أنه لا يضبط عن شعبة بالنسبة إلى أقرانه الذين يحفظون بسرعة، وقول أبي عمرو الحوضي: رأيت شعبة أقام
عفان من مجلسه مراراً من كثرة ما يكرر عليه، وقد أكثر عن شعبة، وقال ابن معين: كان يروي عنه ألفي حديث، رد عليه ابن حجر بأن هذا دليل على تثبته في تحمله.
كان يتكلم في الرجال، لكن ابن المديني قال: لا أقبل كلامه في الرجال؛ كان لا يدع أحداً إلا وقع فيه، وقد ورد ما يدل على تثبته فقد كان على مسائل معاذ بن معاذ فُجعل له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل فلا يقول عدلاً ولا غير عدل فأبى وقال: لا أبطل حقاً من الحقوق، هذا مع فقره وحاجته. قال ابن عدي: هو أشهرو أوثق وأصدق من أن يقال فيه شيء ومما ينسب إلى الضعف، لا أعلم له إلا أحاديث عن حماد بن سلمة، وابن زيد وغيرهما مراسيل فوصلها، أو موقوفات فرفعها وهذا مما لاينقصه؛ لأن الثقة وإن كان ثقة فلابد أن يهم بالشيء بعد الشيء، وهو صدوق لا بأس به، قال الذهبي: حافظ ثبت، وقول ابن معين: أنكرناه في صفر سنة ٢١٩ هـ ومات بعدها بيسير إنما هو من تغير مرض الموت، وما ضره لأنه ما حدث فيه بخطأ، مات سنة ٢٢٠ هـ على الصحيح.
قال ابن حجر: ثقة ثبت، ربما وهم، من كبار العاشرة (ع).
ترجمته في:
طبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٨، ٣٣٦)، من كلام أبي زكريا في الرجال (١٢٠)، تاريخ الدارمي (٨٢)، التاريخ لابن معين (٤/ ٢٨٥)، سؤالات أبي داود لأحمد (٣٣٥)، التاريخ الكبير (٧/ ٧٢)، الجرح والتعديل (٧/ ٣٠)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٦٩ - ٢٧٧)، الكامل (٥/ ٢٠٢١)، الثقات لابن حبان (٨/ ٥٢٤)، الثقات للعجلي (٢/ ١٤٠)، البيان والتوضيح (١٦٧، ١٦٨)، تهذيب الكمال (٢٠/ ١٦٠ - ١٧٦)، الميزان (٣/ ٨١، ٨٢)، الكاشف (٢/ ٢٧)، التهذيب (٧/ ٢٣٠ - ٢٣٥)، الهدي (٤٢٥)، التقريب (٣٩٣).
стр. 422
(٣) حماد بن سلمة بن دينار: البصري، أبو سلمة. وثقه ابن معين وقال: حماد في أول أمره وآخره واحد، وكان رجل صدق ومات يحيى القطان وهو يحدث عنه، وقال أحمد: لا أعلم أحداً أروى في الرد على أهل البدع منه، قال ابن مهدي: لم أر أحداً مثله هو ومالك كانا يحتسبان في الحديث، وقال: صحيح السماع حسن اللقي أدرك الناس ولم يتهم بلون من الألوان ولم يلتبس بشيء، وقال ابن المديني: هو عندي حجة في رجال. ووثقه يعقوب الفسوي، والعجلي وقال: يقال عنده ألف حديث حسن ليس عند غيره، وأفاض ابن حبان في الثناء عليه، ونقد من جانب إخراج حديثه.
قدمه أكثر الأئمة في أحاديث بعض الشيوخ:
وأولهم: ثابت البناني، فقال ابن معين: من خالف حماداً في ثابت فالقول قول حماد. وقال ابن المديني، وأحمد، والدارقطني: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت منه.
وثانيهم: حميد الطويل ـ وهو خاله ـ قال ابن معين: هو أعلم الناس بحميد، وقال أحمد: أثبت الناس
في حميد سمع منه قديماً.
وثالثهم: الجريري سعيد بن إياس، قال النسائي: حماد في الجريري أثبت من عيسى بن يونس لأن حماد اً سمع منه قديماً قبل أن يختلط.
ورابعهم: علي بن زيد، قال أبو حاتم: حماد أحب إليّ من همام ومن عبدالوارث في علي بن زيد، وهو أضبط الناس وأعلمهم بحديثه بيّن خطأ الناس، ومقابل ذلك فقد ضُعف في رجال قال يحيى القطان: حماد عن زياد الأعلم وقيس بن سعد ليس بذاك، وقد ذكر أحمد أن كتابه عن قيس ضاع، فصار يروي أحاديث أنكرها أحمد عليه.
أخذ عليه أمران:
أولهما: كثرة الخطأ، وصفه بذلك أحمد لكنه لم ير بالروية عنه بأساً. وقال ابن سعد: قالوا ثقة كثير الحديث وربما حدث بالحديث المنكر.
وثانيهما: أنه لما كبر ساء حفظه، قال الحاكم: قد قيل في سوء حفظه وجمعه بين جماعة في إسناد واحد بلفظ واحد، قال ابن حجر: لتغيره تركه البخاري، أما مسلم فاجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ إثنى عشر حديثا في الشواهد. وقال أبو الفضل ابن طاهر: إنه لما تكلم فيه بعض منتحلي المعرفة أن بعض الكذبة أدخل في حديثه ما ليس منه لم يخرج له البخاري معتمداً عليه، بل استشهد به في مواضع ليبين أنه ثقة، وأخرج أحاديث التي يرويها من حديث
стр. 423
أقرانه كشعبة، وحماد بن زيد وغيرهما، ومسلم اعتمد عليه؛ لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا فأخذ عنهم.
قال الذهبي في الميزان: كان ثقة له أوهام، أثنى العلماء على طاعته وعبادته، وذكر قول ابن الثلجي: كان لا يحفظ ودُسّت أحاديث في كتبه فرده بأن حماداً إمام جليل، وابن الثلجي لا يصدّق على حماد وقد اتهم. وقال في المغني: إمام ثقه له أوهام وغرائب وغيره أثبت منه، وفي السّيَر: هو صدوق حجة ـ إن شاءالله تعالى ـ وهو بحر من بحور العلم، وله أوهام في سعة ما روى، وهو أعلم الناس بثابت وعمار بن أبي عمار.
قال ابن حجر: ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بأخرة، من كبار الثامنة، مات سنة ١٦٧ هـ (خت م ٤) والصواب (ع).
ترجمته في:
طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨٢)، تاريخ الدارمي (٤٩، ٨٢)، سؤالات ابن الجنيد (٣١٦)، التاريخ لابن معين (٤/ ٢٦٥، ٢٩٧، ٣١٢)، العلل للإمام أحمد برواية المروذي (٣٩)، العلل لأحمد (٢/ ١٤٧، ١٣١، ٣
/٢٦٨، ٢٢٨)، بحرالدم (١٢٢، ١٢٣)، سؤالات أبي داود (٢٣٠، ٣٤٢)، الجرح والتعديل (٣/ ١٤٠ - ١٤٢)، التاريخ الكبير (٣/ ٢٢، ٢٣)، الثقات للعجلي (١/ ٣١٩، ٣٢٠)، المعرفة للفسوي (٢/ ٦٦١)، صحيح ابن حبان (المقدمة ١/ ١٥٣ - ١٥٥)، الثقات لابن حبان (٦/ ٢١٦)، المستخرج من مصنفات النسائي (٤٨، ٤٩)، السّيَر (٧/ ٤٤٤، ٤٥٦)، الميزان (١/ ٥٩٠ - ٥٩٥)، المغني (١/ ١٨٩)، من تكلم فيه (٧٠، ٧١)، تهذيب الكمال (٧/ ٢٥٣ - ٢٦٩)، الكاشف (١/ ٣٤٩)، الكواكب (الملحق/٤٦٠)، الهدي (٣٩٩)، التهذيب (٣/ ١١ - ١٦)، التقريب (١٧٨) وفي نسخة أبي الأشبال (٢٦٨).
وثبتت رواية البخاري عنه موصولاً. انظر: تحفة الأشراف (١/ ١١)، الفتح (١١/ ٢٥٦)، وفي تهذيب الكمال فصل جيد فيمن روى عن الحمادين ومن انفرد عن كل واحد منهما، وهو نافع في الرواة عنهما إذا ذكروا حماداً دون نسبه.
(٤) ثابت: هو ابن أسلم البُناني، تقدم، وهو ثقة وهو أثبت أصحاب أنس بعد الزهري. (راجع ص ٣٥٩)
(٥) قتادة: هو قتادة بن دعامة السدوسي، تقدم، وهو ثقة ثبت لكنه مدلس. (راجع ص ٢٦١)
(٦) حميد: هو حميد بن أبي حميد الطويل ـ لطول يديه ـ أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال: قيل تيرويه، وقيل تير، وقيل مهران، وقيل طِرْخان، وقيل غير ذلك. وثقه ابن سعد، وابن
معين، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي، وابن خراش وفي رواية قال: صدوق. أكثر عن الحسن وقال حماد ابن سلمة: إنه أخذ كتبه فنسخها ثم ردها.
стр. 424
أخذ عليه أنه كان يدلس عن أنس ﵁ واختلف في مقدار ما سمعه منه: قال ابن خراش: يقال إن عامة حديثه عن أنس سمعه من ثابت وروى هذا القول عن حماد بن سلمة، وروي عن شعبة: إنه لم يسمع سوى خمسة أحاديث، وضعفه ابن حجر، وقيل سمع منه ثمانية عشر، ولعل أوسط الأقوال قول شعبة: إنه سمع من أنس أربعة وعشرين حديثاً والباقية سمعها من ثابت أو ثبته فيها ثابت، وصححه ابن حجر، واستشهد له وسماعه منه ثابت في صحيح البخاري بصيغة التحديث والسماع. وقال العلائي: على تقدير أن تكون أحاديثه عن أنس مراسيل فقد تبين الواسطة فيها وهو ثقة محتج به. وقال ابن عدي: أكثر ما فيه أن الذي رواه عن أنس بعضه دلسه عنه وقد سمعه من ثابت. وقول دُرست: إن حميداً قد اختلط عليه ما سمع من أنس ومن ثابت وقتادة عن أنس إلا بشيء يسير فهو قول مردود قال ابن حجر: ليس بشيء ودرست هالك. وكذا ما ورد أن زائدة طرح حديثه فليس لأمر يتعلق بحديثه بل للبسه سواد الخلفاء وزي أعوانهم.
قال الذهبي: أجمعوا على الاحتجاج به إذا قال سمعت.
ذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين، وقال: ثقة مدلس عابه زائدة لدخوله في شيء من أمر
الأمراء، من الخامسة، مات سنة ١٤٢ هـ، وقيل ١٤٣ هـ وهو قائم يصلي، وله خمس وسبعون سنة (ع).
