← Фикх общий

Фикх общий · id 133371

الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

موافقي الأمين

Полный текст (722 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المطلب الثاني: في النية النفل وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: حكم صيام يوم الشك بنية التطوع. المسألة الثانية: حكم نية صوم النفل من النهار. المسألة الثالثة: حكم عقد نية النفل بعد الزوال.

стр. 177

المسألة الأولى: حكم صيام يوم الشك بنية التطوع . اختيار الشيخ: اختار أن صيام يوم الشك بنية النفل لا يجوز إلا لمن كان له عادة صيام، فقال: "ولا يجوز صومه لا بنية رمضان شكا أو جزما ولا بنية النفل، إلا أن يوافق صوما كان يصومه" (١). تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء أن من كان له عادة صيام كالاثنين والخميس ووافق ذلك يوم الشك أنه يجوز له الصيام (٢). واختلفوا في حكم صومه بنية النفل لمن لم تكن له عادة صيام، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز صيام يوم الشك بنية النفل بلا كراهة. وهو قول: الحنفية (٣) , والمشهور عند المالكية (٤) , ورواية عند الحنابلة (٥). القول الثاني: يَحرُم صيام يوم الشك بنية النفل. وبه قال: الشافعية في الصحيح (٦) , والحنابلة في رواية (٧)، والظاهرية (٨)، وهو اختيار الشيخ. القول الثالث: يكره صيام يوم الشك بنية النفل. وبه قال: المالكية في قول (٩) , والشافعية في وجه (١٠) , والحنابلة في المذهب (١١). سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم:

стр. 178

هو اختلافهم في نهيه ﷺ عن صيام يوم الشك؛ هل هو نهي أريد به العموم، فيدخل فيه صيام النفل، أو نهي أريد به الخصوص، وهو صومه بنية الاحتياط لرمضان (١). أدلة القول الأول: يجوز صيام يوم الشك بنية النفل بلا كراهة. الدليل الأول: عن أم سلمة ﵂، قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين، إلا أنه كان يصل شعبان برمضان» (٢). الدليل الثاني: عن أبي أُمامة ﵁: «أن النبي ﷺ كان يصل شعبان برمضان» (٣). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: «كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان» (٤). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما، فليصمه» (٥). وجه الاستدلال: أن الأحاديث الثلاثة الأُوَل تدل على أن رسول الله ﷺ كان يصوم يوم الشك؛ لأنه كان يصل شعبان برمضان، وبما أنه ﷺ قد نهى عن صوم يوم الشك، كما في الحديث الرابع، فيجمع بين الأحاديث: بأن يكون نهيه ﷺ عن صوم يوم الشك إنما هو على الخوف أن يكون من رمضان، وأن هذا هو الممنوع. وأما إذا أخلص النية للتطوع فلم يحصل فيه معنى الشك، إنما نيته أنه من شعبان فهذا لا مانع منه (٦).

стр. 179

الدليل الخامس: قوله ﷺ : «لا يصام اليوم الذي يشك فيه أنه من رمضان إلا تطوعا» (١). أدلة القول الثاني: يَحرُم صيام يوم الشك بنية النفل. الدليل الأول: عن عمار بن ياسر ﵁، قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم» (٢). وجه الاستدلال: فهذا الحديث صريح في النهي عن صيام يوم الشك، ولم يفرق بين صيامه بنية النفل أو بنية الاحتياط من رمضان، ولا يستثنى إلا ما استثناه الشرع. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين, إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه» (٣). وجه الاستدلال: فالحديث صريح في النهي عن التقدم بالصيام قبل رمضان، واستثني من ذلك من كان له سبب، بأن كان عادته صوم يوم وفطر يوم، أو صوم يوم معين كيوم الاثنين فصادفه، فيجوز صيامه؛ لورود النص بذلك (٤). أما من لم يكن له عادة صيام ثم صامه تطوعا، فيَدخل تحت النهي. الدليل الثالث: ولِما ثبت عن ابن عباس، وأبي هريرة ﵄: «أنهما كانا يأمران بالفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين، كما استحبوا أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام، أو قيام، أو تقدم أو تأخر» (٥). الدليل الرابع: ولأن التطوع مجرد قربة، فلا يحصل بفعل معصية (٦).

стр. 180

أدلة القول الثالث: يكره صيام يوم الشك بنية النفل. الظاهر أن أصحاب هذا القول قد جمعوا بين النصوص التي استدل بها أصحاب القول الأول، والتي تفيد جواز صيام يوم الشك بنية النفل، وبين النصوص التي استدل بها أصحاب القول الثاني، والتي تفيد النهي عن صيام يوم الشك بنية النفل، ثم حملوا النهي على الكراهة، والله أعلم. الراجح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثاني: أنه يحرم صيام يوم الشك بنية النفل؛ إلا ما جاء الإذن به عن النبي ﷺ ، كمن كانت له عادة صيام، وأن النهي الوارد في الأحاديث يفيد منع الصيام لا كراهته؛ والأصل في النهي التحريم، ولا صارف له إلى الكراهة (١). ويجاب عما استدل به أصحاب القول الأول بما يلي: أولا: أما استدلالهم بحديث: «لا يصام اليوم الذي يشك فيه أنه من رمضان إلا تطوعا». فهو حديث لا أصل له. ثانيا: وأما استدلالهم بحديث: وصل شعبان برمضان, فيجاب عنه: أنه يجوز ذلك لمن كان له عادة صيام، كما جاء الحديث صريحا في ذلك. ثالثا: وأما قولهم: إن النهي بالتقدم لمن صامه احتياطا خشية أن يكون اليوم من رمضان, فيجاب عنه من وجهين: الأول: أن في قوله ﷺ : «ولا يومين» دليل على أن المقصود هنا هو انهي عن صيام التطوع وليس صيام يوم الشك؛ وذلك لأن الشك لا يكون في يومين فلو قصد النهي عن يوم الشك لاكتفى بقوله: «بصوم يوم» (٢). الثاني: قوله ﷺ : «إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه» فالحديث نهى عن التقدم, ثم استثنى من عرفنا، وهذا استثناء متصل، فهل من استُثني في الحديث له أن يصوم يوم الشك بنية الاحتياط من لرمضان أو يقتصر الجواز على صيام النفل؟ . فإذا كان الجواب هو الثاني وهو المقصود من الحديث بلا شك، فما فائدة هذا الاستثناء إذا أبحنا للجميع صيام يوم الشك بنية النفل من كان له عادة ومن لم يكن له عادة! .

стр. 181

فيكون معنى الحديث والله أعلم: لا يتقدم أحد بأي صيام، إلا ما استثناه الدليل. وبهذا يُجمع بين النصوص: فتكون أحاديث النهي عن التقدم والنهي عن صيام يوم الشك، لمن لم يكن له عادة صيام، وتكون أحاديث وصل شعبان برمضان، لمن كانت له عادة صيام. قال الشَّوكاني (١): "ولا تعارض بينه وبين ما روي عنه ﷺ من صوم شعبان أو أكثره ووصله برمضان, وبين أحاديث النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين ... ، فإن الجمع بينها ظاهر: بأن يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام يعتاده، وقد تقدم تقييد أحاديث النهي عن التقدم بقوله ﷺ : «إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم» (٢) " (٣). والله أعلم.

стр. 182

المسألة الثانية: حكم نية صوم النفل من النهار . اختيار الشيخ: اختار جواز نية النفل من النهار، فقال: "وفيه دليل على جواز نية النفل في النهار" (١). وقال مرجحا لهذا القول: "وهذا هو القول الراجح عندنا" (٢). اختلف أهل العلم في جواز عقد نية صيام النفل من النهار على قولين: القول الأول: يجوز صوم التطوع بنية من النهار ولا يشترط تبييت النية. وبه قال: الحنفية (٣) , والشافعية في المذهب (٤) , والحنابلة (٥)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يشترط في صيام التطوع تبييت النية من الليل، ولا يصح بنية من النهار. وبه قال: المالكية (٦)، والمُزني (٧) من الشافعية (٨) , والظاهرية (٩). سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم: تعارض الآثار في ذلك" (١٠). أدلة القول الأول: القائلين أنه يجوز صوم التطوع بنية من النهار ولا يشترط تبييت النية.

стр. 183

الدليل الأول: عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا دخل علي قال: «هل عندكم طعام؟ »، فإذا قلنا: لا، قال: «إني صائم». فدخل علينا يوما آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس؛ فحبسناه لك، فقال: «أدنيه»، فأصبح صائما وأفطر (١). وفي رواية: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟ »، فقلنا: لا. قال: «فإني إذا صائم». ثم أتانا يوما آخر فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: «أرينيه، فلقد أصبحت صائما» فأكل (٢). وفي رواية: كان النبي ﷺ يأتيني فيقول: «أعندك غداء (٣)؟ »، فأقول: لا، فيقول: «إني صائم». قالت: فأتاني يوما فقلت: يا رسول الله، إنه قد أهديت لنا هدية، قال: «وما هي؟ ». قالت: قلت: حيس، قال: «أما إني قد أصبحت صائما». ثم أكل (٤). وجه الاستدلال: إن دلالته على جواز إنشاء صوم التطوع من النهار ظاهرة وذلك من وجوه (٥): الأول: لم يكن طلب النبي ﷺ للطعام عبثا، وإنما كان طلبه ليأكل، فلما لم يجده نوى الصوم (٦). الثاني: أنه ﷺ قال: «فإني صائم»، وهذه الفاء تفيد السبب والعلة، فيصير المعنى: إني صائم؛ لأنه لا شيء عندكم، ومعلوم أنه لو كان قد أجمع الصوم من الليل لم يكن صومه لهذه العلة (٧). الثالث: قوله ﷺ : «فإني إذا صائم» و «إذا» أصرح في التعليل من الفاء، وهي لابتداء النية، لا لما مضى وتقدم (٨).

стр. 184

الرابع: ولأن الظاهر من حال من أجمع الصيام من الليل أنه لا يجيء سائلا عن الغداء، وإنما يسأل عن الغداء أحد شخصين: المفطر، أو المتلوم (١) (٢). الدليل الثاني: عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: «أن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل» (٣). وفي رواية: «من كان لم يصم فليصم، ومن كان أكل فليتم صيامه إلى الليل» (٤). وجه الاستدلال: إن قيل: إن صيام يوم عاشوراء كان نفلا فهو نص؛ فقد أمرهم النبي ﷺ بصومه من النهار (٥). وإن قيل: إن صيامه كان فرضا، فجواز الفرض بنية من النهار يدل على جواز النفل بطريق الأَولى (٦). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: «ربما دعا رسول الله ﷺ بغدائه فلا يجده، فيفرض عليه الصوم ذلك اليوم» (٧). الدليل الرابع: أن أبا طلحة (٨) ﵁: «كان يأتي أهله في الضحى, فيقول: هل عندكم من غداء؟ فإن قالوا: لا، صام ذلك اليوم وقال: إني صائم» (٩).

стр. 185

وفي رواية: «أن أبا طلحة ﵁ كان يأتي أهله فيقول: هل عندكم من غداء؟ فإن قالوا: لا، قال: فإني صائم، وإن كان عندهم أفطر» (١). الدليل الخامس: عن أم الدرداء (٢) «أن أبا الدرداء (٣) ﵁ كان يجيء بعد ما يصبح فيقول: أعندكم غداء؟ , فإن لم يجده, قال: فأنا إذا صائم» (٤). الدليل السادس: قياس صيام النفل على صلاة النفل؛ وذلك: أن الصوم عبادة يتنوع جنسها فرضا ونفلا، ويخرج منها بالفساد، فوجب أن يخالف فرضها نفلها في شيء من أحكامها وشرائطها؛ كالصلاة يخالف فرضها نفلها في ترك التوجه إلى القبلة، والقيام مع القدرة، وجوازها على الراحلة في السفر (٥). أدلة القول الثاني: يشترط في صيام التطوع تبييت النية من الليل، ولا يصح بنية من النهار. الدليل الأول: عن حفصة زوج النبي ﷺ ؛ أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يُجمِع الصيام قبل الفجر، لا صيام له» (٦).

стр. 186

وجه الاستدلال: في الحديث دليل على عدم إجزاء صيام التطوع إلا بنية من الليل؛ لأن النص ورد بأن لا صوم لمن لم يُبَيِّته من الليل، ولم يخص من ذلك شيئا، فيبقى النص على عمومه (١). الدليل الثاني: لأنه صوم شرعي، فوجبت له النية من الليل؛ كصيام الفرض (٢). الدليل الثالث: ولأنها عبادة من شرط صحتها النية، فوجب أن يستوي نفلها وفرضها في وقت النية؛ كالصلاة والحج (٣). الدليل الرابع: ولأنها عبادة تتنوع فرضا ونفلا، فوجب أن يكون محل النية في نفلها كمحل النية في فرضها؛ أصله الصلاة (٤). الدليل الخامس: ولأن النهار لو كان زمانا لنية الفعل، لصَحَّتْ فيه نية الفرض كالليل (٥). الدليل السادس: ولأن النية أحد ركني الصيام، فاختصت بأحد جنسَي الزمان وهو الليل، كما اختص الإمساك بالجنس الثاني وهو النهار (٦). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يجوز صوم التطوع بنية من النهار، ولا يشترط تبييت النية؛ وذلك لصحة أدلتهم، وحديث عائشة ﵂ في عقده ﷺ نية الصيام من النهار نص في محل النزاع. وأما استدلال أصحاب القول الثاني: بحديث حفصة ﵂ في اشتراط تبييت النية -وهو أقوى ما استدلوا به- فيجاب عنه: أن عموم حديث حفصة ﵂ مخصوص بحديث عائشة ﵂ السالف الذكر؛ وتوضيح ذلك: أن حديث حفصة ﵂ واضح الدلالة على وجوب تبييت النية قبل الفجر، أي: في الليل، وقد جاء اللفظ عاما في الصيام، فيُعمَل به على عمومه.

стр. 187

ولكن جاء حديث عائشة ﵂ , وفيه: أن الرسول ﷺ قد نوى الصيام من النهار عندما لم يجد طعاما عندها، فدل ذلك على جواز عقد النية في النهار لصوم التطوع؛ لأن الحديث دل على أن الصيام كان صيام تطوع، فكان حديث عائشة ﵂ صالحا لصرف حديث حفصة ﵂ إلى صيام الفريضة (١). والله أعلم.

стр. 188

المسألة الثالثة: حكم عقد نية النفل بعد الزوال . اختيار الشيخ: اختار عدم إجزاء نية النفل بعد الزوال فقال: "ومن ثمة لم تجز النية بعد الزوال ولا معه. والصحيح أن توجد النية في أكثر النهار الشرعي فيكون قبل الضَّحْوَة الكُبرى (١) " (٢). تحرير المسألة: مَرّ في المسألة السابقة أن العلماء قد اختلفوا في جواز عقد نية صيام النفل من النهار على قولين: فمنعه المالكية والمُزَني من الشافعية والظاهرية، وأجازه الجمهور. ثم اختلف الجمهور في آخر وقت لنية التطوع، على قولين: القول الأول: آخر وقت نية صوم التطوع ما قبل الزوال. وبه قال: الحنفية (٣) , والشافعية في الأصح (٤)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: تجوز النية قبل الزوال وبعده. وبه قال: الحنابلة (٥) , ورواية: حَرْمَلة (٦) عند الشافعية (٧). سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم: تعارض الآثار في ذلك" (٨). أدلة القول الأول: القائلين بتقييد نية الصوم بما قبل الزوال. الدليل الأول: قوله ﷺ : «المتطوع بالخيار ما لم تزل الشمس» (٩).

стр. 189

وجه الاستدلال: أن من أراد صيام النفل فآخر وقت لعقد نيته ما لم تزل الشمس (١). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يأتيني فيقول: «أعندك غداء؟ »، فأقول: لا، فيقول: «إني صائم». قالت: فأتاني يوما فقلت: يا رسول الله، إنه قد أهديت لنا هدية، قال: «وما هي؟ ». قالت: قلت: حيس، قال: «أما إني قد أصبحت صائما». قالت: ثم أكل (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث إنما جاء في صدر النهار (٣). لأن فعله ﷺ إنما هو في الغداء، والغداء هو اسم لما يؤكل قبل الزوال (٤). الدليل الثالث: لأن الأصل في نية الصيام أن محلها الليل؛ لحديث حفصة ﵂ (٥) , ثم قام الدليل على جوازها قبل الزوال، لحديث عائشة ﵂ (٦) , ويبقى ما بعده على حكم الأصل (٧). الدليل الرابع: "ولأن معظم النهار مضى من غير نية، بخلاف الناوي قبل الزوال، فإنه قد أدرك معظم العبادة" (٨). الدليل الخامس: وقياسا على المسبوق في الصلاة: لأن من أدرك الإمام قبل الرفع من الركوع أدرك الركعة؛ لإدراكه معظمها، ولو أدركه بعد الرفع لم يكن مدركا لها. ولو أدرك

стр. 190

مع الإمام من الجمعة ركعة كان مدركا لها؛ لأنها تزيد بالتشهد، ولو أدرك أقل من ركعة لم يكن مدركا لها (١). الدليل السادس: ولأن الإمساك أول النهار أمر معتاد، فإذا لم تُصادِفه النية لم يَقْدَح ذلك فيه، بخلاف الإمساك آخر النهار، فإنه بخلاف المعتاد؛ فإذا لم ينو من أول النهار كان ذلك قادحا فيه وذهب الإمساك المقصود في الصوم باطلا (٢). أدلة القول الثاني: القائلين يصح قبل الزوال وبعده. الدليل الأول: عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا دخل علي قال: «هل عندكم طعام؟ »، فإذا قلنا: لا، قال: «إني صائم» (٣). وجه الاستدلال: أن حديث عائشة ﵂ جاء مطلقا من غير فصل بين ما قبل الزوال وما بعده (٤). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ أنه كان يصبح حتى يُظْهِر، ثم يقول: «والله لقد أصبحت وما أريد الصوم, وما أكلت من طعام ولا شراب منذ اليوم، ولأصومن يومي هذا» (٥). الدليل الثالث: عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي (٦): «أن حذيفة بدا له الصوم بعد ما زالت الشمس، فصام» (٧).

стр. 191

الدليل الرابع: عن المُسْتورد بن الأحنف (١) قال: «جاء رجل (أي إلى ابن مسعود) فصلى معه الظهر فقال: إني ظللت اليوم لا صائم ولا مفطر، كنت أتقاضى غريما (٢) لي، فماذا ترى؟ قال: إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت» (٣). الدليل الخامس: عن معاذ بن جبل (٤) ﵁: «أنه كان يأتي أهله بعد الزوال، فيقول: عندكم غداء؟ فيعتذرون إليه، فيقول: إني صائم بقية يومي، فيقال له: تصوم آخر النهار؟ فيقول: من لم يصم آخره لم يصم أوله» (٥). وجه الاستدلال: فهؤلاء جمع من الصحابة ﵃، لم يقيدوا جواز النية بما قبل الزوال، بل أجازوها إلى ما بعد الزوال. قال إسحاق بن راهويه: "الأكثرون على أنه يجوز، وإن لم ينو إلا بعد نصف النهار، منهم: ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، ومعاذ بن جبل: رأوا -إن لم ينو ليلا- أن يَصومَ في

стр. 192

نهاره، يعني: ينوي أَيَّ وقت شاء، ولو كان بعد الزوال أيضا. وهذا أَعدَل الأقوال عندنا وأشبه بسُنَّة محمد ﷺ " (١). الدليل السادس: ولأنه لمّا كان الليل محلا للنية في صوم الفريضة، واستوى حكم أوله وآخره، ثم كان النهار محلا للنية في صوم التطوع، وجب أن يستوي حكم أوله وآخره (٢). الدليل السابع: ولأنه نوى في جزء من النهار، فأشبه ما لو نوى في أوله (٣). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه تجوز النية في صيام التطوع قبل الزوال وبعده؛ وذلك لما يلي: لأن حديث عائشة ﵂ ظاهر في جواز عقد النية قبل الزوال وبعده دون تقييد. وأما تقييدهم إياها بالزوال فهو تكلف بعيد. ولأنه الأظهر من فعل الصحابة الكرام ﵃. ولأن النظر يؤيد هذا القول؛ لأن ما صحت النية في أوله صحت في آخره. وأما الحديث الذي استدلوا به: «المتطوع بالخيار ما لم تزل الشمس» فإني لم أقف عليه بهذا اللفظ فيما تيسر لي من مصادر ومراجع، ولم أجده إلا عند السرخسي في المبسوط، ولم يسنده أو يحيل إلى من أخرجه. وقد ذكرت في الحاشية -عند ذكر هذا الحديث- روايات أخرى بألفاظ مقاربة؛ لكنها لا تصح عن النبي ﷺ . والله أعلم.

стр. 193

المبحث الثاني: صوم السفر وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: حكم الصيام في السفر. المطلب الثاني: ما الأفضل للمسافر الصيام أو الفطر؟ . المطلب الثالث: حد السفر المبيح للفطر. المطلب الرابع: حكم إفطار المسافر الذي استهل عليه رمضان وهو مقيم. المطلب الخامس: حكم إفطار المسافر بعد أن كان قد شرع في الصيام. المطلب السادس: حكم إفطار من سافر بعد طلوع الفجر.

стр. 194

المطلب الأول: حكم الصيام في السفر . اختيار الشيخ: اختار جواز الصيام والفطر في السفر، فقال: "وفيه دلالة لمذهب الجمهور في جواز الصوم والفطر جميعا" (١). تحرير محل الخلاف: أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض والمسافر، وذلك في الجملة (٢) , لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣). واتفقوا على أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام، أنه يجزئه (٤). واختلفوا في حكم الصيام في السفر على قولين: القول الأول: يجوز الصوم والإفطار في السفر. وبه قال: الحنفية (٥) , والمالكية (٦) , والشافعية (٧) , والحنابلة (٨) , والجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (٩)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: لا يحل الصيام في السفر ولا يصح. وهو قول: الظاهرية (١٠).

стр. 195

وروي ذلك عن: عبد الرحمن بن عَوف (١) , وعبد الله بن عمر, وابن عباس -في رواية-, وأبي هريرة ﵃ (٢). سبب الخلاف: يرجع سبب اختلافهم في هذه المسألة إلى أمرين والله أعلم: السبب الأول: اختلافهم هل المسافر مخاطب بالصيام في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، أي في الآية إضمارا، أم لا؟ (٣). السبب الثاني: هل صيام رمضان في السفر منسوخ أم لا؟ . أدلة القول الأول: القائلين بجواز الصوم والإفطار في السفر. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤). وجه الاستدلال من الآية: أن الخطاب عام للمسافر والمقيم (٥). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٦). وجه الاستدلال: أن الله افترض صيام الأيام الثلاثة لمن لم يجد (الهَدْي) (٧) حال كونه في سفر الحج؛ لأن المخاطبين هنا هم الغرباء؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٨).

стр. 196

الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأَسْلمي (١) ﵁ قال للنبي ﷺ : أصوم في السفر؟ - وكان كثير الصيام -، قال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» (٢). وجه الاستدلال: أن هذا الحديث نص في إثبات الخيار للمسافر في الصوم والإفطار (٣). وفيه دليل على جواز صيام الفرض والنفل في السفر؛ لأن سؤال حمزة بن عمرو ﵁ عام، فإذا خرج الجواب مطلقا حمل على عمومه، ولا يُخص صوم دون صوم إلا بدليل (٤). الدليل الرابع: وعنه ﵁ أيضا قال: يا رسول الله، أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل عليَّ جُناح (٥)؟ فقال رسول الله ﷺ : «هي (رخصة) (٦) من الله، فمن أخذ بها، فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» (٧). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل الفطر في السفر رخصة، وهذا يُشعِر بأن حمزة ﵁ سأل عن صيام الفريضة؛ وذلك إن الرخصة إنما تطلق في مقابلة ما هو واجب (٨). الدليل الخامس: وعنه ﵁ أيضا, قال: يا رسول الله، إني صاحب ظَهْر (٩) أُعَالِجه (١٠) أسافر عليه، وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان، وأنا أجد القوة، وأنا شاب، وأجد

стр. 197

بأن أصوم، يا رسول الله، أهون علي من أن أؤخره، فيكون دينا، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري، أو أفطر؟ قال: «أيُّ ذلك شئتَ يا حمزةُ» (١). وجه الاستدلال: أن الحديث صريح في أن صيام حمزة ﵁ كان في رمضان، فخيره رسول الله ﷺ بين الصيام والإفطار (٢). الدليل السادس: عن أبي الدرداء ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم، إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رَواحَة (٣)» (٤). وجه الاستدلال: أن الصوم والإفطار في السفر لو لم يكونا مباحين لما صام النبي ﷺ وعبد الله بن رواحة ¢، وأفطر الصحابة (٥). وفيه رَدّ على من منع صوم رمضان في السفر (٦). الدليل السابع: عن أنس ﷺ قال: «كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» (٧).

стр. 198

وفي رواية: سئل أنس ﵁ عن صوم رمضان في السفر؟ فقال: «سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» (١). الدليل الثامن: عن أبي سعيد الخدري ﷺ قال: «كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يَجِد (٢) الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم, يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر، فإن ذلك حسن» (٣). وجه الاستدلال: في الحديث حجة على من زعم أن الصائم في السفر لا يجزئه صومه؛ لأن تركهم لإنكار الصوم والفطر، يدل على أن ذلك عندهم من المتعارف المشهور الذي تجب الحجة به. ولا حجة لأحد مع السُنَّة الثابتة، وقد ثبت أنه ﷺ صام ولم يعب على من صام ولا على من أفطر، فوجب التسليم له (٤). الدليل العاشر: عن ابن عباس ﵄ قال: «سافر رسول الله ﷺ في رمضان، فصام حتى بلغ عسفان (٥) , ثم دعا بإناء من ماء، فشرب نهارا ليراه الناس، فأفطر حتى قدم مكة». فكان ابن عباس ﵄ يقول: «صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر»، فمن شاء صام ومن شاء أفطر (٦). وجه الاستدلال: الحديث صريح أنه ﷺ صام في السفر، وهو رد على من لم يُجِز الصوم فيه (٧).

стр. 199

وهذا ابن عباس ﵄ يقول: «فمن شاء صام ومن شاء أفطر»، أي: لا حرج على أحدهما (١). الدليل الحادي عشر: ولأن المريض لو تكلف فصام صح إجماعا، فكذا المسافر (٢). أدلة القول الثاني: لا يحل الصيام في السفر ولا يصح. الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣). وجه الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن معنى الآية: فليصم عدة من أيام، أو فعليه عدة من أيام، وكلمة ﴿عَلَى﴾ للوجوب, فثبت أن ظاهر القرآن يقتضي إيجاب صوم أيام أخر، فوجب أن يكون فطر هذه الأيام واجبا (٤). فصار وقت القضاء في حق المسافر كالشهر في حق المقيم، فلا يجوز الأداء قبله (٥). الوجه الثاني: أنه تعالى أعاد فيما بعد ذلك هذه الآية، ثم قال عقيبها: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦) , ولا بد وأن يكون هذا اليسر والعسر شيئا تقدم ذكرهما، وليس هناك يسر إلا أنه أذن للمريض والمسافر في الفطر، وليس هناك عسر إلا كونهما صائمَين فكان قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ معناه: يريد منكم الإفطار ولا يريد منكم الصوم (٧).

стр. 200

الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄: «أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكَدِيد (١) أفطر، فأفطر الناس» (٢). وفي رواية: قال ابن شِهاب (٣): «فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره، ويرونه الناسخ المحكم» (٤). الدليل الثالث: عن جابر بن عبد الله (٥) ﵄: أنّ رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كُرَاع الغَميم (٦)، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام؟ فقال: «أولئك العُصَاة! أولئك العُصَاة! » (٧).

стр. 201

وجه الاستدلال: إن كان صيامه ﷺ في هذه السفرة في رمضان فقد (نسخه) (١) بقوله: «أولئك العصاة»، وصار الفطر فرضا والصوم معصية، ولا سبيل إلى خبر ناسخ لهذا أبدا، وإن كان صيامه ﷺ في هذه السفرة تطوعا فهذا أحرى للمنع من صيام رمضان في السفر (٢). الدليل الرابع: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظُلِّل عليه، فقال: «ما هذا؟ »، فقالوا: صائم، فقال: «ليس مِن البِّر (٣) الصوم في السفر» (٤). وجه الاستدلال: إن اللفظ جاء عاما، (والعِبْرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) (٥) (٦). الدليل الخامس: عن أنس بن مالك الكَعْبي (٧) ﵁ أنه أتى النبي ﷺ بالمدينة وهو يتغدى، فقال له النبي ﷺ : «هلم إلى الغداء»، فقال: إني صائم، فقال له النبي ﷺ : «إن الله وضع للمسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحُبْلى (٨) والمُرْضِع» (٩).

стр. 202

وجه الاستدلال: أن الله قد وضع عن المسافر شطر الصلاة كما وضع عنه الصيام فلم يصح منه (١). الدليل السادس: عن عبد الرحمن بن عوف ¢ قال: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر» (٢). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: جواز الصوم والفطر في السفر؛ وذلك لقوة أدلتهم, ولأن الإجماع استقر على جواز الصيام في السفر. قال الكاساني: "لأن جواز الصوم للمسافر في رمضان مجمع عليه؛ فإن التابعين أجمعوا عليه بعد وقوع الاختلاف فيه بين الصحابة، والخلاف في العصر الأول لا يمنع انعقاد الإجماع في العصر الثاني، بل الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم عندنا (٣)؛ على ما عرف في أصول الفقه" (٤). وأما الجواب عما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بالآية فيجاب عنه من وجهين: الأول: أن في الآية إضْمارا، وعليه إجماع أهل التفسير. وتقديرها: فمن كان منكم مريضا، أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر (٥).

стр. 203

وتمام تقرير هذا الكلام: أن (الإضمار) (١) في كلام الله جائز في الجملة، وقد دل الدليل على وقوعه هاهنا, أما بيان الجواز فكما في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ (٢) , والتقدير: فضرب فانفجرت. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (٣) , أي: فحَلَق فعليه فدية. فثبت أن الإضمار جائز (٤). الثاني: أن قوله : ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لبيان الترخص بالفطر، فينتفي به وجوب الأداء لا جوازه (٥). وبيانه: أن الله تعالى جعل المرض والسفر، من الأعذار المُرخِصة للإفطار؛ تيسيرا وتخفيفا على أربابها وتوسيعا عليهم، فلو تحتم عليهم الصوم في غير السفر ولم يجز لهم في السفر لكان فيه تعسير وتضييق عليهم، وهذا يضاد موضوع الرخصة وينافي معنى التيسير (٦). ثانيا: وأما استدلالهم بقول ابن شهاب الزهري: «فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره، ويرونه الناسخ المحكم»، فيجاب عنه من أربعة أوجه: الوجه الأول: أن هذه الزيادة (مدرجة) (٧) من قول الزهري كما جزم بذلك البخاري، وكذلك وقعت عند مسلم مدرجة، فلا حجة فيها (٨).

стр. 204

الوجه الثاني: أنه ﷺ صام بعد هذه القصة في السفر، كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله ﷺ : «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم» فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: «إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا» وكانت عزمة، فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيتنا نصوم، مع رسول الله ﷺ بعد ذلك، في السفر (١). الوجه الثالث: وأما كون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ , فالمراد به واقعة معينة، وهي غزاة الفتح، فإنه صام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، فكان فطره آخر أمريه، لا أنه حرم الصوم (٢). الوجه الرابع: أن راوي الحديث وهو ابن عباس ﵁ قد جاء عنه أنه قال: «لا تَعِب على من صام، ولا على من أفطر، قد صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر» (٣). وقال أيضا: «إنما أراد الله بالفطر في السفر التيسير عليكم, فمن يسر الله عليه الصيام فليصم، ومن يسر عليه الفطر فليفطر» (٤). فهذا ابن عباس لم يجعل إفطاره ﷺ في السفر بعد صيامه ناسخا للصوم في السفر، ولكنه جعله على جهة التيسير (٥). ثالثا: وأما استدلالهم بحديث: «أولئك العصاة أولئك العصاة» , فيجاب عنه: أن النبي ﷺ إنما قال ذلك لأنه قد كان أمرهم بالإفطار في ذاك اليوم بخصوصه، فسماهم عصاة لمخالفة أمره، لا لمجرد الصوم في السفر (٦).

стр. 205

رابعا: وأما استدلالهم بحديث: «ليس من البر الصوم في السفر»، فيجاب عنه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن معنى الحديث: ليس البر الصوم في السفر حتى يُغشى على الصائم ويحتاج إلى أن يُظَلَّل ويُنضَح عليه، إذ الله قد رخص للمسافر في الفطر، وجعل له أن يصوم في أيام أخر، وأَعلَم سبحانه في محكم تنزيله أنه أراد بهم اليسر لا العسر في ذلك (١). الوجه الثاني: ويحتمل ليس من البر الذي هو أبر البر وأعلى مراتب البر الصوم في السفر، وإن كان الصوم في السفر برا إلا أن غيره في البر أبر منه، كما قال ﷺ : «ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس، فتَرُدّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان» قالوا: فما المسكين؟ يا رسول الله، قال: «الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفطَن له، فيُتَصدَّق عليه، ولا يسأل الناس شيئا» (٢). فلم يكن معنى قوله: «ليس المسكين بالطواف» على معنى إخراجه إياه من أسباب المسكنة كلها، ولكنه أراد بذلك: ليس هو المسكين المتكامل المسكنة الذي لا يسأل الناس، ولا يُعرَف فيُتصدَّق عليه. فكذلك قوله: «ليس البر الصيام في السفر» ليس ذلك على إخراج الصوم في السفر من أن يكون بِرّا، ولكنه على معنى: ليس من البر الذي هو أبر البر الصوم في السفر؛ لأنه قد يكون الإفطار هناك أبر فيه إذا كان على التقوي للقاء العدو وما أشبه ذلك (٣). الوجه الثالث: قولهم: إن اللفظ عام, والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, فيجاب عنه: أن قول النبي ﷺ خارج على سبب، وهو أنه رأى رجلا قد جَهَدَه الصوم فقال هذا القول, فهو عموم خرج على سبب (٤).

стр. 206

خامسا: وأما استدلالهم بحديث: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر» فيجاب عنه: أن المحفوظ عن أبي سلمة عن أبيه موقوفا، ومع وقفه فهو (مُنْقَطع) (١)؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه. وعلى تقدير صحته فهو محمول على الحالة التي يكون الفطر فيها أولى من الصوم، حالة المشقة؛ جمعا بين الأدلة (٢). سادسا: وأما استدلالهم بحديث: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة»، فيجاب عنه: بأنه مختلف في صحته، وعلى التسليم بصحته: فإن الوضع لا يستلزم عدم صحة الصوم في السفر (٣)، بل المقصود: وضع الوجوب؛ بدليل بقية الحديث (٤)؛ لأن الحامل والمرضع إذا صامتا رمضان أجزأهما، ولا يكونان كمن صام قبل وجوب الصوم عليه، بل وجوب الصيام ثابت في حقهما بدخول شهر رمضان، وجُعل لهما تأخير الصيام إن شاءا ذلك، والمسافر في ذلك مثلهما (٥). وأما ما قاله الظاهرية: من التفريق بين صيام رمضان، وصيام غيره من الواجبات أو النوافل في السفر، بأن منعوا الأول، وأجازوا الثاني: فهو تفريق لا دليل عليه، بل الأدلة الصحيحة الصريحة قد دلت على أن النبي ﷺ وصحابته الكرام ﵃ صاموا في شهر رمضان، واستمر الصحابة على ذلك بعد وفاة رسول الله ﷺ كما سبق في أدلة الجمهور. والله تعالى أعلم.

стр. 207

المطلب الثاني: ما الأفضل للمسافر الصيام أو الفطر ؟ . اختيار الشيخ: اختار ترجيح الإفطار للمسافر مطلقا فقال: "قلت ظاهر الحديث ترجيح الإفطار في السفر مطلقاً كما هو مذهب أحمد" (١). اختلف الفقهاء في من يطيق الصوم في السفر بلا ضرر، أيهما أفضل له: الصيام أم الفطر؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: الصيام أفضل. وبه قال: الحنفية (٢) , والمالكية في المشهور (٣) , والشافعية (٤). القول الثاني: الفطر أفضل. وبه قال: الحنابلة (٥) , وإسحاق (٦) , وابن المَاجِشُون (٧) من المالكية (٨)، وهو اختيار الشيخ عبيد الله المباركفوري. القول الثالث: الأفضل منهما الأسهل والأيسر على المكلف. وقد روي عن: مجاهد, وقتادة, وعمر بن عبد العزيز (٩) , واختاره: ابن المنذر (١٠).

стр. 208

سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم: معارضة المفهوم من ذلك لظاهر بعض المنقول، ومعارضة المنقول بعضه لبعض" (١). أدلة القول الأول: القائلين بأن الصيام أفضل. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ , إلى قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). وجه الاستدلال: فقد دلت الآيات على أن الصوم (عزيمة) (٣)، والإفطار رخصة، ولا شك في أن العزيمة أفضل، كما تقرر في الأصول (٤). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥). وجه الاستدلال: عموم الآية يدل على أن الصيام أفضل. الدليل الثالث: عن أبي الدرداء ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ في رمضان في يوم شديد الحر، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة» (٦). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد صام هذا اليوم وهو مسافر، وفعله ﷺ هو الأفضل (٧).

стр. 209

ولو كان الفطر عزمة من الله تعالى، لم يتحمل النبي ﷺ مشقة الصيام في شدة الحر، وإنما أراد أن يسن لأمته ليقتدوا به (١). الدليل الثالث: عن أبي سعيد ﵁ قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله ﷺ : «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم» , فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: «إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا» , وكانت عزمة، فأفطرنا، ثم قال: «ولقد رأيتنا نصوم، مع رسول الله ﷺ بعد ذلك، في السفر» (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ بدأ بالصيام فدل على أنه الأفضل، وإنما أفطر ﷺ ليقتدي به الصحابة, وأمرهم بذلك بقصد التقوي على لقاء العدو (٣). الدليل الرابع: عن جابر بن عبد الله ﵄: «أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه، حتى نظر الناس إليه، ثم شرب» (٤). وفي رواية: فقيل له: «إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر» (٥). وجه الاستدلال: أن النبي بدأ ﷺ بالصوم فلما شكا الناس إليه أفطر, فذلك دليل على أن الصوم هو الأفضل (٦).

стр. 210

الدليل الخامس: عن سَلَمة بن المُحَبِّق الهذلي (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له حُمولة تأوي إلى شبع (٢)، فليصم رمضان حيث أدركه» (٣). الدليل السادس: ولأن الصوم في رمضان أكثر أجرا؛ لأنه أشد حرمة، بدليل: أن من أفطر في رمضان عليه الكفارة، ولا كفارة على من أفطر في قضاء رمضان (٤). الدليل السابع: ولأن صومه مع الناس أسهل من الانفراد في صومه (٥). أدلة القول الثاني: القائلين بأن الفطر أفضل. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦). وجه الاستدلال: أن الله جعل الفطر مرادا له في السفر إذ هو المقصود باليسر (٧). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في السفر فمنا الصائم، ومنا المفطر, قال: فنزلنا منزلا في يوم حار، وأكثرنا ظلا صاحب الكساء (٨). ومنا من يتقي

стр. 211

الشمس بيده. قال: فسقط الصُوّام، وقام المفطرون فضربوا الأبْنيَة (١) , وسَقَوا الرِّكاب (٢) , فقال رسول الله ﷺ : «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (٣). وجه الاستدلال: أن معنى الحديث: أن أجر المفطرين قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغا ينغمر فيه أجر الصوم، وكأن الأجر كله للمفطر. فيكون المقصود: التشبيه في أن ما قَلّ جدا قد يُجعل كالمعدوم مبالغة (٤). فإذا كان هذا هو ما للمفطرين من كثرة الأجور، دل على أن الإفطار في السفر أفضل. الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄: «أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكَديد أفطر، فأفطر الناس» (٥). وجه الاستدلال: أن الفطر كان آخر الأمرين من النبي ﷺ ؛ لأنه أفطر في أثناء غزوة الفتح, ثم لم يزل مفطرا, ثم لم يسافر بعدها في رمضان, وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ , ولهذا كانت الأحوال التي في آخر عمره أفضل من الأحوال التي في أول عمره (٦). الدليل الرابع: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا»؟ ، فقالوا: صائم، فقال: «ليس من البر الصوم في السفر» (٧).

стр. 212

وجه الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: البر هو العمل الصالح, فقد بين ﷺ أن الصوم في السفر ليس بعمل صالح, بل هو من المباح؛ فلا حاجة بالإنسان إلى أن يجهد نفسه به (١). الوجه الثاني: ولأنه لمّا كان الصوم في الجملة مظنة المشقة، بيّن ﷺ أنه لا بر في الصوم؛ لإفضائه إلى هذا الضرر, وإن كان قد يتخلّف عنه في بعض الصور (٢). الدليل الخامس: عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁، أنه قال: يا رسول الله، أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جُناح؟ فقال رسول الله ﷺ : «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها، فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» (٣). وجه الاستدلال: أن حمزة ¢ أخبر النبي ﷺ أنه به قوة على الصوم, وأنه أيسر عليه من الفطر, فخَيَّره النبي ﷺ , وذكر له أن الفطر في السفر رخصة من الله من أخذ بها فحسن, والحسن هو المستحب, وأما من أحب أن يصوم؛ فلا جُناح عليه, ورفع الجُناح إنما يقتضي الإباحة فقط (٤) , وهذه إشارة منه ﷺ إلى تفضيل الفطر على الصوم (٥). الدليل السادس: عن أنس بن مالك الكعبي ¢ أنه أتى النبي ﷺ بالمدينة وهو يتغدى، فقال له النبي ﷺ : «هلم إلى الغداء»، فقال: إني صائم، فقال له النبي ﷺ : «إن الله وضع للمسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع» (٦). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ إنما أخبره أن الصوم موضوع عنه؛ استدعاءً منه للفطر بعد أن أخبره أنه صائم, ودعاه بعد أن أخبره أنهه صائم (٧)؛ فدل ذلك على أفضلية الفطر في السفر.

стр. 213

الدليل السابع: ولأن قصر الصلاة في السفر أفضل، فوجب أن يكون الإفطار فيه أفضل (١). الدليل الثامن: ولأن الصوم في السفر مظنة سوء الخُلق والعجز عن مصالح السفر, أما الفطر فهو بكل حال أعون له على السفر, وسعة الخُلق, وإعانة الرفقاء, وغير ذلك من المصالح التي هي أفضل من الصوم (٢). أدلة القول الثالث: القائلين بأن الأفضل منهما الأسهل والأيسر على المكلف. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣). وجه الاستدلال: مقتضى الآية أنه إن كان الصوم أيسر عليه صام، وإن كان الفطر أيسر أفطر (٤). قال عمر بن عبد العزيز: «إذا كان يسرا فصوموا، وإذا كان عسرا فأفطروا» (٥). الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم, يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر، فإن ذلك حسن» (٦). وجه الاستدلال: أن الصحابة الكرام ﵃ كانوا يرون أن الأفضل للمسافر الأيسر. الدليل الثالث: عن أبي سعيد ﵁ أيضا قال: «أتى رسول الله ﷺ على نهر من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله ﷺ على بغلة له، فقال: «اشربوا أيها الناس»،

стр. 214

قال: فأبوا، قال: «إني لست مثلكم، إني أيسركم، إني راكب»، فأبوا، فثنى رسول الله ﷺ فخذه فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب» (١). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن الأيسر هو الأفضل؛ وبيانه: أن النبي ﷺ إنما صام وأمر الناس بالفطر في الابتداء؛ لكون الصوم لا يشق عليه , إذ إنه كان راكبا لا يحتاج إلى المشي , وأمرهم بالفطر , إذ كانوا مشاة يشتد عليهم الصوم، ويحتاجون إلى الفطر (٢). الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵁ قال: «إنما أراد الله بالفطر في السفر التيسير عليكم فمن يسر الله عليه الصيام فليصم، ومن يسر عليه الفطر فليفطر» (٣). وجه الاستدلال: فهذا ابن عباس ﵄ جعل الصيام والفطر على جهة التيسير (٤). الدليل الخامس: عن عائشة ﵂، قالت: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين؛ إلا اختار أيسرهما, ما لم يكن إثما؛ كان أبعد الناس منه» (٥). الدليل السادس: قوله ﷺ في وصيته إلى معاذ وأبي موسى (٦) ﵄: «يَسِّرا ولا تُعَسِّرا» (٧).

стр. 215

وجه الاستدلال: أن الشرع الحنيف حث على اتباع الأيسر، فقد يكون الصيام في حق البعض هو الأيسر؛ وذلك في من شق عليه القضاء وحده، وقد يكون الفطر أيسر في حق آخرين، ممن يشق عليهم الصوم في السفر. فالقول بفعل الأيسر للمكلف من صوم أو فطر هو المتماشي مع قواعد الشرع. الترجيح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثالث: أن الأفضل منهما الأسهل والأيسر على المكلف؛ لأنه جمع بين الأدلة، وإعمال لها جميعها. وهو المتماشي مع قواعد الشرع, وقد يظهر جليا في هذه الأزمنة المتأخرة، التي أصبح السفر فيها متيسرا جدا, بل قد لا يشعر المسافر بأي تعب، وقد يجد المشقة في إفطار ذلك اليوم ثم قضائه. بينما نجد البعض الآخر لا يتحمل الصيام في السفر، وقد يسوء خُلقه إذا صام، ويضعف عن القيام بشؤونه، فضلا عن خدمة الآخرين. فيكون الصوم في حق الأول أفضل، ويكون الفطر في حق الثاني أفضل. وبهذا نكون قد جمعنا بين النصوص, فتكون النصوص التي دلت على أفضلية الصوم في السفر، محمولة على من كان الصوم في حقه أفضل، وتكون النصوص التي دلت على أفضلية الفطر، محمولة على من كان الفطر في حقه أفضل. والله أعلم.
следующие страницы →