← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133367

الناسخ والمنسوخ - ابن العربي

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (413 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

رضي الله عنه: هو الجلباب، وقيل هو الخمار، فأذن الله لمن لا يتعلق بال الرجال بهن لكبرهن، أن يضعن جلابيبهن غير قاصدات لإظهار زينة بهن ومنع الفتيات اللاتي يتعلق بال الرجال بهن وهن موضع لشهواتهم من إبراز زينتهن بحال، إلا ما ظهر منها وذلك الوجه والكفان، الذي لا يستر في الصلوات، ويطلع عليه في الشهادات ويكون الإحرام به في الحج. فمعنى الآيتين محتلف والله أعلم. الآية الثامنة قوله تعالى: ﴿يا ايها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر﴾ الآية . قال ابن المسيب: هي منسوخة، ولم يذكر ناسخها، وقال ابن عباس ﵁: هذه الآية إنما نزلت إذ كانت البيوت دون غلق، فلما اتخذ الناس الأغلاق زالت. يريد أن الغلق يوجب الإذن إذ لا يدخل حتى يستفتح. قال القاضي محمد بن العربي: إن الله سبحانه أمرنا بالإذن في البيوت كما تقدم في بيان قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم﴾ كما بينا في غير موضع وإنما كان الاستئذان لئلا يطلع البصر على ما لا ينبغي وما لا يحل، ثم قال سبحانه بعد ذلك: ﴿أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ فأباح النظر إلى ظاهر النساء لهن. فلما لم يلزم غض البصر، لهذين الصفين، لم يلزم الإذن لهما لقول النبي ﷺ إنما

стр. 317

جعل الاستئذان من أجل البصر، فإذا أطلق البصر لهما عليهن لم يلزم الاستئذان فيهن. ثم قال تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا﴾ فيهن بالنطق، حكم من بلغ في الاستئذان، وقد كان تبين بدليل الخطاب حين قال: ﴿والذين لم يبلغوا الحلم﴾ ولكن دليل الخطاب لما كان مختلفا فيه ومشكلا في معانيه بينه بالنطق، الذي لا إشكال فيه وكل ذلك محكم على حاله، وإذا كان للباب غلق فالغلق يلزم الإذن، وإن كان مفتوحا وجب الإذن بالنص، والله أعلم. الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ قال بعضهم فيها خمسة أقوال: الأول قال ابن زيد من قوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم﴾ منسوخة بقوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وبالإجماع على تحريم مال المسلم إلا بإذنه. وقاله أبو عبيد . الثاني: قال ابن عباس ﵁: لما نزلت: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ امتنع الناس أن يأكل أحد طعام أحد، فنزلت هذه الآية رخصة نسخت ذلك. الثالث: انها ناسخة لتحرجهم الأكل مع الأعمى. الرابع: أن الآية محكمة نزلت في المجاهدين يخلفون ويضعون مفاتيحهم عند الناس لعذرهم وعند قرابتهم فأذن الله لهم في الأكل منها. الخامس: أن قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج﴾ نزل في التخفيف لعذر الجهاد وهو محكم.

стр. 318

قال القاضي محمد بن العربي: هذه الآية مشكلة ليس للنسخ فيها طريق وإنما هي محكمة لبيان معان من الشريعة بديعة، وبسط ذلك في الأحكام فلينظر فيه. ومختصره أن الأقوال المتقدمة فيها بعض ما قيل فيها، ومنها ما ينتظم ومنها ما لا ينتظم، ولو سكت من لا يعلم لقل التلكم وظهر الحق معجلا، وتحقيق القول أن الله نفي عن الأعمى والأعرج والمريض الحرج، وذلك لا يختص بحكم دون غيره مما تعطيه أحوالهم فكل تكليف يتعلق بالبصر فقد سقط عن الأعمى، وكل تكليف يتعلق بالأعرج قبل عرجه، ولا يمكنه فعله معه فقد سقط عنه فعله، وكل فعل يتعلق بالمريض أي مرض كان ولا يمكن معه فقد سقط عنه تكليفه. وقوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم﴾ يريد به جميع الناس، واجتمع مخاطب بالقول وغير مخاطب فغلب المخاطب ليطرد القول وينظم المعنى جميع من ذكر من أعمي وأعرج ومريض وأصحاب السن ومنه وقوله تعالى: ﴿من بيوتكم﴾ يعني ما كان للرجل وعياله ومن يختصه من أولاده، وقوله تعالى: ﴿من بيوت آبائكم﴾ إلى آخره، يعني إذا كان الطعام مبذولا فإن كان محتزنا لم يجز لأحد منهم التعرض له. وفي تلك البلاد عادة من الاسترسال بين من ذكر ليس في بلادنا هذه، ورأيت ذلك بالشام خصوصا، كثيرا وقوله تعالى: ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ يريد ما كنتم خزنة عليه، فلا بأس عند محاولة الأخذ منه والإعطاء من الأكل، وقوله تعالى: ﴿أو صديقكم﴾ فالأصدقاء أكثر من الآباء، وذلك في المبذول اليسير، وأهل بلادنا هذه لا يفهمون هذه الآية لأنه ليس فيهم صديق ولا صديق، وقوله تعالى: ﴿جميعا أو أشتاتا﴾ نفي الحرج فيه عما يخطر ببال الآكل من الجماعة من زيادة واحد عن آخر فذلك جائز ما لم يقصد الزيادة، وقد قال ابن عمر ﵁ في قوم يأكلون تمرا: نهى النبي عن الإفراز إلا أن يستأذن الرجل أخاه وتكملته حيث قلناه، فلينظر فيه والله أعلم.

стр. 319

سورة الفرقان ليس فيها نسخ، لكن فيها آيتان: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ قال بعضهم: أكثر الناس على أن قوله سلاما منسوخ بآية القتال، وقوله: سلاما من التبرؤ وليس من التحية قال القاضي محمد بن العربي: قد بينا في الإملاء لأنوار الفجر، والأحكام، معنى الآية على التمام، ومذهب سيبويه فيها أن السلام من البراءة لا من التحية. والذي يصح في ذلك أن الظاهر ها هنا بقول سلاما يحتمل التحية ويحتمل القول السداد، ولم يتعين أحدهما، وأي الوجهين كان فإن الآية مخصوصة في الحديثين بالأمر بالقتال باقية في أهل الذمة ومن جهل من المسلمين على المسلمين فإن من الحسن حمل جفاء المسلم للمسلم، ما لم يعد ذلك عليه بذلة أو مضرة، ولا بأس بأن يسلم عليه بالتحية ويقابله بالقول الحسن. وأما الذمي فقد أذن الله في ملاينته وبره، لا في احتمال جفائه فإن ذلك لا يجوز لمسلم بحال.

стр. 320

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون من الله إلها آخر﴾. الآيتين. قد بينا أنها خاصة بمن تاب خاصة لمن قتل متعمدًا على كل الوجوه في هذا الكتاب والأحكام، فإن كان قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ عاما في تلك الآية، فقوله هنا: ﴿إلا من تاب﴾ تخصيص له في هذه الآية ويحمل المطلق على المقيد فينتظم المعن. وإن نظرنا إلى هاتين الآيتين خاصة فالأية الأولى عامة، لكن الاستثناء خص منها التائب، فإن قيل: هو وإن كان بصيغة الاستثناء فإنه نسخ لأن الآية الثانية تأخرت عن الآية الأولى سنة، قلنا وتأخرها عنها لا يوجب صفة النسخ لها، لأنها لا تعارضها، فإن المخصوص لا يعارض العام وما لم يستوف شروط النسخ فليس بمنسوخ، والله أعلم .

стр. 321

سورة الشعراء ليس فيها نسخ: وقد ذكر الناس فيها قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾ قالوا نسخها قوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وقد بينا أن الاستثناء ليس بنسخ.

стр. 322

سورة النمل فيها آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿فقل إنما أنا من المنذرين﴾ نسختها آية القتال، وقد تقدم.

стр. 323

سورة القصص فيها آية واحدة وهي قوله: ﴿سلام عليكم لا ينبغي الجاهلين﴾ . قالوا: نسختها آية القتال. والصحيح أنها محكمة، معناها التبرؤ وليس التحية. قال القاضي محمد بن العربي ﵀: قد قدمنا من قولهم أن قوله في سورة الفرقان قالوا سلاما معناه التبرؤ، فاستوي في المعنى المنصوب والمرفوع عندهم، ويشبه أن يكون ذلك لأن الفعل اتصل بالمصدر هنالك، فاختار النصب، وبعدها هنا عن الفعل وحالت بينهما جملتان فاستأنف القول. ونحن نقول في هذه الآية ما قلناه في الأخرى: إن المعنى إن كان التحية فهي مخصوصة في الكفار باقية في بغاة المسلمين. وإن كانت بمعنى التبرؤ فذلك باق من البراءة مع القتال فإنها لا يتنافيان بل يعتضدان، والله أعلم. وهم: قال بعضهم: يدخل في هذا الباب من هذه السورة قصة موسى ﵇ وتزوجه على أحد الأجلين وذلك غير معمول به، وتزويجه بأجرة بدنه ولم يعمل بها بعد وذلك غير معمول به، وتزويجه إحدى المرأتين غير معينة ولايعمل به وتزويجه بغير تقديم شيء من النقد وذلك يختلف في جوازه. ذكرى: قال ابن العربي ﵁: ليس في جميع ما ذكر من النسخ حرف، وإنما هو من الأحكام، أما قوله: إنه زوج على أحد الأجلين، فلم يكن ذلك، إنما زوج على أجل معلوم، وقال له: إن زدتني كذا فمن عندك تطوع. وأما تزويجه بأجرة بدنه فمعمول به، وكذلك ترك تقديم شيء من النقد قبل الدخول فمعمول به،

стр. 324

وذلك كله مما اختلف فيه العلماء، والصحيح جواز ذلك كله: وأما قوله: إنه زوجه إحدى ابنتيه غير معينة فلم يكن شيئا من ذلك لا في نص القرآن ولا فيما نقل من الأخبار، أما القرآن ففيه إعلامه بإرادته أن يزوجه إحدى ابنتيه، فإذا قال له موسى ﵇: نعم وأنا أريد ذلك، كان النكاح للمعينة منهما، وأما النقل فكذلك جاء في الآثار، وقد استوفينا هذه المسألة في الأحكام من تفسير القرآن والله الموفق للصواب برحمته.

стр. 325

سورة العنكبوت فيها آيتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ قد تقدم بيانها في النحل وغيرها وبينا أن أصل الجدال في اول الشريعة منسوخ بآية القتال وبقي مع من يحتاج معه فيه من كافر أو مبتدع، لا يقدر عليهما إلا بذلك. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وإنما أنا نذير مبين﴾ . وقد تقدم بيان نسخها بآيات القتال.

стр. 326

سورة الروم فيها آية واحدة. قوله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾ قد تقدم أن الأمر بصبره عليهم منسوخ بآيات القتال فيهم، وقد كان ﷺ يضجر من عنادهم حتى قيل له: ﴿لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين﴾ وقال: ﴿لوأن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيي وبينكم والله أعلم بالظالمين﴾ وقيل له: ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ إلى غير ذلك من نحو ما ذكرناه.

стр. 327

سورة لقمان ﵇ فيها آية واحدة وهي فيها بعضهم فقال: قوله تعالى: ﴿أن أشكر لي ولوالديك﴾ منسوخ بقوله ﷺ : (لا تقولوا ما شاء الله وشت ولكن قولوا ما شاء الله ثم شئت) والصحيح أن النبي ﵇ سمع رجلا يقول: (من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوي) فأنكر ذلك وإنكاره إنما كان لجمعهما في الضمير فأما إفرادهما بالذكر سواء عطف بالواو أو بالفاء، أو ثم فجائز صحيح، والحديث الذي ذكروه ليس بصحيح. وهم: ذكر بعضهم أن قوله تعالى: ﴿ومن كفر فلا يحزنك كفره﴾ نسخ معناه بآيات القتال. قال القاضي محمد بن العربي: ليس في هذا القول معنى منسوخ لأن النبي ﵇ كان يشفق من كفرهم ويحزن من عنادهم وذلك دائم له موجود منه في أول المبعث وفي آخره، وقبل القتال وبعده.

стр. 328

سورة المضاجع فيها آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿فأعرض عنهم﴾ نسخها آيات القتال.

стр. 329

سورة الأحزاب فيها من النسخ أربع آيات: الأية الأولى: قوله تعالى: ﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم﴾ هذا من تركهم وإذايتهم منسوخ بآيات القتال. فإن قيل: كف يكون هذا منسوخا بآيات القتال وإنما نزلت هذه الآية بالمدينة؟ قدم عكرمة بن أبي جهل، وأبو سفيان ابن حرب، على النبي صلى الله عليهم بالمدينة، فنزلوا على عبد الله بن أبي سرح وقد أعطاهم النبي الامان على أن يكلموه ويتكلموا معه وساعدهم ابن أبيرق فقال له: اترك ذكر آلهتنا اللات والعزي وقل إن لها شفاعة وندعك وربك. فشق ذلك على النبي ﷺ فقال عمر: دعني أضرب أعناقهم، فقال النبي: قد أعطيتهم الأمان – وذكر الحديث . فالجواب: أن هذا لا يصح سندًا فلا تجعله في الكلام معتمدًا، إذ أصلنا الذي لا ينبغي أن يعدل عنه أحد أن لا يشغل المرء قلبه ولا زمانه ولا يرهقه، إلا بالصحيح. الاية الثانية: قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ هذه الآية ناسخة لما سبق من الناس وأقرته الشريعة في نسبة الابن من التبني إلى

стр. 330

الأب، كنسبة الابن من البنوة إلى الأب وكانوا يقولون في زيد بن حارثة حين تبناه النبي ﷺ زيد بن محمد، فنسخ الله ذلك من إقرارهم عليه إلى نفي الدعوة في النسب إلا لمن كان له أصل في الولادة، وقد بينا الآية في الأحكام. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ قال بعضهم: هـ من غريب المنسوخ، نسختها الآية التي بعدها في اللفظ وهي قوله تعالى: ﴿إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي أتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك﴾ وعن عائشة ﵂ أنها قالت: ﴿ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء﴾ وروى أن التي تزوج بعد نزول هذا النهي: ميمونة مليكة بنت كعب، وصفية بنت حي

стр. 331

وجويرية بنت الحارث. وقال آخرون: نسخها قوله: ترجى من تشاء منهن. الآية. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: لا يصح القول على نسخ آية وإحكامها إلا بعد فهم معناها، وذلك أن قوله: (لا يحل لك النساء) مفهوم وقوله: (من بعد محتمل لأنه يحتمل) ثلاثة أوجه: أحدها: لا يحل لك النساء من بعد من عندك. والثاني: لا يحل لك النساء من غير المسلمات. الثالث: لا يحل لك النساء من بعد ما أحللنا لك في الاية المتقدمة. فأما هذا القول الثالث فداخل تحت القولين المتقدمين إذ الآية لا تحتمل إلا القولين: أحدهما وهو قول ابن عباس ﵁ قال معناه: لا يحل لك النساء من بعد من عندك اللواتي اخترنك على الدنيا فقصرك الله عليهن. يعني مقارضة لهن، الثاني هو قول أبي بن كعب: فإذا قلنا إنه لا يحل له إلا من عنده أو من كان في الآية المذكورة فقد روى عن عائشة وأم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ لم يمت حتى أحل الله له النساء، كأنه كان قصر عليهن كما قصرت عليه، ثم أحل الله تعالى له النساء حتى يكون ذلك من قبل نفسه مجازة لهن على اختيارهن له من قبل أنفسهن. ولو كان حديث عائشة وأم سلمة صحيحا, لكان أصلا مختلفا فيه. فإنه خبر واحد وأخبار الآحاد لا ينسخ بها القرآن المتواتر وإنما يخص بها

стр. 332

العموم. وإذا كان هذا الخبر لا يصلح للنسخ كيفما ترددت حاله لم يبق إلا الآيات الثلاث المتعاقبة: قوله: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك﴾ الثانية قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ والأمر فيها بين وإن الله تعالى أحل له ما أحل في الأولى وبدأ بأزواجه وأتبعهن من جاء ذكره بعدهن ثم قال له ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ يعني في قسمه المعاشرة والإيواء، لا في أصل النكاح والطلاق لأن الآية الأولى قد أفادته. وقد أفاد بيان ذلك قوله: ﴿ذلك أدنى أن تقر أعينهن﴾ يريد أن الأمر إذا كان النبي ﵇ يفعل فيه ما أراد باختياره دون إجرامه ذلك كان أقرب لرضي من يفعل معه منه، إذا علم أن الفعل واجب له. ثم قال له: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ يعني من بعد من عندك ﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك﴾ فقصر على من عنده، ومات عليهن. فهذا تحقيق القول في المعنى وفي النسخ والله أعلم. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام﴾ الآية. قال بعضهم: هذا ناسخ لما كانوا عليه من رؤية النساء والجلوس معهن، قال القاضي محمد بن العربي ﵀: هذه الآية بديعة نزلت لسبب صحيح: روى أبو عثمان الجعد عن أنس بن مالك ﵁ قال: تزوج رسول الله ﷺ فدخل بأهله فصنعت أم سليم حيسا فجعلته في تور فقالت: يا أنس اذهب بها إلى رسول الله فقل:

