← Фикх общий

Фикх общий · id 133371

الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

موافقي الأمين

Полный текст (722 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وبه قال: الحنابلة (١)، وإسحاق (٢)، وعبد الله بن وهْب (٣) (٤) , واللَّخْمي (٥) (٦) من المالكية، وهو اختيار الشيخ عبيد الله. سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم والله أعلم: هل نهيه ﷺ عن الوصال يدخل فيه الإمساك من سحر إلى سحر أم لا؟ . أدلة القول الأول: القائلين بأنه يكره الوصال من سحر إلى سحر. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يواصل إلى السحر» , ففعل بعض أصحابه, فنهاه, فقال: يا رسول الله, إنك تفعل ذلك قال: «لستم مِثلي, إني أظل عند ربي يُطعمني ويَسقيني» (٧). وجه الاستدلال: أن هذا الحديث صريح في النهي عن الوصال إلى السحر (٨). الدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا, وأدبر النهار من ها هنا, وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (٩).

стр. 317

وجه الاستدلال: أن قوله: «فقد أفطر الصائم» أي: صار مفطرا حقيقة، فلا معنى حينئذ للوصال (١). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يجوز الوصال من سحر إلى سحر بلا كراهة. الدليل الأول: عن أبي سعيد ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» (٢). وجه الاستدلال: فهذا الحديث صريح في إذنه ﷺ بالوصال إلى السحر (٣). الدليل الثاني: عن علي ﵁: «أن النبي ﷺ كان يواصل من سحر إلى سحر» (٤). وجه الاستدلال: أن الحديث نص على أن الإمساك من سحر إلى سحر يسمى وصالا، وقد أذن النبي ﷺ فيه وفعله فيكون نهيه عن الوصال عام، وإذنه بالوصال إلى السحر خاص فيبنى العام على الخاص (٥). الدليل الثالث: ولأن هذا الوصال الذي أذن فيه رسول الله ﷺ لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره، إلا أنه في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه يؤخره؛ لأن الصائم له في اليوم والليلة أكلة, فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره, وكان أخف لجسمه في قيام الليل (٦). الترجيح: الذي يترجح -إن شاء الله- هو القول الثاني: أنه يجوز الوصال إلى السحر بلا كراهة، -وإن كان تعجيل الفطر هو الأفضل-؛ لورود النص عن النبي ﷺ بالإذن في ذلك. وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:

стр. 318

أولا: أما استدلالهم بحديث أبي هريرة ﵁ والذي فيه نهيه ﷺ عن الوصال إلى السحر، فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن رواية: «يواصل إلى السحر»، (رواية شاذة) (١)؛ لأن جميع من روى هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ رواه دون قوله: «إلى السحر»، ولم يروها إلا عبيدة بن حميد (٢)، فكان المحفوظ رواية الأكثر عن أبي هريرة ﵁ (٣). الوجه الثاني: وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة محفوظة فيجمع بين هذه الرواية وحديث أبي سعيد الخدري ¢ بأن يكون النهي عن الوصال أولا جاء مطلقا، سواء في ذلك جميع الليل أو بعضه، ثم خُصّ النهي بجميع الليل، فأباح الوصال إلى السحر. فيُحمَل حديث أبي سعيد ¢ على هذا، وحديث عبيدة على الأول (٤). ثانيا: وأما استدلالهم بحديث عمر ﵁ والذي فيه: «فقد أفطر الصائم»، فيجاب عنه: أن المراد بـ: «أفطر» دخل في وقت الإفطار، لا أنه صار مفطرا حقيقة؛ لأنه لو صار مفطرا حقيقة لما ورد الحث على تعجيل الإفطار، ولا النهي عن الوصال، ولا استقام الإذن بالوصال إلى السحر (٥). والله أعلم.

стр. 319

المطلب الثامن: حكم من أكل أو شرب ناسيا وهو صائم . اختيار الشيخ: اختار أن من أكل أو شرب ناسيا لا يفطر ولا قضاء عليه، فقال: "والحديث دليل على أن من أكل أو شرب ناسيا لصومه فإنه لا يفطره ولا يوجب القضاء" (١). اختلف الفقهاء في من أكل أو شرب ناسيا لصومه هل يفسد صيامه وعليه القضاء أو هو باقي على صيامه ولا قضاء عليه؟ ، على قولين: القول الأول: هو باقي على صيامه ولا قضاء عليه. وبه قال: الحنفية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: صيامه فاسد وعليه القضاء. وبه قال: المالكية (٦). سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم- سببان: السبب الأول: فهمهم لحديث أبي هريرة ﵁ الذي سيأتي ذِكره -إن شاء الله- في الأدلة. السبب الثاني: هل يقاس الصيام على الصلاة؟ (٧). أدلة القول الأول: القائلين هو باقي على صيامه ولا قضاء عليه. الدليل الأول: قوله تعالى ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٨). وجه الاستدلال: أن المكلف إذا لم يؤاخذ بهذا الفطر حال كونه ناسيا كان صومه باقيا على صحته (٩).

стр. 320

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن النسيان ليس من كسب القلب، فلا يؤاخذ عليه الصائم (٢). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل أو شَرِب, فليتم صومه، فإنما الله أطعمه وسقاه» (٣). وفي رواية: جاء رجل إلى النبي ﷺ , فقال: إني أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم؟ فقال: «الله أطعمك وسقاك» (٤). وجه الاستدلال من أربعة وجوه: الأول: أن النبي ﷺ أمر من أكل أو شرب ناسيا بإتمام صومه؛ تخصيصا له بهذا الحكم بقوله: «من أكل أو شرب ناسيا» , فعلم أن هذا إتمام لصوم صحيح, إذ لو كان المراد به وجوب الإمساك؛ لم يكن بين العامد والناسي فرق (٥). الثاني: أنه قال: «فليتم صومه» , وصومه هو الصوم الصحيح المجزئ, وقد أمر بإتمامه, فعُلِم أن الصوم الذي بعد الأكل تمام للصوم الذي قبله, ولو أراد وجوب الإمساك فقط؛ لقال: فليتم صياما, أو: فليصم بقية يومه ونحو ذلك (٦). الثالث: أنه لم يأمره بالقضاء, وقد جاء مستفتيا له عما يجب عليه، شاكا في الأكل مع النسيان: هل يفسد أو لا يفسد؟ . ومعلوم أن القضاء لو كان واجبا، لذَكَره له؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٧).

стр. 321

الرابع: قول النبي ﷺ : «الله أطعمك وسقاك»: معناه: لا صنع لك في هذا الفعل, وإنما هو فعل الله فقط؛ فلا حرج عليك فيه ولا إثم؛ فأتمم صومك (١). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: «من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة» (٢). وفي لفظ: «إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا، فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه» (٣). وجه الاستدلال: نص الحديث على إسقاط القضاء والكفارة على من أفطر ناسيا في شهر رمضان (٤). الدليل الخامس: عن أم إسحاق (٥) ﵂ أنها كانت عند رسول الله ﷺ , فأُتِي بقصعة من ثريد (٦) , فأكلت معه, ومعه ذو اليدين (٧) , فناولها رسول الله ﷺ عَرْقا (٨) , فقال: «يا أم إسحاق! أَصيبي من هذا». فذكرتُ أني كنت صائمة, فتركتُ يدي لا أقدمها ولا أؤخرها,

стр. 322

فقال النبي ﷺ : «ما لك؟ ». قلت: كنت صائمة فنسيت. فقال ذو اليدين: الآن بعدما شبعت؟ فقال النبي ﷺ : «أتمي صومك؛ فإنما هو رزق ساقه الله إليك» (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمرها بإتمام صومها؛ فيكون صياما صحيحا، وأنه لا فرق بين من أكل كثيرا أو أكل قليلا في صحة صيامه (٢). الدليل السادس: عن عمرو بن دينار أن إنسانا جاء إلى أبي هريرة ﵁ فقال: أصبحتُ صائما، فنسيت فطَعِمت، وشرِبت قال: «لا بأس، الله أطعمك وسقاك» , قال: ثم دخلت على إنسان آخر، فنسيت فطعمت، وشربت قال: «لا بأس، الله أطعمك وسقاك» , قال: ثم دخلت على إنسان آخر فنسيت، وطعمت، فقال أبو هريرة ﵁: «أنت إنسان لم تتعَوَّد الصيام» (٣). الدليل السابع: ولأنه قول جمع من الصحابة ولا مخالف لهم، كعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت (٤)، وأبي هريرة، وابن عمر ﵃ (٥). الدليل الثامن: وقياسا على الصلاة، حيث تبطل بتعمد الأكل فيها لا بالنسيان؛ فكذا الصيام (٦). أدلة القول الثاني: القائلين صيامه فاسد وعليه القضاء. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٧).

стр. 323

وجه الاستدلال من الآية: أن المطلوب من المكلف صيام يوم تام لا يقع فيه خَرْم، وهذا لم يأت به على التمام فهو باق عليه (١)؛ لأن الصوم قد فات ركنه, وهو من باب المأمورات, والقاعدة تقتضي: أن النسيان لا يؤثر في طلب المأمورات (٢) (٣). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب, فليتم صومه، فإنما الله أطعمه وسقاه» (٤). وجه الاستدلال من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن الحديث محمول على رفع الإثم والحرج عنه، فأما القضاء فلابد منه؛ لأن صورة الصوم قد عدمت، وحقيقته بالأكل قد ذهبت، والشيء لا بقاء له مع ذهاب حقيقته؛ (كالحَدَث) (٥) يُبطِل الطهارة سهوًا جاء أو عمدا. وهذا الأصل العظيم لا يَرُدُّه ظاهر محتمل للتأويل (٦). الوجه الثاني: لعل الحديث كان في صوم التطوع وذلك لخفة التطوع؛ وذلك لأن هذا الحديث لم يُعَيِّن أن الصوم كان في شهر رمضان (٧). الوجه الثالث: أن المراد بهذا الحديث الإمساك تَشَبُّها، كالحائض إذا طهرت وغيرها ممن وُجِد منه ما ينافي الصوم (٨). الدليل الثالث: ولأن كل فعل لا يصح الصوم مع شيء من جنسه عمدا على وجه، فلا يصح مع سهوه؛ أصله ترك النية (٩).

стр. 324

الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: صحة صيام من أكل أو شرب ناسيا؛ وذلك لصحة أدلتهم، ولسلامتها من المعارضة، وحديث أبي هريرة نص في المسألة. وأما أصحاب القول الثاني فيجاب عن أدلتهم بما يلي: أولا: أما قولهم في حديث أبي هريرة ﵁: إن المقصود من الحديث سقوط الحرج والإثم لا القضاء، فيجاب عنه: أن الحديث جاء صريحا مما لا شك فيه بإسقاط القضاء عن من أكل أو شرب ناسيا. ثانيا: وأما قولهم: إن المقصود من الحديث: مَن أكل أو شرب في صوم النفل، فيجاب عنه: أنه قد صح تعيين شهر رمضان كما سبق في الأدلة. ثالثا: وأما قولهم في تأويل الحديث: إن المراد بالحديث الإمساك تَشَبُّها كالحائض إذا طهرت وغيرها ممن وجد منه ما ينافي الصوم. فيجاب عنه: أن النبي ﷺ قد أمر من أكل أو شرب ناسيا بإتمام صومه، أما الممسك تَشبُّها فليس مُتِما لصومه؛ لأنه لا صوم له أصلا (١). رابعا: وأما قولهم: لأن كل فعل لا يصح الصوم مع شيء من جنسه عمدا على وجه، فلا يصح مع سهوه، أصله ترك النية. فيجاب عنه: أن النية ليس تركها فعلا؛ كالأكل ناسيا، حتى يقاس عليها. ولأنها (شَرْطٌ) (٢)، والشروط لا تسقط بالسهو، بخلاف المبطلات (٣). والله أعلم.

стр. 325

المطلب التاسع: حكم من اسْتَقاء (١) عمدا وهو صائم. اختيار الشيخ: اختار أن من استقاء عمدا بطل صومه وعليه القضاء، فقال: "والحديث دليل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء لقوله فلا قضاء عليه؛ إذ عدم القضاء فرع الصحة. وعلى أنه يبطل صوم من تعمد إخراجه ولم يغلبه؛ لأمره بالقضاء" (٢). اختلف أهل العلم في من استقاء عامدا في رمضان على ثلاثة أقوال: القول الأول: يبطل صومه وعليه القضاء. وبه قال: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة (٦) , والظاهرية (٧)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: لا يفطر وصيامه صحيح. وروي ذلك عن: ابن مسعود، وابن عباس (٨) ﵄ , وطاووس (٩). القول الثالث: يبطل صومه وعليه القضاء والكفارة.

стр. 326

وروي ذلك عن: عطاء بن أبي رباح، وأبي ثور, والأوزاعي (١). سبب الخلاف: قال ابن رشد: "وسبب اختلافهم: ما يتوهم من التعارض بين الأحاديث الواردة في هذه المسألة، واختلافهم أيضا في تصحيحها" (٢). أدلة القول الأول: القائلين بأنه يبطل صومه وعليه القضاء. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ذَرَعَهُ (٣) قيْء, وهو صائم، فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض» (٤). وجه الاستدلال: دل الحديث على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء, ولا يجب عليه القضاء، ويبطل صوم من تعمد إخراجه ولم يغلبه ويجب عليه القضاء (٥). الدليل الثاني: عن أبي الدرداء ﵁: «أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر». قال معدان بن أبي طلحة (٦) الراوي له عن أبي الدرداء: فلقيت ثوبان ﵁ في مسجد دمشق فقلت له: إن أبا الدرداء أخبرني، فذكره، فقال: صدق أنا صببت عليه وَضُوءَه (٧) (٨).

стр. 327

وفي رواية: «استقاء رسول الله ﷺ , فأفطر, فأُتِيَ بماء, فتوضأ» (١). وجه الاستدلال: بينت الرواية الثانية بأن فطره ﷺ كان بسبب استقاءته، لا بسبب ذرع القيء (٢). الدليل الثالث: عن ابن عمر ﵁ قال: «من استقاء وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء» (٣). الدليل الرابع: قال ابن المنذر: "وأجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عامدا" (٤). الدليل الخامس: ولأن المُتعمِّد للقيء والمُستعمِل له والمُكرِه لنفسه عليه، لا يَسْلَم في الغالب من رجوع شيء إلى حلقه، مما قد صار فيه، فيقع به فطره. فلما كان ذلك الغالب من حاله، حُمِل سائره على غالبه؛ كالحكم بالحَدَث في النوم (٥). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يفطر وصيامه صحيح. الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ لا يُفطِرْن الصائم: الحجامة, والقيء, والاحتلام» (٦). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ فقال: «يا عائشة هل مِن كِسرَة؟ «, فأتيته بقرص فوضعه على فيه, وقال: «يا عائشة هل دخل بطني منه شيء؟ كذلك قُبلَة الصائم. إنما الإفطار مما دخل وليس مما خرج» (٧).

стр. 328

الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: «الفطر مما دخل وليس مما يخرج» (١). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁؛ قال: «إذا قاء؛ فلا يفطر, إنما يخرج ولا يولج» (٢). وجه الاستدلال: جاء في هذه الأحاديث أن الصوم لا يُنقَض إلا بشيء يدخل، ولا يُنقَض بشيء يخرج، والإستقاءة مما يخرج فلا تكون ناقضة للصيام (٣). الدليل الخامس: ولأنه لو وجب القضاء لوجبت الكفارة (٤). أدلة القول الثالث: القائلين بأنه يبطل صومه وعليه القضاء والكفارة. استدلوا بقياس تعمد الفطر بالقيء على تعمد الفطر بالجماع: فكما أن تعمد الجماع في رمضان يوجب الكفارة, فكذا الفطر بالاستقاءة يوجب ذلك (٥)، بجامع أن كلّا منهما مُتعمِدٌ للفطر في يوم رمضان (٦). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن من استقاء عمدا أفطر ووجب عليه القضاء؛ وذلك لصحة ما استدلوا به، ولأن حديث أبي هريرة نص في محل النزاع، ولضعف أدلة الآخرين، وبيانه كما يلي: أولا: أما استدلال أصحاب القول الثاني بحديث: «ثلاث لا يفطرن الصائم»، فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث المرفوع ضعيف لا تقوم به الحجة (٧). الوجه الثاني: وعلى التسليم بصحته فيكون المقصود من القيء هنا من ذرعه القيء؛ بدليل اقترانه في نص الحديث مع الاحتلام؛ فكما أن من لم يتعمد إخراج المني -وهو المحتلم- لا

стр. 329

يفطر، فكذا من لم يتعمد إخراج القيء -وهو من ذرعه القيء، لا يفطر. وكما أن استخراج المني بالاستمناء مُفطِّر، فكذا استخراج القيء بالاستقاءة مُفَطِّر (١). ولأن هذا الحديث أتى مطلقا وحديث أبي هريرة ﵁ أتى مقيدا بالعمد فيحمل المطلق على المقيد (٢). ثانيا: وأما استدلالهم بقوله: «الفطر مما دخل وليس مما خرج» , فيجاب عنه: أن استدلالهم هذا معارَض بخروج المني على الصفة التي تُفطِّر، وهي الجِماع والاستمناء، وخروج دم الحيض والنِفاس. فإن قالوا: ما ذُكِر مخصوص بالدليل، قيل لهم: والاستقاءة مخصوصة أيضا بالدليل (٣). ثالثا: وأما قولهم: إنه لو وجب القضاء لوجبت الكفارة، فيجاب عنه: أن إيجاب القضاء على من استقاء دون الكفارة، دليل على أن الكفارة خاصة بمن جامع في يوم رمضان، لا إسقاط القضاء على من استقاء (٤). رابعا: وأما ما استدل به أصحاب القول الثالث: من قياس الاستقاءة على الوَطْء (٥) في لزوم الكفارة, وأن من وجب عليه القضاء وجبت عليه الكفارة, فيجاب عنه من وجهين: الأول: أن النص قد جاء بإيجاب القضاء على المستقيء دون الكفارة، ولو كانت الكفارة واجبة لنص عليها كما نص عليها في من جامع في رمضان. والثاني: أن الكفارة إنما تجب إذا كان الفطر نفسه باختيار الصائم، فأما إذا فعل فعلا يؤدي إلى وقوع الفطر منه بغير اختيار فإنه لا تجب به الكفارة (٦). والله أعلم.

стр. 330

المطلب العاشر: حكم انغماس الصائم في الماء . اختيار الشيخ: اختار جواز انغماس الصائم في الماء موافقة للجمهور، فقال رادا على من رأى كراهة ذلك: "قلت: الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولم يقم دليل على كراهة الدخول في الماء أو التلفف بالثوب المبلول، بل ثبت خلافه فالقول بكراهته مردود على قائله" (١). اختلف الفقهاء في حكم انغماس الصائم في الماء والتلفف بالثوب المبلول على قولين: القول الأول: لا يكره انغماس الصائم في الماء ولا تلففه بالثوب المبلول. وبه قال: المالكية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤) , وأبو يوسف القاضي (٥) , والظاهرية (٦) , وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يكره انغماس الصائم في الماء وتلففه بالثوب المبلول. وبه قال: أبو حنيفة (٧). سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم والله أعلم: هل الدخول في الماء والتلفف بالثوب المبلول يدلّ على المَلَل من الصيام وقلة الصبر، أو هو سبب للتقوي على الصيام؟ . أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا يكره انغماس الصائم في الماء ولا تلففه بالثوب المبلول.

стр. 331

الدليل الأول: عن أبي بكر بن عبد الرحمن (١) عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: «لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعَرْج (٢) يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر» (٣). وجه الاستدلال: في الحديث دليل على أنه يجوز للصائم أن يكسر الحر بصب الماء على بعض بدنه أو كله؛ لفعله ﷺ (٤). وهو أصل في استعمال ما يتقوى به الصائم على صومه، مما لا يقع به الفطر من التبرد بالماء والمضمضة به، والتلفف بالثوب المبلول؛ لأن ذلك يعينه على الصوم ولا يقع به الفطر (٥). الدليل الثاني: قال أنس بن مالك ﵁: «إن لي أَبْزَنا أَتَقَحَّمُ (٦) فيه وأنا صائم» (٧). وجه الاستدلال: أن أنس ﵁ كان لا يرى حرجا في الانغماس في الماء إذا شعر بالحر وهو صائم للتبرد وقد صرح هو نفسه بذلك (٨).

стр. 332

الدليل الثالث: «بَلَّ ابن عمر ﵄ ثوبا فألقاه عليه وهو صائم» (١). وجه الاستدلال: أن الثوب المبلول إذا أُلقي على البدن بَلَّه، فأشبه ما إذا صب عليه الماء، أو إذا انغمس فيه (٢). الدليل الرابع: ولأنه ليس فيه إلا دفع أذى الحر، فلا يُكرَه؛ كما لو استظلَّ (٣). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يكره انغماس الصائم في الماء وتلففه بالثوب المبلول. الدليل الأول: عن عليّ ﵁، قال: «لا تدخل الحمّام وأنت صائم» (٤). وجه الاستدلال: أن علي ﵁ كره للصائم الاغتسال حال كونه صائما. الدليل الثاني: توجيه حديث النبي ﷺ والذي فيه: «أنه كان يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر»؛ أنه لبيان الجواز فقط, وكراهة التنزيه لا تنافي الجواز (٥). الدليل الثالث: ولأن فيه إظهار المَلَل من العبادة والامتناع عن تحمل مشقتها (٦). الدليل الرابع: ولأن فعل رسول الله ﷺ الذي ذكرتموه محمول على حال مخصوصة وهي حال خوف الإفطار من شدة الحر، وكذا فعل ابن عمر ﵁ محمول أيضا على مثل هذه الحالة (٧). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول, جواز اغتسال الصائم ودخوله الماء وتلففه بالثوب المبلول؛ وذلك لصحة ما استدل به أصحاب هذا القول، ولأن النبي ﷺ فعله كما في حديث العَرْج، وصحابته الكرام أيضا. وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:

стр. 333

أولا: أما استدلالهم بأثر علي فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أنه أثر في إسناده ضعف فلا تقوم به الحجة (١). الوجه الثاني: وعلى التسليم بصحته: فأين الدليل على أن عليا ¢ قصد ما ذكروه من كراهة دخول الحمام من أجل المَلَل، بل لعله قصد النهي عن دخوله لحفظ الصوم عن ما يخدشه برؤية العورات، كما جاء عن أبي العالية أنه سئل: أَدخُلُ الحمّام وأنا صائم؟ قال: «أتحبّ أن تنظر إلى عورة غيرك وأنت صائم؟ » , قال: قلت: لا (٢). ثانيا: وأما قولهم: إن فِعل النبي ﷺ لبيان الجواز فقط, وكراهة التنزيه لا تنافي الجواز، فأجاب عنه الشيخ عبيد الله المباركفوري بقوله: "قلت: الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولم يقم دليل على كراهة الدخول في الماء أو التلفف بالثوب المبلول، بل ثبت خلافه فالقول بكراهته مردود على قائله" (٣). ثالثا: وأما قولهم: إن فعل النبي ﷺ وفعل ابن عمر ﵄، محمول على حال مخصوصة، فيجاب عنه: أن حملكم هذا لجواز الفعل على حال خوف الإفطار بحاجة إلى قرينة تدل على ذلك، ولا قرينة (٤). رابعا: وأما قولهم: إن فيه إظهار المَلَل من العبادة والامتناع عن تحمل مشقتها، فيجاب عنه: أنه فعل يعين الصائم على التقوي على صومه، وقد فعله النبي ﷺ وصحابته الكرام. ثم إن تركَ الحنفية العملَ بهذا القول المنقول عن أبي حنيفة يجعل القول بجواز الدخول في الماء، والتلفف بالثوب المبلول للصائم، -بلا كراهة- قولا قريبا من المتفق عليه بين الفقهاء. قال العيني: "كراهة الاغتسال للصائم، رواية عن أبي حنيفة غير معتمد عليها، والمذهب المختار أنه لا يُكرَه" (٥). والله أعلم.

стр. 334

المطلب الحادي عشر: في الأكل والشرب للمتسحر وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حكم من أكل أو شرب وهو شاك في الفجر. المسألة الثانية: هل المعتبر في تحريم الأكل والشرب تبيّن الفجر أو طلوع الفجر؟ .

стр. 335

المسألة الأولى: حكم من أكل أو شرب وهو شاك في الفجر . اختيار الشيخ: اختار أن المتسحر يأكل ويشرب إذا كان شاكا في طلوع الفجر حتى يتيقن, فقال عند حديث: «إذا سمع النداء أحدكم فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» (١) , وكان قد ذكر ست معاني لهذا الحديث، ثم ختم قائلا: "والراجح عندي هو المعنى الثالث ثم الرابع ثم الثاني" (٢). والمعنى الثاني الذي ذكره ورجحه: "هو محمول على من سمع الأذان وهو يشك في طلوع الفجر وبقاء الليل ويتردد فيهما، فيجوز له الأكل والشرب؛ لأن الأصل بقاء الليل حتى يتبين له طلوع الفجر الصادق باليقين أو بالظن الغالب" (٣). تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء أن من أكل أو شرب أو جامع قبل طلوع الفجر فصيامه صحيح (٤). واختلفوا في من أكل أو شرب وهو شاك في طلوع الفجر على قولين. القول الأول: من شك في طلوع الفجر ثم أكل أو شرب لم يجب عليه القضاء. وبه قال: الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: من شك في طلوع الفجر لزمه الإمساك عن الأكل والشرب وجميع المفطرات، فإن لم يمسك وجب عليه القضاء. وبه قال: المالكية (٩). سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم سببان والله أعلم:

стр. 336

السبب الأول: اختلافهم في معنى قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١)، هل هو باقي على عمومه أو هو مخصوص؟ (٢). والسبب الثاني: هل يستصحب حال إباحة الأكل والشرب أو يستصحب حال وجوب الصيام؟ (٣). أدلة القول الأول: القائلين بأن من شك في طلوع الفجر ثم أكل أو شرب لم يجب عليه القضاء. الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٤). وجه الاستدلال: أن الله قد مد الأكل والشرب إلى غاية التبين، ومن أكل أو شرب وهو شاك؛ فقد أكل قبل أن يتبين له الخيط الأبيض، فكان المعنى: جواز اتصال الأكل والشرب بطلوع الفجر (٥). الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال النبي ﷺ : «إن بلالا ينادي بليل, فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم»، ثم قال: وكان رجلا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت. (٦). وجه الاستدلال: أن في الحديث جواز الفطر إلى طلوع الفجر، وبالتالي جواز الأكل مع الشك في طلوعه؛ لأن الأصل بقاء الليل (٧). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» (٨).

стр. 337

وجه الاستدلال: أن الحديث محمول على من سمع الأذان وهو يشك في طلوع الفجر وبقاء الليل ويتردد فيهما فيجوز له الأكل والشرب؛ لأن الأصل بقاء الليل حتى يتبين له طلوع الفجر الصادق باليقين أو بالظن الغالب (١). الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الفجر فجران: فأما الأول فإنه لا يُحَرِّم الطعام، ولا يُحِلّ الصلاة، وأما الثاني، فإنه يُحرِّم الطعام، ويُحِلّ الصلاة» (٢). الدليل الخامس: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: «إذا شك الرجلان في الفجر فليأكلا حتى يستيقنا» (٣). الدليل السادس: أن رجلا قال لابن عباس ﵁: متى أدع السحور؟ فقال رجل: إذا شككت, فقال ابن عباس: «كل ما شككت حتى يتبين لك» (٤). الدليل السابع: عن ابن عباس ﵁ أنه أرسل رجُلين ينظران إلى الفجر فقال أحدهما: أصبحت, وقال الآخر: لا, قال: «اختَلَفتُما، أرني شرابي» (٥). وجه الاستدلال: أن قول ابن عباس أرني شرابي جار على الأصل أنه يحل الشرب والأكل حتى يتبين الفجر، ولو كان قد تبين لما اختلف الرجلان فيه؛ لأن خبريهما تعارضا فتساقطا؛ والأصل بقاء الليل (٦). الدليل الثامن: ولأن الليل متيقن منه، والنهار مشكوك فيه، فلا يترك هذا اليقين إلا بيقين مثله (٧).

стр. 338

أدلة القول الثاني: القائلين بأن من شك في طلوع الفجر لزمه الإمساك عن الأكل والشرب وجميع المفطرات، فإن لم يمسك وجب عليه القضاء. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الآية مخصصة بالعادة التي ركب الله تعالى عليها بني آدم؛ وذلك أن أكثرهم لا يقدرون على إدراك أوائل الفجر؛ لأن ذلك مما يدِقّ ويَرِقّ، ولا يكاد يدركه إلا آحادٌ من الناس، وفي ذلك تَغرير بالصوم. والعبادات تتنزه عن الإغرار والأخطار؛ لأنها في الذِمَّة بتَيَقّن، فلا تبرأ إلا بيقين. ومقارنةُ النية بالفجر محل الخطر، فيُحمَل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾، على القرب (٢). الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال النبي ﷺ : «إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، وكان رجل أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت (٣). وجه الاستدلال: أن الحديث مؤول، ومعناه: قاربتَ الصباح (٤). وتأويل مقاربة الصباح موجودة في الأصول، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٥) , وهذا معناه قارَبن بلوغ أجلهن؛ ولو بلغن أجلهن لم يكن لأزواجهن إمساكهن بالمراجعة لهن وقد انقضت عدتهن (٦). الدليل الثالث: أنهم متفقون على أن الصائم إذا أكل أو شرب شاكا في غروب الشمس أن عليه القضاء، فوجب أن يتفقوا على أن من أكل أو شرب شاكا في طلوع الفجر أن يجب عليه القضاء؛ بعِلَّة: حصول الأكل والشرب في وقت شك، هو ليل أو نهار (٧). الدليل الرابع: ولأن الصائم يلزمه اعتراف طرفي النهار، وذلك لا يكون إلا بتقدم شيء وإن قَلَّ من السحر وآخر شيء من الليل (٨).

стр. 339

الدليل الخامس: ولأن الأصل بقاء الصوم في ذمته، فلا يسقط بالشك، فيلزمه القضاء (١). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول أنه يجوز للصائم الأكل والشرب وإن شك في طلوع الفجر؛ لقوة أدلتهم، ولصحة دلالتها على المطلوب؛ ولأن الآية واضحة في جواز الأكل والشرب حتى طلوع الفجر، لأن الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ داخلة في المغيَّا؛ لأنها محدودة بحرف (حتى). فيكون المعنى جواز اتصال الأكل والشرب بطلوع الفجر (٢). وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بالآية: فقد مضى وجه الاستدلال الصحيح منها في أدلة القول الأول، فلا حاجة لإعادته هنا. ثانيا: وأما قولهم: في حديث ابن أم مكتوم أن الحديث مؤول ومعناه قاربت الصباح، فيجاب عنه: أنه قد جاء ما يقطع العذر، ويرفع الاحتمال، ويسد باب التأويل؛ وهو ما أخرجه البخاري في هذا الحديث من الزيادة: «فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» (٣) , وهذا نص في الباب (٤). ثالثا: وأما قياسهم من أكل شاكا في طلوع الفجر على من أكل شاكا في غروب الشمس، فيجاب عنه: أنه قياس غير صحيح؛ لأن الأصل بقاء النهار، فإذا أكل قبل أن يعلم الغروب، فقد أكل في الوقت الذي يُحكَم بأنه نهار, وإذا أكل قبل أن يتبين الفجر، فقد أكل في الوقت الذي يُحكَم بأنه ليل. ولأن الله سبحانه قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، فمن أكل وهو شاك، فقد أكل قبل أن يتبين له الخيط الأبيض. ولأن الأكل مع الشك في طلوع الفجر جائز, والأكل مع الشك في الغروب غير جائز. وإذا فعل الجائز، لم يفطر (٥).

стр. 340

رابعا: وأما قولهم: إن الصائم يلزمه اعتراف طرفي النهار، وذلك لا يكون إلا بتقدم شيء وإن قَلَّ من السحر وآخر شيء من الليل، فيجاب عنه: أن هذا التزام لصوم ما لم يأمر الله بصيامه، مع مخالفة الآثار في تعجيل الفطر وتأخير السحور وهي متواترة صحاح (١). خامسا: وأما قولهم: بإيجاب القضاء على من أكل شاكا, فيجاب عنه: أن إيجاب القضاء إيجاب فرض فلا ينبغي أن يكون إلا بيقين، ومن أكل شاكا لم يتبين له أنه قد أكل بعد طلوع الفجر (٢). والله أعلم.

стр. 341

المسألة الثانية: هل المعتبر في تحريم الأكل والشرب تَبَيُّن الفجر أو طلوع الفجر ؟ . اختيار الشيخ: اختار أن المعتبر في تحريم الأكل والشرب في الصوم هو تبيّن الفجر لا طلوعه، فقال عند حديث: «إذا سمع النداء أحدكم فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» (١) , وكان قد ذكر ست معاني لهذا الحديث. ثم ختم بقوله: "والراجح عندي هو المعنى الثالث ثم الرابع ثم الثاني" (٢). وهذا هو المعنى الرابع: "الحديث وارد على وفق من يقول من العلماء إن المعتبر في تحريم الأكل والشرب في الصوم هو تَبَيُّن الفجر لا طلوعه، فالأذان مشروع في أول طلوع الفجر وهو ليس بمانع من الأكل والشرب. وإنما المانع تبيّن الفجر خلافا لجمهور العلماء فإن المعتبر عندهم أول طلوع الفجر، ولا شك إن القول الأول أوفق والحديث مبني على الرفق" (٣). تحرير المسألة: جاء في المسألة السابقة أن الفقهاء اختلفوا في إمساك الصائم عن الأكل والشرب إذا شك في طلوع الفجر. وها هنا مسألة أخرى: وهي هل المعتبر هو طلوع الفجر نفسه، أو تبين طلوع الفجر للرائي وإن كان ذلك بعد طلوعه بمدة؟ . وقد اختلفوا في هذه المسألة على قولين: القول الأول: المعتبر في تحريم الأكل والشرب طلوع الفجر. وبه قال: الحنفية (٤) , والمالكية (٥) , والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين (٨). القول الثاني: المعتبر في تحريم الأكل والشرب تبيّن الفجر. وهو قول: الظاهرية (٩).

стр. 342

وروي ذلك عن: علي ابن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، ﵃ , ومسروق (١)، وهو اختيار الشيخ. سبب الخلاف: هو اختلافهم في معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٢)، هل المانع عن الأكل والشرب هو طلوع الفجر نفسه، أو هو تبينه عند الناظر إليه، وعليه فيكون من لم يتبينه، مباح له الأكل والشرب حتى يتبين، وإن كان الفجر قد طلع (٣). أدلة القول الأول: القائلين بأن المعتبر في تحريم الأكل والشرب طلوع الفجر. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٤). وجه الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: في قوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ , فلو كان المراد به التبيُّن بانتشار الضوء، لقيل: الخيط الأحمر؛ لأن الضوء إذا انتشر ظهرت الحُمرة (٥). الوجه الثاني: قوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ دليل على أنه يتميز أحد الخيطين من الآخر, وإذا انتشر الضوء؛ لم يبق هناك خيط أسود (٦). الدليل الثاني: عن سَهْل بن سَعد (٧) ﵁؛ قال: «أُنزِلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ , ولم ينزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ , فكان رجال إذا أرادوا الصوم؛ ربط

стр. 343

أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود, ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما, فأنزل الله بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ , فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار» (١). وجه الاستدلال: إن بعض الصحابة كانوا أولا يربط أحدهم في رجليه خيطا أبيض وخيطا أسود, ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فنزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ لرفع هذا التوهم (٢). الدليل الثالث: وعن عدي بن حاتم (٣) ﵁؛ قال: لما نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ عمدت (٤) إلى عِقالين (٥)؛ عقال أبيض وعقال أسود, فوضعتهما تحت وِسادتي (٦) , فجَعلتُ أقوم الليل فلا يتبين لي, فلما أصبحتُ؛ ذكرتُ ذلك للنبي ﷺ , فقال: «إن وِسادك لعريض (٧) , إنما هو بياض النهار من سواد الليل» (٨).

стр. 344

وجه الاستدلال: إن النبي ﷺ قال لعدي ﵁: «إنما هو بياض النهار وسواد الليل» , فعلم أنه أول ما يبدو البياض الصادق يدخل النهار, كما أنه أول ما يُقْبِل من المشرق السواد يدخل الليل. فهذا نص من النبي ﷺ أن الانتظار إلى أن ينتشر الضوء حتى يتبين العقال الأبيض من الأسود غير جائز (١). الدليل الرابع: عن سَمُرَة بن جُنْدَب (٢) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق الْمُسْتَطِيلُ (٣) هكذا، حتى يَسْتَطِيرَ (٤) هكذا» (٥). وجه الاستدلال: في الحديث دليل على أنه متى ظهر البياض المعترض المنتشر الذي به ينفجر الفجر؛ فقد حرم الطعام (٦). الدليل الخامس: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبان (٧) أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 345

«هما فجران؛ فأما الفجر الذي كأنه ذَنَب السِرْحان (١)؛ فإنه لا يُحِلّ شيئا ولا يحرمه, وأما المستطير الذي يأخذ الأفق؛ فبه تحل الصلاة ويحرم الصيام» (٢). وجه الاستدلال: نص الحديث على أن طلوع الفجر الصادق هو الذي به تحل الصلاة ويحرم الطعام (٣). أدلة القول الثاني: القائلين بأن المعتبر في تحريم الأكل والشرب تبيّن الفجر. الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٤). وجه الاستدلال: أن الله تعالى أباح الجِماع والأكل والشرب إلى أن يتبين لنا الفجر، ولم يقل تعالى: حتى يطلع الفجر، فلا يجب الصوم بطلوع الفجر ما لم يتبين للرائي (٥). الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، وكان رجل أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت (٦). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد أجاز الأكل إلى حين يؤذن ابن أم مكتوم, مع قوله: «لا يؤذن حتى يقال له أصبحتَ»، أي: طلع الفجر, ومعلوم أن من أكل حين تأذينه؛ فقد أكل بعد طلوع الفجر؛ لأنه لا بد أن يتأخر تأذينه عن طلوع الفجر ولو لحظة (٧).

стр. 346

الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمع النداء أحدكم والإناء في يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» (١). وجه الاستدلال: معلوم أنه ﷺ أراد النداء الثاني الذي أخبر أنه بعد طلوع الفجر (٢). الدليل الرابع: عن زِر بن حُبَيش (٣) قال: قلت لحذيفة ﵁: يا أبا عبد الله، تسحرت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قلت: أكان الرجل يبصر مواقع نبله؟ قال: «نعم، هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع» (٤). وجه الاستدلال: أن حذيفة ¢ يحكي أنهم تسحروا مع رسول الله ﷺ بعد الفجر وأحدهم يبصر مكان نبله، وضوء النهار قد انتشر (٥). الترجيح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الأول أن المعتبر في تحريم الأكل والشرب طلوع الفجر؛ لصحة ما استدلوا به ولصراحته, ولموافقته ما جاء في القرآن الكريم والسُنَّة. ولكن ها هنا تنبيه: فقد ظهر في هذه الأزمنة المتأخرة، الاعتماد الكامل على ما يسمى بالتقويم في إثبات دخول مواقيت الصلاة، ومن ذلك صلاة الفجر. والإشكال: أن هذه التقاويم مختلفة أشد الاختلاف، فكل هيأة تزعم أن تقويمها هو الموافق لطلوع الفجر الصادق. وقد راجعت بعض التقاويم، في أحدث البرامج، وتبين لي أن الفرق بينها في توقيت طلوع الفجر في المدينة النبوية، يزيد عن عشرين دقيقة، وهذا فرق كبير جدا. ولكن يبقى الواجب على الصائم أن يمسك عند سماع أذان الفجر والعهدة على المؤذن.

стр. 347

وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بالآية فغير وجيه، لما تقدم من معنى الآية ووجوه الاستدلال منها في أدلة القول الأول, ومن جهة اللغة فإن العرب تسمي بياض الصبح أول ما يبدو خيطا قال شاعرهم: فلما أَضاءَت لنا ظُلْمَة ... ولاحَ مَن الصُبحِ خَيْط أَنارَا (١) فلم يبق لهم في الآية حجة لا من جهة الشرع ولا من جهة اللغة. ثانيا: وأما استدلالهم بحديث حذيفة ﵁ فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الحديث لا يصح مرفوعا، وإنما هو من فعل حذيفة ﵁ , فلا يكون حديثه معارضا للأدلة الصريحة الصحيحة التي دلت على أن طلوع الفجر، يمنع من الأكل والشرب ونحوهما (٢). الوجه الثاني: وعلى تقدير صحة رفعه: يكون هذا الحديث منسوخا (٣). ويبينه ما جاء عن بلال (٤) ﵁ أنه جاء إلى النبي ﷺ وهو يتسحر, فقال: الصلاة. فذهب ثم رجع, فقال: الصلاة. ثم ذهب ثم رجع, فقال: يا رسول الله! لقد أصبحنا. فقال: «يرحم الله بلالا, لولا بلال؛ لرجونا أن يرخص لنا إلى طلوع الشمس» (٥). ففي قوله ﷺ : «لرجونا أن يرخص لنا إلى طلوع الشمس»، دليل على أن التحديد بالفجر لم يكن مشروعا إذ ذاك، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وقوله ﷺ : «حتى يؤذن ابن أم مكتوم» (٦).

стр. 348

ثالثا: وأما استدلالهم بحديث: «فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» , وقوله: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده؛ فلا يضعه حتى يقضي حاجته»؛ فيجاب عنه: أن الحديثين دلا على أنه لا يستحب إمساك جزء من الليل, وأن الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ داخلة في المغيى؛ بخلافها في قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ , ولهذا جاءت هذه بحروف (حتى) , ولا ريب أن الغاية المحدودة بـ (حتى) تدخل فيما قبلها؛ بخلاف الغاية المحدودة بـ (إلى) (١). وليس معنى الحديثين ما فهموه من جواز الأكل والشرب إلى ما بعد طلوع الفجر. والله أعلم.

стр. 349

المطلب الثاني عشر: حكم صيام من أدركه الفجر وهو جُنُب (١) من احتلام (٢) أو جِماع. اختيار الشيخ: اختار صحة صيام من أدركه الفجر وهو جُنُب من احتلام أو جماع، فقال: "وفيه دليل على صحة صوم من دخل في الصباح وهو جُنُب من احتلام أو من جماع أهله" (٣). تحرير محل الخلاف: أجمع أهل العلم أن الاحتلام بالنهار لا يفسد الصيام (٤). واختلفوا في من أدركه الفجر وهو جنب من احتلام (٥) أو جماع على قولين: القول الأول: أن صيامه صحيح, وإن اغتسل بعد الفجر. وبه قال: الحنفية (٦) , والمالكية (٧) , والشافعية (٨) , والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠)، وهو اختيار الشيخ ﵀. القول الثاني: أن صيامه غير صحيح وعليه القضاء. وبه قال: أبو هريرة ﵁ (١١).

стр. 350

أدلة القول الأول: القائلين بأن صيامه صحيح, وإن اغتسل بعد الفجر. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١). وجه الاستدلال: أحل الله الجماع في ليالي رمضان مطلقا, ومن جملته الوقت المقارب لطلوع الفجر، بحيث لا يسع الغسل؛ فتقتضي الآية الإباحة في ذلك الوقت, ومن ضرورته الإصباح جنبا. والإباحة لسبب الشيء إباحة للشيء. فكان دليلا على أن الجنابة لا تضر الصوم (٢). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: «أشهد على رسول الله ﷺ إن كان ليصبح جنبا من جماع غير احتلام, ثم يصومه» (٣). وعنها ﵂: «كان رسول الله ﷺ يصبح جنبا من جماع, لا من حُلم، ثم لا يفطر ولا يقضي» (٤). وعنها أيضا ﵂: «كان النبي ﷺ يدركه الفجر جُنُبا في رمضان من غير حُلم فيَغتسل ويصوم» (٥). وعنها وعن أم سلمة ﵄: «أن رسول الله ﷺ كان يُدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم» (٦).

стр. 351

الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» (١). وجه الاستدلال: أن هذه الأحاديث دليل على أن من أصبح جنبا فصومه صحيح ولا قضاء عليه، من غير فرق أن تكون الجنابة عن جِماع أو غيره (٢). الدليل الخامس: ولأن الغسل شيء وجب بالإنزال، وليس في فِعله شيء يَحْرُم على الصائم، فإن الصائم قد يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل ولا يَفسُد صومه، بل يُتمّه إجماعا؛ فكذلك إذا احتلم ليلا، بل هو من باب أولى. وإنما يُمنَع الصائم من تَعمُّد الجِماع نهارا (٣). الدليل السادس: ولأن حَدثَه إذا انقطع لم يبق أكثر من وجوب الطهارة، وذلك لا يمنع الصوم كالمُحْدِث (٤). أدلة القول الثاني: القائلين بأن صيامه غير صحيح وعليه القضاء. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: أنه ﷺ قال: «من أدركه الفجر جُنُبا فلا يصم» (٥). الدليل الثاني: وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نودي للصلاة، صلاة الصبح، وأحدكم جُنُب فلا يصم يومئذ» (٦). وجه الاستدلال: في الحديث نهي النبي ﷺ مَن أجنب ليلا واستمر جنبا -فلم يغتسل حتى طلع الفجر- عن الصوم، وظاهره يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون ذلك باختياره كالجِماع أو بغير اختياره كالاحتلام (٧).

стр. 352

الدليل الثالث: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر (١) أنه احتلم ليلا في رمضان فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر, ثم نام قبل أن يغتسل, فلم يستيقظ حتى أصبح, قال: فلقيت أبا هريرة ﵁ حين أصبحت فاستفتيته في ذلك, فقال: «أفطر, فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بالفطر إذا أصبح الرجل جنبا» (٢). الترجيح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الأول: أن صيامه صحيح, وإن اغتسل بعد الفجر؛ لصحة ما استدلوا به, ولثبوته عن النبي، ولأن أمر الأمة استقر على صحة صيام من لم يغتسل من الجنابة إلا بعد طلوع الفجر. قال النووي: "ثم ارتفع هذا الخلاف، وأجمع العلماء بعد هؤلاء على صحته" (٣). وأما أدلة القول الثاني فيجاب عنها بما يلي: أولا: أن أبا هريرة ﵁ قد تراجع عن هذه الفتوى كما ثبت عنه, وهذه النصوص توضح ذلك: الأول: عن عامر بن أبي أُمَيَّة (٤) ¢، أخي أم سَلَمة ﵂: "أن أم سلمة حدثته «أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنبا ثم يصوم» , قال: «فَرَدَّ أبو هريرة فُتياه» (٥). الثاني: ذُكِر لأبي هريرة ﵁ أن أم سلمة وعائشة ﵄ تقولان: «كان النبي ﵁ يصبح جُنُبا من غير حلم، ثم يصوم»، قال: «هما أعلم»، ثم رد أبو هريرة ﵁ ما كان يقول في ذلك إلى

стр. 353

الفَضْل بن العَبَاس (١) , فقال أبو هريرة: «سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي ﷺ »، قال: «فرجعَ أبو هريرة عما كان يقول في ذلك الحديث» (٢). الثالث: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: «من احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم، قال: ثم سمعته نزع عن ذلك» (٣). الرابع: عن سعيد بن المسيب، «أن أبا هريرة ﵁ رجع عن فتياه: من أصبح جنبا فلا صوم له» (٤). وبثبوت رجوع أبي هريرة ﵁ عن فتياه لا تبقى أية حجة، بل ولا أية شبهة، لمن خالف قول الجمهور. ثانيا: وأما حديث أبي هريرة ﵁ فيجاب عنه: أن حديث أبي هريرة ﵁ منسوخ, وأنه كان في أول الأمر حين كان الجماع محرما في الليل بعد النوم كما كان الطعام والشراب محرما, ثم نسخ ذلك ولم يعلمه أبو هريرة ﵁ , فكان يفتي بما علمه حتى بلغه الناسخ, فرجع إليه (٥). والله أعلم.

стр. 354

المطلب الثالث عشر: حكم صيام الحائض والنُفَساء إذا طهرت قبل الفجر، ولم تغتسل إلا بعد الفجر . اختيار الشيخ: اختار أن الحائض والنُفَساء إذا طهرت قبل الفجر وأخرت الاغتسال إلى ما بعد الفجر فصيامها صحيح، فقال: "فائدة: في معنى الجنب الحائض والنفساء إذا انقطع دمها ليلا ثم طلع الفجر قبل اغتسالها" (١). تحرير محل الخلاف: أجمع أهل العلم على أن الحائض والنُفَساء لا يحل لهما الصوم، وأنهما يفطران رمضان، ويقضيان، وأنهما إذا صامتا لم يجزئهما الصوم (٢)، لقول عائشة: «كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٣). واختلفوا في المرأة تَطهُر من دم الحيض أو النِفاس قبل طلوع الفجر فتؤخر اغتسالها حتى تصبح، هل صيامها صحيح؟ على قولين: القول الأول: صيامها صحيح. وبه قال: الحنفية (٤) , والمالكية في المذهب (٥) , والشافعية (٦) , والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨)، وهو اختيار الشيخ ﵀. القول الثاني: أن صيامها غير صحيح وعليها قضاء ذلك اليوم. وهو قول عند: المالكية (٩). وبه قال: الأوزاعي (١٠).

стр. 355

سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم: اختلافهم في الحائض إذا ارتفع الدم عنها، ورأت علامة الطهر، هل حكمها حكم الحائض في العبادات والعادات حتى تغتسل بالماء، أو حكمها حكم الطاهر في الجميع، وإن لم تغتسل؟ (١). أدلة القول الأول: القائلين بأن صيامها صحيح. الدليل الأول: لأنها محدِثة زال حَدَثُها قبل الفجر، ولم يبق عليها سوى فعل التطهير؛ فوجب أن يصح صومها كالجُنُب والمُحْدِث (٢). الدليل الثاني: ولأن الطُهْرَ من الحيض هو: رؤية المرأة للنَقاء، ولا يُشترط غُسْلها بالماء، فمن طلع عليها الفجر طاهرا، لزمها صوم ذلك اليوم؛ لأن الصوم ليس من شرطه الاغتسال (٣). الدليل الثالث: ولأن حَدَثها هذا زال موجِبه قبل الفجر، فلا يمنع بقاء حكمه صحة الصوم، كحَدَث الجنابة (٤). الدليل الرابع: ولأنها أهلٌ لأداء الصوم من أول النهار، فجاز صومها (٥). أدلة القول الثاني: القائلين بأن صيامها غير صحيح وعليها قضاء ذلك اليوم. الدليل الأول: لأنها في بعض اليوم غير طاهرة، وليست كالتي تصبح جُنُبا فتصوم؛ لأن الاحتلام إذا وقع في النهار لا ينقض الصيام، والحيض ينقضه (٦). الدليل الثاني: وقياسا على الحائض إذا طهرت -ولم تُفِرِّط في غُسْلِها- فإننا نسقِط عنها الصلاة، إذا لم تُدْرِك بعد غُسْلها مقدار ركعة في الوقت، فكذا من طهرت ولم تغتسل إلا بعد الفجر أسقطنا عنها الصيام (٧). الترجيح: الذي يترجح -إن شاء الله- هو القول الأول: أن من طهرت قبل الفجر وأخرت اغتسالها إلى ما بعد الفجر فصيامها صحيح؛ لأنها أهل لأداء الصوم من أول النهار، فجاز
следующие страницы →