← Фикх общий

Фикх общий · id 133371

الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

موافقي الأمين

Полный текст (722 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أن التصريح بالشهادة غاية ما فيه المنع من قبول الإخبار بالمفهوم، وحديثا ابن عمر والأعرابي يدلان على قبوله بالمنطوق؛ ودلالة المنطوق أرجح من دلالة المفهوم. ثانيا: ولأن قياس رؤية الهلال على الشهادة على سائر الحقوق بعيد؛ لأن الشهادة على الحقوق إنما اشترط لها لفظ الشهادة والعدد لاعتبارات أخرى ليست موجودة في من يخبر بأنه رأى هلال رمضان؛ كالتهمة وغير ذلك (١). قال القَرافِي (٢): "ووجه المناسبة بين الشهادة واشتراط العدد حينئذ وبقية الشروط: أن إلزام المعين تتوقع فيه عداوة باطنية لم يطلع عليها الحاكم، فتبعث العدو على إلزام عدوه ما لم يكن لازما له، فاحتاط الشارع لذلك واشترط معه آخر إبعادا لهذا الاحتمال، فإذا اتفقا في المقال قَرُب الصدق جدا بخلاف الواحد" (٣). فيكون تشبيه الرائي بالراوي هو أمثل من تشبيهه بالشاهد؛ لأنه ليس في رؤية القمر شبهة من مخالف (٤). ثالثا: ولأن الخبر إما أن يُقصَد به أن يترتب عليه (فَصْل قضاء) (٥) (وإِبْرام حكم) (٦) أو لا، فإن قصد به ذلك فهو الشهادة، وإن لم يقصد به ذلك: فإما أن يقصد به ترتب دليل حكم شرعي أو لا، فإن قصد به ذلك فهو الرواية، وإلا فهو سائر أنواع الخبر (٧). والله أعلم.

стр. 107

المطلب السابع: حكم صيام من رأى هلال شوال وحده فردت شهادته . اختيار الشيخ: اختار قول الجمهور أن من شهد عند القاضي برؤية هلال شوال فردت شهادته، فإنه لا يفطر، فقال: "قلت: يؤيد قول الجمهور ما روي عن عائشة مرفوعا: «الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس» " (١). تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أن من كان مقيما في جماعة، فأَخبَر برؤية هلال شوال، فرُدَّت شهادته، ثم أظهر الفطر أنه يُنكَر عليه (٢). واختلفوا في من رآه ورُدت شهادته: هل له أن يفطر سِرّا؟ ، على قولين: القول الأول: لا يجوز له الفطر سِرّا. وبه قال: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والحنابلة في المذهب (٥)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يجوز له الفطر سِرّا. وبه قال: الشافعية (٦) , والحنابلة في رواية (٧)، والظاهرية (٨). سبب الخلاف: لاختلافهم في هذه المسألة سببان والله أعلم: السبب الأول: هل الهلال هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يشتهر، ولم يظهر، أو أنه لا يسمى هلالا إلا بالظهور والاشتهار (٩). السبب الثاني: هل يقاس من رأى هلال شوال وحده، على من رأى هلال رمضان وحده.

стр. 108

أدلة القول الأول: القائلين لا يجوز له الفطر سِرّا. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الصوم يوم تصومون, والفطر يوم تفطرون, والأضحى يوم تضحون» (١). وجه الاستدلال: ظاهر الحديث أن الصوم والفطر لا يكون إلا مع جماعة المسلمين (٢). الدليل الثاني: عن أبي قِلابة (٣)، «أن رجلين رأيا الهلال، وهما في سفر فتعجلا حتى قدما المدينة ضُحى، فأخبرا عمر بن الخطاب (٤) ﵁ بذلك، فقال عمر لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: نعم, قال: لم؟ , قال: لأني كرهت أن يكون الناس صياما، وأنا مفطر، فكرهت الخلاف عليهم، فقال للآخر: فأنت؟ , قال: أصبحت مفطرا, قال: لم؟ , قال: لأني رأيت الهلال فكرهت أن أصوم، فقال للذي أفطر: لولا هذا - يعني الذي صام - لرددنا شهادتك, ولأوجعنا رأسك، ثم أمر الناس فأفطروا وخرج» (٥).

стр. 109

وجه الاستدلال: إنما أراد عمر ﵁ ضربه لإفطاره برؤيته، ودفع عنه الضرب لكمال الشهادة به وبصاحبه, ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه، ولا توعدَه (١). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: «إنّما يوم النّحر يوم ينحر النّاس، ويوم الفطر يوم يفطرون» (٢). وفي رواية: قالت: «إنما النّحر إذا نحر الإمام، وعُظْم النّاس، والفطر إذا أفطر الإمام، وعُظْم النّاس» (٣). الدليل الرابع: ولأنه يجوز أن يكون غالطا في الرؤية؛ ومخالفةُ عامةِ الناس له يقوي هذا الغلط, والفطر ليس مما يُحتاط له بخلاف الصوم (٤). الدليل الخامس: ولأنه قول عمر وعائشة ﵄ ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما، فكان إجماعا (٥). الدليل السادس: ولأن ذلك وسيلة لأهل الفسق والبِدَع إلى الفطر قبل الناس بيوم، ثم إذا اطُلِع عليهم ادعوا رؤية الهلال (٦). أدلة القول الثاني: القائلين يجوز له الفطر سِرّا. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵃ أنّ رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّي عليكم فأكملوا العدد» (٧). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ علق الحكم بالرؤية، وهذا قد رأى فوجب عليه الفطر (٨).

стр. 110

وإنما اشتُرِطَ عليه الأكل سرا، حتى لا يراه أحد؛ لأنه إذا أظهر الفطر عَرَّض نفسه للتُهمَة وعقوبة السلطان (١). الدليل الثاني: ولأنه قد تَيقَّن أن هذا اليوم من شوال، فحَلَّ له الأكل؛ كما لو قامت البينة (٢). الدليل الثالث: ولأن يقين نفسه أبلغ من الظن الحاصل بالبَيِّنة (٣). الدليل الرابع: ولأنه لا يجوز له أن يعتقد الصوم، وهو يعلم أنه عليه حرام؛ لأنه يوم العيد عنده (٤). الدليل الخامس: ولأن العبد إنما يعامل الله بما يعلمه (٥). فلا يجوز له أن يترك ما يعتقده، ويقلد غيره. الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه لا يجوز له الفطر سِرّا؛ لقوة ما استدلوا به؛ ولأن حديث أبي هريرة وأثر عائشة ﵄ بَيَّنا أن الفطر لا يكون إلا مع جماعة المسلمين، و (سَدّا للذريعة) (٦). وأما أدلة القول الثاني فيجاب عنها بما يلي: أولا: أما استدلالهم بحديث صوموا لرؤيته الحديث فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن الخطاب في الحديث ورد بصيغة الجمع، فهو متوجه إلى الأمة بعمومها لا بأفرادها. الوجه الثاني: أن الصيام والعيد من العبادات التي يراعى فيها الاجتماع كالصلوات المفروضة. ثانيا: وأما قولهم: إنه يتيقن أنه من شوال، فيجاب عنه: أن اليقين قد لا يثبت؛ لأنه يحتمل أن يكون الرائي خُيِّل إليه، كما روي أن رجلا في زمن عمر ¢، قال: لقد رأيت الهلال. فقال له: امسح عينك. فمسحها، ثم قال له: تراه؟ قال: لا. قال: لعل شعرة من حاجبك تقوست على عينك، فظننتها هلالا (٧).

стр. 111

ثالثا: وأما قولهم كما لو قامت البينة، فيجاب عنه: أنه غير صحيح؛ لأن بقيام البينة يكون اليوم محكوم بأنه من شوال، بخلاف مسألتنا فهو محكوم بأنه من رمضان (١). رابعا: وأما تعليلهم بأنه يوم يحرم صيامه؛ لأنه يوم العيد عنده، فيجاب عنه: أن حصول المقصود -إن تيقن الرؤية- يقع بالنية والإمساك عن الفِطر (٢)، وأما التجرؤ على الفطر في يوم يعتقده عموم المسلمين من رمضان، فإنه باب من أبواب المفاسد التي يجب سدها، حتى لا يتجرأ على الفطر أهل الفسوق والعصيان. والله تعالى أعلم.

стр. 112

المطلب الثامن: حكم من أفطر ثم تبين أن اليوم من رمضان . اختيار الشيخ: اختار قول الجمهور أن من أفطر ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضانا, فإن عليه إمساك بقية يومه ثم يقضيه، فقال: "فلو ثبتت الرؤية لِلَّيْلة الماضية، وجب الصوم من حين ثبوتها". ثم نقل كلام ابن قدامة , والذي فيه قضاء ذلك اليوم، وأقره (١). تحرير محل الخلاف: هذه المسألة تأتي على صورتين: الأولى: من جاءه الخبر أن اليوم الذي أفطره كان من رمضان، وذلك بعد مضي ذلك اليوم، وهذه الصورة ليست معنا. الصورة الثانية: من جاءه الخبر بأن اليوم الذي لم يصمه أنه من رمضان أثناء ذلك اليوم، وهي مسألتنا. فاختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: من جاءه الخبر أن هذا اليوم الذي أفطره من رمضان، وجب عليه إمساك بقية يومه، ثم يقضي ذلك اليوم. وبه قال: الحنفية (٢)، والمالكية (٣) , والشافعية في المذهب (٤) , والحنابلة (٥)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: من جاءه الخبر أن هذا اليوم الذي أفطره من رمضان، يأكل بقية يومه، ولا يلزمه الإمساك، ثم يقضي ذلك اليوم. وبه قال: الشافعية في قول (٦) , وأحمد (٧) في رواية (٨)، وعطاء في رواية (٩).

стр. 113

القول الثالث: من جاءه الخبر أن هذا اليوم الذي أفطره من رمضان، ينوي صوم يومه ولا يلزمه القضاء. وروي ذلك عن: عمر بن عبد العزيز (١) (٢) , وعطاء في رواية (٣). وهو قول: ابن حزم (٤). سبب الخلاف: يمكن إرجاع الخلاف إلى السببين الآتيين: السبب الأول: عدم التصريح بالقضاء في حديث عاشوراء -الذي سيأتي معنا إن شاء الله في الأدلة-، عندما أمرهم ﷺ بالإمساك. السبب الثاني: خلافهم في إدخال الاحتياط على عبادة الصوم للنهي عن صيام يوم الشك. أدلة القول الأول: القائلين بأن من جاءه الخبر أن هذا اليوم الذي أفطره من رمضان، وجب عليه إمساك بقية يومه ثم يقضي ذلك اليوم. استدلوا على وجوب إمساك بقية اليوم بما يلي: الدليل الأول: عن سلمة بن الأكوع (٥) ﵁: أن النبي ﷺ بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: «أن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل» (٦). وفي رواية: «من كان لم يصم فليصم، ومن كان أكل فليتم صيامه إلى الليل» (٧).

стр. 114

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ حين أمر الناس بصيام عاشوراء في أثناء اليوم، أمسكوا في حينه، وأمر من كان أكل أن يمسك بقية يومه، وعاشورا كان حينها فرضا، فالإمساك في رمضان من باب أولى؛ لأن حرمته أشد (١). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢). وجه الاستدلال: لما تعذر إمساك جميع اليوم، وجب أن يأتوا بما يقدرون عليه وهو بقية اليوم (٣). الدليل الثالث: ولأنه ثبت أن هذا اليوم من رمضان، فوجب إمساكه (٤). الدليل الرابع: ولأن الصوم كان واجبا عليه، إلا أنه قد عذر لعدم علمه، فلما تبين أنه من رمضان لزمه الإمساك (٥). قال أبو الوليد الباجي (٦): "لأنه إنما جاز لهم الفطر وهم يظنون أن ذلك اليوم من غير رمضان، فإذا علموا أنه من رمضان كان عليهم الإمساك، وإنما يجوز استدامة الفطر لمن كان له الفطر لعذر مع العلم بأن ذلك اليوم من رمضان فإذا زال العذر كان له استدامة الفطر باقي يومه كالحائض والمريض والمسافر" (٧).

стр. 115

الدليل الخامس: ولأن زمان رمضان وقت شريف، فيجب تعظيم هذا الوقت بالقدر الممكن، فإذا عجز عن تعظيمه بتحقيق الصوم فيه، وجب تعظيمه بالتَشَبُّه بالصائمين؛ قضاء لحقه بالقدر الممكن، إذا كان أهلا للتَشَبُّه، ونفيا لتعريض نفسه للتهمة (١). وأما أدلتهم على وجوب القضاء فهي: الدليل الأول: «أن أَسْلَم (٢) أتت النبي ﷺ فقال: «صمتم يومكم هذا»؟ قالوا: لا»، قال: «فأتموا بقية يومكم, واقضوه» (٣). الدليل الثاني: ولأن من شرط صحة صيام الفرض أن تستوعب النية جميع النهار، فتكون من قبل الفجر، والنية هنا كانت من أثناء النهار، فلم يصوموا يوما كاملا. وقد قال النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٤). الدليل الثالث: ولأنه أفطر في جزء من رمضان يعتقده وقت فطر, فلزمه القضاء (٥). أدلة القول الثاني: القائلين بأن من جاءه الخبر أن هذا اليوم الذي أفطره من رمضان، يأكل بقية يومه، ولا يلزمه الإمساك ثم يقضي ذلك اليوم. الدليل الأول: قياسا على المسافر إذا قدم وهو مفطر، والمريض إذا شفي، والمرأة الحائض إذا طهرت أثناء اليوم؛ فهؤلاء جميعا يجوز لهم الإفطار فيما بقي من اليوم (٦).

стр. 116

الدليل الثاني: ولأن صوم اليوم الواحد عبادة واحدة، بدليل أن أوله يفسد بفساد آخره، فلا يجوز أن يكون آخرها واجبا، وأولها غير واجب، كالصلاة الواحدة (١). أدلة القول الثالث: القائلين بأن من جاءه الخبر أن هذا اليوم الذي أفطره من رمضان، ينوي صوم يومه ولا يلزمه القضاء. الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢). وجه الاستدلال: أن أكلهم وشربهم قبل قيام البينة كان مباحا، قد أحله الله لهم فلم ينتهكوا حرمة الشهر، بل كانوا جاهلين بنوا على أصل وهو بقاء شعبان فيدخلون في عموم الآية (٣). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٤). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٥). وجه الاستدلال: أن الذي أكل ولم يعلم أن اليوم من رمضان، غير عامد؛ فلا جناح عليه (٦). الدليل الرابع: حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أنه قال: «أمر النبي ﷺ رجلا من أسلم أن أَذِّن في الناس: أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء» (٧).

стр. 117

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ حكم لمن أكل -ولم يكن عالما بوجوب صيام ذلك اليوم، ثم استدرك فأمسك بقية يومه- بصحة صومه، فسماه صائما، وجعل فعله صوما (١). ولم يأمره بقضاء ذلك اليوم، فلو كان القضاء واجبا لأُمر به، فدل سكوته ﷺ على عدم مشروعية القضاء؛ لأن (تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز) (٢). الدليل الخامس: ولأن وجوب القضاء -إذا كان الترك بغير تفريط- يفتقر إلى دليل (٣). الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن من جاءه الخبر أن هذا اليوم الذي أفطره من رمضان، وجب عليه إمساك بقية يومه، ثم يقضي ذلك اليوم؛ وذلك لصحة أدلتهم وصراحتها ودقة وجوه الاستنباط منها، وسلامتها من المعارضة. وأما الجواب عن ما استدل به الآخرون فيكون بما يلي: أولا: أما قياسهم على المسافر إذا قدم وهو مفطر ونحوه, فيجاب عنه: أن المسافر والمريض والحائض، كان لهم الفطر ظاهرا وباطنا، وهذا لم يكن له الفطر في الباطن مباحا (٤). ثم إن إفطار المسافر ومن ذُكِر محل خلاف بين الفقهاء فلا يصلح القياس عليه. ثانيا: وأما قولهم: إن صوم اليوم الواحد عبادة واحدة، بدليل أن أوله يفسد بفساد آخره، فلا يجوز أن يكون آخرها واجبا، وأولها غير واجب، كالصلاة الواحدة. فيجاب عنه: أن هذا يقال في حق من أبيح له الأكل ظاهرا وباطنا كالمسافر يقدم والحائض تطهر، أما هذا فقد أكل أول النهار لشبهة، لذا أوجبنا عليه إمساك آخر اليوم؛ لأن الإمساك مشروع خلفا عن الصوم عند فواته لقضاء حق الوقت (٥). ثالثا: وأما استدلالهم بقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ , وقوله جل ذكره: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ , وقوله ﷺ :

стр. 118

«رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ... » على إجزاء ذلك اليوم الذي أكلوا فيه, وسقوط القضاء عنهم, فيجاب عنه: أن الاستدلال غير مستقيم؛ لأن الآيتين والحديث نصت على رفع الإثم والحرج عن المكلف، وعدم المؤاخذة فيما أخطأ فيه، ونحن كلامنا على إمساك بقية اليوم وقضائه. فلا دلالة فيها على المطلوب. رابعا: وأما استدلالهم بحديث سلمة بن الأكوع ﵁ على عدم مشروعية القضاء, فيجاب عنه من وجهين: الأول: لا يسلم أن القضاء لم يذكر في الحديث، بل قد ذكر كما جاء في رواية أبي داوود كما سبق (١). الثاني: وعلى التسليم بأن القضاء لم يذكر، فيكون سكوته ﷺ عن أمر الصحابة بالقضاء يحتمل استقراره في أذهان الصحابة ﵃. خامسا: وأما قولهم: إن وجوب القضاء إذا كان الترك بغير تفريط يفتقر إلى دليل، فجوابه: أن الاستدلال يستقيم لو قلنا: إن الترك موجب للإثم؛ وذلك لأن المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب (٢). أما القضاء فإنه لا يسقط لاستقراره في الذمة. وكونه معذورا لا يقتضي أن يُحكم له بما لم يفعله, لكن يقتضي سقوط الإثم عنه, ويجزيه القضاء (٣). والله أعلم.

стр. 119

المبحث الثاني: في يوم الشك، والصوم بعد انتصاف شعبان وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: في تعيين يوم الشك. المطلب الثاني: حكم صيام الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر. المطلب الثالث: من صام يوم الشك فتبين أنه من رمضان. المطلب الرابع: حكم الصيام بعد انتصاف شعبان.

стр. 120

المطلب الأول: في تعيين يوم الشك . اختيار الشيخ: قال في اختياره: "قلت والراجح عندي: إن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة في ليلته ولم ير الهلال" (١). تحرير محل الخلاف: من المسائل التي يبحثها الفقهاء مسألة: صيام يوم الشك، والتي يعبر عنها آخرون بصيام يوم الغيم، وهذا الاختلاف في التسمية راجع إلى اختلافهم في تعريف يوم الشك، والتي هي مسألتنا. وقد اختلف أهل العلم في تعريف يوم الشك على ثلاثة أقوال: القول الأول: إذا غيمت السماء ليلة ثلاثين من شعبان ولم ير الهلال فصبيحة الغيم هو يوم الشك. وبه قال: الحنفية (٢) , والمالكية (٣)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يوم الشك يوم الثلاثين من شعبان سواء كانت السماء صحوا أو مغيمة، إذا تحدث برؤيته أو شهد بها من لا يثبت بقوله فإن لم يتحدث برؤيته أحد فليس يوم شك. وبه قال: الشافعية (٤) , ومال إليه: ابن عبد السلام (٥) من المالكية (٦). القول الثالث: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء صحوا. وبه قال: الحنابلة (٧).

стр. 121

سبب الخلاف: الذي يظهر -والله أعلم- أن سبب الخلاف يرجع إلى أمرين: أولا: هل أمره ﷺ بإتمام العدة ثلاثين لأن ذلك اليوم هو يوم من شعبان، أو لأنه يوم مشكوك فيه؟ . ثانيا: هل يصدق إطلاق يوم الشك على يوم الصحو بعد أن ترآءا الناس الهلال ولم يروه. أدلة القول الأول: القائلين بأنه إذا غيمت السماء ليلة ثلاثين من شعبان ولم ير الهلال فصبيحة الغيم هو يوم الشك. الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا, وعقد الإبهام في الثالثة, والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا» يعني تمام ثلاثين (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ بين أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين وقد يكون ثلاثين، ولا يكون الشك إلا بوجود علة وهي الغيم (٢). الدليل الثاني: عن عمار بن ياسر (٣) ﵁ قال: «من صام اليوم الذي يُشكّ فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (٤).

стр. 122

وجه الاستدلال: أن حديث عمار مفسر بالنهي عن صوم يوم الشك, وهذا يوم شك؛ لأنه يحتمل أن يكون من شعبان ويحتمل أن يكون من رمضان, ولا معنى للشك إلا التردد بين الجهتين (١). ولا يتصور ذلك إلا بوجود الغيم. الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ , عن النبي ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم (٢) فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين» (٣). وجه الاستدلال: فأَمرُه ﷺ بإكمال عدة شعبان لا لأنه من شعبان يقينا ولكن لعدم إمكان الرؤية وهذا هو الشك. الدليل الرابع: ولأن عدم رؤيته في الصحو دليل على أنه يوم من شعبان جزما (٤). الدليل الخامس: ولأن رد شهادة من رآه في الصحو دليل على غلطه، وهذا ظاهر ومقابل الظاهر الموهوم لا المشكوك فيه، وأما إن كان في غيم فهو شك، وإن لم يشهد به أحد (٥). أدلة القول الثاني: القائلين بأن يوم الشك يوم الثلاثين من شعبان سواء كانت السماء صحوا أو مغيمة، إذا تحدث برؤيته أو شهد بها من لا يثبت بقوله فإن لم يتحدث برؤيته أحد فليس يوم شك. استدلوا بحديث: ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابة أو ظلمة، فأكملوا العدة عدة شعبان، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا, ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان» (٦).

стр. 123

وجه الاستدلال: فقد حكم النبي ﷺ بأن يوم الغيم هو يوم من شعبان. وأنه ليس يوم شك (١). أما لو شهد من ردت شهادته سواء كان ذلك في يوم صحو أو يوم شك فإن شهادته تورث الشك، هل هو يوم من شعبان أو يوم من رمضان. قال ابن عبد السلام المالكي: "وهو الأظهر عندي؛ لأننا ليلة الغيم مأمورون بإكمال العدة ثلاثين يوما لخبر: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان» أو «فاقدروا له»؛ فإن هذا يدل على أن صبيحة ليلة الثلاثين من شعبان عملا (بالاستصحاب) (٢) " (٣). أدلة القول الثالث: القائلين بأنه هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء صحوا. استدلوا بحديث ابن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال. ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له». قال نافع: (كان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما، بعث من ينظر له الهلال، فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر (٤) أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما) (٥). وجه الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن ابن عمر ﵁ وهو راوي الحديث كان يصوم إذا حال دون رؤية الهلال سحاب أو قتر؛ مما يدل على أنه ليس يوم الشك المنهي عنه، وما كان لابن عمر ﵄ وهو

стр. 124

الحريص على اتباع النبي ﷺ أن يخالف أمره. أما إذا كانت السماء صحوا فكان لا يصومه؛ فدل على أنه هو يوم الشك المنهي عن صيامه (١). الوجه الثاني: قوله ﷺ : «فلا تصوموا حتى تروه, ولا تفطروا حتى تروه» عقب قوله: «إنما الشهر تسع وعشرون» فقد أتى بحرف الفاء المشعرة بالسبب؛ فكأنه قال: الشهر الذي لا بد منه تسع وعشرون؛ فاقدروا له هذا العدد إذا غم عليكم (٢). فيكون اليوم الذي يلي التاسع والعشرين حال الغيم هو الأول من رمضان لا يوم الشك. الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: إذا غيمت السماء ليلة ثلاثين من شعبان ولم يُرَ الهلال فصبيحة الغيم هو يوم الشك؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ولسلامة أدلتهم من المعارضة. وأما الجواب عن أدلة القولين الآخرين فيكون بما يلي: أولا: أما قولهم: إن يوم الغيم هو يوم من شعبان قطعا فغير مسلم، لأنه لو رؤي الهلال بعد مضي ٢٨ يوما من رمضان لكان يوم الغيم ذلك هو الأول أم رمضان يقينا؛ لأن الشهر لا يكون أقل من تسعة وعشرين يوما، ولكن يحكم بأنه اليوم المكمل للثلاثين من شعبان لوجود الشك. وأما اشتراطهم شهادة من لا تقبل شهادته في يوم الغيم حتى يكون يوم شك: فلا دليل عليه. ثم إن من لا تقبل شهادته لا يعتبر حديثه (٣). ثانيا: وأما استدلالهم بلفظة: «فاقدروا له» وبفعل ابن عمر ﵁ على أن يوم الصحو ليس بيوم شك فيجاب عنه: أن هذا الاستدلال قد يُسَلَّم، لو لم تأت إلا رواية فاقدروا له وأن معناها تقديره بتسعة وعشرين يوما، لكن الرواية جاءت صريحة في إتمام الثلاثين كما هو في حديث ابن عمر ﵄

стр. 125

أن رسول الله ﷺ ، قال: «إن الله ﵎ جعل الأهلة مواقيت، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له، أتموه ثلاثين» (١). فهذه الرواية الصحيحة صريحة في إتمام الثلاثين، وإن كانت السماء مغيمة. وأما صيام ابن عمر ﵄ فليس دليلا على أن ذلك اليوم ليس يوم شك؛ بدليل أن ابن عمر كان يصومه ولا يوجب صيامه، فدل على أنه كان يصومه احتياطا، وهو اجتهاد منه ﵁ (٢). والله أعلم.

стр. 126

المطلب الثاني: حكم صيام الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر . اختيار الشيخ: اختار منع صيام يوم الغيم على أنه من رمضان، إذا لم يُرى الهلال، فقال: "إن الحديث ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال، أي: إذا لم يكمل عدد شعبان ثلاثين يوما، فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها" (١). وقال أيضا: "وفعل ابن عمر اجتهاد منه مخالف لأحاديث إكمال العدة ثلاثين يوما" (٢). تحرير محل الخلاف: قال ابن المنذر: "صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يُرَ الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة" (٣). واختلفوا إذا حال دون الرؤية غيم أو قتر ولم يُرَ الهلال, هل يصام على أنه من رمضان؟ على قولين: القول الأول: لا يصام يوم الغيم على أنه من رمضان. وهو قول: الحنفية (٤) , والمالكية (٥) , والشافعية (٦) , والحنابلة في رواية (٧) , والظاهرية (٨)، وهو اختيار الشيخ.

стр. 127

القول الثاني: يجب صيام يوم الغيم على أنه من رمضان. وهو المذهب عند: الحنابلة (١). سبب الخلاف: ويرجع سبب اختلافهم في هذه المسألة إلى ثلاثة أسباب والله أعلم: السبب الأول: احتياطهم في الغيم خاصة للصيام. والسبب الثاني: اختلافهم في تفسير قوله ﷺ : «فإن غم عليكم فاقدروا له» (٢) هل معناه أتموا عدته، أو ضيقوا له؟ (٣). والسبب الثالث: اختلافهم في مفهوم إتمام العدة هل هي عدة شعبان أو عدة رمضان. أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا يصام يوم الغيم على أنه من رمضان. الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة؛ فلا تصوموا حتى تروه؛ فإن غم عليكم؛ فأكملوا العدة ثلاثين» (٤). وجه الاستدلال: دل الحديث على أنه يجب على من لم يَرَ الهلال، ولا أخبره من رآه أن يكمل عدة شعبان ثلاثين يوما، ثم يصوم، ولا يجوز له أن يصوم يوم الثلاثين من شعبان (٥). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ , أو قال: قال أبو القاسم ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّي عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين» (٦).

стр. 128

وجه الاستدلال: في هذا الحديث تصريح بأن عدة الثلاثين المأمور بإتمامها في حديث ابن عمر ﵄ السابق -حال الغيم- هي من شعبان (١)؛ فتكون رواية فأكملوا عدة شعبان مُبَيِّنَة (٢) لرواية فأكملوا العدة (٣). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابة أو ظلمة، فأكملوا العدّة، عدّة شعبان، ولا تستقبلوا الشّهر استقبالا، ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان» (٤). وجه الاستدلال: في هذا الحديث بيان أن اليقين لا يُزيله الشّكّ، ولا يزيله إلّا يقين مثله؛ لأنّه ﷺ أمر النّاس ألّا يدّعوا ما هم عليه من يقين شعبان إلّا بيقين رؤية واستكمال العدّة، وأنّ الشّكّ لا يعمل في ذلك شيئا، ولهذا نهى عن صوم يوم الشّكّ؛ اطّراحا لأعمال الشّكّ، وإعلاما أنّ الأحكام لا تجب إلّا بيقين لا شكّ فيه (٥). الدليل الرابع: عن حُذَيفة بن اليَمَان (٦) ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة, ثم صوموا حتى تروا الهلال, أو تكملوا العدة قبله» (٧).

стр. 129

الدليل الخامس: عن ابن عبّاس ﵄، قال: عجبت ممن يتقدم الشهر، وقد قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين» (١). وفي رواية: «فإن غم عليكم فأتموا شعبان ثلاثين، إلا أن تروا الهلال قبل ذلك، ثم صوموا رمضان ثلاثين إلا أن تروا الهلال قبل ذلك» (٢). الدليل السادس: وعن عائشة (٣) ﵂؛ قالت: «كان رسول الله ﷺ يَتَحَفَّظ (٤) من هلال شعبان ما لا يتحفَّظ من غيره؛ يصوم لرؤية رمضان؛ فإن غم عليه؛ عَدَّ ثلاثين يوما ثم صام» (٥). وجه الاستدلال: أن هذه الأحاديث نصوص في أنه لا صوم ولا إفطار إلا بالرؤية للهلال أو إكمال العدة (٦). وبيّن حديث حذيفة ﵁ أن العدة التي يجب إكمالها حال الغيم هي عدة شعبان وعدة رمضان على السواء (٧).

стр. 130

الدليل السابع: عن عمار بن ياسر ﵁؛ قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه؛ فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (١). وجه الاستدلال: أن حديث عمار ﵁ مفسر بالنهي عن صوم يوم الشك, ويوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون الرؤية غيم هو يوم شك؛ لأنه يحتمل أن يكون من شعبان ويحتمل أن يكون من رمضان, ولا معنى للشك إلا التردد بين الجهتين (٢). الدليل الثامن: عن ابن عمر ﵄ قال: «لو صمت السنة كلها لأفطرت ذلك اليوم الذي يشك فيه من رمضان» (٣). الدليل التاسع: وعن عبد الله بن مسعود (٤) ﵁؛ قال: «لأن أفطر يوما من رمضان ثم أقضيه أحب إلي من أن أزيد فيه ما ليس منه» (٥). الدليل العاشر: وعن حذيفة ﵁: «أنه كان ينهى عن صوم اليوم الذي يشك فيه» (٦).

стр. 131

الدليل الحادي عشر: ولأن الصوم عبادة فلا يجوز الدخول فيها إلا على يقين كسائر العبادات، وبيانه: أن الشرع لما أوجب العبادات المؤقتة نصب لها أسبابا وأعلاما، فدخول وقت الصلاة سبب لوجوبها، فلو شك فيه لم يجز له فعلها وكذلك الصيام (١). أدلة القول الثاني: القائلين يجب صيام يوم الغيم على أنه من رمضان. الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما الشهر تسع وعشرون؛ فلا تصوموا حتى تروه, ولا تفطروا حتى تروه؛ فإن غم عليكم؛ فاقدروا له». قال نافع: "فكان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون؛ يبعث من ينظر, فإن رأى؛ فذاك, وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر؛ أصبح مفطرا, وإن حال دون منظره سحاب أو قتر؛ أصبح صائما" (٢). وجه الاستدلال من وجهين: الأول: أن ابن عمر قد روى عن النبي ﷺ قوله: «فاقدروا له» , وفسر ذلك بأن كان يصوم يوم الثلاثين مع إغماء السماء, والصحابي إذا روى عن النبي ﷺ لفظا مجملا, وفسره بمعنى؛ وجب الرجوع إلى تفسيره؛ لأنه أعلم باللغة، ولأنه يدري بقرائن الأحوال من النبي ﷺ ما يعلم به قصده, ولأنه شهد التنزيل وحضر التأويل وشاهد الرسول ﷺ , فيكون أعلم بما ينقله ويرويه (٣). الثاني: من جهة اللغة؛ فقوله: «فَاقْدُرُوا لَه»؛ بمعنى: ضَيِّقُوا له؛ ومنه قوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (٤)؛ أي: نضَيِّق, وقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (٥) أي: يضيق. فالتضييق لا يكون إلا بأن يحسب له أقل زمان يطلع فيه, وهو طلوعه ليلة الثلاثين (٦).

стр. 132

الدليل الثالث: عن عِمْرَان بنُ حُصَيْن (١) ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال له -أو لآخر-: «أصمت من سَرَر (٢) شعبان؟ » , قال: لا، قال: «فإذا أفطرت، فصم يومين» (٣). وجه الاستدلال: أنه لا وجه لهذا الحديث إلا أن يكون أمر بصوم السرار مع الغيم, فلما لم يصم ذلك الرجل السرار؛ أمره بالقضاء؛ لأنه قد صح عنه ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما، فليصمه» (٤). وفي هذا الحديث أمر ﷺ بصوم السرر وقضائه, وهو يوم أو يومين, فيحمل النهي عن التقدم على حال الصحو, ويحمل صيام السرر على حال الغيم، توفيقا بين الحديثين (٥). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: «لأن أصوم اليوم الّذي يشكّ فيه من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوما من رمضان» (٦). الدليل الخامس: عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: (يا أيّها النّاس، إنّا قد رأينا الهلال يوم كذا وكذا, وأنا متقدّم بالصّيام، فمن أحب أن يفعله فليفعله) (٧).

стр. 133

الدليل السادس: عن يزيد بن خمير، عن الرسول الذي أتى عائشة ﵂ في اليوم الذي يشك فيه من رمضان؛ قال: قالت عائشة: «لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان» (١). الدليل السابع: عن أسماء (٢) ﵂: «أنها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان» (٣). وجه الاستدلال: فهذه الآثار من الصحابة ﵃ قالوها وفعلوها في أوقات متفرقة, وأكثر هؤلاء مثل أبي هريرة وابن عمر وعائشة ﵃ هم الذين رووا أحاديث إكمال العدة وأحاديث النهي عن التقدم, وقد روي عنهم وعن غيرهم النهي عن صوم يوم الشك والأمر بإكمال العدة (٤). الراجح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الأول: أنه لا يصام يوم الغيم على أنه من رمضان؛ وذلك لصحة أدلتهم، وصراحتها في منع صيام يوم الغيم، ولأنه يوم الشك الذي نهي عن صيامه، ولورود الأمر بإتمام شعبان ثلاثين. أما أدلة القول الثاني فيجاب عنها بما يلي: أولا: أما قولهم إن صيام ابن عمر ﵄ يوم الغيم هو تفسير لقوله ﷺ : «فاقدروا له» بمعنى التضييق, فيجاب عنه من وجهين:

стр. 134

الأول: أن ابن عمر ﵄ روى هذا الحديث بلفظ: «فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين» (١) , (فيحمل المُطْلق على المُقيَّد) (٢) (٣). فيكون معنى: «اقدروا له» عند ابن عمر ﵄ أتموه ثلاثين, كما جاءت هذه الرواية الصريحة عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﵎ جعل الأهلة مواقيت، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له، أتموه ثلاثين» (٤). فهذه الرواية الصحيحة صريحة في إتمام الثلاثين، وإن كانت السماء مغيمة. والروايات يفسر بعضها بعضا, والحديث إذا جمعت طرقه تبين المراد منه (٥). الثاني: وأما صيام ابن عمر ﵁ فليس دليلا على أن ذلك اليوم ليس يوم شك؛ بدليل أن ابن عمر ﵁ كان يصومه ولا يوجب صيامه. فدل على أنه كان يصومه احتياطا، وهو اجتهاد منه. قال ابن القيم (٦): "ويدل على ذلك أنه ﵁ لو فهم من قوله ﷺ : «اقدروا له تسعا وعشرين ثم صوموا» -كما يقوله الموجبون لصومه-، لكان يأمر بذلك أهله وغيرهم، ولم يكن يقتصر على صومه في خاصة نفسه ولا يأمر به، ولبين أن ذلك هو الواجب على الناس" (٧).

стр. 135

ثانيا: وأما قولهم: إن معنى قوله: «فاقدروا له» بمعنى التضييق, فيجاب عنه: أن معنى الحديث: قدروا له تمام العدد ثلاثين يوما, أي انظروا في أول الشهر, واحسبوا تمام ثلاثين يوما. قال الخطابي (١): "فاقدروا له معناه التقدير له بإكمال العدد ثلاثين. يقال: قَدَرْتُ الشيء أَقْدره قَدْرا، بمعنى: قَدَّرْتُه تَقديرا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (٢) " (٣). ثالثا: وأما قولهم: إن صوم السرار يكون مع الغيم, والنهي عن التقدم يكون في الصحو، فيجاب عنه من وجهين: الأول: إن العلماء اختلفوا في معنى السرار: فقيل السرار أول الشهر, وقيل أوسطه، وقيل آخره (٤). الثاني: وعلى التسليم بأن السرار هو آخر الشهر, فيكون الجمع بين الحديثين ممكن وذلك: بأن يحمل النهي عن التقدم على من ليست له عادة بذلك، ويحمل الأمر بصيام السرار على من له عادة (٥). رابعا: وأما استدلالهم بآثار الصحابة الذين كانوا يصومون يوم الشك فيجاب عنه بما يلي: أما الرواية عن أبي هريرة ﵁؛ فرواية ضعيفة لا تحفظ إلا من هذا الوجه (٦). وكذلك أثر معاوية ﵁؛ فإنه ضعيف لا يصح (٧). وأما الاحتجاج بصيام بعض الصحابة ﵃ ممن ثبت صيامهم؛ فلا دلالة فيه على وجوب صيام يوم الشك؛ وذلك لأنهم قالوا: "لأن نصوم يوما من شعبان أحب إلينا من أن نُفطِر

стр. 136

يوما من رمضان"، ولو كان هذا اليوم من رمضان حتما عندهم لقالوا: "هذا اليوم من رمضان فلا يجوز لنا فطره" (١). قال البَيْهَقي (٢): "ومتابعة السُنَّة الثابتة، وما عليه أكثر الصحابة وعوام أهل المدينة، أَولى بنا، وهو: مَنع صوم يوم الشك" (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 137

المطلب الثالث: من صام يوم الشك فتبين أنه من رمضان . اختيار الشيخ: اختار أن المكلف إذا صام يوم الشك بنية رمضان، أو غيره، ثم صادف أنه من رمضان، فإن صيامه لا يجزئ عن رمضان ولا عن غيره، فقال: "وإذا صامه بنية رمضان وصادف أنه من رمضان، لم يجزئه، وكذا إذا صامه عن واجب آخر أو تطوعا، والله تعالى أعلم" (١). تحرير المسألة: قد ذُكِر في المسألة السابقة: حكم صيام يوم الغيم بنية رمضان، أما مسألتنا هذه في من صام يوم الشك بنية رمضان، أو بنية أخرى: كصيام (النذر) (٢)، أو (القضاء) (٣)، أو (الكفارات) (٤)، أو غير ذلك، ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضان، فهل يصح صومه ويجزؤه عن رمضان أم لا؟ ، على قولين (٥): القول الأول: لا يصح صومه لا عن رمضان ولا عن غيره، وعليه قضاء ذلك اليوم. وبه قال: المالكية (٦) , والشافعية (٧) , والحنابلة في المذهب (٨)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يصح صومه، ويجزؤه عن رمضان. وهو قول: الحنفية (٩) , والحنابلة في رواية (١٠).

стр. 138

سبب الخلاف: يرجع اختلاف الفقهاء في هذه المسألة إلى أمرين والله أعلم: الأول: هل تكفي مطلق النية في صحة الصوم أو يشترط تعيينها؟ . الثاني: النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ (١). أدلة القول الأول: القائلين لا يصح صومه لا عن رمضان ولا عن غيره، وعليه قضاء ذلك اليوم. الدليل الأول: قوله ﷺ : «ولا تستقبلوا الشهر استقبالا» (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن صيام يوم الشك، بقوله: «ولا تستقبلوا الشهر»، ثم أكد هذا النهي بقوله: «استقبالا»، فهذا دليل على نفي صحة صيام اليوم الذي يشك فيه إذا تبين أنه من رمضان (٣). الدليل الثاني: ولأن النية الجازمة شرط في صحة العبادة، وهي ههنا متعذرة، وكل قربة بدون شرطها ففعلها حرام (٤). الدليل الثالث: وقياسا على من صلى شاكا في دخول الوقت، ثم علم أنه قد صلى في الوقت، فإن صلاته لا تصح، وعليه إعادتها (٥). الدليل الرابع: ولأنه صامه اتفاقا من غير بينة، فوافق الواجب، فلم يجزئه (٦). وبيان هذا في الزكاة: أن يخرج مقدارا من المال، ويقول: إن ورثت مال والدي فهذه زكاته، وإن كان حيا ولم يمت فهي تطوع. فبان له موت والده، وأنه كان مالكا للمال عند إخراجه، لم يجزه؛ لأنه أخرجه وهو على شك من تَملُّكه، والأصل حياة والده (٧). الدليل الخامس: ولأنه لما لم ينوي أنه من رمضان كان كالمعرض عنه، والمعرض عن فعلٍ، لا يكون آتيا به (٨).

стр. 139

أدلة القول الثاني: القائلين يصح صومه، ويجزؤه عن رمضان. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الآية قد اشترطت لإجزاء الصوم شهود الشهر وصيامه, وهذا قد فعل فأجزءه عن رمضان (٢). الدليل الثاني: ما ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يصومون يوم الشك ويقولون: "لأن نصوم يوما من شعبان أحب إلينا من أن نفطر يوما من رمضان" (٣). وجه الاستدلال: إنما كان الصحابة ﵃ يصومون يوم الشك بنية النفل ابتداءً؛ لأنه لا يصام بنية الفرض، ولولا أنهم كانوا يجعلونه عن الفرض إذا تبين أنه من رمضان؛ لما كان لتحرزهم معنا (٤). الدليل الثالث: ولأنه نوى الأصل والوصف، والوقت قابل للأصل غير قابل للوصف، فبطلت نية الوصف وبقيت نية الأصل، فيقع صيامه عن رمضان؛ إذ إن التعيين غير لازم (٥). الراجح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الأول: لا يصح صومه لا عن رمضان ولا عن غيره، وعليه قضاء ذلك اليوم؛ وذلك لأمرين: الأول: إن كان صامه بنية النفل، أو بنية واجب آخر غير رمضان، لم يصحَّ صومه؛ لأن الوقت غير قابل لما نواه، ولا يجزئه عن رمضان؛ لأن الصحيح وجوب تعيين النية لصيام الفرض مطلقا من الليل، كما سيأتي في مسألة لاحقة إن شاء الله (٦). الثاني: وأما إن كان صامه بنية رمضان، وهو غير مستند إلى بينة على صومه هذا، كان كمن صلى شاكا في دخول الوقت، ثم عَلِم أنه قد صلى في الوقت، فإن صلاته لا تصح، وعليه إعادتها، فكذا هنا. والله أعلم.

стр. 140

المطلب الرابع: حكم الصيام بعد انتصاف شعبان . اختيار الشيخ: اختار منع الصوم بعد انتصاف شعبان لمن كان الصيام يضعفه، أو لم يصل آخر شعبان بأوله، أو لم تكن له عادة، فقال: "أما حديث الانتصاف وهو حديث صحيح كما ستعرف فهو محمول على من يضعفه الصوم، أو على من صامه بلا سبب، أو على من لم يصله بما قبله أي لم يصم قبل نصف الشهر والله تعالى أعلم" (١). اختلف الفقهاء في من أراد صيام النصف الثاني من شعبان بنية النفل ولم تكن له عادة صيام ولم يصل أول شعبان بآخره، على قولين: القول الأول: يجوز الصيام تطوعا في النصف الثاني من شعبان ولو لم يعتده، ولو لم يصله بالنصف الأول. وبه قال: الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية في وجه ضعيف (٤) , والحنابلة (٥). القول الثاني: يمنع الصيام تطوعا في النصف الثاني من شعبان، إذا لم يوافق عادة له، أو لم يصل صيامه بما قبل النصف الثاني منه وأن ابتداء المنع يكون من أول اليوم السادس عشر من الشهر. وهو المشهور عند الشافعية (٦)، وهو اختيار الشيخ. أدلة القول الأول: القائلين بأنه يجوز الصيام تطوعا في النصف الثاني من شعبان ولو لم يعتده، ولو لم يصله بالنصف الأول. الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: «كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان» (٧).

стр. 141

الدليل الثاني: عن أم سلمة ﵂ (١) قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين، إلا أنه كان يصل شعبان برمضان» (٢). الدليل الثالث: عن أبي سلمة (٣) قال: سألت عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ ؟ فقالت: «كان يصوم حتى نقول قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر، ولم أره صائما من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا» (٤). الدليل الرابع: عن أسامة بن زيد ﵄ (٥) قال: «كان رسول الله ﷺ يصوم الأيام يسرد حتى يقال لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم إلا يومين من الجمعة، إن كانا في صيامه وإلا صامهما، ولم يكن يصوم من شهر من الشهور ما يصوم من شعبان»، فقلت: يا رسول الله إنك تصوم لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين إن دخلا في

стр. 142

صيامك وإلا صمتهما، قال: «أي يومين؟ » قال: قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: «ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» , قال: قلت: ولم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (١). وجه الاستدلال: في هذه الآثار دليل على أنه لا بأس بصيام شعبان كله (٢). الدليل الخامس: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شعبان» (٣). الدليل السادس: وعنه ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ أي الصوم أفضل؟ -يعني بعد رمضان- قال: «صوم شعبان تعظيما لرمضان» (٤). وجه الاستدلال: فلم يفرق رسول الله ﷺ بين أول شعبان وبين آخره فكان حكمهما سواء. الدليل السابع: عن عمران بن حصين ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال له -أو لآخر-: «أصمت من سَرَر شعبان؟ » قال: لا، قال: «فإذا أفطرت، فصم يومين» (٥). وجه الاستدلال: وهذا في آخر شعبان (٦)، ولم يسأله هل صمت قبله شيئا أم لا؟ .

стр. 143

الدليل الثامن: عن عبد الله بن عمرو بن العاص (١) ﵄ قال: أُخبِر رسول الله ﷺ أني أقول: والله لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت. فقال رسول الله ﷺ «أنت الذي قلت ذلك»؟ فقلت له: قد قلته، بأبي أنت وأمي. فقال: «فإنك لا تستطيع ذلك. فصم وأفطر، وقم ونم. وصم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها. وذلك مثل صيام الدهر». قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوما وأفطر يومين». قلت: أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوما وأفطر يوما, فذلك مثل صيام داود, وهو أفضل الصيام». فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «لا أفضل من ذلك» (٢). وجه الاستدلال: فأباح النبي ﷺ صوم يوم وفطر يوم من سائر الدهر، فدخل ما بعد نصف شعبان في الإباحة (٣). الدليل التاسع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما، فليصمه» (٤). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن التقدم بيوم أو يومين فمفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين، وإنما نهى عن التقدم خشية أن يزاد في رمضان ما ليس منه (٥). أدلة القول الثاني: القائلين بمنع الصيام تطوعا في النصف الثاني من شعبان إذا لم يوافق عادة له، أو لم يصل صيامه بما قبل النصف الثاني منه, وأن ابتداء المنع يكون من أول اليوم السادس عشر.

стр. 144

الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (١). وجه الاستدلال: فهذا نص صريح في تحريم الصيام إذا انتصف شعبان، ويستثنى ما ذُكِرَ مِن مَن كانت له عادة صيام، أو من كان له سبب؛ لورود النص في ذلك، أو وصل صوم ما بعد النصف بما قبله ولو بيوم النصف -وإن اقتضى ظاهر الحديث السابق الحرمة في هذه الصورة أيضا- لكن جاز؛ حفظا لأصل مطلوبية الصوم (٢). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما، فليصمه» (٣). وجه الاستدلال من وجهين: الأول: أن في قوله: «ولا يومين» دليل على أن المقصود هنا هو انهي عن صيام التطوع وليس صيام يوم الشك؛ وذلك لأن الشك لا يكون في يومين فلو قصد النهي عن يوم الشك لاكتفى بقوله: «بصوم يوم» (٤). الثاني: أن المراد من الحديث التقدم بالصوم، فحيث وجد منع، وإنما اقتصر على يوم أو يومين؛ لأنه الغالب ممن يقصد ذلك، وجُعِل أمد المنع من أول السادس عشر من شعبان؛ لحديث أبي هريرة ¢ السابق (٥).

стр. 145

الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يجوز صيام النفل بعد انتصاف شعبان؛ لصحة ما استدلوا به ولثبوته عن النبي ﷺ ، ويكون المقصود من النهي الوارد في حديث أبي هريرة ¢ -في النهي عن الصيام بعد انتصاف شعبان-، هو: استجمام من لم يقوَ على تتابع الصيام الكثير في بقية شعبان؛ ليقوى بذلك على صيام شهر رمضان, فيستحب له الفطر فيها , كما استحب إفطار عرفة للحاج؛ ليقوى على الدعاء. أما من لم يصعب عليه ذلك , ولم يَضعُف به , فلا يتوجه النهي نحوه (١). ويحمل حديث التقدم على من يحتاط بالصيام لرمضان (٢). قال الطحاوي (٣) ﵀: "دل ذلك أن النهي الذي كان من رسول الله ﷺ في حديث أبي هريرة ¢ الذي ذكرناه في أول هذا الباب، لم يكن إلا على الإشفاق منه على صُوّام رمضان لا لمعنى غير ذلك، وكذلك نأمر من كان الصوم بقرب رمضان يدخله به ضعف يمنعه من صوم رمضان أن لا يصوم حتى يصوم رمضان؛ لأن صوم رمضان أولى به من صوم ما ليس عليه صومه، فهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يحمل عليه معنى ذلك الحديث، حتى لا يضاد غيره من هذه الأحاديث" (٤). والله أعلم.
следующие страницы →