفظ للبخاري عن ابن عباس ﵁، أن هلال بن أمي قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال له النبي ﷺ البينة أو حد في ظهرك، قال: يا رسول الله، إذا راي أحدنا على امرأته رجلا، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول له: البنية، وإلا حد في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبريء ظهري من الحد، فنزل جبريل ﵇ وأنزل عليه: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾ فانصرف النبي ﵇ فأرسل إليها فجاء هلال فشهد والنبي يقول: إن الله يعلم إن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا إنها موجب. قال ابن عباس:
стр. 311
فتكلمت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت وقال النبي ﷺ : ابصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين، خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء، فجاءت كذلك، فقال النبي: لولا ما مضى من كتاب الله كتاب لي ولها شأن، فحكم النبي ﵇ عليه بحكم العموم، فإنه يحد للقذف إن لم يأت بالبينة على الزنا حتى أخرج الله تعالى بالآية الأخرى الأزواج على الجملة.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة ابدًا وأولئك هم الفاسقون﴾ قالوا نسخها قوله تعالى بعد ذلك، ﴿إلا الذين تابوا﴾ فاقتضي ذلك قبول الشهادة من القاذف إذا تاب. وهذا ليس بنسخ وإنما هو استثناء وذلك ليس بنسخ بإجماع كما بيناه في غير موضع .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
اختلف الناس في هذه الآية اختلافا كثيرا وقد بيناه في غير موضع ومنه في كتاب الأحكام ومعظمه في ملجئة المتفقهين من طريق الإعراب، وهذا وإن لم يكن من باب النسخ، لكن القلوب تتشوف إليه لعسر الكلام فيه، فتذكر منه ما ينبه على المقصود فيه: وذلك أن الناس اختلفوا في كيفية رد شهادة القاذف، فمنهم من ردها قبل الحد وبعده وهو قول شريح ومنهم من ردها بعد الحد وهو قول أبي حنيفة وغيره، ومنهم من ردها قبل التوبة وقبلها بعد وهومالك والشافعي وجماعة واجتمعت الأمة على أن الحد واجب بكل حال، فأما أبو حنيفة فرأي أن رد الشهادة من جملة الحد، ويحتج بأن قبول الشهادة ولاية قد انعزل عنها بالحد فإنه تنفيذ قول الغير على الغير بمنزلة القضاء وجعلت العقوبة على القذف في محل الجناية، وهو اللسان تغليظا لأمرها. ورأي علماؤنا أن رد الشهادة لعلة الفسق وقد زال بالتوبة، والحكم يزول بزوال العلة كما في سائر المعاصي ويتعلق
стр. 312
بالمسألة مما عدوه من أصول الفقه: أن الاستثناء بقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ هل يرجع إلى الجمل المتقدمة أو إلى أقرب مذكور؟ وقد بيناه في أصول الفقه، والذي نذكر الآن منه أن المتكلم بالاستثناء بعد الجمل يحتمل أن يرده إلى الجميع ويحتمل أن يرده إلى الجملة التي تليه، ويقف ذلك على الدليل، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ وهو رأس اللغات والأحكام يقول لأبي بكرة بعدما جلده على شهادته على المغيرة بن شعبة بالزنا: تب أقبل شهادتك، فيقول له أبو بكرة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن المغيرة بن شعبة زنى بجارية بني فلان وبذلك أقول: وقال أصحاب الرد للشهادة: كيف يرجع الاستثناء إلى الكل وذلك ختلف لفظا وإعرابا ومعنى: أما اختلافه لفظا فلأن بعضه اسم وبعضه فعل، وأما اختلافه معنى فلأن بعضه نهي وبعضه خبر، وأما تباينه إعرابا فلأن قوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ إن رجع إلى الضمير في قوله: ﴿لهم شهادة﴾ كان موضعه خفضا، وإن رجع إلى قوله: ﴿الفاسقون﴾ كان موضعه نصبا، والخفض والنصب ضدان لا يجتمعان وأما اختلافهما حكما فإن الجلد لا يدخله الاستثناء شرعا، والفسق دخله الاستثناء.
قلنا: قد بينا في رسالة الملجئة تحقيق ذلك، ومهما كان في ذلك اختلاف أو كانت له أمثلة فإنه إذا عطف فعل على اسم فإنه جائز لغة مسموع شرعًا، وإذا عطفت الجمل على الجمل فلا تبال باختلاف المعاني فيها، وإنما يراعي ما قلتم في المفردات على صفات، وجمع جملة النهي إلى جملة الخبر ها هنا من أفصح وجود الكلام، ويعضد هذا أن قوله تعالى: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ تعليل لرد الشهادة، لأن الفسق علة توجب الرد للشهادة، وزوال العلة يوجب توالي الحكم، وإذا انعطف الإستثناء على العلة انعطف على المعلول. وأما اختلاف الإعراب فقد بيناه في الملجئة، والمعتمد عليه ها هنا أن قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾
стр. 313
يرجع الاستثناء إليه، ويكون موضعه نصبا، وإن شئت رفعا، كما قال: جاءني القوم إلا زيدًا وإلا زيد، والجلد لم تسقطه التوبة بالإجماع عليه، وقوله: ﴿أبدًا﴾ لا يوجب التمادي على الآباد كما قال أبو حنيفة في قوله: المتلاعنان لا يتناكحان أبدًا. ثم قال إذا أكذب نفسه جاز له ردها.
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة﴾ قال بعضهم: نسخت هذه الآية قوله: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
قد بينا أن الحنث بالكفارة لا يكون نقضا لليمين، في سورة النحل، وغيرها، أما إن الناس اختلفوا فيمن خلف أنه لا يفعل طاعة أو أن يفعل معصية، هل تنعقد يمينه أم لا؟ وقد بينا ذلك في الأحكام ومسائل الخلاف وفي الصحيح لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم، وفي حديث عمرو بن شعيب واللفظ لأبي داود: (ولا في قطيعة رحم) وذلك داخل في المعصية
стр. 314
وكان ابو بكر ﵁ يصل رحمه بما ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه فلما تكلم في شأن عائشة حلف ألا ينفعه أبدا فعاتبه الله فيه، فرجع أبو بكر إليه بما كان ينفقه عليه. وكذلك قال العلماء في يمين أبي بكر ﵁ ألا يأكل الطعام مع أضيافه حين تلبث عند النبي ﷺ حتى أبهار الليل وجاء وألفاهم لم يفطروا فحلف الا يأكله، ثم ربا الطعام فلم يكف عنه ولكن شيئا من الأثرين لم تجر فيه كفارة وسواء جرت الكفارة فيه أو لم تجر، لم يكن ذلك نقضا لليمين لما بيناه هناك. والله أعلم.
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا﴾ قالوا: روى عن ابن عباس ﵁ أنه نسخا قوله تعالى: ﴿ليس عليكمجناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة﴾ .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
وعجبا لهذه الطائفة: يقول الله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ ثم يقول: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة﴾ فلا يجوز أن تكون هذه الآية خاصة للتي قبلها فكيف ناسخة؟ لأنه قال في الآية الأولى: ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ هذا تقديره قطعا، ثم قال: ﴿لا جناح عليكم أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة﴾ فهو بيان لحكمين مختلفين في حادثين
стр. 315
مختلفين، فأي معارضة بينهما حتى يقال إنها تخص أو تنسخ؟ وهذا أوضح من بيان له. وفي كتاب الأحكام فسرت هاتين الآيتين على المراد. إن شاء الله.
الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال بعضهم: أمر الله المؤمنات جميعا بذلك. قال ابن عباس: نسخها قوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا﴾ الآية. وأباح لهن الجلابيب التي تستر الزينة .
قال القاضي محمد بن العربي:
قال بعضهم: آية القواعد خصصتها، وتحقيق القول المتنخل في المسألة أن ينظر إلى معنى الآيتين ويقابل كل واحد منهما بصاحبه فتظهر الموافقة والمعارضة، فنقول: قد بينا في كتاب الأحكام أن الزينة على ضربين: خلقية وكسبية، فالخلقية الوجه، والكسبية الحلي والثياب والكحل والخضاب. ولما قال الله تعالى: ﴿ما ظهر منها﴾ علمنا أن منها باطنا، واختلف في الظاهرة على اربعة اقوال:
الأول: أنها الثياب.
