﴿الجامع﴾
المعنى في اللغة:
الجمع: تضام الشيء (١).
وأمر جامع: يجمع الناس، والجميع: ضد المتفرق (٢).
المعنى في الشرع:
الجامع: هو الذي يجمع الخلائق ليوم لاريب فيه بعد مفارقة الأرواح الأبدان؛ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. فهو جامع ما تفرق، واستحال من الأموات الأولين والآخرين بكمال قدرته وسعة علمه، وقيل: الجامع هو الذي جمع الفضائل، وحوى المآثر والمكارم (٣)، وقيل: هو مؤلف المفترق، أو المؤلف بين المتماثلات والمتباينات والمتضادات في الوجود (٤).
وروده في القرآن:
جاء مضافاً في موضعين هما قوله تعالى:
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران: ٩].
﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠].
وجاء بلفظ الفعل في مواضع عدة منها قوله تعالى:
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [المرسلات: ٣٨].
﴿الجليل﴾
المعنى في اللغة:
جَلّ الشيء: عظم، وجُلُّه: مُعْظمه، وجلال الله: عظمته (١).
ويقال: جل جلالة أي عظم قدره فهو جليل، والتجالُّ: التعاظم، يقال: فلان يتجالُّ عن ذلك أي: يترفع عنه (٢).
المعنى في الشرع:
الجليل: الموصوف بنعوت الجلال، الحاوي جميعها وهو الجليل المطلق، وهذا راجع إلى كمال الصفات، كما أن الكبير راجع إلى كمال الذات، والعظيم إلى كمال الذات والصفات (٣).
والجليل: عظيم الشأن والمقدار، فهو الجليل الذي يصغر دونه كل جليل، ويتضِّع معه كل رفيع. وهو سبحانه بيِّن الجلال والجلالة (٤).
وهو سبحانه الجليل الذي له أوصاف الجلال، وهي أوصاف العظمة والكبرياء ثابتة محققة لايفوته منها وصف جلال وكمال (٥).
وهو الجليل المستحق للأمر والنهي فإن جلال الواحد فيما بين الناس إنما يظهر بأن يكون له على غيره أمر نافذ لايجد من طاعته فيه بداً، فإذا كان من حق الباري جل ثناؤه على من أبدعه أن يكون أمره عليه نافذاً، وطاعته له لازمة وجب له اسم الجليل حقاً (٦).
وروده في القرآن:
لم يرد اسم الجليل في القرآن، والذي ورد فيه وصفه سبحانه بأنه ذو الجلال والإكرام.
стр. 74
﴿الحافظ، الحفيظ﴾
المعنى في اللغة:
الحفظ: مراعاة الشيء.
والتحفظ: قلة الغفلة، والحفاظ: المحافظة أي المواظبة على الأمور (١).
والحفظ: نقيض النسيان، والحفيظ: الموكل بالشيء يحفظه (٢).
المعنى في الشرع:
الحفيظ هو: الموثوق منه بترك التضييع، وهو الذي لايعزب عن حفظه الأشياء كلها مثقال ذرة في السموات والأرض، وقد حفظ على خلقه وعباده ما يعملون من خير أو شر وأحصى أقوالهم، وعلم نياتهم فلاتغيب عنه غائبة، وقد حفظ السموات والأرض بقدرته ولايؤده حفظهما وهو العلي العظيم، وقد حفظهما وما فيهما لتبقى مدة بقائها فلا تزول ولا تدثر.
وهو سبحانه حافظ العباده يكلؤهم بطَوله وإنعامه.
وهو يحفظ عبده من المهالك والمعاطب، ويقيه مصارع السوء وقد جعل له حفظة هم المعقبات.
وهو سبحانه يحفظ أولياءه فيعصمهم عن مواقعة الذنوب، ويحرسهم عن مكايدة الشيطان ليسلموا من شره وفتنته (٣).
وهو الحفيظ الذي حفظ ما خلقه، وأحاط علمه بما أوجده، وحفظ أولياءه من وقوعهم في الذنوب والهلكات، ولطف بهم في السكنات والحركات، وأحصى عليهم أعمالهم وجزاءها (٤).
وحفظه لخلقه عام وخاص:
فالعام: حفظه لجميع المخلوقات بتيسيره لها ما يقيتها ويحفظ بنيتها، وتمشي إلى مصالحها بإرشاده وهدايته العامة.
والخاص: حفظه لأوليائه فيحفظهم عما يضر إيمانهم أو يزلزل إيقانهم من الشبه والفتن والشهوات، فيعافيهم ويخرجهم بسلامة وحفظ وعافية، ويحفظهم من أعدائهم من الجن والإنس
فينصرهم عليهم ويدفع عنهم كيدهم، وعلى حسب ما عند العبد من الإيمان تكون مدافعة الله عنه
بلطفه (٥).
وحفظ الله لعبده المؤمن نوعان:
أحدهما: حفظه في مصالح دنياه كحفظه في بدنه وأهله وولده وماله، فجعل للعبد معقبات يحفظونه بأمر الله.
وثانيهما: حفظه في دينه وإيمانه فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة ويحفظه عليه عند موته فيتوفاه على الإيمان (٦).
стр. 75
قال ابن القيم (١):
وهو الحفيظ عليهم وهو الـ ... كفيل بحفظهم من كل أمر عان
وروده في القرآن:
جاء الحفيظ في ثلاثة مواضع منها قوله تعالى:
﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾ [سبأ: ٢١].
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾ [الشورى: ٦].
وجاء بلفظ خير حافظاً في قوله تعالى:
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾ [يوسف: ٦٤].
وجاء بلفظ حافظ ـ بالجمع ـ في موضعين منهما قوله تعالى:
﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾ [الأنبياء: ٨٢].
стр. 76
﴿الحكيم ومعه الحكم﴾
المعنى في اللغة:
الحكم: المنع، وأولُّه: المنع من الظلم، يقال: حكمت الدابة إذا منعتها، والحكمة: تمنع من الجهل، تقول: حكّمت فلاناً تحكيماً: منعته عما يريد، والمحكّم: المجرب المنسوب إلى الحكمة (١).
