Полный текст (760 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
قبل قبضه إلا بمثل الثمن لأنها إذا لم تكن بمثله كانت بيعا لا إقالة كما تقدم وبيع الطعام قبل قبضه ممنوع وسيأتي مفهوم قوله حل وما فيه من التفصيل قال
(وللمقال صحة الرجوع ... بحادث يحدث في المبيع)
يعني أن البائع إذا تقابل مع المشتري فوجد بالمبيع عيباً حادثاً بعد بيعه فله الرجوع به وإن كان قديماً قبل البيع ولم يعلم به واحد منهما فلا قيام له به إلا أن تكون الإقالة بالزيادة على الثمن الذي باع به فله الرجوع بها فقط بعد أن يحلف إنه لم يعلم بالعيب فإن نكل عن اليمين فلا رجوع وهي يمين تهمة لا تنقلب وضمير منه وبعلمه عائد على العيب قال
(والفسخ في إقالة مما انتهج ... بالصنعة التغيير كالغزل انتسج)
(إلا إذا المقال بالرضي دفع ... لمن أقال أجرة بما صنع)
يعني أن الإقالة إذا وقعت في المبيع غير المثلي وتغير بسبب صنعة دخلته كغزل وقع نسجه فإنها لا تجوز وتنفسخ إذا وقعت إلا إذا دفع البائع للمشتري أجر عمله فإنها تجوز وتمضي. وقوله انتهج أي سلك مبني للفاعل وفاعله ضمير المبيع والتغيير بالنصب على إنه مفعول مطلق على حذف مضاف أي انتهج المبيع منهج التغيير ثم صرح بمفهوم قوله حل في البيت الأول فقال
(ولا يقال حيث لم يأت أجل ... بثمن أدنى ولا وقت أقل)
(أو ثمن أكثر منه لأمد ... أبعد مما كان فيه المعتمد)
(وهي إذا كانت بمثل المال ... جائزة في كل حال حال)
стр. 527
يعني أن من باع سلعة إلى أجل ثم وقعت فيها الإقالة فلا يخلو الأمر إما أن يتقايلا بمثل الثمن أو بأقل أو بأكثر فهذه ثلاث صور وفي كل صورة إما أن تكون الإقالة نقدا أو لدون الأجل الأول أو للأجل نفسه أو لأبعد منه فهذه أربع صور تضرب في الثلاثة المتقدمة فتكون اثنتي عشرة صورة يمنع منها ثلاث صور وهي ما عجل فيه الأقل وبيانها إن البائع إذا أسترد السلعة أما بأقل نقداً أو بأقل إلى أجل دون الأجل الأول فهاتان صورتان أو بأكثر إلى أجل أبعد من الأجل الأول فإن المشترى في هاته الصورة يدفع عند حلول الأجل للبائع عشرة مثلاً فإذا حل الأجل الثاني يقبض من البائع اثني عشر فهو سلف جر نفعا في الصور الثلاث وهو ممنوع ولو لم يقصدا ذلك سدا لزريعة الربي هذا إذا أختلف الأجلان والثمنان كما علمت فإن استوى الثمنان جازت الإقالة مطلقا نقداً أو إلى أجل دون الأجل الأول أو للأجل نفسه أو لأبعد منه فهذه أربع صور جائزة وإليها أشار الناظم بقوله
(وهي إذا كانت بمثل المال ... جائزة في كل حال حال)
يعني نقداً أو إلى أجل الخ الصور الأربع وكذا تجوز بأقل للأجل نفسه أو لأبعد منه أو بأكثر نقداً أو لدون الأجل الأول أو للأجل نفسه فهذه خمس صور جائزة أيضاً فإذا ضمت إلى الأربعة المتقدمة كانت الصور الجائزة تسعة وضابط هذه المسئلة كما في بيوع الاجال إنه إذا استوت الأثمان والاجال فأنظر إلى اليد السابقة بالعطاء فإن خرج منها قليل ورجع إليها كثير بالمنع وإلا فالجواز وذلك لأن الفقهاء قالوا إن الخارج من اليد والعائد إليها يعد لغوا فكأنه من أول الأمر دفع إليه دراهم سلفاً فمنع هذا لتهمة سلف بمنفعة وقوله يقال من الإقالة ثم قال
(ومشتر أقال مهما اشترطا ... أخذ المبيع أن يبع تغبطا)
(بالثمن الأول فهو جائز ... والمشتري به المبيع حائز)
стр. 528
يعني أن المشتري إذا أقال البائع على شرط وهو إنه مهمى باع ذلك الشيء فهو أحق به بالثمن الأول ثم إنه باع ذلك فأراد المشتري المقيل فسخ البيع والأخذ بشرطه فله ذلك لأن اشتراط أخذ المبيع بالثمن الأول إذا بيع جائز على القول المعتمد وإذا جاز ذلك فالمشتري حائز ملكية المبيع بشرطه فهو بمنزلة الرهن قال بعضهم إنما يكون له الأخذ بشرطه مع عدم الطول إذا كان التعليق بمثل إن وأما إذا كان التعليق بمثل مهما فله الأخذ بشرطه طال الزمن أو لم يطل (قلت) هذا صحيح بالنظر إلى اللف وأما بالنظر إلى مقاصد الناس فلا لأنهم لا يفرقون بين الكليات والجزئيات فأدوات التعليق كلها عندهم على السواء كما قالوا في العطف بالواو وثم في مسئلة الحضانة. وقيل يفسد البيع بهذا الشرط ويفسخ لما فيه من التحجير ما لم يفت وشهر كما في الحطاب وضمير به يعود على الشرط المفهوم من اشترطا قال
(وسوغت إقالة فيما اكترى ... إن لم يكن أعطى الكراء المكتري)
يعني أن من أكترى دارا أو غيرها ولم ينقد الكراء فإنه يجوز له أن يتقايل مع المكتري سكن أو لم يسكن ومفهوم الشرط فيه تفصيل وهو أن نقد المكتري الكراء ولم يسكن فالإقالة جائزة أيضاً وإن سكن بعض المدة فلا تجوز لأنه يؤدي إلى كرآء وسلف والجمع بينهما ممنوع على المشهور كما تقدم أوائل البيوع (تنبيه) أجر ما يحتاج إلى أجرة يكون على سائل الإقالة لا على المقيل لأنه فعل معروفاً فهي كالقرض فالأجرة فيه على المقترض لا على المقرض ومثلهما التولية والشركة ثم قال
﴿فصل في التولية والتصيير﴾
أما التولية فقد عرفها الإمام ابن عرفة بقوله هي تصيير مشتر ما أشتراه لغير بائعه بثمنه اهـ. فقوله لغير بائعه تخرج به الإقالة وقوله بثمنه يخرج به البيع إذا صيره له بأكثر من ثمنه أو بأقل منه. وإما التصيير فهو دفع شيء معين ولو عقارا في دين سابق. والأصل في مشروعيتها وحكمهما الحديث السابق ولما ذكرت التولية مع
стр. 529
الإقالة ذكرها عقبها وقدمها على التصيير خوفاً من الفصل بينهما وبدا في النظم بالتولية كما فعل في الترجمة فقال
(تولية المبيع جازت مطلقا ... وليس في الطعام ذاك متقى)
يعنى أن من أشترى شيئاً فإنه يجوز له أن يوليه بثمنه لغير بائعه مطلقاً سواء كان طعاما أو غيره قبل القبض أو بعده وليست التولية في الطعام قبل قبضه مما هو ممنوع ومتقى بل هي جائزة كالشركة فيه والإقالة لأن الثلاثة معروف وإحسان رخص فيها النبي ﷺ كما تقدم إلا إذا كانت بأكثر من الثمن أو أقل فلا تجوز فيه قبل قبضه لأنها خرجت عن الرخصة إلى البيع المحض فإن كانت لبائعه فهي الإقالة المتقدمة ولو سميت تولية ولما فرغ من الكلام على التولية شرع يتكلم على التصيير فقال
(والشرط في التصيير أن يقدرا ... دين والأنجاز لما تصيرا)
(والعرض صيره بلا منازعة ... والحيوان حيث لا مواضعه)
(وجائز فيه مزيد العين ... حيث يقل عنه قدر الدين)
يعني أنه يشترط في صحة التصيير أمران معرفة قدر الدين المصير فيه الشيء لأنه بيع والبيع لا بد فيه من معرفة المعقود عليه كما مر إلا في مسئلة التمخي الآتية وقبض الشيء المصير كله ناجزاً خوفاً من فسخ دين في دين وهو ممنوع فيكون فاسدا وإنه يجوز تصيير العروض والحيوان على اختلاف أنواعهما بلا منازعة في ذلك ولا خلاف إلى الأمة التي تفتقر إلى المواضعة عند أمينة وما لا يقبض في الحال كالدار الفائبة والمبيع على الخيار فإنه لا يجوز لعدم المناجزة وإذا كانت الدار المصيرة مثلا قيمتها أكثر من الدين فإنه يجوز للمصير له أن يزيد المصير بكسر الياء شيئاً من العين ليكمل به قيمة الدار زيادة معجلة أو مؤجلة على ظاهر النظم وقيل لا بد من التعجيل وقوله يقدرا وتصيرا مبنيان للنائب والفهما للإطلاق والعرض والحيوان يجوز نصبهما ورفعهما
стр. 530
والأول أرجح كما هو معلوم في باب الاشتغال وضمير فيه يعود على التصيير وضمير عنه يعود على ثمن الشيء المصير قال
(والخلف في تصيير ما كالسكنى ... أو ثمر معين ليجنى)
يعني إنه اختلف في تصيير ما هو منفعة كسكني دار مثلاً من كل ما لا يقبض دفعة واحدة بل يكون قبضه شيئاً فشيئاً فابن القاسم يمنعه ولو وقع الشروع في قبض المنفعة أثر العقد لأن قبض الأوائل عنده ليس قبضاً للأواخر فيكون فسخ دين في دين وأشهب يجوزه لأن قبض الشيء عنده قبض لجميع منافعه وكذلك اختلفا في تصيير ثم شجر معين ليجتنى شيئاً فشيئاً كالتين فابن القاسم يمنع تصييره وأشهب يجيزه ولهذا قلت في الشرط الثاني من شرطي التصيير المتقدمين قبض الشيء المصير كله احترازا من قبضه شيئاً فشيئاً جريا على قاعدة ابن القاسم المشهورة (تنبيه) الذي جرى به العمل افتقار التصيير إلى الحوز لأن صحته متوقفة عليه وسواء كان الدين ثابتاً ببينة أو باعتراف هذا إذا لم يكن هناك من يدعي أن التصيير وقع توليجا وإلا فلا بد من ثبوت الدين بالبينة وعدم المحاباة كما في المعيار نقلاً عن ابن الحاج وهذه المسئلة كثيرة الوقوع ممن لا يخاف الله ليا كل أموال الناس بالباطل أو يمنع ميراث أحد الورثة قال
(وأمتنع التصيير للصبي ... إن لم يكن ذا أب أو وصي)
يعني إن من عليه دين لصبي مهمل فلا يجوز له أن يصير له شيئاً من ماله في مقابلة دينه لأن من شرط صحة التصيير القبض والصبي لا يقبض لنفسه لأن قبضه كالعدم فيدخله فسخ دين في دين كما مر وحيث كان لا يقبض لنفسه فيقدم له القاضي مقدماً يقبض له إذا راءه مصلحة فإن كان له أب أو وصي نظر في ذلك فإن راءه مصلحة قبضه له وإلا فلا قال
(والأب كالوصي في التصيير ... تمخيا بالجهل للمحجور)
يعني إنه يجوز للأب أو الوصي أن يصير لمحجوره ما يتحرى به براءة ذمته حيث
стр. 531
جهل قدر الدين الذي عليه لمحجوره أو جهل أصله فالأول واجب والثاني مندوب ويصح قبضه لمحجوره الشيء الذي صيره له بالأشهاد ما لم يكن دار سكناه وإلا فلا بد من إخلائها إلا إذا تسوغها بعدلين فإن سكناه بها حينئذ لا يضر ويصح التصيير وقوله تمخيا أي تبريا (فرع) اتفق ابن القاسم وسحنون على أن لا شفعة في التمخي فعلله ابن القاسم بجهل الثمن وعلله سحنون بأنه صدقة ويصح التوفيق بينهما بأن القائل بجهل الثمن حيث كان له أصل والقائل بالصدقة حيث لم يكن له أصل فيحملان على الوفاق وحيث كان الحوز لا بد منه فلا فائدة في هذا الخلاف (ولما) فرغ من الكلام على بيوع النقد والاجال شرع في بيان السلم فقال
﴿فصل في السلم﴾