الثاني: أنها الحلي.
الثالث: أنها الخاتم ونحوه
الرابع: أنه الوجه والكفان.
والزنية الباطنة عند مالك هي الخضاب وقال غيره: هو القرط والدملج والخلخال، فهذا ما قيل في هذه الآية، وأما وضع القواعد لثيابهن، فقال ابن مسعود
стр. 316
رضي الله عنه: هو الجلباب، وقيل هو الخمار، فأذن الله لمن لا يتعلق بال الرجال بهن لكبرهن، أن يضعن جلابيبهن غير قاصدات لإظهار زينة بهن ومنع الفتيات اللاتي يتعلق بال الرجال بهن وهن موضع لشهواتهم من إبراز زينتهن بحال، إلا ما ظهر منها وذلك الوجه والكفان، الذي لا يستر في الصلوات، ويطلع عليه في الشهادات ويكون الإحرام به في الحج. فمعنى الآيتين محتلف والله أعلم.
الآية الثامنة قوله تعالى: ﴿يا ايها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر﴾ الآية .
قال ابن المسيب: هي منسوخة، ولم يذكر ناسخها، وقال ابن عباس ﵁: هذه الآية إنما نزلت إذ كانت البيوت دون غلق، فلما اتخذ الناس الأغلاق زالت. يريد أن الغلق يوجب الإذن إذ لا يدخل حتى يستفتح.
قال القاضي محمد بن العربي:
إن الله سبحانه أمرنا بالإذن في البيوت كما تقدم في بيان قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم﴾ كما بينا في غير موضع وإنما كان الاستئذان لئلا يطلع البصر على ما لا ينبغي وما لا يحل، ثم قال سبحانه بعد ذلك: ﴿أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ فأباح النظر إلى ظاهر النساء لهن. فلما لم يلزم غض البصر، لهذين الصفين، لم يلزم الإذن لهما لقول النبي ﷺ إنما
стр. 317
جعل الاستئذان من أجل البصر، فإذا أطلق البصر لهما عليهن لم يلزم الاستئذان فيهن. ثم قال تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا﴾ فيهن بالنطق، حكم من بلغ في الاستئذان، وقد كان تبين بدليل الخطاب حين قال: ﴿والذين لم يبلغوا الحلم﴾ ولكن دليل الخطاب لما كان مختلفا فيه ومشكلا في معانيه بينه بالنطق، الذي لا إشكال فيه وكل ذلك محكم على حاله، وإذا كان للباب غلق فالغلق يلزم الإذن، وإن كان مفتوحا وجب الإذن بالنص، والله أعلم.
الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ قال بعضهم فيها خمسة أقوال: الأول قال ابن زيد من قوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم﴾ منسوخة بقوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وبالإجماع على تحريم مال المسلم إلا بإذنه. وقاله أبو عبيد .
الثاني: قال ابن عباس ﵁: لما نزلت: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ امتنع الناس أن يأكل أحد طعام أحد، فنزلت هذه الآية رخصة نسخت ذلك.
الثالث: انها ناسخة لتحرجهم الأكل مع الأعمى.
الرابع: أن الآية محكمة نزلت في المجاهدين يخلفون ويضعون مفاتيحهم عند الناس لعذرهم وعند قرابتهم فأذن الله لهم في الأكل منها.
الخامس: أن قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج﴾ نزل في التخفيف لعذر الجهاد وهو محكم.
стр. 318
قال القاضي محمد بن العربي:
هذه الآية مشكلة ليس للنسخ فيها طريق وإنما هي محكمة لبيان معان من الشريعة بديعة، وبسط ذلك في الأحكام فلينظر فيه. ومختصره أن الأقوال المتقدمة فيها بعض ما قيل فيها، ومنها ما ينتظم ومنها ما لا ينتظم، ولو سكت من لا يعلم لقل التلكم وظهر الحق معجلا، وتحقيق القول أن الله نفي عن الأعمى والأعرج والمريض الحرج، وذلك لا يختص بحكم دون غيره مما تعطيه أحوالهم فكل تكليف يتعلق بالبصر فقد سقط عن الأعمى، وكل تكليف يتعلق بالأعرج قبل عرجه، ولا يمكنه فعله معه فقد سقط عنه فعله، وكل فعل يتعلق بالمريض أي مرض كان ولا يمكن معه فقد سقط عنه تكليفه. وقوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم﴾ يريد به جميع الناس، واجتمع مخاطب بالقول وغير مخاطب فغلب المخاطب ليطرد القول وينظم المعنى جميع من ذكر من أعمي وأعرج ومريض وأصحاب السن ومنه وقوله تعالى: ﴿من بيوتكم﴾ يعني ما كان للرجل وعياله ومن يختصه من أولاده، وقوله تعالى: ﴿من بيوت آبائكم﴾ إلى آخره، يعني إذا كان الطعام مبذولا فإن كان محتزنا لم يجز لأحد منهم التعرض له. وفي تلك البلاد عادة من الاسترسال بين من ذكر ليس في بلادنا هذه، ورأيت ذلك بالشام خصوصا، كثيرا وقوله تعالى: ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ يريد ما كنتم خزنة عليه، فلا بأس عند محاولة الأخذ منه والإعطاء من الأكل، وقوله تعالى: ﴿أو صديقكم﴾ فالأصدقاء أكثر من الآباء، وذلك في المبذول اليسير، وأهل بلادنا هذه لا يفهمون هذه الآية لأنه ليس فيهم صديق ولا صديق، وقوله تعالى: ﴿جميعا أو أشتاتا﴾ نفي الحرج فيه عما يخطر ببال الآكل من الجماعة من زيادة واحد عن آخر فذلك جائز ما لم يقصد الزيادة، وقد قال ابن عمر ﵁ في قوم يأكلون تمرا: نهى النبي عن الإفراز إلا أن يستأذن الرجل أخاه وتكملته حيث قلناه، فلينظر فيه والله أعلم.
стр. 319
سورة الفرقان
ليس فيها نسخ، لكن فيها آيتان:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ قال بعضهم: أكثر الناس على أن قوله سلاما منسوخ بآية القتال، وقوله: سلاما من التبرؤ وليس من التحية
قال القاضي محمد بن العربي:
قد بينا في الإملاء لأنوار الفجر، والأحكام، معنى الآية على التمام، ومذهب سيبويه فيها أن السلام من البراءة لا من التحية. والذي يصح في ذلك أن الظاهر ها هنا بقول سلاما يحتمل التحية ويحتمل القول السداد، ولم يتعين أحدهما، وأي الوجهين كان فإن الآية مخصوصة في الحديثين بالأمر بالقتال باقية في أهل الذمة ومن جهل من المسلمين على المسلمين فإن من الحسن حمل جفاء المسلم للمسلم، ما لم يعد ذلك عليه بذلة أو مضرة، ولا بأس بأن يسلم عليه بالتحية ويقابله بالقول الحسن. وأما الذمي فقد أذن الله في ملاينته وبره، لا في احتمال جفائه فإن ذلك لا يجوز لمسلم بحال.
стр. 320
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون من الله إلها آخر﴾. الآيتين. قد بينا أنها خاصة بمن تاب خاصة لمن قتل متعمدًا على كل الوجوه في هذا الكتاب والأحكام، فإن كان قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ عاما في تلك الآية، فقوله هنا: ﴿إلا من تاب﴾ تخصيص له في هذه الآية ويحمل المطلق على المقيد فينتظم المعن. وإن نظرنا إلى هاتين الآيتين خاصة فالأية الأولى عامة، لكن الاستثناء خص منها التائب، فإن قيل: هو وإن كان بصيغة الاستثناء فإنه نسخ لأن الآية الثانية تأخرت عن الآية الأولى سنة، قلنا وتأخرها عنها لا يوجب صفة النسخ لها، لأنها لا تعارضها، فإن المخصوص لا يعارض العام وما لم يستوف شروط النسخ فليس بمنسوخ، والله أعلم .
следующие страницы →