والحكيم: هو الذي يحسن دقائق الصناعات ويتقنها، والحكيم: العالم صاحب الحكمة، والحكم: القضاء بالعدل (٢)، والحكيم أيضاً: من يمتنع عن فعل القبائح، ويمنع نفسه منها وهو مأخوذ من حَكَمة اللجام وهي: الحديدة التي تمنع الفرس وترده إلى مقصد الراكب، والحاكم: الفاصل بين الناس بعلمه والملزم لهم ما لا يمكنهم مخالفته ولا يدعهم أن يخرجوا عنه (٣)، وهو يمنع الخصمين من التظالم (٤).
المعنى في الشرع:
الله سبحانه هوالحكم الذي سُلم له الحكم ورُدَّ إليه فيه الأمر، وهو الحكيم الذي يُحكم الأشياء ويتقنها ويحسن التدبير لها، وقيل: الحكيم ذو الحكمة؛ فهو سبحانه لايقول ولايفعل إلا الصواب (٥).
وهو حكيم عليم؛ لأن الفاعل للأشياء المتقنة المحكمة لايجوز أن يكون جاهلاً بها.
والحكمة حكمتان: علمية وعملية: فالعلمية: هي الاطلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها، والعملية: بوضع الشيء في موضعه، وهو سبحانه حكيم فأفعاله محكمة متقنة لاتفاوت فيها ولا اضطراب، وهي متسقة منتظمة يتعلق بعضها ببعض (٦). وهو الحكم بين الخلق؛ لأنه الحكم في الآخرة ولا حكم غيره، والحكام في الدنيا إنما يستفيدون الحكم من قبله تعالى (٧).
والله سبحانه هو الحكم في الدنيا والآخرة فيحكم في الدنيا بينهم بوحيه الذي أنزله على أنبيائه، وفي الآخرة يحكم بينهم بعلمه فيما اختلفوا فيه وينصف المظلوم من الظالم.
والله سبحانه له الحكمة العليا في خلقه وأمره الذي أحسن كل شيء خلقه، فلا يخلق شيئا عبثاً ولايشرع شيئاً سدى الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام كلها لايشاركه فيها مشارك
وهو الذي يحكم بين عباده في شرعه وقدره وجزائه (٨).
وهو واسع العلم والاطلاع على مبادئ الأمور وعواقبها، وهو واسع الحمد تام القدرة غزير الرحمة يضع الأشياء في مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلقه وأمره.
والله حكيم لا يتوجه إليه ـ سبحانه ـ سؤال، ولايقدح في حكمته مقال، وحكمته سبحانه نوعان:
стр. 77
أحدهما: الحكمة في خلقه: فقد خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات، وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته وهيئته فلا يرى أحد في خلقه خللا ولانقصاً، وحسب العقلاء الحكماء أن يعرفوا كثيراً من حِكَمه.
والثاني: الحكمة في شرعه وأمره: فقد شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل؛ ليعرفه عباده ويعبدوه، ولاحكمة أجل من هذا؛ فإن معرفته تعالى وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص العمل له، وحمده وشكره، والثناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق.
وأوامره ونواهيه محتوية على غاية الحكمة والصلاح والإصلاح للدين والدنيا فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما فيه مضرة خالصة أو راجحة، ومن حكمته تعالى أن ماجاء به محمد ﷺ من الدين والقرآن أكبر البراهين على صدقه وصدق ما جاء به؛ لكونه محكماً كاملاً لايحصل الصلاح إلا به.
وبالجملة: فالله حكيم في أحكامه القدرية، والشرعية، والجزائية. (١)
وقد أطال ابن القيم في بيان معنى الحكيم ومن ذلك قوله (٢):
وهو الحكيم وذاك من أوصافه ... نوعان أيضاً ماهما عدمان
حكم وأحكام فكل منهما ... نوعان أيضاً ثابتا البرهان
والحكم شرعي وكوني ولا ... يتلازمان وماهما سيان
ورودها في القرآن:
جاء اسم الحكم في قوله تعالى:
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤].
وجاء الحكيم معرفاً في ثمانية وثلاثين موضعاً قُرن في تسعة وعشرين منها بالعزيز، وفي ستة مواضع بالعليم، وفي ثلاثة منها بالخبير ومن ذلك قوله تعالى:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ: ١].
стр. 78
وجاء بلفظ: حكيم في ثمانية وثلاثين موضعاً قرن في عشرين منها بعليم، وفي ثلاثة عشر موضعاً بعزيز، واقترن مرة بكل من عليٌ وحميد، وتواب، وخبير ومن أمثلته قوله تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ [النمل: ٦].
وحاء بالنصب حكيماً في ستة عشر موضعاً قرن في عشرة منها بعليم، وفي خمسة بعزيز، وفي موضع بواسع وهو قوله تعالى:
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ [النساء: ١٣٠].
وجاء بلفظ خير الحاكمين في ثلاثة مواضع منها: قوله تعالى:
﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ [الأعراف: ٨٧].
وحاء بلفظ: أحكم الحاكمين في موضعين منهما: قوله تعالى على لسان نوح:
﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ [هود: ٤٥].
стр. 79
﴿الخافض الرافع﴾
المعنى في اللغة:
الانخفاض: الانحطاط بعد العلو.
الرفع: خلاف الوضع، تقول: رفعت الشيء رفعاً، وهو خلاف الخفض، وارتفع الشيء إذا علا (١).
المعنى في الشرع:
الخافض: هو الذي يخفض الجبارين والفراعنة أي: يضعهم ويهينهم، ويخفض كل شيء يريد خفضه.
والرافع: هو الذي يرفع المؤمنين بالإسعاد وأولياءه بالتقريب (٢)، فيرفع منزلتهم في الدنيا بإعزاز كلمتهم، وفي الآخرة بارتفاع درجتهم وكل ذلك حكمه منه وصواب، ولا يعلو إلا من رفعه الله، ولا يتضع إلا من وضعه وخفضه (٣).
وقيل: معناهما: يخفض القسط ويرفعه وفُسِّر بأنه يخفض العدل بتسليطه ذا الجور، ويرفع العدل بإظهار العدل، فيخفض القسط بأهل الجور، ويرفع العدل بأئمة العدل، وهو في خفضه العدل ورفعه أخرى يبتلي عباده كيف صبرهم على ما يسؤهم، وشكرهم على ما يسرهم (٤).
قال ابن القيم (٥):
هو قابض هو باسط هو خافض هو رافع بالعدل والميزان
ورودهما في القرآن:
لم يردا بلفظ الاسم ولكن ورد الفعل يرفع في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].
وجاء بلفظ الماضي كثيراً ومنه قوله تعالى:
﴿الدائم﴾
المعنى في اللغة:
الدوام: السكون واللزوم، يقال: دام الشيء يدوم: إذا سكن، ويقال: عمل ديمة: أي دائم، وهو ما يدوم عليه صاحبه (١).
المعنى في الشرع:
الله هو الدائم: أي الموجود لم يزل، الموصوف بالبقاء الذي لايستولي عليه الفناء (٢).
وروده في القرآن:
لم يرد هذ الاسم في القرآن، ولم يوصف به الله تعالى، وقد انفردت به رواية ابن ماجه، وجاء في القرآن وصفاً لأُكُل الجنة في قوله تعالى:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥].
وفي وصف المصلين
﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ [المعارج: ٢٣].
стр. 82
﴿الرءوف﴾
المعنى في اللغة:
الرأفة: الرقة والرحمة، وقيل: الرأفة أخص وأرق من الرحمة، ورأف: إذا رحم (١). والرأفة هي المنزلة الثانية فإنه يقال: فلان رحيم فإذا اشتدت رحمته فهو رؤوف (٢).
وقيل: إن الرحمة قد تكون في الكراهة للمصلحة، ولاتكاد الرأفة تكون في الكراهة (٣)؛ ذلك أن الرافة نعمة مُلذّة من جميع الوجوه، والرحمة قد تكون مؤلمة في الحال، وفي عقباها لذة، فضربُ العاصين على عصيانهم ـ حداً أو تعزيراً ـ رحمة لهم لا رأفة؛ فإن صفة الرأفة إذا انسدلت علىمخلوق لم يلحقه مكروه (٤).
المعنى في الشرع:
الرءوف هو: الرحيم بعباده العطوف عليهم بألطافه ورأفته عليهم. (٥) والله سبحانه ذو رأفة بجميع عباده والرأفة: أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة، والله سبحانه أرأف بعباده من أن يؤاخذهم بترك مالم يفرضه عليهم (٦).
ومن رأفته سبحانه أنه لم يحملهم مالا يطيقون بل حملهم أقل مما يطيقون بدرجات كثيرة، ومع ذلك غلَّظ فرائضه في حال شدة القوة، وخففها في حال الضعف ونقصان القوة، وهذا كله رأقة ورحمة (٧).
وروده في القرآن:
جاء اسم الرءوف في عشرة مواضع، فورد بلفظ رؤوف بالعباد في موضعين منها قوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧].
وجاء مقروناً بالرحيم في ثلاثة مواضع منها قوله تعالى:
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].
﴿الراشد، الرشيد﴾
المعنى في اللغة:
الرشُد، والرَّشاد، والرَشد: نقيض الغي والضلال، يقال: رشد الرجل فهو راشد: إذا أصاب وجه الأمر والطريق، وأرشده الله: هداه (١).
المعنى في الشرع:
إن الله هو الرشيد: قوله رشد وفعله كله رشد (٢).
وهو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم أي: هداهم ودلهم عليها، وقيل: هو الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سبيل السداد من غير إشارة مشير ولاتسديد مسدد (٣)، فهو سبحانه الحكيم ذو الرشد؛ لاستقامة تدبيره، وإصابته في أفعاله، وهو الذي أرشد أولياءه خاصة إلى الجنة وطرق الثواب (٤).
قال ابن القيم (٥):
وهو الرشيد فقوله وفعاله رشد وربك مرشد الحيران
وكلاهما حق فهذا وصفه والفعل للإرشاد ذاك الثاني
وروده في القرآن:
لم يرد هذا الاسم في القرآن، وجاء وصفاً لغير الله كما في قوله تعالى:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هود: ٧٨].
وجاء الراشد وصفاً للمؤمنين بصيغة الجمع في قوله تعالى:
﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ [الحجرات: ٧].
﴿الرزاق﴾
стр. 85
وسيأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى مع اسم ﴿الرازق﴾ (٦) (انظر ص)
стр. 86
﴿الرقيب﴾
المعنى في اللغة:
الرقيب: هو الحارس الحافظ، وهو الموكل بحفظ الشيء المتحرز عن الغفلة فيه، ويقال: رقَبَ أي انتصب أوانتظر لمراعاة شيء. وراقب الله تعالى في أمره: أي خافه (١).
المعنى في الشرع:
الله سبحانه رقيب على كل شيء، حفيظ لايعزب عنه علم شيء من ذلك، ولايئوده حفظ ذلك كله (٢). فالرقيب: هو الحافظ الذي لايغيب عنه شيء، وهو لايغيب عما يحفظه (٣).
والله سبحانه هو المطلع على ما أكنته الصدور، وهو القائم على كل نفس بما كسبت الذي حفظ المخلوقات وأجراها على أحسن نظام وأكمل تدبير (٤).
وهو سبحانه الرقيب على ما دار في الخواطر، وما تحركت به اللواحظ ومن باب أولى الأفعال الظاهرة بالأركان (٥).
وهو سبحانه لايغفل عما خلق فيلحقه نقص، أو يدخل عليه خلل من قبل غفلته عنه (٦).
قال ابن القيم (٧):
وهو الرقيب على الخواطر واللـ ... واحظ كيف بالأفعال بالأركان
وروده في القرآن:
ورد هذا الاسم في ثلاثة مواضع هي قوله تعالى:
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٧].
﴿السامع ومعه السميع﴾
المعنى في اللغة:
السمع: إيناس الشيء بالأذن من الناس وكل ذي أذن، تقول: سمعت الشيء سمعاً (١).
والسمع حس الأذن ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧]
والسمع أيضاً: المصدر، والإسماع: القبول والعمل بما يسمع؛ لأن من لم يقبل ولم يعمل فهو بمنزلة من لم يسمع، وتسمّع: أصغى، وتأتى سمع بمعنى أجاب ومنه قوله: سمع الله لمن حمده أي أجاب حمده وتقبله؛ لأن غرض السائل الإجابة والقبول، ومنه: جوف الليل أسمع أي: أوفق لاستماع الدعاء فيه، وأولى بالاستجابة، والظاهر الأكثر من كلام العرب أن السميع بمعنى السامع (٢).
وفعل السمع يطلق على أربعة معان: سمع إدراك ومتعلقه الأصوات، وسمع فهم وعقل ومتعلقه المعاني، وسمع إجابة وإعطاء ما سئل، وسمع قبول وانقياد (٣).
المعنى في الشرع:
الله سبحانه سميع لما تنطق به خلقه من قول، ولايعزب عنه إدراك مسموع وإن خفي، قد وسع سمعه كل شيء، وهو سبحانه سميع ذوسمع بلا تكييف ولاتشبيه بالسمع من خلقه، ولاسمعه كسمع خلقه (٤)، وهو سبحانه يسمع السر والنجوى سواء عنده الجهر والخفوت والنطق والسكوت، كما أنه سبحانه يقبل قول حامده، ويجيب دعاء مَنْ يدعوه (٥).
والمخلوق يكون صغيراً لايسمع، فإن سمع لم يعقل ما يسمع، فإذا عقل ميّز بين المسموعات فأجاب عن الألفاظ بما يستحق، وميَّز بين الصوت الحسن والقبيح، وميَّز الكلام المستحسن من المستقبح، ثم كان لسمعه مدى إذا جاوزه لم يسمع، وإن كلَّمه جماعة في وقت واحد عجز عن استماع كلامهم وعن إدراك جوابهم، والله هو السميع لدعاء الخلق وألفاظهم عند تفرقهم واجتماعهم مع اختلاف ألسنتهم ولغاتهم، بل يعلم مافي قلب القائل قبل أن يقول، وقد يعجز القائل عن التعبير عن مراده فيعلم الله فيعطيه الذي في قلبه، ثم إن المخلوق يزول عنه السمع بالموت والله تعالى لم يزل ولا يزال يفني الخلق، ويرثهم فإذا لم يبق أحد قال: لمن الملك اليوم؟ فلا يكون من يرد، فيقول: لله الواحد القهار (٦).
стр. 89
والله سبحانه هوالسميع الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات، فكل ما في العالم العلوي والسفلي من الأصوات يسمعها سرها وعلنها، وكأنها لديه صوت واحد لاتختلط عليه الأصوات، ولاتخفى عليه جميع اللغات، والقريب منها والبعيد والسر والعلانية عنده سواء. (١)
وسمعه سبحانه نوعان: أحدهما: سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة الخفية والجلية، وإحاطتة التامة بها. والثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين فيجيبهم ويثيبهم (٢).
وقد يأتي السمع في القرآن مراداً به النصر والتأييد كما في قوله تعالى لموسى وهارون:
﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦]،
أو مراداً به الوعيد والتهديد كما في قوله تعالى:
﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]
قال ابن القيم (٣):
وهو السميع يرى ويسمع كل ما ... في الكون من سر ومن إعلان
ولكل صوت منه سمع حاضر ... فالسر والإعلان مستويان
والسمع منه واسع الأصوات لا ... يخفى عليه بعيدها والداني
وروده في القرآن:
جاء بلفظ: السميع بال وبدونها في تسعة وثلاثين موضعاً قرن في ثلاثين منها بالعليم، وفي ثمانية بالبصير، وفي موضع بقريب ومن ذلك قوله تعالى:
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ [يونس: ٦٥].
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
стр. 90
وجاء سميعاً بالنصب في أربعة مواضع قرن بالبصير في ثلاثة منها وبالعليم في موضع واحد، وقوله السميع في موضع واحد، وجاء سميع الدعاء في قوله تعالى:
حكاية عن زكريا ﵇:
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾ [آل عمران: ٣٨].
وجاء بلفظ: لسميع الدعاء في قوله تعالى:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾ [إبراهيم: ٣٩].
أما السامع فإنه لم يرد في القرآن اسماً لله تعالى. (١)
стр. 91
﴿الشديد﴾
المعنى في اللغة:
الشدة: القوة (١)، والصلابة وهي نقيض اللين، يقال: شَدَّ الله ملكه أي قوَّاه، والشديد: الرجل القوي كأنه يذهب به إلى معنى شدة البدن وصلابته وجلده (٢).
المعنى في الشرع:
الشديد: أي القوي، والله شديد العقاب (٣).
ولم يثبت هذا الاسم الشديد، ويغني عنه اسم المتين فهو الشديد في جميع صفات الجبروت ، فيخبر عن الله بأنه شديد ولايسمى به والله أعلم (٤).
وروده في القرآن:
تقدم أنه لم يثبت فهو لم يرد في القرآن، وإنما جاء الشديد وصفاً للعذاب، كما جاء في وصف الله تعالى بأنه شديد العذاب في قوله تعالى:
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥].
وجاء شديد العقاب في ثلاثة عشر موضعاً منها قوله تعالى:
﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ
﴿الشكور﴾
المعنى في اللغة:
الشكر: الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه، ويقال: إن حقيقة الشكر الرضا باليسير، ويطلق الشكر على الامتلاء والغزر على الشيء (١). وعلى عرفان الإحسان ونشره، والفرق بينه وبين الحمد: أن الحمد يكون عن يد وعن غير يد، والشكر لايكون إلا عن يد.
والشكر من الله: المجازاة والثناء الجميل، والشكور: كثير الشكر، والشكر هو: مقابلة النعمة بالقول والفعل والنيَّة فيثني على المنعم بلسانه ويذيب نفسه في طاعته، ويعتقد أنه موليها (٢).
المعنى في الشرع:
الله سبحانه: شكور للحسنات يضاعفها، وهو سبحانه يشكر لهم نعماً هو أعطاهم إياها وجعلها لهم (٣).
وهو الذي يزكو عنده اليسير من أعمال العباد فيضاعف لهم الجزاء، ولايضيع لديه عمل عامل، ومن شكره لعباده مغفرته لهم (٤). وهو سبحانه يعطي الجزيل من النعمة فيرضى باليسير من
الشكر (٥).
ومن شكره إثابته الشاكر على شكره فجعل ثوابه للشكر وقبوله للطاعة شكراً، وهو سبحانه شكور يدوم شكره ويعم كل مطيع، وكل صغير من الطاعة أو كبير (٦).
وشكر الله تعالى ليس كشكر المخلوقين فمن ذلك أن المخلوق يشكر من أحسن إليه، والله سبحانه يشكر لنا إحساننا إلى أنفسنا (٧).
وهو الذي يشكر القليل من العمل، ويغفر الكثير من الزلل، ويضاعف للمخلصين أعمالهم بغير حساب، ويشكر الشاكرين، ويذكر من ذكره (٨). ومن فعل شيئاً لأجله ـ سبحانه ـ أعطاه فوق المزيد، ومن ترك شيئا لأجله عوضه خيراً منه، وهو سبحانه وفَّق المؤمنين لمرضاته، ثم شكرهم على
ذلك وأعطاهم من كراماته مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهذا ليس واجباً عليه ـ سبحانه ـ وإنما أوجبه على نفسه جوداً وكرماً (٩).
والله هو الشكور على الحقيقة، فهو يشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، ويشكر عبده بقوله بأن يثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى، ويلقي له الشكر بين عباده، ويشكره بفعله فإذا ترك له
стр. 94
شيئا أعطاه أفضل منه وإذا بذل له شيئا رده عليه أضعافاً مضاعفة، وهو الذي وفقه للترك والبذل وشكره على هذا وذاك (١).
قال ابن القيم (٢):
وهو الشكور فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلاحسبان
وروده في القرآن:
جاء الشكور في أربعة مواضع قرن في ثلاثة منها بالغفور، وفي موضع بالحليم قال تعالى:
﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٣٠] [فاطر: ٣٠].
﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧]
وجاء بلفظ شاكر في موضعين قرن فيهما بالعليم قال تعالى:
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨].
стр. 95
﴿الصادق﴾
المعنى في اللغة:
الصدق يدل على قوة في الشيء قولاً وغيره، ومن ذلك: الصدق خلاف الكذب سمّى لقوته في نفسه ولأن الكذب لاقوة له (١)، والصدِّيق: دائم التصديق وهو الذي يصدِّق قوله بالعمل، والصدق: الشجاعة والصلابة.
والصَّدق ـ بفتح الصاد ـ الكامل من كل شيء، وهو الجامع للأوصاف المحمودة (٢).
المعنى في الشرع:
الله هو الصادق في جميع ما أخبر به عباده (٣)، وقد خاطبهم وأخبرهم بما يرضيه وما يسخطه، ومالهم من الثواب عنده إذا أرضوه والعقاب إذا أسخطوه فصدقهم ولم يلبس عليهم (٤)، وهو سبحانه الذي يَصْدق قوله، ويَصْدق وعده (٥).
وذكر ابن تيمية اسم الصادق في الأسماء الحسنى (٦).
وروده في القرآن:
لم يرد اسم الصادق في القرآن اسماً لله وإنما جاء وصفاً للمخلوقين ومن ذلك قوله تعالى:
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤].
وحاء بلفظ: أفعل التفضيل، وبلفظ الفعل قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤].
стр. 96
﴿الصبور﴾
المعنى في اللغة:
الصبر: الحبس، يقال: صبر نفسه على الأمر أي حبسها، والصُّبر: أعالي الشيء. والصبر: نقيض الجزع، وهو حبس النفس عند الجزع (١).
المعنى في الشرع:
الصبور تعالى وتقدس: هو الذي لايعاجل العصاة بالانتقام منهم بل يؤخر ذلك إلى أجل مسمى ويمهلهم لوقت معلوم ومعناه قريب من معنى الحليم والفرق بينهما: أن المذنب لايأمن العقوبة في صفة الصبور كما يأمنها في صفة الحليم (٢).
والله سبحانه يدُّر على عباده الأرزاق ـ المطيع منهم والعاصي ـ والعصاة لايزالون في محاربته وتكذيبه وتكذيب رسله، والسعي في إطفاء دينه، وهو سبحانه صبور على ما يقولون ويفعلون يتتابعون في الشرور، وهو يتابع عليهم النعم، وصبره أكمل صبر؛ لأنه عن كمال قدرة وكمال غنى عن الخلق، وكمال رحمة وإحسان، وهو سبحانه يحب الصابرين ويعينهم في كل أمورهم (٣).
قال ابن القيم (٤):
وهو الصبور على أذى أعدائه ... شتموه بل نسبوه للبهتان
قالوا له ولد وليس يعيدنا ... شتماً وتكذيباً من الإنسان
هذا وذاك بسمعه وبعلمه ... لو شاء عاجلهم بكل هوان
لكن يعافيهم ويرزقهم وهم ... يؤذونه بالشرك والكفران
وروده في القرآن:
لم يرد هذا الاسم لله تعالى (٥) وإنما ورد وصفاً للمؤمنين فجاء بلفظ: صابر، وصبار، وبالجمع ومن ذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
стр. 97
﴿الضار، النافع﴾
المعنى في اللغة:
الضُّر والضَّر قيل: هما لغتان، وقيل: لكل منهما استعمال فيطلق الضُّر ـ بالضم ـ على الهزال وسوء الحال، وعلى الفقر والشدة في البدن، والضَّر ـ بالفتح ـ هو ضد النفع، والضراء: النقص في الأموال والأنفس.
والنفع ضد الضُرِّ (١).
المعنى في الشرع:
إن الله تعالى هو النافع الضار: ينفع من يشاء من خلقه ويضره حيث هو خالق الأشياء كلها خيرها وشرها، ونفعها وضرها.
وهما من أسماء الله المقترنة فلا يفرد الاسم الضار عن قرينه؛ لأن اقترانهما يدل على العموم وهو أدل على القدرة وتمام الحكمة، وكل ما في الوجود من رحمة ونفع ومصلحة فهو من فضله تعالى وما في الوجود من غير ذلك فهو من عدله فكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل والخير والشر بيد الله تعالى، وهو مسبب كل خير ودافع كل شر، والخلق تحت لطفه يرجون كرمه (٢).
وفي اجتماع الوصف لله بالنفع والضر وصف بالقدرة على نفع من شاء وضَرِّ من شاء؛ لأن من لم يكن على النفع والضر قادراً لم يكن مرجواً ولا مخوفاً، وقيل: قد يكون معناه أنه سبحانه يقلب الضار بلطيف حكمته منافع فيشفي بالسم القاتل إذا شاء كما يميت به إذا شاء؛ ليعلم أن الأسباب إنما تنفع وتضر إذا اتصلت المشيئة بها (٣).
قال ابن القيم (٤):
هذا ومن أسمائه ماليس يفـ ... رد بل يقال إذا أتى بقران
وهي التي تدعى بمزدوجاتها ... أفرادها خطر على الإنسان
إذ ذاك موهم نقص جل رب ... العرش عن عيب وعن نقصان
كالمانع المعطي وكالضار الذي ... هو نافع وكماله الأمران
ورودهما في القرآن:
لم يردا بلفظ الاسم الضار النافع، وجاء ما يفيد أن الضر والنفع بيد الله تعالى ومن ذلك
قوله تعالى:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
стр. 98
﴿العالم ومعه العليم، علام الغيوب﴾
المعنى في اللغة:
العلم: نقيض الجهل.
والعَلَم: العلامة، والجبل، والعالمون: الخلائق أجمعون (١).
والعلم: معرفة الشيء، وإدراكه بحقيقته أي على ما هو عليه بدون تردد وبدون شك (٢).
المعنى في الشرع:
الله عليم يعلم ما في السموات السبع والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى وما في قعر البحار، ومنبت كل شعرة، وكل شجرة، ومسقط كل ورقة وعدد ذلك وعدد الحصا والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال وأعمال العباد وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم، ويعلم كل شيء ولا يخفى عليه شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة (٣).
والله هو العالم بما كان وما يكون قبل كونه وبما يكون ولما يكن بعد قبل أن يكون، لم يزل عالماً، ولايزال عالماً بما كان وما يكون ولايخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء أحاط علمه بجميع الأشياء باطنها وظاهرها دقيقها وجليلها على أتم الإمكان (٤).
وعلمه جل وعلا ليس كعلم المخلوقين وهو سبحانه يعلم الأشياء على حقائقها بغير استدلال ولاسبب، وهو يعلم الغيوب ولايعلمها إلا الله (٥)، وعلمه سبحانه علم حقيقة وكمال وعلم المخلوقين ينصرف إلى نوع دون نوع، ويوجد منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل ويعقب ذكرهم النسيان (٦) والعليم في أسماء الله أبلغ من العالم، وقيل العليم يفيد العلم بالغيوب (٧).
والعلام قيل في تعريفه: العالم بأصناف المعلومات على تفاوتها، فهو يعلم الموجود، ويعلم ما هو كائن وأنه إذا كان كيف يكون، ويعلم ما ليس بكائن لو كان كيف يكون (٨).
فالله سبحانه هو العليم المحيط علمه بكل شيء: بالواجبات والممتنعات والممكنات، فيعلم تعالى نفسه الكريمة ونعوته المقدسة وأوصافه العظيمة، ويعلم الممتنعات حال امتناعها، ويعلم الممكنات وهي التي يجوز وجودها وعدمها، وما وجد منها ومالم يوجد مما لم تقتض الحكمة إيجاده، وعلمه سبحانه محيط لايخلو عن علمه مكان ولازمان، ويعلم الغيب والشهادة، والظواهر والبواطن، والجلي والخفي، والله سبحانه لايغفل ولا ينسى، وعلوم الخلائق على سعتها وتنوعها إذا نسبت إلى علم الله اضمحلت وتلاشت، وعلمه سبحانه قد أحاط بأعمال عباده كلها خيرها وشرها وجزاء تلك الأعمال وتفاصيل ذلك في دار القرار (٩).
قال ابن القيم (١٠):
стр. 99
وهو العليم أحاط علماً بالذي ... في الكون من سر ومن إعلان
وبكل شيء علمه سبحانه ... فهو المحيط وليس ذا نسيان
وكذاك يعلم ما يكون غداً وما ... قد كان والموجود في ذا الآن
وكذاك أمر لم يكن لو كان كيـ ... ف يكون ذاك الأمر ذا إمكان
وروده في القرآن:
جاء العليم في ثلاثة وخمسين ومائة موضع قرن بالحكيم في ستة وثلاثين منها، وبالسميع في أحد وثلاثين، وبالواسع في سبعة مواضع، وبالعزيز في ستة مواضع، وبالخبير والقدير في أربعة مواضع، وبالحليم والخلاق في موضعين، واقترن مرة بكل من الشاكر، والفتاح، والحفيظ قال تعالى:
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ [يوسف: ١٠٠]
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ [الشعراء: ٢٢٠].
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾ [التوبة: ٤٤].
стр. 100
﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ [الملك: ١٣].
وجاء بلفظ: عالم الغيب والشهادة في عشرة مواضع منها قوله تعالى:
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ [السجدة: ٦].
وجاء بلفظ: عالم الغيب في ثلاثة مواضع منها قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾ [فاطر: ٣٨].
وجاء بلفظ: الجمع عالمين في موضعين منهما قوله تعالى:
﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١)﴾ [الأنبياء: ٨١].
وجاء بلفظ: علام الغيوب في أربعة مواضع منها قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨)﴾ [سبأ: ٤٨].
جاء بلفظ: أعلم في ستة وأربعين موضعاً منها قوله تعالى:
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾ [الأنعام: ١١٧]، [النحل: ١٢٥]، [القلم: ٧].
стр. 101
﴿العدل﴾
المعنى في اللغة:
العدل: الاستواء، والعدل من الناس: المرضي قوله وحكمه وهو المستوي الطريقة، والعدل: الحكم بالاستواء أي بالحق، وهو نقيض الجور (١).
المعنى في الشرع:
العدل: هو الذي لايحكم إلا بالحق، ولايقول إلا الحق، ولا يفعل إلا الحق (٢).
والعدل أبلغ من العادل لأنه في الأصل مصدر سمي به، فجعل المسمى نفسه عدلاً، والله سبحانه هوالعدل الذي لايميل به هوى فيجور في الحكم، (٣) فهو يحكم بين عباده في الدنيا والآخرة بعدله وقسطه فلا يظلم مثقال ذرة، ولايحمل أحداً وزر أحد، ولايجازي العبد بأكثر من ذنبه، ويؤدي الحقوق إلى أهلها فلا يدع صاحب حق إلا وصل إليه حقه، وهو العدل في تدبيره وتقديره (٤).
قال ابن القيم (٥):
والعدل من أوصافه في فعله ... ومقاله والحكم بالميزان
فعلى الصراط المستقيم إلهنا ... قولاً وفعلاً ذاك في القرآن
وروده في القرآن:
لم يرد هذا الاسم في القرآن، ولكنه جاء وصفاً لكلمة الله في قوله تعالى:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
стр. 102
﴿العزيز﴾
المعنى في اللغة:
العزة: الشدة والقوة وما ضاها هما من غلبة وقهر، ويقال: عزه على الأمر إذا غلبه عليه، ويقال: أعزرته وعزّزته إذا قويته، والعِزُّ من المطر: الكثير الشديد، والعزة: الرفعة والامتناع، ويقال: أعزَّه الله قوَّاه بعد ذلة، وعزَّ الشيء: قل حتى ما كاد يوجد (١)، والعزيز هو: الشيء القليل الوجود المنقطع النظير.
والعزيز هو: الغالب القاهر، وهو الجليل الشريف، وهو القوي (٢).
المعنى في الشرع:
الله العزيز: هو العزيز في نقمته إذا انتقم، أي الشديد في انتقامه ممن انتقم منهم من أعدائه (٣).
وهو الممتنع فلا يغلبه شيء.
وهو القوي الغالب كلَّ شيء، وليس كمثله شيء، وهو سبحانه العزيز الذي ذل لعزته كل عزيز. وهو سبحانه القوي القاهر قد عز كل شيء فقهره، وهو غير موجود النظير والمثل جل وتعالى عن ذلك علوا كبيراً وهو المعزُّ الذي يهب العز لمن يشاء من عباده (٤).
فالله سبحانه له العزة الكاملة وهو سبحانه يعزّ من شاء ما شاء من المدة، ثم قد يعقبه الذلة، ويعقب الذليل عزة والله تعالى لم يزل ولايزال عزيزاً لاتنقص عزته ولاتفنى (٥) وعزته سبحانه تشمل المعاني الثلاثة للعزة كاملة لله سبحانه وهي: عزة القوة وهي وصفه العظيم الذي لاتنسب إليه قوة المخلوقات وإن عظمت، وعزة الامتناع فإنه هو الغني بذاته فلا يحتاج إلى أحد، ولايبلغ العباد ضره فيضرونه، ولانفعه فينفعونه بل هو الضار النافع المعطي المانع، وعزة القهر والغلبة لكل الكائنات فكلها مقهورة لله، خاضعة لعظمته منقادة لإرادته، فجميع نواصي المخلوقات بيده لايتحرك منها متحرك، ولايتصرف متصرف إلا بحوله وقوته وإذنه، ماشاء كان ومالم يشأ لم يكن (٦)، وليس في المخلوقين عزيز على التمام؛ لأن الدنيا كلها حاجة، والحاجة إلى الغير ذلة، والاستغناء عن الغير هو الغنى والعز والغنى بالحقيقة لله تعالى (٧).
والله سبحانه هو العزيز الذي لايوصل إليه ولايمكن إدخال مكروه عليه، وهو منزه عما يجوز على المخلوقين إذ تصيبهم الحوادث وتغيرهم، وهو سبحانه لايعادله شيء ولامثل له، وهذا أخذاً من معاني العزة وهي الصلابة، والمنعة، ونفاسة القدر (٨).
стр. 103
قال ابن القيم (١):
وهو العزيز فلن يُرام جنابه ... أنى يرام جناب ذي السلطان!
وهو العزيز القاهر الغلاب لم ... يغلبه شيء هذه صفتان
وهو العزيز بقوة هي وصفه ... فالعز حيئنذ ثلاث معان
وهي التي كملت له سبحانه ... من كل وجه عادم النقصان
وروده في القرآن:
ورد في سبعة وثمانين موضعاً قرن بالحكيم في سبعة وأربعين موضعاً، وقرن بالعليم في ستة مواضع، وبالرحيم في ثلاثة عشر، وبالقوي في ستة مواضع، وبالغفار، وبذي انتقام والحميد ثلاثا ثلاثا، وبالغفور مرتين، وبالوهاب، والمقتدر والجبار مرة مرة منها قوله تعالى:
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ [الشعراء: ٦٨].
﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [الحج: ٤٠].
﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾ [إبراهيم: ٤٧].
وورد إثبات العزة كلها لله تعالى في أربعة مواضع منها قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٩].
وورد بلفظ: رب العزة في قوله تعالى:
стр. 104
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات: ١٨٠].
وجاء القسم بعزة الله في قوله تعالى:
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ [ص: ٨٢].
стр. 105
﴿الغفَّار ومعه الغفور﴾
المعنى في اللغة:
الغَفْر: السَّتر، والتغطية.
يقال: غفر الله ذنبه غَفْراً ومغفرة وغفراناً.
والمغفرة: إلباس الناس الغفران وتغمدهم به (١).
المعنى في الشرع:
الغفار: هو الساتر لذنوب عباده وهو مغطيهم بستره فلا يطلع على ذنوبهم غيره وهو المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم؛ لأنه سبحانه إذا سترها فقد صفح عنا وعفا وتجاوز، وهو غفور يغفر لهم مرة بعد مرة إلى مالا يحصى، وفي الآخرة يستر على بعضهم، ويأخذ آخرين ببعض ذنوبهم
ويستر غيرها (٢).
وفرق بعضهم بين الغفور والغفار بأن الأول مغفرته في الآخرة وتجاوزه عن العقوبة فيها، والثاني ستره في الدنيا على عباده وأنه لايفضحهم (٣)، وقيل الغفار: هو المبالغ في الستر فلا يشهر الذنب لا في الدنيا ولا في الآخرة (٤).
وهو الغفار الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى كلما تكررت التوبة من الذنب من العبد تكررت المغفرة، وستره سبحانه لذنوب عبده بأن لايكشف أمره لخلقه، ولايهتك ستره بالعقوبة التي تشهره في عيونهم (٥)، ولو علم المخلوق ذنباً لآخر لأفشاه، ولعله لو ستره عليه ثم غضب أدنى غضبه لأبداه كما أنه يمن عليه إذا غفر له زلة، أما الله سبحانه فإنه يغفر ولا يوبخ ثم إن العبد يتعرض لمعاصي الله في كل وقت وستره عليه مسبل فالحمد لله على إحسانه إلى خلقه (٦)، وقد فتح سبحانه الأسباب لنيل مغفرته بالتوبة والاستغفار والإيمان والعمل الصالح والإحسان إلى عباد الله والعفو عنهم وقوة الطمع في فضله سبحانه وحسن الظن به وغير ذلك مما يقرب إلى مغفرته (٧).
قال ابن القيم (٨):
وهو الغفور فلو أتى بقُرابها ... من غير شرك بل من العصيان
لأتاه بالغفران ملء قُرابها ... سبحانه هو واسع الغفران
وروده في القرآن:
جاء اسم الغفور في أحد وتسعين موضعاً قرن بالرحيم في اثنين وسبعين منها، وبالحليم في ستة منها، وبالعفو في أربعة منها، وبالشكور في ثلاثة منها، وبالعزيز في موضعين، وبالودود في موضع قال تعالى:
стр. 106
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾ [القصص: ١٦].
وجاء الغفور ذو الرحمة في قوله تعالى:
﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨].
وجاء بلفظ: خير الغافرين في موضع واحد قوله تعالى على لسان موسى ﵇:
﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وجاء الغفار في خمسة مواضع اقترن بالعزيز في ثلاثة مواضع، وجاء مفرداً في قوله تعالى:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ [نوح: ١٠].
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢].
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)﴾ [ص: ٦٦].
وجاء غافر الذنب في قوله تعالى:
﴿الفتاح﴾
المعنى في اللغة:
الفتح: خلاف الإغلاق.
الفتح والفُتاحة ـ بضم الفاء وكسرها ـ الحكم بين قوم يختصمون إليك، ويقال للقاضي: الفتاح، والفتح: النصر، وإلاظفار.
والفاتح: الحاكم لأنه يفتح المستغلق بين الخصمين، ويفصل بينهما (١).
المعنى في الشرع:
الله سبحانه هو الفتاح: أي القاضي العليم بالقضاء بين خلقه؛ لأنه لاتخفى عليه خافية ولا يحتاج إلى شهود تُعرّفه المحق من المبطل (٢).
وهو الحاكم بين عباده؛ لأن الحاكم إذا حكم فقد فتح الباب إلى الحق وبيَّنه وهو يفتح مواضع الحق، فهو سبحانه أوضح الحق وبينه، ودحض الباطل وأبطله، والله سبحانه هو الذي يفتح المنغلق على عباده من أمورهم ديناً ودنيا، فهو يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده، ويفتح قلوبهم وعيون بصائرهم ليبصروا الحق ويعقلوا عن الله أمره ونهيه، وهو سبحانه الناصر لعباده قال تعالى:
﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] (٣).
فالله هو الذي يحكم بين عباده بأحكامه الشرعية، وأحكامه القدرية، وأحكام الجزاء، وهو الذي فتح بلطفه بصائر الصادقين، وفتح قلوبهم لمعرفته ومحبته والإنابة إليه، وفتح لعباده أبواب الرحمة والأرزاق المتنوعة، وسبب لهم الأسباب المتنوعة التي ينالون بها خير الدنيا والآخرة (٤).
ففتحه سبحانه قسمان: أحدهما: فتحه بحكمه الديني والجزائي، فالديني هو شرعه على ألسنة رسله جميع ما يحتاجه المكلفون، ويستقيمون به على الصراط المستقيم، والجزائي: بفتحه بين أنبيائه ومخالفهم وبين أوليائه وأعدائه بإكرام الأنبياء واتباعهم، وبإهانة أعدائه وعقوبتهم، ومنه فتحه يوم القيامة وحكمه بين الخلائق حيث يوفى كل عامل ما عمله، وفتحه القدري هو ما يقدره على عباده من خير وشر ونفع وضر وعطاء ومنع، وهو سبحانه يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه ويفتح على أعدائه ضد ذلك، وذلك كله بفضله وعدله (٥).
والله سبحانه هو خير الفاتحين أي: خير الحاكمين فهو العدل الذي لايجور أبداً (٦).
стр. 109
قال ابن القيم (١):
وكذلك الفتَّاح من أسمائه ... والفتح في أوصافه أمران
فتح بحكم وهو شرع إلهنا ... والفتح بالأقدار فتح ثان
والرب فتَّاح بذين كليهما ... عدلا وإحساناً من الرحمن
وروده في القرآن:
ورد مفرداً مرة واحدة في قوله تعالى:
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ [سبأ: ٢٦].
وورد بصيغة خير الفاتحين مرة واحدة في قوله تعالى:
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ [الأعراف: ٨٩].
стр. 110
﴿الفاطر، فاطر السموات والأرض﴾
المعنى في اللغة:
الفَطْر: فتح الشيء وإبرازه، أو شقُّه.
والفطرة: الخلقة، وقيل: ما فطر الله عليه الخلق من معرفته سبحانه، ويقال: فطر الله الخلق يفطرهم: خلقهم وبدأهم (١).
المعنى في الشرع:
الله سبحانه فاطر السموات والأرض: مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما (٢).
وهو سبحانه فطر الخلق أي ابتدأ خلقهم (٣).
وهو سبحانه فاتق المرتتق ـ أي المتصل المتلاصق ـ من السماء والأرض حيث فتق هذه فجعل السماء سبعاً والأرض سبعاً، وفصل بينها بالهواء كما أنه فتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات (٤).
وروده في القرآن:
جاء بلفظ: فاطر السموات والأرض في ستة مواضع منها قوله تعالى:
﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠].
وجاء كثيراً بلفظ: الفعل مثل فطركم، وفطرني، وفطرنا، وفطرهن.