стр. 333

بعثت به إليك أمي وهي تقرئك السلام وتقول إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، قال فذهبت بها إلى رسول الله ﷺ فقلت: إن أمي تقرئك السلام وتقول لك إن هذا قليل منا لك، فقال: ضعه، ثم قال: اذهب فادع لي فلانا ومن لقي وسمى رجالا – قال: فدعوت من سمى ومن لقيت. قال: قلت: لأنس، عددكم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة. قال فقال لي: رسول الله، يا أنس هات التور، قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة فقال رسول الله ﷺ : ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليهز قال: فأكلوا حتى شبعوا: قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة، حتى أكلوا ثلثه، قال لي: يا أنس ارفع، قال فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. قال: وجلس منهم طوائف يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ ورسول الله جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط. فثقلوا على رسول الله فخرج رسول الله ﷺ فسلم على نسائه ثم رجع، فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه. قال: فابتدروا الباب فخرجوا كلهم وجاء رسول الله ﵇ حتى أرخي الستر ودخل وأنا جالس في الحجرة. فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج علي، وأنزلت هذه الآية فخرج رسول الله ﷺ يقرؤها على الناس: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين﴾ إلى آخر الآية قال الجعد: قال أنس: أنا أحدث الناس عهدا بهذه الآيات: وحجب نساء رسول الله ﷺ . قال القاضي محمد بن العربي: فأبان هذا الخبر أن الآية جاءت لبيان الحجاب. وكذلك روى أنس عن عمر في الصحيح أنه قال: (قلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر، والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت هذه الآية. وتحقيقه أن الله تعالى أكد الأمر بابتداء تحريم الدخول في بيوت النبي ﵇ إلا بإذن ليحتجب نساؤه

стр. 334

وحينئذ يؤذن لهم وهذا معلوم من الحديث لا من القرآن، ثم قيل لهم إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فلا تجلسوا للحديث، وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب فإن ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن لما يطلع في القلوب من رؤية النساء فوجب التنزيه عن ذلك كله لكلهن وخاصة بحرمات رسول الله ﷺ . غفلة: ظن بعضهم أن قوله تعالى في هذه السورة: ﴿فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ وقد بينا ذلك على التمام في القسم الثاني في سورة البقرة، وبينا بقية معاني الآيات في الأحكام فلينظر هناك فيها إن شاء الله تعالى.

стр. 335

سورة سبأ فيها آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون﴾ قالوا: نسختها آية السيف. قال القاضي محمد بن العربي ﵀: لما كان معنى هذا الكلام البراءة والإنحياز دون المنازعة والقتال، نسختها آيات القتال فصار ناسخًا لمفهوم هذا الكلام لا للفظه، وإلا فكل أحد لا يسئل عن ذنب أحد لا قاتله ولالم يقاتله.

стр. 336

سورة الملائكة فيها آية واحدة قوله تعالى: ﴿إن أنت إلا نذير﴾ وقد تقدم أنه نذير وأنه نبي الملحمة وأن هذا التخصيص منسوخ بآية القتال بآية القتال.

стр. 337

سورة يس قال قوم إن فيها آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿فلا يحزنك قولهم﴾ منسوخة بآيات القتال. قال القاضي ابن العربي وفقه الله: معنى هذه الآية من غريب القرآن وذلك أن من الفرض المؤكد على كل مؤمن إذا سمع الكفر بالله أن يهتم لذلك ويحزن، وهذا لا ينسخ أبدًا ولا ينهى عنه أحد، ولكن معنى الآية: لايحزنك قولهم المستطير في المجالس بحضرة من يكرهه ولا يقدر على تغييره، فإنا نعلم سرهم وعلانيتهم، يريد: وسنحكم فيهم.

стр. 338

سورة والصافات فيها آيتان: قوله تعالى: ﴿فتول عنهم حتى حين﴾ في موضعين قالوا إنها منسوختان. قال القاضي محمد بن العربي ﵀: إن كان الحين الذي جعل غاية التولي الموت، فلا نسخ فيه. وإن كان الحين فيه قبل الموت، كما قال الطبري يوم بدر، وقال غيره يوم العقوبة التي تحل بهم من الله، فإن ذلك منسوخ بآيات القتال، فإن القتل من أعظم عقوبات الله إذا وقع جزاء على ذنب، ومن أفضل الميتات إذا وقع نصرا لدين الله. جهالة: من العجب اتفاق جمهور العلماء على مساعدة القدرية ومن قال بقولهم في مسألة نسخ العبادة بعد الأمر بها وقبل فعلها، ومناظرتهم لهم واحتجاجهم عليهم، فلا علماؤنا أحسنوا الاستدلال ولا المبتدعة أحسنت الاعتراض والرد. قال علماؤنا: إن نسخ العبادة بعد الأمر بها وقبل الفعل جائزة فإن الله امر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخه قبل أن يذبحه وجعل له فداء ذبحا عظيما. وقالت المبتدعة: ما نسخ الله ذبحه (قط) بل ذبح إبراهيم ولكنه كلما قطع التأم المقطوع من عنقه حتى كمل القطع وكمل الالتئام فامتثل الأمر ووقع الجبر، وقال منهم قائل: إنه لما

стр. 339

أخذ في الذبح جعل الله خلق الذبيح نحاسا حتى لم تجر فيه الشفرة. وعظم التخليط وكثر الخطب وتشعبت والأجوبة وسودت الأوراق. وقد بينا في مسائل الخلاف والأحكام والمشكلين، وغيرها أن الله سبحانه ما أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده نصا، ولا كلفه ذلك قطعا، وإنما أراه في المنام أنه يذبحه، وعلم إبراهيم أن رؤيا الأنبياء وحي، وأن هذا ليس بتلعب الشيطان فإنه لا سبيل له إليه في يقظة ولا في منام، وتحقق أنه ليس بحديث نفس فإن أحدا لا يحدث نفسه بذبح ولده، فلم يبق إلا أنه وحي من الله سبحانه وتحقق إبراهيم أن للرؤيا اسما وكنى وأنها تحمل على الأسماء حتى يدل الدليل على الكنى كما تحمل الأحكام على ظاهر الأمر والنهي حتى يدل الدليل على التأويل قال النبي ﷺ لعائشة ﵂: رأيتك في سرقة من حرير، فقال لي الملك: هذه زوجتك فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه، وقد علم أنه من عند الله، لأنه قال: قال لي الملك. ولا يقول الملك إلا من عند الله، لأنه رسول الله، وهذه حقيقة اسمه وصفة فعله، ولكن النبي صلى الله عله وسلم أراد ان يكن هذا القول اسما صريحا لا كنية كنى بها عن سميتها أو جارتها أو قرينتها أو شبيهتها فسيظهر بذاته وعينه فكذلك فعل إبراهيم ﵇ لما رأى أنه يذبح ولده بادر إلى الأخذ بالظاهر، وشرع في امتثال هذا الأمر مع سائر الأوامر، فلما جاء بطاعته وبادر إلى الشروع بامتثاله، قيل له: صدقت الرؤيا بالمقدمات من إعداد الآلآلت وتوطين النفس على التقرب بامتثال الأمر في المأمور، وهذا هو المأمور وهو كنية عن الولد فامتثل ذلك فيه بفعل وتقرب به وأبقاه في عقبه، وهم المسلمون كلهم من ذريته وغيرهم تبع لهم في مثله. ولذلك امتثل هذا الذبح بنو إسماعيل الذبيح من لدنه إلى زمان محمد عليه

стр. 340

السلام حتى أقره الله في شريعته. ولا يعرف اليهود هذا، ولو كان الذبيح اسحاق ﵇ ما ذبح اليهود في يوم النحر إلا أبناءهم بدلا عن مشايتهم لابتداع رهبانيتهم.

стр. 341

سورة ص فيها أربع آيات الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿اصبر على ما يقولون﴾ نسختها آيات القتال وقد تقدم ذكر ذلك . الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ قال بعضهم: نسخ قطع سليمان ﵇ الأعناق والخيل السنة المانعة من قتل البهائم. وهذا لا يحسن لأنه خبر عما فعل سليما فإن صح ذلك فهي شريعة كانت نسختها شريعة الإسلام . قال القاضي محمد بن العربي ﵀: قال المفسرون في هذه الآية، إن سليمان ضرب أعناق خيله بالسيوف وعرقبها، وقالوا إنه مسحها بردائه برابها كما فعل رسول الله ﷺ بفرسه، وقالوا إنه وسمها وحبسها في الغزو والجهاد والصحيح أنه قلتها، وغير ذلك عدوان على القرآن والمسألة مشهورة في بني إسرائيل منصوصة في كتاب الله. عرض النبي الخيل بالعشي فألهته عن الذكر حتى غابت يعني الشمس ولم يذكرها اكتفاء بدلالة العشى عليها، فعلم أنه امر شغله عن طاعة الله وكأنه طاعة شغلت عن أخري أكبر منها فتبرأ لله عنها، فإن قيل كيف عرقبها وهي منهي عنها؟ قلنا هذا سؤال فاسد والعلم بالسؤال من أكبر أنواع العلم، وقد رأيت من يعرف الجواب جما غفيرا

стр. 342

ولم أر من يعرف السؤال إلا قليلا، كما أني رأيت ألف رجل يحفظون أجوبة المدونة وما رأيت من يحفظ اسولتها إلا ابن أبي حبيب المهدوي وابن شاس الطرابلسي. وكان ابن أبي حبيب يزيد عليها بحفظ أسولة كتاب محمد، ووجه فساد هذا السؤال يظهر بتفسيره كأنه يقول كيف عرقبها سليمان في شريعته، وذلك منهي عنه في شريعتا؟ ولا يلزم تركيب شريعة على شريعة في معرفة حكم فيما افترقت فيه، وإنما تتركب شريعتنا على شريعة من قبلنا فيما لم ينص لنا فيه على حكم، وقد قيل إنه فعل ذلك بها للأكل، وقد ذبحت الصحابة على عهد رسول الله ﷺ فرسا وأكلوه، رواه مسلم عن جابر. فإن قيل: العرقبة تعذيب وذلك لا يجوز، قلنا: بل ذلك جائز في شريعتنا إذا اردنا أن لا نمكن أحدا من الانتفاع بها في الغزو، وقد قال الحسن قطع سوقها وأعناقها فعوضه الله خيرًا منها: (الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب) فهذه شريعة مستقرة وحكم ثابت منعه الله في شريعتنا بما ثبت من النهي عن قتل البهائم صبرا أو عن إفناء المال وإن فتن، وقد نظر النبي ﷺ إلى أعلام خميصة فقال: اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم، وإيتوني بكردنه وفي الصحيح بأنبجانية وأما من قال إنه وسمها للحبس فبعيد

