← Фикх общий

Фикх общий · id 133371

الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

موافقي الأمين

Полный текст (722 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وجه الاستدلال من الأحاديث: أن الخطاب عام، وقد علق بمطلق الرؤية في قوله ﷺ : «حتى تروا»، و «لرؤيته» فإذا ثبتت الرؤية من قوم فإنه يَصْدُق اسم الرؤية، فثبت ما تُعُلِّق به من عموم الحكم، فيعم الوجوب جميع المسلمين (١). ومن المقرر أصوليا أنّ: (المطلق) (٢) يجرى على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد (٣). الدليل الخامس: عن أبي عُمَير بن أنس (٤) قال: حدثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: أُغْمِيَ علينا هلال شوال فأصبحنا صياما، فجاء ركَبْ (٥) من آخر النهار, فشهدوا عند النبي ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، «فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا، وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد» (٦).

стр. 72

الدليل السادس: عن رِبْعي بن حِراش (١)، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ لأهلاّ الهلال (٢) أمس عشيّة (٣)، «فأمر النبي ﷺ أن يفطروا» (٤). وجه الاستدلال من الحديثين: أن هؤلاء القوم الذين أخذ النبي ﷺ برؤيتهم قد رأوا الهلال في غير المدينة، وبينهم وبينها نحو من يومين؛ لأنّ شهادتهم كانت آخر النهار، والمطالع قد تختلف في الأمكنة المتقاربة (٥). الدليل السابع: قياس (٦) البلدان البعيدة على الضواحي والمدن القريبة من بلد الرؤية لعدم وجود دليل على اختصاص كل منهما بحكم، فالبيّنة العادلة ممثلة بشهادة الثقات قد أثبتت رؤية الهلال، فوجب الصيام؛ كما في حالة تقارب البلدان (٧). أدلة القول الثاني: القائلين باعتبار اختلاف المطالع.

стр. 73

الدليل الأول: عن كُرَيْب (١) أن أم الفَضْل بنت الحارث (٢) بعثته إلى معاوية (٣) ﵄ بالشام (٤)، فقال: قَدِمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس ﵁، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: «لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ » (٥). وجه الاستدلال من الحديث: أنّ ابن عبّاس ﵄ لم يعمل برؤية أهل الشّام وقال في آخر الحديث: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ، فدلّ ذلك على أنّه قد حفظ من رسول الله ﷺ أنّه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر (٦)، فلأهل الشام رؤيتهم، ولأهل المدينة رؤيتهم.

стр. 74

الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فاقدروا له» (١). الدليل الثالث: وعنه أيضا عن النبي ﷺ ؛ أنه ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له» (٢). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّي عليكم فأكملوا العدد» (٣). وجه الاستدلال من الأحاديث: أن رسول الله ﷺ علّق صيام رمضان على رؤية أناس مخصوصين وهم أهل البلد الذين رأوا الهلال، وبما أن أهل البلد الآخر لم يروه فلا يلزمهم الصيام (٤). الدليل الخامس: استدلوا بفعل الصحابة الكرام؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الخلفاء الراشدين ﵃ أنهم كانوا يكتبون إلى الآفاق إذا رأوا الهلال، ولو كانت الرؤية تلزم أهل الآفاق الأخرى بالصوم لكتبوا إليهم. فدل ذلك على عدم لزوم الصوم على أهل بلد لم يروا الهلال، ولو كان ذلك لازما لبلغوهم؛ إذ لا يتصور إهمالهم لأمور الدين (٥). الدليل السادس: القياس على اختلاف مطالع الشمس المنوط به اختلاف مواقيت الصلاة، فهي معتبرة شرعا، ومنعقد عليها بالإجماع، فلما كان لكل بلد شروقه وغروبه، وظهره وعصره تبعا لاختلاف مطالع الشمس، وجب أن يكون لكل بلد صيامهم، تبعا لاختلاف مطلع الهلال عندهم (٦).

стр. 75

القول الثالث: القائلين بأنه إن كانت المسافة بين البلدين متقاربة لا تختلف المطالع لأجلها فحكمها حكم بلد واحد؛ فإذا رؤي الهلال في أحدهما وجب على أهل البلد الآخر الصيام، وإن تباعدا في المسافة لم يجب الصوم على أهل البلد الآخر. الدليل الأول: حديث كريب السابق (١). وجه الاستدلال من الحديث: أن المسافة بين المدينة والشام قد وجدت فيها مسافة القصر، واختلاف الإقْلِيم (٢)، واختلاف المطالع، واحتمال عدم الرّؤية؛ فلذلك لم يلتزم ابن عباس برؤية أهل الشام (٣). الدليل الثاني: حديث: أغمي علينا هلال شوال فأصبحنا صياما، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا ثم يخرجوا لعيدهم من الغد (٤). وجه الاستدلال: أن الركب الذين شهدوا برؤية الهلال جاءوا آخر النهار، وقد كانوا رأوا الهلال بالأمس، ومع هذا فإن النبي ﷺ قد اعتبر رؤيتهم؛ وذلك لاتحاد المطلع. الدليل الثالث: لأنّ مطلع الذين رأوا الهلال هو نفسه مطلع الذين لم يروه، وإنما لم يره هؤلاء إما لتقصيرهم في التَّأَمُّل، أو لعارض، بخلاف مختلفي المطلع (٥). الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: عدم اعتبار اختلاف المطالع في ثبوت بدء الصوم وإن تباعدت البلدان، شريطة أن تكون الأقاليم والبلدان مشتركة في جزء من ليلة الرؤية. وسبب ترجيح هذا القول: قوة أدلته، ودقة وجوه الاستدلال بها، ولتعليق الشارع الكريم عموم الحكم بمطلق الرؤية.

стр. 76

وأما ما استدل به أصحاب القولين الآخرين فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بحديث كريب مولى ابن عباس، فيجاب عنه: أن الحجة في حديث ابن عباس ﵁ في (المرفوع) (١) منه؛ لا في ما فهمه الناس من اجتهاده, وذلك في قوله: «هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ». وقصد ابن عباس بهذا الأمر -والله أعلم- قوله ﷺ : «لا تصوموا حتّى تروا الهلال، ولا تفطروا حتّى تروه، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين». فهو لا يريد بقوله: «هكذا أمرنا رسول الله ﷺ » أن عنده عن الرسول ﷺ حديثا خاصا بهذه المسألة يدل على عدم الصيام. والدليل على أن ابن عباس قصد هذا الحديث قوله في آخر حديث كريب: «فلا نزال نصوم حتّى نكمل ثلاثين» (٢). ثانيا: وأما استدلالهم بحديث ابن عمر وأبي هريرة ﵄، فيجاب عنه: أن الخطاب في تلك الأحاديث لا يختصّ بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكلّ من يصلح له من المسلمين. فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللّزوم؛ لأنّه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزمهم (٣). ثالثا: وأما من فَرَّق بين القرب والبعد، فإن تفريقه لا دليل عليه من الشرع، وإنما أنتجه الدليل العقلي، بدليل أنهم اختلفوا في الضابط الذي يعتبر به البعد والقرب, فمنهم من جعل الضابط هو اتحاد المطلع واختلافه، ومنهم من جعله اتحاد الإقليم واختلافه، ومنهم من جعله مسافة القصر (٤). رابعا: وأما استدلالهم بالقياس على اختلاف مطالع الشمس فلا حجة فيه؛ لأن طلوع الشمس وغروبها يتكرر في كل يوم، ويشق مراعاته، ويلحق المشقة في اعتبار طلوعه وغروبه،

стр. 77

بخلاف الهلال (١)؛ فإنه ليس في السنة إلا رمضان واحد، ولا يلزم من التوحيد في الأزمان السابقة إلا قضاء اليوم الأول الذي لم يروا الهلال فيه ولا حرج في ذلك. أما في أزماننا هذه فلا يلزم شيء أبدا؛ لأنه من المتيسر جدا بعد الاختراعات الحديثة تبليغ ثبوت الرؤية في لمح البصر، وقبل أن يطلع النهار الجديد في أي بلد إسلامي مهما كان بعيدا عن بلد الرؤية؛ فقد ثبت علميا أنه ليس بين أي بلدين إسلاميين في مشارق الأرض ومغاربها أكثر من تسع ساعات، هكذا قال أهل التخصص والعهدة عليهم (٢). خامسا: وأما استدلالهم بفعل الخلفاء الراشدين: أنهم كانوا لا يكتبون إلى الآفاق إذا رأوا الهلال، فيجاب عنه: أنه لو تيسر للخلفاء والولاة في صدر الإسلام ما هو متيسر الآن من إذاعة الأخبار في جميع أنحاء المعمورة في أقل من لمح البصر، ما ترددوا في إبلاغ ثبوت الأهلة إلى جميع الولايات الإسلامية، ليتوحد مظهرهم الديني ويتفقوا في بدء الصيام والإفطار وسائر أعيادهم ومواسمهم الدينية (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 78

المطلب الثالث: هل يثبت دخول الشهر بالحساب الفلكي (١)؟ . اختيار الشيخ: اختار قول الجمهور، القائلين بعدم اعتبار دخول الشهر بالحساب الفلكي، حيث قال: "قلت: ويرد هذا القول حديث ابن عمر الآتي: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» , وقوله ﷺ بالخطاب العام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» , وقوله في نفس الحديث: «لا تصوموا حتى تروه» (٢) " (٣). تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء على أنه يجب صوم رمضان برؤية الهلال (٤). واختلفوا إذا لم يُرى الهلال فهل يعتبر الحساب دليلا يثبت به دخول الشهر، على قولين: القول الأول: لا يُعتبر الحساب دليلا يثبت به دخول الشهر. وهو قول جمهور أهل العلم من: الحنفية (٥) , والمالكية (٦) , والشافعية (٧) , والحنابلة (٨)، وهو اختيار الشيخ ﵀. القول الثاني: يعتبر الحساب دليلا يثبت به دخول الشهر.

стр. 79

وروي ذلك عن: مُطَرِّف بن الشِّخِّير (١) (٢) , وابن قُتَيْبَة (٣) (٤) , وابن سُرَيْج (٥) من الشافعية (٦). سبب الخلاف: قد يرجع سبب اختلافهم إلى ما يلي: السبب الأول: الإجمال الذي في لفظة اقدروا له ما المقصود منها (٧)، وسيتبين -إن شاء الله- عند عرض الأدلة تفسير كل فريق لهذه اللفظة. السبب الثاني: هل يعتبر الحساب دليلا شرعيا لإثبات الأهلة؟ . أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا يعتبر الحساب دليلا يثبت به دخول الشهر. الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان، فضرب بيديه فقال: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا - ثم عقد إبهامه في الثالثة - فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين» (٨)

стр. 80

الدليل الثاني: وعنه أيضا، أن رسول الله ﷺ قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (١). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁، قال: ذكر رسول الله ﷺ الهلال فقال: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين» (٢). وجه الاستدلال من الأحاديث: "أن النبي ﷺ أمر بالصوم للرؤية والإفطار لها في قوله: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، ونهى عن كل منهما عند عدمها في قوله: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه»، وأمرهم إذا كان غيم أو نحوه ليلة الثلاثين أن يكملوا العدة ثلاثين، ولم يأمرهم بالحساب، ولا بالرجوع إلى الحساب، بل حصر بطريق النفي والإثبات الشهر بالرؤية، فدل على أنه لا اعتبار شرعا لما سواها في إثبات الأهلة، وهذا تشريع من الله على لسان رسوله ﷺ عام للحاضر والباد، أبدا إلى يوم القيامة، ولو كان هناك أصل آخر للتوقيت لأوضحه لعباده؛ رحمة بهم، وما كان ربك نسيا" (٣). الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «إنا أمة أُمِّيَّة (٤)، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا» يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين (٥). وجه الاستدلال: قال ابن تيمية (٦): "قوله: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» هو خبر تَضمَّن نهيا. فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته -هي الأمة الوسط-، أُمِّيَّة لا تَكتُب ولا تَحسِب.

стр. 81

فمن كَتَب أو حَسَب، لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم. بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة. فيكون قد فَعَل ما ليس من دينها، والخروجُ عنها محرَّمٌ، منهيٌّ عنه، فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمَين منهيّا عنهما" (١). الدليل الخامس: ولأن ذلك إحداث لسبب لم يشرعه الله تعالى (٢) الدليل السادس: ولأنه ليس بدليل شرعي يجوز البناء عليه، ولا العمل به، فكان وجوده كعدمه (٣). الدليل السابع: ولأنه حَدْس وتَخْمين فلم يجز التعويل عليه (٤). الدليل الثامن: ولأن الناس لو كُلِّفوا بحساب المنجمين لضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشَرْعُ إنما يُعَرِّف الناس بما يعرفه جماهيرهم (٥). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يعتبر الحساب دليلا يثبت به دخول الشهر. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٦). وجه الاستدلال: أي أنّ أهل الحساب إذا التبَس عليهم الهلال اهتدوا بحساب النجوم (٧). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له» (٨). الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (٩).

стр. 82

وجه الاستدلال من الحديثين: أن قوله ﷺ : «فاقدروا له» معناه: قَدِّروه بحساب المنازل، وأنه خطاب لمن خصه الله بهذا العلم وأن قوله: «فأكملوا العدة» خطاب للعامة (١). الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا» يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين (٢). وجه الاستدلال: أن الأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء مُعلَّلا (بعِلَّة) (٣) منصوصة وهي: أن الأمة لا تكتب ولا تحسب، والعلة تدور مع المعلول وجودا وعدما (٤)، فإذا وصلت الأمة إلى حال في معرفة هذا العلم باليقين في حساب أوائل الشهور وأمكن أن يثقوا به ثقتهم بالرؤية أو أقوى صار لهم الأخذ بالحساب في إثبات أوائل الشهور (٥). الدليل الخامس: ولأنه إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه أنه يُرى لولا وجود المانع كالغيم مثلا، فهذا يقتضي الوجوب؛ لوجود السبب الشرعي. وبيان ذلك: أنه ليست حقيقة الرؤية شرطا في اللزوم؛ لأنهم متفقون على أن المحبوس في المَطْمُورة (٦) إذا عَلِم أن اليوم من رمضان إما بإكمال العِدَّة أو بالاجتهاد بالعلامات، وجب عليه الصوم، وإن لم يَرَ الهلال، ولم يخبره من رآه (٧).

стр. 83

الدليل السادس: ولأن المكلف عرف الشهر بدليل؛ فأَشبَه لو عَرَفه بالبَيِّنة (١). الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه لا يعتبر الحساب دليلا يثبت به دخول الشهر؛ ولكن لا مانع من إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري الرؤية. وقد جاء في قرار هيأة كبار العلماء: "إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري رؤية الهلال لا مانع منه شرعا" (٢). وسبب هذا الترجيح يرجع لأمور: الأول: صحة ما استدلوا به، ولصراحته في أن الرؤيا لا تَعلُّق لها بالحساب, وإنما العبرة بالرؤية البصرية. الثاني: ضعف ما استدل به أصحاب القول الثاني وبيان ذلك كما يلي: أولا: أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، فيجاب عنه: أن معنى الاهتداء بالنجم في الآية: هو الاهتداء في الطرق في البر والبحر (٣). قال قَتادَة (٤): «وإن الله ﵎ إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصلات: جعلها زينة للسماء، وجعلها يُهْتَدى بها، وجعلها رجوما للشياطين. فمن تعاطى فيها غير ذلك: فَقَدَ رأيَه، وأخطأَ حظَه، وأضاعَ نصيبَه، وتَكَلَّفَ ما لا علم له به» (٥). ثانيا: وأما تفريقهم بين رواية «فاقدروا له» بجعلها بمعنى قدروه بحساب المنازل، وأنه خطاب لمن خصه الله بهذا العلم ورواية «فأكملوا العدة» خطاب للعامة. فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن لفظة فاقدروا له جاءت مُفسَّرة عن النبي ﷺ مما لا يترك شكا أن المقصود منها الإتمام وذلك كما جاء بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن

стр. 84

الله ﵎ جعل الأهلة مواقيت، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له، أتموه ثلاثين» (١). فهذه الرواية الصحيحة، صريحة في تفسير المرفوع بالمرفوع (٢). الوجه الثاني: جاء في رواية لحديث ابن عمر ﵄: «أن ابن عمر كان لا يأخذ بهذا الحساب» (٣). فهذا تفسير منه لرواية: «فاقدروا له»، وأنها بمعنى الرواية الأخرى: «فاقدروا له ثلاثين». قال ابن العربي: "فصار وجوب رمضان عنده (٤) مختلف الحال؛ يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد؟ وهذا بعيد عن النُبَلاء" (٥). ثالثا: وأما استدلالهم بحديث: «إنا أُمَّة أُمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب»، فيجاب عنه: أن هذا الحديث محض خبر من النبي ﷺ لأمته أنها لا تحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، إذ هو إما أن يكون ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما، ومَرَدّ معرفته بالرؤية للهلال أو بالإكمال؛ كما في الأحاديث المتقدمة المشعرة بالحصر في هذين السبيلين، لا بكتاب ولا بحساب. فهذا خبر منه ﷺ يتضمن نهيا عن الاعتماد على الكتاب والحساب في أمر الهلال، وفطم للأمة عن الاعتماد عليه، إذ أغناهم بنصب الرؤية أو الإكمال دليلا على أوائل الشهور، وهذا الظاهر في خبرية النص هو الذي يتفق مع الحقائق الشرعية والدلائل النصية

стр. 85

من الأحاديث السابقة. إذا فيتعين إبقاء النص على ظاهره في الخبرية، ولا يُصرَف عنها إلى العِلِّيَّة إلا بدليل، وصرفه يؤدي إلى تعارض النصوص كما هو بَيِّن (١). رابعا: وأما قولهم إن حقيقة الرؤية ليست شرطا في اللزوم، واستدلالهم بالمحبوس في المطمورة فيجاب عنه: أن المحبوس في المطمورة معذور، فيجب عليه الاجتهاد في دخول الوقت، ويجب عليه العمل بما أدى إليه اجتهاده، فإن تبين خطؤه بيقين أعاد. وحصول الغيم في المطالع أمر معتاد، والسبب الشرعي للوجوب إنما هو الرؤية، لا عِلْم ذلك بالحساب؛ لقوله ﷺ «إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب» الحديث (٢). سادسا: وأما جعلهم الحساب دليلا صحيحا كالبينة العادلة فيجاب عنه: أن الحساب ليس دليلا شرعيا يجوز البناء عليه، ولا العمل به، فكان وجوده كعدمه (٣). والله أعلم.

стр. 86

المطلب الرابع: عدد الشهود في هلال شهر رمضان . اختيار الشيخ: اختار قبول شهادة الواحد على ثبوت هلال رمضان، فقال: "وفيه دليل كحديث ابن عباس على قبول خبر الواحد في رؤية هلال شهر رمضان" (١). تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء على أنه يجب صوم رمضان برؤية الهلال (٢). واتفقوا على أن الكافة إذا أخبرت برؤية الهلال، أن الصيام والإفطار بذلك واجبان (٣). واختلف العلماء في عدد الشهود الذين يثبت بهم دخول شهر رمضان على ثلاثة أقوال: القول الأول: يكتفى بشهادة عدل واحد. وهو رواية عن: الإمام أبي حنيفة (٤) (٥) , والأصح عند الشافعية (٦)، والمذهب عند الحنابلة (٧). وهو قول: الظاهرية (٨) , وهو اختيار الشيخ ﵀. القول الثاني: يشترط شهادة عدلين.

стр. 87

وبه قال: المالكية (١)، والشافعية في قول (٢)، والحنابلة في رواية (٣). وبه قال: عطاء (٤) , والأوزاعي (٥) , والليث, وإسحق بن راهويه (٦). القول الثالث: إن كان بالسماء علة يقبل شهادة الواحد، وإن لم يكن بالسماء علة فلا بد أن يكون الشهود جمعا غفيرا. وبه قال: الحنفية في ظاهر الرواية (٧). سبب الخلاف: يرجع اختلاف العلماء في هذه المسألة إلى سببين والله أعلم: السبب الأول: اختلاف الآثار في هذه المسألة (٨). السبب الثاني: تردد الخبر في هذه المسألة بين أن يكون من باب الشهادة أو من باب الإخبار (٩). أدلة القول الأول: القائلين بأنه يكتفى بشهادة عدل واحد. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١٠). وجه الاستدلال من الآية: أمر بالتبين عند مجيء الفاسق، ومفهومه عدم التبيّن عند مجيء العدل، فإذا رددنا شهادة الواحد العدل برؤية الهلال كنا قد تبيَّنا.

стр. 88

وإنما لم يُكتفى بشهادة الواحد في سائر الحقوق، لمَعاني أخرى غير موجودة هنا: كالتُهْمَة، وغير ذلك (١). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ قال: تَراءى (٢) الناس الهلال, «فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته؛ فصام وأمر الناس بصيامه» (٣). وجه الاستدلال من الحديث: أن ابن عمر أخبر أن النبي ﷺ أمر الناس بالصيام بسبب رؤيته؛ لأنه ذكر ذلك بحرف الفاء, التي تفيد السببية، ولأنه لم يذكر شيئا غير رؤيته؛ والأصل عدمه, ولأنه ذكر سببا وحُكْما؛ فيجب تعليقه به دون غيره (٤). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال؛ يعني رمضان، فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟ » قال: نعم. قال: «أتشهد أن محمدا رسول الله؟ » قال: نعم. قال: «يا بلال، أَذِّن في الناس فليصوموا غدا» (٥). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ اكتفى بشهادة الأعرابي وابن عمر كل على انفراده فدل على أن شهادة الواحد مقبولة في إثبات هلال رمضان (٦).

стр. 89

الدليل الرابع: عن طَاوُوس (١) , قال: شَهِدتُ المدينة وبها ابن عمر, وابن عباس, فجاء رجل إلى واليها فشهد عنده على رؤية الهلال هلال رمضان, فسأل ابن عمر, وابن عباس عن شهادته؟ فأمره أن يجيزه, وقالا: «إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة رجل واحد على رؤية الهلال هلال رمضان» , قالا: «وكان رسول الله ﷺ لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين» (٢). وجه الاستدلال: أن ابن عباس وابن عمر ﵄ أخبرا بأن رسول الله ﷺ قد قبل شهادة الواحد على هلال رمضان, فيكون نصا في المسألة. الدليل الخامس: عن عبد الملك بن مَيْسرة (٣)، قال: «شَهَدتُ المدينة في هلال صوم أو إفطار، فلم يشهد على الهلال إلا رجل، فأمرهم ابن عمر ﵃، فقبلوا شهادته» (٤). وجه الاستدلال: أن مثل هذا يشتهر، ولم ينكره أحد، فصار إجماعا (٥). الدليل السادس: ولأنه حال يستوي فيه المُخبِر والمُخبَر، فوجب أن يُحكم فيه بقول الواحد (٦). الدليل السابع: ولأن العدد ليس بشرط في الإخبار عن الديانات, وإنما تشترط العدالة فقط؛ كما في رواية الحديث، والإخبار عن طهارة الماء ونجاسته، ونحو ذلك (٧).

стр. 90

أدلة القول الثاني: القائلين يشترط شهادة عدلين. الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الشاهدين العدلين هو العدد الذي تثبت به الحقوق، فوجب أن يكون هو العدد الذي تثبت به الرؤيا (٢). الدليل الثاني: عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (٣) قال: إنا صحبنا أصحاب النبي ﷺ ، وتعلمنا منهم، وإنهم حدثونا أن رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين، فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا (٤)» (٥). الدليل الثالث: وعن أمير مكة الحارث بن حاطب (٦) ﵃ قال: «عَهِد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية, فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما» (٧).

стр. 91

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ علق حكم الشهادة بعدلين؛ فعُلِم أن حكم الواحد مخالف لحكمهما (١). (فمنطوق) (٢) الحديث قبول شهادة العدلين على الصوم، و (مفهومه) (٣) أنه إذا لم يشهد عدلان، فلا صوم (٤). الدليل الرابع: عن رِبْعِيّ بنُ حِرَاش، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان، فشهدا عند النبي ﷺ لأهلا الهلال أمس عشية، «فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا» (٥). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قبل شهادة الرجلين على الهلال، فدل ذلك على أن شهادة الواحد غير مقبولة. الدليل الخامس: "ولأنه حكم شرعي متعلق برؤية الهلال، فوجب أن يكون حكم الإخبار به حكم الشهادات؛ أصله هلال شوال" (٦). الدليل السادس: لا يُسَلَّم أن ابن عمر والأعرابي قد شهد كل واحد منهما وحده، بل احتمال أن يكون قد شهد عند النبي ﷺ مع كل واحد منهما آخرون (٧). أدلة القول الثالث: القائلين بأنه إن كان في السماء علة تقبل شهادة الواحد، وإن لم يكن في السماء علة فلا بد أن يكون الشهود جمعا غفيرا. أدلتهم على قبول شهادة الواحد العدل إن كان في السماء علة هي أدلة القول الأول، إلا أنهم حمَلوها على وجود علة بالسماء (٨).

стр. 92

أما دليلهم على أنه لا تقبل شهادة الواحد إن كانت السماء مصحية فهو: أن التفرد من بين الجم الغفير بالرؤية -مع توجههم طالبين لِما تَوجَّه هو إليه، مع فرض عدم المانع وسلامة الأبصار، وإن تفاوتت الأبصار في الحِدَّة-، ظاهر في غَلَطِه؛ قياسا على تَفرّد ناقل زيادة من بين سائر أهلِ مجلسٍ مشاركين له في السماع؛ فإن هذه الزيادة تُردّ، وإن كان ثقة (١). قال الكاساني (٢): "أن خبر الواحد العدل إنما يقبل فيما لا يكذبه الظاهر، وههنا الظاهر يكذبه؛ لأن تفرده بالرؤية مع مساواة جماعة -لا يحصون- إياه في الأسباب الموصلة إلى الرؤية، وارتفاع الموانع، دليل كذبه، أو غلطه في الرؤية. وليس كذلك إذا كان بالسماء علة؛ لأن ذلك يمنع التساوي في الرؤية؛ لجواز أن قطعة من الغيم انشقت فظهر الهلال فرآه واحد ثم استتر بالغيم من ساعته قبل أن يراه غيره" (٣). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن شهادة الواحد العدل في رؤية هلال رمضان مقبولة؛ وذلك لقوة أدلة هذا القول، ولأن حديث عبد الله بن عمر والأعرابي ﵃، دلّا على قبول شهادة الواحد في هلال رمضان. وأما ما استدل به أصحاب القولين الآخرين فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ , فيجاب عنه: أن الشارع اشترط شهادة عدلين في الحقوق؛ وذلك لحكمة واضحة وهي: أنَّ إلزام المُعَيَّن تتوقع فيه عداوة باطنية لم يَطَّلِع عليها الحاكم، فتبعث العدو على إلزام عدوه ما لم يكن لازما له, فاحتاط الشارع لذلك واشترط معه شاهدا آخر؛ إبعادا لهذا الاحتمال، فإذا اتفقا في المَقال قَرُب الصِدق جدا، بخلاف الشاهد الواحد (٤).

стр. 93

أما من شهد على رؤية هلال رمضان، فإنه غير متهَم؛ إذ الإنسان لا يُتَّهَم في الإضرار بنفسه بالتزام الصوم؛ ولأنه مُلزَم بما يلزم غيره (١). ثانيا: وأما استدلالهم بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب, فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن زيادة: «فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا» غير محفوظة (٢). الوجه الثاني: وعلى فرض صحة هذه الزيادة: فإنما دل الحديث بمفهومه على عدم الاكتفاء بالواحد في الشهادة على هلال رمضان، بينما حديث ابن عمر وحديث ابن عباس في قصة الأعرابي السابقين، يدلان بمنطوقهما على الاكتفاء بالواحد؛ والمنطوق يقدم على المفهوم (٣). ثالثا: وأما استدلالهم بحديث أمير مكة, فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن نسلك بالحديث مَسْلك الجمع (٤) , فيكون النسك هو عيد الفطر، أو أن الحديث محمول على الاستحباب و (الاحتياط) (٥) (٦). الوجه الثاني: أن نسلك به مَسْلك الترجيح (٧) , فيقال: إن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديثا ابن عباس وابن عمر ﵃ يدلان على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق أرجح من دلالة المفهوم، فيجب تقديمهما" (٨). رابعا: وأما استدلالهم بحديث ربعي بن حراش، فيجاب عنه من وجهين:

стр. 94

الوجه الأول: أن هذا الحديث في هلال شوال ونحن كلامنا في هلال رمضان. الوجه الثاني: أن مجرد قبول شهادة الاثنين في واقعة لا يدل على عدم قبول الواحد, بل لو شهد أربعة، أو عشرة، لقبل ﷺ شهادتهم، ولكن الكلام فيما لو شهد واحد هل كان سيرد شهادته؟ . خامسا: وأما قياسهم هلال رمضان على هلال شوال, فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن قياس هلال رمضان على هلال شوال لا يستقيم، وذلك أن هلال شوال خروج من عبادة، وهلال رمضان دخول فيها (١). الوجه الثاني: أن هلال شوال يخالف هلال رمضان وذلك: لأنه لا يلزم الشاهد شيء بشهادته على هلال شوال بل له فيها نفع، وهو إسقاط الصوم عن نفسه، فكان متهَما، فيشترط فيه العدد؛ نفيا للتهمة، بخلاف هلال رمضان، هناك لا تهمة؛ إذ الإنسان لا يتهَم في الإضرار بنفسه بالتزام الصوم (٢). سادسا: وأما عدم تسليمهم بأن ابن عمر والأعرابي ﵃ قد شهد كل واحد منهما وحده، فيجاب عنه: أن التأويل بالاحتمال المذكور تعسف وتجويز، لو صح اعتبار مثله لكان مفضيا إلى طرح أكثر الشريعة (٣). ثم إنه لو شهد غيرهما لنُقِل، ولأن الحكم إذا نقل معه السبب كان بمنزلة العلة للحكم، ثم ثبت أن العلة لا يجوز الزيادة فيها، فكذلك السبب (٤). سابعا: وأما الجواب عن من فرق بين الغيم والصحو, فقَبِل شهادة الواحد في الغيم واشترط شهادة الجم الغفير في الصحو, فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن النصوص جاءت صحيحة صريحة في قبول شهادة الواحد على هلال رمضان، ولم تفرق بين الصحو والغيم.

стр. 95

الوجه الثاني: أنه لا مانع من أن يرى الهلال واحد دون غيره في حال الصحو؛ لحُسن نظره، أو لمعرفته بالمطالع، أو غير ذلك، وليس هذا ممتنعا. ولهذا لو شهد برؤيته اثنان أو واحد وحَكَم به حاكم، لم يُنقَض حُكمُه بالإجماع، ووجب الصوم بالإجماع، ولو كان مستحيلا لم يَنفُذ حكمُه، ولَوَجَب نقضه (١). والله أعلم.

стр. 96

المطلب الخامس: عدد الشهود لثبوت هلال شوال . اختيار الشيخ: اختار قول الجمهور: إنه يشترط شاهدان لثبوت هلال شوال, فقال: "وأما هلال شوال فلا يقبل فيه إلا شهادة اثنين عدلين" (١). تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم على أن الكافة إذا أخبرت برؤية الهلال، أن الصيام والإفطار بذلك واجبان (٢). واختلفوا في عدد الشهود الذي يثبت به هلال شوال على قولين: القول الأول: يشترط لهلال شوال شهادة رجلين. وبه قال: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة (٦)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يكتفى في ثبوت هلال شوال بشاهد واحد. وبه قال: أبو ثور (٧) (٨) , وابن حزم (٩) (١٠).

стр. 97

واختاره: ابن رشد الحفيد (١) (٢)، وابن المنذر (٣) (٤). سبب الخلاف: قال ابن رشد: "وسبب اختلافهم: اختلاف الآثار في هذا الباب، وتردد الخبر في ذلك بين أن يكون من باب الشهادة أو من باب العمل بالأحاديث التي لا يشترط فيها العدد" (٥). أدلة القول الأول: القائلين بأنه يشترط لهلال شوال شهادة رجلين. الدليل الأول: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان, فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له» (٦). وجه الاستدلال: أن قوله ﷺ : «حتى تروه»، أي الهلال, وليس المراد رؤية جميع الناس بحيث يحتاج كل فرد إلى رؤيته، بل المعتبر رؤية بعضهم وهو العدد الذي تثبت به الحقوق، وهو عدلان، لكن استثنى منه هلال رمضان لحديثي ابن عباس وابن عمر ﵃، فإنهما نصان في قبول شهادة العدل الواحد في رؤية هلال رمضان (٧).

стр. 98

الدليل الثاني: عن ربعي، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ أصبح صائما لتمام الثلاثين من رمضان، فجاء أعرابيان فشهدا أن لا إله إلا الله وأنهما أهلاه بالأمس، «فأمرهم فأفطروا» (١). الدليل الثالث: عن أبي عمير بن أنس بن مالك قال: حدثني عمومتي من الأنصار، من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: أغمي علينا هلال شوال فأصبحنا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند النبي ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، «فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد» (٢). الدليل الرابع: عن أنس (٣) ﵁ أن قوما شهدوا عند النبي ﷺ على رؤية الهلال، هلال شوال، «فأمرهم أن يفطروا، وأن يغدوا (٤) على عيدهم» (٥). وجه الاستدلال من الأحاديث: أن هذه الأحاديث تدل على أن الأصل في أمر الهلال شهادة عدلين (٦). وبما أن النبي ﷺ قبل في ذلك شهادة اثنين فغير جائز قبول أقل منهما (٧).

стр. 99

الدليل الخامس: عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب, قال: إنا صحبنا أصحاب النبي ﷺ ، وتعلمنا منهم، وإنهم حدثونا أن رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين، فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا» (١). الدليل السادس: عن طاووس, قال: شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس ﵄ , فجاء رجل إلى واليها فشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان, فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته، فأمراه أن يجيزه. قالا: «إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة واحد على رؤية الهلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين» (٢). الدليل السابع: عن علي (٣) ﵁ قال: (إذا شهد رجلان ذوا عدل على رؤية الهلال فأفطروا) (٤). الدليل الثامن: ولأن هذه شهادة يلحق الشاهد فيها التهمة، فكان من شرطها العدد، كسائر الشهادات (٥). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يكتفى في ثبوت هلال شوال بشاهد واحد. الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته؛ «فصام وأمر الناس بصيامه» (٦).

стр. 100

الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال؛ يعني رمضان، فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟ » قال: نعم. قال: «أتشهد أن محمدا رسول الله؟ » قال: نعم. قال: «يا بلال، أذن في الناس فليصوموا غدا» (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قبل شهادة الواحد على هلال رمضان، فيقاس عليه هلال شوال؛ إذ لا فرق بينهما (٢). كما أنه لم يأت أن النبي ﷺ رد شهادة الواحد على هلال شوال (٣). الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أمّ مَكْتُوم (٤)» (٥). وجه الاستدلال: أنه لمّا كان الإجماع منعقدا على وجوب الفطر والإمساك عن الأكل بقول واحد، وهو قول المؤذن، فوجب أن يكون الأمر كذلك في دخول الشهر وخروجه؛ إذ كلاهما علامة تفصل زمان الفطر من زمان الصوم (٦). الدليل الرابع: ولأن باب رؤية الهلال من باب الإخبار، فلا يجري مجرى الشهادات؛ ألا ترى أن شهادة الواحد مقبولة في رؤية هلال شهر رمضان، فكذلك يجب أن تكون مقبولة في هلال شهر شوال (٧).

стр. 101

الدليل الخامس: ولأنه من الدين؛ وقد صح في الدين قبول خبر الواحد؛ فهو مقبول في كل مكان، إلا حيث أَمَر الله تعالى بأن لا يقبل إلا عدد سماه لنا (١). الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه يكتفى في ثبوت هلال شوال بشاهد واحد؛ وذلك لصحة ما استدلوا به، ووضوح دلالته على المطلوب، ولصحة قياسهم. قال ابن رشد: "ويشبه أن يكون أبو ثور لم ير تعارضا بين حديث ابن عباس وحديث ربعي بن حراش، وذلك: أن الذي في حديث ربعي بن حراش أنه قضى بشهادة اثنين، وفي حديث ابن عباس أنه قضى بشهادة واحد، وذلك مما يدل على جواز الأمرين جميعا، لا أن ذلك تعارض، ولا أن القضاء الأول مختص بالصوم والثاني بالفطر، فإن القول بهذا إنما ينبني على توهم التعارض. وكذلك يشبه ألا يكون تعارض بين حديث عبد الرحمن بن زيد وبين حديث ابن عباس إلا (بدليل الخِطاب) (٢)، وهو ضعيف إذا عارضه النص" (٣). وأما ما استدل به أصحاب القول الأول, فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بحديث: «لا تصوموا حتى تروا الهلال ... »، فيجاب عنه بأن يقال: أين في الحديث تخصيص هلال شوال بشهادة عدلين؟ ، فالحديث لم يذكر عدد الشهود لا في هلال رمضان ولا في هلال شوال، وإنما ذكر مطلق الرؤية، وأما تعيين عدد الشهود فيستفاد من أدلة أخرى. ثانيا: وأما استدلالهم بحديث الأعرابيين, وحديث الركب, وحديث القوم الذين شهدوا عند رسول الله ﷺ برؤية هلال شوال, فيجاب عنه: أنه ليس في هذه الأحاديث اشتراط بأن يكون الشهود اثنين أو ركبا أو قوما، وإنما حصل أن جاء أعرابيان، وحصل أن جاء ركب، وحصل أن جاء قوم، فهي (وقائع أعيان) (٤) لا تفيد أن أقل من ذلك لا يقبل، وإنما كان يستقيم استدلالهم لو أتوا بحديث واحد فيه أن النبي ﷺ

стр. 102

رد شهادة واحد على هلال شوال. وعليه فليس في هذه النصوص ما يدل على تقييد أو اشتراط اثنين أو أكثر لرؤية هلال شوال. ثالثا: وأما استدلالهم بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فيجاب عنه من وجهين: الأول: أن زيادة: «فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا» غير محفوظة؛ لأنها لم تأت من طريق صحيحة (١). الثاني: وعلى التسليم بصحة الحديث, فيجاب عنه: أن اشتراط شهادة الاثنين مستفاد من هذا الحديث (بمفهوم الشرط) (٢)، وقد وقع الخلاف بين العلماء في العمل به. ثم هو أيضا معارض بما تقدم من قبوله ﷺ لخبر الواحد في أول الشهر، وبالقياس عليه في آخره؛ لعدم الفارق. فلا ينتهض مثل هذا المفهوم لإثبات هذا الحكم به (٣). رابعا: وأما استدلالهم بحديث طاووس, قال: "شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس ﵄ .. " الحديث, فيجاب عنه: أنه حديث ضعيف لا تقوم به الحجة (٤). ومثله أثر علي ﵁ فهو أثر ضعيف (٥). خامسا: وأما قولهم: إن هذه شهادة يلحق الشاهد فيها التهمة، فكان من شرطها العدد، كسائر الشهادات, فيجاب عنه: كما أنهم ردوا شهادة الشاهد بهذا الظن، كان ينبغي رد شهادة الشاهدين في شوال أيضا بنفس الظن؛ لأنهما يجران إلى أنفسهما نفعا فتلحقهما التهمة، كما يفعلون في سائر الحقوق (٦). والله أعلم.

стр. 103

المطلب السادس: هل يكفي الإخبار ممن رأى الهلال أو تشترط الشهادة ؟ . اختيار الشيخ: اختار أن رؤية هلال رمضان بابها باب الإخبار فيكفي فيها الإخبار ولا تشترط الشهادة، فقال: "وفيه (١) دليل على أن الإخبار كاف ولا يحتاج إلى لفظ الشهادة" (٢). تحرير محل الخلاف: قَسَّم العلماء الخبر إلى ثلاثة أقسام: رواية محضة؛ كالأحاديث النبوية، وشهادة محضة؛ كإخبار الشهود عن الحقوق على المعينين عند الحاكم، ومركب من الشهادة والرواية, وله صور منها: الإخبار عن رؤية هلال رمضان (٣)، وهي مسألتنا هذه. فاختلف أهل العلم في رؤية هلال رمضان، هل بابها باب الإخبار أو بابها باب الشهادات؟ ، على قولين: القول الأول: رؤية هلال رمضان بابها باب الإخبار، فيكفي فيها الإخبار من واحد، ولا تشترط فيها الشهادة. وبه قال: الحنفية (٤) , والشافعية في وجه (٥)؛ وقال به: أبو إسحاق المروزي (٦) , والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨)، وهو اختيار الشيخ عبيد الله. القول الثاني: رؤية هلال رمضان بابها باب الشهادات، فتشترط الشهادة بلفظها. وهو قول: المالكية (٩)، والأصح عند الشافعية (١٠).

стр. 104

سبب الخلاف: قال ابن رشد: "وسبب اختلافهم: اختلاف الآثار في هذا الباب، وتردد الخبر في ذلك بين أن يكون من باب الشهادة أو من باب العمل بالأحاديث التي لا يشترط فيها العدد" (١). أدلة القول الأول: القائلين بأن رؤية هلال رمضان بابها باب الإخبار، فيكفي فيها الإخبار من واحد، ولا تشترط فيها الشهادة. الدليل الأول: عن ابن عمر ﵁ أنه قال: أخبرت رسول الله ﷺ إني رأيت الهلال, «فأمر الناس بالصيام» (٢). وجه الاستدلال: أن ابن عمر ﵁ ذكر أنه أخبر النبي ﷺ فاكتفى بالإخبار ولم يلزمه بالشهادة، فكان فيه حجة لمن أجرى الأمر في رؤية هلال شهر رمضان مجرى الإخبار ولم يحملها على أحكام الشهادات (٣). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال؛ يعني رمضان، فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟ » قال: نعم. قال: «أتشهد أن محمدا رسول الله؟ » قال: نعم. قال: «يا بلال، أذن في الناس فليصوموا غدا» (٤). وجه الاستدلال: أن الأعرابي أخبر النبي ﷺ بأنه رأى الهلال فقبل منه ﷺ ، فدل على أن الإخبار كاف ولا يحتاج إلى لفظ الشهادة ولا إلى الدعوى (٥). الدليل الثالث: ولأن الواحد العدل فيه كاف عند جماعة من العلماء، فلو كان شهادة لما اكتُفيَ بالواحد، ولكان العدد الواجب في ثبوت الشهادة شرطا (٦). الدليل الرابع: ولأنه خبر ديني، فأشبه الرواية، والخبر عن القبلة، ودخول وقت الصلاة (٧).

стр. 105

الدليل الخامس: ولأن حكمه يلزم الشاهد، وهو الصوم، وحكم الشهادة لا يلزم الشاهد، والإنسان لا يُتَّهم في إيجاب شيء على نفسه، فدل على أنه ليس بشهادة، بل هو إخبار (١). أدلة القول الثاني: القائلين بأن رؤية هلال رمضان من باب الشهادات، فتشترط الشهادة بلفظها. الدليل الأول: عن أمير مكة الحارث بن حاطب ﵁ قال: «عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية فإن لم نره، وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما» (٢). الدليل الثاني: عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: إنا صحبنا أصحاب النبي ﷺ وتعلمنا منهم، وإنهم حدثونا أن رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين، فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا» (٣). وجه الاستدلال: أن الحديثين نصا على قبول شهادة الشاهدين إذا شهدا بالرؤية (٤)، فمفهومه عدم قبول إخبار من رأى الهلال إن لم يشهد. الدليل الثالث: ولأنه حكم شرعي متعلق برؤية الهلال، فوجب أن يكون حكم الإخبار به حكم الشهادات؛ أصله هلال شوال (٥). الدليل الرابع: ولأنه لا يُقبَل فيه شاهد الفرع مع وجود شاهد الأصل، وهذا خاص بالشهادة لا بالإخبار (٦). الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن رؤية هلال رمضان بابها باب الإخبار، فيكفي فيها الإخبار من واحد، ولا تشترط فيها الشهادة؛ وحديث ابن عمر والأعرابي يدلان على ذلك. وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني، فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بحديث أمير مكة، وحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، والذي فيهما: «وشهد شاهدا» و «شهد ذوا عدل» على اشتراط الشهادة فيجاب عنه:

стр. 106

أن التصريح بالشهادة غاية ما فيه المنع من قبول الإخبار بالمفهوم، وحديثا ابن عمر والأعرابي يدلان على قبوله بالمنطوق؛ ودلالة المنطوق أرجح من دلالة المفهوم. ثانيا: ولأن قياس رؤية الهلال على الشهادة على سائر الحقوق بعيد؛ لأن الشهادة على الحقوق إنما اشترط لها لفظ الشهادة والعدد لاعتبارات أخرى ليست موجودة في من يخبر بأنه رأى هلال رمضان؛ كالتهمة وغير ذلك (١). قال القَرافِي (٢): "ووجه المناسبة بين الشهادة واشتراط العدد حينئذ وبقية الشروط: أن إلزام المعين تتوقع فيه عداوة باطنية لم يطلع عليها الحاكم، فتبعث العدو على إلزام عدوه ما لم يكن لازما له، فاحتاط الشارع لذلك واشترط معه آخر إبعادا لهذا الاحتمال، فإذا اتفقا في المقال قَرُب الصدق جدا بخلاف الواحد" (٣). فيكون تشبيه الرائي بالراوي هو أمثل من تشبيهه بالشاهد؛ لأنه ليس في رؤية القمر شبهة من مخالف (٤). ثالثا: ولأن الخبر إما أن يُقصَد به أن يترتب عليه (فَصْل قضاء) (٥) (وإِبْرام حكم) (٦) أو لا، فإن قصد به ذلك فهو الشهادة، وإن لم يقصد به ذلك: فإما أن يقصد به ترتب دليل حكم شرعي أو لا، فإن قصد به ذلك فهو الرواية، وإلا فهو سائر أنواع الخبر (٧). والله أعلم.