ترجمته في:
طبقات ابن سعد (٧/ ٢٥٢)، سؤالات أبي داود لأحمد (٢٢٢)، العلل للأمام أحمد برواية المروذي (٦٣، ١٨٠)، تاريخ الدارمي (١٠٠، ١٠١، ٢٣٤)، التاريخ لابن معين (٤/ ٣١٨، ٣٣٢، ٣٥٠)، الجرح والتعديل (٣/ ٢١٩)، التاريخ الكبير (٢/ ٣٤٨)، الموضح للأوهام (٢/ ٥٤، ٥٥)، الثقات للعجلي (١/ ٣٢٥)، تهذيب تاريخ دمشق (٤/ ٤٥٧ - ٤٥٩)، الضعفاء للعقيلي (١/ ٢٦٦، ٢٦٧)، الكامل (٢/ ٦٨٢ - ٦٨٤)، جامع التحصيل (١٠٦، ١٦٨)، تهذيب الكمال (٧/ ٣٥٥ - ٣٦٦)، السّيَر (٦/ ١٦٣ - ١٦٩)، الميزان (١/ ٦١٠)، الكاشف (١/ ٣٥٢)، التهذيب (٣/ ٣٨ - ٤٠)، الهدي (٣٩٩)، تعريف أهل التقديس (٨٦)، التقريب (١٨١).
الطريق الثاني: رجال إسناده عند الترمذي:
وهو متفق مع أبي داود في حماد بن سلمة ومن فوقه وبقي من رجاله:
(١) محمد بن بشار بُندار: تقدم، وهو ثقة. (راجع ص ٢١٣)
стр. 425
(٢) الحجاج بن منهال الأنماطي: أبو محمد، السلمي ـ مولاهم ـ البصري، وقيل البُرْساني ـ بضم الباء وسكون الراء ـ. وثقه ابن سعد، وأحمد، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي، وقال أحمد: كان صاحب سنة رفعه الله بالخير.
وقال ابن حجر: ثقة فاضل، من التاسعة، مات سنة ٢١٦ هـ أو ٢١٧ هـ (ع).
ترجمته في:
طبقات بن سعد (٧/ ٣٠١)، التاريخ الكبير (٢/ ٣٨٠)، العلل لأحمد (٢/ ٣٢٠)، سؤالات أبي داود (٣٤٤)، الجرح والتعديل (٣/ ١٦٦، ١٦٧)، الثقات للعجلي (١/ ٢٨٦، ٢٨٧)، تهذيب الكمال (٥/ ٤٥٧ - ٤٥٩)، السّيَر (١٠/ ٣٥٢ - ٣٥٤)، الكاشف (١/ ٣١٣)، التهذيب (٢/ ٢٠٦، ٢٠٧)، التقريب (١٥٣).
الطريق الثالث: رجال إسناده عند ابن ماجه:
وهو متفق مع الترمذي في شيخ شيخه حجاج واختلف عنه في شيخه:
(١) محمد بن المثنى: بن عبيد العَنَزي ـ بفتح النون والزاي ـ أبو موسى البصري، المعروف بالَّزمِن مشهور بكنيته واسمه. وثقه ابن معين، والذهلي، وعمرو بن علي، وابن شاهين، والدارقطني، ومسلمة. وقال أبو عروبة: ما رأيت بالبصرة أثبت منه هو ويحيى بن حكيم، وقال ابن خراش: كان من الأثبات، وقال أبوحاتم: صالح الحديث صدوق، وقال النسائي: لابأس به، كان يغير في كتابه. وقال الخطيب: كان صدوقاً ورعاً، عاقلاً، فاضلاً، وقال: كان ثقة ثبتاً. وقال ابن حبان: كان صاحب كتاب لا يحدث إلا من كتابه، وقال صالح جزرة: صدوق اللهجة في عقله شيء، وقال عمرو بن علي: كان فيه سلامة ولعلهما أرادا ما كان فيه من الدعابة.
قال ابن حجر: ثقة ثبت، من العاشرة، كان هو وبندار فرسي رهان وماتا في سنة واحدة أي في سنة ٢٥٢ هـ (ع).
ترجمته في:
الجرح والتعديل (٨/ ٩٥)، تاريخ بغداد (٣/ ٢٨٢ - ٢٨٦)، الثقات لابن شاهين (٢١٣)، الثقات لابن حبان (٩/ ١١١)، تهذيب الكمال (٢٦/ ٣٥٩ - ٣٦٥)، الميزان (٤/ ٢٤)، السّيَر (١٢/ ١٢٣)، الكاشف (٢/ ٢١٤)، التهذيب (٩/ ٤٢٥ - ٤٢٧)، التقريب (٥٠٥) وفي نسخة أبي الأشبال (٨٩٢).
стр. 426
درجة الحديث:
الحديث بطرقه الثلاثة رجاله ثقات، وهو متصل من رواية ثابت، ولا يضر تدليس حميد، وقتادة فإنهما يتقويان بمتابعة ثابت، وتغير حماد لايؤثر فإنه أثبت الناس في ثابت، كما أنه مقدم في روايته عن حميد لسماعه منه قديماً. فالحديث صحيح.
وقد قال الترمذي (٣/ ٦٠٦): حسن صحيح، ووافقه المنذري في (مختصر أبي داود ٥/ ٩٢)
وقال ابن حجر: في (التلخيص الحبير ٣/ ١٤): إسناده على شرط مسلم وأقره العجلوني في (كشف الخفاء ٢/ ٤٧٤، ٤٧٥).
وقال السيوطي في (النكت البديعات/١٣٨): الحديث صحيح ثابت وصححه في (الجامع الصغير ومعه الفيض ٢/ ٢٦٦).
وصححه الألباني في (صحيح الجامع ١/ ٣٧٧)، (صحيح/ ت ٢/ ٣٢)، (صحيح/د ٢/ ٦٦٠)، (صحيح/جه ٢/ ١٤، ١٥).
ورواية أبي يعلى من طريق الحسن عن أنس ضعيفه؛ لأن فيها راويين مدلسين وقد عنعنا لكنها تتقوى بالمتابعة.
أما الشواهد:
(١) حديث أبي سعيد ﵁:
قال الهيثمي (المجمع ٤/ ٩٩): رجال أحمد رجال الصحيح.
وقال ابن حجر في التلخيص: إسناده حسن.
(٢) حديث أبي جحيفة ﵁:
ضعيف (المجمع ٤/ ١٠)
(٣) حديث ابن عباس ﵁:
ضعفه الهيثمي في (المجمع ٤/ ٩٩) وقد تصحف عنده أحد الرواة من عيسى بن يونس إلى علي بن يونس فحكم بضعفه، وتعقبه محقق (مجمع البحرين ٣/ ٣٦٤، ٣٦٥).
وصححه محقق (الأسماء والصفات ١/ ١٧١)
فالحديث ثابت والحمد لله.
شرح غريبه:
سَعِّر: يقال سَعّر الناس وأسعروا إذا فرضوا أو قدروا سعراً، وأسعروا أيضاً اتفقوا على سعر، وهو من: سَعَّر النار إذا رفعها؛ لأن السَّعر يوصف بالارتفاع (المجموع المغيث ٢/ ٨٩).
الفوائد:
(١) استدل به على تحريم التسعير وأن الله تعالى هو الذي يرخص الأشياء ويغليها فلا اعتراض لأحد عليه (النهاية/ سعر/ ٢/ ٣٦٨) وأن النبي ﷺ ذكر المانع له من التسعير وهو مخافة أن يظلم الناس في أموالهم فإن التسعير تصرف فيها بغير إذن أهلها (شرح الطيبي ٦/ ١٠١). وهو مذهب جمهور العلماء، وروي عن مالك جواز التسعير، وفي وجه للشافعيه جوازه في حالة الغلاء، واختار ابن العربي جوازه وتقييد حكمه ﷺ على قوم صح ثباتهم واستسلموا إلى ربهم. انظر (النَّيْل ٥/ ٢٢٠)، (العارضة ٦/ ٥٤)، (بذل المجهود ١٥/ ١٢٣)، (فيض القدير ٢/ ٢٦٦).
والمسألة خلافيه وقد رد ابن تيمية على من استدل بالحديث على المنع بأنه قضية معينة ليست لفظاً عاماً، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع يجب عليه، أو طلب أكثر من عوض المثل (مجموع الفتاوى ٢٨/ ٨٦ - ١٠١).
стр. 427
وفي هذا الموضوع دراسة مفردة للباحثة: عيشه صديق نجوم مقدمة إلى جامعة أم القرى عام ١٤٠٨ هـ بعنوان (التسعير) وقد ترجح لديها أن التسعير جائز بشروط، ومن أراد التوسع فليراجعها.
(٢) أن الغلاء والرخص والسعة والضيق بيد الله دون غيره، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿والله يقبض ويبسط﴾ [البقرة: ٢٤٥] فهو سبحانه يقبض الرزق: يقتره عمن يشاء من خلقه، ويبسط أي يوسع الرزق على من يشاء منهم (تفسير ابن جرير ٥/ ٢٨٩).
стр. 428
﴿الباطن الظاهر﴾
المعنى في اللغة:
الباطن: البطن: هو خلاف الظهر، وباطن الأمر دُخلته خلاف ظاهره، وتقول: بطَنْت الأمر: إذا عرفت باطنه؛ ويقال لدخلاء الرجل الذين يبطنون أمره: هم بِطانته.
الظاهر: الظهور يدل على القوة والبروز، يقال: ظهر الشيء يظهر ظهوراً فهو ظاهر إذا انكشف وبرز، والأصل فيه ظهر الإنسان وهو خلاف بطنه وهو يشمل البروز والقوة، والظهور: الغلبة (١). والظهور يتضمن العلو ومنه قوله تعالى:
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ [الكهف: ٩٧].
أي يعلوا عليه، ويقال: ظهر على الشيء إذا غلبه وعلاه، وظهر فلان على الجبل إذا علاه، وأظهر الله المسلمين أي أعلاهم على الكافرين (٢).
стр. 429
المعنى في الشرع:
فسره الحديث وفيه ﴿أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء﴾ (١).
فالظاهر فسَّره بالظهور بمعنى العلو، والله تعالى عالٍ على كل شيء، وفسره بعضهم بالظهور بمعنى البروز: فهو الذي ظهر للعقول بحججه وبراهين وجوده وأدلة وحدانيته (٢) فهو الظاهر بالدلائل الدالة عليه، وأفعاله المؤدية إلى العلم به ومعرفته فهو ظاهر مدرك بالعقول والدلائل، وباطن لأنه غير مشاهد كسائر الأشياء المشاهدة في الدنيا عن ذلك وتعالى علواً كبيراً (٣).
والله سبحانه هو الظاهر بحكمته وخلقه وصنائعه وجميع نعمه التي أنعم بها فلا يرى غيره، والباطن هو المحتجب عن ذوي الألباب كنه ذاته وكيفية صفاته (٤).
ونسب إلى بعض العلماء تفسير الباطن بالقريب حيث قال: الباطن: أقرب من كل شيء بعلمه
وقدرته وهو فوق عرشه (٥).
وفسر الباطن بالعالم ببواطن الأمور، فهو ذو الباطن، وكذا هو عالم بظواهرها (٦). قال البخاري: قال يحيى ـ وهو الفراء ـ " هو الظاهر على كل شيء علماً، والباطن على كل شيء علماً" (٧).
وفسره بعضهم: بأنه غير مدرك بالحواس كالأشياء المخلوقه التي تدرك بالحواس (٨).