стр. 343

عن الظاهر والنقل، وأما من قول البائس أنه لا يحسن أن ينسخ هذا النهي عن قتل البهائم لأنه خبر عما فعل سليمان ﵇، ولم يعلم أن افعال الأنبياء شريعة كما أن أقوالهم شريعة، ولا خلاف في ذلك وقد بيناه في أصول الفقه، فإن قيل النهي عن قتل البهائم خبر واحد، وخبر الاحاد لا ينسخ القرآن، قلنا: قد بيناه حقيقة وتفصيلا في اصول الفقه، وإذا اجتمعت الأمة على نقله أو على معناه جاز نسخ القرآن به. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ قال بعضهم: هذا الفعال في كفارة اليمين، منسوخ بشريعة الإسلام ولا يجزيء ذلك في اليمين، قال القاضي محمد بن العربي: قال مجاهد وغيره: هذا للناس عامة، وقال عطاء: هذا لأيوب خاصة. وقال مالك: يحينث من فعل ذلك. قال خاصي من أصحابه: لقول الله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ وها هنا نكتة بديعة وهي أن النبي ﷺ لما قال: الأعمال بالنية ركب مالك اليمين على النية فلعل أيوب ﵇ اقتضت نيته ما أمر به من جمع الضغث، والذي نراه أن نيته لو كانت على أي صفة تصورت وقدرت، فإن جمع مائة سوط وضربة واحدة تجزيه في ذلك لكل حالف، والأيمان إنما

стр. 344

يراعى فيها الأرفق بالخلق، فإن كان الأرفق في البر أخذ به وإن كان الأرفق في الحنث أخذ به. ويمال إلى الحنيفية السمحة في كل حالة، ولا يؤخذ على الناس بالتغليظ ففيه التنفير عن الدين الوقوع في المحظور وذلك قوي جدًا في الأيمان التي أحدثها الناس، فقد قال مالك إمام الأئمة في قوله: ﴿الحلال عليه حرام﴾، إنه إن حاشى زوجه بقلبه يلزمه حنث وليس يبقى تحت اليمين بعدها شيء، فإن سائر الأعيان الحلية غير الزوجة لا يحرم شي منها بهذه اليمين، فتبقي اليمين لغوا وتكون نيته في ثنيا الزوج بقلبه رفعا لليمين ونسخا لها، فصح أن الآية باقية على حالها في شريعتنا كما كانت في شريعة أيوب، ويعضد ذلك ما روى أبو داود، أن رجلا اشتكى حتى ضنى فوقع بجارية فقال رسول الله ﷺ : خذوا مائة شمراخ فاضربوه به ضربة واحدة، فبين بقاء الحكم في هذه الشريعة في الحدود، والأيمان بذلك أولى. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿إن يوحي إلي إلا أنما أنا نذير مبين﴾ وقد تقدم ذكر أمثالها فأغني ذلك عن إعادته . وفيها من الخصوص: آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ يحتمل أن يكون يوم القتال، ويحتمل أن يريد به مجموعها وهو الصحيح على ما بيناه في اصول الفقه، فإن كان المراد به مجموعها فهو مخصوص في يوم القتال بالسيف منفي يوم الموت لا نسخ فيه ولا تخصيص في باب التكليف وإنما يقع النسخ في دار الدنيا: إما برفع التكليف وإما بتحقيق الوعد في التهديد كما في هذه الآية.

стр. 345

سورة الغرف فيها من النسخ آيتان: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم﴾ وهاتان الآيتان، وإن كانتا في العدد آيتين. فإنهما في المعنى واحدة لأن قوله من يأتيه مفعول لقوله تعلمون. فهو كلام مرتبط بعضه ببعض وهذا ليس بأمر تكليف وإنماهو أمر تهديد، ولفظه افعل في لسان العرب تأتي على وجوه كثيرة ذكرناها في كتاب التمحيص وغيره: منها الوجوب كقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة﴾ ومنها الندب كقوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ والإشاد كقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ والإباحة كقوله تعالى: ﴿فاصطادوا﴾ والأدب كقوله ﵇: ﴿فكل مما يليك﴾ والامتنان كقوله تعالى: ﴿فكلوا مما رزقكم الله﴾ والإكرام كقوله تعالى: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ والتهديد كقوله تعالى: ﴿اعملوا

стр. 346

ما شئتم﴾ والتعجيز كقوله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ والإهانة كقوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ والتسوية كقوله تعالى: ﴿اصبروا أو لا تصبروا﴾ والإنذار كقوله تعالى: ﴿تمتعوا﴾ والدعاء كقوله: ﴿اغفر لي﴾ والتمنى كقول الشاعر: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي والقدرة كقوله تعالى: ﴿كن فيكون﴾ وحققنا أن مرجعها إلى بعض ذلك وإنما هذا اليسير الذي أوردناه ها هنا من غير ترتيب ولا تنخيل لأنه ليس بابه ولا بابته فلينظر في موضعه وأصولها ستة، والله الموفق للصواب بمنه. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ نسختها آية السيف وقد تقدم الأنعام وغيرها ذكرها وتحقيق النسخ في معناها . ذكر آيات الخصوص: وهي خمس آيات . الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون﴾ . قال بعضهم نسختها آية السيف.