стр. 107

المطلب السابع: حكم صيام من رأى هلال شوال وحده فردت شهادته . اختيار الشيخ: اختار قول الجمهور أن من شهد عند القاضي برؤية هلال شوال فردت شهادته، فإنه لا يفطر، فقال: "قلت: يؤيد قول الجمهور ما روي عن عائشة مرفوعا: «الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس» " (١). تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أن من كان مقيما في جماعة، فأَخبَر برؤية هلال شوال، فرُدَّت شهادته، ثم أظهر الفطر أنه يُنكَر عليه (٢). واختلفوا في من رآه ورُدت شهادته: هل له أن يفطر سِرّا؟ ، على قولين: القول الأول: لا يجوز له الفطر سِرّا. وبه قال: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والحنابلة في المذهب (٥)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يجوز له الفطر سِرّا. وبه قال: الشافعية (٦) , والحنابلة في رواية (٧)، والظاهرية (٨). سبب الخلاف: لاختلافهم في هذه المسألة سببان والله أعلم: السبب الأول: هل الهلال هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يشتهر، ولم يظهر، أو أنه لا يسمى هلالا إلا بالظهور والاشتهار (٩). السبب الثاني: هل يقاس من رأى هلال شوال وحده، على من رأى هلال رمضان وحده.

стр. 108

أدلة القول الأول: القائلين لا يجوز له الفطر سِرّا. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الصوم يوم تصومون, والفطر يوم تفطرون, والأضحى يوم تضحون» (١). وجه الاستدلال: ظاهر الحديث أن الصوم والفطر لا يكون إلا مع جماعة المسلمين (٢). الدليل الثاني: عن أبي قِلابة (٣)، «أن رجلين رأيا الهلال، وهما في سفر فتعجلا حتى قدما المدينة ضُحى، فأخبرا عمر بن الخطاب (٤) ﵁ بذلك، فقال عمر لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: نعم, قال: لم؟ , قال: لأني كرهت أن يكون الناس صياما، وأنا مفطر، فكرهت الخلاف عليهم، فقال للآخر: فأنت؟ , قال: أصبحت مفطرا, قال: لم؟ , قال: لأني رأيت الهلال فكرهت أن أصوم، فقال للذي أفطر: لولا هذا - يعني الذي صام - لرددنا شهادتك, ولأوجعنا رأسك، ثم أمر الناس فأفطروا وخرج» (٥).

стр. 109

وجه الاستدلال: إنما أراد عمر ﵁ ضربه لإفطاره برؤيته، ودفع عنه الضرب لكمال الشهادة به وبصاحبه, ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه، ولا توعدَه (١). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: «إنّما يوم النّحر يوم ينحر النّاس، ويوم الفطر يوم يفطرون» (٢). وفي رواية: قالت: «إنما النّحر إذا نحر الإمام، وعُظْم النّاس، والفطر إذا أفطر الإمام، وعُظْم النّاس» (٣). الدليل الرابع: ولأنه يجوز أن يكون غالطا في الرؤية؛ ومخالفةُ عامةِ الناس له يقوي هذا الغلط, والفطر ليس مما يُحتاط له بخلاف الصوم (٤). الدليل الخامس: ولأنه قول عمر وعائشة ﵄ ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما، فكان إجماعا (٥). الدليل السادس: ولأن ذلك وسيلة لأهل الفسق والبِدَع إلى الفطر قبل الناس بيوم، ثم إذا اطُلِع عليهم ادعوا رؤية الهلال (٦). أدلة القول الثاني: القائلين يجوز له الفطر سِرّا. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵃ أنّ رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّي عليكم فأكملوا العدد» (٧). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ علق الحكم بالرؤية، وهذا قد رأى فوجب عليه الفطر (٨).

стр. 110

وإنما اشتُرِطَ عليه الأكل سرا، حتى لا يراه أحد؛ لأنه إذا أظهر الفطر عَرَّض نفسه للتُهمَة وعقوبة السلطان (١). الدليل الثاني: ولأنه قد تَيقَّن أن هذا اليوم من شوال، فحَلَّ له الأكل؛ كما لو قامت البينة (٢). الدليل الثالث: ولأن يقين نفسه أبلغ من الظن الحاصل بالبَيِّنة (٣). الدليل الرابع: ولأنه لا يجوز له أن يعتقد الصوم، وهو يعلم أنه عليه حرام؛ لأنه يوم العيد عنده (٤). الدليل الخامس: ولأن العبد إنما يعامل الله بما يعلمه (٥). فلا يجوز له أن يترك ما يعتقده، ويقلد غيره. الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه لا يجوز له الفطر سِرّا؛ لقوة ما استدلوا به؛ ولأن حديث أبي هريرة وأثر عائشة ﵄ بَيَّنا أن الفطر لا يكون إلا مع جماعة المسلمين، و (سَدّا للذريعة) (٦). وأما أدلة القول الثاني فيجاب عنها بما يلي: أولا: أما استدلالهم بحديث صوموا لرؤيته الحديث فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن الخطاب في الحديث ورد بصيغة الجمع، فهو متوجه إلى الأمة بعمومها لا بأفرادها. الوجه الثاني: أن الصيام والعيد من العبادات التي يراعى فيها الاجتماع كالصلوات المفروضة. ثانيا: وأما قولهم: إنه يتيقن أنه من شوال، فيجاب عنه: أن اليقين قد لا يثبت؛ لأنه يحتمل أن يكون الرائي خُيِّل إليه، كما روي أن رجلا في زمن عمر ¢، قال: لقد رأيت الهلال. فقال له: امسح عينك. فمسحها، ثم قال له: تراه؟ قال: لا. قال: لعل شعرة من حاجبك تقوست على عينك، فظننتها هلالا (٧).
следующие страницы →