وقيل: هو المحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم فلا يدركه بصر، ولايحيط به وهْم (٩).
ومع أن هذه المعاني كلها صحيحة إلا أن الأولى ـ والله أعلم ـ التزام التفسير النبوي وهو خير ما يفسر به؛ لأنه ﷺ أعلم الخلق بالله تعالى (١٠). وقد قال ابن جرير (١١): "
стр. 430
وهو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء فلا شيء أعلى منه، وهو الباطن جميع الأشياء فلا شيء أقرب إلى شيء منه ".
وذكر ابن القيم أن من جحد فوقيته فقد جحد لوازم اسمه ﴿الظاهر﴾ ولايصح أن يكون الظاهر مَنْ له فوقية القدر فقط كما يقال الذهب فوق الفضة؛ لأن هذه الفوقية تتعلق بالظهور بل قد يكون المفوَّق أظهر من الفائق فيها، ولايصح أن يكون القهر والغلبة فقط وإن كان سبحانه ظاهراً بالقهر والغلبة، فله سبحانه العلو المطلق من كل وجه وهو علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر (١).
واسمه سبحانه الباطن: لايقتضي السفول، والسفول نقص هو منزه عنه، فإنه سبحانه العلي الأعلى لايكون قط إلا عالياً (٢).
وقد ربط الظاهر بالباطن، والظهور يقارنه العلو فكلما كان الشيء أعلى كان أظهر، وكل من العلو والظهور يتضمن المعنى الآخر ولذا قال ﷺ : ﴿فليس فوقك شيء﴾ ولم يقل: ليس أظهر منك شيء؛ لأن الظهور يتضمن العلو والفوقية (٣).
وفيه أيضاً إحاطة الله تعالى بالعالم وعظمته سبحانه واضمحلال كل شيء عند عظمته، وهو
الباطن سبحانه يدل على اطلاعه على السرئر والضمائر والخبايا ودقائق الأشياء (٤).
ورودهما في القرآن:
ورد في آية واحدة هي قوله تعالى:
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
وقد تقدم هذان الاسمان في حديث أبي هريرة ﵁ مع اسمي ﴿الأول والآخر﴾ (٥).
стр. 431
﴿البصير﴾
المعنى في اللغة:
البصر: هو العلم بالشيء.
والبصيرة: البرهان وأصله: وضوح الشيء، ويقال: بصرت بالشيء إذا صرت به بصيراً عالماً، وابصرته إذا رأيته (١).
ويطلق البصير على العليم بالشيء الخبير به (٢).
والبصر: العين، وقيل: حس العين، ويقال: أبصرت الشيء أي رأيته (٣).
المعنى في الشرع:
هو المبصر للأشياء المبصرات المدرك لها.
وقيل: هو جاعل الأشياء المبصرة ذوات أبصار أي مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة لذلك والقوة، وفُسِّر بأنه العالم بالأشياء الخبير بها، وبأن المبصرات لاتخفى عليه (٤).
وفسر بأنه العالم بخفيات الأمور (٥).
والصواب الجمع بينها: فالله بصير يرى ويعلم فلا يخفى عليه شيء، ولايتغيب عنه شيء فالله بصير يعني ذو أبصار وهو في معنى مبصر، وإذا ربط هذا الاسم بأعمال العباد كما في قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة: ٩٦].
فمعناه أن الله ذو إبصار بما يعملون لايخفى عليه شيء من أعمالهم بل هو بجميعها محيط ولها حافظ ذاكر حتى يذيقهم بها العقابَ جزاءها كما يجزي بالإحسان خيراً وبالإساءة مثلها (٦).
والله بصير أحاط بصره سبحانه بجميع المبصرات في أقطار الأرض والسموات، فهو سبحانه يبصر كل شيء وإن دق وصغر: فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء
وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار وعروقها وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقتها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق
السموات السبع، وهو سبحانه يرى خيانات الأعين وحركات الجنان، كما أنه سبحانه بصير بمن
стр. 432
يستحق الجزاء بحكمته (١). فشمل اسم البصير أمرين: بصره لكل مرئي فهو سبحانه يرى كل شيء وإن خفي، وبصره بمعنى علمه بأفعال عباده (٢).
قال ابن القيم (٣):
وهو البصير يرى دبيب النملة ... السوداء تحت الصخر والصوان
ويرى مجاري القوت في أعضائها ... ويرى عروق بياضها بعيان
ويرى خيانات العيون بلحظها ... ويرى كذاك تقلب الأجفان
والله سبحانه بصير لم يزل ولايزال، والإنسان يقال: عنه بصير يرى ما قرب من بصره مما لاحجاب ولا ستر بين المرئي وبين بصره ثم إذا نظر إلى ما بين يديه عمي عما خلفه أو عما بعد منه، ثم إنه وهو صغير لا يميز بالبصر بين الأشياء المتشاكلة فإذا عقل أبصر فميز بين الرديء والجيد وبين الحسن والقبيح يعطيه الله هذا مده ثم يسلبه ذلك، فمنهم من يسلبه وهو حي ومنهم من يسلبه بالموت، والله لايعزب عنه مثقال ذرة في خفيات مظالم الأرض (٤).
وروده في القرآن:
ورد بلفظ بصير في ثمانية وثلاثين موضعاً قرن في ستة مواضع بالسميع، وفي خمسة مواضع بالخبير قال تعالى:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ [الشورى: ٢٧].
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا
стр. 433
بَصِيرًا (١٣٤)﴾ [النساء: ١٣٤].
وورد بلفظ البصير في أربعة مواضع وقرن فيها بالسميع منها قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾ [غافر: ٢٠].
стр. 434
٩١ - (٣٥) ثبت فيه حديث أبي موسى الأشعري ﵁
قال: أخذ النبي ﷺ في عقبة، أو قال: في ثنية، قال فلما علا عليها نادى رجل فرفع صوته: لاإله إلا الله والله أكبر، قال: ورسول الله ﷺ على بغلته، قال: ﴿فإنكم لاتدعون أصم ولاغائباً، ثم قال: يا أبا موسى أو يا عبدالله ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة؟ قلت: بلى: قال: لاحول ولاقوة إلا بالله﴾ وفي رواية: أنه لما غزا رسول الله ﷺ خيبر أشرف الناس على وادٍ فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله، فقال ﷺ : ﴿اربعوا على أنفسكم إنكم لاتدعون أصم، ولاغائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم ... ﴾ وزاد في رواية ﴿إنه معكم إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جده﴾ وفي رواية قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبرنا وفيه: ﴿تدعون سميعاً بصيراً قريباً ... ﴾ وفي لفظ ﴿إنكم إنما تدعون سميعاً بصيراً﴾ رواه البخاري بهذه الألفاظ.
ورواه مسلم بلفظ: كنا مع النبي ﷺ في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال ﷺ : ﴿أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم ليس تدعون أصم ولاغائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم﴾ وفي لفظ ﴿إنكم لاتنادون أصم ولاغائباً﴾ وفي لفظ عند مسلم بزيادة ﴿والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم﴾. رواه أبو داود بلفظ ﴿إنكم لاتدعون أصم ولاغائبا إن الذي تدعونه بينكم وبين أعناق ركابكم﴾ وفي لفظ ﴿إنكم لا تنادون﴾ ورواه الترمذي بلفظ ﴿إن ربكم ليس بأصم ولاغائباً هو بينكم وبين رؤوس رحالكم﴾.
التخريج:
خ: كتاب الجهاد: باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير (٤/ ٦٩) (الفتح ٦/ ١٣٥)
كتاب المغازي: باب غزوة خيبر (٥/ ١٦٩، ١٧٠) (الفتح ٧/ ٤٧٠)
كتاب الدعوات: باب الدعاء إذا علا عقبة (٨/ ١٠١، ١٠٢) (الفتح ١١/ ١٨٧)
باب قول لاحول ولاقوة إلا بالله (٨/ ١٠٨)، (الفتح ١١/ ٢١٤)
стр. 435
كتاب القدر: باب لا حول ولا قوة إلا بالله (٨/ ١٥٥، ١٥٦) (الفتح ١١، ٥٠٠)
كتاب التوحيد: باب ﴿وكان الله سميعاً بصيراً﴾ (٩/ ١٤٤) (الفتح ١٣/ ٣٧٢).
م: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب استحباب خفض الصوت بالذكر إلا
في المواضع التي ورد الشرع برفعه فيها كالتلبية، وغيرها واستحباب الإكثار من قول لاحول ولا قوة إلا بالله (١٧/ ٢٥، ٢٧).
د: كتاب الصلاة: باب الاستغفار (٢/ ٨٨، ٨٩).
ت: كتاب الدعاء: باب رقم ٣ (٥/ ٤٥٧)، وقال: هذا حديث حسن.
ثم باب ماجاء في فضل التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد (٥/ ٥١٠)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وانظر: جه: كتاب الأدب: باب ماجاء في لاحول ولاقوة إلا بالله (٢/ ١٢٦)، واقتصر على الشطر الأخير في قول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
شرح غريبه:
لاتدعون: أطلق على التكبير ونحوه دعاء من جهة أنه بمعنى النداء؛ لكون الذاكر يريد إسماع من ذكره والشهادة له (الفتح ١١/ ٥٠١).
اربعوا: ارفقوا ولا تجهدوا أنفسكم (النهاية/ربع/٢/ ١٨٧) (الفتح ١١/ ١٨٨).
كنز من كنوز الجنة: أي أجرها مدخر لقائلها والمتصف بها (النهاية/كنز/٤/ ٢٠٣)، أي لمن تبرأ من حوله وقوته (شرح الأبي ٧/ ١٣١)، وهي كالكنز في كونه أمراً نفيساً مدخراً مكنوناً عن أعين الناس (شرح الكرماني ٢٢/ ١٧١، ١٨٩، ٢٣/ ٨٢).
لاحول ولاقوة إلا بالله: الحول: الحركة، يقال: حال الشخص يحول إذا تحرك، والمعنى: لاحركة ولاقوة إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل: الحول أي الحيلة، والأول: أشبه (النهاية/حول/١/ ٤٦٢)، وحكي عن ابن مسعود قوله: لا حول عن معصية الله إلابعصمة الله، ولاقوة على الطاعة إلا بعون الله تعالى، ولاحيلة في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله (شرح الأبي ٧/ ١٣١) (شرح الكرماني ٢٢/ ١٧١) (العون ٤/ ٤٨٧).
стр. 436
الفوائد:
(١) فيه كراهية رفع الصوت بالدعاء والذكر (الفتح ٦/ ١٣٥)، والندب إلى خفض الصوت بالذكر إذا لم تدع حاجة إلى رفعه فإنه إذا خفضه كان أبلغ في توقيره وتعظيمه، فإن دعت حاجة إلى الرفع رفع (شرح النووي ١٧/ ٢٦) (شرح الأبي ٧/ ١٣١).
(٢) فضل قول لاحول ولاقوة إلا بالله؛ لما فيها من التفويض، والاعتراف بالعجز، والاستسلام والإذعان لله، والاعتراف بأنه لا صانع غيره ولا راد لأمره وأن العبد لا يملك شيئاً من الأمر (شرح الأبي ٧/ ١٣١) (شرح النووي ١٧/ ٢٦).
(٣) فيه نفي الآفة المانعة من السمع، والآفة المانعة من النظر وإثبات كونه سبحانه سميعاً بصيراً قريباً يستلزم أن لاتصح أضداد هذه الصفات عليه سبحانه (الفتح ١٣/ ٣٧٥)، وانظر (التوحيد لابن خزيمة ١/ ١١٠).
(٤) أن ﷺ كان معلماً لأمته فلايراهم على حالة من الخير إلا أحب لهم الزيادة فأحب للذين رفعوا أصواتهم بكلمة الإخلاص والتكبير أن يضيفوا إليها التبري من الحول والقوة، فيجمعوا بين التوحيد والإيمان بالقدر (الفتح ١١/ ٥٠١).
(٥) دل الحديث على أنهم بالغوا في الجهر وفي رفع أصواتهم فلا يلزم منه المنع من الجهر مطلقاً؛ لأن النهي للتيسير والإرفاق لا لكون الجهر غير مشروع (بذل المجهود ٧/ ٣٨٣).
(٦) فيه دليل على علو الله تعالى فوق كل شيء، وأنه لا يجوز أن يكون شيء من خلقه فوقه تعالى وتقدس (شرح التوحيد ١/ ١٩٠).
стр. 437
المبحث الثالث
أحاديث الأسماء المبدوءة بحرف التاء
﴿التواب﴾
المعنى في اللغة:
التوب: الرجوع، يقال: تاب من ذنبه أي رجع عنه (١).
ويقال: تاب إلى الله يتوب توبا وتوبة ومتاباً: أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة (٢).
المعنى في الشرع:
فسره قتادة بقوله: " إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته الموفق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه (٣).
والله تواب: يتوب على عبده أي يقبل توبته كما أنه سبحانه وفقه للتوبة. وتوبة الله على عبده أن يعود عليه بالمغفرة بفضله إذا تاب العبد من ذنبه (٤). فتوبة العبد محفوفة بتوبتين من ربه: تاب عليه أولاً فأقبل بقلبه على التوبة والإنابة والرجوع، ثم تاب عليه بالقبول والجزاء والإحسان (٥).
وجاء التواب على المبالغة؛ لقبوله سبحانه توبة عباده وتكرير الفعل منهم دفعة بعد دفعة وواحداً بعد واحد على طول الزمان، وقبوله ممن يشاء أن يقبل منه فكان تواباً؛ لكثرة قبولة توبة عباده، ولكثرة من يتوب إليه وتردد هذا الفعل وتكراره (٦)، والله سبحانه لايحبط ما قدم العبد التائب من خير، ولايمنعه ما وعد المطيعين من الإحسان (٧).
قال ابن القيم (٨):
وكذلك التواب من أوصافه ... والتوب في أوصافه نوعان
إذنٌ بتوبة عبده وقبولها ... بعد المتاب بمنة المنَّان
وروده في القرآن:
جاء بلفظ التواب في ثمانية مواضع قرن بالرحيم في سبعة مواضع وبالحكيم في موضع واحد
ومنها قوله تعالى:
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ
٩٢ - ورد فيه حديث ابن عمر ﵄:
قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا الحسن بن علي ثنا أبو أسامة عن مالك بن مِغْول.
وقال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا نصربن عبدالرحمن (١) الكوفي حدثنا المحاربي عن مالك بن مغول، ثم قال حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان.
وقال ابن ماجه رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن محمد ثنا أبو أسامة والمحاربي عن مالك بن مغول.
كلاهما عن محمد بن سُوقة عن نافع عن ابن عمر قال: ﴿إن كنا لنعد
لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفرلي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم﴾ هذا لفظ أبي داود. وابن ماجة وأخر قوله (مائة مرة).
ولفظ الترمذي: ﴿كان يُعدُّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم: رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الغفور﴾ ثم بعد هذا السند الثاني أحال على هذا وقال نحوه بمعناه.
التخريج:
د: كتاب الصلاة: باب في الاستغفار (٢/ ٨٦)
ت: كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا قام من المجلس (٥/ ٤٩٤، ٤٩٥)
جه: كتاب الأدب: باب الاستغفار (٢/ ١٢٥٣)
ورواه ابن حبان في (صحيحه ٣/ ٢٠٦، ٢٠٧) من طريق ابن أبي عمر به.
والبيهقي (الدعوات الكبير/١٠٧، ١٠٨) من طريق أبي أسامة به.
والبخاري في (الأدب المفرد ٢/ ٧٨، ٧٩).
وأحمد في (المسند ٢/ ٢١) وعنه ابن الجوزي في (ذم الهوى/٢١٣)
وابن أبي شيبة (المصنف ١٠/ ٢٩٧، ٢٩٨، ١٣/ ٤٦٢) ومن طريقه عبد بن حميد (المنتخب ٢/ ٢٩)
والبغوي في (شرح السنة ٢/ ١٣٩)
стр. 440
والنسائي في (الكبرى ٦/ ١١٩)، وهو في (عمل اليوم والليلة/٣٣١) ومن طريقه ابن السني في (عمل اليوم والليلة/٣٢٧، ٣٩٨)
ورواه ابن منده في (التوحيد ٢/ ٩٦)
والبيهقي في (الأسماء والصفات ١/ ١٩٤، ١٩٥)
والطبراني (الدعاء ٣/ ١٦١٨)
سبعتهم من طرق عن مالك بن مغول به، وتصحف سوقه إلى سويد عند ابن منده، وجاء في بعض الروايات ﴿الغفور﴾، وفي بعضها ﴿الرحيم﴾. وتابع نافعاً على روايته عن ابن عمر مجاهد، وأبو الفضل أو ابن الفضل.
ورواه النسائي في (عمل اليوم والليلة/٣٣١)
وأحمد (المسند ٢/ ٦٧)
والبخاري (الأدب المفرد ٢/ ٨٦)
والطبراني (الدعاء ٣/ ١٦١٧)، وفي (الكبير ١٢/ ٣١٧) من طريق مجاهد به مع زيادة قوله: ﴿وارحمني﴾ وجاء بلفظ: ﴿الغفور﴾ عند النسائي والدعاء ﴿والرحيم﴾، عند البخاري، وعند أحمد ﴿التواب الرحيم﴾ أو ﴿إنك تواب غفور﴾.
ورواه أحمد (المسند ٢/ ٨٤)
والنسائي (عمل اليوم والليلة/٣٣١) من طريق أبي الفضل، أو ابن الفضل به بلفظ: ﴿الغفور﴾
والحديث عزاه الحاكم في (المستدرك ١/ ٥١١) لمسلم، ووهم في ذلك (السلسلة الصحيحة ٢/ ٩١).
دراسة الإسناد:
الطريق الأول: رجال إسناده عند أبي داود:
(١) الحسن بن علي الحلواني: تقدم، وهو ثقة حافظ. (راجع ص ٢٣٣)
(٢) أبو أسامة: هو حماد بن أسامة بن زيد، القرشي ـ مولاهم ـ الكوفي، مشهور بكنيته. وثقه ابن معين، وابن سعد، والعجلي وزاد: وكان يعد من حكماء أصحاب الحديث، وقال أحمد: كان ثبتاً لا يكاد يخطئ، ما كان أثبته، وقال: هو أثبت من مائة مثل أبي عاصم، كان ثبتاً صحيح الكتاب، كان ضابطاً
للحديث كيّساً، وقال: كان أعلم الناس بأمور الناس وأخبار أهل الكوفة، ما كان أرواه عن هشام بن عروة. وقدمه ابن معين على حماد بن سلمة في هشام.
ذكر ابن سعد أنه كان يدلس، ويبين تدليسه. وذكره ابن حجر في المرتبة الثانية ممن احتمل الأئمة تدليسهم. قال ابن حجر في الهدي: اتفقوا على توثيقه.
стр. 441
شذ الأزدي فذكره في الضعفاء وحكى قول سفيان ابن وكيع: كان يتتبع كتب الرواة فيأخذها وينسخها أي أنه يسرق الحديث، وسفيان ضعيف لا يعتد به وهو به أليق ولا يعتد بالناقل عنه وهو أبو الفتح الأزدي، وقد ظن الذهبي أن القائل هو الثوري فتعجب من ذلك، قال الذهبي: حجة، عالم أخباري.
وقال ابن حجر: ثقة ثبت، ربما دلس، وكان بأخرة يحدث من كتب غيره، من كبار التاسعة، مات سنة ٢٠١ هـ، وهو ابن ثمانين (ع).
ترجمته في:
طبقات ابن سعد (٦/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، التاريخ الكبير (٣/ ٢٨)، بحرالدم (١٢١)، العلل للإمام أحمد برواية المروذي (١٣٩)، العلل لأحمد (١/ ٣٨٣، ٣٩٠، ٣/ ٢٠٧، ٤٦٤)، سؤالات ابن الجنيد (٢٩١)، تاريخ الدارمي (٩٢)، الكنى للدولابي (١/ ١٠٥)، الجرح والتعديل (٣/ ١٣٢، ١٣٣)، الثقات للعجلي (١/ ٣١٨)، تهذيب الكمال (٧/ ٢١٧ - ٢٢٤)، السّيَر (٩/ ٢٧٧ - ٢٧٩)، الميزان (١/ ٥٨٨)، الكاشف (١/ ٣٤٨)، تعريف أهل التقديس (٣٠)، التهذيب (٣/ ٢، ٣)، الهدي (٣٩٩)، التقريب (١٧٧). ولم تذكره كتب المختلطين.
(٣) مالك بن مِغْوَل: تقدم، وهو ثقة ثبت. (راجع ص ٣٦٧)
(٤) محمد بن سُوْقة ـ بضم المهملة ـ الغَنَوي، أبو بكر الكوفي، العابد: قال الثوري: حدثني الرضي، ووثقه ابن معين، وأحمد، والفسوي، والدارقطني، والنسائي، والعجلي قال: ثبتٌ وكان صاحب سنة وعبادة وخير في عداد الشيوخ. قال ابن حبان: كان من القراء ومن أهل العبادة والفضل والدين والسخاء، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن حجر: ثقة مرضي، من الخامسة (ع).
ترجمته في:
طبقات ابن سعد (٦/ ٣٤٠)، سؤالات أبي داود لأحمد (٣٠٧)، العلل لأحمد (٢/ ٢٩٣)، تاريخ الدارمي (٢٠٢)، التاريخ الكبير (١/ ١٠٢، ١٠٣)، الجرح والتعديل (٧/ ٢٨١، ٢٨٢)، سؤالات البرقاني للدارقطني (٥٩)، الثقات لابن حبان (٧/ ٤٠٤)، الثقات للعجلي (٢/ ٢٤٠)، الثقات لابن شاهين (٢٠٦)، المعرفة (٣/ ٩١)، الكاشف (٢/ ١٧٧)، تهذيب الكمال (٢٥/ ٣٣٣ - ٣٣٦)، التهذيب (٩/ ٢٠٩، ٢١٠)،
стр. 442
التقريب (٤٨٢)(٥) نافع: هو أبو عبدالله مولى ابن عمر: تقدم وهو ثقة ثبت فقيه مشهور. (راجع ص ٢٦٥)
الطريق الثاني: رجال إسناده عند الترمذي:
وهم رجال أبي داود، سوى شيخ الترمذي وشيخ شيخه.