стр. 347

قال القاضي محمد بن العربي ﵁: قد بينا في كتاب الأمد الأقصى في الأسماء الحسنى، أن الله يحكم بقوله فيما فصل من البيان، ويحكم بفعله فيما خلق من الأدلة وقسم من الأرزاق وأولى من النعم وأنزل من النقم، ويحكم في الآخرة بظهور الحقائق وعلم اليقين وكشف الغطاء وإظهار الجزاء. وأوكدها ما كان النبي ﷺ يدعو فيه: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلفوا فيه من الحق، فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وشيء من هذا لا يقع فيه نسخ. ألا ترى أن الأمر بالقتال حكم من جملة الأحكام التي فصل؟ وهذا ظاهر والله أعلم. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ قال بعضهم: نسخا ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ قال القاضي محمد بن العربي ﵁: خوف العذاب بالمعصية لا يتعلق به نسخ لأنه معنى الحكمة وفائدة التكليف وركن من أركان الشريعة التي لا تزعزع، كما أن الرجاء في الثواب بالطاعة مثله، فهذان أصلان في طرفي التقابل لا يتزعزعان ولا يرتفعان أبدًا. وقوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ وإن كان وعدا حقا وقولا صدقا وشرفا تاما قطعا فإنه لا يرفع هذا الكلام ولا ينفي هذا الجزاء والشرط بل يحققه، فإنه ليس يقتضي وعد المغفرة لذنب الاسترسال على الذنب بل يقتضي المبالغة في احتنابه جزاء على ما شرف به وقد قال ﵇: (أفلا أكون عبدًا شكورا) إشارة إلى أن هذه المنزلة الشريفة في الغاية تقتضي في امتثال الطاعة واجتناب الذنوب النهاية وليس هذا بخاف إلا على أهل الغباوة.

стр. 348

الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ قال بعضهم نسختها آية القتال . قال القاضي ابن العربي وفقه الله: قد بينا من قبل أن هذا تهديد وليس بتكليف، والتهديد وعيد وتحقيقه القتال في الدنيا والعذاب في الآخرة. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون﴾ قالوا نسخ معناها لا لفظها آية السيف . قال القاضي محمد بن العربي ﵁: قد تقدم القول بمعنى الآية الأولى على نحو معنى هذه فأغني عن إعادته. الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ قال قوم نسخها قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه﴾ الآية. وقد بينا في سورة النساء ذلك فلا وجه لإعادته، بيد أنا نقول: لو كانت آية القتال أيضا والجزاء فيها واقعا، ما كانت نسخا وإنما كانت تكون تخصيصا، فكيف والمغفرة فيها مرجوة والجزاء فيها لم يذكر وقوعه ولا تبين وجوبه وإنما هو وعيد مطلق وجزاء مذكور، ومالك الجزاء إن شاء استوفاه وإن شاء تركه، ولو قلنا من وجه آخر، إنه لا يغفر للقاتل المتعمد، لدخل القتل في قوله تعالى: ﴿يغفر الذنوب جميعا﴾ للكفار ولمن عفا من المسلمين فصارت الآية من جميع هذه الوجوه ساقطة في باب النسخ، ضعيفة في باب التخصيص، والله أعلم .

стр. 349

سورة المؤمن وهي أول الحواميم السبع، ديباج القرآن المتوالية في النزول واحدة بعد أخرى وليس في القرآن في ذلك مثلها. وقد روي أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قرأها قبل أن ينام. ولعلها إن صحت كان ذلك في بعض الأوقات. فقد رويت عنه روايات كثيرة أنه كان يقوم إذا أوى إلى فراشه أذكارا إذا أضيفت إلى روايت القيام لصلاة الليل استغرقت الليل كله. فدل أنها كانت مبثوثة على الليالي باختلاف الحالات. فيها من النسخ آيتان. الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾ . و الآية الثانية قوله تعالى: ﴿فبئس مثوى المتكبرين فاصبر إن وعد الله حق﴾ نسخ ذلك بآيات القتال وقد تقدم. وفيها من الخصوص: آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ قالوا: نسخت قوله تعالى: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: ليس هذا نسخا إنما هوتخصيص عموم، والتخصيص يدخل في العموم، كان جزاء أو تكليفا باتفاق. وفي النسخ كلام أشرنا إليه وتحقيقه في موضعه.

стр. 350

سورة حم السجدة فيها من النسخ آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ هو تهديد نسخه آيات القتال كما تقدم. وقد سقط فيها ابن حبيب لليدين وللفم حت تكلم فيها بأمر لم تعلم حقيقته ولم تفهم فقال إن قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ وقوله: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ وقوله: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ نسخ جميعه قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ وهذا جهل عظام وخطب جسام، فإن الحقائق لا تنسخ لا سيما إذا كانت في العقائد. وقوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ عقيدة حق، وكلمة صدق، ولم تزل الحقيقة كذلك ولا تزال، ولم يختلف قط هذا بحال حتى يمحى في حاله ويثبت في أخرى، كما أن قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ وقوله: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ عقيدة حق وكلمة صدق، متفقة متسقة، غير مختلفة ولا مفترقة، وقد بينا ذلك في كتاب المشكلين وتحقيقه المختصر لمن أبصر واستبصر، أن لله تعالى مشيئة هي أصل في المخلوقات عنها تصدر خصائص الصفات، وإليها تنسب ثعيين الجائزات، ومن جملتها يصدر عنها إراد المخلوقين ومشيئتهم فإذا شاء الله العبد، يخلق بقدرته العبد ويتقنه بعلمه ويخصص الجائزات عليه فيه بقدرته ويخلق علمه وقدرته ومشيئته

стр. 351

فيصرفها فيه كما يصرفه، فإذا شاء الله أن يخلق ما خلق كان بقدرته وعلمه ومشيئته ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ ثم رد الأمر إلى أصله فقال: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ وقد بينا قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ في سورة الكهف، وبينا أن قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ تهديد وكل تهديد في القرآن منسوخ بآيات القتال فإنه تحقيق للوعيد وإنفاذ للتهديد. وفيها آية أخرى وهم فيها بعضهم، وهي قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبنيه عداوة كأنه ولي حميم﴾ قال نسختها آية القتال. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: لا يصح في ذلك نسخ فإن الحسنة ما حسنه الشرع وأعظمه رتبة الإيمان، والسيئة ما قبحه الشرع وأعظمه رتبة الكفر، ولا يزال الرجل يدفع السيئة إذا قوبل بها بالحسنة التي تقابلها، فإذا تبين له دليلا في عقيدة سيئة يراه عليها أو يراجعه مراجعة لطيفة في أمر بمعروف يرى فيه تقصيرا ونهي عن منكر يعاين فيه تعاطيا أو يغضي على كلمة جفاء يسمعها حتى يعود الولي حميما، فذلك أنجع للمراد لا في مواطن تتعين فيها الغلظة وتجب فيها الشدة فيكون العمل في ذلك بحسب ما يظهر، بيد أن الكلام في هذه الآية خرج على الأغلب، وتفصيلها على التعيين وتفسير المجمل منها بالتبيين يتعلق بعلم الذكر وهو النوع الرابع من علوم القرآن والله أعلم.

