← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133367

الناسخ والمنسوخ - ابن العربي

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (413 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فيصرفها فيه كما يصرفه، فإذا شاء الله أن يخلق ما خلق كان بقدرته وعلمه ومشيئته ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ ثم رد الأمر إلى أصله فقال: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ وقد بينا قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ في سورة الكهف، وبينا أن قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ تهديد وكل تهديد في القرآن منسوخ بآيات القتال فإنه تحقيق للوعيد وإنفاذ للتهديد. وفيها آية أخرى وهم فيها بعضهم، وهي قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبنيه عداوة كأنه ولي حميم﴾ قال نسختها آية القتال. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: لا يصح في ذلك نسخ فإن الحسنة ما حسنه الشرع وأعظمه رتبة الإيمان، والسيئة ما قبحه الشرع وأعظمه رتبة الكفر، ولا يزال الرجل يدفع السيئة إذا قوبل بها بالحسنة التي تقابلها، فإذا تبين له دليلا في عقيدة سيئة يراه عليها أو يراجعه مراجعة لطيفة في أمر بمعروف يرى فيه تقصيرا ونهي عن منكر يعاين فيه تعاطيا أو يغضي على كلمة جفاء يسمعها حتى يعود الولي حميما، فذلك أنجع للمراد لا في مواطن تتعين فيها الغلظة وتجب فيها الشدة فيكون العمل في ذلك بحسب ما يظهر، بيد أن الكلام في هذه الآية خرج على الأغلب، وتفصيلها على التعيين وتفسير المجمل منها بالتبيين يتعلق بعلم الذكر وهو النوع الرابع من علوم القرآن والله أعلم.

стр. 352

سورة الشورى فيها من المنسوخ ثلاث آيات الأية الأولى: قوله تعالى: ﴿الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل﴾ نسختها آية القتال. وقد تقدم ذكر ذلك في سورة الأنعام وغيرها . الآية الثانية قوله تعالى: ﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ منسوخ بآية القتال وقد بينا ذلك في سورة يونس وغيرها، وقد قيل أن هذه الآية مخاطبة لليهود، أي لا حجة بيننا وبينكم، وكيف ما كان الحال فإن انقطاع الحجة والاستبداد بالعمل، ذلك كله منسوخ بآيات القتال فإن الحجة قد ظهرت والعمل الصالح من الطالح قد تبين، فوجب الدعاء إليه بالحرب والإلجاء إليه بالقتال، والله أعلم . الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ﴾ قد تقدم ذكر أنها منسوخة بآية القتال، حيثما وردت. وان عليه القتال بعد البلاغ، والحرب بعد البيان، والإكرام بالقتل على الدخول في الدين بعد الإعراض عنهم . ذكر آيات الخصوص: وهي خمس آيات: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ وقد تقدم ذكرها في سورة المؤمن، ومن شرف الآدمي تسخير الملائكة للاستغفار له ودعائهم إلى الله تعالى في إقالة عثرته وعموم رحمته وسعة مغفرته، بعد تعجبهم من خلق الله

стр. 353

له عبدًا مذنبا عاصيا هتاكا سفاكا مفسدا معاندا، ولله الحكمة البالغة والعلم السابق والمشيئة النافذة وبه وقعت الحجة في قوله تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه﴾ قال بعضهم نسختها الآية التي في بني اسرائيل: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة بني إسرائيل فلا وجه لإعادته . الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ قال بعضهم منسوخة بقوله تعالى: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ وقيل إنها محكمة . قال القاضي محمد بن العربي ﵁: وهو الصواب، لما روي عن طاوس أنه سمع ابن عباس ﵁ وقد سئل عن هذه الآية: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ فقال سعيد بن جبير. قربى آل محمد. وقال ابن عباس. أعجلت، إن رسول الله ﷺ لم يكز بطن من قريش إلا له فيهم قرابة، فقال: (إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة) المعنى أن الأجرة على الرسالة معدومة حسا منفية شرعاـ، فما سألتكم من أجر فهو لكم وأجري على الله، والمسؤول منكم صلة قرابتي والمحافظة على ما بيني وبينكم من الرحم. فليس الاستثناء بمتصل المعنى وإن كان متصل اللفظ، وهذا النوع يعبر عنه بعضهم بالاستثناء المنقطع. وهو ها هنا متصل، لأن الرحم كانت بينهم مشتبكة موصولة فلما صدع بينهم بالرسالة قطعوه فأعلمهم بما يجب عليهم من الصلة وأن مراده منهم ليس

стр. 354

بمال يسأله لهم، كما روي أنهم قالوا له: إن أردت الإمرة علينا ملكناك وإن أردت المال جمعناه لك، فانتفي من ذلك كله وألزمهم الحق الذي كان يدعو إليه. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين﴾ إلى قوله: الأمور . قال بعضهم: إن هذه الآيات منسوخات: نسخ قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة﴾ قوله: ﴿فمن عفا وأصلح﴾ ونسخ قوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه﴾ مع الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق﴾ قوله تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ وقال غيره: هذا كله منسوخ بالجهاد وقوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه﴾ إنما هو للمشركين. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذا قول من لم يعرف النسخ ولا ميز بينه وبين الإحكام واعتقد الحكم والمنسوخ جنسا واحدًا، إن الله تعالى أخبر أن الذي يقابل السيئة سيئة مثلها، فمن أساء إليك فحقك أن تقتص منه بمثل ما أساء إليك، ثم أخبر أنك إن عفوت فأجرك على الله، وهذا إثبات لحقين في الوجهين الدنيا والآخرة، وتحقيق لهم من الطرفين، الاستيفاء أو الترك، وقد استوفينا بيانها في كتاب الأحكام وفي قسم علوم الذكر. ثم بين تعالى أن من انتصر بعد ظلمه فلا حرج عليه ولا سبيل إليه، وأخبر زيادة في البيان، أن السبيل على الذين

стр. 355

يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، وهذا عام في المشركين والمسلمين، جعل الله على الباغين منهم السبيل فهو عام في المشركين حتى يؤمنوا وهو عام في المؤمنين حتى يتوبوا، وكيفية السبيل عليهم يختلف باختلاف أحوال الأعمال التي أوجبت عليهم السبيل ببغيهم فمن سبيل متحتمة الجزاء والاستيفاء، ومن سبيل لم يتحتم استيفاء جزائهاـ، وأخبر تعالى بعد ذلك أن من صبر على ظلمه وغفر لظالمه أن ذلك من قوة الصبر وكثرة الحزم، وجودة العقل وبعود العزم، وذلك فيما تتصور فيه المغفرة، وقد بينا تفصيل ذلك في كتاب الأحكام والله أعلم.

стр. 356

سورة الزخرف فيها آيتان: إحداهما قوله تعالى: ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون﴾ والثانية قوله تعالى: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام، فسوف تعلمون﴾ وقد تقدم الكلام على نسخهما في غير موضع.

стр. 357

سورة الدخان فيها آية واحدة ﴿فارتقب إنهم مرتقبون﴾ نسختها آية القتال كما تقدم بيانه في غير موضع، كأنه يقول له، ارتقب العواقب ترى العجائب وهم لا يرون إلا ما يكرهون من النوائب.

стр. 358

سورة الشريعة فيها أية واحدة وهي قوله: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾ وقال بعضهم نسختها آية القتال. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: قوله تعالى: ﴿للذين لا يرجون أيام الله﴾ معناه لا يتعلق لهم بأيام الله بال في رجاء ولا خوف، لجهلهم به وكفرهم بوجوده وهم الكفارـ، أمر الله المؤمنين بان يغفروا للكفار ما ينالهم من الأذى فإنه مجازيهم بأعمالهم. وهذا منسوخ بآيات القتال وإن كان نبي ﵇ قد قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. فقام محمد ﷺ متمثلا لذلك فقال يوم أحد: كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم؟ فنزلت عليه ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ وفي هذه الآية إعراب بيناه في ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين.

стр. 359

سورة الأحقاف فيها آيتان: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وما أنا إلا نذير مبين﴾ فحصر أمره في النذارة، وقد بينا فيما قبل أن آيات القتال نسخ هذا كله وأنه مع كونه نذيرا قتولا . الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ قالوا نسختها آيات القتال . قال القاضي محمد بن العربي ﵀: اختلف الناس في تفسير هذه الآية على أقوال عشرة: الأول أن ﴿أولوا العزم من الرسل﴾ جميع الأنبياء فأمر ﵇ بأن يصبر كما صبروا صلوات الله عليهم قاله ابن زيد. الثاني: أنهم نوح وهود وإبراهيم فأمر النبي أن يكون رابعهم قاله ابو العالية. الثالث: أنهم نوح وإبراهيم وموسى. الرابع: أنهم إبراهيم وموسى وداوود وسليمان وعيسى. الخامس: ان منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب، وليس فيهم يونس ولا سليمان ولا آدم. السادس: أنهم الذين أمروا بالقتال. السابع أنهم العرب. الثامن: أنه من أصابه منهم بلاء بغير ذنب.

стр. 360

التاسع: أنهم أولو الحرم. العاشر: انهم أولو الصبر الذين صبروا على إذاية قومهم. وهذه الأقوال سردناها لكم كما ترون، لتعلموا أن كل أحد استجرأ على كتاب وتكلم فيه بغير علم، ومن هذه الأقوال دعاوي لا شبهة عليها فضلا عن أن يكون عليها برهان، ومنها ماله متعلق لتفاوت مرتبتها، ومن أفسدها قول من قال: إنهم جميع الأنبياء، وكيف خفي عليه نص قوله تعالى ﴿أولوا العزم من الرسل﴾ فخص منهم من كان له عزم فجسر هو وقال: إنهم الجميع: وأما من قال إنهم الذين أمروا بالقتال، فالصبر الذي ألزموه كان قبل القتال على ما عاينوه من المشركين من باطل وبلغهم من أذى، وكل من عاين منهم ذلك انقسمت حاله فمنهم من أمر بالقتال والانتقام ومنهم من أمر بالترك إلى يوم الحكم. وأما من قال إنهم أهل البلاء فممكن. لأن أهل البلاء منهم من صبر وكان ذلك عزما فيدخل ذلك العموم بخلاف آدم ﵇ فإنه لا يدخل تحت هذا الأمر لقول الله تعالى مخبرا عنه: ﴿ولم نجد له عزما﴾ وأما دخول سليمان، فممكن لأنه صبر على النعمة فشكر شكر ايوب على البلاء بصبر والنعمة بلاء وشكرها عسير إلا من مثل سليمان ﵇، فلقد روي عنه أنه كان يأكل في ملكه خبز الشعير قفارا، كما أن من قال إنه يخرج منهم يونس مخطيء، فإنه صبر على إلقاء نفسه في البحر حين تحقق تقصيره في اجتهاده وخروجه من بين ظهراني قومه، وليس يعد من لم يصب في اجتهاده خارجا عن الصبر، وهروبه من قومه الذين كانوا يقتلون من كذبهم لم يكن فرارا من القتل وإنما كان فرارا من التعيير والتنفير، وأما من قال إنهم العرب، فقول لا ورد فيه على الصواب، وأما من قال إنهم أولو الحزم فلم يصب لفظا ولا معنى، الحزم ثمرة العزم فإن الحزم عمل

стр. 361

والعزم اعتقاد والاعتقاد قبل العمل وأعظم منه بطلانا قول من قال إنهم أولو الصبر، إلا أنه لما زاد الإذاية رجع إلى القول الثامن. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: فإذا عرفتم هذا، فالصبر يكون على سماع الباطل، ويكون على رؤيته، ويكون على الإذاية للمأمور به، فإن كان على سماع الكفر ورؤيته من الباطل فهو مخصوص في أهل الحرب بأن أمر بقتالهم، وذلك الصبر عنهم باق في اهل الذمة، مخصوص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا لم يقدر المكلف على القيام بحقهما في الأمر والنهي، باقي في الذين عجز عن ذلك فيهم للخوف منهم تقية لهم، حسب ما تقدم بيانه في غير موضع. وأما قوله تعالى: ﴿ولا تستعجل لهم﴾ فيحتمل بالدعاء علهيم ويرجع معنى الآية إلى قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم او يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ ويرجع هذا إلى كراهة الدعاء للأنبياء على الكفرة فإنه خارج عن سبيل الصبر وإن كان قد ورد ذلك في مواضع، ولكن الغالب الترك والجري على حكم المقادير وقيل أراد لا تستعجل لهم بالعذاب، فيجري مجرى الوعيد، ومرجع قوله حينئذ إلى أنهم يرون ما يوعدون من العذاب في الدنيا، وقيل أراد به: في قبورهم ويحتمل عند قبض أرواحهم، ويحتمل يوم الحشر ويحتمل الكل، وهو الأولى والأصح لقوله: ﴿لم يلبثوا﴾ التقدير يرون أن مدة الدنيا لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ. حتى هلكوا، وهل يهلك إلا القوم الفاسقون بالبلاغ إليهم والتحذير لهم وإقامة الحجة من الرسل إليهم، وقد قيل إن هذه الآية نزلت يوم أحد حين شج وجهه وكسرت رباعيته ولم يصح، والله أعلم. وفيها آية اخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ اعتقدها من ليس من أهل الشأن من الناسخ والمنسوخ فقال. ليس في كتاب الله منسوخ طال حكمه كهذا لأنه أقام بمكة عشر سنين، وعيره به

стр. 362

المشركون وهاجر إلى المدينة. فبقي ست سنين يعيرونهم به المنافقون فلما كان عام الحديبية خرج رسول الله ﷺ على أصحابه ووجهه يتهلل فقال: " لقد أنزلت على اليوم آية – أو قال: آيات – هي أحب إلى من حمر النعم، أو قال: مما طلعت عليه الشمس" قال له أصحابه: وما ذاك يا رسول الله؟ فقرأ عليهم ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وكان الله عليما حكيما﴾ فقال له أصحابه. ليهنك ما نزل فيك قد أعلمك الله ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فنزلت ﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا﴾ ونزل ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ إلى قوله (عظيما) فقال المنافقون من أهل المدينة والمشركون من أهل مكة، قد أعلمه الله ما يفعله به وما يفعله بأصحابه، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت: ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما﴾ ونزلت: ﴿ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء﴾ إلى آخر الآية. فقال عبد الله بن أبي: هبه غلب اليهود فكيف له قدرة بفارس والروم؟ فنزلت: ﴿ولله جنود السماوات والأرض﴾ أي هم أكثر من فارس والروم، وليس في كتاب الله كلمات منسوخة نسختها تسع آيات إلا هذه. وقد اختلف المفسرون في قوله: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ فقال الأكثرون ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة وما تأخر بعدها. وقال آخرون ما تقدم من ذنبك أي من ذنب أبيك آدم وما تأخر من ذنوب أمتك لأن به تيب على آدم وهو الشفيع لأمته، فتمنن عليه بذلك وقال

стр. 363

آخرون: ما تقدم من ذنبك، من ذنب أبيك إبراهيم، وما تأخر من ذنب النبيين فيه أيضا تيب عليهم. وقال آخرون: ما تقدم من ذنبك يوم بدر وما تأخر من ذنبك يوم هوازن، وذلك أنه قال يوم بدر: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدًا. فكان هذا الذنب المتقدم، وأما المتأخر فقال يوم هوازن، وقد انهزم أصحابه، لعمه العباس ولابن عمه أبي سفيان ابن الحارث: ناولاني كفا من حصباء الوادي: فناولاه فاستقبل به وجوه المشركين وقال شاهت الوجوه حم لا ينصرون وكانوا أربعين ألف فما بقي منهم رجل إلا امتلأت عيناه رملا وحصى، فانهزم القوم عن آخرهم. فلما رجع أصحابه إليه قال لهم: لو لم أرمهم لم ينهزموا، فنزلت ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ وقيل: هذا معارضة لقائل يقول: أثبت له الرمي ثم نفاه عنه. فالجواب عن ذلك أن الرمي يحتوي على أربعة أشياء، على القبض والإرسال والتبليغ والإصابة فكان القبض والإرسال من رسول الله ﷺ والتبليغ والإصابة من الله تعالى. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: وليس هذا من النسخ في شيء وإنما هومن المشكل وقد أوضحناها في كتاب المشكلين بإيضاح بالغ على طريقة الكتاب ولسنا نخلي هذا المقام من ذكر ما يشفي من دائه لأجل تعرض هذا القائل وأشباهه لما ليس من بابه. وهاتان الآيتان نوضح معناهما على الانفراد، ثم نوضحه تارة أخرى على التركيب، ثم نبين، ما في كلام هذا القائل من الخلل والتشويه. أما قوله تعالى: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ فللعلماء فيه سبعة اقوال: الأول: لا أدري هل أخرج وتخرجون أم لا. الثاني: هل أقتل وتقتلون أم لا.

стр. 364

الثالث: أصدق أو أكذب وتصدقون أو تكذبون أم لا. الرابع: هل نموت بمكة أو غيرها. الخامس: لا ندري ما نكلف به من الشريعة. السادس: في قوله بكم أهي الرمية بالحجارة أم لا. السابع: هل ندخل الجنة أم لا. وهذه الأقوال كلها مختلفة وبعضها أقوى من بعض، إلا الآخر ففيه كلام نذكره مشروحا إن شاء الله، فأما قوله: هل أخرج أم لا؟ فقد أضعف هذا كلامه في الحديث الصحيح مع ورقة بن نوفل، حين قال للنبي ياليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال له: أو مخرجي هم؟ قال: لم يات أحد بمثل ما جئت به إلا عودي واخرج وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، وأما قوله: هل أقتل أم لا، فمحمل قوي يعضده قوله تعالى: ﴿وكأي من نبي قتل معه ربيون كثير﴾. وأما قوله هل أصدق أم أكذب؟ فمحمل صحيح، لأن من تقدمه من النبيين يأتي يوم القيامة وليس معه تابع، ويأتي بعضهم ومعه النفر اليسير، وقد قال الله تعالى في إبراهيم، ﴿فآمن له لوط﴾ والله أعلم ما كان بعد ذلك من زيادة في المؤمنين على زوجه وبنيه وأم ولده. وكذلك يحتمل أن يكون معناه هل أموت بمكة أو بغيرها، ويقرب منه معنى التكليف حتى قيل له: ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ وقيل له: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ وأما قوله: هل هي الرمية بالحجارة أم لا؟ ففيه بعد من وجوه ذكرناها في كتاب المشكلين ولا يحتاج إليها ها هنا.

стр. 365

وأما قوله: هل يدخل الجنة أم لا؟ فقد استبعده الحسن وقال: معاذ الله، وقد قربه غيره واحتج بما وقع في الصحيح في حديث عثمان بن مظعون إذ دخل عليه رسول الله ﷺ بعد موته فقال له قائل: هنيئا له بالجنة. فقال رسول الله ﷺ ، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي، وفي رواية: ما يفعل به، وتجاري علماؤنا في ميدان القول فيه فأحال بعضهم ألا يعلم الرسول حسن الخاتمة يوم الرسالة وقال بعضهم: لا يعلمه إلا بتوقيف غير الرسالة. وأحالت المبتدعة ألا يعلم ذلك الرسول عقلا، وقد بينا أنه لا يدخل العقل في شيء من ذلك. فإن للباري تعالى أن يعذب الملائكة والأنبياء بحق ملكه، ولكنه شرف وعظم بفضله، علمنا ذلك بقوله وبخبره. وقال قال الحسن: معاذ الله أن يكون ذلك في الآخرة فقد علم انه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل فركب إشكال آية على أخرى أشكل منها. فإن الله أخذ ميثاق النبيين في صلب آدم ﵇ على احد القولين، وذلك لا يذكره أحد من خلق في التطوير إلا بذكرى مجددة من الله وخبر مبتدأ وعلى القول الثاني أخذه فيهم عند البعث بان يصدقوا محمدا ويبشروا به، فكان محمد آخرهم زمانا، وله عليهم ميثاقا فكل رسول مصدق بجميع الرسل، وكذلك كل أمة، وليس يمتنع على النبي حاله في الآخرة وحال من آمن به لعلمه به بجواز حكم الله بالعذاب لمن أطاعه حتى يبريه من موجب حكمته بمقتضي رحمته، والذي أراه من ذلك أن النبي إذا كوشف بالرسالة واصطفى بالوحي، كان ذلك قطعا له إلى العصمة وبيانا لكونه من أهل الجلالة والرحمة، ولا يصح له شك في العاقبة فإن كان هذا المراد فلا يقال إن آية الفتح نسخت، فإن هذا ليس بنسخ وإنما هو زيادة علم إلى علم وفضل إلى فضل، فإذا قال النبي: لا أدري كذا، ثم عرفه الله به

стр. 366

فلا يقال إن هذا نسخ، إنما هو تعليم بما لم يكن يعلم، وفضل زائد إلى ما تقدم، وأما قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ ففيها ثمانية أقوال: الأول والثاني والثالث والرابع ما تقدم في مسطور ما ذكر، المتقدم، حكايتنا عنه. الخامس: ليغفر لك الله الصغائر باجتناب الكبائر. السادس: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قبل هذه الآية التي أخبرناك فيها بالمغفرة وبعدها. السابع: أن معناه ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر باستغفارك. الثامن: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر على العموم وهذه الأقوال إنما تتركب على ما يحتمله لفظ التقديم ولفظ التأخير فصار المتقدم يقتضي القبلية وصار التأخر يقتضي البعدية فلأجل ذلك حمل كل أحد قوله على مقتضي قبل وبعد وانقسم إلى مجاز وإلى حقيقة، فالحقيقة هو أن يغفر له ذنبه والمجاز أن يغفر ذنب غيره بسببه وفي حرمته، كما قالوا إن المغفرة لآدم، ولجميع النبيين بحرمته، والوعاظ يقولون، لولا محمد لم تخلق سماء ولا أرض ولا جنة ولا نار، وكذلك لولا آدم وعيسى على النحو الذي يريدون فإن الله تعالى إنما خلق المقادير التي سبقت في علمه وكتبها بعلمه مرتبة بعضها على بعض ومرتبطة بعضها ببعض ومحمد والأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين من أشرف المخلوقات أو أشرفها كلها ولكن لا حاجة بنا إلى العدول بالكلام عن ظاهره وإنما المعنى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك قبل الوقت الذي أعلمناك فيه بذلك وبعده إلى الموت. وأما قوله: من قبل ما تقدم يوم بدر، فلم يكن يوم بدر ذنب بل كان أفضل الأعمال وأعظم الطاعات من الدعاء والاستكانة والتضرع إلى الله والاستغاثة، وقوله ﵇: إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض أبدا، كلام بديع وإنما فيه ما قال له أبو بكر الصديق رضوان الله عليه حين رآه يدعو بهذه الكلمات، وغيرها: يا رسول الله كفى مناشدتك ربك إنه سينجز لك ما وعدك، فكان

стр. 367

مقام أبي بكر مقام الرجاء وكان مقام النبي مقام الخوف، وقد اختلف الناس في تفصيل المقامين وتفضيلهما، ومقام رسول الله بلا شك أفضل، وقد بينا ذلك في كتاب المشكلين، وغيره. وأما الذي حكوا عنه يوم هوازن فباطل وإنما أخذ النبي ﵇ كفا من حصى فرى به وقال: شاهت الوجوه، فانهزم القوم قال الله تعالى له: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ وفيه للعلماء أقوال كثيرة، بيانها في كتابي المشكلين والأصول، وذكر ما فيها من الأقوال وعمدتها قولان: أحدهما: وما عممت برميتك المشركين كلهم إنما دفعت الحصباء من يدك فبلغها الله إلى جميعهم. الثاني: أن الفعل وإن كان منسوبا إلى العبد فإنه مجاز وحقيقته لله سبحانه وهو خلق الرامي منا وحياته وعلمه بما يرمي ويرمي به وكيف يرمي وخلق له المرمي به وخلق الإرادة للرمي وخلق الحركة في اليد وخلق سير الرمي إلى المرمي به في الهواء وخلق الوصول إليه وخلق التأثر به. والعبد محل لذلك كله وموضع لجريان مخلوقات الله فيه، ولأجل هذه الحقيقة قالت طائفة بالجبر ولم تفهم حكمة الله ولا حكمه ولا قوله، وأن الباري يقول: شاء العبد، وهم يقولون، أجبر العبد وقد حققنا ذلك في موضعه وفي هذا كفاية فإن الله أخبر أن للعبد مشيئة وإنها تحت مشيئة الله فقلنا كما قال الله وحققنا تدبير مخلوقاته وترتيبها، والله الموفق. وأما من قال: ليغفر لك الله الصغائر باجتناب الكبائر. فهذا قول المبتدعة من المعتزلة، وغيرهم يقولون إن الكبائر لا تغفر لأحد إلا باجتناب الصغائر. وإذا كان هذا حكم الخلق أجمعين فما فضل محمد على جميل النبيين؟

стр. 368

وأما من قال: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر بشرط استغفارك فكلام صحيح ولذلك كان النبي ﵇ يتأوله ويفعله فيستغفر ويتعبد ويبكي ويخشع وهذا حكم التوبة والمغفرة، إذا قال الله لعبده تبت عليك، فمن ذلك اليوم يزيد في الطاعة ولو قال: غفر لي فلا أبالي، لكان ذلك هلاكا له. وأما من قال: إنه على العموم فصحيح أيضا، ولكن لا يجوز أن يقال للنبي كبيرة، فإن ذلك مستحيل عليه شرعا، وإنما يصح أن تنسب إليه الغفلات والتقصير في المتجهدات والاشتغال بالأهل عن الطاعات، فمن هذا كان يتوب في كل يوم مائة مرة، ومن هذا كان يغان على قلبه الشريف بحكم جبلة الآدمية فيرجع إلى التوبة لأجل النبوة. وإلى ها هنا انتهى تحقيق القول في الآيتين وتبين بذلك الغرض من المعنيين وظهر خروج النسخ عنهما وأنهما في حيز المحكم والمشكل والله أعلم. أما جميع ما استشهد به من الأحاديث ورتبه من النزول في الآية واحدة بعد أخرى وما قاله المنافقون والمشركون واليهود وما نزل ترتيب أقوالهم آية بعد آية فأحاديث موضوعة لا أصل لها. وإنما الصحيح منها ما رواه الأئمة بأجمعهم في آية الفتح ونص عليه الصحاح واللفظ للترمذي، عن عمر قال كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فكلمت رسول الله فسكت ثم كلمته فسكت فحركت راحلتي فتنحيت وقلت ثكلتك أمك يا ابن الخطاب نزرت رسول الله ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك ما أخلقك أن ينزل فيك قرآنا قال: فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي، قال: فجئت رسول الله ﷺ فقال يا ابن الخطاب لقد أنزلت علي هذه الليلة سورة ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه

стр. 369

الشمس ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ زاد الترمذي عن أنس قال: نزلت على النبي ﷺ ، ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ مرجعه من الحديبية فقال النبي ﵇ لقد نزلت علي آية هي أحب إلي مما على الأرض، فقرأها النبي ﵇ عليهم، فقالوا للنبي: هنيئا مريئا يا نبي الله قد بين الله لك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا، فنزلت عليه: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما﴾.

стр. 370

سورة محمد ﵇ فيها آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ قالوا إن ابن جريج يرى أنها منسوخة بآية ﴿اقتلوا المشركين﴾ وهي في أهل الأوثان، من العرب فلا يجوز فداؤهم ولا منهم، وقاله غيره وقيل هي منسوخة بآيات القتال ولا يفادي ولا يمن إلا على من لا يجوز قتله كالصبي والمرأة، وقال الضحاك: هذه الآية هي الناسخة لآيات القتال. وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﵇ خير في الأسرى بين المن والفداء والقتل والاسترقاق. قال القاضي محمد بن العربي ﵀: قد بينا هذه الآية في مسائل الخلاف، والآية محكمة ليس للنسخ فيها طريق، لا من آيات القتال ولا من غيرها، لأن النسخ كما بينا إنما يكون بشروط، منها المعارضة ومنها معرفة التاريخ، ولا تاريح ها هنا يعلم، ولا معارضة بين الآيتين لأن آيات القتال هي معنى قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ فأمر بالقتال ثم قال تعالى: ﴿حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق﴾ ثم منوا بعد ذلك عليهم أو فادوهم. وقد من النبي ﷺ على ثمامة بين أثال وأطلقه. وقال في أسارى بدر: لو كان المطعم ابن عدي حيا وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له

стр. 371

والإمام مخير في الأسرى بين خمسة أشياء: إما القتل أو المن أو الفداء أو الرق أو إقرارهم على الجزية، وبه قال جماعة، روى ابو حنيفة أن الإمام لا يمن إلا من جهة الآية. ولكن زعم أن في المن إتلاف حق الغانمين. وهذا يبطل بالقتل، فإن له أن يقتل جميعهم وفي ذلك إتلاف حقهم، ويبطل أيضا بما قدمناه من الأدلة والله أعلم. وآية ثانية: زعم بعضهم فيها زعما ليس بمزعم، قال في قوله تعالى: ﴿ولا يسئلكم أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم﴾ أن قوله تعالى: ﴿فيحفكم﴾ نسخ قوله: ﴿ولا يسئلكم أموالكم﴾ وسبحان المقدر بسطر مثل هذا الهوس، ولولا أنه دون وقريء وأقريء ما لفتنا إليه قلبا، ومن بلغ بسطر مثل هذا الهوس، ولولا أنه دون وقريء وأقريء ما لفتنا إليه قلبا، ومن بلغ به البله إلى أن يعتقد أن سبب الحكم علة لنسخ الحكم، فأي موضع فيه للكلام؟ إن الله سبحانه أخبر أنه لا يسأل الناس أموالهم التي أنعم بها عليهم، لأنه لو سألها لبخلوا وظهرت بواطنهم وما يكنونه في إيثار المال على الدنيا، والدنيا على الآخرة، وأنه تعالى فرض علهم الأقل وهو الزكاة، فما قام بفرضها إلا الأقل وهم الأولياء، فكيف لو سأل جمعها؟ وإن أول من جاء بجميع ماله أبو بكر الصديق ﵁، وحقق ذلك وبينه بقوله تعالى: ﴿هأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء﴾.

стр. 372

سورة الفتح قد تقدم ذكر ما فيها في سورة الأحقاف وبيانه سورة ق فيها آيتان: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فاصبر على ما يقولون﴾ قد تقدم أن هذا منسوخ بآيات القتال، وفيها أن الله أمر رسوله بالصبر على ما يقولون من الكفر وأمره بأن يقابل ذلك بالتسبيح والتقديس والصلاة والطاعات . الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وماأنت عليهم بجبار﴾ أي بمسلط، هذا منسوخ بالأمر بالقتال. وقد بينه ﷺ بقوله: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله﴾ .

стр. 373

سورة الذاريات فيها من النسخ آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾ قال المفسرون هذا منسوخ بآيات القتال، وقال آخرون هو منسوخ بالإقبال عليهم وتبليغ الرسالة إليهم. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: قوله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾ حرف مشكل لأنك تقول توليت فلانا وتوليت عن فلان بمعنيين متضادين، وتقول ولني ظهرك ووليت فلانا ظهري وقولنا تولي وزنه تفعل من ولي وهو الولي من القرب، فإذا قلت توليت فلانا تريد اتخذته قرينا أو وليا، وهو منه، وإن قلت: توليت عنه، كان معناه اتخذت سواه، ففي الآية أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يتخذ أولياء سواهم، وهذا أمر بالإعراض عنهم وذلك منسوخ بأمره بالإقبال بالقتال عليهم، لا بالإبلاغ فإنه أبلغ فلم يقبل فأمر بالإعراض والصبر حتى أذن الله في قتالهم واستخراج الإقرار بالسيف منهم. وفيها آية أخرى من المجمل، وهي قوله تعالى: ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾ أخبر الله تعالى أن في الأموال حقا للسائل والمحروم، ولم يفسر حينه ولا حدد مقداره، فقال قوم إنها منسوخة بالزكاة، وقال آخرون إن في المال حقا سوى الزكاة وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف وفي قسم الأحكام وليس تقدير الزكاة بناسخ لهذا الحق، بل هو مبين له، وكل صدقة أو حق في كتاب الله تعالى مطلق فالزكاة تقيده وتفسره، حسب ما بينا تفصيله في الأحكام والله أعلم.

стр. 374

سورة الطور اتفقوا على أن فيها من النسخ آيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قل تربصوا فإني معكم من المتربصين﴾ نسخها قوله تعالى في آيات القتال: ﴿اقتلوا المشركين﴾ وغيرها، وعندي أنه قال في سورة براءة من أخر ما نزل ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده، أو بأيدينا، فتربصوا إنا معكم متربصون﴾ وهذا خطاب للمنافقين فأوجب هذا أن يكون التربص مخصوصا في آية الطور بالمشركين ممدودا في المنافقين إلى نزول براءة، وذلك لم ينقطع إلى أن استأثر الله برسوله فالآية مخصوصة غير منسوخة. والآية الآخرى قوله تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ هذا منسوخ بآية القتال كما قدمناه. ثم قال بعد ذلك ﴿وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾ قال بعضهم: هذا المراد به ركعتا الفجر وهو منسوخ بالفرائض. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذه دعوى مركبة على دعوى أن قوله في هذه الآية يحتمل وجودها لم يتعين منها واحد بدليل، وقد بيناها في الأحكام وقد قال سفيان: معناه قل سبحان

стр. 375

الله، إذا قمت من نومك. وقيل معناه قل إذا قمت إلى الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك، وقيل المراد بتسبيح الليل صلوات الليل، وقيل إدبار النجوم صلاة الصبح، ولو كان المراد بها ركعتا الفجر فلا يصح فيها دعوى النسخ، لأن ركعتي الفجر لم تشرع حتى شرعت صلاة الصبح. فأما انفراد فرضها دون صلاة الصبح أو فرضها قبلها فلا أصل للنقل فيه وإنما هي دعوى محضة فلا معنى للتعلق بها.

стр. 376

سورة والنجم فيها من النسخ آية واحدة وهي قوله: ﴿فأعرض عمن تولى عن ذكرنا﴾ هذا منسوخ كما تقدم بآيات القتال. وفيها قوله: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ قال بعضهم هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم﴾. قال القاضي محمد بن العربي ﵀: هذه غفلة عظيمة، إن الله تعالى تفضل على العبد بنعم لا تحصى: منها أنه لم يؤاخذه بذنب غيره، ومنها أنه جزاه على عمله، والعمل منة منه عليه، وهو هداه إليه وخلقه له. ومن عمله الذي يؤجر عليه أن يتبعه سواه ويقتدي به غيره ويتذكر برؤيته أو بسماعه ناس نسي ما ذكره به، كما أن عمله الذي يؤاخذه به أنه يأثم على كل معصية كان أصلها المعلم لها والمنبه عليها قال الله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم﴾ وقال النبي صلوات الله عليه: ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه وقال: من سن سنةحسنة في الإسلام كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن سنة سيئة في الإسلام كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا، على

стр. 377

أن قوله تعالى: ﴿ألحقنا بهم ذرياتهم﴾ لا يدل على إلحاقه ذريتهم بهم لهم وإنما يقتضي ذلك أنه أمر يختص بالذرية ولو كان على أنه لهم لكان ذلك من باب قوله: ليس لك إلا درهم. ثم له أن يبتديء عطاءك بما شاء أن يفعله وكذلك من وهب شيئا من عمل صالح لغيره يعد ذلك له، ونفعه الله به. ولكن لا يجزي فعل أحد عن أحد في فرضه إلا ما قاله أحمد بن حنبل: أن من مات وعليه صوم صام عنه وليه. وبه قال الحسن وغيره وذلك من باب عطاء الغير للغير، ولا يناقض ذلك أنه ليس له إلا سعيه على ما نبهنا عليه، وقد مهدناه في الأحكام ومسائل الخلاف والله أعلم.

стр. 378

سورة القمر فيها آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾ وهي منسوخة بآيات القتال كما تقدم. وقوله تعالى: ﴿يوم يدع الداع إلى شيء نكر﴾ كلام مؤتنف. سورة الواقعة محكمة بإجماع إلا أن مقاتل بن سليمان نصب مقاتله للخطأ في آية واحده منها وهي قوله تعالى: ﴿ثلة من الأولين وقليل من الآخرين﴾ قال نسخها قوله بعد ذلك: ﴿ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾ وواجهلاه من غفلته وعماه! وكيف ساغ في علمه هذا وليس فيه من شروط النسخ واحد، وقد قال العلماء، إن قوله تعالى: ﴿ثلة من الأولين﴾ يحتمل أن يريد به أمم الأنبياء ويحتمل أن يريد به الصحابة ﵃: ﴿وقليل من الآخرين﴾ يحتمل أن يريد به أمة محمد ﵇ ويحتمل أن يريد به آخرنا. وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾ يحتمل أن يريد به مثل ما تقدم ويكون قوله تعالى: ﴿وثلة من الآخرين﴾ في أحد القولين من أمة محمد ﵇ ويكون المعنى فيه أن المنافقين يكونون كثيرا في صدر أمة محمد، ويكونون في آخرها قليل لكثرة الظلم والمعاصي وقلة الطائع والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. فأما أصحاب اليمين وهم أهل الثلة الذين يلزمون خويصة أنفسهم فيكونون كثيرا في صدر الأمة وفي آخرها كثير. وهذا كله معنى بين لا إشكال فيه على ذي نحيزه.

стр. 379

سورة المجادلة فيها ثلاث آيات لا يتحقق النسخ فيها: الآية الأولى: النازلة في الظهار قال بعضهم نسخت ما كان عليه أهل الجاهلية من اعتقاد الظهار طلاقا حتى رفع الله لما شرع من الكفارة في الظهار . قال القاضي ابن العربي وفقه الله: ولا يصح ذلك لأن أحدًا لم يعمل به في صدر الإسلام فجعل له طلاق، وإنما كان امرًا لم يقع فلما وقع قال النبي ﵇: حرمت عليه. يعني المرأة المظاهر منها، فقالت: إلى الله أشكو. فنزلت الآية وشرع الله فيه الكفارة والقرآن لا ينسخ باطل الجاهلية كما بيناه، وإنما وقع النسخ فيما قال لنا النبي ﷺ وقد مهدنا الاية في قسم الأحكام والله أعلم. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ . قال القاضي ﵀: وروى عن علي بن أبي طالب ﵁ قال لما نزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾. قال القاضي ﵀: وروى عن علي بن أبي طالب ﵁ قال لما نزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيم الرسول فقدموا بين نجواكم صدقة﴾ قال لي النبي: ما

стр. 380

ترى؟ دينارا قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار؟ ، قلت: لا يطيقونه. قال: فكم؟ قلت شعيرة، قال: إنك لزهيد. قال: ﴿فنزلت آسفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات﴾ الآية. وهذا مما لم يصح سنده وفي ذلك آثار لا معنى لذكرها لضعفها. وإنما نزلت النجوى ثم نسخت بعدها. وغير ذلك من الأقوال باطلة وما فيها من الروايات ضعيفة كقولهم إنها نسختها آية الزكاة، وكقولهم أن المسلمين عملوا بها فشق عليهم، فلا فائدة في الاشتغال بها ولا بأمثالها. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم﴾ إلى آخر الآية عارضها قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين﴾ فقالت طائفة: هذه ناسخة لآية سورة الممتحنة. والصحيح أن آية الممتحنة لأهل الذمة والأمان، وآية المجادلة لأهل الحرب والمعاندة فمن عاند الله وعاند أولياءه فلا مبرة له ولا كرامة، ومن سالم عن اعتقاده وبر أكرم بظاهر حاله. قالت أسماء، يا رسول الله إن امي قدمت علي وهي مشركة، أفأصلها؟ قال: نعم صلي أمك .

стр. 381

سورة الحشر فيها آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾ قال بعضهم: قال قتادة هي منسوخة بقوله: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ وقال آخرون: هي لهم لا خمس فيها، وقال آخرون: الفيء غير الغنيمة ويخمس، وقال آخرون: هي مثل الآية التي قبلها. وقال آخرون: المراد بذلك الخراج. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: تحقيق هذه الآيات على التفصيل والأقسام في قسم الأحكام وهذه الآيات من المشكلات فعند كثير من العلماء أنها آيتان في معنيين، قاله مالك وغيره واعتقدوا أن الأولى في بني النضير والثانية في قريظة، وقيل إنها بمعنى واحد، والأول أصح، وإذا نظرنا في هاتين الآيتين وفي آية الأنفال ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ فإن العلماء اختلفوا: هل هي ثلاثة آيات لثلاثة معان؟ أو ثلاث آيات لمعنيين؟ ولا إشكال عندي في أنها ثلاثة معان، فغير خاف على العالم بالآثار والماهر في ميدان النظار أن آية الحشر الأولى في بني النضير، وبذلك فسرها عمر بن الخطاب ﵁ بمحضر صناديد علماء الصحابة، وأما الآية الثالثة فهي مقتطعة عن الأول لفظا مقتطعة عنهما معنى موضوعة لمستحق غير الأول، وآية الأنفال معنى ثالث لمستحق ثالث، ومأزق النظر في هؤلاء الآيات أن الأولى من الحشر هي فيما أفاء الله بغير قتال، وآية الأنفال هي فيما حصل بالقتال، والآية الثانية من الشحر والثالثة من الثلاث الآيات مسكوت عنها في ذكر القتال، فقال بعض العلماء هي

стр. 382

ملحقة بآية الحشر الأولى، وقالت طائفة هي ملحقة بآية الأنفال، ومن الناس من قال إنها بحكم ثالث وهي مال الجزية والخراج، فإما أن تكون منفردة أو ملحقة بإحدى الآيتين. وهذا الغرض كاف في فصل النسخ وقسمه وتحقيق المراد بالترجيح يكون في قسم الأحكام ومسائل الخلاف ففيها ينظر، والله أعلم.

стр. 383

سورة الممتحنة فيها من النسخ ثلاث آيات، وآيتان من غيره. الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾ الآية، هذا قرآن نسخ سنة. وكان النبي ﵇ في عمرة الحديبية قد شارط الكفار على أن من جاءنا منهم رد إليهم ومن جاءهم منا لم رد إلينا فأشفق من ذلك المسلمون وشق عليهم، وتكلم في ذلك عمر بن الخطاب وغيره رضوان الله عليه، ثم ثبت الله الإسلام والمسلمين ورضوا، ووفي النبي ﷺ بشرطه فرد من جاءه من الرجال، فلما جاء النساء وأراد ردهن إليهم بحكم الشرط، أنزل الله تعالى هذه الآية في منع ذلك فحبسهن عنهم، فمن آيات النبي صلوات الله عليه ومعجزاته أن الله تعالى قبض ألسنة الكفار عن رسوله فلم ينسبه أحد من الكفار إلى الغدر، ولا أضاف إليه نكثا في العهود . فإن قيل: ليس هذا بنسخ إنما هذا تخصيص عام، قلنا: هذه نكتة بديعة، وذلك أن إخراج بعض العموم إنما هذا تخصيص ولم يحكم عليه بحكم النسخ لأنه يحتمل أن يكون مراد السائل ما أخرج من العموم، ويحتمل أنه لم يرد به إلا ما بقي فيه فأما إذا كان كل ما يتحمله العمومداخلا فيه مرادا به، فإن إخراج بعضه نسخ وهذه نكته بديعة ومسألة مفيدة، والله أعلم. الآية الثانية: وهي بعض من الأولى قوله تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذه مسألة قريبة من النسخ وهي أن المشركين كانوا ينكحون المسلمات ويمسكون بعصمهم حتى كانت

стр. 384

زينب بنت رسول الله ﷺ تحت كافر وهو أبو العاصي بن الربعي فنسخ ذلك بهذه الآية وقطع نكاح المشركين المؤمنات وكان هذا نسخا للإقرار بالأقوال وهو من قريب النسخ إذ الإقرار كالقول في إثبات حكم الشرع فنسخ كما نسخ القول لأن له حكم القول. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾ . قال بعضهم: المراد بهذه الآية إن ارتدت امرأة منكم فذهبت منكم إلى الكفار فأعطوا زوجها مثل ما أنفق عليها يعني من صداق ثم نسخ الله ذلك. واختلف في نسخة على ثلاثة أقوال: الأول: أنه منسوخ بقوله: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ الآية الثاني: أنه منسوخ بآية القتال. الثالث: أن آية براءة نسخت أحكام هذه السورة قال القاضي محمد بن العربي ﵁: اختلف في محل إيتاء المسلمين للمشركين ما فاتهم من أزواجهم في هذه الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أنهم يوتون من مهر إن وجب للكفار أيضا. الثاني: أنه يرد من القسمة. الثالث: أنه يرد من الخمس.

стр. 385

وقد كنا نعمل البحث ونسير الحال في محل الرد ولو كان الحكم ثابتا وأما وقد نسخ فلا حاجة بنا إلى ذلك لأن الحكم المنسوخ لا فائدة في البحث عن محله وكذلك القول في البحث عن ناسخها، أن ذلك قليل الجدوى ولكنه بالبحث أحرى، والذي يصح أنه الناسخ لها زوال الهدنة ووجوب القتال، فإن ذلك كله حكم أوجبه الصلح فإذا زال زالت أحكامه ولما زالت الهدنة وانقطع الصلح نكث المشركون عهدهم والأمر بقتالهم صح أن يقال في هذا إنه ناسخ ومنسوخ وخرج عن باب زوال الحكم بزوال وقته أو محله، والله أعلم. وفيها آيتان: إحداهما قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾. زعم قتادة أنها منسوخة بآيات القتال، وقد بينا فيما تقدم من سورة المجادلة أنها محكمة والله أعلم. الاية الثانية قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ قال بعضهم: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ وهذا ليس بنسخ وإنما هو تخصيص إن كان قوله

стр. 386

تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ عاما في كل كافرة، وإن كان المراد به الكافرين عبدة الأوثان على مقتضي سياق الآيات وأنها خارجة مخرج أهل المهادنة وهم المشركون فالآية محكمة فأما النسخ، فلا سبيل إليه فيها والتخصيص أقرب إليها والله أعلم. وهم: قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا﴾ الآية، أنه منسوخ، إذ ليس على الإمام أن يشترط في المبالغة هذا. ذكرى. قال ابن العربي ﵁: من زعم أن هذا منسوخ يفتقر إلى بيان الناسخ، وللا يجزيه من ذكره أن يقول ليس على الإمام أن يفعل هذا لأنه كلام لايغني في المقصود، إذ يقال له: ولم ارتفع عن الإمام ما كان فعله إمام الآئمة، وإنما يقال إن النبي ﷺ كان إذا بايع رجلا أو رجالا او امرأة أو نساء بين لهم شرائع الدين وعرفهم بأصول تكليفه ليدخلوا فيه على بيان، وليلتزموه على علم، قال الله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ وأوكده الإيمان وأصوله وأوكدها حالة حين الدخول فيه. وقد قال علماؤنا إنه ﷺ إنما خص الناس ها هنا ببيان المنهيات دون المأمورات لأنهن أوكد وأدوم ولأن النساء يقعن فيهن أكثر. وقد قال لوفد عبد القيس: أنهاكم عن أربع

стр. 387

فخص لهم بالنهي ما كان يعلم منهم أنهم إليه أميل وعندهم الارتكاب له أكثر وعلى الإمام اليوم أن يبين ذلك للداخل في الإسلام إن كان لا يعلم وإن علم أركان الدين وشرائع المسلمين بالمصاقبة لهم والجوار معهم كفى الداخل في الإسلام وهو بهذه الصفة الإقرار بالشهادتين خاصة.

стр. 388

سورة المنافقين فيها آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ نسخت الاستغفار للمشركين وقد تقدم ذلك في سورة براءة. سورة التغابن فيها آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ تقدم ذكرها في سورة آل عمران وغيرها.

стр. 389

سورة النساء القصرى قيل: إن فيها آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ نسخت قوله تعالى: ﴿أو آخران من غيركم﴾ وقد تقدم الكلام فيها في سورة المائدة. إنجاز موعد: قوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ قد بينا في الأحكام هذه الآية على وجه لم يسبق إليه مجموعا من كلام المشيخة برد الله ثراها، بما لبابه مما يتعلق بالنسخ أن الله تعالى قال في سورة البقرة: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن﴾ والتربص هو الانتظار، فعل يستدعي زمانا ومكانا، فبين تعالى كل واحد في موضعه مفردا عن صاحبه، فقال في المدة بعد الطلاق ثلاثة قروء، وقال في المدة بعد الوفاة عاما كاملا ثم نسخه إلى أربعة أشهر وعشرا، عاما في كل زوج بعد الوفاة، ثم قرر في هذه السورة حكم اليائشة والصغيرة في الزمان وضعا لكل قرء شهرا ليجتمع فيه مدة الحيض والطهر على اختلافهما في التقدير، لدخول أحدهما على الآخر وخروجه عنه. لكن الشهر يحصرهما وقد ينقصان عنه نقصانا مختلفا، حتى قيل إن العدة تنقضي في الأكثر لمدة من خمس وأربعين ليلة، وقد بيناه في موضعه وأوضحنا (الحق فيه)

стр. 390

مع بيانه سبحانه للزمان في هذه الآية التي ذكرناها، لم يتعرض للمكان بالبيان، إلا أنه قال تعالى في سورة البقرة في الآية المنسوخة في المدة/ ﴿غير إخراج﴾ وهو حكم لم ينسخ، فدل المصدر على زمان الإخراج ومكانه كدلالة فعل التربص وكل فعل عليه ولكنه أكده في سورة البقرة بقوله: ﴿وصية لأزواجهم متاعا﴾ فدل على ان الوصية والمتاع إنما يكونان في المملوك للزوج وهو المكان، فأما الزمان فليس لأحد عليه ملك ولا سلطان. وجاء في هذه السورة في هذه الصورة وهي المطلقة: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾ يعني البيوت التي كن يسكن فيها لأن هذه الإضافة لا يصح أن تكون إضافة ملك وإنما هي إضافة سكنى على ما بيناه في الأحكام وشرح الحديث وكان قوله تعالى في سورة البقرة غير إخراج مصدرا مطلقا يقتضي التعلق بالفاعل وهو الزوج، ويكون أهله بالخيار إن شاءت فرت وإن شاءت قرت، فالزمن في هذه الآية التي في هذه السورة في هذه الصورة وهي المطلقة القرار وحرم عليهن الفرار، كما ألزم الرجال الإقرار وأكد ذلك بقوله تعالى بعد ذلك/ ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ أي من الجهة
следующие страницы →