بفتح السين واللام (وأبحاثه ستة) الأول في معناه لغة واصطلاحا (والثاني) في أصل مشروعيته (والثالث) في حكمه (والرابع) في حكمته (والخامس) في أركانه (والسادس) في شروطه (فإما) معناه في اللغة فهو السلف قال في المصبح السلم في البيع مثل السلف وزنا ومعنى وأسلمت إليه بمعنى أسلفت أيضاً والسلم أيضاً شجر العضاء الواجدة سلمة مثل قص وقصبة وبالواحدة كني فقيل أبو سلمة وأم سلمة والسلمة وزان كلمة الحجر وبها سمي ومنه بنو سلمة بطن من الأنصار والجمع سلام وزان كتاب والسلام بفتح السين شجر والسلام اسم من سلم عليه والسلام اسم من أسماء الله تعالى قال الهيلي وسلام اسم رجل لا يوجد بالتخفيف إلا عبد الله بن سلام وإما أسم غيره من المسلمين فلا يوجد إلا بالتثقيل والسلم بكسر السين وفتحها أي مع سكون اللام الصلح ويذكر ويؤنث سالمه مسالمة وسلاما وسلم المسافر يسلم من باب تعب سلامة خلص ونجي من الآفات فهو سالم وبه سمي وسلمه الله بالتثقيل في التعدية والسلامي بضم السين أنثى قال الخليل هي عظام الأصابع وقال قطرب السلاميات عروق ظاهر الكف والقدم وأسلم لله فهو مسلم وأسلم دخل في دين الإسلام اهـ ما به الحاجة
стр. 532
وفي مثلثات قطرب. تحية المرء السلام. وأسم الحجارة السلام. والعرق في الكف السلام. رووه في لفظ النبي. فالأول بالفتح والثاني بالكسر والثالث بالضم (قال) ابن راشد وحكى ابن بشير في الأنوار البديعة عن بعض المتقدمين كره أن يقول أسلمت وإنما يقول أسلفت ولذلك لم يقل في مصدره إسلاما على ما يقتصيه الفعل الرباعي قال وهذا منه تورع من ابتذال لفظة لها معنى شريف في الشريعة في تصرف ديناري اهـ (وفي) الحطاب قال ابن عبد السلام وكره بعض السلف لفظة السلم في حقيقته العرفية التي هي أحد أنواع البيع ورأى إنه إنما يستعمل لفظة السلف أو التسليف صوناً منه للفظ السلم عن التبذل في الأمور الدنيوية ورأى إنه قريب من لفظ الإسلام ثم قال والصحيح جوازه لاسيما وغالب استعمال الفقهاء إنما هو صيغة الفعل مقرونة بلفظ في فيقول أسلم في كذا فإذا أرادوا الاسم أتوا بلفظ السلم وقال ما يستعملون الإسلام في هذا الباب اهـ. وفي الاصطلاح عرفه ابن راشد بقوله هو بيع دين بعين مقبوضة في المجل أو ما قرب منه (وقال) ابن عرفة في تعريفه هو عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين (فقوله) عقد معاوضة جنس يشمل السلم وغيره من أنواع المعاوضة وتخرج التبرعات إذ لا معاوضة فيها كالهبة ونحوها. وقوله يوجب عمارة ذمة يخرج به المعاوضة في المعينات. وقوله بغير عين يخرج به البيع بثمن مؤجل. وقوله ولا منفعة يخرج به الكراء المضمون وما أشبهه من المنافع. وقوله في الذمة غير متماثل العوضين يخرج به السلف (وأما) الأصل في مشروعيته فبالكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى وأحل الله البيع وقال يأيها الذين إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه قال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه هذه الآية تجمع الدين كله. وأما السنة فقد ورد في الصحيح إن رسول الله ﷺ قال من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم وروي عنه ﵊ إنه أشترى عبداً بعبدين أسودين (وأما) حكمه فقد انعقد الإجماع على جوازه لأنه معلوم من
стр. 533
الدين بالضرورة كما في الفائق. وقال المشذالي في حاشيته في أول السلم الأول صرح في المدونة بأنه رخصة مستثنى من بيع ما ليس عندك اهـ. حطاب (وأما) الحكمة في مشروعيته فلتهيل الاسترزاق للمحتاجين لأنه لا يقع إلا منهم في الغالب وحفظا من بيع أملاكهم بسبب دين ونحوه من الأمور التي تكون باعثه على التسبق على الطعام ونحوه (وأما) أركانه فستة العقد والمسلم بكسر اللام وهو المتري والمسلم إليه وهو البائع والمسلم بفتح اللام وهو العوض المعبر عنه براس مال السلم والمسلم فيه وهو المبيع إلى أجل والصيغة وهو كل ما يدل عليه كالبيع وللموثقين في ذلك عبارات يكتبونها بحسب ما هو المتعارف عندهم (وأما) شروطه فسبعة منها ما هو مختص ومنها ما هو مشترك كما ستعرفه وقد أشار إليها الناظم فقال
(فيما عدا الأصول جوز السلم ... وليس في المال ولا كن في الذمم)
(والشرح للذمة وصف قاما ... يقبل الالتزام والالزاما)
(وشرط ما يسلم فيه أن يرى ... متصفا مؤجلا مقدرا)
(بوزن أو كيل وذرع أو عدد ... مما يصاب غالباً عند الأمد)
(وشرط رأس الماس أن لا يحظلا ... في ذاك دفعه وأن يعجلا)
(وجاز إن أخر كاليومين ... والعرض فيه بخلاف العين)
يعني أن السلم جائز فيما عدا الأصول من عرض وطعام وعين وثمار وحيوان فهذه أقسام البيع المتقدمة. ولا يكون المسلم فيه من هذه الأقسام الخمسة معيناً كما قال الناظم وليس في المال يعني به المعين بل إنما يكون المسلم فيه منها ديناً في الذمة وكونه ديناً في الذمة هو (الشرط الأول) من شروط المسلم فيه (والذمة) وصف اعتباري كالطهارة قائم بالإنسان يقبل الالتزام لما التزمه اختيارا كنفقة على فقير وصلاة وصوم ونحو ذلك ويقبل الإلزام لما ألزمه الحاكم إياه من أرش جناية أو عيب أو طلاق بسببه
стр. 534
إلى غير ذلك. وإنما يكون ممنوعاً في المعين لأنه إن كان ملكا للمسلم إليه وشرط التأجيل أو قصده منع لأنه شراء معين يقبض إلى أجل بعيد وإن قصد تعجيله فلا معنى لتسميته سلما بل هو بيع معجل جائز. وإن كان ملكاً لغيره فلا يجوز لأن النبي ﷺ نهى عن بيع ما ليس عندك (قال) ابن راشد رحمه الله تعالى (فائدة) بيع ما ليس عنده على ثلاثة أوجه جائز ومكروه ومختلف فيه (فالجائز) أن يبيعه ما ليس عنده إلى أجل بنقد وهو السلم (والمكروه) أن يبيعه ما ليس عنده نقداً أو إلى أجل بثمن إلى أجل. والمختلف فيه أن يبيعه ما ليس عنده نقداً بنقد فقيل مكروه وقيل حرام اهـ (الشرط الثاني) من شروط المسلم فيه أن يكون مضبوطاً بصفاته التي تختلف باختلافها القيمة في السلم عادة بحيث تكون معلومة لهما ولغيرهما لأنه متى أختص المتعاقدان بعلمها دل ذلك على ندورها والندور يقتضي عزة الوجود فيؤدي ذلك إلى التنازع فتنتفي الرخصة التي هي أصله وإلى هذا أشار الناظم بقوله (وشرط ما يسلم فيه أن يرى متصفا الخ) ولهذا منع السلم في الأصول المفهوم من قوله (فيما عدا الأصول جوز الخ) فمفهومه أن الأصول لا يجوز فيه السلم وهو كذلك لأنها وأن كانت تضبط بالصفة لتشاح الناس في مواضعها واختلاف أغراضهم فيها فلا بد من تعيينها دفعاً لكثرة الخطر وإذا عين موضعها خرج عن كونه سلماً في الذمة وصار في معين كما يمنع السلم في ما لا يمكن وصفه كتراب المعدن فإنه لا يسلم فيه عين ولا عرض لأن صفته لا تعرف فإن عرفت بتجربة جاز أن يسلم فيه عرض ونحوه لا غين لئلا يدخله الربى (الشرط الثالث) من شروط المسلم فيه أن يكون مؤجلا بأجل معلوم للمتعاقدين وإليه أشار الناظم بقوله مؤجلا وسواء كان الأجل حقيقيا وأقله نصف شهر إلا أن يشترط أن يقبض المسلم فيه ببلد غير بلد العقد على مسافة كيومين ذهاباً فقط ويخرج المسلم إليه بالفور لدفع المسلم فيه فرارا من جهالة زمن القبض وإلا فلا بد من التأجيل بنصف شهر فأكثر أو حكميا كمن لهم عادة بوقت القبض فلا يحتاج إلى ضرب أجل قاله اللخمي (الشرط الرابع) من شروط المسلم فيه أن يكون مقدرا
стр. 535
بكيل أو وزن أو ذرع أو عدد وإليه أشار بقوله (مقدار بوزن الخ) (الشرط الخامس) من شروط المسلم فيه أن يكون موجودا في الغالب عند حلول أجله المعين بينهما كما مر في الأجل الحقيقي أو الحكمي وإليه أشار بقوله (مما يصاب غالبا عند الأمد) وسواء كان يملكه البائع أم لا (قال) في المدونة ما ينقطع من أيدي الناس في بعض السنة من الثمار الرطبة وغيرها لا يشترط أخذ سلمه إلا في أبانه وإن شرط اخذه في غير أبانه لم يجز لإنه شرط ما لا يقدر عليه اهـ مواق (فرع) مرتب فإن انقطع المسلم فيه الذي له وقت معين يوجد فيه لفوات أبانه بسبب البائع خير المشتري في الفسخ عن نفسه فيرجع بعين ماله إذا كان المسلم فيه طعاماً ولا يجوز أخذ غيره لما يلزم عليه من بيع الطعام قبل قبضه وفي البقاء لعام قابل وإن كان التأخير بسبب المشتري فإنه لا يخير بل يبقى لعام قابل لظلمه البائع بالتأخير فتخييره زيادة ظلم قاله ابن عبد السلام وكذا إذا غفلا معاً حتى فات الأبان بانقطاعه بأمر سماوي كجائحة ولم يقبض شيئاً من المسلم فيه أما إن قبض منه شيئاً وجب التأخير لأن السلم يتعلق بذمة المسلم إليه فلا يبطل ببطلان الأجل كالدين والقول لمن دعا إلى التأخير إن لم يتراضيا بالمحاسبة وإلا عمل بها سواء كان رأي المال مثلياً أو مقوماً إذ لا يتهمان في المحاسبة على البيع والسلف لأن انقطاعه من الله تعالى وكذلك إذا كان الانقطاع لهروب أحدهما فإن التهمة أيضاً منتفية أما لو سكت المشتري عن طلب البائع حتى ذهب الأبان فلا يجوز تراضيهما بالمحاسبة لإتهامهما على البيع والسلف وإذا رضيا بالمحاسبة فلا يجوز له أن يأخذ بقية رأس ماله عرضاً ولا غيره لأنه بيع الطعام قبل قبضه أي إذا كان المسلم فيه طعاماً كما هو الموضوع قاله الخرشي وغيره (الشرط السادس) وهو ما كان مشتركاً بين المسلم فيه ورأس المال أن لا يكونا طعامين ولا نقدين لما في المدونة أن الطعام بالطام إلى أجل لا يصح كانا من صنف واحد أو من صنفين مختلفين كانا أو أحدهما مما يدخر أو لا يدخر أو مما يكال أو يوزن أو يعد وكذلك جميع التوابل واللحمان والحيتان وجميع الأدام والأشربة عدا
стр. 536
الماء ولا يجوز ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا أحدهما بالأخر نسا لا على الوجه الذي يجوز نقداً ولا على خلافه ولا الدنانير والدراهم في الفلوس (فان) قيل هذا الشرط غير مختص بالسلم بل يعم السلم وغيره كما تقدم في البيوع فلأي شيء ذكر هنا (أجيب) بأن ذكر الطعامين والنقدين هنا ليس مقصوداً بالذات وإنما أصل الكلام أن يقال أن لا يؤدي السلم إلى شيء ممنوع وغير ذلك من العبارات كما في الحطاب وإلى هذا المعنى أشار الناظم بقوله (وشرط رأس المال أن لا يحلا ... في ذاك دفعه) أي وشرط رأس المال أن لا يمنع دفعه في المسلم فيه كما يشترط في المسلم فيه أن لا يمنع دفعه في رأس المال. وإنه لا يسلم شيء في أكثر منه أو أجود لأنه سلف بمنفعة ولا في أقل منه ولا أدنى لأنه ضمان بجعل إلا أن تختلف منافع الجنس الواحد فيجوز حينئذ سلمه في أكثر منه وفي أقل وفي أجود وفي أردأ لأن اختلاف المنافع يصير الجنس الواحد كالجنسين كالسبق في الخيل والحمل في الإبل والقوة على الحرث والعمل للبقر وكثرة اللبن في الغنم والكبر والصغر في الآدمي والغنم ورقيق القطن وغليظه ورقيق الكتان وغليظه وكذا الحرير والصوف كما في الحطاب (الشرط السابع) المختص برأس المال أن يكون كله مقبوضاً خوفا من الدين بالدين وجاز تأخيره ثلاثة أيام ولو بشرط على المشهور وإليه أشار الناظم بقوله (وأن يعجلا ... وجاز إن أخر كاليومين) وأدخلت الكاف الثالث فإن كانت الزيادة أكثر من ثلاثة أيام وأن بلا شرط فسد العقد إذا كان رأس المال عيناً فإن كان عرضاً حاضراً جاز فيه التأخير أكثر من ثلاثة أيام بلا شرط وإليه أشار بقوله (والعرض فيه بخلاف العين) يعني أن العرض الحاضر يجوز تأخيره في السلم أكثر من ثلاثة أيام بلا شرط كما مر بخلاف رأس المال العين فإنه لا يجوز فيه ذلك كما علمت والله أعلم (ولما) فرغ من الكلام على بيع الذوات شرع يتكلم على بيع المنافع وهو أنواع كالبيع وبدأ بالكراء فقال
стр. 537
﴿باب الكراء وما يتصل به﴾
أما الكراء فهو في اللغة الأجر قال في المصباح الكراء بالمد الأجرة وهو مصدر في الأصل من كاريته من باب قتل والفاعل مكار على النقص والجمع مكارون ومكارين مثل قاضون وقاضين ومكاريون بالتشديد خطأ واكريته الدار وغيرها أكراء فأكتراه بمعنى أجرته فاستأجر والفاعل مكتر ومكر بالنقص أيضاً وجمعهما كجمع المنقوص اهـ. وفي اصطلاح الفقهاء المعاوضة على منافع غير الآدمي كراء والمعاوضة على منافع الآدمي جعل أو إجارة ثم عرف كل واحد من الثلاثة بتعريف يخصه فعرف الإمام ابن عرفة الكراء بقوله الكراء عقد على منافع غير ءادمي أو ما يبان به وينقل غير سفينة اهـ فخرج بقوله منافع البيع ونحوه وخرج بقوله غير ءادمي منفعة الآدمي فإنها جعل أو إجابة كما مر وقوله أو ما يبان به وينقل عطف على غير وغير الآدمي هو ما كان كالدور والأرضين والذي يبان به وينقل ما كان كالدابة والثوب وءالات الصنائع فهذه كلها من باب الكراء وخرج بقوله غير سفينة السفينة فإن العقد عليها يسمى جعلاً على أحد قولين وذهب غيره إلى أنها من باب الكراء وهو القول الراجح كما في ابن رحال وعليه درج صاحب المختصر فقال ككراء السفن وقول المدونة من اكترى سفينة الخ قال التاودي ولو قال عقد على منافع غير ءادمي وسفية لأفاد وتبعه التسولي (قلت) ولو حذف غير سفينة أيضاً لكان جارياً على القول الراجح. وأركانه ستة العقد والمكري وهو بائع المنفعة والمكتري بكسر الراء وهو مشتريها والمكترى بفتح الراء وهو ما اشتريت منفعته والعوض ويطلق عليه الكراء والصيغة أو ما يقوم مقامها كاكري وأكترى وسوغ وتسوغ وقبل بالتشديد وتقبل إلى غير ذلك مما هو مصطلح عليه. وقوله (وما يتصل به) أي بالكراء من اختلاف المتكاريين وكراء الرواحل والإجارة والجعل والأبواب المستثناة من أصول ممنوعة كالمساقاة والمغارسة والقراض وأدخل معها الشركة وعقد لكل منها فصلا يخصه وغرر هذه المسائل اهر لأن العامل فيها لا يدري
стр. 538
هل يكون له شيء أم لا وعلى تقدير تحصيله هل يعلم مقداره قلة وكثرة وإنما اغتفرت لشدة الحاجة إليها (ولما) كان الكراء على ثلاثة أوجه وجيبة وهو ما كانت المدة فيه محدودة معينة كهذا اليوم أو هذا الشهر أو شهر كذا أوهذا العام أو عام كذا أو مشاهرة وهو ما كانت مدته محدودة غير معينة نحو كل يوم بكذا أو كل شهر بكذا أو مركب منهما كهذا العام كل شهر منه بكذا ألم الناظم بجميعها وأشار إلى الأول منها فقال
(يجوز في الدور وشبهها الكرا ... لمدة حدت وشيء قدرا)
(ولا خروج عنه إلا بالرضى ... حتى يرى أمده قد انقضا)
يعنى أن كراء الدور ونحوها من الحوانيت والحمامات والأفران والأرضين لمدة محدودة معينة وعوض معلوم كالثمن جائز فإذا وقع العقد على هذا الوجه وأراد أحد المتكاريين فسخه قبل انقضاء المدة فليس له ذلك إلا برضى صاحبه فيكون إقالة بشرطها المتقدم قال ابن يونس وإن اكترى منه سنة بعينها أو شهرا بعينه فلا يكون لاحدهما فسخه إلا أن يتراضيا على ذلك جميعاً قال ابن حبيب وكذا لو قال ستة أشهر أو سنة كذا فهذا كله وجيبة لازمة إلا أن يشترط الخروج لمن شاء فيلزمها ذلك ولا يجوز فيه حينئذ النقد أي لتردده بين السلف والكراء ويجوز في الأول النقد والتأخير ولم يختلف في هذا مالك وأصحابه اهـ مواق وأشار إلى الوجه الثاني والوجه الثالث فقال
(وجائز أن يكترى بقدر ... معين في العام أو في الشهر)
(ومن أراد أن يحل ما أنعقد ... كان له ما لم يحد بمدد)
(وحيثما حلح الكرا يدفع من ... قد اكترى منه بقدر ما سكن)
(كذاك أن بعض الكراء قدما ... فقدره من الزمان لزما)
стр. 539
يعني إنه يجوز للإنسان أن يكترى داراً مثل مشاهرة كل شهر بكذا أو كل سنة بكذا فإذا وقع العقد على هذا الوجه وأراد أحدهما فسخه فله ذلك في الدار ونحوها أما إذا كان المكترى أرضاً فتلزمهما السنة بجراثتها كما يلزمهما الكراء إذا حدت الشهور مثلاً بالعام كمن اكترى دارا ثلاث سنين كل سنة بكذا كما هو موجود عندنا فقوله كل سنة بكذا من المشاهرة وحدها بثلاث سنين وجيبة فهذا هو الوجه الثالث وحكمه حكم الأول وليس مستغنى عنه لأنه نوع بخصوصه. وإذا فسخ الكراء في المشاهرة فإن المكتري يدفع للمكري كراء قدر المدة التي سكنها فإن نقد شيئاً من الكراء وسكن بعض المدة فإنه يلزمه أن يسكن بقدر ما نقده في المستقبل ولو تراضينا على الفسخ فليس لهما ذلك لأنه كراء وسلف كما تقدم عند قوله
وسوغت إقالة فيما اكتري ... إن لم يكن أعطى الكراء المكتري
فإن لم يسكن جاز كمن لم يعط الكراء أصلا كما مر (تنبيه) ظاهر النظم إن من أراد أن يحل ما أنعقد من الكراء كان له ذلك سواء سكن بعض المدة التي سماها أم لا إلا إذا نقد كراها أو كان المكترى أرضا وحرثها فإنه يلزمه وهو كذلك على القول المشهور ومقابله قولان (أحدهما) إنه يلزمهما أقل ما سمياه فإن قال كل شهر بكذا لزمه شهر أو كل سنة بكذا لزمه في سنة (وثانيهما) إنه يلزمهما الأقل أن شرع في السكنى فإذا سكن بعض الشهر في المشاهرة أو بعض السنة في المسانهة ولو يوماً واحداً لزم كل منهما بقية الشهر أو السنة وليس لأحدهما الفسخ إلا برضى صاحبه هذا هو القول المعتمد وبه جرى العمل. وقوله حل الكراء فعل ونائب فاعل أي فسخ الكراء وقوله قدما فعل ماض مبني للنائب وألفه للإطلاق وألفه للإطلاق كألف لزما قال
(وشرط ما في الدار من نوع الثمر ... إذا بدا الصلاح فيه معتبر)
(وغير بادي الطيب أن قل اشترط ... حيث يطيب قبل ما له ارتبط)
(وما كنحل أو حمام مطلقاً ... دخوله في الأكترآء متقى)
стр. 540
يعني أن من أراد كراء دار فيها شجر أو نحل أو حمام وأراد اشتراطه وضمه إلى الدار ففيه تفصيل وهو أن الشجر إذا كان فيه ثمر قد بدا صلاحه جاز اشتراط ثمره قليلا كان أو كثيراً لأنه جائز البيع وجمع البيع مع الكراء غير ممنوع وإن كانت الأشجار فيها ثمر لم يبد صلاحه أو ليس فيها ثمار أصلا جاز اشتراطها أيضاً لاكن بشرط أن تكون قليلة قدر ثلث مجموع الكراء مع قيمة الثمرة وتطيب قبل انقضاء مدة الكراء وإنما جاز اشتراطها مع عدم وجودها أو كانت موجودة ولم يبد صلاحها وإن بيعها قبل ذلك لا يجوز لأنها محل ضرورة. وإما النحل وطير الحمام فلا يجوز اشتراطهما مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً لأنهما ليسا من نفس الدار كالشجر. وقوله قبل ما له ارتبط أي قبل انقضاء الأمد الذي ارتبط إليه فاللام في له بمعنى إلى واشترط وارتبط مبنيان للنائب وضميرهما يعود على غير بادي الطيب قال
(وجاز شرط النقد في الأرجاء ... بحيث لا يخشى انقطاع الماء)
(وبالدقيق والطعام تكترى ... والبد بالزيت وينقد الكرا)
يعني أن اشتراط النقد في كراء الرحي إذا أمن انقطاع الماء الذي تطحن به كما إذا كانت تطحن بالدواب جائز فغن لم يؤمن انقطاع الماء لم يجز تعجيل النقد إلا تطوعا وإنه يجوز كراء الرحي بالدقيق وكرا البد بالزيت وتعجيل الكراء بشرط وبلا شرط وقوله الأرحاء بفتح الهمزة جمع رحى وتكترى مبني للنائب والبد بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال المهملة المعصرة قال
﴿فصل في كراء الأرض وفي الجائحة فيه﴾
أي هذا فصل في بيان ما يجوز كراء الأرض به وما لا يجوز وبيان ما يكون جائحة في الكراء وما لا يكون جائحة وبدا بالأول فقال
(والأرض لا تكرى بجزء تخرجه ... والفسخ مع كراء مثل مخرجة)
стр. 541
ولا بما تنبته غير الخشب ... من غير مزروع بها أو القصب)
(ولا بما كان من المطعوم ... كالشهد واللبن واللحوم)
يعني أن الأرض لا يجوز أن تكرى بجزء مما تخرجه مما زرع فيها ككرائها لمن يزرعها قمحاً أو خضراً ونحوهما على أن لربها الربع منه مثلاً أو بما تنبته مما هو من روع في غيرهما كقطن وكتان لا يصلحان للزراعة فيها وأولى في المنع إذا كانا يصلحان للزراعة فيها إلا الخشب والقصب ونحوهما من صنوبر وحلفاء وغير ذلك من الأشجار والنباتات التي يطول مكثها في الأرض فإنه يجوز كراؤها به. وإنه لا يجوز كراؤها بالطعام وسواء كان مما يخرج منها كالقمح والبطيخ والفلفل والملح ونحوها أو لا ينبت فيها ولا يخرج منها كالشهد واللبن واللحم فإنه إذا وقع كراؤها بذلك كله وعثر عليه قبل الفوات فسخ وإن فات فعلى المكتري كراء مثلها ليخرج به المتكاريان من منع كراء الأرض بالطعام ونحوه مما تقدم. وحاصل مذهب مالك رضي الله تعالى عنه أن الأرض لا تكرى إلا بالدنانير والدراهم والعروض وغيرها من أقسام البيع ما عدا الطعام وما الحق به وما تنبته مما لا تطول إقامته فيها. وذهب بعض العلماء إلى جواز كرائها بكل شيء ولو طعاما أو جزءاً مما يخرج منها وبه قال الليث وتبعه على ذلك جمهور علماء الأندلس قال ابن رحال وهو الراجل ويجوز الإقدام عليه ابتداء وقيل غير ذلك كما هو مبسوط في المقدمات. وقول الناظم مخرج بفتح الميم والراء أي تلك القيمة هي وجه الخروج من المنع وغير منصوب على الاستثناء من عموم ما أو على الحال والخشب بفتحتين والشهد بضم الشين وفتحها معروف واحدته شهدة بفتح الشين وكسرها قال
(وتكترى الأرض لمدة تحد ... من سنة والعشر منتهى الأمد)
يعني إنه يجوز كراء الأرض لمدة محدودة أقلها بما يتاتي الانتفاع به كسنة وأكثرها عشر سنين كما قال الناظم وسواء كانت أرض بعل أو سقي. وقال المتيطي الذي
стр. 542
عليه العمل وبه الحكم إنه يجوز كراء الرباع العشر سنين والعشرين سنة وأزيد من ذلك ولا بأس بتعجيل الوجبة كلها اهـ وفي تعجيل الكراء تفصيل وهو أن كان تعجيله وطعاً جاز مطلقاً وإن كان بشرط جاز النقد في الأرض المأمونة الري دون غيرها ولا يجبر المكتري على دفع الكراء إلا إذا رويت الأرض رية لا تحتاج معها إلى زيادة قال
(وإن تكن شجرة بموضع ... جاز أكتراؤها بحكم التبع)
يعني أن من اكترى أرضاً وفيها شجرة أو أكثر فإنه يجوز للمكتري أن يشترط ثمرها لنفسه لأنها تابعة للأرض غير مقصودة لذاتها وتقدم شرط الجواز عند قوله وشرط ما في الدار من نوع الثمر البيت فما كان هناك يكون هنا نصاً سواء وكررها هنا للتنصيص على حكمها خوفاً من أن يتوهم أن حكمهما مختلف على أن التنصيص في كل شيء مطلوب بقدر الإمكان حتى لا يكون بعد البيان قال
(ومكتر أرضاً وبعد أن حصد ... أصاب زرعه انتثار بالبرد)
(فنابت بعد من المنتثر ... هو لرب الأرض لا للمكتري)
يعني أن من أكترى أرضاً فزرعها ولما تم الزرع وحصده أو أراد حصاده أصابه البرد بفتحتين وهو المعروف عندنا بالحجر فانتثر حبه فيها ثم نبت في العام القابل فإنه يكون لرب الأرض كالذي جره السيل إليه لا للمكتري هذا هو المشهور بناء على أن الأرض مستهلكة وأما على أنها مربية فهو للمكتري وعليه كراء السنة كما إذا زرعه ولم ينبت ثم نبت في العام القابل فعليه كراء السنة الماضية وكراء السنة التي هو فيها إن كان لغير عطش أما إذا كان لعطش فعليه كراء عام واحد وبعد أن بفتح دال بعد وهمزة أن وبعد الثانية بالبناء على الضم والمنتثر بكسر الثاء المثلثة قال
_وجائز كراء الأرض بالسنه ... والشهر في زراعة معينه)
يعني إنه يجوز كراء الأرض لمدة معينة كشهر أو سنة في التي تزرع بطونا من الخضر
стр. 543
والبقول بكراء معين فإن تمت المدة وله فيها زرع لم يستكمل فليس لرب الأرض قلعه وعليه تركه إلى تمامه وعلى المكتري كراء مدة استكماله على حساب ما أكترى ثم شرع في الثاني وهو الجائحة فقال
(وبتو إلي القحط والأمطار ... جائحة الكرا ومثل الفار)
(ويسقط الكرآء إما جمله ... أو بحساب ما الفساد حله)
(وليس يسقط الكرا في موجد ... بمثل صر أو بمثل برد)
يعني أن من أكترى أرضاً للزراعة ولم يتمكن من الإزدراع ماء فيها بأن توالي عليها القحط والجدب بعدم المطر أو بتعذر إجراء العين أو إخراج ماء البئر أو توالت عليها الأمطار حتى غمرها الماء أو منعته فتنة من الإدزراع أو هلك الزرع بالفار والدود فإن الكرآء يسقط عن المكتري إما جملة حيث لم يتمكن من العمل فيها أو تمكن وهلك الجميع أو بقي شيء منه لا عبرة به في العادة لقلته وإن سلم منه ما له بال لزمه من الكراء بحساب ذلك وسقط عنه كراء ما لم يسلم ولو قل وإما إذا هلك الزرع لا بسبب الأرض ولا بما يرجع إليها كما إذا أصابه برد أو صر بكسر الصاد وهو البرد الشديد والجليد أو أصابه حر شديد أو غاصب أو سارق أو جيش أو جراد بعد الابان لا قبله ومنعه من الإزدراع خوف إذايته أو إذاية ولده ما ينبت فلا كراء عليه ثم قال
﴿فصل في أحكام من الكراء﴾
لو قال في كراء العروض وأحكام من الكراء لأنهما المذكوران في هذا الفعل لوفى بالمراد قاله التسولى وإلى الأول منهما أشار بقوله
(والعروض إن عرف عيناً فالكرا ... يجوز فيه كالسروج والفرا)
стр. 544
(ومكتر لذاك لا يضمن ما ... يتلف عنده سوى أن ظلما)
(وهو مصدق مع اليمين ... وإن يكن من ليس بالمأمون)
يعني إنه يجوز كراء ما تعرف عينه ولا يلتبس بغيره من العروض كالسروج والحلي والثياب والفراء وهو بالمد قصره لضرورة الوزن جمع فرو كدلو وهو ما يلبس من جلود السباع غالبا ومفهوم قوله أن عرف عيناً إن ما لا تعرف عينه من العروض كبعض الأواني والقدور ونحوها مما يقرب من المثليات جداً لا يجوز كراؤه لأنه قد يتصرف فيه بالبيع ونحوه ويرد مثله مع الكراء فيكون سلفاً جر نفعاً فيتهمان على ذلك من أول الأمر على أن يسلفه ماعوناً ويرد له مثله مع شيء ءاخر وهو الكراء في الظاهر وهو عين النفع. وما درج عليه الناظم من التفرقة بين ما تعرف عينه من العروض فيجوز كراؤه وما لا تعرف عينه فلا يجوز كراؤه هو أحد قولين في المسئلة ومقابله الجواز مطلقا وهو المشهور فحقه أن يقتصر عليه أو يذكر القولين معاً وينص على المشهور والعذر له رحمه الله تعالى وأما الدنانير والدراهم فهي غير داخلة في العروض فلا يصح أن تكون مفهوم الشرط إذ لا يصح كراؤها بحال لأن كراءها سلف بمنفعة ظاهر لا خفاء فيه وهو عين الريي ثم إن المكتري إذا ادعى ضياع ما أكتراه ولم تقم له بينة على ضياعه فإنه مصدق بيمينه سواء كان مأموناً أو غير مأمون فيحلف يميناً واحدة لقد ضاع وما أخفاه وإن ضياعه ليس بسببه ولا بتعديه ويبرأ من الضمان وعليه من الكراء قدر ما انتفع كما لو قامت على ضياعه بينة فإن نكل عن اليمين ضمنه مع جميع الكراء ولا تنقلب لأنها يمين تهمة كما لو تسبب في ضياعه ببينة أو باعترافه وقوله يتلف بفتح اللام وقوله أن بكسر الهمزة شرطية وظلما فعل الشرط وألفه للإطلاق وفاعله ضمير تقديره هو يعود على المكتري وجواب الشرط محذوف تقديره فإنه يضمن وإلى الثاني أشار بقوله
(والمكتري إن مات لم يحن كرا ... واستؤنف الكراء كيف قدرا)
стр. 545
(حيث أبي الوارث إتمام الأمد ... واستوجبوا أخذ المزيد في العدد)
(والنقص بين العددين إن وجد ... له وفآء من تراث من فقد)
يعني أن من أكترى عقاراً أو غيره لمدة معينة بكراء معين يدفعه مشاهرة فسكن بعض المدة ثم مات فإنه لا يحل عليه كراء ما لم يسكنه بل يبقى على حاله ثم إن التزمت الورثة بأداء الكراء من أموالهم فلهم ذلك لأن كل من مات عن حق فهو لورثته ويتنزلون منزلته وإن لم يريدوا ذلك وامتنعوا من قبوله فلرب الدار إقالتهم وله استئناف كرائها لما بقي من المدة المضروبة مع الميت فإذا وقعت المناداة عليها ووقف السوم وانتهى فإن كانت فيه زيادة فهي مستوجية للورثة وإن كان فيه نقص عن الكراء الذي أكترى به الميت وقف من تركته قدر النقص ويدفع للمكري عند وجوبه فإن لم يوجد له وفآء في التركة فهي مصيبة نزلت به ولا يرجع على الورثة بشيء (تنبيه) إذا أكرى مستحق وقف ومات قبل انقضاء مدة الكراء وانتقل الاستحقاق لمن في طبقته أو لمن يليه ولو بقي من المدة يسير انفسخ الكراء فيما بقي بخلاف موت الناظر إذا لم يكن من أهل الوقف أو المالك فإنه لا ينفسخ لأن المالك له التصرف في نقل النفعة أبدا ومستحق الوقف إنما له التصرف فيها مدة حياته فقد تبين إنه أكرى ملكه وملك غيره كذا في الحطاب وغيره (وقوله) لم يحن بالنون من حان بمعنى حل فلو عبر بيحل باللام لكان أولى بالمبتدي. وقوله والنقص بين العددين أي بين العدد الأول الذي وقع الكراء به للمين والعدد الثاني الذي وقع الكراء به بعد موته. وقوله تراث بضم أوله معناه مال قاله الله تعالى ويأكلون التراث أكلاً لما الاية قال
(وفي امرئى ممتع في المال ... يموت قبل وقت الاستغلال)
(وقامت الزوجة تطلب الكرا ... قولان والفرق لمن تأخرا)
(وحالة المنع هي المستوضحة ... وشيخنا أبو سعيد رجحه)
стр. 546
(وشيخه محمد بن بكر ... إلى الممات مال عند النظر)
(فإن تكن والإزدراع قد مضى ... ابانه فلا كراء يقتضى)
(وإن تكن ووقت الإزدراع ... باق فما الكرآء ذو امتناع)
الأبيات الستة يعني أن من متعته زوجته بنحو أرض يستغلها ثم يموت بعد الإزدراع وقبل الاستغلال الذي هو يبس الزرع ثم تقوم الزوجة على الورثة تطلب كراء أرضها على الأيام الباقية بعد موت زوجها إلى إنتهاء الزرع لأنها متعت زوجها لا ورثته ونازعها الورثة في ذلك ففي المسئلة ثلاثة أقوال (أحدها) لا كراء لها ورحجه أبو سعيد فرج أبن لب وارتضاه الناظم حيث قال (وحالة المنع هي المستوضحة الخ) تبعاً لشيخه أبي سعيد ووجه رجحانه أن الزوج لما حرث الأرض حاز منفعة السنة كلها فلهذا كانت حالة المنع مستوضحة (ثانيها) لها كراء تلك المدة لأنها متعت زوجها لا ورثته كما قالت ولا يسقط حقها إلا بالأمر البين (ثالثها) الفرق بين أن يموت بعد فوات وقت الإزدراع فلا كراء لها وقبل فواته فلها كراء ما بقي إلى الطيب وهذا القول لأبي عبد الله محمد بن بكر بفتح الباء وتشديد الكاف شيخ أبي سعيد بن لب كما قال الناظم ورجع قوله ومال إليه عند النظر والتأمل واستمر على اختياره ولم يتغير فيه اجتهاده إلى أن مات. وإليه أشار الناظم بقوله (والفرق لمن تأخرا) ثم فسر الفرق بقوله (فإن تكن والإزدراع قد مضى) الخ البيتين فكان على الناظم أن يقدمها على البيتين قبلهما لما فيهما من تفسير القول الثالث ويكون الكلام هكذا والفرق لمن تأخرا ... فإن تكن والإزدراع قد مضى الخ وضمير تكن يعود على الوفاة قال
(وفي الطلاق زرعه للزراع ... ثم الكراء ما له من مانع)
(وخيرت في الحرث في إعطاء ... قيمته والأخذ للكراء)
стр. 547
يعني أن من طلق زوجته بعد زرع الأرض التي متعته بها وقبل انتهاء الزرع فإن زرعه يكون له ويلزمه من الكراء بقدر مدة ما بين وقت الطلاق ووقت الحصاد تنسب تلك المدة من العام ويؤخذ هذا الكرآء على قدر تلك النسبة كما في ابن سلمون وسيأتي إنه لا شيء لها بعد التناهي فإن حرث الأرض ولم يزرعها كانت الزوجة مخيرة في إعطاء قيمة الحرث وتتمسك بمنفعة أرضها أو تسليمها للزوج وأخذ الكراء منه قال
(وحيثما الزوجة ماتت فالكرا ... على الأصح لازم من عمرا)
(بقدر ما بقي للحصاد ... من بعد رعي حظه المعتاد)
يعني أن من متعته زوجته أرضاً يستغلها ثم ماتت بعد أن عمرها بالإزدراع وقبل انتهاء الزرع قام عليه ورثتها يطلونه بكراء باقي المدة وامتنع الزوج من ذلك فالحكم في النازلة أن الزوج يلزمه كراء باقي المدة من يوم موتها إلى حصاد الزرع من بعد طرح حضه المعتاد له في الإرث من نصف أو ربع على القول الأصح لأنها أعطته منفعة ما تملك وقد انتهى ملكها بموتها ومقابل الأصح لا شيء على الزوج من الكراء وهو قول ابن لب في الفرع المتقدم وقيل ينظر إلى زمن موتها فإن كان قبل انقطاع الابان فالكراء وإن كان بعدا لإنقطاع فلا كراء وهو ما أختاره ابن بكر وإن كان بعد الحرث فقط خير الوارث في دفع قيمة الحرث وأخذ الأرض أو تسليمها للزوج وأخذ الكراء ففي هذا الفرع الأقوال الثلاثة المتقدمة وخالف الناظم شيخه فيه لعله ثم فرق بين حياتها وموتها والله أعلم هذا كله إذا وقع الموت أو الطلاق قبل انتهاء الزرع وأما إذا وقع بعد تناهيه فقد أشار الناظم إلى حكمه فقال
(وأن تقع وقد تناهى الفرقة ... فالزوج دون شيء استحقه)
(ونزل الوارث في التأنيث ... وعكسه منزلة الموروث)
يعني أن الزوجين إذا وقعت الفرقة بينهما بموت أحدهما أو بموتهما أو بطلاق بعد
стр. 548
انتهاء الزرع ويبسه فإن الزوج أو وارثه استحق الزرع بدون شيء وقوله ونزل الورث البيت (قال) ابن سلمون وحكم ورثة من مات منهما حكم موروثه إن كان انقطاع الزوجية بينهما بالموت اهـ وقول الناظم الفرقة فاعل تقع وجملة وقد تناهى حال من الفاعل (ثم) قام يتكلم على اختلاف المتكاريين فقال
﴿فصل في اختلاف المكري والمكتري﴾
واختلافهما أما في قدر المدة أو في قدر الكراء أو في القبض ولم يذكر الاختلاف في أصل العقد بأن ادعى رجل على ءاخر كراء شيء فأنكره فلو قال الناظم
والمدعي اكتراء شيء أو كرا ... تلزمه بينة إن انكرا
فإن نفاها يحلف المنكر أو ... يقلبها عن خصمه كما رووا
فإن نفاها المدعي ونكلا ... عن اليمين قوله قد بطلا
ويقول
(القول للمكري مع الحلف اعتمد ... في مدة الكراء حيث ينتقد)
(ومع سكنى مكتر وما نقد ... تحالفا والفسخ في باقي الأمد)
(ثم يؤدي ما عليه حلفا ... في أمد السكنى الذي قد سلفا)
(وأن يكونا قبل سكنى اختلفا ... فالفسخ مهما نكلا أو حلفا)
(والقول في ذلك قول الحالف ... وفي لاحق الزمان أو في السالف)
الأبيات الخمسة يعني أن المتكاريين إذا اتفقا على عقد الكراء وقدر العوض واختلفا في قدر المدة فقال المكري شهر واحد وقال المكتري بل شهران اثنان ولم تكن لوحد منهما بينة فإن القول للمكري بيمينه إذا قبض الكراء الذي هو متفق عليه وظاهره سواء سكن المكتري الشهر الذي يدعيه المكري أو لم يسكن اشبهت دعواه
стр. 549
أم لا لاكن الظاهر بل المتعين اعتبار الشبه وسواء اشبه المكنري أم لا وهو أمر لا يخفى أما أن سكن الكتري الشهرين في المثال المذكور فيكون القول له لأن جانبه ترجح بحيازة السكنى التي يدعيها ومفهوم قوله حيث ينتقد أن الكراء إذا لم ينتقد والمكتري ساكن في الدار فإنهما يتحالفان ويبدأ المكتري باليمين فإذا حلفا معاً أو نكلا معاً فسخ العقد في باقي المدة ثم يؤدي المكتري ما حلف عليه في مدة السكنى التي سلفت وإذا حلف أحدهما ونكل الأخر قضي للحالف على الناكل كما يأتي. وأن كان اختلافهما قبل السكنى والمكتري لم ينقد شيئاً من الكراء كما هو موضوع المسألة فالكم في ذلك الفسخ أيضاً إذا حلفا أو نكلا ويقضي للحالف على الناكل كما مر ومن تمام هذه الأبيات قوله الآتي كذلك حكمه مع ادعائه البيت الخامس مبيناً. وقوله الحلف بسكون اللام. وقوله اعتمد مبنى للنائب وألف حلفاً في البيت الثالث للإطلاق وفيه ضمير يعود على مكترِ. وقوله في لاحق الزمان أو في السالف مختص بالاختلاف بعد السكنى ثم اشار إلى اختلافهما في قدر الكراء فقال
(وإن يكن في القدر قبل السكنى ... تحالفا والفسخ بعد سنا)
(وإن يكن من بعد سكنى اقسما ... وفسخ باقي مدة قد لزما)
(وحصة السكنى يؤدي المكتري ... إن كان لم ينقد لباقي الأشهر)
(والقول من بعد انقضاء الأمد ... للمكتري والحلف إن لم ينقد)
(كذاك حكمه مع إدعائه ... لقدر باقي مدة اكترائه)
يعني أن المتكاريين إذا اختلفا في قدر الكراء فقط كان يقول المكتري كراء المسكن مثلاً عشرون للشهر ويقول المكتري بل بخمسة عشر للشهر ولم تكن بينة لكل منهما تصدته في دعواه قفي ذلك تفصيل يرجع إلى ثلاثة أحوال (أحدها) أن يختلفا قبل السكنى ففي هذا يتحالفان والبداءة بالمكري كما مر ويتفاسخان ونكولهما كحلفهما ويقضي
стр. 550
للحالف على الناكل كما تقدم (ثانيها) أن يختلفا بعد الشروع في السكنى ففي هذا الحال يتحالفان أيضاً على نحو ما تقدم ويفسخ الكراء فيما بقي من الدة ويؤدي الكتري كراء ما سكن على حساب ما حلف عليه إذا لم ينقد الكراء لماضي المدة فإن نقد لها قدراً معلوماً كان القول قول المكري (ثالثها) أن يختلفا بعد انقضاء أمد السكني ففي هذا الحال يكون القول في ذلك قول المكتري مع يمينه مع الشبه أما أن اتفقا على قدر المدة واختلفا في انقضائها لعدم اتفاقهما على مبدئها فهي مسئلة أخرى تضمن معناها البيت الأخير والحكم فيها أن القول للمكتري بيمينه وله قلبها على المكري فإن نكل عنها قضي للمكتري بما قاله فالتشبه في قوله كذاك راجع لكون القول قول المكتري المفهوم من اكترائه بيمينه وعليه ترجع الضمائر الثلاثة في حكمه وإدعائه واكترائه فالبيت الأخير من تمام ما اشتملت عليه الأبيات السابقة على هذه الأبيات فكان على الناظم ذكرها هناك وإنما ذكرته متصلاً بهذه ولم نفصله عنها كما فعل الشيخ ميارة خوفاً من طول الفصل بالشرح والمشروح بين المشبه والمشبه به فيتحير الطالب. وقوله سنا ءاخر البيت الأول بضم السين وألفه للإطلاق معناه شرع ثم أخذ يتكلم عل باختلافهما في القبض والجنس فقال
(والقول في القبض وفي الجنس لمن ... شاهده مع حلفه حال الزمن)
يعني أن المتكاريين إذا اختلفا في قبض الكراء أو في جنسه أو فيهما معا ولم تكن لواحد منهما بينة فإن القول لمن شهد له حال الزمن والمكان بيمينه بناء على أن العرف كشاهد واحد ففي الاختلاف في قبض الكراء يعتبر فيه الزمان قرباً وبعداً أو العادة وفي الاختلاف في الجنس يعتبر فيه تعامل أهل المكان في ذلك الزمان أيضا. وقوله شاهده مبتدأ وحال الزمن خبره والجملة صلة من ومع حلفه بسكون اللام متعلق بمحذوف حال من القول ثم شرع يتكلم على كراء الرواحل والسفن فقال
стр. 551
﴿فصل في كراء الرواحل والسفن﴾
فالرواحل جمع راحلة وهي الناقة النجيبة والمراد بها هنا الدابة من حيث هي والسفن جمع سفينة وفصلهما عما قبلهما لأن لهما إحكاماً تخصهما وقد شرع في بيانها فقال
(وفي الرواحل الكراء والسفن ... على الضمان أو بتعيين حسن)
(ويمنع التجيل في المضمون ... ومطلقاً جاز بذي التعيين)
يعني أن كراء الرواحل والسفن على ضربين مضمون ومعين ولكل واحد منهما أحكام تخصه فالكراء المضمونهو الذي لم تعين فيه الدابة أو السفينة بالإشارة إليها كأن يقول إنسان لأخر اكتري منك دابتك أو سفينتك أو دابة أو سفينة ولو كانت حاضرة بالمجلس حيث لم تعين بالإشارة إليها ولو كان المكتري يعرفها قبل ذلك ولا يجوز في هذا العقد تأخير الكراء كما قال الناظم لأنه يؤدي إلى دين بدين وحينئذ فلا بد من تعجيله إلا إذا شرع في السفر وكما لا يلزم تعيين المركوب لا يلزم تعيين الراكب لا بشخصه ولا بصنفه عند عقد الكراء بل يصح عقده على حمل آدمي لاكن لا يلزمه حمل عظيم الجثة أو المريض ونحوهما في كراء الدابة بخلاف ما لو وقع العقد على حمل رجل فأتى له بامرأة فله الامتناع من حملها فإذا ماتت الدابة أو تعيبت فأن المكري يلزمه أن يأتي بغيرها للمكتري جباً عليه لعدم فسخ الكراء لأنه مضمون بخلاف المعين كما يأتي إلا إنه إذا قدم له دابة فركبها فليس له أن يأتي للمكتري بمثلها إلا برضاه وإذا مات الراكب أو تعذر ركوبه لم ينفسخ الكراء وإن ورثته أو الحاكم يكترون مكانه غيره ممن هو مساو له أو دون (والكراء) المعين هو ما كانت الدابة أو السفينة حاضرة فيه وأشير إليها كهذه الدابة أو هاته السفينة ويجوز أن يكون الكراء فيه نقداً أو مؤجلا كما قال الناظم فإذا ماتت الدابة أو تعذر سيرها قبل إتمام المسافة انفسخ الكراء ويرجعان إلى المحاسبة بحساب ما سار من الطريق وما بقي منها سهولة
стр. 552
وصعوبة ويجوز له قبول غيرها أن لم ينقد الكراء أو نقد واضطر كما إذا كان في مفازة ونحوها من المواضع التي لا يجد فيها دابة (وقوله) وفي الرواحل متعلق بمحذوف خبر مقدم والسفن معطوف عليه الكراء مبتدأ مؤخر. وقوله حسن بضم السين فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود على تعيين والجملة من الفعل والفاعل صفة لتعيين قال
(وحيث مكتر لعذر يرجع ... فلازم له الكراء اجمع)
يعني أن من اكترى دابة أو سفينة لركوب ونحوه إلى موضع كذا بكراء معلوم قم حصل له عذر كمرض يمنعه من الانتفاع بما اكتراه فإن الكراء لازم له ولا ينقص عليه منه شيء. ومفهوم قوله لعذر إنه إذا تخلف لغير عذر فإن الكراء كله يلزمه من باب أولى وله كراء الدابة ونحوها في مثل ما اكتراها له وإذا مات فلورثته أو الحاكم ذلك كما تقدم قال
(وواجب تعيين وقت السفر ... في السفن والمقر للذي اكتري)
(وهو على البلاغ أن شيء جرى ... فيها فلا شيء له من الكرا)
يعني أن من اكترى سفينة ومثلها الدابة فالواجب عليه أن يعين وقت السفر لاختلاف الأزمنة بالنسبة لوقت السفر وعظم الخطر في بعضها دون بعض فإذا وقع تعيينه علم كل واحد من المتكاريين قدر الكراء مما يزيده حال الزمان وينقصه ويجب عليه أيضاً تعيين المحل الذي أراد السفر إليه وهو الذي عبر عنه الناظم بالمقر وإن كراءها على البلاغ كالجعل فإنه لا أجرة فيه إلا بإتمام العمل فإن غرقت السفينة في اثناء الطريق فلا كراء وإن شحطت فلا كراء أيضاً ما لم يقرب محل النزول وإلا فيلزمه من الكراء قدر ما انتفع به ولا ضمان على صاحبه إذا غرق ما فيها من طعام وغيره حيث لم يتسبب في ذلك وإلا ضمنه وقوله السفن بسكون الفاء وقوله فيها الضمير يعود على السفن وضمير له يعود عل ىلمكري (ولما) فرغ من الكلام عل ىلكراء شرع يتكلم على الإجارة فقال
стр. 553
﴿فصل في الإجارة﴾
قد تقدم أول باب الكراء أن العقد على منفعة غير الآدمي يسمى كراء في الاصطلاح والعقد على منفعة الآدمي يسمى جعلا أو إجارة وأبحاثها ستة (الأول) في معناها لغة وإصطلاحاً (والثاني) في أصل مشروعيتها (والثالث) في حكمها (والرابع) في حكمتها (والخامس) في أركانها (والسادس) في مسائلها (فأما) معناها في اللغة فقال في القاموس الأجر الجزاء على العمل كالإجارة مثلثه اهـ (وقال) القرافي في الذخيرة ويقال آجر بالمد والقصر فأنكر بعضهم المد وهو منقول ولما كان أصل هذه المادة الثواب على الأعمال وهي منافع خصصت الإجارة ببيع المنافع على قاعدة العرف في تخصيص كل نوع تحت جنس باسم ليحصل التعارف عند الخطاب قال وقد غلب وضع الفعالة بالكسر للصنائع نحو الصناعة والخياطة والتجارة والفعالة بالفتح لأخلاق النفوس نحو السماحة والشجاعة والفصاحة والفعالة بالضم لما يطرح من المحقرات نحو الكناسة والقلامة والفضالة والنخالة كذا في الحطاب. ومعناها في الاصطلاح فقال فيه ابن عرفه بيع منفعة ما أمكن نقله غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشيء عنها بعضه يتبعض بتبعيضها اهـ فأخرج بقوله منفعة الذوات. وأخرج بقوله ما أمكن نقله كراء الدور والأرضين. واخرج بقوله غير سفينة كراء السفن وغير منصوب على الحال. وأخرج بقوله ولا حيوان لا يعقل كراء الرواحل فإن ذلك كله من باب الكراء لا من باب الإجارة وأما بيع منفعة الحيوان العاقل فهي الإجارة المقصودة بالتعريف (وقوله) بعوض هو أحد أركان الإجارة ثم وصفه بكونه غير ناشيء عنها ليخرج به القراض والمساقاة والمغارسة. وأخرج بقوله يتبعض بتبعيضها الجعل. وقوله بعضه ضميره يعود على العوض وضمير بتبعيضها يرجع إلى الإجارة أي يتبعض عملها (قال) الإمام ابن عرفة إنما ذكرته خوفاً من نقض عكس الحد أي يكون غير جامع لأجل قوله تعالى إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على
стр. 554
أن تأجرني ثماني حجج لأن هذه الصورة اجمعوا على أنها إجارة عوضها البضع وهو لا يتبعض فلو اسقطت قولى بعضه وقلت بتبعض بتبعيضها لخرجت هذه الصورة من الحد فكان غير منعكس اهـ رصاع. وعرفها ابن راشد فقال حقيقة الإجارة تمليك منفعة عين معلومة زمنا معلوما بعوض اهـ (وأما) الأصل في مشروعيتها فبالكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى فإن ارضعن لكم فئاتوهن أجورهن وقوله تعالى إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي الآية المتقدمة (وأما) السنة فقد فعلها النبي ﷺ وفعلها الصحابة وقال ﵊ من استأجر اجيراً فليعلمه أجره وقال ﷺ ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطي بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر جيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره رواه البخاري (وفيه) حديث الرقية بالفاتحة المشهوران أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله (وأما) حكمها فقال ابن عرفة هي جائزة إجماعاً. وقال ابن العربي وأنكرها الأصم وهو عن الشريعة أصم. وقال الصقلي خلاف الأصم فيها لغو لأنه مبتدع. وقال ابن راشد حكمها الجواز ابتداء واللزوم بنفس العقد ما لم يقترن بها ما يفسدها كالسلف كان يدفع لحائك ينسج له ثوباً بعشرة على أن يسلفه رطلا من غزل وذلك غير جائز لأنه سلف وإجاره (وأما) الحكمة في مشروعيتها فلتتعاون ودفع الحاجات وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله ورفعا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً الاية (وقال) ابن العربي أن الله سبحانه شرع البيع والابتياع في الأموال لاختلاف الأغراض وتبدل الأحوال فلما دعت الحاجة إلى انتقال الأملاك شرع لها سبيل البيع وبين أحكامه ولما كانت المنافع كالأموال في الحاجة إلى استفائها إذ لا يقدر كل أحد أن يتصرف لنفسه في جميع أغراضه نصب الله تعالى الإجارة في استفاء المنافع بالأعواض لما في ذلك من حصول الأغراض اهـ (وأما) أركانها فستة العقد والمستأجر والأجير والأجرة والمنفعة والصغة (أما) العقد فيشترط فيه أن لا يكون في وقت نهي وأن لا يقترن به ما يفسده كما مر (وأما) المستأجر والأجير المعبر عنهما بالعاقد
стр. 555
فشرط صحة عقدهما التمييز ولزومه الرشد (وأما الأجرة) فهي كالثمن فيما يحل ويحرم هذا هو المذهب قال ابن عبد البر في الاستذكار وذهب أهل الظاهر وطائفة من السلف إلى جواز المجهولات في الإجارة من البدل وأجازوا أن يعطي حماره لمن يسقي عليه أو يعمل بنصف ما يرزق بسعيه على ظهره ويعطي الحمام لمن ينظر فيه بجزء منه مما يحصل منه كل يوم قياساً على القراض والمساقاة قالوا وأباح الله إجارة المرضع وما يأخذه الصبي من لبنها مع اختلاف أحوال الصبيان في الرضاع واختلاف البان النساء وورد القرءان بجوازه اهـ مواق وفي هاته الرواية فسحة لمن جرت عادتهم بذلك للضرورة. وأما المنفعة فيشترط فيها أن تكون معلومة تتقوم وأن تكون مباحة وأن يقدر على تسليمها وأن تكون مما تحصل به المنفعة للمستأجر فلا تصح الإجارة على منفعة مجهولة وقولي تتقوم احترازا من منفعة الجعالة فإنها لا تتقوم ولا تصح ايضاً الإجارة على صياغة أواني الذهب والفضة ولا على الغناء والنياحة ولا استئجار الأعمى للخط ولا الأخرس للخصام ولا الاستئجار على العبادات كالصوم والصلاة (فائدة) مرتبة على قولي تتقوم قال ابن العربي الفرق بين الإجارة والجعالة أن الإجارة يتقدر فيها العوض والمعوض من الجهتين والجعالة يتقدر فيها الجعل والعمل غير مقدر اهـ (وأما) الصيغة فهي التلفظ بمادة الإجارة أو ما يقوم مقامها من كل ما يدل على الرضى كالبيع وقد نظمت هذه الأركان فقلت
أركانها عقد وأجر منفعه ... وءاجر ومؤجر لينفعه
وصيفة ومثلها ما يكتفي ... به عن اللفظ يكون ذا وفا
(وأما) مسائلها فهي كثيرة وقد ذكر الناظم منها ما تدعو حاجة الحكام إليه وهو المقصود من هذا الرجز فقال
(العمل المعلوم من تعيينه ... يجوز فيه الأجر مع تبيينه)
(وللأجير أجرة مكمله ... إن تم أو بقدر ما قد عمله)
стр. 556
يعني أن الإجارة جائزة بشرط تعيين العمل كخياطة وبناء ورضاع ورعي غنم ونحوها وبيان قدر الأجر وجنسه وصفته بياناً حقيقاً أو حكمياً كما إذا كانت عادة قوم إعطاء اجر معلوم على عمل معلوم لا يزيد عنه ولا ينقص بحيث لا يقع فيه بين الأجير والمستأجر نزاع فإنه يجزئى عن البيان بالكلام والغالب في هذا أن يكون في الأمور التي ليس لها بال ثم أن أتم الأجير عمله أستحق أجرته كاملة وإن لم يتمه كان له من الأجرة بقدر عمله وسواء كان عدم الإتمام لعذر أو لغير عذر على القول المشهور المعمول به ويجبر على إتمام العمل كرضاع ونحوه إن كان لغير عذر لأن عقد الإجارة لازم لكل واحد منهما كالبيع فإذا حصل السكوت حتى انقضى الأجل انفسخت الإجارة فيما بطل وليس عليه قضاءه بأيام آخر وله أجرته على قدر عمله كما مر ثم شرع يتكلم على اختلاف المتئاجرين فقال
(والقول للعامل حيث يختلف ... في شأنها قبل الفراغ إن حلف)
(وإن جرى النزاع قبل العمل ... تحالفا والفسخ بين جلي)
يعني أن العامل والمعمول له إذا اختلفا في شأن الأجرة ففيه تفصيل وهو إن كان اختلافهما بعد الفراغ من العمل فالقول قول العامل بيمينه إذا أدعى ما يشبه وسواء أدعى المعمول له ما يشبه أم لا وإلا رد لأجرة مثله أن لم يدع المعمول له ما يشبه وإلا كان القول له بيمينه ويقضى للحالف على الناكل وإن كان اختلافهما قبل العمل تحالفا وفسخت الإجارة بينهما ونكولهما كحلفهما ويقضى للحالف على الناكل كما تقدم وهذا كله مع عدم البينة وإلا كان العمل عليها. وقول الناظم يختلف بالبناء للنائب وتعبيره بالشأن شامل لجميع الإختلافات التي تقع بين المتئاجرين فهو كالترجمة لما بعده وإليه أشار الناظم بقوله
(وإن يكن في صفة المصنوع ... أو نوعه النزاع ذا وقوع)
стр. 557
(فالقول للصانع من بعد الحلف ... وذاك في مقدار أجره عرف)
(فإن يكن منه نكول حلفاً ... رب المتاع وله ما وصفا)
يعني أن الصانع والمصنوع له إذا تنازعا في صفة المصنوع أو في نوعه أو في قدر الأجرة ولم تكن بينة لواحد منهما في ذلك فأن القول في الفروع الثلاثة قول الصانع بيمينه فإن نكل عن اليمين حلف المصنوع له ويقضى له بما قال فأن نكل عنها قضي للصانع بما قال وألف حلفاً ووصفا للإطلاق قال
(والقول قول صاحب المتاع في ... تنازع في الرد مع حلف قفي)
يعني أن الصانع وصاحب المتاع إذا تنازعا في رد المتاع وعدم رده كان يقول الصانع رددت إليك متاعك ويقول صاحب المتاع لم ترده إلي فإن القول قول صاحب المتاع بيمينه وسواء قبض الصانع المتاع بأشهاد أم لا عمله بأجر أو بدون أجر هذا إذا كان من المنتصبين للصنعة بين الصنعة بين الناس لأنه ضامت وأما غير المنتصف فسيأتي الكلام عليه في فصل العارية قال
(والقول للأجير إن كان سأل ... بالقرب من فراغه أجر العمل.)
(بعد يمينه لمن يناكر ... وبعد طول يحلف المستاجر)
يعني أن الأجير والمستأجر إذا تنازعا في قبض الأجرة وعدم قبضها كان يقول الأجير ما دفع إلي المستأجر من أجرتي شيئاً وطلب الخلاص معه فيه وقال المستأجر في جوابه دفعت إليه أجره كاملاً ولم يبق له في ذمته من أجره شيء ففي المسئلة تفصيل وهو أن كان قيام الأجير بالقرب من فراغه من العمل كاليومين والثلاثة قالقول قوله بيمينه وإن كان قيامه بعد طول بأن زاد على الثلاثة أيام فالقول للمستأجر بيمينه هذا إذا توصل صاحب المتاع بمتاعه وإلا فالقول قول الأجير بيمينه ولو طال الزمان جدا قال
(والوصف من مستهلك لما تلف ... في يده يقضى به بعد الحلف)
стр. 558
(وشرطه إتيانه بمشبه ... وإن لجهل أو نكول ينتهي)
(فالقول قول خصمه في وصفه ... مستهلكا بمشبه مع حلفه)
يعني أن الصانع إذا ادعى هلاك الشيء المصنوع ولم تقم على هلاكه بينة فإنه يضمنه لاكن بشرطين أحدهما أن يكون من المنتصبين للصنعة بين الناس (وثانيهما) أن لا يكون الشيء المصنوع ببيت صاحبه أو بحضرته وإلا فلا ضمان عليه إلا إذا تسبب في هلاكه فإنه يضمنه سواء كان عمداً أو خطأ وسيأتي الكلام على غير المنتصب للصنعة والرامي وحارس الحمام وغيرهم في فصل العارية والوديعة والأمناء (ثم) أن أتفق الصانع والمصنوع له على صفة الشيء المستهلك فإنه يقول مثله إن كان من المثليات أو قيمته إن كان من المقومات وإن اختلفا في وصفه بأن وصفه مالكه بأحسن مما وصفه به صانعه فالقول للصانع بيمينه إنه كان على ما وصفه به إذا أتى بما يشبه فأن أتى بما لا يشبه أو أتى بما بشبه ونكل عن اليمين حلف رب المتاع وقضي له بما قال أن أشبه وإن لم يشبه واحد منهما أو جهلا صفته معاً فإن الصانع تلزمه قيمة شيء وسط من جنسه هذا إذا كان الصانع يعمل بنفسه إما إذا كانت له صناع يعملون بإشارته فإن كان هو الذي يتولى المعاملة والقبض والدفع فالخصومة معه والضمان عليه كما مر وإن كان الذي تولى ذلك هو الأجير فالخصومة معه والضمان عليه لا على مستأجره صاحب الحانوت كما في نوازل الإجارات من المعيار. وقول الناظم والوصف مبتدأ ومن مستهلك بكسر اللام سماه به لهلاك الشيء تحت يده بدعواه متعلق بمحذوف صفة للمبتدأ ولما تلف متعلق بالوصف وجملة يقضى به خبر المبتدأ وقوله في وصفه مستهلكا بفتح اللام ثم ذكر الناظم قاعدة في بيان ما يلزم مدعي الهلاك إذا ضمن فقال
(وكل من ضمن شيئاً أتلفه ... فهو مطالب به أن يخلفه)
(وفي ذوات المثل مثل يجب ... وقيمة في غيره تستوجب)
стр. 559
يعني أن كل من أدعى تلف شيء من المال تحت يده سواء كان صانعاً أو غيره ووجب عليه ضمانه فإنه مطلوب بأخلافه لربه فإن كان من المثليات لزمه مثله وإن كان من المقومات ضمن قيمته وقوله يخلفه بضم أوله وكسر ما قبل ءاخره من أخلف الرباعي وتستوجب بضم أوله وفتح ما قبل ءاخره مبني للنائب وصميره يعود على قيمة (ولما) فرغ من الكلام على الإجارة شرع في بيان الجعل فقال
﴿فصل في الجعل﴾
قال في المصباح والجعل بالضم الأجر يقال جعلت له جعلاً والجعالة بكسر الجيم وبعضهم يحكي التثليث والجعيلة مثل كريمة لغات في الجعل وأجعلت له بالألف أعطيته جعلاً فأجتعله هو إذا أخذه اهـ (وقال) الإمام ابن عرفة في تعريفه الجعل عقد معاوضة على عمل ءادمي يجب عوضه بتمامه لا بعضه ببعضه اهـ فقوله رحمه الله تعالى عقد جنس للمعرف وغيره من العقود. وقوله معاوضة يخرج به التبرعات كالصدقة. وقوله على عمل يخرج به العقد على الذوات. إضافة عمل إلى ءادمي يخرج به الكراء (وقوله) يجب عوضه بتمامه يخرج به القراض والمساقاة والمزارعة لجواز عدم الربح وعدم الغلة والزرع. وقوله لا بعضه ببعضه تخرج به الإجارة لوجوب بعض العوض إذا ترك الأجير العمل قبل تمامه كما تقدم.
وعرفه ابن راشد بقوله الجعل إعطاء أجرب في مقابلة عمل بشرط التمام. والأصل في مشروعية الكتاب والسنة (أما) الكتاب فقول الله تعالى قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير الآية فجعل لمن جاء بصواع الملك الذي فقدوه ادعاء حمل بعير من الطعام ولم يقدر له مدة ولم يقع تعيين أحد بخصوصه (وأما) السنة فقوله ﷺ يوح حنين من قتل قتيلاً فله سلبه. وحكمة مشروعيته الرفق ودفع الحاجة كما في لب اللباب. وأركانه خمسة العقد والعاقد والمعقود به والمعقود عليه والصيغة (أما) العقد فشرطه أن لا يقع في وقت نهي وأن لا يقترن بسلف كما
стр. 560
مر (وأما) العاقد فيتناول الجاعل والمجعول له ويشترط فيهما أهلية الاستيجار ولا يشترط في المجعول له أن يكون معيناً كما تقدم في الأية (وأما) المعقود به فيشترط فيه أن يكون معلوماً منتفعاً به طاهراً مقدوراً على تسليمه وفي جواز الجعل بجزء منه خلاف (وأما) المعقود عليه فيشترط فيه أن يكون مما لا يلزم المجعول له عمله فإن كان مما يلزمه لم يجز أخذ الجعل عليه كان يجد بعيراً شارداً لأن رده واجب عليه قال ابن سلمون ومن رد ءابقا أو ضالة من غير عمل فلا جعل له على رده ولا على دلالته لوجوب ذلك عليه اهـ. وأن يكون مما يجوز له عمله فلا يجوز الجعل على إتيان بخمر أو زانية. وأن يكون مما ينتفع به الجاعل على أحد قولين ولم ينقل ابن يونس إلا القول بعدم الجواز مقتصرا عليه قال عبد الملك من جعل لرجل جعلا على أن يرقى إلى موضع من الجبل سماه له إنه لا يجوز ولا يجوز إلا فيما ينتفع به الجاعل يريد لأنه من أكل أموال الناس بالباطل. وفي ابن عات لا يجوز الجعل على إخراج الجان من الرجل لأنه لا يعرف حقيقته ولا يوقف عليه ولا ينبغي لأهل الورع الدخول فيه وكذا الجعل على حل المربوط والمسحور انظر الأكمال عند قوله ﷺ من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل كما في الواق (وفي) الحطاب قال الآبي ولا يحل ما يأخذه الذي يكتب البراءات لراد التليفة لأنه من السحر وأما ما يؤخذ على حل المعقود فأن كان برقية بالرقي العربية جاز وإن كان بالعجمية لم يجز وفيه خلاف وكان الشيخ ابن عرفة يقول أن تكرر منه النفع بذلك جاز اهـ. ويشترط في المعقود عليه أيضاً أن يكون مما لا ينتفع الجاهل به إلا بعد تمامه فلا يجوز الجعل على حفر بئر في أرض يملكها كما يأتي. وأن يكون العمل غير مقدر بزمن كما ستعرفه وفي اشتراط كونه غير كثير وعدم اشتراطه وصحح قولان (وأما) الصيغة فهي لف الجعل أو ما يدل عليه ويكتفي به دلالة واضحة على تمليك المنفعة بعوض بشرط التمام وقد نظمن هذه الأركان فقلت
стр. 561
أركانه عقد وعاقد عوض ... وعمل معين لمن نهض
وصيغة ومثلها ما يكتفي ... والله يعطي أجره لمن عفا
قال
(الجعل عقد جائز لا يلزم ... لاكن به بعد الشروع يحكم)
(وليس يستحق مما يجعل ... شيئاً سوى إذا يتم العمل)
(كالحفر للبئر ورد الأبق ... ولا يحد بزمان لاحق)
يعني أن الجعل عقد جائز عند توفر شروطه وانتفاء موانعه لاكنه غير لازم قبل الشروع في العمل منحل من جهة العامل والجاعل وأما بعد الشروع فيه فإنه يحكم بلزومه من جهة الجاعل فقط وإن العامل لا يستحق شيئاً من الجعل إلا بتمام العمل لقول الله تعالى ولمن جآء به حمل بعير فمفهومه إنه لم يأت به فلا شيء له وأما بعد تمام عمله فإنه يستحق جعله المسمى له كاملاً ومحل كون العامل لا يستحق شيئاً من الجعل إلا بعد تمام العمل أم لم ينتفع الجاعل بعمله وإلا فأنه يستحق بنسبة عمل الثاني وسواء كان عمل الثاني قدر عمل الأول أو أقل أو أكثر مثل أن يجعل للأول عشرة دراهم على تبليغ خشبة إلى موضع كذا فبلغها نصف المسافة مثلا وتركها ثم جعل لأخر عشرة على تبليغها فأن الأول يستحق عشرة وهكذا ولا مفهوم للإستيجار بل لو بلغها إنسان بدون أجر فإنه يستحق قيمة عمله لأن المدار على الانتفاع وقد حصل كما في الأجهوري ثم مثل الناظم للجعل بمثالين قال (كالحفر للبئر ورد الأبق) فإما حفر البئر لإخراج الماء فيشترط فيه أن يكون في أرض موات لا في أرض مملوكة لأنه على تقدير عدم تمام عمله يذهب عمله باطلاً مع انتفاع الجاعل به في أرضه إلا إذا جاعل غيره على التمام فإنه يستحق بنسبة عمل الثاني كما في المثال المتقدم (وأما) رد الأبق فيشترط فيه جهل مكانه كالبعير الشارد فإن علما أو أحدهما مكانه فسخ العقد فإن لم يعثر عليه حتى تم العمل فإن كان العالم هو الجاعل والجاهل
стр. 562
العامل فله الأكثر من الجعل وأجرة مثله وأن أنفرد العامل بالعلم فلا شيء له وقيل له بقدر تعبنه وإذا تنازعا في العلم وعدمه فالقول لمن أدعى عدم العلم منهما لأن الأصل في العقود الصحة ما لم يغلب الفساد وأن الجعل لا يجوز فيه ضرب الأجل لأن المجعول له يكون له الترك متى شاء فلا وجه لتحديده بزمن ولما فيه من زيادة الغرز إذ ربما ينقضي الأجل قبل تمام العمل فيذهب عمله باطلا أو يتم العمل قبل انقضائه فيأخذ شيئاً لا يستحقه لأنه يأخذ الجعل كاملاً لتمام العمل ويسقط عنه عمل بقية الأجل إلا إذا شرط العامل على الجاعل ترك العمل متى شاء فإنه يجوز ضرب الأجل. وأن اشتراط النقد في الجعل لا يجوز لأنه يؤدي إلى التردد بين السلفية والثمينة وأما تعجيله على الطوع فهو جائز (وأعلم) أن النسبة بين الجعل والإجارة العموم والخصوص الوجهي على التحقيق وبيانه أن العمل المجاعل عليه بعضه تصح فيه الإجارة والجعل كحفر بئر في أرض موات لأنه أن عين فيها مقدارا مخصوصاً من الأذرع كان إجارة وإن عاقده على إخراج الماء كان جعلا. وبعضه لا تصح فيه الإجارة وذلك كالمعاقدة على إحضار عبد ءابق أو بعير شارد ونحوهما من كل ما يجهل فيه العمل وبعضه لا تصح فيه الجعالة وتتعين فيه الإجارة وذلك كالمعاقدة على عمل في أرض مملوكة للجاعل كحفر بئر فيها قاله النفراوي على الرسالة (ولما) فرغ من الكلام على الجعل شرع يتكلم على المساقاة فقال
﴿فصل في المساقاة﴾
هو مصدر مفرد ينصب بالفتحة على الأصل (قال) القاضي عياض هي مشتقة من سقي الثمرة إذ هي معظم عملها وأصل منفعتها. وقال الرصاع نقلاً عن الجوهري إن المساقاة استعمال رجل رجلاً في نخل أو كرم يقوم بإصلاحها ليكون له سهم معلوم من غلتها قال وهذا قريب من الحقيقة الشرعية إلا أن فيه قصورا عنها فإنها أعم لأنها لا تختص بالنخل والكرم فيكون في الشرع تعميم لما خصصته اللغة اهـ. وعرفها
стр. 563
الإمام ابن عرفة بقوله هي عقد على عمل مؤنة النبات بقدر لا من غير غلته لا بلفظ بيع أو إجاره أو جعل فيدخل قولها لا بأس بالمساقاة على أن كل الثمرة للعامل ومساقاة البعل اهـ (فقوله) لا بلفظ بيع أو إجارة أو جعل يدخل فيه عقدها بلفظ عاملتك على طريق سحنون فإنها تنعقد عنه بغير لفظ ساقيتك كعاملتك وارتضاها جمع كثير من الشيوخ قائلاً وهي المذهب خلافاً لإبن القاسم القائل بإنها لا تنعقد إلا بلفظ ساقيتك (وقوله) لا من غير غلته يخرج به ما لو كان الجزء من غير الثمرة فلا تصح لخروجها عن المساقاة ككونها بدراهم أو عرض وإنما تكون إجارة تجري عليها إحكامها (وحكمها) الجواز بدليل ما في الصحيح إن رسول الله ﷺ ساقي أهل خيبر في النخل على أن لهم نصف الثمرة بعملهم والنصف يؤدونه له ﷺ أو لأصحابه. وحكمه مشروعيتها دفع الحاجة كما في لب اللباب. ولهذا استثنيت من أصول أربعة ممنوعة (الأول) الإجارة بمجهول (والثاني) المخابرة وهي كراء الأرض بما يخرج منها (الثالث) بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بل قبل وجودها (الرابع) الغرر لأن العامل لا يدري أتسلم الثمرة أم لا (قال) ابن شاس المساقاة سنة على حيالها. وقال ابن راشد حكمها الجواز ابتدائ واللزوم إذا وقعت وإلى هذا أشار الناظم بقوله
(إن المساقاة على المختار ... لازمة بالعقد في الأشجار)
(والزرع لم ييبس وقد تحققا ... قيل مع العجز وقيل مطلقا)
(والحقوا المقاثي بالزرع موما ... كالورد والقطن على ما قدما)
يعني أن عقد المساقاة على الأشجار والنبات وأن بعلا لازم لكل من المتعاقدين بنفس العقد كالبيع وإن لم يحصل شروع في العمل على القول المختار وهو المشهور وبه العمل ومقايله لا تلزم إلا بالشروع في العمل كالجعل. وإنها تكون في عمل الأشجار سواء عجز ربها عن القيام بها أم لا وتكون في الزرع بشروط أربعة بزيادة شرط
стр. 564
على ما في النظم (أحدها) أن لا يبدو صلاحه وهو مراد الناظم باليبس (وثانيها) أن يبرز من الأرص ويتحقق خروجه منها (وثالثها) أن يخاف عليه الموت بترك السقي (ورابعها) أن يعجز ربه عن القيام به هذا هو القول المشهور وقيل تجوز مطلقاً عجز ربه عن القيام به أولاً فيكون كالأشجار والحقت المقاثي وما أشبهها كالكتان والبصل بالزرع في جواز مساقاتها بالشروط المذكورة. وقوله وما كالورد ظاهره إنه معطوف على المقاثي بدليل قوله على ما قدما فيكون حكمه حكم المقاثي في الإلحاق بالزرع بشروطه ويجوز عطفه على الأشجار على أن ما مبتدأ وعلى ما قدما خبره وهو من جهة الراجحية أحسن لقول الشيخ خليل مشبها في الصحة ما نصه كزرع وقصب وبصل ومقثأة أن عجز ربه وخيف موته وبرز ولم يبد صلاحه وهل كذلك الورد ونحوه والقطن أو كالأول وعليه الأكثر تأويلان (قال) انب رحال فقوله كزرع التشبيه بقوله إنما تصح مساقاة شجر وقوله كزرع ظاهره كان بعلاً أو لا وهو كذلك. وقوله وعليه الأكثر هذا هو الراجح فإن الخلاف في هذه الأشياء كثير اهـ فقال
(وامتنعت في مخلف الاطعام ... كشجر الموز على الدوام)
(وما يحل بيعه من الثمر ... وغير ما يطعم من أجل الصغر)
يعني أن المساقاة ممتنعة في عمل الأشجار التي يكون إطعامها يخلف بعضه بعضاً لا ينقطع على الدوام كالموز وفي عمل الأشجار التي حل بيع ثمرها والزرع الذي بدا صلاحه لأن المشقة ترتفع عن ربه بالبيع على المشهور وفيما لا يطعم من الشجر لصغره لأن خدمته بدون شيء يحصل له تكون من الباطل إلا إذا كان على وجه الطواعية أو تبعا لغيره من جميع ما منع أو كان على سبيل الإجارة بجزء منه أو من غيره فإنه يجوز والتبعية أن يكون التابع الثلث فأقل كما يأتي مثاله في البياض. وقوله مخلف بضم أوله وكسر ما قبل ءاخره مخففا من أخلف الرباعي. وقوله وغير ما يطعم بالجر عطف على مخلف أو على ما يحل بيعه قال
стр. 565
(وفي مغيب في الأرض كالجزر ... وقصب السكر خلف معتبر)
يعني إنه وقع خلاف بين أهل المذهب في مساقاة ما كان غائباً في الأرض كالجزر واللفت والفجل ونحوها كالبطاطة وقصب السكر فقيل بالجواز وهو المشهور بشروط الزرع المتقدمة وقيل بعدم الجواز. وقوله مغيب بضم أوله وكسر ما قبل ءاخره مشدداً جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم وخلف بضم أوله وسكون ثانيه أي خلاف مبتدأ مؤخر ومعتبر صفته قال
(وإن بياض قل ما بين الشجر ... وربه يلغيه فهو مغتفر)
(وجاز أن يعمل ذاك العامل ... لاكن بجزء جزئها يماثل)
(بشرط أن يكون ما يزدرع ... من عنده وجزء الأرض تبع)
(وحيثما أشترط رب الأرض ... فائدة فالفسخ أمر مقضي)
يعني أن البياض الذي يكون في الجنات سواء كان بين الأشجار أو منفرداً عنها بناحية يجوز لربه الغاؤه للعامل وهو أحسن إذا قل كان يكون كراؤه منفرداً مائة درهم مثلاً والثمرة وحدها تساوي مائتين بعد إسقاط ما أنفق عليها فيختص به العامل ويزرع فيه ما شاء وسواء كان بشرط أو بلا شرط. ومفهوم قوله قل إنه إذا لم يكن قليلاً بان زاد على الثلث لم يجز الغاءه للعامل وهو كذلك ويبقى لربه يعمل فيه مزارعة او بأجر مع من شاء فإن اشترطه العامل فسدت المساقاة كما يأتي ولو بعد العمل ويكون له أجر مثله في خدمته ومساقاة مثله في الشجر. ويجوز لرب الأرض إدخال البياض القليل المتقدم في المساقاة لأنه في حكم التابع وتكون فائدته بينما لاكن بشروط (أحدها) أن يكون عمله فيه بجزء يماثل جزء المساقاة كربع وربع أو ثمن وثمن فلو كان على الثمن في الثمرة والربع أو النصف في البياض كما يوجد في بعض البلدان ففيه ثلاثة أقوال المنع لإبن القاسم والكراهة لأصبغ والجواز لغيرهما
следующие страницы →