الدليل الثاني: عن أم سلمة ﵂ (١) قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين، إلا أنه كان يصل شعبان برمضان» (٢).
الدليل الثالث: عن أبي سلمة (٣) قال: سألت عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ ؟ فقالت: «كان يصوم حتى نقول قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر، ولم أره صائما من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا» (٤).
الدليل الرابع: عن أسامة بن زيد ﵄ (٥) قال: «كان رسول الله ﷺ يصوم الأيام يسرد حتى يقال لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم إلا يومين من الجمعة، إن كانا في صيامه وإلا صامهما، ولم يكن يصوم من شهر من الشهور ما يصوم من شعبان»، فقلت: يا رسول الله إنك تصوم لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين إن دخلا في
стр. 142
صيامك وإلا صمتهما، قال: «أي يومين؟ » قال: قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: «ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» , قال: قلت: ولم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (١).
وجه الاستدلال: في هذه الآثار دليل على أنه لا بأس بصيام شعبان كله (٢).
الدليل الخامس: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شعبان» (٣).
الدليل السادس: وعنه ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ أي الصوم أفضل؟ -يعني بعد رمضان- قال: «صوم شعبان تعظيما لرمضان» (٤).
وجه الاستدلال: فلم يفرق رسول الله ﷺ بين أول شعبان وبين آخره فكان حكمهما سواء.
الدليل السابع: عن عمران بن حصين ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال له -أو لآخر-: «أصمت من سَرَر شعبان؟ » قال: لا، قال: «فإذا أفطرت، فصم يومين» (٥).
وجه الاستدلال: وهذا في آخر شعبان (٦)، ولم يسأله هل صمت قبله شيئا أم لا؟ .
стр. 143
الدليل الثامن: عن عبد الله بن عمرو بن العاص (١) ﵄ قال: أُخبِر رسول الله ﷺ أني أقول: والله لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت. فقال رسول الله ﷺ «أنت الذي قلت ذلك»؟ فقلت له: قد قلته، بأبي أنت وأمي. فقال: «فإنك لا تستطيع ذلك. فصم وأفطر، وقم ونم. وصم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها. وذلك مثل صيام الدهر». قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوما وأفطر يومين». قلت: أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوما وأفطر يوما, فذلك مثل صيام داود, وهو أفضل الصيام». فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «لا أفضل من ذلك» (٢).
وجه الاستدلال: فأباح النبي ﷺ صوم يوم وفطر يوم من سائر الدهر، فدخل ما بعد نصف شعبان في الإباحة (٣).
الدليل التاسع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما، فليصمه» (٤).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن التقدم بيوم أو يومين فمفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين، وإنما نهى عن التقدم خشية أن يزاد في رمضان ما ليس منه (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بمنع الصيام تطوعا في النصف الثاني من شعبان إذا لم يوافق عادة له، أو لم يصل صيامه بما قبل النصف الثاني منه, وأن ابتداء المنع يكون من أول اليوم السادس عشر.
стр. 144
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (١).
وجه الاستدلال: فهذا نص صريح في تحريم الصيام إذا انتصف شعبان، ويستثنى ما ذُكِرَ مِن مَن كانت له عادة صيام، أو من كان له سبب؛ لورود النص في ذلك، أو وصل صوم ما بعد النصف بما قبله ولو بيوم النصف -وإن اقتضى ظاهر الحديث السابق الحرمة في هذه الصورة أيضا- لكن جاز؛ حفظا لأصل مطلوبية الصوم (٢).
الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما، فليصمه» (٣).
وجه الاستدلال من وجهين:
الأول: أن في قوله: «ولا يومين» دليل على أن المقصود هنا هو انهي عن صيام التطوع وليس صيام يوم الشك؛ وذلك لأن الشك لا يكون في يومين فلو قصد النهي عن يوم الشك لاكتفى بقوله: «بصوم يوم» (٤).
الثاني: أن المراد من الحديث التقدم بالصوم، فحيث وجد منع، وإنما اقتصر على يوم أو يومين؛ لأنه الغالب ممن يقصد ذلك، وجُعِل أمد المنع من أول السادس عشر من شعبان؛ لحديث أبي هريرة ¢ السابق (٥).
стр. 145
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يجوز صيام النفل بعد انتصاف شعبان؛ لصحة ما استدلوا به ولثبوته عن النبي ﷺ ، ويكون المقصود من النهي الوارد في حديث أبي هريرة ¢ -في النهي عن الصيام بعد انتصاف شعبان-، هو: استجمام من لم يقوَ على تتابع الصيام الكثير في بقية شعبان؛ ليقوى بذلك على صيام شهر رمضان, فيستحب له الفطر فيها , كما استحب إفطار عرفة للحاج؛ ليقوى على الدعاء. أما من لم يصعب عليه ذلك , ولم يَضعُف به , فلا يتوجه النهي نحوه (١).
ويحمل حديث التقدم على من يحتاط بالصيام لرمضان (٢).
قال الطحاوي (٣) ﵀: "دل ذلك أن النهي الذي كان من رسول الله ﷺ في حديث أبي هريرة ¢ الذي ذكرناه في أول هذا الباب، لم يكن إلا على الإشفاق منه على صُوّام رمضان لا لمعنى غير ذلك، وكذلك نأمر من كان الصوم بقرب رمضان يدخله به ضعف يمنعه من صوم رمضان أن لا يصوم حتى يصوم رمضان؛ لأن صوم رمضان أولى به من صوم ما ليس عليه صومه، فهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يحمل عليه معنى ذلك الحديث، حتى لا يضاد غيره من هذه الأحاديث" (٤).
والله أعلم.
стр. 146
الفصل الثاني: في النية وصيام المسافر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في النية.
المبحث الثاني: صوم المسافر.
стр. 147
المبحث الأول: في النية
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في النية للفرض.
المطلب الثاني: في نية النفل.
стр. 148
المطلب الأول: في النية للفرض
وفيه ست مسائل:
المسألة الأولى: حكم تبييت النية للفرض.
المسألة الثانية: حكم النية لكل يوم من رمضان.
المسألة الثالثة: حكم تعيين النية.
المسألة الرابعة: حكم الجهر بالنية.
المسألة الخامسة: هل يشترط أن تعقد النية في جزء معين من الليل؟ .
المسألة السادسة: حكم ما إذا فعل بعد النية قبل الفجر ما ينافي الصوم.
стр. 149
المسألة الأولى: حكم تبييت النية (١) للفرض.
اختيار الشيخ: اختار أنه يجب تبييت النية لصيام الفرض، سواء كان متعينا أو غير متعين، فقال: "وقد أتضح بهذا أنه لا دليل في حديث عاشوراء على كون حديث حفصة خاصا بالصوم الواجب الغير المتعين، ولا وجه لتخصيص القضاء، و (النذر المطلق) (٢)، والكفارات بوجوب التبييت، بل هو واجب في كل صوم إلا في تلك الصورة التي ذكرناها، أعني: فيمن لم ينكشف له أن اليوم من رمضان إلا في النهار، وفي صوم التطوع؛ لحديث عائشة المتقدم. وهذا هو القول الراجح عندنا" (٣).
تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أنه لا يصح صوم إلا بنية، فرضا كان أو تطوعا (٤). وأجمعوا أن من صام رمضان، ونواه من الليل، فقد أدى ما عليه (٥).
واتفقوا أن صيام النذر المطلق، والقضاء، والكفارات، لا بد فيه من نية من الليل (٦).
واختلفوا في آخر وقت النية المجزئة عن صوم الفرض المتعين, كشهر رمضان، والنذر المعين، على قولين:
القول الأول: يصح صومه إذا نوى قبل انتصاف النهار.
وبه قال: الحنفية (٧).
стр. 150
القول الثاني: لا يصح صومه إلا بنية من الليل.
وبه قال: المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، وهو اختيار الشيخ.
سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم تعارض الآثار في ذلك" (٥).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يصح صومه إذا نوى قبل انتصاف النهار.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٦).
وجه الاستدلال من الآية: إن لفظة (ثُمَّ) تفيد التراخي، فإذا علمت أن الإجماع قائم على وجوب الإمساك عن المفطرات من الفجر، ووجوب الإمساك من الفجر مدلول عليه بذكر الغاية إلى الْفَجْرِ، فإنّ معناه أن ما كان حلالا قبله يحرم بمجيئه، وذلك بالإمساك من الفجر، فإذا أمسكنا فعلينا الإتمام الذي أتى في الآية بلفظة (ثُمَّ) التي تفيد التراخي، والإتمام إنما يكون بقصد، فكأنّ النية التي هي القصد لم تُطلب إلا بعد تحقّق الصيام، فكان ذلك دليلا على أنّ النية تكون بعد الصيام، فلا يلزم تبييتها، وهو المطلوب (٧).
الدليل الثاني: عن سَلَمَة بن الأكْوع ﵁ أن النبي ﷺ بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: «أن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل» (٨).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر يوم عاشوراء أن يصوموا بنية من النهار, وكان صوما واجبا, ولولا أن الواجب يصح بنية من النهار؛ لم يجزهم (٩).
стр. 151
الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: «ربما دعا رسول الله ﷺ بغدائه فلا يجده، فيفرض عليه الصوم ذلك اليوم» (١).
الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ كان يصبح, ولم يُجْمِع (٢) للصوم فيبدو له فيصوم» (٣).
الدليل الخامس: ولأنه غير ثابت في الذمة، فهو كصيام التطوع (٤).
الدليل السادس: "ولأن النية لما جاءت في الليل وهو ليس بوقت للصوم، فلأن تجوز في النهار وهو وقت الصوم أولى" (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يصح صومه إلا بنية من الليل.
الدليل الأول: عن حفصة (٦) ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» (٧).
стр. 152
وجه الاستدلال: الحديث يدل على أنه لا يصح الصيام إلا بتبييت النية، وهو: أن ينوي الصيام في أي جزء من الليل، وأول وقتها الغروب؛ وذلك لأن الصوم عمل والأعمال بالنيات، وأجزاء النهار غير منفصلة من الليل بفاصل يتحقق، فلا يتحقق إلا إذا كانت النية واقعة في جزء من الليل (١).
الدليل الثاني: ولأنه قول عائشة وحفصة وابن عمر ﵃، ولا يُعرف لهم مخالف من الصحابة (٢).
الدليل الثالث: ولأن الصوم الواجب هو الإمساك من أول النهار إلى آخره؛ فإذا خلا أوله عن النية؛ فقد خلا بعض العبادة الواجبة عن النية؛ ذكرا واستصحابا, وذلك لا يجوز. ولأنه إذا لم يعتقد الصوم أول النهار؛ لم يكن ممتثلا للأمر بصومه؛ لأن امتثال الأمر بدون القصد لا يصح (٣).
الدليل الرابع: ولأنه صوم واجب, فلم يصح إلا بنية من الليل؛ كصوم الكفارة والقضاء والنذر المطلق (٤).
الدليل الخامس: ولأنها عبادة من شرطها النية، فلم تصح بنيةٍ تكون بعد الدخول فيها؛ كالصلاة والحج (٥).
الدليل السادس: ولأنها عبادة تؤدى وتقضى، فوجب أن يستوي فيها وقت النية في الأداء والقضاء كالصلاة (٦).
الدليل السابع: ولأن النية هي أحد ركنَي الصيام، فيجب أن لا يُجزئ الصوم متى مضى بعض اليوم عاريا منها، كما لم يُجزئ الصوم إذا مضى بعض اليوم عاريا من الإمساك (٧).
стр. 153
الراجح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثاني: أنه لا يصح صومه إلا بنية من الليل؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ولأن حديث حفصة ﵂ نص في محل النزاع.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول, فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بالآية فيجاب عنه:
"أنّ الآية تدلّ على التبييت؛ وذلك أن معنى أَتِمُّوا الصِّيامَ صيّروه تاما من الفجر، وهو لا يكون تاما من الفجر إلا بالنية، وهذا هو الظاهر؛ لأنّ إتمام الشيء لا يكون إلا لشيء قد شرع فيه، وهو هنا الصوم. وقد عَلِمتَ أن الصوم لا يكون صوما إلا بالنية؛ تمييزا للعادة من العبادة؛ إذ قد يمسك الإنسان عن الأكل حِميَة، ثم لا يكون صوما؛ لأنه لم ينو" (١).
ثانيا: وأما استدلالهم بحديث سلمة بن الأكْوع ¢, وقولهم في دلالته: فقد أمر النبي ﷺ يوم عاشوراء أن يصوموا بنية من النهار, وكان صوما واجبا؛ ولولا أن الواجب يصح بنية من النهار لم يجزهم. فيجاب عنه من أربعة وجوه:
الوجه الأول: قد لا يسلم لكم أن صيام عاشورا كان واجبا، بدليل حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄ إذ يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يُكتَب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر» (٢)؛ فلو كان واجبا لما خيرهم رسول الله ﷺ بين الصيام والفطر (٣).
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ لم يكتفي بأمر من كان ممسكا أن يتم صومه، بل أمر حتى من كان مفطرا بإمساك بقية يومه، كما مر في الحديث؛ وإمساك بقية اليوم بعد الأكل ليس بصيام شرعي، وإنما سماه صياما تجوزا (٤).
الوجه الثالث: وعلى القول إن صيام عاشوراء كان واجبا فالفرق بينه وبين رمضان: أن وجوب الصيام تجدد في أثناء النهار، فأجزأته النية حين تجدد الوجوب؛ كمن كان صائما
стр. 154
تطوعا، فنَذَرَ إتمام صوم بقية يومه، فإنه تُجزئه نيته عند نَذره، بخلاف ما إذا كان النذر متقدما (١).
الوجه الرابع: إنما صحت النية في نهار عاشوراء لكون الرجوع إلى الليل غير مقدور، والنزاع فيما كان مقدورا، فيُخَصّ الجواز بمثل هذه الصورة، يعني: من أنكشف له في النهار أن ذلك اليوم من رمضان، وكمن ظهر له وجوب الصوم عليه من النهار كالمجنون يفيق، والصبي يَحتَلِم (٢).
ثالثا: وأما استدلالهم بحديث عائشة وحديث ابن عباس ﵃، فيجاب عنه:
أنهما ضعيفان ولا يحتج بمثلهما.
رابعا: وأما قياسهم جواز عدم تبييت النية في رمضان على جوازها في النفل؛ بجامع أن كُلّا منهما غير ثابت في الذمة، فيجاب عنه:
أن التطوع سومح في نيته من الليل تكثيرا له، فإنه قد يبدو له الصوم في النهار، فاشتراط النية في الليل يمنع ذلك، فسامح الشرع فيها؛ كمسامحته في ترك القيام في صلاة التطوع، وترك الاستقبال فيه في السفر تكثيرا له، بخلاف الفرض (٣).
والله أعلم.
стр. 155
المسألة الثانية: حكم النية لكل يوم من رمضان .
اختيار الشيخ: اختار وجوب تبييت النية لكل يوم من رمضان، فقال: "ولا بد من التبييت لكل يوم؛ لظاهر حديثها أيضا، ولأن صوم كل يوم عبادة مستقلة مسقطة لفرض يومها، ويتخلل بين يومين ما ينافي الصوم ويناقضه" (١).
تحرير محل الخلاف: أجمع العلماء على أن من نوى الصيام كل ليلة من ليالي شهر رمضان، فصام أن صومه تام (٢).
واختلفوا هل يشترط للصائم أن ينوي الصيام قبل كل يوم جديد، أم تكفي نية واحدة من أول الشهر وتجزئ عن جميع أيام رمضان؟ ، على قولين:
القول الأول: تجب نية مستقلة لكل يوم من أيام رمضان.
وبه قال: الحنفية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة في المذهب (٥)، والظاهرية (٦)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: تجزئ نية واحدة من أول الشهر عن جميع أيام شهر رمضان.
وهو قول: المالكية (٧) , ورواية عند: الحنابلة (٨).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم والله أعلم: هل صيام رمضان عبادة واحدة أو عبادات متعددة؟ (٩).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه تجب نية مستقلة لكل يوم من أيام رمضان.
стр. 156
الدليل الأول: قوله ﷺ : «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (١).
وجه الاستدلال: لأنه اعتبر تبييت (جِنْس) (٢) الصيام في جنس الليل، فكل يوم من الصيام يُبَيَّت في جنس من الليل، فوجب أن يُبَيَّت بما يُبَيَّت به اليوم الأول (٣).
الدليل الثاني: ولأن المعنى الذي وجبت النية من أجله في اليوم الأول، موجود في اليوم الثاني، وما يليه إلى آخر الشهر؛ وهو: أنه صوم يوم واجب، فوجب أن يكون من شرطه تَقَدُّم النية من ليلته؛ كاليوم الأول (٤).
الدليل الثالث: ولأنها عبادة تؤدى وتقضى، فوجب أن يكون عدد النية في أدائها كعدد النية في قضائها (٥).
الدليل الرابع: ولأنه انتقال من فطر إلى صوم، فوجب أن يكون من شرطه نية تخصه (٦).
الدليل الخامس: ولأن كل ما يجب في صيام القضاء كان واجبا من باب أولى في صيام الأداء (٧).
الدليل السادس: ولأن كل يوم من رمضان عبادة مستقلة لا يفسد بعضها بفساد بعض، ويتخللها الأكل والشرب والجماع في لياليها، -وهو ينافي الصيام-، فوجب أن يكون لكل يوم نية مستقلة كالقضاء (٨).
أدلة القول الثاني القائلين: تجزئ نية واحدة من أول الشهر عن جميع أيام شهر رمضان.
الدليل الأول: قوله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٩).
стр. 157
وجه الاستدلال: أن قوله : ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ يقتضي صيام جميع الشهر -ليله ونهاره- بنية واحدة، فخُصِّصَت ليالي الشهر بإباحة الفطر، وبقيت أيامه على الأصل، فلم تنقطع النية (١).
الدليل الثاني: قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢).
وجه الاستدلال: أن من عَقَد النية في أول رمضان، فإنه عَقَدَها لصيام جميع الشهر، فكان له ما نواه (٣).
الدليل الثالث: عن حفصة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» (٤).
وجه الاستدلال: مقتضى الحديث إجزاء رمضان بنية واحدة؛ لعموم الألف واللام، فخُصِّص ما عدا شهر رمضان بالإجماع، فيبقى الشهر داخلا في هذا العموم (٥).
الدليل الرابع: ولأن الصائم نوى في زمن يصلح جنسه لنية الصوم، فجاز كما لو نوى كل يوم في ليلته (٦).
الدليل الخامس: وقياس العبادة التي لا يتخللها عبادة من جنسها، على العبادة المتحدة التي لا يتخللها شيء: فإنه تكفي في العبادة التي لا يتخللها شيء نية واحدة بالإجماع، فكذا العبادة التي لا يتخللها عبادة من جنسها؛ لأن أيام رمضان يتخللها الصلاة والذكر دون الصوم، وهو المقصود بقولهم: (من جنسها) (٧).
الدليل السادس: وقياس صيام رمضان على الزكاة؛ بجامع أن كلّا منهما ل يجب إلا مرة في العام، فكما أجزءت نية واحدة للزكاة، جاز أن تجزء نية واحدة للصيام (٨).
стр. 158
الدليل السابع: "ولأن شهر رمضان عبادة كالصلاة الواحدة، وأيامه كالركعات فيها، ثم كانت نية واحدة تُجزيه لجميع الصلاة، فكذلك يقتضي أنه يُجزئه نية واحدة لجميع الشهر" (١).
الدليل الثامن: وقياسه على الحج، فالحج طوافه وسعيه والوقوف بعرفة, تجزئ فيه نية واحدة عن جميعه، فكذا صيام رمضان تجزء نية واحدة عن جميع أيامه (٢).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه تجزئ نية واحدة لجميع الشهر؛ وذلك لقوة ما استدل به أصحاب هذا القول من أدلة وأقيسة.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول, فيجاب عنه كالتالي:
أولا: أما استدلالهم بحديث «لا صيام ... »:
فقد ذُكِر في أدلة القول الثاني المقصود من الحديث، فلا حاجة للإعادة هنا.
ثانيا: وأما قولهم: إن القضاء يحكي الأداء، فوجب أن يكون ما في الأداء هو نفسه ما في القضاء، فيكون مثله في عدد النيات، فيجاب عنه:
أن هذا غير لازم، ألا ترى أن القضاء يجوز تفريقه، بينما الأداء لا يجوز تفريقه، ولذلك إذا انقطع التتابع لسبب يبيحه، ثم عاد إلى الصوم فلا بد من تجديد النية (٣).
ثالثا: وأما قولهم: إن كل يوم من رمضان عبادة مستقلة لا يفسد بعضها بفساد بعض، ويتخللها الأكل والشرب والجماع في لياليها، وهو ينافي الصيام، فوجب أن يكون لكل يوم نية مستقلة، وقولهم: إنه انتقال من فطر إلى صوم، فوجب أن يكون من شرطه نية تخصه. فيجاب عنه:
أن شهر رمضان بمنزلة العبادة الواحدة؛ لأن النية وقعت لهذا الصوم في زمان يصلح جنسه لنية الصوم, من غير أن يتخلل النية والصوم المنوي زمان يصلح جنسه لصوم سواه, فجاز ذلك؛ كما لو نوى لكل يوم من ليلته. ولأن الفطر في لياليه عبادة أيضا يستعان بها على صوم نهاره, ولهذا شملت البركة لياليه وأيامه, وسمي الفطر ليلة العيد فطرا من رمضان, فعُلِم أن الفطر الذي يتخلل أيامه ليس فطرا من رمضان, فكان عبادة واحدة تجزئ فيه نية واحدة كسائر العبادات. وكون الفساد يختص ببعضه إذا صادفه، لا يمنع كونه عبادة واحدة،
стр. 159
كالحج، فإنه يشتمل على: إحرام، ووقوف، وطواف، وسعي, ثم لو فسد الطواف لكونه على غير طهارة, أو غير ذلك، لم يتعد الفساد إلى غيره, ومع هذا فهو عبادة واحدة, بحيث تكفيه نية واحدة (١).
قال الشيخ ابن عثيمين (٢): "وهذا هو الأصح؛ لأن المسلمين جميعا لو سألتهم لقال كل واحد منهم أنا نويت الصوم أول الشهر إلى آخره، فإذا لم تتحقق النية حقيقة فهي محققة حكما؛ لأن الأصل عدم القطع، ولهذا قلنا: إذا انقطع التتابع لسبب يبيحه، ثم عاد إلى الصوم فلا بد من تجديد النية، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس" (٣).
والله أعلم.
стр. 160
المسألة الثالثة: حكم تعيين النية .
اختيار الشيخ: اختار لزوم كون النية معينة عن كل صوم واجب، سواء كان صيام رمضان أو غيره، فقال: "ولا بدمن كون النية جازمة معينة في كل صوم واجب، وهو أن يعتقد أنه يصوم غدا من رمضان أو من قضائه أو من كفارة أو نذر" (١).
تحرير محل الخلاف: اتفق العلماء أن صيام القضاء، والكفارات، والنذور المطلقة لا يجوز إلا بتعيين النية (٢).
واختلفوا في وجوب تعيينها لشهر رمضان على قولين:
القول الأول: يجب تعيين النية في صيام رمضان.
وبه قال: المالكية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة في المذهب (٥)، والظاهرية (٦)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: لا يجب تعيين النية لشهر رمضان، بل لو نوى الصوم مطلقا، أو نوى نفلا، وقع عن صيام رمضان.
وبه قال: الحنفية (٧) , والحنابلة في رواية (٨).
سبب الخلاف: وسبب اختلافهم في هذه المسألة راجع إلى أمرين كما قاله ابن رشد:
السبب الأول: "هل الكافي في تعيين النية في هذه العبادة هو تعيين جنس العبادة أو تعيين شخصها؟ ؛ وذلك أن كِلا الأمرين موجود في الشرع" (٩).
стр. 161
السبب الثاني: "واختلافهم أيضا في إذا نوى في أيام رمضان صوما آخر، هل ينقلب أو لا ينقلِب؟ سببه أيضا: أن من اِلعبادة عندهم من ينقلب مِن قِبَل أَنَّ الوقت الذي تُوقَع فيه مختص بالعبادة التي تنقلب إليه، ومنها ما ليس ينقلب" (١).
أدلة القول الأول: القائلين: بأنه يجب تعيين النية في صيام شهر رمضان.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢).
وجه الاستدلال من وجهين: الأول: معلوم أن هذه الهاء في قوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ كناية عن الشهر وعائدة إليه، فيصير تقدير الكلام: فلينوِ الصيام له، ولو أراد جنس الصوم مطلقا، لقال: فليصم. فلما قيده بالهاء دل على وجوب تعيين النية له (٣).
الثاني: ولأن أَمْرَه بصوم هذا الشهر متضمن للأمر بنيَّته, فإن من صام فيه تطوعا أو قضاءً أو صوما مطلقا؛ لم يصمه, وإنما صام فيه (٤).
الدليل الثاني: قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٥).
وجه الاستدلال: منطوق الحديث أن له ما ينويه، ومفهومه أنه ليس له ما لم ينوه، وهذا إذا نوى تطوعا لم يَنْو صوم رمضان، فوجب أن لا يقع الاحتساب له بشيء لم يَنْوه. وكان ظاهر الحديث يقتضي أن يكون له أجر ما نواه من صيام، لكن الإجماع أبطله (٦).
الدليل الثالث: عن حفصة زوج النبي ﷺ ؛ أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يُجْمِع الصيام قبل الفجر, فلا صيام له» (٧).
стр. 162
وجه الاستدلال: أن الصائم إذا لم يعيِّن رمضان، ولا قضاءه، ولا النذر، ولا الكفارة, لم يُجمِع صوم ذلك من الليل (١).
الدليل الرابع: ولأنه صوم واجب، فلم يجز بنية النفل كالقضاء والنذر (٢).
الدليل الخامس: ولأن البدل من شأنه أن يساوي حكم مبدله، أو يكون أخف منه وأضعف، فأما أن يكون آكد منه وأقوى فلا. ثم كان تعيين النية في القضاء واجبا، فبأن يكون واجبا في الأداء أولى (٣).
الدليل السادس: وقياسا على طواف الإفاضة في وجوب تعيين النية، فلو طاف ينوي به الوداع، أو طاف بنية الطواف مطلقا، لم يجزئه عن طواف الإفاضة (٤).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يجب تعيين النية لشهر رمضان، بل لو نوى الصوم مطلقا، أو نوى نفلا، وقع عن صيام رمضان.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٥).
وجه الاستدلال: فمن نوى مطلقا، أو بنية النفل، يكون قد شهد الشهر وصامه؛ فيخرج عن العهدة (٦).
الدليل الثاني: لأن الوقت في رمضان واحد لا يتنوع، فلا حاجة إلى التمييز بتعيين النية، بخلاف صوم القضاء والنذر والكفارة؛ لأن الوقت خارج رمضان متنوع، فوقعت الحاجة إلى التعيين بالنية (٧).
الدليل الثالث: وقياسا على طواف القدوم، إذا نوى من فعله أن يجعلها عمرة: فإن طوافه ينقلب إلى طواف واجب، بينما طواف القدوم مستحب (٨).
стр. 163
الدليل الرابع: وقياسا على ما قلتموه في الحج فيمن أحرم بحجة تطوع وعليه حجة الإسلام، أنها تنتقل إلى فرضه، كذلك في صوم رمضان، إذا نواه عن نذر وكفارة، أو تطوع انتقلت بِنِيّته إلى فرضه (١).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يجب تعيين النية في صيام رمضان؛ وذلك لصحة ما استدلوا به ولدقة وجوه الاستنباط من الأدلة.
وأما الجواب عما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بالآية: فقد مضى الجواب عنه في أدلة الجمهور وأن وجه الاستدلال الذي فهموه منها غير مراد.
ثانيا: وأما قولهم: إن زمان رمضان مستحق الصيام، فلم يفتقر إلى تعيين النية، فيجاب عنه:
أنه منتقض بمن بقي عليه من وقت الصلاة قدر ما يفعلها فيه، فقد استحق زمان فعلها ووجب عليه تعيين النية فيها (٢).
ومما يضعف هذا القول أيضا: تفريقهم بين المسافر والمقيم، وذلك أنهم يقولون إن المسافر لو نوى رمضان عن نذر أو كفارة أجزأ عما نواه، بينما المقيم عندهم لو نوى رمضان عن نذر أو كفارة لم يقع إلا عن رمضان (٣).
ثالثا: وأما قياسهم انقلاب النية من النفل إلى الفرض في رمضان على طواف القدوم إذا نوى من فعله أن يجعلها عمرة, فيجاب عنه:
أنه يُفَرَّق بين من يكون طوافه في إحرام انقلب، كالإحرام الذي يفسخه ويجعله عمرة، فينقلب الطواف فيه تبعا لانقلاب الإحرام، كما ينقلب الطواف في الإحرام الذي نوى به التطوع إذا كان عليه حَجَّة الإسلام، تبعا لانقلاب إحرامه من أصله، ووقوعه عن فرضه،
стр. 164
بخلاف ما إذا طاف الإفاضة بنية الوداع، أو التطوع؛ فإن هذا لا يجزئه؛ لأنه لم ينو به الفرض، ولم ينقلب فرضا تبعا لانقلاب إحرامه (١).
رابعا: وأما القياس على من أحرم بحجة تطوع وعليه حجة الإسلام، فإنها تنتقل إلى فرضه, فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن الجميع متفقون أن هناك فرقا بين الصيام والحج، وذلك: أن عند الشافعية والحنابلة، أنه إذا أحرم بحجة التطوع انتقل إلى فرضه، وأجزأه (٢). وعند أبي حنيفة ومالك، لا ينتقل عما نواه (٣).
وعند أبي حنيفة إذا نوى صيام التطوع انتقل إلى فرضه وأجزأه، وعند الجمهور أنه لا ينتقل إلى فرضه، ولا يجزيه عما نواه، وإذا وقع الفرق بينهما إجماعا لم يجزه اعتبار أحدهما بالآخر (٤).
الوجه الثاني: وعلى التسليم بأن الحج لا يفتقر إلى تعيين النية، فالفرق بينه وبين الصيام واضح وذلك: أنه في الحج لما لم يفتقر قضاؤه إلى التعيين، لم يفتقر أداؤه إلى التعيين. ولما افتقر قضاء الصوم إلى التعيين، افتقر أداؤه إلى التعيين (٥).
والله أعلم.
стр. 165
المسألة الرابعة: حكم التَلَفُّظ بالنية .
اختيار الشيخ: اختار أنه لا يشرع التلفظ بالنية، وأنه بدعة سيئة، فقال: "قلت لا أصل للنية باللسان للصوم، وكذا للصلاة، لا من كتاب ولا من سنة ولا من صحابي، بل هو مجرد رأي، فهي بدعة شرعية، وكل بدعة شرعية سيئة فيتعين تركها" (١).
وقال أيضا: "وأما الصلاة والطواف والصيام وغير ذلك من العبادات، فلا ينبغي له أن يتلفظ بشيء منها بالنية؛ لأن ذلك لم يثبت، ولو كان التلفظ بالنية مشروعا لبينه الرسول ﷺ وأوضحه للأمة بفعله أو قوله، ولسبق إليه السلف الصالح" (٢).
تحرير محل الخلاف: الذي ظهر لي -والله أعلم- أن العلماء † فرقوا بين الجهر بالنية، وبين التلفظ بها, فجعلوا الجهر بالنية -أي رفع الصوت بها- غير مشروع، وقد نقل اتفاقهم على ذلك غير واحد من أهل العلم (٣).
وأما التلفظ بالنية دون الجهر بها فهو محل خلاف العلماء.
وقد اتفق الجميع على: أن التلفظ بها لا يجب ولا يشترط (٤) , وأن النية محلها القلب (٥) , وأنها لا تنعقد باللفظ دون عزم القلب (٦).
واختلفوا هل يشرع التلفظ بالنية مع عزم القلب, على قولين:
القول الأول: يشرع التلفظ بها في العبادات ومن ذلك الصوم.
стр. 166
وبه قال: الحنفية (١) , والشافعية (٢) , والحنابلة في المذهب (٣).
القول الثاني: لا يشرع التلفظ بالنية في العبادات ومن ذلك الصوم، بل التلفظ بها بدعة محدثة.
وبه قال: المالكية (٤) , وهو المنصوص عن الإمام أحمد (٥)، وهو اختيار الشيخ.
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم-: هل ما فعله رسول الله ﷺ من تلبيته بالحج هو تلفظ بالنية، فيقاس عليه غيره من العبادات. وهل للسان مدخل في عقد النية؟ .
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يشرع التلفظ بالنية في العبادات، ومن ذلك الصوم.
الدليل الأول: عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا دخل عليَّ قال: «هل عندكم طعام»؟ ، فإذا قلنا: لا، قال: «إني صائم». فدخل علينا يوما آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حَيْس (٦)؛ فحبسناه لك، فقال: «أَدْنِيه» (٧)، فأصبح صائما وأفطر» (٨).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد تلفظ بالنية في هذا الحديث.
الدليل الثاني: حديث أنس ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعا, يقول: «لبيك عمرة وحجا» (٩).
стр. 167
وجه الاستدلال: أن الحديث فيه التصريح باللفظ، والحُكم كما يثبت بالنص يثبت بالقياس، فيقاس الصيام على الحج والعمرة (١).
الدليل الثالث: ولأن التلفظ بالنية كمال؛ لأنه أتى بالنية في محلها وهو القلب، ونطق بها اللسان؛ وذلك زيادة كمال (٢)، فتكون مستحبة.
الدليل الرابع: ولأن اللسان يعبر عما استقر في القلب (٣).
الدليل الخامس: ولأن اللسان يساعد القلب على استحضار النية، فيوافقه (٤).
الدليل السادس: ولأنها تنفع المشوش الخاطر الموسوس الفكر، إذا خشي أن لا يرتبط في قلبه عقد النية فيعضده بالقول حتى يذهب عنه اللبس (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يشرع التلفظ بالنية في الصوم، بل التلفظ بها بدعة محدثة.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٦).
وجه الاستدلال: أن النيات محلها القلوب، والله تعالى يعلم ما في القلوب، ولو لم يتلفظ بالنية، والمتلفظ بها يعلم الله بدينه الذي في قلبه (٧).
الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث (٨) في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ (٩)» (١٠).
стр. 168
وفي لفظ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١).
وجه الاستدلال: إن الأصل في العبادات التوقيف على رسول الله ﷺ , ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه تلفظ بالنية, وكذلك لم ينقل عن النبي ﷺ أنه عَلَّم أحدا من الصحابة التلفظ بالنية, ولو كان التلفظ مشروعا لنُقِل إلينا كما نُقِلت إلينا أدق أعماله، فعُلِم أن التلفظ بها بدعة مُحدَثة (٢).
الدليل الثالث: ولأنها لم تَرِد عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من السلف؛ ولو كانت خيرا لسبقونا إليها (٣).
الدليل الرابع: ولأن النية من أعمال القلب، فلم تفتقر إلى غيره من الجوارح، كما أن القراءة لما كانت من أعمال اللسان، لم تفتقر إلى غيره من الجوارح (٤).
الدليل الخامس: ولأن الصحابة الكرام ﵃ لم ينقلوا إلينا أن النبي ﷺ قد تلفظ بالنية، لا سرا ولا جهرا، ولا أَمَر بذلك، فلما لم ينقله أحد عُلِم قَطعا أنه لم يكن. وحينئذ فتَرْك التلفظ بها هو السُنَّة (٥).
الدليل السادس: ولأن المتابعة كما تكون في الفعل تكون في الترك أيضا، فمن واظب على فعل لم يفعله الشارع، كان قد واضب على فعل مُبتَدع (٦).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه لا يشرع التلفظ بالنية في العبادات, ومن ذلك الصوم، بل التلفظ بها بدعة محدثة؛ لأن ذلك لم يثبت، ولو كان التلفظ بالنية مشروعا لبينه الرسول ﷺ وأوضحه للأمة بفعله أو قوله، ولسبق إليه السلف الصالح.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بحديث عائشة، وقولهم إن النبي ﷺ قد تلفظ فيه بالنية، فيجاب عنه:
стр. 169
أين التلفظ بالنية في حديث عائشة؟ ، إن ما وقع من النبي ﷺ هو إخبار بأنه صائم. فأين من يقول مخبرا: إني صائم، ممن يقول: نويت صيام يوم كذا وكذا فرضا لله، هل يستويان مثلا؟ .
ثانيا: وأما استدلالهم بتلبية النبي ﷺ , فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أنه ﷺ إنما قال ذلك في ابتداء إحرامه؛ تعليما للصحابة ما يُهِلُّون به، ويقصدونه من النُسُك (١).
الثاني: أن هذا ليس مما نحن فيه، فإن النبي ﷺ كان يَذكُر نُسُكه في تلبيته، فيقول: «لَبَّيك عمرة وحجا»، وإنما كلامنا أنه يقول عند إرادة عقد الإحرام: «اللهم إني أريد الحج أو العمرة»، حتى يستقيم لهم القياس (٢).
ثالثا: وأما استحبابهم التلفظ بالنية، فيجاب عنه:
أن الاستحباب حكم شرعي لا يكون إلا بدليل، ولا دليل (٣).
رابعا: وأما قولهم: إن اللسان يساعد القلب ويعبر عما استقر فيه، وليوافقه، فيجاب عنه:
"أن النية بليغ العلم، فمتى عَلِم العبد ما يفعله كان قد نواه ضرورة، فلا يُتَصَور مع وجود العلم بالعقل أن يَفعل بلا نية، ولا يمكن مع عدم العلم أن تحصل نيةٌ" (٤).
فلا معنى حين إذ لاقتران اللسان بعقد النية. والله تعالى أعلم.
стр. 170
المسألة الخامسة: هل يُشترَط أن تُعقَد النية في جزء معين من الليل ؟ .
اختيار الشيخ: اختار عدم اشتراط ذلك، فقال: "واعلم أنه في أي جزء من الليل نوى أجزأه" (١).
تحرير محل الخلاف: اتفق العلماء أن من نوى من النهار صوم الغد، لم تجزئه تلك النية، إلا أن يستصحبها إلى جزء من الليل (٢).
واختلفوا هل يشترط أن تعقد النية في جزء معين من الليل، أو أن كل الليل ظرف لها؟ ، على قولين:
القول الأول: الليل كله ظرف لعقد نية الصيام.
وبه قال جمهور أهل العلم من: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والشافعية في المذهب (٥)، والحنابلة (٦) , وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: إن نوى في النصف الأخير من الليل صح صومه، وإن نوى في النصف الأول لم يصح.
وهو وجه عند: الشافعية (٧) , حُكي عن أبي الطيِّب بن سلمة (٨)(٩).
سبب الخلاف: هل النصف الأول من الليل من توابع النهار السابق، أو من توابع النهار الآتي؟ .
أدلة القول الأول: القائلين بأن الليل كله ظرف لعقد نية الصيام.
الدليل الأول: قوله ﷺ : «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (١٠).
стр. 171
وجه الاستدلال: أن الحديث جعل الليل كله ظرفا لإيقاع النية، ولم يفرق بين أول الليل وآخره (١).
الدليل الثاني: ولأن تخصيص النية بالنصف الأخير، يفضي إلى تفويت الصوم؛ لأنه وقت النوم، وكثير من الناس لا ينتبه فيه، ولا يَذكُر الصوم، والشارع إنما رَخَّص في تقديم النية على ابتداء الصوم لحَرَج اعتبارها عنده، فلا يخصها بمحل لا تندفع المشقة بتخصيصها به (٢).
قال الباجي: "فوَقْت ذلك من وقت غروب الشمس من ليلته إلى طلوع الفجر من يومه. ووجه التوسعة في ذلك: أن وقت الدخول في هذه العبادة غير متعين للمكلف، وهو وقت نوم وغفلة، وفي ارتقاب ذلك مشقة، بخلاف الصلاة" (٣).
الدليل الثالث: ولأن تخصيصها بالنصف الأخير تَحَكُّم من غير دليل (٤).
الدليل الرابع: ولأن النية إذا لم تُفْسَخ؛ فإن حكمها باق، وإن تقدمت على العبادة بزمن طويل، ما لم يفصل بينهما عبادة من جنسها (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين إن نوى في النصف الأخير من الليل صح صومه، وإن نوى في النصف الأول لم يصح.
قالوا: لأن النصف الأخير من اليل من توابع النهار المستقبل، والنصف الأول من الليل من توابع النهار الماضي؛ ألا ترى أن أذان الصبح، (والدفع من مزدلفة) (٦)، يصح فعلهما في النصف الأخير، ولا يصح فعلهما في النصف الأول (٧).
الراجح: الذي يترجح -إن شاء الله- هو القول الأول: أن الليل كله ظرف لعقد نية الصيام؛ لصحة ما استدلوا به؛ ولأن حديث: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» واضح
стр. 172
الدلالة في جعل الليل كلّه ظرفا لإيقاع النية، ولم يفرق بين أول الليل وآخره، ولضعف ما استدل به أصحاب القول الثاني.
ويجاب عن القياس الذي قاسوه: أن اختصاص أذان الفجر والدفع من مزدلفة بالنصف الأخير من الليل، بمعنى: جوازهما فيه وفيما بعد الفجر على السواء، بينما اشتراط النية في النصف الأخير من الليل بمعنى: الإيجاب والتحتم، وفوات الصوم بفواتها فيه، وهذا فيه مشقة ومَضَرّة، بخلاف أذان الفجر والدفع من مزدلفة فافترقا (١).
قال النَّوَوي (٢): "وأما قياس ابن سلمة على أذان الصبح والدفع من المزدلفة، فقياس عجيب! ، وأي علة تجمعهما؟ ، ولو جمعتهما علة فالفرق ظاهر؛ لأن اختصاص الأذان والدفع بالنصف الثاني لا حرج فيه، بخلاف النية فقد يستغرق كثير من الناس النصف الثاني بالنوم، فيؤدي إلى تفويت الصوم، وهذا حرج شديد لا أصل له" (٣).
والله أعلم.
стр. 173
المسألة السادسة: حكم ما إذا فعل بعد النية قبل الفجر ما ينافي الصوم .
اختيار الشيخ: اختار أن من عقد نية الصيام ثم أكل أو شرب أو جامع بعد ذلك قبل الفجر فإن نيته صحيحة، فقال: "واعلم أنه في أي جزء من الليل نوى أجزأه وسواء فعل بعد النية ما ينافي الصوم من الأكل والشرب والجماع أم لم يفعل لعموم حديث حفصة وإطلاقه" (١).
اختلف أهل العلم في من نوى الصيام، ثم أتى بما ينافي النية من أكل أو شرب أو نوم أو جماع، هل هو باقي على نيته أم لا؟ على قولين:
القول الأول: من نوى الصوم قبل الفجر ثم أكل أو شرب أو جامع فهو على نيته.
وهو قول جمهور أهل العلم من: الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية في المذهب (٤) , والحنابلة (٥)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: من نوى الصيام من الليل، ثم نام أو جامع أو أكل أو شرب فعليه تجديد النية.
وهو وجه عند: الشافعية، روي عن: أبي إسحاق المروزي (٦).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم-: هل من أتى بما ينافي نية الصيام يعد ناقضا لها، فيلزمه تجديدها، أو هو باقي على نيته؟ .
أدلة القول الأول: من نوى الصوم قبل الفجر ثم أكل أو شرب أو جامع فهو على نيته.
الدليل الأول: قوله : ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٧).
стр. 174
وجه الاستدلال: أن الله قد أذن في الأكل والشرب إلى طلوع الفجر، ولو كان ذلك يمنع صحة النية لم يجز الأكل والشرب إلى طلوع الفجر (١)، بل كان قد ترك وقتا قبل الفجر لإيقاع النية فيه. وإنما الواجب عليه أن يستصحب نية الصيام إلى الفجر وإن لا ينقضها بنية ترك الصوم (٢).
الدليل الثاني: قوله ﷺ : «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (٣).
وجه الاستدلال: أن الخبر عام، فلا يجوز تخصيصه إلا بدليل، والذي ينوي من الليل ثم ينام أو يأكل أو يشرب أو يجامع يَصْدُق عليه أنه قد بَيَّت الصيام من الليل (٤).
الدليل الثالث: "ولأنه مفطر في الليل، وإن لم يأكل، فتَرْكه الأكل والجماع مع كونه مُفطِرا غير مفيد" (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين من نوى الصيام من الليل، ثم نام أو جامع أو أكل أو شرب فعليه تجديد النية.
قالوا: "لأنه بالأكل والجماع قد خالف نيته، وما عقده من الصوم على نفسه" (٦).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن من نوى الصوم قبل الفجر، ثم أكل أو شرب أو جامع، فهو على نيته؛ لصحة أدلتهم، ولصراحتها.
وأما ما استدل به أبو إسحاق المروزي، فيجاب عنه من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه خالف النص وهو عموم قوله ﷺ : «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل»، ومن أكل أو شرب أو جامع بعد النية، يصدق عليه أنه بيت النية من الليل (٧).
стр. 175
الثاني: أنه خالف مذهب إمامه الشافعي؛ وذلك أن المذهب عندهم أن من طلع عليه الفجر وهو مجامع ثم نَزَع (١) مكانه، صح صومه (٢).
فمتى سيعقد النية من نَزَع مع طلوع الفجر؟ (٣).
الثالث: إن المكلف وإن ترك الأكل والشرب والجماع ليلا فهو مفطر حكما، ولو عقد النية قبل ذلك، فتركه للمفطرات لا فائدة منه (٤).
قال النووي: "قال إمام الحرمين (٥): رَجَع أبو اسحق عن هذا عام حج، وأَشْهَد على نفسه" (٦). والله أعلم.
стр. 176
المطلب الثاني: في النية النفل
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: حكم صيام يوم الشك بنية التطوع.
المسألة الثانية: حكم نية صوم النفل من النهار.
المسألة الثالثة: حكم عقد نية النفل بعد الزوال.
стр. 177
المسألة الأولى: حكم صيام يوم الشك بنية التطوع .
اختيار الشيخ: اختار أن صيام يوم الشك بنية النفل لا يجوز إلا لمن كان له عادة صيام، فقال: "ولا يجوز صومه لا بنية رمضان شكا أو جزما ولا بنية النفل، إلا أن يوافق صوما كان يصومه" (١).
تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء أن من كان له عادة صيام كالاثنين والخميس ووافق ذلك يوم الشك أنه يجوز له الصيام (٢).
واختلفوا في حكم صومه بنية النفل لمن لم تكن له عادة صيام، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجوز صيام يوم الشك بنية النفل بلا كراهة.
وهو قول: الحنفية (٣) , والمشهور عند المالكية (٤) , ورواية عند الحنابلة (٥).
القول الثاني: يَحرُم صيام يوم الشك بنية النفل.
وبه قال: الشافعية في الصحيح (٦) , والحنابلة في رواية (٧)، والظاهرية (٨)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثالث: يكره صيام يوم الشك بنية النفل.
وبه قال: المالكية في قول (٩) , والشافعية في وجه (١٠) , والحنابلة في المذهب (١١).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم:
стр. 178
هو اختلافهم في نهيه ﷺ عن صيام يوم الشك؛ هل هو نهي أريد به العموم، فيدخل فيه صيام النفل، أو نهي أريد به الخصوص، وهو صومه بنية الاحتياط لرمضان (١).
أدلة القول الأول: يجوز صيام يوم الشك بنية النفل بلا كراهة.
الدليل الأول: عن أم سلمة ﵂، قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين، إلا أنه كان يصل شعبان برمضان» (٢).
الدليل الثاني: عن أبي أُمامة ﵁: «أن النبي ﷺ كان يصل شعبان برمضان» (٣).
الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: «كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان» (٤).
الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما، فليصمه» (٥).
وجه الاستدلال: أن الأحاديث الثلاثة الأُوَل تدل على أن رسول الله ﷺ كان يصوم يوم الشك؛ لأنه كان يصل شعبان برمضان، وبما أنه ﷺ قد نهى عن صوم يوم الشك، كما في الحديث الرابع، فيجمع بين الأحاديث: بأن يكون نهيه ﷺ عن صوم يوم الشك إنما هو على الخوف أن يكون من رمضان، وأن هذا هو الممنوع. وأما إذا أخلص النية للتطوع فلم يحصل فيه معنى الشك، إنما نيته أنه من شعبان فهذا لا مانع منه (٦).
стр. 179
الدليل الخامس: قوله ﷺ : «لا يصام اليوم الذي يشك فيه أنه من رمضان إلا تطوعا» (١).
أدلة القول الثاني: يَحرُم صيام يوم الشك بنية النفل.
الدليل الأول: عن عمار بن ياسر ﵁، قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم» (٢).
وجه الاستدلال: فهذا الحديث صريح في النهي عن صيام يوم الشك، ولم يفرق بين صيامه بنية النفل أو بنية الاحتياط من رمضان، ولا يستثنى إلا ما استثناه الشرع.
الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين, إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه» (٣).
وجه الاستدلال: فالحديث صريح في النهي عن التقدم بالصيام قبل رمضان، واستثني من ذلك من كان له سبب، بأن كان عادته صوم يوم وفطر يوم، أو صوم يوم معين كيوم الاثنين فصادفه، فيجوز صيامه؛ لورود النص بذلك (٤).
أما من لم يكن له عادة صيام ثم صامه تطوعا، فيَدخل تحت النهي.
الدليل الثالث: ولِما ثبت عن ابن عباس، وأبي هريرة ﵄: «أنهما كانا يأمران بالفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين، كما استحبوا أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام، أو قيام، أو تقدم أو تأخر» (٥).
الدليل الرابع: ولأن التطوع مجرد قربة، فلا يحصل بفعل معصية (٦).
стр. 180
أدلة القول الثالث: يكره صيام يوم الشك بنية النفل.
الظاهر أن أصحاب هذا القول قد جمعوا بين النصوص التي استدل بها أصحاب القول الأول، والتي تفيد جواز صيام يوم الشك بنية النفل، وبين النصوص التي استدل بها أصحاب القول الثاني، والتي تفيد النهي عن صيام يوم الشك بنية النفل، ثم حملوا النهي على الكراهة، والله أعلم.
الراجح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثاني: أنه يحرم صيام يوم الشك بنية النفل؛ إلا ما جاء الإذن به عن النبي ﷺ ، كمن كانت له عادة صيام، وأن النهي الوارد في الأحاديث يفيد منع الصيام لا كراهته؛ والأصل في النهي التحريم، ولا صارف له إلى الكراهة (١).
ويجاب عما استدل به أصحاب القول الأول بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بحديث: «لا يصام اليوم الذي يشك فيه أنه من رمضان إلا تطوعا». فهو حديث لا أصل له.
ثانيا: وأما استدلالهم بحديث: وصل شعبان برمضان, فيجاب عنه:
أنه يجوز ذلك لمن كان له عادة صيام، كما جاء الحديث صريحا في ذلك.
ثالثا: وأما قولهم: إن النهي بالتقدم لمن صامه احتياطا خشية أن يكون اليوم من رمضان, فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن في قوله ﷺ : «ولا يومين» دليل على أن المقصود هنا هو انهي عن صيام التطوع وليس صيام يوم الشك؛ وذلك لأن الشك لا يكون في يومين فلو قصد النهي عن يوم الشك لاكتفى بقوله: «بصوم يوم» (٢).
الثاني: قوله ﷺ : «إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه» فالحديث نهى عن التقدم, ثم استثنى من عرفنا، وهذا استثناء متصل، فهل من استُثني في الحديث له أن يصوم يوم الشك بنية الاحتياط من لرمضان أو يقتصر الجواز على صيام النفل؟ . فإذا كان الجواب هو الثاني وهو المقصود من الحديث بلا شك، فما فائدة هذا الاستثناء إذا أبحنا للجميع صيام يوم الشك بنية النفل من كان له عادة ومن لم يكن له عادة! .