وقال به من الصحابة: أم سلمة, وعبد الله بن عباس, وأبو سعيد الخدري, وأنس بن مالك, وعبد الله بن مسعود, وسعد بن أبي وقاص, ﵃ (١).
القول الثاني: أن الحجامة تُفطِّر الحاجم والمحتجم وعليهما القضاء.
وبه قال: الحنابلة (٢) , وإسحق بن راهويه (٣) , والأوزاعي (٤).
وقال به: علي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري, وعائشة, ﵃ , وابن سيرين, والحسن البصري, وعطاء (٥).
سبب الخلاف:
قال ابن رشد: "وسبب اختلافهم: تعارض الآثار الواردة في ذلك" (٦).
أدلة القول الأول: القائلين بأن الحجامة لا تُفطِّر الصائم.
الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم» (٧).
وفي رواية: «احتجم رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة وهو صائم محرم» (٨).
стр. 247
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ احتجم في حجة الوداع وهو صائم؛ لأن ابن عباس ¢ لم يصحبه ﷺ في سفره وهو محرم إلا في حجة الوداع، فدل على جواز الحجامة للصائم، وأنها لا تُفَطِّر.
قال ابن عبد البر: "فابن عباس شهد معه حجة الوداع، وشهد حجامته يومئذ محرم صائم. فإذا كانت حجامته ﷺ عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة؛ لأنه لم يدرك بعد ذلك رمضان؛ لأنه توفي في ربيع الأول ﷺ " (١).
الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ قال: «أول ما كُرِهت الحجامة للصائم، أن جعفر بن أبي طالب (٢) ﵁ احتجم وهو صائم، فمر به النبي ﷺ ، فقال: «أفطر هذان»، ثم رخص النبي ﷺ بعد في الحجامة للصائم»، «وكان أنس يحتجم وهو صائم» (٣).
الدليل الثالث: عن أبي سعيد ﵁ قال: «رَخَّص النبي ﷺ في القُبلة للصائم، ورخَّص في الحجامة للصائم» (٤).
وجه الاستدلال: في الحديث دليل على أن الفطر بالحجامة منسوخ؛ لأن الرخصة تأتي بعد العزيمة (٥).
стр. 248
الدليل الرابع: عن ثابت البُناني (١) قال: سئل أنس بن مالك ﵁: «أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد النبي ﷺ ؟ ، قال: لا؛ إلا من أجل الضعف» (٢).
الدليل الخامس: عن أبي سعيد ﵁ قال: «إنما كُرِهت للصائم من أجل الضعف» (٣).
الدليل السادس: عن أبي هريرة ﵁ قال: «يقولون: أفطر الحاجم والمحجوم؟ ، ولو احتجمتُ ما بالَيْتُ» (٤).
وجه الاستدلال: أن قول أبي هريرة ﵁ هذا يدل على أنه قد ثبت عنده الرخصة في الحجامة (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن الحجامة تُفطِّر الحاجم والمحتجم وعليهما القضاء.
الدليل الأول: عن ثَوْبان (٦) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٧).
стр. 249
الدليل الثاني: عن شَداد بن أَوْس (١) ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى على رجل بالبَقِيع (٢) وهو يحتجم, وهو آخذ بيدي, لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٣).
الدليل الثالث: عن رافع بن خَدِيج (٤) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» (٥).
وجه الاستدلال: أن الحديث نص في حصول الفطر بالحجامة (٦).
الدليل الخامس: عن سالم: «أن ابن عمر ﵁ كان يحتجم وهو صائم. فبلغه حديث أَوْس, فكان إذا كان صائما احتجم بالليل» (٧).
стр. 250
وجه الاستدلال: أن ابن عمر ﵄ ما كان ليترك الحجامة في النهار، ويؤخرها إلى الليل إلا لأنه فهم أنها تفسد الصوم، وأنه حُكمٌ غير منسوخ.
الدليل الرابع: عن أبي العالية (١)، قال: دخلت على أبي موسى الأشعري ﵁ وهو أمير البصرة ممسيا, فوجدته يأكل ثمرا وكامخا (٢) , وقد احتجم. فقلت له: ألا تحتجم نهارا؟ , فقال: «أتأمرني أن أهريق (٣) دمي وأنا صائم» (٤).
وجه الاستدلال: إنكار أبي موسى ﵁ على من أشار عليه بالحجامة في يوم الصيام، يدل على أنه كان يرى أنها مفسدة للصوم.
الدليل السادس: ولأن النبي ﷺ إنما احتجم وهو مُحْرِم صائم في السفر؛ لأنه لم يكن قط مُحْرِما مقيما ببلده, والمسافر إذا نوى الصوم له الفطر بالأكل والشرب والحجامة وغيرها؛ فلا يلزم من حجامته أنها لا تُفطِّر, فاحتجم ﷺ وصار مُفطِرا، وذلك جائز (٥).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن الحجامة لا تُفطِّر الصائم؛ وذلك لقوة ما استدلوا به؛ ولأن حديث ابن عباس ﵁ في احتجامه ﷺ ناسخ لأحاديث إفطار الحاجم والمحجوم.
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما حديث أفطر الحاجم والمحجوم فيجاب عنه بثلاثة أجوبة:
стр. 251
الجواب الأول: أنه منسوخ ودليل النسخ أمران:
الأول: أن حديث شداد بن أوس ﵁ والذي فيه: «أفطر الحاجم والمحجوم»، كان في زمان الفتح. أما حديث ابن عباس ﵄ والذي فيه إثبات حجامة النبي ﷺ وهو صائم كان في حجة الوداع (١).
قال ابن عبد البر: "وصح النسخ فيها؛ لأن حجامته ﷺ صحت عنه وهو صائم محرم عام حجة الوداع، وقوله: «افطر الحاجم والمحجوم»، كان منه عام الفتح، في صحيح الأثر بذلك" (٢).
الثاني: ويدل على النسخ أيضا قوله في حديث أنس ﵁ السابق: «ثم رخص النبي ﷺ بعدُ في الحجامة»، وغالب ما يستعمل الترخيص بعد النهي (٣).
الجواب الثاني: أن حديث ابن عباس ﵄ أصح سندا، فوجب تقديمه (٤).
الجواب الثالث: أن معناه: تَعَرَضا للفطر، أما المحجوم: فلضعفه بخروج الدم، فربما لحِقَه مشقة فعجز عن الصوم فأفطر بسببها. وأما الحاجم: فقد يصل إلى جوفه شيء من الدم أو غيره إذا ضم شفتيه على قارورة الحجامة. كما يقال للمتعرض للهلاك: هَلَكَ فلان، وإن كان باقيا سالما. وكقوله ﷺ : «من ولي القضاء فقد ذُبِح بغير سكين» (٥)؛ أي: تعرض للذبح بغير سكين (٦).
ثانيا: وأما قولهم في حديث ابن عباس ﵄ إن النبي ﷺ احتجم وهو مسافر، والمسافر إذا نوى الصوم له الفطر بالأكل والشرب والحجامة، فيجاب عنه:
стр. 252
أن هذا التأويل غير صحيح؛ لأن ابن عباس ﵁ قد أثبت الصيام للنبي ﷺ حين احتجم؛ ولو أن الحجامة كانت قد أفسدت صومه ﷺ لقال: إنه ﷺ أفطر بالحجامة، كما يقال: أفطر الصائم بشرب الماء، وبأكل التمر، وما أشبه ذلك، ولا يقال: شَرِب الماء صائما، ولا أكل التمر وهو صائم (١).
ثالثا: وأما استدلالهم بأن الصحابة كانوا يؤخرون الاحتجام إلى الليل, فيجاب عنه:
بأن عمل الصحابة ليس صريحا في كونهم يرون الفطر بالحجامة. ولعل هذا التأخير إلى الليل خشية الضعف الذي يؤدي إلى الفطر، ويؤيد ذلك أن أنسا ﵁ وأبا سعيد ﵁ قد عللا ترك الصحابة للحجامة بذلك كما سبق.
والله أعلم.
стр. 253
المطلب الثاني: حكم الفصد للصائم .
اختيار الشيخ: اختار أن الفصد لا يُفسد الصيام، لكن يستحب تركه من أجل أن لا يضعف البدن، فقال: "وحينئذ فيندب تركها (أي الحجامة) كالفصد ونحوه؛ تحرزا عن إضعاف البدن" (١).
اختلف أهل العلم في حكم الفصد للصائم على قولين:
القول الأول: الفصد لا يفسد الصيام.
وبه قال جمهور أهل العلم من: الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة في المذهب (٥)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: أن الفصد يفسد الصوم.
وهو وجه عند: الحنابلة (٦) , اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٧).
سبب الخلاف: اختلافهم في قياس الفصد على الحجامة، وهل هي بمعناه أم لا؟ .
أدلة الجمهور: القائلين بأن الفصد لا يفسد الصيام.
أما أدلة الجمهور القائلين بأن الفصد لا يُفطِّر، فهي نفس أدلة الحجامة التي مرت معنا في المسألة السابقة صفحة (٢٤٦ وما بعدها)، فلا حاجة لإعادتها؛ وقاسوا الفصد عليها.
قال العيْني (٨): "فإن الحجامة كالفصد في خروج الدم من العِرْق، والفصد لا يفسد، وكذا الحجامة" (٩).
стр. 254
وقال النووي: "قال أصحابنا والفصد كالحجامة" (١).
وقال الحطاب (٢) -بعد قول المصنف (٣): "وحجامة مريض فقط"-: "ومثلها الفصادة" (٤).
وأما أدلة الحنابلة التي جعلتهم يفرقون بين الحجامة والفصد فهي:
أولا: لأن الحجامة ورد فيها النص بأنها تُفطِّر، وأما الفصد فلا نص فيه.
ثانيا: ولأنه لا يمكن إثبات قياس الفصد على الحجامة في الإفطار؛ لجواز أن يكون في الحجامة معنى اختصها دون غيرها.
ثالثا: ولأن الدم الخارج من البدن، منه ما يُفطِّر؛ كدم الحيض والنفاس، ومنه ما لا يُفطِّر؛ كدم الاستحاضة. ومنه ما يُستخرَج كدم الحجامة والفصد، فيجوز أن يكون دم الحجامة مُفطِّرا، ودمُ الفصد غير مُفطِّر.
قال ابن تيمية -مُقَرِّرا لهذا الكلام-: "لأنه لا نص فيه (أي الفصد) , ولا يمكن إثبات الحكم فيه قياسا؛ لجواز أن يكون في الحجامة معنى يَختَصُّه, ولأن الدم منه ما يخرج بنفسه وهو دم الحيض والاستحاضة والنِفاس، ومنه ما يخرج بالإخراج. ثم الأول يُفطِّر بعضُه دون بعض, فيجوز أن يكون الثاني كذلك" (٥).
وقال ابن عثيمين: "فالمذهب لا يُلحق (أي الفصد) بالحجامة؛ لأن الأحكام التَعبُّدية لا يقاس عليها" (٦).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن الفصد يفسد الصوم.
стр. 255
الدليل الأول: قوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» (١).
وجه الاستدلال: لأن احتجامه ﷺ كان لحاجته إلى إخراج الدم الفاسد، والمقصود هو إخراج الدم على الوجه النافع؛ سواء كان ذلك بالحجامة أو بالفصد، فإذا كان البلد حارا يخرج فيه الدم إلى الجلد، كانت الحجامة هي المصلحة. وإن كان البلد باردا يغور فيه الدم إلى العروق، كان إخراجه بالفصد هو المصلحة (٢).
قال ابن القيم: "قلت: والتحقيق في أمرها (يعني الحجامة) وأمر الفصد، أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والأسنان والأمزجة: فالبلاد الحارة، والأزمنة الحارة، والأمزجة الحارة، -التي دم أصحابها في غاية النضج-، الحجامة فيها أنفع من الفصد بكثير، فإن الدم ينضج ويرِقّ ويخرج إلى سطح الجسد الداخل، فتُخرِج الحجامة ما لا يخرجه الفصد" (٣).
الدليل الثاني: أن "المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفصد شرعا وطبعا" (٤).
الدليل الثالث: أن الفطر بالحجامة من جنس الفطر بدم الحيض والاستقاءة والاستمناء، وإذا كان كذلك فبأي وجه أراد إخراج الدم أفطر، كما أنه بأي وجه أخرج القيء أفطر سواء جَذَب القيء بإدخال يده أو شَمّ شيئا تسبب في قَيئه، أو وضعَ يده تحت بطنه واستخرج القيء. فتلك طرق لإخراج القيء، وهذه طرق لإخراج الدم (٥).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو قول الجمهور القائلين بأن الفصد لا يُفطِّر؛ وذلك بناءً على أن الحجامة لا تفطر كما مرَّ في المسألة السابقة (٦)، والله أعلم.
стр. 256
المطلب الثالث: حكم المباشرة (١) للصائم.
اختيار الشيخ: اختار أن المباشرة تجوز لمن يملك نفسه، وتُكره لمن لا يملك نفسه، فقال: "وقد ظهر مما ذكرنا أن أعدل الأقوال وأقواها هو ما ذهب إليه الشافعي (٢) ومن وافقه، من التفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملك، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث المختلفة" (٣).
تحرير المسألة: نحا المصنفون والفقهاء في مسألة المباشرة والقبلة للصائم منحيين: فمنهم من أدرجهما تحت باب واحد، ومنهم من أفرد كل واحدة منهما بباب مستقل (٤).
والأدلة في المسألتين بعضها خاص بكل مسألة، وبعضها مشترك. وظهر لي أن من المناسب إفراد كل مسألة على حدة وذكر الأقوال والنصوص التي تخص كل مسألة.
تحرير محل الخلاف: أجمع العلماء أن المباشرة التي هي الجماع، محرمة على الصائم، مفسدة للصيام (٥).
واختلفوا في المباشرة التي هي دون الجماع على أربعة أقوال:
القول الأول: جواز المباشرة للصائم، إذا لم يخف منها أن تدعوه إلى غيرها، مما يمنع منه الصائم، فإن دعت إلى ذلك بأن حركت شهوته فهي مكروهة.
وهو قول: الحنفية في ظاهر الرواية (٦) , والشافعية (٧).
стр. 257
وهو قول: الحنابلة في المذهب (١)، وهو اختيار الشيخ.
وبه قال: ابن عمر, وابن عباس ﵄ (في رواية عنهما) (٢).
القول الثاني: تكره المباشرة للصائم.
وهو: مذهب المالكية (٣) , ورواية عن أبي حنيفة (٤) , ورواية عن أحمد (٥).
وقال به: ابن عباس, وابن عمر (في الرواية الأخرى عنهما) , وعبد الله بن مغفل (٦) ﵃ , والزهري، وسعيد ابن المسيب، وعطاء (٧).
القول الثالث: تباح المباشرة مطلقا.
وروي ذلك عن: عائشة، وابن عباس في رواية, وسعد بن أبي وقاص (٨)، وابن مسعود، وحذيفة ﵃، وعكرمة (٩)، والحسن البصري (١٠).
стр. 258
القول الرابع: أن المباشرة سنة مستحبة.
وبه قال: ابن حزم الظاهري (١).
أدلة القول الأول: القائلين تجوز المباشرة للصائم، إذا لم يخف منها أن تدعوه إلى غيرها، مما يمنع منه الصائم، فإن دعت إلى ذلك بأن حركت شهوته فهي مكروهة.
الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يباشر وهو صائم، ولكنه كان أَمْلَكُكُم لِإِرْبِهِ (٢)» (٣).
وجه الاستدلال: لمّا كان النبي ﷺ يباشر وهو صائم، وكان أملك الناس لإربه، فغير ذي الشهوة يأخذ حكمه (٤).
الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁: «أن رجلا سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخص له, وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب» (٥).
وجه الاستدلال: أن نهيه ﷺ للشاب وإذنه للشيخ يدل على أنه لا تُباح المباشرة لمن خشي أن تغلبه الشهوة، وظن أنه لا يملك نفسه عند المباشرة (٦).
стр. 259
وفُهِم من تعليله ﷺ أن الحكم دائر مع تحريك الشهوة، والتعبير بالمعنى المذكور، أي: بالشيخ والشاب، جرى على الغالب من أحوال الشيوخ في انكسار شهوتهم، وأحوال الشباب في قوتها، فلو انعكس الأمر انعكس الحكم (١).
الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: «لا بأس للشيخ أن يباشر» , يعني: وهو صائم (٢).
الدليل الرابع: عن وَبَرة (٣)، قال: «جاء رجل إلى ابن عمر ﵁ قال: أباشر امرأتي وأنا صائم؟ فقال: لا، ثم جاءه آخر, فقال: أباشر امرأتي وأنا صائم؟ قال: نعم، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، قلتَ لهذا: نعم، وقلت لهذا: لا، فقال: إن هذا شيخ، وهذا شاب» (٤).
وجه الاستدلال: أن ابن عمر وابن عباس ﵄ قد أباحا المباشرة للشيخ؛ وذلك لما عَلِما من أن الشيخ يملك نفسه عند المباشرة بعكس الشاب.
الدليل الخامس: ولأنها مباشرة لغير شهوة؛ فأشبهت لَمْس اليد لحاجة (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين تكره المباشرة للصائم.
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٦).
وجه الاستدلال: أن الله منع المباشرة في هذه الآية في نهار رمضان. والمباشرة أن تلاقي البشَرَةُ البشرةَ على وجه الاستمتاع, وهو أعم من الجماع (٧).
стр. 260
الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يُقَبِّل وهو صائم, ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإربه» (١).
وجه الاستدلال: فمعنى كلام أم المؤمنين عائشة ﵂: أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القُبلة والمباشرة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثله ﷺ في استباحتها؛ لأنه يملك نفسه ويأمن الوقوع في قُبلةٍ أو مباشرة يتولد منها إنزال أو شهوة أو هيجان نفس ونحو ذلك، وأنتم لا تأمنون ذلك فطريقكم الانكفاف عنها (٢).
قال العراقي (٣): "واحتج من كره مطلقا: بأن غيره? لا يساويه في حفظ نفسه عن المواقعة بعد ميله إليها، فكان ذلك أمرا خاصا به" (٤).
الدليل الثالث: عن الأسود (٥)، قال: قلت لعائشة ﵂: أيباشر الصائم؟ ، يعني امرأته، ؟ قالت: لا، قلت: أليس رسول الله ﷺ ، كان يباشر وهو صائم؟ قالت: «كان رسول الله ﷺ ، أملكُكُم لإِرْبه» (٦).
стр. 261
وجه الاستدلال: أن عائشة ﵂ منعت من مباشرة الصائم مطلقا، وعللت أن مباشرة النبي ﷺ كانت من خصائصه.
الدليل الرابع: عن عطاء، قال: قيل لابن عباس ﵄: المباشرة، قال: «أَعِفّوا صومَكم» (١).
الدليل الخامس: عن ابن عمر ﵄: «أنه كان يكره القُبلة والمباشرة للصائم» (٢).
الدليل السادس: ولأن المباشرة من دواعي الجماع؛ فلا يُؤمَن أن يقترن بها إنزال مَنِيّ، أو مَذِيّ, أو أن تدعو إلى الازدياد والإكثار, فيفضي إلى الجِماع (٣).
أدلة القول الثالث: القائلين بأن المباشرة تباح للصائم مطلقا.
الدليل الأول: عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ كان يباشر وهو صائم، ثم يجعل بينه وبينها ثوبا»، يعني الفَرْج (٤).
الدليل الثاني: عن عائشة بنت طلْحة (٥) أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ ، فدخل عليها زوجها هنالك؛ وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (٦)؛ وهو صائم، فقالت له
стр. 262
عائشة: «ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتقَبِّلها وتلاعبها؟ » , فقال: أقبلها وأنا صائم؟ ! , قالت: «نعم» (١).
وجه الاستدلال: هذا الحديث دليل على أن أم المؤمنين عائشة ﵂ لا ترى تحريم القبلة والمباشرة للصائم ولا أنها من خصائص النبي ﷺ ، ولا أنها تفرق بين الشاب والشيخ في ذلك، بل الكل عندها سواء (٢).
ولأن عائشة بنت طلحة كانت أجمل نساء أهل زمانها، وكانت أيام أم المؤممين عائشة ﵂ هي وزوجها عبد الله فتيين في عنفوان الشباب (٣).
الدليل الثالث: عن مَسْرُوق (٤) قال: سألت عائشة ﵂: ما يحل للرجل من امرأته صائما؟ قالت: «كل شيء إلا الجماع» (٥).
وجه الاستدلال: فهذه عائشة ﵂ تقول فيما يَحرُم على الصائم من امرأته وما يحل له منها ما قد ذُكِر، فدل ذلك على أن المباشرة كانت مباحة عندها للصائم الذي يأمن على نفسه ومكروهة لغيره، ليس لأنها حرام عليه، ولكنه لا يأمن إذا فعلها من أن تغلبه شهوته فيقع فيما يَحرُم عليه (٦).
стр. 263
الدليل الرابع: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه سئل: أتباشر وأنت صائم؟ قال: «نعم، وآخذ بجهازها» (١).
الدليل الخامس: عن ابن مسعود ﵁: «أنه كان يباشر امرأته بنصف النهار، وهو صائم» (٢).
أدلة القول الرابع: القائلين تستحب المباشرة للصائم.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٣).
وجه الاستدلال: أن الآية نصت أن المؤمن الحق هو من جعل النبي ﷺ أسوته وقدوته في أفعاله وأقواله، ومما ثبت عنه ﷺ مباشرته زوجاته في يوم الصيام؛ فكان من السنة فعل ذلك.
الدليل الثالث: واستدل ابن حزم بالأحاديث والآثار التي استدل بها أصحاب القول الثالث القائلين بإباحة المباشرة مطلقا، وحملها على الاستحباب.
قال ابن حزم: "وإذ قد صَحَّ أن القُبلة والمباشرة مستحبتان في الصوم، وأنه لم ينه الصائم في امرأته عن شيء إلا الجماع: فسواء تعمد الإمناء في المباشرة، أو لم يتعمد، كل ذلك مباح لا كراهة في شيء من ذلك؛ إذ لم يأت بكراهيته نص ولا إجماع، فكيف إبطال الصوم به! " (٤).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: التفريق بين من يملك نفسه، ومن لا يملك نفسه؛ وذلك أن كثيرا من الأحاديث التي ذكرت هي موضع اشتراك في الاحتجاج بها بين أصحاب الأقوال المذكورة، إلا أن التفصيل المذكور في أدلة القول الأول يقوي دلالتها
стр. 264
على أن المقصود ما رآه أصحاب القول الأول من التفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملك، وكذا التفريق بين الشاب والشيخ.
وتحمل الأحاديث التي فيها النهي -إن صحت- على من لا يملك نفسه، وأما الأحاديث التي فيها جواز المباشرة فتحمل على من ملك إربه والله أعلم.
وأما الجواب عما استدل به الآخرون فقد أرجأته إلى المسألة التالية، وهي حكم القبلة للصائم؛ لأن ما يجاب به هنا يجاب به هناك (١). والله أعلم.
стр. 265
المطلب الرابع: حكم التقبيل للصائم .
اختيار الشيخ: اختار أن القُبلة تجوز لمن يملك نفسه دون من لا يملك نفسه فقال: "وقد ظهر مما ذكرنا: أنّ أعدل الأقوال وأقواها هو ما ذهب إليه الشافعي ومن وافقه، من التفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملك، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث المختلفة" (١).
تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء أن من قَبَّل وهو صائم، فلم ينزل منه شيء، أنه لا قضاء عليه (٢).
واتفق عامّتهم أن من قَبَّل فأنزل أن عليه القضاء (٣).
ثم اختلفوا في حكمها للصائم الذي لم ينزل منه شيء؛ على خمسة أقوال:
القول الأول: جواز القبلة للصائم، إذا لم يخف منها أن تدعوه إلى غيرها، مما يمنع منه الصائم، فإن دعت إلى ذلك بأن حركت شهوته فهي مكروهة.
وبه قال: الحنفية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة في المذهب (٦).
ورواية عند: المالكية (٧).
وروي هذا القول عن: ابن عباس ¢ في رواية. وهو قول: مَكْحُول (٨)(٩).
стр. 266
وهو قول: الثوري (١)(٢)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: أن القبلة مباحة للصائم، لا تكره له مطلقا.
وقال به: الحسن البصري, وإسحاق بن راهويه, وسَعِيد بن جُبَيْر (٣)(٤).
ورُوِي هذا القول عن: عائشة, وابن عباس -في الرواية الأخرى-, وأبي هريرة ﵃ (٥).
القول الثالث: تكره القبلة للصائم مطلقا.
وهو: مشهور مذهب المالكية (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧).
وهو قول: عمر, وعلي, وابن عمر ﵃. وقول: عروة بن الزبير (٨) , والنَّخَعي (٩)(١٠).
стр. 267
القول الرابع: القُبلة تفسد الصوم, وعلى من قَبّل قضاء يوما مكان اليوم الذي قبل فيه.
وهو المشهور عن: ابن مسعود ¢.
وبه قال: أبو قِلابَة، ومَسْرُوق, وعبد الله بن شُبْرُمة (١)(٢).
القول الخامس: استحباب القبلة للصائم.
وبه قال: ابن حزم (٣).
أدلة القول الأول: القائلين بجواز القبلة للصائم، إذا لم يخف منها أن تدعوه إلى غيرها، مما يمنع منه الصائم، فإن دعت إلى ذلك بأن حركت شهوته فهي مكروهة.
الدليل الأول: عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ رَخّص في القبلة للشيخ وهو صائم, ونهى عنها الشاب, وقال: الشيخ يملك إربه، والشاب يفسد صومه» (٤).
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: «رُخِّصَ للشيخ أن يُقَبِّل وهو صائم, ونُهِي الشاب» (٥).
وجه الاستدلال: أن نهيه ﷺ للشاب وإذنه للشيخ يدل على أنه لا تباح القُبلة لمن خشي أن تغلبه الشهوة وظن أنه لا يملك نفسه عند التقبيل (٦).
стр. 268
وفُهِم من تعليله ﷺ أن الحكم دائر مع تحريك الشهوة، والتعبير بالمعنى المذكور، أي: الشيخ والشاب، جرى على الغالب من أحوال الشيوخ في انكسار شهوتهم وأحوال الشباب في قوتها، فلو انعكس الأمر انعكس الحكم (١).
الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يُقَبِّل في شهر الصوم» (٢).
وجه الاستدلال: الحديث نص في جواز التقبيل للصائم، وإنما قُيِّد بمن يملك نفسه لورود الأحاديث التي فرّقت بين من يملك نفسه ومن لا يملك نفسه كما مر، ولأن النبي ﷺ كان آمِنًا على نفسه من المواقعة, وما تدعوا إليه القبلة من الشهوة، وغير ذي الشهوة يأخذ حكمه (٣).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن القُبلة مباحة للصائم، لا تكره له مطلقا.
الدليل الأول: عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يُقَبِّلها وهو صائم» (٤).
وعنها أيضا: قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبِّلني وهو صائم وأنا صائمة» (٥).
وجه الاستدلال: الحديث دليل على إباحة القبلة للصائم، ولا فرق بين أن يكون الصائم شابا أو شيخا؛ لأن أم المؤمنين عائشة ﵂ كانت شابة، فقد مات النبي ﷺ عنها وهي ابنت ١٨ سنة، فالتفريق بين الشاب والشيخ لا وجه له (٦).
стр. 269
الدليل الثاني: عن عمر بن أبي سَلَمة (١) ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ : «أيُقَبِّل الصائم؟ » , فقال: «سل هذه»؛ لأم سلمة؛ فأخبرته أن النبي ﷺ يصنع ذلك, فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر, فقال له رسول الله ﷺ : «أما والله إني لاتقاكم لله وأخشاكم له» (٢).
وجه الاستدلال: الحديث صريح الدلالة في أن الشاب والشيخ سواء؛ لأن عمر حينئذ كان شابا، ولعله كان أول ما بلغ. وفيه دلالة أيضا على أنه ليس من خصائصه ﷺ (٣).
الدليل الثالث: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: هَشِشْت (٤) فقبلت وأنا صائم, فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم, فقال رسول الله ﷺ : «أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟ »، قلت: لا بأس به، قال: «فَفِيمَ (٥)؟ » (٦).
وجه الاستدلال: في الحديث الإشارة إلى فقه بديع: "وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم، وهي أول الشرب ومفتاحه، كما أن القُبلة من دواعي الجماع ومفتاحه. والشرب يفسد
стр. 270
الصوم كما يفسده الجماع. وكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام، فكذلك أوائل الجماع" (١).
الدليل الرابع: عن عَطاء بن يَسار (٢) أن رجلا قبل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وَجْدا شديدا، فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة: «أن رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم»، فرجعت فأخبرت زوجها بذلك؛ فزاده ذلك شرا؛ وقال: لسنا مثل رسول الله ﷺ ، الله يحل لرسول الله ما شاء، ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة، فوجدت عندها رسول الله ﷺ ، فقال: «ما لهذه المرأة»، فأخبرته أم سلمة، فقال رسول الله ﷺ : «ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك»، فقالت: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرا؛ وقال: لسنا مثل رسول الله ﷺ , يحل الله لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: «والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده» (٣).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث من الفقه: أن القُبلة للصائم جائزة في رمضان وغيره، شابا كان أو شيخا؛ أخذا بظاهر الحديث وعمومه؛ لأن النبي ﷺ لم يقل للمرأة: هل زوجك شاب أم شيخ؟ , ولو ورد الشرع بالفرق بينهما لما سكت عنه رسول الله ﷺ ؛ لأنه المبيِّن عن الله مراده (٤).
الدليل الخامس: عن عائشة بنت طلحة أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ ، فدخل عليها زوجها هنالك؛ وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق؛ وهو صائم، فقالت له عائشة: «ما منعك أن تدنو من أهلك فتقبلها وتلاعبها» , فقال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: «نعم» (٥).
стр. 271
وجه الاستدلال: هذا الحديث دليل على أن أم المؤمنين عائشة لا ترى تحريم القبلة والمباشرة للصائم، ولا أنها من خصائص النبي ﷺ ، ولا أنها تفرق بين الشاب والشيخ في ذلك، بل الكل عندها سواء؛ لأن عبد الله زوج عائشة بنت طلحة كان وقتها شابا (١).
الدليل السادس: عن أبي سعيد ¢ قال: «رخص النبي ﷺ في القبلة للصائم، ورخص في الحجامة للصائم» (٢).
وجه الاستدلال: الحديث دل على إباحة القبلة للصائم مطلقا، ولم يقيدها بذي شهوة ولا بغيره.
الدليل السابع: عن مسروق, سألت عائشة: ما يحل للرجل من امرأته صائما؟ قالت: «كل شيء إلا الجماع» (٣).
وجه الاستدلال: فهذه عائشة ﵂ تقول فيما يحرم على الصائم من امرأته وما يحل له منها ما قد ذُكِر، فدل ذلك على أن القبلة كانت مباحة عندها للصائم الذي يأمن على نفسه ومكروهة لغيره، ليس لأنها حرام عليه؛ ولكنه لا يأمن إذا فعلها من أن تغلبه شهوته فيقع فيما يحرم عليه (٤).
الدليل الثامن: «سئل ابن عباس ﵄ عن القُبلة للصائم؟ ، فرخص فيها» (٥).
أدلة القول الثالث: القائلين بأنه تكره القبلة للصائم مطلقا.
الدليل الأول: عن عائشة ﵂؛ «أن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم، وكان أملككم لإربه» (٦).
وجه الاستدلال: فمعنى كلام أم المؤمنين عائشة ﵂: أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثله ﷺ في استباحتها؛ لأنه يملك نفسه ويأمن الوقوع في قبلة
стр. 272
يتولد منها إنزال أو شهوة أو هيجان نفس ونحو ذلك، وأنتم لا تأمنون ذلك، فطريقكم الانكفاف عنها (١).
الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يُقَبِّل الرجل وهو صائم» (٢).
وجه الاستدلال: الحديث دل على تحريم القبلة للصائم، ولكن لما ثبت عنه ﷺ أنه قبل وهو صائم حملنا النهي على الكراهة جمعا بين الأدلة.
الدليل الثالث: عن عبد الله بن ثعلبة (٣) -وكان رسول الله ﷺ قد مسح على وجهه وأدرك أصحاب رسول الله ﷺ قال: «كانوا ينهوني عن القبلة، تخوفا أن أتقرب لأكثر منها, ثم إن المسلمين اليوم ينهوني عنها, ويقول قائلهم: إن رسول الله ﷺ كان له من الحفظ ما ليس لأحد» (٤).
الدليل الرابع: عن سعيد بن المُسَيِّب (٥): «أن عمر ﵁ نهى عن القُبلة للصائم» (٦).
الدليل الخامس: عن ابن عمر ﵁ في الذي يقبل وهو صائم: «ألا يُقَبِّل جمرة» (٧).
стр. 273
أدلة القول الرابع: القائلين بأن القبلة تفسد الصوم, وعلى من قبل قضاء يوما مكان اليوم الذي قبل فيه.
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١).
وجه الاستدلال: أن الله منع المباشرة في هذه الآية في نهار رمضان، والقُبلة من المباشرة المنهي عنها (٢).
الدليل الثاني: عن ميمونة مولاة النبي ﷺ (٣) قالت: سئل النبي ﷺ عن رجل قَبَّل امرأته وهما صائمان, فقال: «قد أفطرا» (٤).
وجه الاستدلال: الحديث نص في فساد صوم من قبل وهو صائم.
الدليل الثالث: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فرأيته لا ينظرني, فقلت: يا رسول الله, ما شأني؟ , قال: «ألست الذي تُقَبِّل وأنت صائم»؟ فقلت: والذي بعثك بالحق إني لا أُقَبِّل بعد هذا وأنا صائم, فأَقْرَبه, ثم قال: «نعم» (٥).
стр. 274
وجه الاستدلال: أن إعراض النبي ﷺ عن عمر وتعليل ذلك بأنه يُقَبِّل وهو صائم، دليل على أن القُبلة في حال الصيام مما يكرهه رسول الله ﷺ وإلا لما كان أعرض عنه، ورؤيا النبي ﷺ في المنام حق؛ لأن الشيطان لا يتمثل به.
الدليل الرابع: عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ «سئل عن الرجل يُقبِّل وهو صائم قال: يقضي يوما مكانه» (١).
أدلة القول الخامس: القائلين باستحباب القبلة للصائم.
الدليل الأول: قول الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢).
وجه الاستدلال: أن الآية نصت أن المؤمن الحق هو من جعل النبي ﷺ أسوته وقدوته في أفعاله وأقواله، ومما ثبت عنه ﷺ تقبيله زوجاته في يوم الصيام؛ فكان من السنة فعل ذلك.
الدليل الثاني: عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: «أهوى إلي (٣) رسول الله ﷺ ليُقَبِّلني، فقلت: إني صائمة، فقال: «وأنا صائم»، فقَبَّلني» (٤).
الدليل الثالث: واستدل ابن حزم بالأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الثاني القائلين بإباحة القبلة مطلقا، كحديث الأنصاري الذي قبل امرأته, وحديث عمر بن أبي سلمة, وحديث عمر بن الخطاب, وحديث عائشة بنت طلحة.
وجه الاستدلال من تلك الأحاديث: أن فعل النبي ﷺ ذلك وإفتاءه من سأله بفعل ذلك دليل على أن القُبلة مستحبة.
стр. 275
قال ابن حزم: "وصَحّ أنها -أي القبلة- حسنة مستحبة، سُنَّة من السُنَن، وقُربة إلى الله تعالى، اقتداء بالنبي ﷺ ، ووقوفا عند فتياه بذلك" (١).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: التفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملك نفسه؛ وذلك أن كثيرا من الأحاديث التي ذُكِرت هي موضع اشتراك في الاحتجاج بها بين أصحاب الأقوال المذكورة، إلا أن التفصيل المذكور في حديث عائشة، وابن عباس ﵄، يقوي دلالتها على أن المقصود ما رآه أصحاب القول الأول من التفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملك، وكذا التفريق بين الشاب والشيخ.
وتحمل الأحاديث التي فيها النهي -إن صحت- على من لا يملك نفسه، وأما الأحاديث التي فيها جواز التقبيل فتحمل على من ملك إربه والله أعلم.
وأما الجواب عما استدل به الآخرون فيكون بما يلي:
أولا: يجاب عن أدلة المبيحين للقبلة مطلقا، بأن النبي ﷺ قد فصل في الحكم، فلا معنى لإبقاء الأحاديث على عمومها بعد تفصيله ﷺ والتفصيل المذكور هو ما جاء في أدلة القول الذي ترجح من حديث عائشة وابن عباس ﵄، من إباحة القبلة لمن ملك إربه، وهو ما عُبِّر عنه بالشيخ، ومنع من لم يملك إربه، وهو المُعبَّر عنه بالشاب؛ جريا على الأغلب من حاليهما.
وأيضا: فالأحاديث التي استدلوا بها في إباحة التقبيل للصائم عامة، والأحاديث القاضية بالتفصيل أخص منها، فيبنى العام على الخاص (٢).
ثانيا: وأما استدلال أصحاب القول الثالث بحديث عائشة ﵂ على كراهة التقبيل مطلقا والذي فيه قولها: «وأيكم أملك لإربه» , فيجاب عنه:
أن كلام عائشة ﵂ هذا محمول على من تحركت شهوته؛ لأن فيه تَعرُّضا لإفساد العبادة، كما أشعَر به قولها: «كان أملككم لإربه». فحاصل ما أشارت إليه ﵂ إباحة القبلة والمباشرة بغير جماع لمن ملك إربه دون من لا يملكه (٣).
стр. 276
ثالثا: وأما استدلالهم بحديث أبي هريرة ¢ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يُقبِّل الرجل وهو صائم»، فيجاب عنه:
أن الحديث ضعيف ولا يصلح للاحتجاج به (١).
رابعا: وأما استدلالهم بحديث عبد الله بن ثعلبة ¢؛ فيجاب عنه:
أن سبب نهي الصحابة له عن التقبيل مُبيَّن في نفس الحديث، وهو خشية الوقوع فيما هو أكثر من القبلة، أي مما يفسد الصوم من جماع أو أنزال ونحوهما.
وقد اتفق العلماء على منع القبلة إذا دعت إلى ما يفسد الصوم كما ذُكِر في بداية المسألة.
قال العيني: "فقد بين في هذا الحديث المعنى الذي من أجله كرهها من كرهها للصائم، وأنه إنما هو خوفهم عليه منها أن تجره إلى ما هو أكثر منها. فذلك دليل على أنه إذا ارتفع ذلك المعنى الذي من أجله منعوه منها؛ أنها له مباحة" (٢).
خامسا: وأما استدلالهم بأثر عمر أنه نهى عن القبلة, وعن ابن عمر ﵄ في الذي يقبل وهو صائم: «ألا يقبل جمرة» , فيجاب عنه: أن هذا محمول على ما إذا لم يأمن على نفسه (٣).
سادسا: وأما ما استدل به أصحاب القول الرابع من أن القبلة تفسد الصوم:
الأول: أما استدلالهم بالآية، فيجاب عنه:
أن النبي ﷺ هو المبين عن الله تعالى وقد أباح القبلة نهارا، فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها (٤).
الثاني: وأما استدلالهم بحديث ميمونة فيجاب عنه من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف لا تقوم به الحجة (٥).
стр. 277
الوجه الثاني: وعلى فرض صحته؛ فإنما يُفسَر بأنه ﷺ قد أجاب عن صائمَين بأعيانهما، وعَلِمَ ﷺ أنهما لا يملكان أنفسهما، فقال ذلك فيهما، أي أنه إذا كانت القبلة منهما، فقد كان معها غيرها مما يضرهما (١).
الوجه الثالث: أن حديث أبي سعيد الخدري ¢ في ترخيصه ﷺ في القبلة للصائم ناسخ لهذا الحديث -وإن صح-؛ لأن الرخصة تأتي بعد المنع (٢).
الثالث: وأما استدلالهم برؤية عمر ¢ للنبي ﷺ في المنام، فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أن الحديث انفرد به راوي ضعيف فلا تقوم به الحجة (٣).
الوجه الثاني: وعلى التسليم بصحة الحديث؛ فإن الشرائع لا تؤخذ من المنامات؛ لا سيما وقد افتى النبي ﷺ عمر في اليقظة بإباحة القبلة, وهو في ذلك الوقت أشد وأقوى منه حين رأى هذا المنام, فمن المحال أن ينسخ ﷺ تلك الإباحة بعد موته حين كان عمر أسن وأضعف من ذلك الوقت (٤).
الرابع: وأما استدلالهم بأثر ابن مسعود ¢ فيجاب عنه:
أن هذا محمول على ما إذا قبل فأنزل، والتفسير الذي جاء في الأثر هو من بعض الرواة وليس من كلام ابن مسعود (٥).
والدليل: أنه قد ثبت عن ابن مسعود ﵁؛ «أنه كان يباشر امرأته بنصف النهار، وهو صائم» (٦).
سابعا: وأما ما استدل به ابن حزم من استحباب القبلة حتى وإن أفضت إلى الإنزال فيجاب عنه:
بأن القول بالاستحباب فيه شيء من المجازفة، وذلك لأمور:
الأمر الأول: أن الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ لم يأت في واحد منها بيان استحباب القبلة للصائم.
الأمر الثاني: أن هذا القول لم يقل به أحد من السلف.
стр. 278
الأمر الثالث: أن من مقاصد الصيام ترك الشهوة، ولا شك أن الإنزال هو الغاية من الشهوة, فكيف يقال تستحب القبلة وإن أنزل؟ ! . والنبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ يقول: «قال الله : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي» (١).
والأصل أن ترك الشهوة من موجبات الصيام كترك الأكل والشرب، إلا أن النصوص استثنت القبلة والمباشرة للصائم، وبقي الجماع وما في معناه من الإنزال داخلا في هذا العموم.
والله أعلم.
стр. 279
المطلب الخامس: حكم الاستياك للصائم
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: الاستياك بعد الزوال.
المسألة الثانية: الاستياك بالعود الرطب.
المسألة الثالثة: الاستياك في صوم الفريضة.
стр. 280
المسألة الأولى: الاستياك (١) بعد الزوال (٢).
اختيار الشيخ: اختار جواز الاستياك بعد الزوال، فقال: "والحديث يدل بعمومه على جواز الاستياك للصائم مطلقا، سواء كان الاستياك بالسواك الرطب أو اليابس. وسواء كان صائما فرضا أو تطوعا، وسواء كان في أول النهار أو في آخره" (٣).
ثم ختم مرجحا فقال: "وقد ظهر بما ذكرنا أن القول الراجح المعول عليه هو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومن وافقه" (٤).
تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أن السواك مرغب فيه (٥)، وذلك لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٦). واتفقوا أن السواك اليابس لا بأس به للصائم أول النهار (٧). واختلفوا في السواك للصائم آخر النهار على قولين:
القول الأول: لا بأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره.
وبه قال: الحنفية (٨) , والمالكية (٩) , والحنابلة في رواية (١٠). والظاهرية (١١)، وهو اختيار الشيخ.
стр. 281
القول الثاني: لا بأس بالسواك أول النهار ويكره آخره.
وبه قال: الشافعية (١) , والحنابلة في المذهب (٢).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم- هو اختلافهم في فهم حديث الخُلوف (٣) الذي سيأتي -إن شاء الله- في أدلة القول الثاني (٤).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا بأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره.
الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من خير خِصَال (٥) الصائم السواك» (٦).
وجه الاستدلال: دل الحديث على أن السواك من خير آداب الصائم، ولم يفرق النبي ﷺ بين ما قبل الزوال وما بعده، فيبقى على عمومه (٧).
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ تسوك وهو صائم» (٨).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٩).
стр. 282
وجه الاستدلال: أن الحديث يدل بعمومه على استحباب السواك للصائم بعد الزوال؛ لأن الصلاتين الواقعتين بعد الظهر والعصر، داخلتان تحت عموم الصلاة، فلا تتم دعوى الكراهة إلا بدليل يخصص هذا العموم (١).
الدليل الرابع: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «السواك مَطْهرة للفم مَرْضاة للرب» (٢).
وجه الاستدلال: الحديث يدل على مشروعية السواك؛ لأنه سبب لتطهير الفم، وموجِب لرضا الله على فاعله، وقد جاء لفظ السواك في الحديث مطلقا، ولم يخصه بوقت معين ولا بحالة مخصوصة؛ فدل على مطلق شرعيته (٣).
الدليل الخامس: سئلت أم المؤمنين عائشة ﵂: «بأي شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك» (٤).
وجه الاستدلال: أن السواك مستحب في جميع الأوقات دون تقييد، ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يدخل بيته بعد الزوال وهو صائم، ومع ذلك لم يأت نص واحد صحيح عنه ﷺ يبين كراهته بعد الزوال.
الدليل السادس: عن عامر بن رَبِيعة (٥) ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ ما لا أُحْصي يتسوك وهو صائم» (٦).
стр. 283
وجه الاستدلال: دل الحديث على استحباب السواك للصائم، من غير تقييد بوقت دون وقت (١)؛ فيدخل فيه ما بعد الزوال.
الدليل السابع: عن عبد الرحمن بن غَنْم (٢)، قال: «سألت معاذ بن جبل أتسوك وأنا صائم؟ فقال: نعم، قلت: أي النهار؟ قال: أي النهار شئت، إن شئت غُدْوة (٣)، وإن شئت عشية، قلت: فإن ناسا يكرهونه عشية، قال: ولم؟ قلت: يقولون إن رسول الله ﷺ قال: «لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من المسك» , فقال: سبحان الله! لقد أمرهم رسول الله ﷺ بالسواك، حين أمرهم وهو يعلم أنه لابد أن يكون بفي الصائم خلوف، وإن استاك، وما كان بالذي يأمرهم أن يُنْتِنُوا (٤) أفواههم عمدا، ما في ذلك من الخير شيء، بل فيه شر» (٥).
الدليل الثامن: عن ابن عمر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يستاك آخر النهار وهو صائم» (٦).
الدليل التاسع: وعن ابن عمر ﵁ قال: «يستاك أول النهار، وآخره، ولا يبلع ريقه» (٧).
стр. 284
الدليل العاشر: ولأن كل معنى لم يُكره أول النهار، لم يُكره آخره كالمضمضة، ولأن أول النهار مساو لآخره في شروط صحة الصوم، فينبغي أن يتساويا أيضا في الكراهة والاستحباب والإباحة (١).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا بأس بالسواك أول النهار ويكره آخره.
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «والذي نفسي بيده لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك» (٢).
وجه الاستدلال: أن السواك يُزيل الخُلوف الذي هذه صفته وفضيلته، وإن كان في السواك فضل، لكن فضل الخُلوف أعظم (٣).
الدليل الثاني: عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي, فإن الصائم إذا يبست شفتاه كان له نور يوم القيامة» (٤).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: «لك السواك إلى العصر فإذا صليت العصر فألقه» , فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (٥).
الدليل الرابع: ولأن مناجاة الصائم لربه مع دوام الخُلوف أولى؛ لأن الله مدحه، فيكون الأفضل (٦).
стр. 285
الدليل الخامس: ولأن الخُلوف أثر عبادة مشهود له بالطيب فكره إزالته كدم الشهيد (١)(٢).
وجه القياس: أنه قد ثبت أن دم الشهيد لا يُزال عنه، فلا يُغسّل ولا يُصلى عليه وهما واجبان في حق غيره من أموات المسلمين؛ وهذا كله من أجل المحافظة عليه, فإذا تُرك من أجل دم الشهيد واجبان، دل على رُجحانه عليهما؛ لكونه مشهودا له بالطيب. فتكون المحافظة على الخُلوف الذي يشاركه في الشهادة له بالطيب أولى بالمحافظة؛ لأنه إنما تُترك من أجله سُنَّةُ السواك (٣).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: جواز السواك بعد الزوال للصائم؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ولأن الأحاديث جاءت باستحباب السواك على العموم ولم تفرق بين ما كان قبل الزوال وما بعده.
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما حديث علي، وأثر أبي هريرة ﵄ , فضعيفان لا تقوم بهما الحجة (٤).
ثانيا: وأما قولهم: إن السواك يزيل الخُلوف فيجاب عنه:
بأن الخُلوف لا ينقطع ما دامت المعدة خالية، غايته أنه يخف (٥).
ثالثا: وأما قولهم: إن مناجاة الصائم لربه مع دوام الخلوف أولى؛ لأن الله مدحه فيكون الأفضل. فيجاب عنه:
أن مدح الخُلوف يدل على فضله لا على أفضليته على غيره؛ وبيانه: