الشمس بيده. قال: فسقط الصُوّام، وقام المفطرون فضربوا الأبْنيَة (١) , وسَقَوا الرِّكاب (٢) , فقال رسول الله ﷺ : «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (٣).
وجه الاستدلال: أن معنى الحديث: أن أجر المفطرين قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغا ينغمر فيه أجر الصوم، وكأن الأجر كله للمفطر. فيكون المقصود: التشبيه في أن ما قَلّ جدا قد يُجعل كالمعدوم مبالغة (٤).
فإذا كان هذا هو ما للمفطرين من كثرة الأجور، دل على أن الإفطار في السفر أفضل.
الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄: «أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكَديد أفطر، فأفطر الناس» (٥).
وجه الاستدلال: أن الفطر كان آخر الأمرين من النبي ﷺ ؛ لأنه أفطر في أثناء غزوة الفتح, ثم لم يزل مفطرا, ثم لم يسافر بعدها في رمضان, وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ , ولهذا كانت الأحوال التي في آخر عمره أفضل من الأحوال التي في أول عمره (٦).
الدليل الرابع: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا»؟ ، فقالوا: صائم، فقال: «ليس من البر الصوم في السفر» (٧).
стр. 212
وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: البر هو العمل الصالح, فقد بين ﷺ أن الصوم في السفر ليس بعمل صالح, بل هو من المباح؛ فلا حاجة بالإنسان إلى أن يجهد نفسه به (١).
الوجه الثاني: ولأنه لمّا كان الصوم في الجملة مظنة المشقة، بيّن ﷺ أنه لا بر في الصوم؛ لإفضائه إلى هذا الضرر, وإن كان قد يتخلّف عنه في بعض الصور (٢).
الدليل الخامس: عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁، أنه قال: يا رسول الله، أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جُناح؟ فقال رسول الله ﷺ : «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها، فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» (٣).
وجه الاستدلال: أن حمزة ¢ أخبر النبي ﷺ أنه به قوة على الصوم, وأنه أيسر عليه من الفطر, فخَيَّره النبي ﷺ , وذكر له أن الفطر في السفر رخصة من الله من أخذ بها فحسن, والحسن هو المستحب, وأما من أحب أن يصوم؛ فلا جُناح عليه, ورفع الجُناح إنما يقتضي الإباحة فقط (٤) , وهذه إشارة منه ﷺ إلى تفضيل الفطر على الصوم (٥).
الدليل السادس: عن أنس بن مالك الكعبي ¢ أنه أتى النبي ﷺ بالمدينة وهو يتغدى، فقال له النبي ﷺ : «هلم إلى الغداء»، فقال: إني صائم، فقال له النبي ﷺ : «إن الله وضع للمسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع» (٦).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ إنما أخبره أن الصوم موضوع عنه؛ استدعاءً منه للفطر بعد أن أخبره أنه صائم, ودعاه بعد أن أخبره أنهه صائم (٧)؛ فدل ذلك على أفضلية الفطر في السفر.
стр. 213
الدليل السابع: ولأن قصر الصلاة في السفر أفضل، فوجب أن يكون الإفطار فيه أفضل (١).
الدليل الثامن: ولأن الصوم في السفر مظنة سوء الخُلق والعجز عن مصالح السفر, أما الفطر فهو بكل حال أعون له على السفر, وسعة الخُلق, وإعانة الرفقاء, وغير ذلك من المصالح التي هي أفضل من الصوم (٢).
أدلة القول الثالث: القائلين بأن الأفضل منهما الأسهل والأيسر على المكلف.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣).
وجه الاستدلال: مقتضى الآية أنه إن كان الصوم أيسر عليه صام، وإن كان الفطر أيسر أفطر (٤).
قال عمر بن عبد العزيز: «إذا كان يسرا فصوموا، وإذا كان عسرا فأفطروا» (٥).
الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم, يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر، فإن ذلك حسن» (٦).
وجه الاستدلال: أن الصحابة الكرام ﵃ كانوا يرون أن الأفضل للمسافر الأيسر.
الدليل الثالث: عن أبي سعيد ﵁ أيضا قال: «أتى رسول الله ﷺ على نهر من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله ﷺ على بغلة له، فقال: «اشربوا أيها الناس»،
стр. 214
قال: فأبوا، قال: «إني لست مثلكم، إني أيسركم، إني راكب»، فأبوا، فثنى رسول الله ﷺ فخذه فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب» (١).
وجه الاستدلال: دل الحديث على أن الأيسر هو الأفضل؛ وبيانه: أن النبي ﷺ إنما صام وأمر الناس بالفطر في الابتداء؛ لكون الصوم لا يشق عليه , إذ إنه كان راكبا لا يحتاج إلى المشي , وأمرهم بالفطر , إذ كانوا مشاة يشتد عليهم الصوم، ويحتاجون إلى الفطر (٢).
الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵁ قال: «إنما أراد الله بالفطر في السفر التيسير عليكم فمن يسر الله عليه الصيام فليصم، ومن يسر عليه الفطر فليفطر» (٣).
وجه الاستدلال: فهذا ابن عباس ﵄ جعل الصيام والفطر على جهة التيسير (٤).
الدليل الخامس: عن عائشة ﵂، قالت: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين؛ إلا اختار أيسرهما, ما لم يكن إثما؛ كان أبعد الناس منه» (٥).
الدليل السادس: قوله ﷺ في وصيته إلى معاذ وأبي موسى (٦) ﵄: «يَسِّرا ولا تُعَسِّرا» (٧).
стр. 215
وجه الاستدلال: أن الشرع الحنيف حث على اتباع الأيسر، فقد يكون الصيام في حق البعض هو الأيسر؛ وذلك في من شق عليه القضاء وحده، وقد يكون الفطر أيسر في حق آخرين، ممن يشق عليهم الصوم في السفر. فالقول بفعل الأيسر للمكلف من صوم أو فطر هو المتماشي مع قواعد الشرع.
الترجيح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثالث: أن الأفضل منهما الأسهل والأيسر على المكلف؛ لأنه جمع بين الأدلة، وإعمال لها جميعها.
وهو المتماشي مع قواعد الشرع, وقد يظهر جليا في هذه الأزمنة المتأخرة، التي أصبح السفر فيها متيسرا جدا, بل قد لا يشعر المسافر بأي تعب، وقد يجد المشقة في إفطار ذلك اليوم ثم قضائه. بينما نجد البعض الآخر لا يتحمل الصيام في السفر، وقد يسوء خُلقه إذا صام، ويضعف عن القيام بشؤونه، فضلا عن خدمة الآخرين.
فيكون الصوم في حق الأول أفضل، ويكون الفطر في حق الثاني أفضل.
وبهذا نكون قد جمعنا بين النصوص, فتكون النصوص التي دلت على أفضلية الصوم في السفر، محمولة على من كان الصوم في حقه أفضل، وتكون النصوص التي دلت على أفضلية الفطر، محمولة على من كان الفطر في حقه أفضل.
والله أعلم.
стр. 216
المطلب الثالث: حد السفر المبيح للفطر .
اختيار الشيخ: اختار أنه لا يباح الفطر إلا في السفر الطويل الذي يبيح القصر، فقال: "لا يباح الفطر عند الجمهور إلا في السفر الطويل الذي يبيح القصر، وقد تقدم ذكر قدره في الصلاة" (١).
وكان قال في الصلاة: "والراجح عندي ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أنه لا يقصر الصلاة في أقل من ثمانية وأربعين ميلا بالهاشمي، وذلك أربعة بُرُد، أي: ستة عشر فَرْسَخا (٢) " (٣).
تحرير محل الخلاف: أجمع أهل العلم على أن لمن سافر سفرا تكون مسافته مثل ما بين المدينة إلى مكة، وكان سفره في حج، أو عمرة، أو غزو؛ أن يترخص بقصر الصلاة والفطر في رمضان (٤).
واتفقوا أن تحديد هذه المسافة هي مناط الرخصة في القصر والفطر، فما يصلح دليلا لقصر الصلاة يصلح أيضا دليلا على تحقق رخصة الفطر في السفر (٥).
فقد قال عطاء: "تُفطِر إذا قَصَرتَ وتصوم إذا أَوْفَيت الصلاة" (٦).
واختلفوا في حد السفر المبيح للفطر، تبعا لاختلافهم في حد السفر المبيح لقصر الصلاة، على أقوال كثيرة أوصلها ابن المنذر وغيره إلى عشرين قولا (٧).
ولعلي أكتفي بذكر ثلاثة منها لاشتهارها:
القول الأول: لا يحل الفطر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام.
стр. 217
وهو قول: الحنفية (١).
القول الثاني: لا يحل الفطر في أقل من مسيرة يومين قاصدين (٢)، أو مسيرة يوم وليلة بالسَيْر الحَثِيث (٣) , أو أَرْبَعَةِ بُرُد ١٦ فرسخا ٤٨ ميلا هاشميا.
وهو قول: المالكية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة (٦)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثالث: يجوز الفطر في كل سفر تُعورِف على أنه سفر.
وهو مذهب: الظاهرية (٧).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم-: هل يعمل بإطلاق لفظ السفر الوارد في نصوص الكتاب والسنة في الأخذ برخصة الإفطار، أم يقيد لفظ السفر بما جاء في نصوص أخرى؟ ، كما سيأتي معنى إن شاء الله في الأدلة؟ .
أدلة القول الأول: لا يحل الفطر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام.
الدليل الأول: عن خُزَيْمة بن ثابت (٨) ﵁ عن النبي ﷺ : «أنه رَخَّص ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر» (٩).
стр. 218
وجه الاستدلال من وجوه:
الأول: أن تحديد الرسول ﷺ لرخصة المسح في السفر بثلاثة أيام يلزم منه، أن تكون هذه المدة هي المعيار الشرعي في السفر لكل رخصة، سواء كانت: للمسح، أو للقصر، أو للفطر، أو لغير ذلك، بجامع مشقة السفر في كل.
الثاني: ولأنه لا يُتصَور أن يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها، ومدة السفر أقل من هذه المدة (١).
الثالث: ولأن النبي ﷺ رخص لكل مسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، لأن (الألف واللام في المسافر لاستغراق الجنس) (٢)، فلو قلنا بأن مدة السفر أقل من ثلاثة أيام ولياليهن لم تعم الرخصة لكل مسافر (٣).
الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ ، قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي مَحْرم (٤)» (٥).
وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ منع المرأة من السفر خلال هذه المدة إلا إذا كان معها زوجها أو محرم، وتعليقه ﷺ هذا الحكم بمدة الثلاثة أيام يُفهَم منه أن سفر الثلاثة أيام هو الذي ينصرف إليه اسم السفر عند الإطلاق، فينبغي أن يُقيَّد به (٦).
الدليل الثالث: ولأن وجوب إتمام الصلاة وكذا وجوب الصيام كان ثابتا بدليل مقطوع به، فلا يجوز رفعه إلا بمثله، وما دون الثلاث مختلف فيه، والثلاث مجمع عليه (٧) , فلا يجوز رفعه بما دون الثلاث (٨).
стр. 219
أدلة القول الثاني: لا يحل الفطر في أقل من مسيرة يومين قاصدين، أو مسيرة يوم وليلة بالسير الحثيث, أو أربعة بُرُد ١٦ فرسخا ٤٨ ميلا هاشميا.
الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت من رسول الله ﷺ : «لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها، أو ذو مَحْرَم» (١).
الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حُرْمَة» (٢).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أطلق السفر على مسيرة يومين أو يوم وليلة، فلفظ السفر وإن جاء مجملا في الآية -التي ستأتي معنا إن شاء الله- وبعض الأحاديث النبوية، إلا أن هذه الأحاديث وما ورد في معناها تعتبر مفسرة له.
ولا اختلاف بين ما جاء في تحديده باليوم والليلة في بعض الروايات، وتحديده باليومين في أخرى؛ إذ المقصود بمسيرة اليوم والليلة: إذا كانت الدابة سريعة، مع الجِدّ في السير، وكان الوقت صيفا، وأما المقصود بمسيرة اليومين والليلتين: إذا ما كانت الدابة ثقيلة بطيئة، ولم يكن هناك جِدّ في السير. والدليل أنهم لم يختلف تقديرهم للمسافة في القولين، إذ حددوها في كليهما بأربعة برد، ثمانية وأربعين ميلا (٣).
الدليل الثالث: عن عطاء بن أبي رباح: «أن ابن عمر وابن عباس ﵄ كانا يُصَلِّيان ركعتين, ويفطران في أربعة بُرُد فما فوق ذلك» (٤).
стр. 220
الدليل الرابع: وعن عطاء, قال: سئل ابن عباس: أأقصر الصلاة إلى عَرَفة (١)؟ ، فقال: «لا ولكن إلى عُسْفان وإلى جُدَّة وإلى الطائِف (٢)» (٣).
الدليل الخامس: عن ابن عمر ﵄: «أنه قصر في أربعة برد» (٤).
الدليل السادس: عن ابن عمر ﵁: «أنه كان يقصر في مسيرة اليوم التام» (٥).
وجه الاستدلال: "مسيرة اليوم التام بالسير الحثيث هي أربعة برد أو نحوها" (٦).
الدليل السابع: عن نافع: «أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة» (٧).
أدلة القول الثالث: يجوز الفطر في كل سفر تُعورِف على أنه سفر.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٨).
стр. 221
وجه الاستدلال من الآية: أن الله قد رتب أحكام القصر على السفر، والسفر ورد مطلقا في هذه الآية غير مقيد، فيبقى على إطلاقه متناولا كل ضرب في الأرض (١).
الدليل الثاني: عن أنس ﵁: «أن النبي ﷺ كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين» (٢).
وجه الاستدلال: أن هذا الحديث ذكره أنس ﵁ تحديدا للمسافة التي كان النبي ﷺ إذا خرج إليها قصر الصلاة (٣).
الدليل الثالث: عن شُرَحْبِيل بن السِّمط (٤) أنه خرج إلى قرية على رأس سبعة عشر، أو ثمانية عشر ميلا، فصلى ركعتين، فقيل له, فقال: رأيت عمر ﵁ صلى في ذي الحليفة (٥) ركعتين، فقلت له, فقال: «إنما أفعل كما رأيت رسول الله ﷺ يفعل» (٦).
وجه الاستدلال: أن عمر ¢ قد نسب هذا الفعل إلى رسول الله ﷺ , فيكون هذا هو هديه ﷺ في السفر.
الدليل الرابع: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا سافر فرسخا قصر الصلاة» (٧).
стр. 222
الدليل الخامس: عن دِحْيَة بن خَلِيفة (١) ﵁ أنه خرج من قرية من دِمَشق (٢) مرة إلى قدر قرية عُقبة (٣) من الفُسْطاط (٤)، وذلك ثلاثة أميال في رمضان، ثم أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: «والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أني أراه، إن قوما رَغِبُوا (٥) عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه»، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك (٦).
الدليل السادس: عن ابن عمر ﵁ قال: «لو سافرت ميلا لقصرت» (٧).
وفي رواية: «إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر»، يعني: من الصلاة (٨).
стр. 223
الراجح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثاني: أنه لا يحل الفطر في أقل من مسيرة يومين قاصدين، أو مسيرة يوم وليلة بالسير الحثيث, أو أربعة بُرُد ١٦ فرسخ ٤٨ ميلا هاشميا، والأفضل ترك التحديد بمسيرة الأيام والاكتفاء بمسافة أربعة برد, ما يساوي تقريبا (٨٨) كيلومتر؛ وذلك لأمور:
الأول: لأن التمسك بالتحديد الزمني، دون وضع معيار ثابت بالمقادير المساحية، كالأميال والكيلومترات وغيرها، يقلل الفائدة من العمل بهذه الرخصة وخصوصا بعد أن تطورت وسائل المواصلات في العصر الحديث تطورا يكاد يكون مذهلا، إذ ما كان يقطع في يوم ويومين وثلاث، فيما مضى صار الآن يقطع بالسيارات العادية في أقل من ساعة. فمعنى ذلك أن المسلم لا يتاح له العمل بالرخصة الآن إلا إذا سافر عدة آلاف من الأميال، كما أنه لن يستفيد من الرخصة إذا ما سافر بالطائرات (١).
الثاني: ولأن التمسك بمسافة أربعة برد امتاز بالوضوح فقد حددت فيه المسافة بمقياس مساحي وهو أربعة برد. وأن هذا القياس ارتكز على علامات مادية يمكن الرجوع إليها للتأكد من مقداره وضبطه؛ وهو من مكة إلى عُسْفان، ومن مكة إلى الطائف، ومن مكة إلى جُدَّة.
وقد نقل عن الإمام مالك أنه ترك التحديد بمسيرة الأيام, وتمسك بتحديد المسافة بأربعة برد، فقد سئل عن الرجل يخرج إلى ضَيْعَتِه (٢) على ليلتين أيقصر صلاة؟ قال: نعم، وأَبْيَن من ذلك، البرد والفراسخ والأميال، على كم ضيعته منه من ميل أو فرسخ؟ . فقال: على خمسة عشر فرسخا فذلك خمسة وأربعون ميلا، فقال: نعم أرى أن تقصر الصلاة إلى مسيرة ذلك. الصلاة تقصر في مسيرة أربعة برد، وذلك ثمانية وأربعون ميلا، وهذا منه قريب، فأرى أن يقصر الصلاة إلى مسيرة ذلك (٣).
الثالث: ولأنه الذي صح عن ابن عباس وابن عمر ﵄.
стр. 224
الرابع: ولأن الأخذ بهذا التحديد، فيه الأخذ بالأحوط؛ إذ لم يخرج عنه إلا من قال بتحديد مسيرة ثلاثة أيام. وسيجاب عن دليلهم الذي استدلوا به إن شاء الله.
وأما ما استدل به أصحاب القولين الآخرين فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما الجواب عن ما استدل به الحنفية من تحديد مدة السفر بثلاثة أيام, فيجاب عنه:
أما استدلالهم بحديث المسح على الخُفَّيْن (١) , فيجاب عنه:
أنه إنما سيق لبيان أكثر مدة المسح، لا لتحديد مدة السفر، فلا يصح الاحتجاج به هاهنا (٢).
والدليل أن الصحابي الجليل خزيمة بن ثابت ¢ فهم ذلك من ترخيصه ﷺ ، فقال: «وايْم الله لو مضى السائل في مسألته لجعلها خمسا» (٣).
وأما استدلالهم بنهي المرأة عن السفر بلا محرم مدة ثلاثة أيام فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: إن هذا الحديث قد ورد بعدة روايات، فالتمسك بإحداها دون بقيتها فيه تحكم، إلا إذا كان هناك ما يرجح رواية على الأخرى. والذي يترجح هنا رواية يوم وليلة، ورواية يومين؛ لأن النبي ﷺ قصد أقل ما يكون سفرا، وكانت الثمانية والأربعون ميلا هو المقدار الذي يسار في هذه المدة على السير المعتاد (٤).
الوجه الثاني: ولأن عدم وجود تقدير مساحي لتحديد هذه المسافة بالأميال أو الفراسخ أو البرد، جعل التحديد الزمن بمسيرة ثلاثة أيام قليل الفائدة، خاصة في هذا العصر الذي صارت تقطع فيه المسافات الطوال في الساعات المعدودات.
ثانيا: وأما ما استدل به أصحاب القول الثالث من أن السفر جاء مطلقا في الكتاب، فيجاب عنه:
стр. 225
أن لفظ السفر وإن جاء مطلقا في الكتاب الكريم، وفي السنة المطهرة، إلا أن الرسول ﷺ أوضح المراد منه، في منعه المرأة من السفر بدون زوج أو محرم مدة معينة، كما جاء في الأحاديث التي ذُكرت (١).
فعُلِم من ذلك أن أدنى المسافة التي يطلق عليها لفظ السفر، هي مسيرة هذه المدة من الزمن.
وقد فهم الصحابة الكرام هذا المعنى: فعن ابن عباس ﵄ قال: «إذا سافرتَ يوما إلى العشاء فأَتِمَّ الصلاة, فإن زِدتَ فاقصُر» (٢).
ثالثا: وأما استدلالهم بحديث أنس ¢, فيجاب عنه:
أنه ليس معناه أن غاية سفره ﷺ كانت ثلاثة أميال أو فراسخ، بل معناه أنه ﷺ كان إذا سافر سفرا طويلا فتباعد ثلاثة أميال قصر (٣).
وذلك عند توجهه إلى مكة كما جاء في بعض طرق الحديث عند البخاري (٤).
فيكون مقدار الثلاثة أميال أو الثلاثة فراسخ الواردة في حديث أنس ﵁ هي بداية القصر، وليست هي مقدار المسافة التي تناط بها الرخصة (٥).
رابعا: وكذا يجاب عن فعل عمر ﵁ (٦).
خامسا: وأما استدلالهم بحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «أن النبي ﷺ كان إذا سافر فرسخا قصر الصلاة» , فيجاب عنه:
أنه حديث لا يصح (٧).
стр. 226
سادسا: وأما ما ورد من قول ابن عمر ﵄، أنه يقصر في سفر ساعة ونحو ذلك مما يتعارض مع التحديد السابق: فإن التحديد بأربعة برد هو أصح الروايتين عن ابن عمر ﵄ (١).
ثم إنه قد جاء عن ابن عمر ﵁، أنه كان يخرج إلى الغَابة (٢) فلا يفطر ولا يقصر (٣).
سابعا: وأما ما جاء في قصة دِحية ﵁ فيجاب عنه:
أن الحديث في صحته كلام، وعلى فرض صحته، فإن دحية ¢ لم يذكر فيه أن رسول الله ﷺ أفطر في قصير السفر، إنما قال إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ , ولعلهم إنما رغبوا عن قبول الرخصة في الافطار أصلا (٤). والله أعلم.
стр. 227
المطلب الرابع: حكم إفطار المسافر الذي استهل عليه رمضان وهو مقيم .
اختيار الشيخ: اختار جواز إفطار المسافر الذي استهل عليه رمضان وهو مقيم، فقال: "والحديث نص في الجواز إذ لا خلاف في أنه ﷺ استهل رمضان في عام غزوة الفتح وهو بالمدينة، ثم سافر في أثنائه" (١).
تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة، فأَهلّ عليه شهر رمضان وهو في سفره، أنه إن أفطر فلا إثم عليه (٢).
واختلفوا في من استهل عليه شهر رمضان وهو مقيم، ثم بدا له أن يسافر أثناء الشهر، هل له الفطر أم يلزمه الصيام في سفره؟ على قولين:
القول الأول: يلزمه الصوم في سفره، وليس له الفطر.
وقال به: ابن عباس, وعلي ابن أبي طالب, ﵄ (في رواية عنهما) , وعائشة ﵂ (٣) , وسُوَيْد بن غَفَلَة (٤) , وعُبَيْدَة السَّلْماني (٥) , وأبو مِجْلَز (٦)(٧).
стр. 228
القول الثاني: أن له الفطر في سفره ذلك.
وبه قال: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤).
وهو قول: ابن عباس, وعلي بن أبي طالب, ﵃ (في الرواية الثانية عنهما) (٥) , والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وإسحاق بن راهويه (٦).
وهو قول: جمهور أهل العلم (٧)، وهو اختيار الشيخ.
سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم؛ اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٨)؛ وذلك أنه يحتمل أن يفهم منه أن من شهد بعض الشهر فالواجب عليه أن يصومه كله. ويحتمل أن يفهم منه أن من شهد أن الواجب أن يصوم ذلك البعض الذي شهده" (٩).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يلزمه الصوم في سفره وليس له الفطر.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١٠).
وجه الاستدلال: أن معنى الآية: من حضر دخول الشهر، وكان مقيما في أوله، وجب عليه صيام كل الشهر، سافر بعد ذلك أو أقام، وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر (١١).
стр. 229
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾: «فإذا شهده وهو مقيم فعليه الصوم، أقام أو سافر. وإن شهده وهو في سفر، فإن شاء صام وإن شاء أفطر» (١).
الدليل الثالث: عن علي ﵁ قال: «إذا أدركه رمضان وهو مقيم، ثم سافر فليصم» (٢).
الدليل الرابع: عن أم ذَرَّة (٣) قالت: أتيت عائشة ﵂، فقالت: «من أين جئت؟ »، فقلت: من عند أخي، فقالت: «ما شأنه؟ »، قلت: ودعته، يريد أن يرتحل، قالت: «وأقرئيه مني السلام، ومُري به فليُقِم، فلو أدركني وأنا ببعض الطريق، لأَقَمت» , يعني رمضان (٤).
وجه الاستدلال: أن عائشة ﵂ أمرت من استهل عليه شهر رمضان وهو مقيم، بأن لا يسافر؛ لأنه لا يمكنه الترخص بالإفطار.
الدليل الخامس: لأنه لمّا استهل عليه الشهر في الحضر ولزمه صوم الإقامة، وهو: صومُ الشهر كاملا حتما، أراد بسفره هذا إسقاط الصوم عن نفسه، فيُمنَعُ من ذلك، كما مُنِعَ من الفطر في اليوم الذي كان مقيما فيه ثم سافر (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن له الفطر في سفره ذلك.
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦).
وجه الاستدلال: أن الله قد جعل مطلق السفر سببا لرخصةِ الفطر، والسبب في هذه الرخصة هو المشقة، وهي ثابتة على كل حال، سواء سافر أثناء الشهر أو سافر قبل استهلاله (٧).
стр. 230
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: «خرج رسول الله ﷺ عام الفتح في شهر رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر وأفطر الناس» (١).
وجه الاستدلال: هذا الحديث نص في جواز فطر المسافر الذي استهل عليه شهر رمضان وهو مقيم وبيانه: أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة خلال شهر رمضان، أي بعد أن استهل عليه الشهر وهو مقيم صائم بالمدينة، ومع ذلك فقد أفطر في بعض مراحل سفره (٢).
الدليل الثالث: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم» (٣).
وجه الاستدلال: أن أبا سعيد الخدري ﵁ يخبر أنهم خرجوا للغزو، بعد أن كان قد استهل عليهم شهر رمضان. فمنهم من أفطر في سفره ذلك، ومنهم من صام، ولم يعب بعضهم على بعض. ولا شك أن النبي ﷺ قد علم بصنيعهم، ولم ينكر عليهم.
الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵁: «أنه خرج في رمضان فأفطر» (٤).
وجه الاستدلال: أن ابن عمر ﵁ خرج مسافرا بعد أن استهل عليه شهر رمضان، ومع هذا فقد أفطر.
الدليل الخامس: ولأن صوم الشهر عبادات متفرقة، وإنما يلزمه الأداء باعتبار اليوم الذي كان مقيما في شيء منه دون اليوم الذي كان مسافرا في جميعه، قياسا على الصلوات (٥).
стр. 231
الترجيح: الذي يترجح -إن شاء الله- هو القول الثاني: أنه يجوز إفطار من سافر بعد أن استهل عليه شهر رمضان؛ وذلك لقوة أدلتهم وصراحتها ودلالتها على المطلوب، وحديث ابن عباس ﵄ في سفره ﷺ أثناء رمضان وفطره، نص في جواز ذلك.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بالآية فيناقش من ثلاثة وجوه:
الأول: أن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (عام) (١) يدخل فيه الحاضر والمسافر، وقوله بعد ذلك: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (خاص) (٢) , "والخاص مقدم على العام" (٣). فثبت أنه وإن سافر بعد شهود الشهر فإنه يحل له الإفطار (٤).
الثاني: أن الله قد أمر من شهد الشهر كله أن يصومه، ولا يقال لمن شهد بعض الشهر أنه شهد الشهر (٥).
الثالث: أن معنى الآية: أن من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما، فإن سافر أفطر (٦).
ثم إن السُنَّة قد بينت معنى الآية، فإن الرسول ﷺ قد بيَّن المراد منها بفعله في غزوة الفتح، إذ صام أول الشهر بالمدينة، وخرج منها صائما حتى بلغ الكديد ثم أفطر، فكان فعله ﷺ في هذه الغزوة -وكانت في العام الثامن من الهجرة- يعتبر من التشريعات المحكمة؛ لأن الصحابة كانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ﷺ .
стр. 232
فهذه الأحاديث الواردة في محل النزاع تقطع كل احتمال يتوهمه البعض من الآية وترفع كل لَبْس قد يحوم حول دلالتها على عموم الرخصة، سواء لمن شهد بداية الشهر مقيما أو مسافرا (١).
ثانيا: أما ما نقل عن علي ﵁ من القول بوجوب إتمام الشهر صائما, فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن الأثر لا يصح عن علي ﵁، كما نقله ابن حجر (٢) عن ابن المنذر (٣).
الثاني: وعلى فرض صحة الأثر: فلعله كان اجتهادا منه, ومعلوم أن النص الثابت عن رسول الله ﷺ قولا أو فعلا أقوى من اجتهاد الصحابي مهما كان قدره (٤).
ثالثا: وأما ما نقل عن عائشة ﵂ , فيجاب عنه:
أنه لا دلالة فيه؛ لأن عائشة ﵂ تقول: «فلو أدركني وأنا ببعض الطريق، لأقمت»، ونحن مسألتنا إذا أدركه وهو مقيم ثم سافر. ولعل أم المؤمنين عائشة ﵂ كانت تكره السفر في رمضان مطلقا؛ لما في صومه من عظيم الثواب، وما في قيام ليله من المغفرة والرحمة. فالمسافر وإن رخص له في الفطر، لكنه سيفوته ثواب الصيام في نفس الشهر، وسيفوته قيام ليله المؤدي للمغفرة والرحمة، مما ينبغي الحرص عليه (٥).
والله أعلم.
стр. 233
المطلب الخامس: حكم إفطار المسافر بعد أن كان قد شرع في الصيام .
اختيار الشيخ: اختار جواز إفطار المسافر بعد أن كان قد شرع في الصيام، فقال: "قلت: والراجح عندي في المسألتين هو ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه, والله تعالى أعلم" (١).
تحرير محل الخلاف: سبق أن عرفنا أن عامة أهل العلم يجيزون الفطر والصيام للمسافر في شهر رمضان (٢).
واختلفوا في حكم من كان في سفر، وشرع في الصيام ثم بدا له أن يفطر، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجوز له الفطر.
وبه قال: الحنابلة (٣) , وابن حَبِيب (٤) , ومُطَرّف من المالكية (٥) , وهو الصحيح عند الشافعية (٦)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: لا يجوز له الفطر لكن إن أفطر لا كفارة علي.
وبه قال: الحنفية (٧) , وقول عند المالكية (٨) , ووجه عند الشافعية (٩).
القول الثالث: لا يجوز له الفطر فإن أفطر فعليه الكفارة.
стр. 234
وبه قال: مالك في رواية ابن القاسم (١)(٢)، وهو المشهور من المذهب (٣).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم راجع إلى أمرين:
السبب الأول: هل الصوم في السفر يكون كجزء واحد لا يتجزأ، فلا يصح الإفطار، أو كل جزء منه قائم بنفسه، فيكون السفر مبيحا للفطر في كل وقت (٤).
السبب الثاني: هل فطر النبي ﷺ في سفره بعد أن بيت الصيام هو دليل على الإباحة عموما، أو هو دليل على الإباحة للمضطر دون المختار؟ (٥).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يجوز له الفطر.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦).
وجه الاستدلال: أن الله قد أباح للمسافر الفطر، ولم يفرق بين من كان قد نوى الصيام في سفره ذلك ثم أفطر، وبين من كان قد نوى فطر ذلك اليوم.
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكَديد أفطر، فأفطر الناس» (٧).
الدليل الثالث: عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام؟ فقال: «أولئك العصاة! أولئك العصاة! » (٨).
стр. 235
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد أفطر بعد أن كان متلبسا بالصيام، فدل على جواز ذلك (١).
قال ابن عبد البر (٢): "فهذه الآثار كلها تبين لك أن للصائم أن يفطر في سفره بعد دخوله في الصوم، مختارا له في رمضان" (٣).
الدليل الرابع: عن أبي سعيد ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ على نهر من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة, ونبي الله ﷺ على بغلة له، فقال: «اشربوا أيها الناس»، قال: فأبوا، قال: «إني لست مثلكم إني أيسركم، إني راكب»، فأبوا، فثنى رسول الله ﷺ فخذه فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب (٤).
وجه الاستدلال: أن هذا نص صريح في جواز إفطار المسافر بعد أن كان قد نوى الصيام؛ لأن النبي ﷺ أفطر بعد أن كان قد شرع في الصيام وأمر الناس بذلك (٥).
الدليل الخامس: عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمر الظهران (٦)، فأُتِي بطعام، فقال لأبي بكر وعمر: «ادنوا فكلا» , فقالا: إنا صائمان. فقال: «اعملوا لصاحبيكم، ارحلوا لصاحبيكم (٧)، ادنوا فكلا» (٨).
стр. 236
وجه الاستدلال: في هذا الحديث دليل على أن للصائم في السفر الفطر بعد مضي بعض النهار (١)؛ لأن النبي ﷺ أمر أبا بكر وعمر ﵄ بالفطر بعد أن أخبراه بصومهما.
الدليل السادس: وقياسا على المريض؛ فكما أجزنا للمريض الإفطار بعد تلبسه بالصيام لوجود العذر، فكذلك نجيز للمسافر الفطر بعد تلبسه بالصيام لوجود العذر (٢).
أدلة القول الثاني: القائلين لا يجوز له الفطر لكن إن أفطر لا كفارة عليه.
الدليل الأول: قياسا على الصلاة؛ فكما لا يجوز له أن يترخص بقصر الصلاة إذا دخل فيها بنية الإتمام، فكذا لا يجوز للمسافر الترخص بالفطر إذا دخل فيه بنية الإتمام (٣).
الدليل الثاني: ولأنه أفطر في صوم رمضان، فلزمه القضاء كما لو كان حاضرا (٤).
الدليل الثالث: ولأنه ليس في حديث ابن عباس ﵁ الذي فيه إفطار النبي ﷺ بالكديد دلالة على أنه ﷺ نوى الصيام في ليلة اليوم الذي أفطر فيه، فيحتمل أن يكون نوى أن يصبح مفطرا، ثم أظهر الإفطار ليفطر الناس (٥).
أدلة القول الثالث: القائلين بأنه لا يجوز له الفطر فإن أفطر فعليه الكفارة.
الدليل الأول: لأن المفطر كانت له السعة في أن يفطر أو يصوم، فإذا صام فليس له أن يخرج منه إلا بعذر من الله، فإن أفطر متعمدا كانت عليه الكفارة (٦).
الدليل الثاني: لأن الله تعالى خير العبد بين الفطر والصوم، فأيهما اختار لزمه أحكامه. ومن أحكام الصوم: الكفارة على الإفساد (٧).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يجوز له الفطر؛ وذلك لصحة أدلتهم، ولأنها نص في محل النزاع ودلالتها على جواز فطر الصائم المسافر بعد أن كان نوى الصيام واضحة، ولضعف ما استدل به أصحاب القولين الآخرين، وبيانه كالتالي:
стр. 237
أولا: أما إيجاب الكفارة عليه: فقد أجاب المالكية أنفسهم على ذلك.
فقال ابن عبد البر: "الحجة في سقوط الكفارة واضحة من جهة النظر؛ لأنه متأول غير هاتك لحرمة صومه عند نفسه، وهو مسافر قد دخل في عموم إباحة الفطر. ومن جهة الأثر أيضا" (١).
ثم ذَكَر حديث فطره ﷺ وصحابته الكرام في حديث فتح مكة السابق.
وقال الباجي: "ولأن صومه انعقد في حالة أُبيح له تركه، فلم يجب عليه كفّارة؛ كما لو أفطر في قضاء رمضان" (٢).
ثانيا: وأما من منعه من الفطر, فيجاب عنه بما يلي:
أما قياسهم الصيام على الصلاة فيجاب عنه: أن بينهما فرقا, وذلك: أن من دخل في الصلاة تامة فإنه قد التزم الإتمام، فلم يجز له القصر؛ لئلا يذهب ما التزمه لا إلى بدل.
وأما المسافر إذا صام ثم افطر، فلا يترك الصوم إلا إلى بدل وهو القضاء، فجاز له ذلك، مع دوام عذره (٣).
وأما قولهم: إنه ليس في حديث ابن عباس ﵁ الذي فيه إفطار النبي ﷺ بالكديد دلالة على أنه ﷺ نوى الصيام في ليلة اليوم الذي أفطر فيه، فيحتمل أن يكون نوى أن يصبح مفطرا، ثم أظهر الإفطار ليفطر الناس. فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن سياق الأحاديث ظاهر في أنه ﷺ كان أصبح صائما ثم أفطر (٤).
والثاني: على التسليم بأنه ﷺ لم ينو ليلا، فماذا يقال في حق الصحابة ﵃، فإنهم أفطروا بعد ما نووا الصيام بلا شك كما سبق (٥). والله أعلم.
стр. 238
المطلب السادس: حكم إفطار من سافر بعد طلوع الفجر .
اختيار الشيخ: اختار جواز إفطار من سافر بعد طلوع الفجر، فقال: "قلت: والراجح عندي في المسألتين هو ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه والله تعالى أعلم" (١).
تحرير محل الخلاف: اتفق عامة أهل العلم على أن من استهل عليه رمضان وهو مقيم ثم سافر فله الفطر (٢).
واتفقوا على أن المقيم الصائم إذا أراد السفر وفارق البنيان قبل الفجر فله أن يفطر يومه ذلك (٣).
واختلفوا إذا سافر بعد الفجر، فهل له أن يفطر يومه ذلك؟ على قولين:
القول الأول: لا يباح له الفطر ذلك اليوم.
وبه قال: الحنفية (٤) , والمالكية (٥) , والشافعية في المذهب (٦) , ورواية عن أحمد (٧).
القول الثاني: يباح له الفطر ذلك اليوم.
وبه قال: الحنابلة في المذهب (٨) , والمزني من الشافعية (٩)، وهو اختيار الشيخ.
سبب الخلاف: لاختلافهم في هذه المسألة سببان والله أعلم:
السبب الأول: هل يقاس المسافر على المريض أو على المصلي؟ فالمريض يجوز له الفطر وإن صام أول اليوم، والمسافر لا يجوز له القصر إن افتتح صلاته حضرية ثم شرع في السفر (١٠).
السبب الثاني: هل تُنزَّل على من سافر بعد الفجر أحكام السفر، أو أحكام الإقامة؟ (١١).
стр. 239
أدلة القول الأول: القائلين لا يباح له الفطر ذلك اليوم.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١).
وجه الاستدلال: دلت الآية على أن من أصبح مقيما صائما ثم سافر أنه لا يجوز له الإفطار في يومه ذلك؛ لأنه أمر بإتمام الصيام إلى الليل، ولم يفرق بين من سافر بعد الدخول في الصوم وبين من أقام (٢).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣).
وجه الاستدلال: فقوله تعالى: ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ بمعنى: في سفر؛ فيفرق بين اليوم الذي فيه السفر وبين ثانيه، وكأن اليوم الذي سافر فيه لم يتخلص للسفر بكليته، بل هو معظمه الذي هو محل انعقاد الصيام، فخلص للحضر، فإذا أَطال في السفر وأصبح فيه، فعند ذلك يكون من أهل التخيير، ويُشبَّه بالمريض، ويباح له حينئذ أن يبيت الفطر إن شاء (٤).
الدليل الثالث: وأخذا بالاحتياط؛ لأن الإقامة إذا اختلط حكمها بحكم السفر غُلِّب حكم المقام (٥).
الدليل الرابع: وقياسا على الصلاة؛ وذلك أن الصوم عبادة تختلف بالحضر والسفر، فإذا تَلبَّس بها في الحضر ثم سافر كان عليه إتمامها حضرية، كالصلاة إذا افتتحها حضرية ثم شرع في السفر لم يجز له القصر (٦).
أدلة القول الثاني: القائلين يباح له الفطر ذلك اليوم.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٧).
стр. 240
وجه الاستدلال: أن الجميع متفقون أن المريض يجوز له الفطر وإن افتتح يومه صائما، وقد ذكر الله المرض والسفر مقرونين وتابع بينهما في نسق؛ فبين أن أحدهما حكمه حكم الآخر في إباحة الإفطار (١).
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكديد أفطر، فأفطر الناس» (٢).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد أفطر في اليوم الذي سافر فيه (٣).
قال القرطبي (٤): "وهذا نص في الباب، فسقط ما خالفه" (٥).
الدليل الثالث: عن محمد بن كَعْب (٦) أنه قال: «أتيت أنس بن مالك ﵁ في رمضان وهو يريد السفر، وقد رحلت دابته ولبس ثياب السفر، وقد تقارب غروب الشمس، فدعا بطعام فأكل منه، ثم ركب. فقلت له: سُنَّة؟ قال: نعم» (٧).
стр. 241
الدليل الرابع: عن عبيْد بن جبْر (١) أنه قال: «ركبت مع أبي بصرة الغفاري (٢) صاحب رسول الله ﷺ سفينة من الفُسْطاط في رمضان، فدفع فقرب غداؤه, ثم قال: اقترب. فقلت: ألست ترى البيوت؟ , فقال أبو بصرة: أَرَغِبت عن سُنَّة رسول الله ﷺ ؟ ! » (٣).
الدليل الخامس: عن دِحية بن خليفة ﵁: «أنه خرج من قرية من دمشق مرة إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال في رمضان، ثم أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أني أراه، إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك» (٤).
وجه الاستدلال: أن أحاديث: أنس بن مالك، وأبي بصرة الغفاري، ودحية الكلبي ﵃، صريحة في أن من أنشأ السفر في أثناء يوم من رمضان فله الفطر فيه (٥).
الدليل السادس: وقياسا على المريض؛ لأن من أصبح صائما صحيحا، ثم اعتل فإن له أن يفطر بقية يومه، وكذلك الصائم إذا أصبح في الحضر، ثم خرج إلى السفر فله كذلك أن يفطر (٦).
стр. 242
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: جواز الفطر لمن سافر بعد الفجر؛ وذلك لقوة ما استدل به أصحاب هذا القول؛ ولأن النصوص الدالة على إباحة الفطر للمسافر مطلقة (١).
ولأنه عمل الصحابة الكرام ﵃، ولعدم وجود دليل صحيح صريح يحرم فطر من سافر بعد الفجر.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فيجاب عنه:
أن الخطاب في الآية موجه للمقيم، وهذا مسافر.
ثانيا: وأما قولهم: أخذا بالاحتياط، فيجاب عنه:
أن الاحتياط هو ما دلت عليه السُنَّة, وليس الاحتياط هو الأخذ بالأشد, قد يكون الأخذ بالأيسر هو الاحتياط. فالاحتياط موافقة الشرع، ولا يمكن التضييق على المكلفين وتحريم ما أحل الله لهم بغير دليل (٢).
ثالثا: وأما قياسهم الصيام على الصلاة فيجاب عنه: أن الصيام يفارق الصلاة؛ لأنها آكد, فالمسافر يشق عليه الصيام ولا يشق عليه إتمام الصلاة، والمسافر يجوز له الانتقال من الصوم إلى الفطر بينما لا يجوز للمصلي متى وجب إتمام الصلاة عليه أن يقصرها (٣).
والله أعلم.
стр. 243
الفصل الثالث: في المفطرات وما يجتنبه الصائم، وفي الكفارة وخصالها
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في المفطرات وما يجتنبه الصائم.
المبحث الثاني: في الكفارة، وخصالها.
стр. 244
المبحث الأول: في المفطرات وما يجتنبه الصائم
وفيه أربعة عشر مطلبا:
المطلب الأول: حكم الحجامة للصائم.
المطلب الثاني: حكم الفصد للصائم.
المطلب الثالث: حكم المباشرة للصائم.
المطلب الرابع: حكم التقبيل للصائم.
المطلب الخامس: حكم الاستياك للصائم.
المطلب السادس: حكم الاكتحال للصائم.
المطلب السابع: حكم الوصال في الصيام.
المطلب الثامن: حكم من أكل أو شرب ناسيا وهو صائم.
المطلب التاسع: حكم من استقاء عمدا وهو صائم.
المطلب العاشر: حكم انغماس الصائم في الماء.
المطلب الحادي عشر: في الأكل والشرب للمتسحر.
المطلب الثاني عشر: حكم صيام من أدركه الفجر وهو جنب من احتلام أو جماع.
المطلب الثالث عشر: حكم صيام الحائض والنفساء إذا طهرت قبل الفجر ولم تغتسل إلا بعد الفجر.
المطلب الرابع عشر: هل الغيبة وقول الزور يفسدان الصيام؟ .
стр. 245
المطلب الأول: حكم الحِجامَة (١) للصائم.
اختيار الشيخ: اختار أن الحجامة لا تُفَطِّر ولكن يستحب تركها، فقال: "وحينئذ فيندب تركها (أي الحجامة) كالفَصْد (٢) ونحوه؛ تَحرُّزا عن إضعاف البدن" (٣).
تحرير محل الخلاف: أجمع العلماء على أنه يجب على الصائم الإمساك زمان الصوم عن المطعوم والمشروب والجماع (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٥).
واتفقوا أن خروج دم الحيض والنِفاس مفسد للصيام (٦).
واختلفوا في الحجامة هل تُفطِّر الصائم أم لا؟ ، على قولين:
القول الأول: أن الحجامة لا تُفطِّر الصائم.
وبه قال: الحنفية (٧) , والمالكية (٨) , والشافعية (٩)، والظاهرية (١٠)، وهو اختيار الشيخ.
стр. 246
وقال به من الصحابة: أم سلمة, وعبد الله بن عباس, وأبو سعيد الخدري, وأنس بن مالك, وعبد الله بن مسعود, وسعد بن أبي وقاص, ﵃ (١).
القول الثاني: أن الحجامة تُفطِّر الحاجم والمحتجم وعليهما القضاء.
وبه قال: الحنابلة (٢) , وإسحق بن راهويه (٣) , والأوزاعي (٤).
وقال به: علي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري, وعائشة, ﵃ , وابن سيرين, والحسن البصري, وعطاء (٥).
سبب الخلاف:
قال ابن رشد: "وسبب اختلافهم: تعارض الآثار الواردة في ذلك" (٦).
أدلة القول الأول: القائلين بأن الحجامة لا تُفطِّر الصائم.
الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم» (٧).
وفي رواية: «احتجم رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة وهو صائم محرم» (٨).
стр. 247
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ احتجم في حجة الوداع وهو صائم؛ لأن ابن عباس ¢ لم يصحبه ﷺ في سفره وهو محرم إلا في حجة الوداع، فدل على جواز الحجامة للصائم، وأنها لا تُفَطِّر.
قال ابن عبد البر: "فابن عباس شهد معه حجة الوداع، وشهد حجامته يومئذ محرم صائم. فإذا كانت حجامته ﷺ عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة؛ لأنه لم يدرك بعد ذلك رمضان؛ لأنه توفي في ربيع الأول ﷺ " (١).
الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ قال: «أول ما كُرِهت الحجامة للصائم، أن جعفر بن أبي طالب (٢) ﵁ احتجم وهو صائم، فمر به النبي ﷺ ، فقال: «أفطر هذان»، ثم رخص النبي ﷺ بعد في الحجامة للصائم»، «وكان أنس يحتجم وهو صائم» (٣).
الدليل الثالث: عن أبي سعيد ﵁ قال: «رَخَّص النبي ﷺ في القُبلة للصائم، ورخَّص في الحجامة للصائم» (٤).
وجه الاستدلال: في الحديث دليل على أن الفطر بالحجامة منسوخ؛ لأن الرخصة تأتي بعد العزيمة (٥).
стр. 248
الدليل الرابع: عن ثابت البُناني (١) قال: سئل أنس بن مالك ﵁: «أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد النبي ﷺ ؟ ، قال: لا؛ إلا من أجل الضعف» (٢).
الدليل الخامس: عن أبي سعيد ﵁ قال: «إنما كُرِهت للصائم من أجل الضعف» (٣).
الدليل السادس: عن أبي هريرة ﵁ قال: «يقولون: أفطر الحاجم والمحجوم؟ ، ولو احتجمتُ ما بالَيْتُ» (٤).
وجه الاستدلال: أن قول أبي هريرة ﵁ هذا يدل على أنه قد ثبت عنده الرخصة في الحجامة (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن الحجامة تُفطِّر الحاجم والمحتجم وعليهما القضاء.
الدليل الأول: عن ثَوْبان (٦) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٧).
стр. 249
الدليل الثاني: عن شَداد بن أَوْس (١) ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى على رجل بالبَقِيع (٢) وهو يحتجم, وهو آخذ بيدي, لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٣).
الدليل الثالث: عن رافع بن خَدِيج (٤) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» (٥).
وجه الاستدلال: أن الحديث نص في حصول الفطر بالحجامة (٦).
الدليل الخامس: عن سالم: «أن ابن عمر ﵁ كان يحتجم وهو صائم. فبلغه حديث أَوْس, فكان إذا كان صائما احتجم بالليل» (٧).
стр. 250
وجه الاستدلال: أن ابن عمر ﵄ ما كان ليترك الحجامة في النهار، ويؤخرها إلى الليل إلا لأنه فهم أنها تفسد الصوم، وأنه حُكمٌ غير منسوخ.
الدليل الرابع: عن أبي العالية (١)، قال: دخلت على أبي موسى الأشعري ﵁ وهو أمير البصرة ممسيا, فوجدته يأكل ثمرا وكامخا (٢) , وقد احتجم. فقلت له: ألا تحتجم نهارا؟ , فقال: «أتأمرني أن أهريق (٣) دمي وأنا صائم» (٤).
وجه الاستدلال: إنكار أبي موسى ﵁ على من أشار عليه بالحجامة في يوم الصيام، يدل على أنه كان يرى أنها مفسدة للصوم.
الدليل السادس: ولأن النبي ﷺ إنما احتجم وهو مُحْرِم صائم في السفر؛ لأنه لم يكن قط مُحْرِما مقيما ببلده, والمسافر إذا نوى الصوم له الفطر بالأكل والشرب والحجامة وغيرها؛ فلا يلزم من حجامته أنها لا تُفطِّر, فاحتجم ﷺ وصار مُفطِرا، وذلك جائز (٥).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن الحجامة لا تُفطِّر الصائم؛ وذلك لقوة ما استدلوا به؛ ولأن حديث ابن عباس ﵁ في احتجامه ﷺ ناسخ لأحاديث إفطار الحاجم والمحجوم.
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما حديث أفطر الحاجم والمحجوم فيجاب عنه بثلاثة أجوبة: