← Фикх общий

Фикх общий · id 133371

الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

موافقي الأمين

Полный текст (722 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

القول الثاني: لا بأس بالسواك أول النهار ويكره آخره. وبه قال: الشافعية (١) , والحنابلة في المذهب (٢). سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم- هو اختلافهم في فهم حديث الخُلوف (٣) الذي سيأتي -إن شاء الله- في أدلة القول الثاني (٤). أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا بأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره. الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من خير خِصَال (٥) الصائم السواك» (٦). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن السواك من خير آداب الصائم، ولم يفرق النبي ﷺ بين ما قبل الزوال وما بعده، فيبقى على عمومه (٧). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ تسوك وهو صائم» (٨). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٩).

стр. 282

وجه الاستدلال: أن الحديث يدل بعمومه على استحباب السواك للصائم بعد الزوال؛ لأن الصلاتين الواقعتين بعد الظهر والعصر، داخلتان تحت عموم الصلاة، فلا تتم دعوى الكراهة إلا بدليل يخصص هذا العموم (١). الدليل الرابع: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «السواك مَطْهرة للفم مَرْضاة للرب» (٢). وجه الاستدلال: الحديث يدل على مشروعية السواك؛ لأنه سبب لتطهير الفم، وموجِب لرضا الله على فاعله، وقد جاء لفظ السواك في الحديث مطلقا، ولم يخصه بوقت معين ولا بحالة مخصوصة؛ فدل على مطلق شرعيته (٣). الدليل الخامس: سئلت أم المؤمنين عائشة ﵂: «بأي شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك» (٤). وجه الاستدلال: أن السواك مستحب في جميع الأوقات دون تقييد، ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يدخل بيته بعد الزوال وهو صائم، ومع ذلك لم يأت نص واحد صحيح عنه ﷺ يبين كراهته بعد الزوال. الدليل السادس: عن عامر بن رَبِيعة (٥) ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ ما لا أُحْصي يتسوك وهو صائم» (٦).

стр. 283

وجه الاستدلال: دل الحديث على استحباب السواك للصائم، من غير تقييد بوقت دون وقت (١)؛ فيدخل فيه ما بعد الزوال. الدليل السابع: عن عبد الرحمن بن غَنْم (٢)، قال: «سألت معاذ بن جبل أتسوك وأنا صائم؟ فقال: نعم، قلت: أي النهار؟ قال: أي النهار شئت، إن شئت غُدْوة (٣)، وإن شئت عشية، قلت: فإن ناسا يكرهونه عشية، قال: ولم؟ قلت: يقولون إن رسول الله ﷺ قال: «لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من المسك» , فقال: سبحان الله! لقد أمرهم رسول الله ﷺ بالسواك، حين أمرهم وهو يعلم أنه لابد أن يكون بفي الصائم خلوف، وإن استاك، وما كان بالذي يأمرهم أن يُنْتِنُوا (٤) أفواههم عمدا، ما في ذلك من الخير شيء، بل فيه شر» (٥). الدليل الثامن: عن ابن عمر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يستاك آخر النهار وهو صائم» (٦). الدليل التاسع: وعن ابن عمر ﵁ قال: «يستاك أول النهار، وآخره، ولا يبلع ريقه» (٧).

стр. 284

الدليل العاشر: ولأن كل معنى لم يُكره أول النهار، لم يُكره آخره كالمضمضة، ولأن أول النهار مساو لآخره في شروط صحة الصوم، فينبغي أن يتساويا أيضا في الكراهة والاستحباب والإباحة (١). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا بأس بالسواك أول النهار ويكره آخره. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «والذي نفسي بيده لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك» (٢). وجه الاستدلال: أن السواك يُزيل الخُلوف الذي هذه صفته وفضيلته، وإن كان في السواك فضل، لكن فضل الخُلوف أعظم (٣). الدليل الثاني: عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي, فإن الصائم إذا يبست شفتاه كان له نور يوم القيامة» (٤). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: «لك السواك إلى العصر فإذا صليت العصر فألقه» , فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (٥). الدليل الرابع: ولأن مناجاة الصائم لربه مع دوام الخُلوف أولى؛ لأن الله مدحه، فيكون الأفضل (٦).

стр. 285

الدليل الخامس: ولأن الخُلوف أثر عبادة مشهود له بالطيب فكره إزالته كدم الشهيد (١) (٢). وجه القياس: أنه قد ثبت أن دم الشهيد لا يُزال عنه، فلا يُغسّل ولا يُصلى عليه وهما واجبان في حق غيره من أموات المسلمين؛ وهذا كله من أجل المحافظة عليه, فإذا تُرك من أجل دم الشهيد واجبان، دل على رُجحانه عليهما؛ لكونه مشهودا له بالطيب. فتكون المحافظة على الخُلوف الذي يشاركه في الشهادة له بالطيب أولى بالمحافظة؛ لأنه إنما تُترك من أجله سُنَّةُ السواك (٣). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: جواز السواك بعد الزوال للصائم؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ولأن الأحاديث جاءت باستحباب السواك على العموم ولم تفرق بين ما كان قبل الزوال وما بعده. وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما حديث علي، وأثر أبي هريرة ﵄ , فضعيفان لا تقوم بهما الحجة (٤). ثانيا: وأما قولهم: إن السواك يزيل الخُلوف فيجاب عنه: بأن الخُلوف لا ينقطع ما دامت المعدة خالية، غايته أنه يخف (٥). ثالثا: وأما قولهم: إن مناجاة الصائم لربه مع دوام الخلوف أولى؛ لأن الله مدحه فيكون الأفضل. فيجاب عنه: أن مدح الخُلوف يدل على فضله لا على أفضليته على غيره؛ وبيانه:

стр. 286

أن صلاة الوتر أفضل من سنة الفجر، وقد جاء في الحديث: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (١)، وكم من عبادة أُثني عليها مع فضل غيرها عليها، وهذه المسألة من قاعدة: ازدحام المصالح التي يتعذر الجمع بينها (٢)، فالسواك شُرِع إجلالا لله حال مناجاته في الصلاة؛ لأن تطهير الفم للمناجاة تعظيم لها، والخُلوف مناف لذلك. فقُدِّم السواك لهذا المعنى (٣). رابعا: وأما قياسهم رائحة الخلوف على رائحة دم الشهيد فيجاب عنه من خمسة أوجه: الأول: أن الصائم مناج لربه، فنُدِب له تطييب فمه، والشهيد ليس بمناج وهو جيفة أشد من الدم نفسه، فزواله لا يؤثر شيئا بل بقاؤه على الشهيد يوجب مزيد الرحمة له (٤). الثاني: أن دم الشهيد حجة له على خصمه، وسبيل الخصومة الظهور، وليس للصائم خصم يحتج عليه بالخلوف، إنما هو شاهد له بالصيام، وذلك محفوظ عند الله وملائكته (٥). الثالث: أنه ورد النهي عن إزالة دم الشهيد (٦)، مع وجوب إزالة الدم، ومع وجوب غسل الميت، فما اغتُفِر ترك هذين الواجبين إلا لتحريم إزالته، فلذلك قيل بتحريمه. ولم يرِد ذلك في السواك، وإنما قيل بالاستنباط (٧). الرابع: أن دم الشهيد حق له، فلا يُزال إلا بإذنه، وقد انقطع ذلك بموته، وقد كان له غسله في حياته. أما الخُلوف فهو حق للصائم، فلا حرج عليه في ترك حقه، وإزالة ما يشهد له بالفضل (٨).

стр. 287

الخامس: أنه يحرم إزالة دم الشهيد عنه، فكان القياس أن يحرموا إزالة الخلوف لا كراهته. ولا قائل به منهم. فإن قيل: فما المقصود من حديث الخُلوف؟ فيجاب: أن حديث الخُلوف فائدته عظيمة بديعة، وهي أن النبي ﷺ إنما مدح الخلوف نهيا للناس عن تقذر مكالمة الصائمين بسبب الخلوف، لا نهيا للصائمين عن السواك. فعُلِم أنه لم يُرد بالنهي بقاء الرائحة, وإنما أراد نهي الناس عن كراهتها، وهذا التفسير أولى؛ لأن فيه إكرام الصائم، ولا تعرض فيه للسواك (١). قال العّز ابن عبد السلام (٢): "إن السواك نوع من التطهر المشروع لإجلال الرب ؛ لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لا شك فيه، ولأجله شرع السواك، وليس في الخُلوف تعظيم ولا إجلال، فكيف يقال إن فضيلة الخلوف تَرْبو (٣) على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه؟ " (٤). والله أعلم.

стр. 288

المسألة الثانية: الاستياك بالعود الرطب . اختيار الشيخ: اختار جواز الاستياك بالعود الرطب، فقال: "والحديث يدل بعمومه على جواز الاستياك للصائم مطلقا، سواء كان الاستياك بالسواك الرطب أو اليابس" (١). ثم ختم مرجحا: "وقد ظهر بما ذكرنا أن القول الراجح المعول عليه هو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومن وافقه" (٢). تحرير محل الخلاف: قد مر معنا في المسألة السابقة أن العلماء اتفقوا أن السواك اليابس لا بأس به للصائم أول النهار، وأنهم اختلفوا في الاستياك بعد الزوال (٣). ومما اختلف فيه الفقهاء أيضا: حكم استياك الصائم بالعود الرطب، فاختلفوا في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يجوز لصائم أن يستاك بالعود الرطب بلا كراهة. وبه قال: الحنفية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة في رواية (٦) , والظاهرية (٧) , وأيوب السختياني (٨)، والثوري، والأوزاعي، وأبو ثور (٩)، وهو اختيار الشيخ. وروي عن: ابن عمر ﵄، ومجاهد، وعروة (١٠).

стр. 289

القول الثاني: يكره للصائم الاستياك بالعود الرطب. وبه قال: المالكية (١) , والحنابلة في المذهب (٢) , وأبو يوسف (٣) من الحنفية (٤) , وإسحاق (٥). وروي عن: الشَّعْبِيّ (٦)، وعمرو بن شُرَحْبِيل، والحَكَم (٧)، وقتادة (٨). أدلة القول الأول: القائلين بأنه يجوز لصائم أن يستاك بالعود الرطب بلا كراهة. الدليل الأول: عن حُمْران (٩) قال: رأيت عثمان ﵁، توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا، ثم تمضمض واستنثر (١٠)، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، ثم غسل

стр. 290

يده اليسرى إلى المرفق ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا، ثم اليسرى ثلاثا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: «من توضأ وضوئي هذا، ثم يصلي ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء، إلا غفر له ما تقدم من ذنبه» (١). وجه الاستدلال: في قوله: «توضأ» فإن معناه توضأ وضوءا كاملا جامعا للسنن، ومن جملته السواك (٢)، رطبا كان أو يابسا، ولم يفرق بين الصائم من غيره (٣). الدليل الثاني: عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: «رأيت النبي ﷺ يستاك وهو صائم, ما لا أحصي أو أعد» (٤). وجه الاستدلال: أن الحديث يدل بعمومه على جواز الاستياك للصائم مطلقا، سواء كان الاستياك بالسواك الرطب أو اليابس (٥). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتُهم بالسواك عند كل وضوء» (٦). وجه الاستدلال: أن الحديث جاء مطلقا، ولم يخص صائما من غيره بالإباحة، وأيضا لم يخص السواك اليابس من غيره بالإباحة، فدخل في عموم الإباحة كل جنس من السواك رطبا كان أو يابسا، ولو افترق حكم الرطب من اليابس في ذلك لبينه ﷺ ؛ لأن الله تعالى فرض عليه ﷺ البيان لأمته (٧).

стр. 291

الدليل الرابع: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» (١). الدليل الخامس: وقال عطاء، وقتادة: «يبتلع ريقه» (٢). وجه الاستدلال: القياس: فإن أقصى ما يُخشى من السواك الرطب أن يتحلل منه شيء في الفم، وذلك الشيء كماء المضمضة، فإذا قذفه الصائم من فيه لا يضره بعد ذلك أن يبتلع ريقه (٣). الدليل السادس: وقال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب. قيل: له طعم؟ قال: والماء له طعم, وأنت تُمضمض به (٤). وجه الاستدلال: القياس: لأن ابن سيرين انتزع دليل الإباحة من مضمضة الصائم، وهذا لا انفكاك منه؛ لأن الماء أرق من ريق السواك، وقد أباح الله تعالى المضمضة بالماء في الوضوء للصائم (٥). قال ابن حجر -موضحا سبب إيراد البخاري هذه الأحاديث والآثار تحت باب: سواك الرطب واليابس للصائم-: "ومنه تظهر النكتة في إيراد حديث عثمان في صفة الوضوء في هذا الباب، فإن فيه أنه تمضمض واستنشق. وقال فيه: «من توضأ وضوئي هذا»، ولم يفرق بين صائم ومفطر, ويتأيد ذلك بما ذكر في حديث أبي هريرة في الباب. قال ومناسبة حديث عامر للترجمة إشعاره بملازمة السواك، ولم يخص رطبا من يابس، وهذا على طريقة المصنف (يعني البخاري) في أن المطلق يسلك به مسلك العموم، أو إن العام في الأشخاص عام في الأحوال. وقد أشار إلى ذلك بقوله في أواخر الترجمة المذكورة ولم يخص صائما من غيره، أي ولم يخص أيضا رطبا من يابس. وبهذا

стр. 292

التقرير يظهر مناسبة جميع ما أورده في هذا الباب للترجمة، والجامع لذلك كله قوله في حديث أبي هريرة: «لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء»؛ فإنه يقتضى إباحته في كل وقت وعلى كل حال" (١). وقال ابن المُنيّر (٢): "أخذ البخاري شرعية السواك للصائم بالدليل الخاص، ثم انتزعه من الأدلة العامة التي تناولت أحوال متناول السواك وأحوال ما يُستاك به، ثم انتزع ذلك من أعم من السواك وهو المضمضة؛ إذ هي أبلغ من السواك الرطب" (٣). الدليل السابع: عن عاصم الأَحْوَل (٤) , «أنه سئل: أيستاك الصائم؟ , قال: نعم, قيل: برَطْب السواك ويابسه؟ , قال: نعم, قيل: أول النهار وآخره؟ , قال: نعم, قيل: عمن؟ , قال: عن أنس بن مالك, عن النبي ﷺ » (٥). الدليل الثامن: عن عروة أنه: «كان يستن بالسواك الرطب وهو صائم» (٦).

стр. 293

الدليل التاسع: عن ابن عباس ﵁ قال: «لا بأس بالسواك الأخضر للصائم» (١).

стр. 294

الدليل العاشر: ولأن رطوبة الماء أشد، ولا قائل بأن رطوبة الماء تكره للصائم (١). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يكره للصائم الاستياك بالعود الرطب. الدليل الأول: عن زياد بن حُدَيْر (٢) قال: «ما رأيت أحدا أَدْأَبَ (٣) سواكا وهو صائم من عمر» , أراه قال: بعود قد ذَوِيَ (٤) (٥). الدليل الثاني: عن عمرو بن شرحبيل قال: «لا تَسَوَّك بسِواك رطب، وأنت صائم، فإنه يدخل في حلقك من طعمه» (٦). الدليل الثالث: ولأنه إذا كان له طعم كان مُخاطرا بصومه، ولم يؤمن أن يَنزِل إلى حلقه منه شيء فيَفسُد صومه؛ فكان مكروها له؛ كذَوْق القِدْر (٧). الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: جواز الاستياك بالعود الرطب؛ إذ لا دليل على المنع، والقول بمنعه تخصيص للأحاديث بلا مخصص، وتقييد بلا قيد، لكن يجب التنبيه أنه لا يجوز بلع الريق إذا كان العود له طعم، والله أعلم. وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني؛ فلا ينتهض لتخصيص الأحاديث القاضية باستحباب السواك على العموم، إذ الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولم يقم دليل على كراهة السواك الرطب، والله أعلم.

стр. 295

المسألة الثالثة: الاستياك في صوم الفريضة . اختيار الشيخ: اختار جواز الاستياك جميع اليوم بالعود الرطب واليابس في الفرض والنفل فقال: "والحديث يدل بعمومه على جواز الاستياك للصائم مطلقا، سواء كان الاستياك بالسواك الرطب أو اليابس. وسواء كان صائما فرضا أو تطوعا، وسواء كان في أول النهار أو في آخره" (١). ثم ختم مرجحا فقال: "وقد ظهر بما ذكرنا أن القول الراجح المعول عليه هو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومن وافقه" (٢). تحرير المسألة: قد مر معنا الكلام عن الاستياك بعد الزوال، والاستياك بالعود الرطب، ومر خلاف العلماء في ذلك. ومما اختلفوا فيه أيضا: تفريقهم بين الاستياك في صوم الفرض وصوم النفل، وإن كان الخلاف الحاصل في هذه المسألة ضعيفا، ولكن بما أن الشيخ نص على عدم التفريق بين الفرض والنفل أحببت أن أذكرها بإيجاز, والخلاف في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا فرق بين صوم الفرض وصوم النفل في الاستياك، كل على مذهبه الذي ذكر في المسألتين السابقتين. وهو قول: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧)، وهو اختيار الشيخ.

стр. 296

القول الثاني: التفريق بين الفرض والنفل؛ فيجوز في النفل طوال اليوم ويُكره في الفرض بعد الزوال. وهو وجه عند: الشافعية, قال به: القاضي حسين (١) (٢) , ورواية عند: الحنابلة (٣). أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا فرق بين صوم الفرض وصوم النفل في الاستياك كل على مذهبه الذي ذكر في المسألتين السابقتين (٤). الأدلة هي نفسها التي سيقت في المسألتين السابقتين (٥). وجه الاستدلال: أنه لا فرق بين أن يكون الصيام فرضا أو نفلا فالنصوص جاءت عامة في الأوقات والأحوال فتكون عامة أيضا في أنواع الصيام. قال النووي: "ولا فرق بين صوم النفل والفرض" (٦). وقال البهوتي (٧): "فيكره (أي السواك) فرضا كان الصوم أو نفلا" (٨). وقال العيني بعد أن ذكر من فَرّق بين الاستياك في صوم الفرض وصوم النفل: "وعندنا لا بأس في الأحوال كلها" (٩).

стр. 297

أدلة القول الثاني: القائلين بالتفريق بين الفرض والنفل؛ فيجوز في النفل طوال اليوم ويكره في الفرض بعد الزوال. الدليل الأول: عن أبي هريرة ¢ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به» (١). وجه الاستدلال: أن الله في هذا (الحديث القدسي) (٢) قد خص الصوم بقوله: «لي»، وإن كانت أعمال البر المخلصة كلها له تعالى؛ لأجل أن الصوم لا يمكن فيه الرياء، كما يمكن في غيره من الأعمال (٣). فإذا كان هذا هو مطلوب الشارع، فإزالة الخلوف بالاستياك يكون مشروعا في النفل؛ لأجل أن لا يُظهِر الصائم صيامه. وإنما قصرناه على النفل؛ لأن وجود الرياء في الفرض غير متصور؛ إذ الجميع متلبسون بالصيام، فلا وجه لحصول الرياء فيه. الدليل الثاني: ولأن المستحب في النوافل الإخفاء، فلو ترك الصائم الاستياك، لم يُؤمَن أن تظهر رائحة الخُلوف من فيه، فيظهر للناس أنه صائم، فاستحِبَّ له إزالة تلك الرائحة بالاستياك؛ ليكون أبعد عن الرياء (٤). الترجيح: الذي يترجح -إن شاء الله- في هذه المسألة هو القول الأول: أنه لا فرق بين صيام الفرض وصيام النفل؛ لعدم وجود دليل يفرق بينهما. وأما قول أصحاب القول الثاني: إن إزالة الخُلوف بالاستياك يكون مشروعا في النفل؛ لأجل أن لا يُظهر الصائم صيامه، -وهذا بالطبع عند من يرون كراهة إزالة الخُلوف بعد الزوال-؛ فيجاب عنهم:

стр. 298

أن هذا التفريق لا دليل عليه من الشرع، ثم كيف تستحبون للصائم فِعل ما ترونه مكروها- وهو إزالة الخُلوف-، مِن أجل مصلحة مظنونة بل مُتَوهمة؟ ! . وأما قولهم: إن المستحب في النوافل الإخفاء، فيجاب عنه: أن هذا يقال في العبادات الظاهرة: كالصلاة، والزكاة، وقراءة القرآن. أما الصيام فلا وجه فيه للرياء حتى يخفيه صاحبه، وإنما الصائم هو من يخبر عن نفسه بأنه صائم أم لا (١). والله أعلم.

стр. 299

المطلب السادس: حكم الاكتحال (١) للصائم. اختيار الشيخ: اختار جواز الاكتحال للصائم بلا كراهة، فقال في ذلك: "فالراجح هو القول بالجواز من غير كراهة" (٢). تحرير محل الخلاف: أجمع العلماء على أنه يجب على الصائم الإمساك زمان الصوم عن المطعوم والمشروب والجماع (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٤). واختلفوا في حكم الكحل للصائم على قولين: القول الأول: أن الاكتحال يجوز للصائم بلا كراهة. وبه قال: الحنفية (٥) , والشافعية (٦)، والظاهرية (٧)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: أن من اكتحل وهو صائم أفطر. وبه قال: ابن شُبْرُمَة, وعبد الرحمن ابن أبي لَيْلَى (٨) , ومنصور بن المُعْتَمِر (٩).

стр. 300

وقال به: سليمان التيمي (١) (٢). وقيده: المالكية (٣) , والحنابلة (٤) , بوصوله إلى الحلق، وأما إن لم يصل إلى الحلق فيُكره عندهم. سبب الخلاف: الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى سببين والله أعلم: السبب الأول: اختلافهم هل الصيام معقول المعنى؟ فيكون الواجب هو الإمساك عن كل ما يغذي إذا كان من منفذ الطعام والشراب، أم غير معقول المعنى؟ فيكون الواجب هو الإمساك عما يَرِد الجوف من أي المنافذ وإن كان غير مُغذّي (٥). السبب الثاني: اختلافهم في ثبوت الأحاديث التي نهت الصائم عن الاكتحال، والأحاديث التي أباحت له الاكتحال، وستأتي في الأدلة إن شاء الله. أدلة القول الأول: القائلين بأن الاكتحال يجوز للصائم بلا كراهة. الدليل الأول: عن عائشة ﵂، قالت: «اكتحل رسول الله ﷺ وهو صائم» (٦). وجه الاستدلال: أن هذا الحديث نص في جواز الاكتحال للصائم.

стр. 301

الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: اشتكت عيني، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: «نعم» (١). وجه الاستدلال: أن إذنَ النبي ﷺ للرجل بالاكتحال حال كونه صائما دليل على جوازه للصائم بلا كراهة (٢). الدليل الثالث: عن بَرِيْرَة (٣) ﵂، قالت: «رأيت النبي ﷺ يكتحل بالإثمد وهو صائم» (٤). الدليل الرابع: عن أبي رافع (٥) ﵁: «أن النبي ﷺ كان يكتحل بالإِثْمِد (٦) وهو صائم» (٧). الدليل الخامس: عن أنس بن مالك ﵁: «أن رسول الله ﷺ لم يكره الكحل للصائم,

стр. 302

وكره له السَّعُوط (١) أو شيئا يصبه في أذنيه» (٢). الدليل السادس: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يَرْمَد (٣) أبدا» (٤). الدليل السابع: عن ابن عمر ﵄ قال: «انتظرت النبي ﷺ أن يخرج إلينا في رمضان, فخرج من بيت أم سلمة, وقد كحلته وملأت عينيه كحلا» (٥). وجه الاستدلال: أن صيام يوم عاشوراء كان في ذلك الوقت فرضا، فدل على جواز اكتحال الصائم (٦). الدليل الثامن: عن أنس بن مالك ﵁: «أنه كان يكتحل وهو صائم» (٧). الدليل التاسع: عن الأعمش قال: «ما رأيت أحدا من أصحابنا يكره الكحل للصائم,

стр. 303

وكان إبراهيم يرخص أن يكتحل الصائم بالصَّبِر (١)» (٢). الدليل العاشر: ولأن ما وجد من الطعم في حلقه هو أثر الكحل لا عينه؛ كمن ذاق شيئا من الأدوية المُرّة فإنه يجد طعمه في حلقه، وهو قياس الغبار والدخان. وإن وصل عين الكحل إلى باطنه، فلا يَضرّه أيضا؛ لأنه وصل من قِبَل المَسامّ (٣) لا من قِبَل المسالك؛ لأنه ليس بين العين والحلق مسلك؛ فهو نظير الصائم يَشْرَع في الماء فيجد برودة الماء في كبده (٤). أدلة القول الثاني: القائلين بأن من اكتحل وهو صائم أفطر. الدليل الأول: عن مَعْبَد بن هَوْذة (٥) ﵁ عن النبي ﷺ أنه أمر بالإثمد الْمُرَوَّحِ (٦) عند النوم, وقال: «ليتقه الصائم» (٧). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁ أنه قال: «الفطر مما دخل، والوضوء مما خرج» (٨).

стр. 304

وجه الاستدلال: أن الصائم إذا وجد طعم الكحل فقد دخل (١). الدليل الثالث: ولأنه أوصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه، فأفطر به؛ كما لو أوصله من أنفه (٢). الدليل الرابع: ولأن الكحل الحادّ يصل إلى الجوف, ويظهر الكحل بعينه على اللسان إذا بَصَقَه الإنسان, فعُلِم أن في العين مَنْفَذا يصل منه. وإذا كان في العين مَنْفَذا وصل بالداخل منه كسائر المنافذ. وأيضا فإن الدَمْع يخرج من العين, والدَمْعُ محله الدماغ, فعُلِم أن في العين منافذ ينزل منها الدمع (٣). الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يجوز الكحل للصائم بلا كراهة؛ لأن الأحاديث التي استدل بها أصحاب هذا القول على جواز اكتحال الصائم، وإن كان لا يخلو واحد منها من كلام، لكنها يقوي بعضها بعضا, وتنتهض بمجموعها للاحتجاج على جواز الاكتحال للصائم، مع ما صح عن أنس بن مالك ¢ من فعله, إضافة إلى أنه ليس هناك في كراهة الكحل حديث صحيح أو حسن (٤). وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بحديث معبد بن هوذة فيجاب عنه: أنه حديث لا يصح, وليس هناك ما يقويه (٥). ثانيا: وأما استدلالهم بأثر ابن عباس: «الفطر مما دخل، والوضوء مما خرج»، فيجاب عنه: أن المراد بالدخول دخول شيء بعينه من منفذ إلى جوف البطن أي المعدة، لا وصول أثر شيء من المسامات إلى الباطن، ولذا لا يفطر تدهين الرأس وشم العطر، وليس للعين منفذ إلى جوف البطن (٦).

стр. 305

ثالثا: وأما استدلالهم بوصول الكحل الحاد إلى الجوف وخروج الدمع من العين، فيجاب عنه: بأن دخول الكحل وخروج الدمع يكون من المسام التي في العين, والمسام ليست كالمنافذ التي يحصل الفطر بالداخل منها بدليل أنه لو اغتسل بالماء، أو دهن رأسه، أو طيَّب بدنه، فإنه يجد في حلقه برودة الماء، وطعم الدهن ولا يفطر. والعَرَق يخرج من هذه المسام كما يخرج الدمع من العين (١). والله أعلم.

стр. 306

المطلب السابع: حكم الوصال في الصيام وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الوصال أكثر من يوم. المسألة الثانية: الوصال إلى السحر.

стр. 307

المسألة الأولى: الوصال أكثر من يوم . اختيار الشيخ: اختار أن الوصال أكثر من يوم يباح لمن لم يشق عليه ويحرم على من شق عليه، فقال بعد ذكر الأقوال في المسألة: "والأقرب من الأقوال المذكورة عندي هو التفصيل والله تعالى أعلم" (١). تحرير المسألة: المقصود بهذه المسألة أن يبقى الصائم على إمساكه إلى مغرب اليوم الثاني أو الثالث أو إلى ما شاء الله من الأيام. تحرير محل الخلاف: أجمع أهل العلم أن الصائم يحل له الفطر إذا غربت الشمس، وأن تعجيل الفطر في حقه أفضل (٢)؛ لقوله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (٣). واختلفوا في حكم الوصال أكثر من يوم، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يباح لمن لم يشق عليه ويحرم على من شق عليه. وقال به من الصحابة: عبد الله بن الزبير (٤) (٥) , وأخت أبي سعيد الخدري (٦) ﵄ (٧).

стр. 308

ومن التابعين: عبد الرحمن بن أبي نُعْم (١) , وعامر بن عبد الله بن الزبير (٢) , وإبراهيم بن يزيد التيمي (٣) , وأبو الجوزاء (٤) (٥)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يحرم عليه الوصال. وهو المختار عند الشافعية (٦) , وبه قال ابن حزم (٧). القول الثالث: يكره له الوصال. وبه قال: الحنفية (٨) , والمالكية (٩) , والشافعية في قول (١٠) , والحنابلة (١١).

стр. 309

سبب الخلاف: وسبب هذا الخلاف: هل نهي النبي صحابته عن الوصال يُحمل على التحريم أو على الكراهة؟ ، ثم إذا حُمِلَ النهي على الكراهة، فهل هي لأجل ما يلحق من المشقة والضعف، فإذا أمن من ذلك، جاز، أم تُسَدُّ الذريعةُ فلا يجوز؟ (١). أدلة القول الأول: القائلين بأنه يباح لمن لم يشق عليه ويحرم على من شق عليه. الدليل الأول: عن عائشة ﵂، قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم»، فقالوا: إنك تواصل، قال: «إني لست كهيئتكم، إني يُطعمني ربي ويَسقيني» (٢). وجه الاستدلال: أنه ﷺ واصل بأصحابه بعد النهي، فلو كان النهي للتحريم لما أقرهم على فعله، فعلم أنه أراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف عنهم كما صرحت به عائشة في حديثها؛ وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم، ولم ينكر على من بلغه أنه فعله ممن لم يشق عليه. فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقة أهل الكتاب ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال (٣). الدليل الثاني: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ : «أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمهما؛ إبقاءً على أصحابه» (٤). وجه الاستدلال: قوله: «إبقاءً على أصحابه» يدل على أن الوصال ليس بحرام ولا مكروه من حيث هو وصال، لكن من حيث يذهب بالقوة. فالصائم إن وجد من نفسه القوة على الوصال جاز له ذلك من غير كراهة (٥). الدليل الثالث: ولأن الأحاديث التي سبق ذكرها تبين أن النهي عن الوصال إنما هو رحمة بالناس، وإبقاء على أصحاب النبي ﷺ وهذا تعليل للنهي عن الوصال، والعلة تدور مع

стр. 310

المعلول وجودا وعدما، فإن وجدت العلة وجد الحكم وإن انتفت العلة انتفى الحكم، فالصائم إن كان قادرا على الوصال فقد انتفت في حقه عِلَّة الرحمة به والإبقاء عليه، فجاز له الوصال بلا كراهة (١). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يحرم عليه الوصال. الدليل الأول: قوله : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢). وجه الاستدلال: أن الليل ليس محلا للصيام فلا يحل صومه، ويجب على كل أحد أن يأكل أو يشرب في كل يوم وليلة ولا بد (٣). الدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا, وأدبر النهار من ها هنا, وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (٤). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن المواصل لا ينتفع بوصاله؛ لأن الليل ليس بمحل للصوم، وأنه بمغيب الشمس فقد أفطر الصائم حكما وإن لم يأكل أو يشرب، وعليه فيكون الوصال خاصا بالنبي ﷺ دون غيره (٥). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم»، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله، قال: «وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني»، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يوما، ثم يوما، ثم رأوا الهلال، فقال: «لو تأخر لزدتكم» , كَالتَّنْكِيلِ (٦) لهم حين أبوا أن ينتهوا (٧).

стр. 311

وجه الاستدلال من وجهين: الأول: إن مواصلته ﷺ بأصحابه بعد نهيهم عن الوصال ليس إقرارا منه لهم على جوازه بل هو تقريع وتنكيل منه ﷺ ، وإنما فعل ذلك صلوات ربي وسلامه عليه لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي، وكان ذلك أدعى إلى قلوبهم لما يترتب عليهم من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع الشديد ينافي ذلك (١). الثاني: قوله ﷺ «وأيكم مثلي» استفهام بمعنى التوبيخ، المشعر بالاستبعاد، أي: وأيكم بلغ ما بلغتُه من منزلتي عند ربي فأبيت عنده يطعمني ويسقيني, فيكون الوصال من خصوصياته (٢). الدليل الرابع: عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال» , قالوا: إنك تواصل، قال: «إني لست مثلكم إني أُطعَم وأُسقى» (٣). الدليل الخامس: عن عائشة ﵂، قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، قال: «إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني» (٤). وجه الاستدلال من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ قد صرح في هذين الحديثين بأن الوصال يختص به وذلك في قوله: «إني لست مثلكم»، وقوله: «لست كهيئتكم»، هذا مع ما انضم إلى ذلك من استحباب تعجيل الفطر كما دلت عليه الأحاديث الصحاح (٥). الثاني: قوله: «رحمة لهم» لا يمنع التحريم؛ فإن من رحمته لهم أن حرمه عليهم، وسبب تحريمه: الشفقة عليهم؛ لئلا يتكلفوا ما يشق عليهم (٦).

стр. 312

أدلة القول الثالث: القائلين بأنه يكره له الوصال. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوِصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل؟ قال رسول الله ﷺ : «وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني»، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما، ثم رأوا الهلال، فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم»، كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا (١). وجه الاستدلال: أن أصحاب رسول الله ﷺ واصلوا معه بعد نهيهم, ولو فهموا منه التحريم؛ لما استجازوا أن يعصوا الله ورسوله, بل فَهِموا أنه نهي رحمةٍ ورِفقٍ بهم, فظنوا أن بهم قوة على الوصال, وأنهم لا حاجة بهم إلى الفطر, فغضِب ﷺ من هذا الظن الذي ظنّوه (٢). وما كان رسول الله ﷺ ليوقع صحابته الكرام في الإثم، -لو كان الوصال مُحرّما- وإنما واصل بهم حتى يعلموا أن ما أمرهم به من ترك الوصال هو الأرفق. الدليل الثاني: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ : «أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمهما؛ إبقاء على أصحابه» (٣). وجه الاستدلال: أن الصحابي ¢ صرَّح في هذا الحديث بأن النبي ﷺ لم يُحرِّم الوصال (٤). الدليل الثالث: عن سَمُرَة بن جُنْدُب (٥) ﵁ قال: «نهانا رسول الله ﷺ أن نواصل في شهر الصوم، وكرهه، وليس بالعزيمة» (٦). وجه الاستدلال: قوله: «وليس بالعزيمة»، دليل على أن النبي ﷺ لم ينههم نهي تحريم.

стр. 313

الدليل الرابع: ولأن الوصال مجرد تركٍ للأكل بغير نية الصوم، على وجه لا يخاف معه التلف ولا ترك واجب, ومثل هذا لا يكون محرما (١). الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثالث: أنه يُكره الوصال، وأن تركه هو الأفضل والأولى، وأن التقرب إلى الله بالوصال من خصائصه ﷺ ؛ وذلك لصحة ما استدلوا به، ولأن النبي ﷺ لم يمنع الصحابة الكرام من الوصال رغم أنه قد كرِه وصالهم ونهاهم عنه، فلو كان محرما لما تركهم يواصلون. وأما الجواب عن ما استدل به أصحاب القولين الآخرين فيكون بما يلي: أولا: أما القول بجواز الوصال بلا كراهة: فتَأباه الأدلة؛ فنهيه ﷺ في أحاديث كثيرة- عن الوصال، وغضبه ﷺ عندما واصل أصحابه معه، كل ذلك يجعل القول بالجواز دون كراهة قولا ضعيفا؛ فلو كان الوصال جائزا بلا كراهة لما غضب ﷺ ، ولو كان الوصال يجوز لمن لم يشق عليه بلا كراهة، لبَيَّن لهم ﷺ ذلك. ثانيا: وأما أصحاب القول بتحريم الوصال فيجاب عنهم بما يلي: الأول: أما استدلالهم: بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فيجاب عنه: بأن يقال: لو صح هذا المعنى الذي ذكروه لم يكن للوصال معنى أصلا، ولا كان في فعله قربة من النبي ﷺ ؛ لأن الجميع متفقون أن الوصال قربة في حقه ﷺ كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي بينت تقربه ﷺ إلى ربه بفعله (٢). الثاني: وأما استدلالهم بقوله ﷺ : «إذا أقبل الليل من ها هنا ... » الحديث, فيجاب عنه: أن هذا الحديث لا ينافي الوصال؛ لأن المراد بأفطر دخل في وقت الإفطار لا أنه صار مفطرا حقيقة كما قالوا؛ لأنه لو صار مفطرا حقيقة لما ورد الحث على تعجيل الإفطار، ولا النهي عن الوصال، ولا استقام الإذن بالوصال إلى السحر (٣). ويكون معنى: «فقد أفطر الصائم»، جملة خبرية بمعنى الأمر، أي: فليفطر الصائم إذ قد حل له الإفطار (٤).

стр. 314

الثالث: وأما استدلالهم بأحاديث مواصلته ﷺ بأصحابه على أن فعلهم هذا كان محرما، وإنما فعله ﷺ ليُبَيِّن لهم ﷺ حرمة ذلك، فيجاب عنه: أن الصحابة الكرام لم يكونوا ليواصلوا لو أنهم فهموا من نهيه ﷺ أنه للتحريم, وإنما فهموا أن نهيه للتنزيه؛ رحمة وشفقة بهم (١). كما أن النبي ﷺ لم يكن ليواصل بهم لو كان الوصال محرما، وكيف يوقع ﷺ صحابته الكرام في الإثم من أجل أن يبين لهم حرمة الوصال؟ ! (٢). والله أعلم.

стр. 315

المسألة الثانية: الوصال إلى السَحَر (١). اختيار الشيخ: اختار أن الوصال إلى السحر يجوز بلا كراهة، لكن تعجيل الفطر أفضل، فقال مرجحا لهذا القول: "والقول الراجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد والله تعالى أعلم" (٢). تحرير محل الخلاف: مر في المسألة السابقة خلاف الفقهاء في حكم الوصال أكثر من يوم؛ لأن الجميع يسميه وصالا. ولكن في مسألتنا هذه انقسم الفقهاء إلى فريقين: الأول: فريق لا يرى الوصال من سحر إلى سحر شيئا؛ لأن الإمساك إلى السحر ليس وصالا عندهم، بل الوصال أن يمسك في الليل جميعه كما يمسك في النهار, وإنما أُطلِق على الإمساك إلى السحر وصالا لمشابهته الوصال في الصورة. وهؤلاء هم: الحنفية (٣)، والشافعية (٤) , فهم ليسوا معنا في هذه المسألة. الثاني: وفريق يسمون الإمساك من سحر إلى سحر وصالا، وهم المالكية، والحنابلة. وقد اختلفوا في حكم الوصال من سحر إلى سحر على قولين: القول الأول: يُكره الوصال من سحر إلى سحر. وهو قول المالكية في المذهب (٥). القول الثاني: يجوز الوصال من سحر إلى سحر بلا كراهة، ولكن تعجيل الفطر أفضل.

стр. 316

وبه قال: الحنابلة (١)، وإسحاق (٢)، وعبد الله بن وهْب (٣) (٤) , واللَّخْمي (٥) (٦) من المالكية، وهو اختيار الشيخ عبيد الله. سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم والله أعلم: هل نهيه ﷺ عن الوصال يدخل فيه الإمساك من سحر إلى سحر أم لا؟ . أدلة القول الأول: القائلين بأنه يكره الوصال من سحر إلى سحر. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يواصل إلى السحر» , ففعل بعض أصحابه, فنهاه, فقال: يا رسول الله, إنك تفعل ذلك قال: «لستم مِثلي, إني أظل عند ربي يُطعمني ويَسقيني» (٧). وجه الاستدلال: أن هذا الحديث صريح في النهي عن الوصال إلى السحر (٨). الدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا, وأدبر النهار من ها هنا, وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (٩).

стр. 317

وجه الاستدلال: أن قوله: «فقد أفطر الصائم» أي: صار مفطرا حقيقة، فلا معنى حينئذ للوصال (١). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يجوز الوصال من سحر إلى سحر بلا كراهة. الدليل الأول: عن أبي سعيد ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» (٢). وجه الاستدلال: فهذا الحديث صريح في إذنه ﷺ بالوصال إلى السحر (٣). الدليل الثاني: عن علي ﵁: «أن النبي ﷺ كان يواصل من سحر إلى سحر» (٤). وجه الاستدلال: أن الحديث نص على أن الإمساك من سحر إلى سحر يسمى وصالا، وقد أذن النبي ﷺ فيه وفعله فيكون نهيه عن الوصال عام، وإذنه بالوصال إلى السحر خاص فيبنى العام على الخاص (٥). الدليل الثالث: ولأن هذا الوصال الذي أذن فيه رسول الله ﷺ لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره، إلا أنه في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه يؤخره؛ لأن الصائم له في اليوم والليلة أكلة, فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره, وكان أخف لجسمه في قيام الليل (٦). الترجيح: الذي يترجح -إن شاء الله- هو القول الثاني: أنه يجوز الوصال إلى السحر بلا كراهة، -وإن كان تعجيل الفطر هو الأفضل-؛ لورود النص عن النبي ﷺ بالإذن في ذلك. وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:

стр. 318

أولا: أما استدلالهم بحديث أبي هريرة ﵁ والذي فيه نهيه ﷺ عن الوصال إلى السحر، فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن رواية: «يواصل إلى السحر»، (رواية شاذة) (١)؛ لأن جميع من روى هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ رواه دون قوله: «إلى السحر»، ولم يروها إلا عبيدة بن حميد (٢)، فكان المحفوظ رواية الأكثر عن أبي هريرة ﵁ (٣). الوجه الثاني: وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة محفوظة فيجمع بين هذه الرواية وحديث أبي سعيد الخدري ¢ بأن يكون النهي عن الوصال أولا جاء مطلقا، سواء في ذلك جميع الليل أو بعضه، ثم خُصّ النهي بجميع الليل، فأباح الوصال إلى السحر. فيُحمَل حديث أبي سعيد ¢ على هذا، وحديث عبيدة على الأول (٤). ثانيا: وأما استدلالهم بحديث عمر ﵁ والذي فيه: «فقد أفطر الصائم»، فيجاب عنه: أن المراد بـ: «أفطر» دخل في وقت الإفطار، لا أنه صار مفطرا حقيقة؛ لأنه لو صار مفطرا حقيقة لما ورد الحث على تعجيل الإفطار، ولا النهي عن الوصال، ولا استقام الإذن بالوصال إلى السحر (٥). والله أعلم.

стр. 319

المطلب الثامن: حكم من أكل أو شرب ناسيا وهو صائم . اختيار الشيخ: اختار أن من أكل أو شرب ناسيا لا يفطر ولا قضاء عليه، فقال: "والحديث دليل على أن من أكل أو شرب ناسيا لصومه فإنه لا يفطره ولا يوجب القضاء" (١). اختلف الفقهاء في من أكل أو شرب ناسيا لصومه هل يفسد صيامه وعليه القضاء أو هو باقي على صيامه ولا قضاء عليه؟ ، على قولين: القول الأول: هو باقي على صيامه ولا قضاء عليه. وبه قال: الحنفية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: صيامه فاسد وعليه القضاء. وبه قال: المالكية (٦). سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم- سببان: السبب الأول: فهمهم لحديث أبي هريرة ﵁ الذي سيأتي ذِكره -إن شاء الله- في الأدلة. السبب الثاني: هل يقاس الصيام على الصلاة؟ (٧). أدلة القول الأول: القائلين هو باقي على صيامه ولا قضاء عليه. الدليل الأول: قوله تعالى ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٨). وجه الاستدلال: أن المكلف إذا لم يؤاخذ بهذا الفطر حال كونه ناسيا كان صومه باقيا على صحته (٩).

стр. 320

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن النسيان ليس من كسب القلب، فلا يؤاخذ عليه الصائم (٢). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل أو شَرِب, فليتم صومه، فإنما الله أطعمه وسقاه» (٣). وفي رواية: جاء رجل إلى النبي ﷺ , فقال: إني أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم؟ فقال: «الله أطعمك وسقاك» (٤). وجه الاستدلال من أربعة وجوه: الأول: أن النبي ﷺ أمر من أكل أو شرب ناسيا بإتمام صومه؛ تخصيصا له بهذا الحكم بقوله: «من أكل أو شرب ناسيا» , فعلم أن هذا إتمام لصوم صحيح, إذ لو كان المراد به وجوب الإمساك؛ لم يكن بين العامد والناسي فرق (٥). الثاني: أنه قال: «فليتم صومه» , وصومه هو الصوم الصحيح المجزئ, وقد أمر بإتمامه, فعُلِم أن الصوم الذي بعد الأكل تمام للصوم الذي قبله, ولو أراد وجوب الإمساك فقط؛ لقال: فليتم صياما, أو: فليصم بقية يومه ونحو ذلك (٦). الثالث: أنه لم يأمره بالقضاء, وقد جاء مستفتيا له عما يجب عليه، شاكا في الأكل مع النسيان: هل يفسد أو لا يفسد؟ . ومعلوم أن القضاء لو كان واجبا، لذَكَره له؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٧).
следующие страницы →