(١) نصر بن عبدالرحمن الكوفي: هو نصر بن عبدالرحمن بن بكار الناجي، الكوفي، الوشّاء، أبو سليمان، ويقال أبو سعيد. وثقه النسائي، ومسلمة. وقال أبو حاتم: شيخ رأيته يحفظ ما يحدث به، ما رأينا إلا جمالاً وحسن خلق.
قال ابن حجر: ثقة، من العاشرة، مات سنة ٢٤٨ هـ (ت جه).
ترجمته في:
الجرح والتعديل (٨/ ٤٧٢)، الثقات لابن حبان (٩/ ٢١٧)، تهذيب الكمال (٢٩/ ٣٥٠ - ٣٥٢)، الكاشف (٢/ ٣١٩)، التهذيب (١٠/ ٤٢٨)، التقريب (٥٦٠).
(٢) المحاربي: هو عبدالرحمن بن محمد بن زياد المحاربي، أبو محمد الكوفي. وثقه ابن معين، والنسائي في موضع، وفي موضع قال: ليس به بأس، ووثقه ابن شاهين، والدارقطني، والبزار، وقال العجلي: لا بأس به، وقال وكيع: ما كان أحفظه لهذه الأحاديث الطوال، وقال أبو داود: ابنه أحفظ منه.
أخذت عليه أمور:
أولها: كثرة الغلط، قال ابن سعد: ثقة كثير الغلط، وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ولكنه هو كذا مضطرب، وقال الساجي: صدوق يهم. لكن أبا داود قال: يخطئ كما يخطئ الناس.
ثانيها: روايته عن المجاهيل قال ابن معين: له أحاديث مناكير عن المجهولين، وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسد حديثه بروايته عن المجهولين.
ثالثها: تدليسه، قال أحمد: بلغني أنه كان يدلس، وذكره ابن حجر: في المرتبة الثالثة فلا يحتج إلا بما صرح فيه بالسماع. قال الذهبي في الكاشف: ثقة يغرب، وفيمن تكلم فيه: ثقة لكنه يروي المناكير عن المجاهيل.
وقال ابن حجر: لا بأس به، وكان يدلس قاله أحمد، من التاسعة، مات سنة ١٩٥ هـ، وليس له في البخاري سوى حديثين متابعة (ع).
стр. 443
ترجمته في:
طبقات ابن سعد (٦/ ٣٩٢)، العلل لأحمد (٣/ ٣٦٣، ٣٦٤)، التاريخ لابن معين (٣/ ٢٦٩)، التاريخ الكبير (٥/ ٣٤٧)، الجرح والتعديل (٥/ ٢٤٤)، الثقات للعجلي (٢/ ٨٧)، الثقات لابن حبان (٧/ ٩٢)، الثقات لابن شاهين (١٤٦)، الضعفاء للعقيلي (٢/ ٣٤٧، ٣٤٨)، جامع التحصيل (٢٢٧)، تهذيب الكمال (١٧/ ٣٨٦ - ٣٨٩)، السّيَر (٩/ ١٣٦ - ١٣٨)، التذكرة (١/ ٣١٢، ٣١٣)، المغني (٢/ ٣٨٥)، الميزان (٢/ ٥٨٥، ٥٨٦)، من تكلم فيه (١٢١)، الكاشف (١/ ٦٤٢)، التهذيب (٦/ ٢٦٥، ٢٦٦)، الهدي (٤١٨، ٤١٩)، تعريف أهل التقديس (٩٣)، التقريب (٣٤٩).
الطريق الثالث: وهو الثاني عند الترمذي:
وهو مختلف عن السابق في شيخين أيضاً:
(١) ابن أبي عمر: هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، أبو عبدالله، نزيل مكة، ويقال إن أبا عمر كنية يحيى، كان صالحاً عابداً. وثقه ابن معين، والدارقطني، وقال أبو زرعة العراقي: أحد الحفاظ، وقال أبو حاتم: كان رجلاً صالحاً، وكان به غفلة، ورأيت عنده حديثاً موضوعاً حدث به عن ابن عيينة، وهو صدوق. وقال الذهبي: صنف المسند وعمر دهراً، وحج سبعاً وسبعين حجة، وصار شيخ الحرم في زمانه.
وقال ابن حجر: صدوق، صنف المسند، وكان يلازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة، من العاشرة، مات سنة ٢٤٣ هـ، أخرج له البخاري حديثاً تعليقاً قال: تابعه العدني، ويحتمل أنه آخر (م ت س جه).
ترجمته في:
التاريخ الكبير (١/ ٢٦٥)، التاريخ لابن معين (٢/ ٥٤٢)، الجرح والتعديل (٨/ ١٢٤، ١٢٥)، البيان والتوضيح (٢٥٣)، الثقات لابن حبان (٩/ ٩٨)، تهذيب الكمال (٢٦/ ٦٣٩ - ٦٤٢)، ذيل الميزان (٤١٥)، السّيَر (١٢/ ٩٦ - ٩٨)، الكاشف (٢/ ٢٣٠)، التذكرة (٢/ ٥٠١)، التهذيب (٩/ ٥١٨ - ٥٢٠)، التقريب (٥١٣)، فتح الباري (٢/ ٤٠٤).
(٢) سفيان بن عيينة: بن أبي عمران ـ ميمون ـ الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، أجمعت الأمة على الاحتجاج به. قال ابن مهدي: كان من أعلم الناس بحديث أهل الحجاز، قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، وقال ابن معين: ثقة، وهو أثبت في عمرو بن دينار من الثوري، ومن حماد
стр. 444
ابن زيد، وشعبة، وأنكر قول من قال إنه أثبت الناس في الزهري، وقال: إنه كان غليمًا أيام الزهري، وفي رواية ذكره في أثبت الناس عن الزهري، وقال أبو حاتم: إمام ثقة، أثبت أصحاب الزهري هو ومالك، قال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، كان بعض أهل الحديث يقول: هو أثبت الناس في حديث الزهري، وكان حسن الحديث، وكان يعد من حكماء أصحاب الحديث، وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع والدين.
اشتهر بالتدليس، لكنه لا يدلس إلا عن ثقة متقن، قال ابن حبان: تقبل روايته وإن لم يبين السماع وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده.
أخذ عليه أنه اختلط، قال يحيى القطان: أشهد أنه اختلط سنة سبع وتسعين ومائة فمن سمع منه فيها فسماعه لا شيء، وقال ابن الكيال: يغلب على الظن أن سائر شيوخ الستة سمعوا منه قبل ١٩٧ هـ واستبعد الذهبي صدور ذلك القول من ابن القطان، وعلى فرض ثبوته قال: انه متعنت جداً في الرجال وسفيان ثقة مطلقاً، وذكر ابن الصلاح: أنه بقي في الاختلاط سنتين ووهمّه العراقي في ذلك، وقال الذهبي: أتقن وجود وجمع وصنف وعمر دهراً طويلاً، وازدحم الخلق عليه، وانتهى إليه علو الإسناد، وهو حجة مطلقاً.
وقال ابن حجر: ثقة حافظ فقيه إمام حجة: إلا أنه تغير حفظه بأخره، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، كان أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات في رجب سنة ١٩٨ هـ وله إحدى وتسعون سنة، ونسبه ابن عدي إلى شيء من التشيع (ع).
ترجمته في:
العلل لأحمد (١/ ١٩٢، ٣٨٤، ٣/ ٤٨٢)، سؤالات ابن الجنيد (٣١٥، ٣١٦)، تاريخ الدارمي (٤١، ٤٢، ٥٥، ٥٦، ١٢٠)، الجرح والتعديل (٤/ ٢٢٥ - ٢٢٧)، التاريخ الكبير (٤/ ٩٤)، تاريخ بغداد (٩/ ١٧٤ - ١٨٤)، الثقات لابن حبان (٦/ ٤٠٣)، صحيح ابن حبان (المقدمة ١/ ١٦١)، الثقات للعجلي (١/ ٤١٧)، الكواكب النيرات (٢٢٠ - ٢٣٤)، مقدمة ابن الصلاح (٣٥٥)، التقييد والإيضاح (٤٠٦، ٤٠٧)، نهاية الاغتباط (١٤٨ - ١٥٣)، السّيَر (٨/ ٤٥٤ - ٤٧٥)، الميزان (٢/ ١٧٠، ١٧١)، التهذيب (٤/ ١١٧ - ١٢٢)، تعريف أهل التقديس (٣٢)، التقريب (٢٤٥).
стр. 445
الطريق الرابع: رجال إسناده عند ابن ماجه:
وهو مشترك معهم في شيخ شيخه ومن فوقه، أما شيخه فهو:
علي بن محمد: هو الطنافسي، تقدم مراراً وهو ثقة. (راجع ص ١٩٩)
درجة الحديث:
إسناد الحديث عند أبي داود، وعند ابن ماجه: رجاله ثقات. وأبو أسامة حماد بن أسامة مدلس وقد عنعن لكن عنعنته لا تضر؛ لأنه ممن احتمل الأئمة تدليسهم.
أما إسناد الترمذي:
الطريق الأول: فيه المحاربي وقد عنعن وهو مدلس لا يقبل إلا إذا صرح بالسماع، وباقي رجاله ثقات، فينجبر بمتابعة أبي أسامة.
الطريق الثاني: فيه ابن أبي عمر وهو صدوق وفيه غفلة، وباقي رجاله ثقات، وابن عيينة وإن عنعن فهو مقبول كما قال ابن حبان؛ لأنه لا يدلس إلا عن ثقة، فالطريق الثاني حسن ويتقوى بالطريق الذي عند أبي داود فالحديث صحيح لغيره، أو كما قال الترمذي (٥/ ٤٩٥): حسن صحيح غريب، كذا في المجردة، و (تحفة الأحوذي ٩/ ٣٩٣)، ووقع في (تحفة الأشراف ٦/ ٢٢٧) غريب صحيح، وقد يكون ذلك راجعا لاختلاف نسخ الترمذي.
وقد وافقه على تصحيحه المنذري في (مختصر د ٢/ ١٥١).
وكذا النووي في (الأذكار/٤٩٧).
والبغوي في (شرح السنة ٥/ ٧١) وذكره في الأحاديث الحسان (مصابيح السنة ٢/ ١٧٥).
وصححه أحمد شاكر في تعليقه على (المسند ٦/ ٣٢٨، ٧/ ١٩٠).
والألباني في (صحيح/د ١/ ٢٨٣)، (صحيح/ت ٣/ ١٥٣)، (صحيح/حه ٢/ ٣٢١).
وانظر: (الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين للوادعي ١/ ٥١٦)، (صحيح الأذكار وضعيفه ٢/ ٩٧٣).
وطريق نافع أصح الطرق، أما طريق مجاهد فضعيف؛ لأن فيه السبيعي ـ أبا إسحاق ـ وتلميذه روى عنه بعد الاختلاط، جوده ابن حجر في (الفتح ١١/ ١٠١)، وطريق ابن الفضل أشد ضعفاً؛ لأنه مجهول (التقريب/٦٦٥)، انظر (السلسلة الصحيحة ٢/ ٩٠).
стр. 446
بقي أمر يتعلق بالمتن: فقد جاء في بعض الروايات ﴿التواب الرحيم﴾، وفي بعضها ﴿التواب الغفور﴾ وقد عَدَّ الألباني هذا اضطراباً شديداً ورجح رواية ﴿التواب الغفور﴾ (السلسلة الصحيحة ٢/ ٨٩ - ٩١).
وقد بحثت في طرق الحديث، وحرصت على تتبع اختلاف الألفاظ، وعمل إحصائية ليتبين الراجح منها: فوجدت أن مالك بن مغول رواه عنه ستة رواة: ثلاثة منهم اتفقوا على رواية ﴿الرحيم﴾ وهم أبو أسامة حماد بن أسامة وهو ثقة عند أبي داود، والدعوات الكبير، ومحمد بن سابق وهو صدوق (التقريب /٤٧٩) ورواية في الأسماء والصفات، وأبو علي الحنفي وهو صدوق (التقريب /٣٧٣) وروايته عند ابن السني.
وخالفهم أبو بكر عبدالكبير الحنفي وهو ثقة (التهذيب ٦/ ٣٧١) فرواه بلفظ ﴿الغفور﴾ عند النسائي.
وجاءت روايتان عن المحاربي: عند أبي دواد بلفظ ﴿الرحيم﴾، وعند الترمذي بلفظ ﴿الغفور﴾ ورواية ابن ماجه موافقة لرواية أبي داود. وروايتان عن ابن نمير وهو ثقة (التهذيب ٦/ ٥٦): عند البخاري في الأدب المفرد بلفظ ﴿الرحيم﴾، وجاء عند ابن أبي شيبة وأحمد بلفظ ﴿الغفور﴾
وجاءت رواية عن ابن عيينة: عن محمد بن سوقه عند ابن حبان بلفظ ﴿الرحيم﴾ وهذا يقوي احتمال أن رواية الترمذي بلفظ ﴿الرحيم﴾ لأن الترمذي رواه أولاً بلفظ ﴿الغفور﴾ ثم ساق إسناد سفيان وقال: نحوه بمعناه.
ومما سبق يتبين أن رواة لفظ ﴿الرحيم﴾ أكثر عدداً، مع موافقة رواية ابن عيينة فتترجح على الأخرى علماً بأن هذا الاختلاف لا يؤثر في صحة الحديث فالروايات حيثما دارت فهي دائرة على اسم كريم من أسماء الله الحسنى المناسبة للمقام؛ حيث إن حال المستغفر التائب بحاجة إلى رحمة الله، كما أنه بحاجة إلى مغفرته، وقد جاء في تسع آيات في كتاب الله تعالى اقتران اسم التواب بالرحيم، انظر: (البقرة: ٣٧، ٥٤، ١٢٨، ١٦٠) (النساء: ١٦، ٦٤) (التوبة: ١٠٤، ١١٨) (الحجرات: ١٢). ولم يأت اقتران التواب بالغفور، بل أكثر الآيات فيها الغفور الرحيم، ثم إن آية (النساء: ٦٤) وهي قوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾، وفي هذا رد
على الوجه الذي أورده الألباني ـ حفظه الله ـ لترجيحه رواية ﴿الغفور﴾ بقوله: إن قوله رب اغفر لي يناسب قوله الغفور أكثر من قوله الرحيم.
стр. 447
الفوائد:
ندب الإكثار من الاستغفار ومن فوائده إزالة الغين عن القلب وهو السهو الذي لا يخلو منه البشر، وقد روى مسلم وغيره حديث الأغر المزني قوله ﷺ : ﴿إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة﴾. وفيه تعليم للأمة. (الفتح ١١/ ١٠١، ١٠٢)، (النهاية/غين/٣/ ٤٠٣)، (بذل المجهود ٧/ ٣٧١، ٣٧٢).
والحديث في (م: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه (١٧/ ٢٣).
стр. 448
٩٣ - ورد فيه حديث عبدالله بن مسعود ﵁:
قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا تميم بن المنتصر أخبرنا إسحاق ـ يعني ابن يوسف ـ عن شريك، وساق سنده إلى ابن مسعود في ذكر التشهد وأحاله على حديث قبله، ثم قال: قال شريك: حدثنا جامع ـ يعني ابن أبي راشد ـ عن أبي وائل عن عبدالله بمثله قال: وكان يعلمنا كلمات، ولم يكن يعلمناهن كما يعلمنا التشهد: ﴿اللهم ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنّا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزوجنا وذريتنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها قابليها، وأتمّها علينا﴾
التخريج:
د: كتاب الصلاة: باب في التشهد (١/ ٢٥٢، ٢٥٣)
ورواه الحاكم في (المستدرك ١/ ٢٦٥) من طريق تميم به. وفيه جامع بن أبي راشد، ثم قال: وله شاهد من حديث ابن جريج عن جامع ورواه دون ذكر المتن، بل قال: فذكر مثله.
ورواه البزار في (البحر الزخار ٥/ ١٥٣)
وابن حبان في (صحيحه ٣/ ٢٧٧، ٢٧٨)
والطبراني في (الكبير ١٠/ ٦٩١)
ثلاثتهم من طريق شريك عن جامع، عند ابن حبان بنحوه بدون الشاهد وفيه ابن شداد، وعند البزار، والطبراني ابن أبي راشد.
ورواه في (الأوسط ٦/ ٣٥٩، ٣٦٠) (مجمع البحرين ٨/ ٤٨) من طريق داود بن يزيد الأودي عن شقيق به.
دراسة الإسناد:
(١) تميم بن المنتصر بن تميم بن الصلت: الهاشمي ـ مولاهم ـ الواسطي، جد أسلم بن سهل الحافظ لأمه. وثقه النسائي، قال أبو داود: صحيح الكتاب ضابط متوق.
قال ابن حجر: ثقة ضابط، من الحادية عشرة، مات سنة ٢٤٤ هـ أو ٢٤٥ هـ، وله ست وسبعون سنة (د س حه).
стр. 449
ترجمته في:
الجرح والتعديل (٢/ ٤٤٤، ٤٤٥)، الثقات لابن حبان (٨/ ١٥٦)، التهذيب (٤/ ٣٣٤ - ٤٣٦)، الكاشف (١/ ٢٧٩)، التهذيب (١/ ٥١٤، ٥١٥)، التقريب (١٣٠) وفي نسخة أبي الأشبال (١٨٢).
(٢) إسحاق: ـ يعني ابن يوسف ـ هو إسحاق بن يوسف بن مرداس المخزومي الواسطي المعروف بالأزرق. قال يعقوب بن شيبة: كان من أعلمهم بحديث شريك، وقال العجلي: هو أروى الناس عن شريك؛ لأنه سمع منه قديماً، وثّقه ابن معين، والخطيب، والبزار، والعجلي، وأحمد وفي رواية قال: كان حافظاً إلا أنه كان يخطئ، كثير الخطأ عن سفيان، وقال ابن سعد: ثقة ربما غلط، وقال أبو حاتم: صحيح الحديث صدوق لابأس به.
وقال ابن حجر: ثقة، من التاسعة، مات سنة ١٩٥ هـ وله ثمان وسبعون سنة (ع).
ترجمته في:
طبقات ابن سعد (٧/ ٣١٥) وتصحف فيه " غلط " إلى " خلط "، العلل لأحمد (٢/ ٣٤، ٣٥)، تاريخ الدارمي (٧٠، ١٥٦)، سؤالات ابن الجنيد (٣٦٥)، التاريخ الكبير (١/ ٤٠٦)، الجرح والتعديل (٢/ ٢٣٨)، الثقات لإبن حبان (٦/ ٥٢)، تاريخ بغداد (٦/ ٣١٩ - ٣٢١)، الثقات للعجلي (١/ ٢٢١)، تهذيب الكمال (٢/ ٤٩٦ - ٥٠٠)، الكاشف (١/ ٢٤٠)، التهذيب (١/ ٢٥٧)، التقريب (١٠٤).
(٣) شريك بن عبدالله: بن الحارث بن عبدالله النخعي، الكوفي، القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبدالله.
اختلف فيه:
فوثقه إبراهيم الحربي، والعجلي، وأثنى عليه ابن المبارك وقال: هو أعلم بحديث الكوفيين من الثوري، وقال ابن معين: ليس يقاس بسفيان أحد، ولكن شريكاً أروى منه في بعض المشايخ.
قال ابن سعد: كان ثقة مأموناً كثير الحديث وكان يغلط كثيراً، وقال أبو حاتم: صدوق وكان له أغاليط. وقال أبو زرعة: كان كثير الحديث صاحب وهم، وهو يغلط أحياناً، قيل له: حدث بواسط ببواطيل، قال: لا تقل بواطيل. وقال أبو داود: يخطئ على الأعمش.
واختلف النقل عن ابن معين: فأطلق توثيقه في بعض الروايات، وقال في رواية: صدوق ثقة إلا إذا خالف، فغيره أحب إلينا منه، وفي رواية: ثقة إلا أنه لا يتقن ويغلط.
стр. 450
كما اختلف قول أحمد فيه: ففي رواية قال: كان عاقلاً صدوقاً محدث وكان شديداً على أهل الريب والبدع، قديم السماع من أبي إسحاق، وهو أثبت فيه من زهير، وإسرائيل وزكريا. وفي رواية: كان لايبالي كيف حدّث، حسن بن صالح أثبت منه.
وكذا النسائي: ففي رواية: ليس به بأس. وفي آخرى: ليس بالقوي.
وتكلم آخرون فيه بأمور:
أولها: سوء الحفظ الملازم: ومن ذلك قول يحيى القطان حين قيل له زعموا أن شريكا اختلط بأخره؟
قال: مازال مخلطاً، وقال: رأيت تخليطاً في أصول شريك، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ثقة سيء الحفظ
جداً، وقال الجوزجاني: سيء الحفظ مضطرب الحديث مائل. وقال الترمذي: كثير الغلط، وقال الجوهري: أخطأ في أربعمائة حديث، وقال الدارقطني: ليس بقوي فيما ينفرد به. وقال ابن عدي: الذي يقع في حديثه من النكرة إنما أتى به من سوء حفظه لا أنه يتعمد شيئاً مما يستحق أن ينسب فيه إلى شيء من الضعف، والغالب على حديثه الصحة والاستواء.
والثاني: التدليس: وقد اتهمه به الدارقطني، وعبدالحق، وابن القطان، وكان شريك يتبرأ من التدليس، وقال العلائي: ليس تدليسه بالكثير، وذكره ابن حجر: في المرتبة الثانية من مراتب المدلسين.
والثالث: التشيع: وذكر الذهبي أنه تشيع خفيف، لا محذور فيه ـ إن شاء الله ـ الا من قبيل الكلام فيمن حارب عليا ﵁ من الصحابة، وهذا قبيح فلا يذكر أحد من الصحابة إلا بخير. وقد أورد ابن معين قول شريك: ليس يقدم أحد على أبي بكر وعمر أحد فيه خير.
والرابع: تغيره بعد توليه القضاء بواسط سنة ١٥٠ هـ: قال صالح جزرة: قلّما يحتاج إليه في الأحاديث التي يحتج بها، ولما ولي القضاء ساء حفظه، وقد روى ابن معين ما يفيد أنه تجنب الرواية بعد اختلاطه حيث قال: قد اختلطت عليّ أحاديثي، وما أدري كيف هي، وأبى أن يحدث، لكن سبط ابن العجمي توقف في صحة هذا القول، والمشهور أنه حدث بعد تغيره، قال العجلي: من سمع منه قديماً فحديثه صحيح، ومن سمع منه بعد ما ولي القضاء ففي سماعه بعض الاختلاط، وقد قال ابن حبان: سماع المتقدمين منه ليس فيه تخليط، وسماع المتأخرين منه بالكوفة فيه أوهام كثيرة. وممن سمع منه قبل تغيره إسحاق الأزرق، ويزيد بن هارون، وعباد بن العوام، وأبو نعيم، وحجاج بن محمد، ويحيى بن سعيد. وممن سمع منه ومات قبل تغيره شيخاه: محمد بن إسحاق، وسلمة بن تمام.
стр. 451
قال الذهبي في السّيَر: أحد الأعلام على لين ما في حديثه، توقف بعض الأئمة عن الاحتجاج بمفاريده، وقال في المغني: صدوق، وفي التذكرة: كان حسن الحديث إماماً فقيهاً ومحدثاً مكثراً ليس هو في الإتقان كحماد بن زيد، حديثه من أقسام الحسن.
وقال ابن حجر في الهدي: مختلف فيه، وماله في البخاري سوى موضع في الجنائز ـ تعليقاً ـ.
وقال: صدوق يخطئ كثير اً تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، كان عادلاً فاضلاً عابداً شديداً على أهل البدع، من الثامنةـ مات سنة ١٧٧ هـ أو ١٧٨ هـ (خت م ٤).
ترجمته في:
طبقات ابن سعد (٦/ ٣٧٨، ٣٧٩)، تاريخ الدارمي (٥٩، ٦٠)، سؤالات ابن الجنيد (٢٨٩، ٢٩٥، ٣١١، ٣٧٩، ٣٨٨)، التاريخ لابن معين (٤/ ٦٩)، العلل لأحمد (١/ ٢٥١، ٣٤٩، ٢/ ٤٥٧، ٥٤٧، ٣/ ٥٠٠)، التاريخ الكبير (٤/ ٢٣٧)، سؤالات الآجري أبا داود (٥/ل ٢٩ ب)، الجرح والتعديل (٤/ ٣٦٥ - ٣٦٧)، تاريخ بغداد (٩/ ٢٨٣)، سنن الترمذي (١/ ٦٦)، الثقات لابن حبان (٦/ ٤٤٤)، الثقات للعجلي (١/ ٤٥٣)، الشجرة (١٥٠)، المعرفة (٢/ ١٦٨)، الضعفاء للعقيلي (٢/ ١٩٣ - ١٩٥)، الكامل (٤/ ١٣٢١ - ١٣٣٨)، الكواكب النيرات (٢٥٦ - ٢٥٨) مع حاشية المحقق، نهاية الاغتباط (١٧٠ - ١٧٦)، جامع التحصيل (٢٨٥)، تهذيب الكمال (١٢/ ٤٦٢ - ٤٧٥)، الميزان (١/ ٢٧٠ - ٢٧٤)، السّيَر (٨/ ٢٠٠ - ٢١٦)، التذكرة (١/ ٢٣٢)، المغني (١/ ٢٩٧)، من تكلم فيه (٩٩، ١٠٠)، الكاشف (١/ ٤٨٥)، تعريف أهل التقديس (٢٢٦)، التهذيب (٤/ ٣٣٣ - ٣٣٧)، الهدي (٤٥٧)، التقريب (٢٦٦)، التعليقة الأمينة (١١١)، التدليس في الحديث (٢٧٤)،
(٤) جامع: هو ابن أبي راشد، خلافاً لما جاء في المطبوع من سنن أبي داود، وفي صحيح ابن حبان، والصواب ما في (تحفة الأشراف ٧/ ٣٢) وكذا جاء في مسند البزار، ومعجم الطبراني الكبير، والمستدرك؛ لأن جامع بن شداد لم يرو عن أبي وائل. وجامع بن أبي راشد هو الكوفي الكاهلي الصيرفي، ربما روى عنه شريك وقال: جامع بن راشد وثقه أحمد، والعجلي، والنسائي، والفسوي.
وقال ابن حجر: ثقة فاضل، من الخامسة (ع).
ترجمته في:
طبقات ابن سعد (٦/ ٣٢٧)، العلل لأحمد (١/ ٥٥١، ٢/ ٦٠٢)، التاريخ الكبير (٣/ ٢٤١)، الجرح والتعديل
стр. 452
(٢/ ٥٣٠)، الثقات للعجلي (١/ ٢٦٥)، الثقات لابن حبان (٦/ ١٥٢) واخطأ في كنيته فقال أبو صخرة، المعرفة (٢/ ٧١٤)، تهذيب الكمال (٤/ ٤٨٥، ٤٨٦)، التهذيب (٢/ ٥٦)، التقريب (٣٧).
(٥) أبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، أدرك النبي ﷺ ولم يره، قال إبراهيم: أدركت الناس وهم متوافرون، وإنهم ليعدونه من خيارهم، وكان من أعلم أهل الكوفة بحديث ابن مسعود. وروايته عن أبي بكر مرسلة، وكان ربما أدخل مسروقاً بينه وبين عائشة. وثقه ابن سعد، ووكيع، وابن معين، والعجلي، ونقل ابن عبدالبر إجماعهم على توثيقه.
وقال ابن حجر: ثقة مخضرم، مات وله مائة سنة (ع).
ترجمته في:
طبقات ابن سعد (٦/ ٩٦ - ١٠٢)، الجرح والتعديل (٤/ ٣٧١)، التاريخ الكبير (٤/ ٢٤٥، ٢٤٦)، المراسيل (٨٨، ٨٩)، تاريخ بغداد (٩/ ٢٦٨، ٢٧١)، الثقات للعجلي (١/ ٤٥٩، ٤٦٠)، جامع التحصيل (١٩٧)، تهذيب الكمال (١٢/ ٥٤٨ - ٥٥٤)، السّيَر (٤/ ١٦١ - ١٦٦)، التذكرة (١/ ٦٠)، تهذيب تاريخ دمشق (٦/ ٣٣٦ - ٣٣٨)، الكاشف (١/ ٤٨٩)، التهذيب (٤/ ٣٦١ - ٣٦٣)، التقريب (٢٦٨).
درجة الحديث:
رجال إسناده ثقات سوى شريك فهو صدوق يخطئ وتغير حفظه بأخرة لكن الراوي عنه إسحاق الأزرق ممن سمع منه قبل تغيره، وهو من أروى الناس عنه وأعلمهم بحديثه وهذا يشعر أنه كان ينتقي من حديثه مالم يخطئ فيه فالحديث صحيح.
والشاهد وهو قوله: ﴿وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم﴾ دعاء ثابت فقد ورد في القرآن في (البقرة: ١٢٨).
ثم إن ابن جريج تابع شريكَّا على روايته عن جامع عند الحاكم، وقد صحح الحاكم الحديث على شرط مسلم، ووافقه الذهبي
وجود الهيثمي في (المجمع ١٠/ ١٧٩) إسناد الطبراني.
وحسنه السيوطي في (الجامع الصغير ومعه الفيض ٢/ ١١٨)
وصححه الألباني (صحيح د ١/ ١٨٢).
стр. 453
المبحث الرابع
أحاديث الأسماء المبدوءة بحرف الجيم
﴿الجبار﴾
المعنى في اللغة:
الجبر من العظمة والعلو والاستقامة، والجبار: الذي طال وفات اليد، يقال: فرس جبار ونخلة جَبَّارة وهي العظيمة التي تفوت يد المتناول، ويقال: أجبرت فلاناً على الأمر ولا يكون ذلك إلا بالقهر وجنس من التعظم عليه (١).
والجبرياء والتجبر: الكبر والتكبر، والجبروت: فعلوت من الجبر والقهر (٢).
المعنى في الشرع:
الجبار: هو الذي لاتناله الأيدي ولايجري في ملكه غير ما أراد.
فالله سبحانه هو جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها (٣)، وهو الذي جبر خلقه على ما يشاء من أمره بأن شرع لهم من الشرائع ما شاء وأمرهم باتباعها قال تعالى:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وهو المصلح أمور خلقه، ومصرفهم فيما فيه صلاحهم (٤). يدخل في معنى الجبار أنه سبحانه إذا اراد شيئا كان كما أراد ولم يمتنع عليه، وقد أحدث كل شيء عن عدم، وإذا أراد وجود شيء لم يتخلف كونه عن حال إرادته فيكون فعله له كالجبر (٥). والله هو القهار لكل شيء الذي دان وخضع له كل شيء.
وقيل: الجبار الذي لايُنال، وهو سبحانه العالي فوق خلقه، وهو الذي جبر مفاقر الخلق وكفاهم أسباب المعاش والرزق وهو المتكبر الذي لايرى لأحد عليه حقاً.
وهو يجبر الفقر بالغنى، وهو جابر كل كسير وفقير، وهو جابر دينه الذي ارتضاه (٦). وهو سبحانه يجبر المصاب بتوفيقه للثبات والصبر، ويعيضه على مصابه أعظم الأجر، ويجبر جبراً خاصاً قلوب الخاضعين لعظمته وجلاله، وقلوب المحبين بما يفيض عليهم من أنواع كراماته، وهذا الجبر في حقيقته اصلاح للعبد ودفع لجميع المكاره عنه (٧).
فالجبار بمعنى العلي الأعلى، وبمعنى القهار، وبمعنى الرءوف الجابر للقلوب المنكسرة وللضعيف العاجز ولمن لاذ به ولجأ إليه (٨).
قال ابن القيم (٩):
وكذلك الجبار من أوصافه ... والجبر في أوصافه قَسمان
جَبْرُ الضعيف وكل قلب قد غدا ... ذا كَسْرة فالجبر منه دان
стр. 454
والثاني جبر القهر بالعز الذي لاينبغي لسواه من إنسان
وله مسمى ثالث وهو العلو فليس يدنو منه من إنسان
وروده في القرآن:
ورد مرة واحدة في قوله تعالى:
﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣].
стр. 455
٩٤ - (٣٦) حديث أبي سعيد الخدري ﵁:
قال ﷺ : ﴿تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة﴾ أخرجه البخاري، ومسلم.
التخريج:
خ: كتاب الرقاق: باب يقبض الله الأرض يوم القيامة (٨/ ١٣٥) (الفتح ١١/ ٣٧٢).
م: كتاب صفة القيامة والجنة والنار: باب نزل أهل الجنة (١٧/ ١٣٥).
شرح غريبه:
خبزة: يريد الخبزة التي يصنعها المسافر ويضعها في المُلَّة، وهي الرماد الحار فإنها لا تبسط كالرقاقة وإنما تقلب على الأيدي حتى تستوي، والخبزة عند العامة هي الملة، وإنما الملة عند العرب الحفرة التي فيها الخبز، ولهذا قيل: يملونها إذا عملوها في الملة (غريب الحديث لأبي عبيد ٤/ ٢٠١).
يتكفؤها الجبار: أي يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي؛ لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها، مأخوذ من كفأت الإناء إذا قلبته (شرح النووي ١٧/ ١٣٥) (النهاية/كفأ/٤/ ١٨٣).
السُّفر: طعام يتخذه المسافر وأكثر ما يحمل في جلد مستدير فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمي به كما سميت المزادة راوية وغير ذلك من الأسماء المنقولة فالسُّفر في طعام السفر كاللُهنة للطعام الذي يؤكل بُكرة (النهاية/سفر/٢/ ٣٧٣).
نُزُلاً: النزل في الأصل: قرى الضيف (النهاية/نزل/٥/ ٤٣) ويطلق النزل على طعامهم الذي ينزلون عليه لأول وردهم (مشارق الأنوار ٢/ ٩)، النزل يطلق على: الرزق وعلى الفضل، ويقال أصلح للقوم نزلهم أي مايصلح أن ينزلوا عليه من الغذاء، وعلى ما يعجل للضيف قبل الطعام وهواللائق هنا، ويكون المراد أهل الجنة الذين سيصيرون إليها أعم من كون ذلك يقع بعد الدخول أو قبله (الفتح ١١/ ٣٧٣، ٣٧٤).
الفوائد:
(١) فيه دليل على عظيم القدرة.
стр. 456
(١) حرصه ﷺ على الإعلام بجزئيات يوم القيامة؛ ليكون السامع على بصيرة فيخلص نفسه من ذلك الهول؛ لأن في معرفة جزئيات الشيء قبل وقوعه رياضة للنفس، وحملها على مافيه خلاصها بخلاف مجيئه بغتة (الفتح ١١/ ٣٧٥).
(٣) إثبات يدي ربنا ، وهو البيان أن الله تعالى إنما يقبض الأرض بيده يوم القيامة بعدما يبدلها فتصير الأرض خبزة لأهل الجنة؛ لأن الله يقبضها وهي طين وحجارة ورضرض وحمأة ورمل وتراب (التوحيد لابن خزيمة ١/ ١٧٤).
(٤) أن المؤمنين لايعاقبون بالجوع في طول زمان الموقف، بل يقلب الله لهم بقدرته طبع الأرض حتى يأكلوا منها من تحت أقدامهم ماشاء الله بغير علاج ولاكلفة (الفتح ١١/ ٣٧٤)، (شرح الكرماني ٢٣/ ٣٢)، (العمدة ٢٣/ ١٠٢)، (شرح الأبي ٧/ ١٩٣، ١٩٤).
стр. 457
٩٥ - (٣٧) ثبت هذا الاسم ثلاث مرات في أثناء حديث أبي سعيد ﵁:
وهو حديث طويل في ذكر رؤية الله تعالى وفيه: ﴿فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار وذكر مناشدتهم ربهم أن يخرج إخوانهم الذين كانوا معهم في الدنيا من النار﴾، ثم قوله ﷺ بعد ذكره سقوط الكفار في النار قال: ﴿حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر فيقال لهم ما يحبسكم ـ وفي نسخة مايجلسكم ـ وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإننا سمعنا منادياً ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، قال: فيأتيهم الجبار فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا. فلا يكلمه إلا الأنبياء﴾، وفي آخر الحديث ﴿فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي ... ﴾ الحديث رواه البخاري، وعند مسلم بلفظ: ﴿فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين﴾ وفيه ﴿فيقول الله ... ﴾ الحديث بنحوه.
التخريج:
خ: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ (٩/ ١٥٨ - ١٦٠) (الفتح ١٣/ ٤٢٠).
وانظر: م: كتاب الإيمان: باب إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة (٣/ ٣٢).
شرح غريبه:
مناشدة: مطالبة، يقال: نشدت الضالة، فأنا ناشد إذا طلبتها (النهاية/نشد/٥/ ٥٣).
الفوائد:
(١) شدة اعتناء المؤمنين بالشفاعة لإخوانهم، حيث يناشدون ربهم في نجاة إخوانهم من النار أشد من مناشدة من يطالب بحق يكون ظاهراً له (شرح الكرماني ٢٥/ ١٤٩).
(٢) كرم الله تعالى حيث أذن لعباده المؤمنين في مناشدته، وطلب عفوه عن إخوانهم من المؤمنين الذين أُلقوا في النار بسبب جرائمهم، ومع ذلك ألهم المؤمنين الذين نجوا من عذاب النار ألهمهم مناشدته والشفاعة فيهم وأذن لهم بذلك (شرح التوحيد ٢/ ١٢٧).
стр. 458
٩٦ - (٣٨) حديث أنس بن مالك ﵁:
وهو حديث الإسراء والمعراج وقد رواه الأئمة بألفاظ متقاربة، وانفرد البخاري برواية الحديث من طريق شريك التي فيها: ﴿حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار ـ وفي نسخة ودنا للجبارـ رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه: خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة﴾، وفيه ﴿فعلا به إلى الجبار﴾ وجاء في آخرها في مراجعته ﷺ لربه في شأن الصلاة ﴿فقال: يارب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنا، فقال الجبار: يامحمد قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لايبدل القول لدي﴾، وفي آخره ﴿قال: فاهبط باسم الله﴾.
وقد روى حديث الإسراء والمعراج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بدون الشاهد.
التخريج:
خ: كتاب التوحيد: باب قوله: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ (٩/ ١٨٢ - ١٨٤) (الفتح ١٣/ ٤٧٧ - ٤٧٩)، وقد أعاده مختصراً في مواضع وليس فيها الشاهد.
كتاب الصلاة: باب كيف فرضت الصلوات (١/ ٩٧) (الفتح ١/ ٤٥٩)
وانظر: كتاب مناقب الأنصار: باب حديث الإسراء (٥/ ٦٦ ـ ٦٩) (الفتح ٧/ ١٩٦).
م: كتاب الإيمان: باب الإسراء برسول الله إلى السموات، وفرض الصلوات (٢/ ٢٠٩ - ٢٢٧).
ت: أبواب الصلاة ماجاء كم ف رضي الله على عباده من الصلوات (١/ ٤١٧) مختصراً، وقال: حسن صحيح غريب.
س: كتاب الصلاة فرض الصلاة، واختلاف الناقلين في إسناد حديث أنس بن مالك واختلاف ألفاظهم فيه (١/ ٢١٧ - ٢٢٤).
جه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ماجاء في فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها (١/ ٤٤٨).
الفوائد:
(١) فيه إثبات الكلام لله ، وأنه سبحانه كلم نبينا محمد ﷺ بلا واسطة وسمع كلامه وخطابه بقوله: يامحمد، وجواب النبي ﷺ : لبيك وسعديك. وقد عقد البخاري الباب للرد على منكري كلام الله حقيقة (شرح كتاب التوحيد ٢/ ٤٣٠، ٤٣١، ٤٦٢).
стр. 459
(٢) بيان نصحه وشفقته ﷺ بهذه الأمة.
(٣) عظم قدر الصلاة والاهتمام بها حيث فرضت في ذلك الموقف القريب، ولم يفرض غيرها (شرح
التوحيد ٢/ ٤٦١).
(٤) هذا الحديث من أدلة العلو لله .
(٥) فيه إثبات الدنو لله تعالى على مايليق به، وقد استبعد بعض العلماء ذلك منهم الخطابي، وتبعه العيني وطرّق احتمالين:
الأول: أنه موقوف على أنس.
الثاني: أن الألفاظ التي فيه من شريك؛ فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ مثل هذه الأحاديث إذ رواها من حيث لا يتابعه عليها سائر الرواة، وقد روي هذا الحديث عن أنس وليس فيه هذه الألفاظ. (أعلام الحديث ٤/ ٢٣٥٣)، (العمدة ٢٥/ ١٧٣).
ويُردّ على هذا الاعتراض بأن دنو الله أمر ثابت في الكتاب والسنة، وإضافة القول إلى أنس ﵁ من تلقاء نفسه أمر مستبعد، وقد استفاض الغنيمان في الرد على من ادعى نكارة هذا اللفظ (شرح التوحيد ٢/ ٤٥٤ - ٤٦١)، ودافع ابن حجر عن الحديث في (الفتح ١٣/ ٤٨٣ - ٤٨٥).
стр. 460
٩٧ - ورد فيه حديث أبي هريرة ﵁:
قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا هشام بن عمار.
وقال ابن ماجه رحمه الله تعالى: حدثنا هشام بن عمار.
حدثنا عبدالحميد بن حبيب بن أبي العشرين حدثنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة فقال أبو هريرة: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، فقال سعيد: أفيها سوق؟ قال نعم، أخبرني رسول الله ﷺ ﴿أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم، ثم يُؤْذَن في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون ربهم، ويُبْرزُ لهم عرشَه، ويتبدّى لهم في روضة من رياض الجنة، فتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم وما فيهم من دني على كثبان المسك والكافور وما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلساً﴾ ثم ذكر رؤية الله ﵎ ثم قوله ﷺ : ﴿ولا يبقى في ذلك المجلس رجل إلا حاصره الله محاصرة حتى يقول للرجل منهم: يافلان بن فلان أتذكر يوم كذا وكذا؟ فيذكر ببعض غدراته في الدنيا فيقول: يارب أفلم تغفرلي؟ فيقول: بلى فَسَعَةُ مغفرتي بلغت بك منزلتك هذه. فبينما هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيباً لم يجدوا مثل ريحه شيئاً قط، ويقول ربنا ﵎: قوموا إلى ماأعددتُ لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم. فنأتي سوقاً قد حَفْت به الملائكة، فيه مالم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على القلوب فيُحملُ لنا مااشتهينا ليس يباع فيها ولا يشترى، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضاً. وذكر لقاء ذي المنزلة المرتفعة بمن دونه وأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن في الجنة، ثم قال: ﴿ثم ننصرف إلى منازلنا، فيتلقانا أزواجنا فيقلن: مرحباً وأهلاً لقد جئتَ وإن بك من الجمال أفضل مما فارقتنا عليه، فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار، وبحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا﴾ هذا لفظ الترمذي.
ورواه ابن ماجه باختلاف يسير حيث زاد: ﴿منابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زَبَرْجد﴾ (١) وفيه: ﴿إلا حاضره الله محاضرة﴾ وفي آخره: ﴿من الجمال والطيب﴾ مع ذكر قوله: ﴿ ﴾ عند ذكر أسماء الله تعالى.
التخريج:
ت: كتاب صفة الجنة: باب ما جاء في سوق الجنة (٤/ ٦٨٥، ٦٨٦)
جه: كتاب الزهد: باب صفة الجنة (٢/ ١٤٥٠ - ١٤٥٢)
ورواه ابن أبي عاصم في (السنة ٢/ ٢٥٨ - ٢٦٠)
وتمام في (الفوائد ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٥)
وابن حبان في (صحيحه ١٦/ ٤٦٦ - ٤٦٨)
والمزي في (تهذيب الكمال (١٦/ ٤٢٣ - ٤٢٥)