стр. 352

سورة الشورى فيها من المنسوخ ثلاث آيات الأية الأولى: قوله تعالى: ﴿الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل﴾ نسختها آية القتال. وقد تقدم ذكر ذلك في سورة الأنعام وغيرها . الآية الثانية قوله تعالى: ﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ منسوخ بآية القتال وقد بينا ذلك في سورة يونس وغيرها، وقد قيل أن هذه الآية مخاطبة لليهود، أي لا حجة بيننا وبينكم، وكيف ما كان الحال فإن انقطاع الحجة والاستبداد بالعمل، ذلك كله منسوخ بآيات القتال فإن الحجة قد ظهرت والعمل الصالح من الطالح قد تبين، فوجب الدعاء إليه بالحرب والإلجاء إليه بالقتال، والله أعلم . الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ﴾ قد تقدم ذكر أنها منسوخة بآية القتال، حيثما وردت. وان عليه القتال بعد البلاغ، والحرب بعد البيان، والإكرام بالقتل على الدخول في الدين بعد الإعراض عنهم . ذكر آيات الخصوص: وهي خمس آيات: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ وقد تقدم ذكرها في سورة المؤمن، ومن شرف الآدمي تسخير الملائكة للاستغفار له ودعائهم إلى الله تعالى في إقالة عثرته وعموم رحمته وسعة مغفرته، بعد تعجبهم من خلق الله

стр. 353

له عبدًا مذنبا عاصيا هتاكا سفاكا مفسدا معاندا، ولله الحكمة البالغة والعلم السابق والمشيئة النافذة وبه وقعت الحجة في قوله تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه﴾ قال بعضهم نسختها الآية التي في بني اسرائيل: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة بني إسرائيل فلا وجه لإعادته . الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ قال بعضهم منسوخة بقوله تعالى: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ وقيل إنها محكمة . قال القاضي محمد بن العربي ﵁: وهو الصواب، لما روي عن طاوس أنه سمع ابن عباس ﵁ وقد سئل عن هذه الآية: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ فقال سعيد بن جبير. قربى آل محمد. وقال ابن عباس. أعجلت، إن رسول الله ﷺ لم يكز بطن من قريش إلا له فيهم قرابة، فقال: (إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة) المعنى أن الأجرة على الرسالة معدومة حسا منفية شرعاـ، فما سألتكم من أجر فهو لكم وأجري على الله، والمسؤول منكم صلة قرابتي والمحافظة على ما بيني وبينكم من الرحم. فليس الاستثناء بمتصل المعنى وإن كان متصل اللفظ، وهذا النوع يعبر عنه بعضهم بالاستثناء المنقطع. وهو ها هنا متصل، لأن الرحم كانت بينهم مشتبكة موصولة فلما صدع بينهم بالرسالة قطعوه فأعلمهم بما يجب عليهم من الصلة وأن مراده منهم ليس

стр. 354

بمال يسأله لهم، كما روي أنهم قالوا له: إن أردت الإمرة علينا ملكناك وإن أردت المال جمعناه لك، فانتفي من ذلك كله وألزمهم الحق الذي كان يدعو إليه. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين﴾ إلى قوله: الأمور . قال بعضهم: إن هذه الآيات منسوخات: نسخ قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة﴾ قوله: ﴿فمن عفا وأصلح﴾ ونسخ قوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه﴾ مع الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق﴾ قوله تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ وقال غيره: هذا كله منسوخ بالجهاد وقوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه﴾ إنما هو للمشركين. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذا قول من لم يعرف النسخ ولا ميز بينه وبين الإحكام واعتقد الحكم والمنسوخ جنسا واحدًا، إن الله تعالى أخبر أن الذي يقابل السيئة سيئة مثلها، فمن أساء إليك فحقك أن تقتص منه بمثل ما أساء إليك، ثم أخبر أنك إن عفوت فأجرك على الله، وهذا إثبات لحقين في الوجهين الدنيا والآخرة، وتحقيق لهم من الطرفين، الاستيفاء أو الترك، وقد استوفينا بيانها في كتاب الأحكام وفي قسم علوم الذكر. ثم بين تعالى أن من انتصر بعد ظلمه فلا حرج عليه ولا سبيل إليه، وأخبر زيادة في البيان، أن السبيل على الذين

стр. 355

يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، وهذا عام في المشركين والمسلمين، جعل الله على الباغين منهم السبيل فهو عام في المشركين حتى يؤمنوا وهو عام في المؤمنين حتى يتوبوا، وكيفية السبيل عليهم يختلف باختلاف أحوال الأعمال التي أوجبت عليهم السبيل ببغيهم فمن سبيل متحتمة الجزاء والاستيفاء، ومن سبيل لم يتحتم استيفاء جزائهاـ، وأخبر تعالى بعد ذلك أن من صبر على ظلمه وغفر لظالمه أن ذلك من قوة الصبر وكثرة الحزم، وجودة العقل وبعود العزم، وذلك فيما تتصور فيه المغفرة، وقد بينا تفصيل ذلك في كتاب الأحكام والله أعلم.
следующие страницы →